المقدمة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

 

إن الله سبحانه وتعالى قضى وأمضى قضاءه أن لا يُبلِّغ الشريعة إلاّ خيرُ خلقه محمد(ص) أو رجل منه، فكان أمير المؤمنين(ع) ومِن بعده أبناءه المعصومون إماماً بعد إمام إلى الثاني عشر منهم (عجل الله فرجه وسهل مخرجه)، ولم تكن الأمة بالمستوى الذي يؤهلها ليكون الإمام (عجل الله فرجه) بين ظهرانيها يأمر فيُطاع، ولذلك ابتلينا بالغيبة، ولكن لم نترك هباءاً، وإنما نصب (ع) من ينوب عنه في غيبته الكبرى، ولم يكونوا إلا فقهاء آل محمد(ص) وحملة علومهم.
وقد قال الحجة (عجل الله فرجه) فيهم: "... هم حجتي عليكم وأنا حجة الله" وبهذا التنصيب خاب العدو ورجع كيده إلى نحره، حيث كان يأمل أن إذا غاب الحجة(عجل الله فرجه) وفقدت الأمة إمامها ستبقى شيعته لقمة سائغة للطامعين المنحرفين...
وبقى لواء الحمد الذي حملته كف أمير المؤمنين(ع) خفافاً، ينتقل من كفَ عالم رباني إلى كف آخر، يهدون الأمة ويحرسونها من كيد كل كائد وينقذونها من حبائل كل مضل.
ولقد ورد في الحديث الشريف عن إمامنا علي الهادي(ع) أنه قال:" لولا من يبقى بعد غيبة قائمنا من العلماء الداعين إليه، والدالين عليه، والذابين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته ومن فخاخ النواصب لما بقي أحد إلاّ ارتد عن دين الله، ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها أولئك هم الأفضلون عند الله عزّ وجل".
فكانت سفينة النجاة بعد أهل البيت(عليهم السلام) حملة علومهم وأقرب الناس إليهم، الذين قال الله تعال فيهم: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات".
وقد حصر الله تعالى الخشية الحقيقية منه فيهم فقال: "إنما يخشى الله من عباده العلماء".
والذين قال فيهم النبي(ص): "العلم وديعة الله في أرضه والعلماء أمناؤه عليه...".
والذين قال فيهم أمير المؤمنين(ع): "من وقر عالماً فقد وقّر ربّه".
إن للعالم على الأمة فضلاً لا يدانيه أي فضل، كيف وقد أوقف العالم نفسه لأمته وضحّى بشبابه وبكل متع الدنيا ليرى أمته وقد استضاءت بنور آل محمد(ص) وقد ورد عن رسول الله(ص) أنه قال: "والذي نفس محمد بيده لعالم واحد، أشد على إبليس من ألف عابد، لأنّ العابد لنفسه والعالم لغيره".
إن مثل العالم في الأمة ـ في عصر غيبة إمامها ـ مثل النبي في أمته، يكون قدوتها، ويهدي ضالّها، ويُرشد مسترشدها، ويثبت المؤمنين على الصراط المستقيم...
وما أجمل ما ورد عن إمامنا الرضا(ع) حيث يقول: ... ويقال للفقيه: يا أيها الكافل لأيتام آل محمد، الهادي لضعفاء محبيهم ومواليهم، قف حتى تشفع لمن أخذ عنك أو تعلم منك...".
وإذا ما رجعنا إلى تاريخنا ـ شيعة أهل البيت(ع) في العراق ـ لوجدنا علمائنا في الصدارة في كل ما هو نبيل من العفة والشهامة والزهد والمروة والغيرة على الدين والشجاعة والجهاد والتضحية والجهر بالحق. ولو لا ذلك لما بقي من حملة فكر أمير المؤمنين(ع) أحد إلا هلك تحت وطأة الطغاة الذين بدأوا ـ في تاريخ الإسلام ـ بالحجاج وأخذوا يتعقبون حجّاجا بعد آخر إلى أن وصلت النوبة إلى حجّاج اليوم ...
إن علمائنا في العراق كالكواكب في السماء لكن الشهيد الصدر الأول(قده سره) كان كوكباً دريّاً في سماء العلم، والوعي، والجهاد، والتفاني في حُبّ شيعة أهل البيت(ع).
وفي هذا الصدد يروي سماحة آية الله العظمى السيد كاظم الحائري(دام ظله) أن السيد الشهيد(قدس سره)* كان يقول: "إن العراق بحاجة إلى دماء تراق لتكسر حاجز الخوف عن الناس وترجع إليهم إرادتهم ويجب أن يكون ذلك الدم هو دم الطبقة الأولى من الشيعة في العراق ولا يكون إلا دمي ودم أصحابي...".
ويردف دام ظله": وكان رأيه(قدس سره) أن يقسمنا قسمين، قسم يُستشهد معه والآخرون يخلفونه في قيادة الأمة...، إلاّ أن الظروف الملعونة لم تسمح للسيد الشهيد(قدس سره) أن يحقق أمنيته، وبقي (رضوان الله عليه) مضطهداً ومحاصراً إلى أن وفّق لنيل ذلك الشرف العظيم.
فكانت حركة السيد الشهيد(قدس سره) هذه نقلة نوعية في حياة المرجعية والعمل الإسلامي في العراق... وقد ملئت قلوب شيعة العراق بذلك غضباً وحقداً على الطغاة حيث أنهم معروفون بغيرتهم وحبهم للعلماء وتفانيهم من أجل الحفاظ عليهم، وتقديم الغالي والنفيس في سبيل ذلك، وإذا بهم يرون المرجعية قد سبقتهم للتضحية في سبيلهم، يرون العلماء يستشهدون دونهم.
وبقي الغضب يغلي في الصدور إلى أن أعطت دماء الشهيد الصدر العظيم(قدس سره) ثمارها، فكانت الحركة المباركة للمرجع الشهيد محمد الصدر(قدس سره)، والتفت الجماهير حوله ورأت فيه نَفَس صدرها الأول(قدس سره) فتفانت في الالتفاف حوله وحمل أفكاره...
إلاّ أنّ الطاغي العنيد كان يرقب ذلك جيّداً ولمّا حانت الفرصة وجّه ضربةً كان يحسبُ أنها مميتة فامتدت يده الأثيمة إلى صدر الأمة الثاني فمزقته برصاص الغدر والخيانة، لكن الشهيد المظلوم(قدس سره) كان قد سحب البساط من تحت أقدام الطاغية وجرّده عن سلاحه ببصيرته الثاقبة حيث وجّه الأمة الوجهة التي تبقى بها جذوة الجهاد وهّاجة فأمر الأمة بالانضواء (مرةً أخرى) تحت لواء الصدر العظيم ـ آية الله العظمى الشهيد السيد محمد باقر الصدر(قدس سره) ـ من خلال الرجوع إلى حامل أفكاره ووريثه سماحة آية الله العظمى السيد كاظم الحسيني الحائري(دام ظله).
وبهذا الأمر وهذه الوصية يكون الصدر الثاني قد أنجز مهمّة ما بعده وهذا ما لا يوفّق له إلاّ الأفذاذ من علماء الأمّة وقادتها فسلامٌ على الصدرين الشهيدين يوم ولدا، ويوم ثارا، ويوم استشهدا، ويوم تقف الأمّة بين أيديهما وهي ـ إن شاء الله ـ قد أحسنت العمل بما أرادا وأدّت المسؤولية كاملة، وما التوفيق إلاّ بالله العلي العظيم.
وإليكم تعريفاً موجزاً عن حياة سماحة آية الله العظمى السيد كاظم الحسيني الحائري (دام ظله):


أولاً: نسبه ونشأته
ثانياً: دراسته.
ثالثاً: جهاده وهجرته
رابعاً: مؤلفاته ونتاجاته العلمية
خامساً: تلاميذه
 

أولاً: نسبه ونشأته:



هو السيد كاظم بن السيد علي بن السيد جليل بن السيد ابراهيم الحسيني الحائري.
ولد في العاشر من شعبان من عام 1357هـ ق في كربلاء المقدسة.
وكان والده(قدس سره) من طلبة العلوم الدينية في كربلاء المقدسة ومن مواليدها وهاجر إلى النجف الأشرف لتكميل الدراسة فأصبح من علمائها وأساتذة العلم فيها.
وأما والدته فهي كريمة آية الله الشيخ محمد رضا الفاضل(قدس سره) وكانت رضوان الله عليها من ذوات الفضل والعلم.
هاجر مع والده(قدس سره) إلى النجف الأشرف وهو لا زال رضيعاً...، ولمّا بلغ الثانية والعشرين من عمره الشريف تزوّج من ابنة عمه فأنجبت له أربعة بنين وهم الشهيد السعيد السيد جواد وقد استشهد في جبهات القتال مع النظام البعثي الغادر، السيد صادق، السيد علي، والسيد محمد رضا.


ثانياً: دراسته


بدأ دراسته في السنة الخامسة من عمره الشريف على يد والدته الفاضلة، فتعلّم القراءة والكتابة والقرآن الكريم والأدعية والزيارات وعدداً من الرسائل العمليّة وعدداً من كتب الحديث الشريف ككتاب "عين الحياة" للمرحوم المجلسي(قدس سره).
ثم تتلمذ على يد والده(قدس سره) فبدأ بعلوم اللغة العربية وانتهى بكتاب "المكاسب" للشيخ الأنصاري(قدس سره) وكتاب "الكفاية" للشيخ الآخوند الخراساني(قدس سره) ودرس (دام ظله) بعض المقاطع من السطح على يد آخرين.
وقد كان المرحوم والده(قدس سره) لا يُدرّسه بالطريقة المألوفة وإنما بطريقة خاصة، حيث جعل له درساً خاصّاً به فقط، وقلب طريقة التدريس فكان يأمر ولده بمطالعة الدرس جيّداً ثم يأتي فيلقي التلميذُ الدرس على أستاذه فإذا أخطأ في مورد ـ وقلّما يحصل ـ يصحح له الأستاذ.
ولم يكن قد أكمل السابعة عشرة من عمره إلاّ وقد أكمل السطح العالي ودخل درس المرحوم آية الله العظمى السيد محمود الشاهرودي(قدس سره) فشارك في خارج الفقه والأصول معاً.
فكان البعض يتضايق من حضوره لصغر سنه ويطلب من أبيه أن لا يحضره في مثل هكذا درس ضخم وكان والده(قدس سره) يقول لهم امتحنوه فإنّه أهل للحضور.
ودرس ـ دام ظله ـ على يد المرحوم آية الله العظمى السيد محمود الشاهرودي(قدس سره) أكثر من دوره كاملة في أصول الفقه مضافاً إلى عدّة أبواب من الفقه طيلة تتلمّذه، وكان (دام ظله) كثير السؤال والإشكال في الدرس ويشهد بذلك كلّ من حضر معه.
واستمر في ملازمة المرحوم الشاهرودي(قدس سره) سنين طويلة ولمّا غزرَ علمه أحال السيد الشاهرودي(قدس سره) عليه بعض الإستفتآت.
ولمّا تعرّف (دام ظله) على أستاذه الثاني الصدر(قدس سره) حدثت نقلة في حياته العلمية فأخذ بملازمة الشهيد(قدس سره) ردحاً طويلاً من الزمن درس عليه الفقه والأصول كما درس الفلسفة والإقتصاد تحت إشراف أستاذه الشهيد(قدس سره).
وكان يُساعد أُستاذه علميّاً في تأليف كتاب "الأسس المنطقية للاستقراء" ـ وموضوعه حسابُ الاحتمالات وكيفيّة وصولها إلى العلم ـ.


ثالثا: جهاده وهجرته


كان (دام ظله) من الرعيل الأول الذين اعتقدوا بأن فلسفة وجودهم هو السعي لإقامة حكم الله في الأرض فسعى لذلك بكلّ ما أوتي من قوّة بحيث سمعناه يقول: إنّ آمالي جميعها كانت معقودة على مرجعية الشهيد الصدر الأول(قدس سره) وكنت أعتقد أنها هي المشروع الصحيح الواقعي لإنقاذ الأمّة وحلّ مشاكلها.
وكان (دام ظله) قد كتب قبل الثورة الإسلامية كتابه المسمّى بـ"أساس الحكومة الإسلامية" و تبعه كتابه الآخر "الكفاح المسلّح في الإسلام" وقبل سنوات أصدر كتاباً آخر في ضرورة إقامة حكومة العدل في الأرض على يد الفقيه الجامع للشرائط، وسمّاه بـ"ولاية الأمر في عصر الغيبة".
وبسبب الظروف العصيبة والمضايقات التي كانت تتعرض لها الحوزة العلمية في النجف الأشرف على العموم والصفوة الواعية فيها بالخصوص اضطر ـ دام ظله ـ إلى الخروج من النجف الأشرف حيث هاجر سنة 1394 هجرية قمرية ونزل في الحوزة العلمية المباركة في قم المقدسة، وبدأ نشاطه العلمي أوّلاً بتدريس السطح العالي لفترةً وجيزة ثم شرع بتدريس الخارج فقهاً وأصولاً فكان درسه الشريف لا يحضره إلاّ الذين يبحثون عن التبحُر والغور العميق، بحيث أنّ درسه الآن باللغة العربيّة ويحضره حتّى أفاضل العلماء الإيرانيين طلباً للتحقيق.


رابعاً: مؤلفاته


خطّ قلمه الشريف عديداً من الكتب في شتى الموضوعات التي أثرى بها المكتبة الإسلامية في الأصول والفقه وغيرهما مما هو مطبوع أو غير مطبوع وأهمّها:
1 ـ "مباحث الأصول": (أربعة أجزاء منها مطبوع) وهي من تقريرات سماحة السيد لبحث الشهيد الصدر(قدس سره) مع تعليقاته عليه.
2 ـ "أساس الحكومة الإسلامية": (مطبوع) من إصدار عام 1399هـ، تحدّث فيه سماحة السيد عن الديمقراطية، والشورى، وولاية الفقيه.
3 ـ "الكفاح المسلّح في الإسلام": (مطبوع) من إصدار عام 1402هـ، تحدّث فيه سماحة السيد عن الجهاد في عصر الغيبة.
4 ـ "ولاية الأمر في عصر الغيبة": (مطبوع) من إصدار عام 1414هـ، تحدّث فيه سماحة السيد عن ولاية الفقيه.
5 ـ "دليل المجاهد": (مطبوع) من إصدار عام 1414هـ، وهي مجموعة من الفتاوى على الأسئلة التي وردت على سماحة السيد (دام ظله) فيما يرتبط بعمل المجاهدين في داخل العراق.
6 ـ "القضاء في الفقه الإسلامي": (مطبوع) من إصدار عام 1415هـ، تحدّث فيه سماحة السيد عن فصل الخصومات بالقضاء.
7 ـ "الإمامة وقيادة المجتمع": (مطبوع) من إصدار عام 1415هـ، وهي تمثّل مجموعة من محاضرات سماحة السيد في إحدى السنين ألقاها في شهر رمضان المبارك لعامة الناس، تحدّث فيه سماحة السيد عن منصب الإمامة للأئمة المعصومين(عليهم السلام) وعن قيادتهم للأمة.
8 ـ "الفتاوى المنتخبة": (مطبوع) من إصدار عام 1417هـ، وهي رسالة عمليّة على شكل استفتاءات وردت على سماحة السيد (دام ظله).
9 ـ "المرجعية والقيادة": (مطبوع) من إصدار عام 1418هـ، تحدّث فيه سماحة السيد عن المرجعية وعن مدى ارتباطها بالقيادة، وهي أيضاً تمثل مجموعة من محاضراته(دام ظله).
10 ـ "دليل المسلم المغترب": (مطبوع) من إصدار عام 1418هـ، وهي مجموعة من الفتاوى على الأسئلة التي وردت على سماحة السيد (دام ظله) فيما يرتبط بالمسلمين في البلاد الغربية.
11 ـ سبعة أجزاء تتمة القسم الثاني من كتاب "مباحث الأصول" : (غير مطبوع).
12 ـ "تزكية النفس": (مطبوع).
13 ـ "فقه العقود" في مجلدين (مطبوع).
14 ـ كتاب في اللقطة: (غير مطبوع).
15 ـ كتاب في الخمس: (غير مطبوع).
16 ـ كتاب في الزكاة: (لم يكتمل بعد).
17 ـ كتاب في أصول الدين: (لم يكتمل بعد).


خامساً تلاميذه:



تلمذ على سماحته ـ دام ظله ـ جمع غفير من طلبة الحوزة العلمية في النجف الأشرف وقم المقدسة ورشفوا من منهل درسه الشريف حتى بلغوا درجات سامية في مقامات العلم والفضل، ويشغل بعضهم في الحال الحاضر مراكز سياسية وتربوية دينية حساسة وخطيرة في داخل الجمهورية الإسلامية وخارجها.
ونشير هنا إلى جملة من هؤلاء العلماء الأفاضل:
1 ـ سماحة السيد محمود الهاشمي الشاهرودي
2 ـ سماحة الشيخ محمد علي التسخيري
3 ـ سماحة الشيخ محسن الاراكي
4 ـ سماحة الشيخ محمد سعيد النعماني
5 ـ سماحة السيد محمد علي الحائري (شقيق سماحته)
6 ـ سماحة السيد حسين محمد هادي الصدر
7 ـ سماحة السيد علي رضا الحائري
8 ـ سماحة السيد عبد الهادي الشاهرودي
9 ـ سماحة السيد محمد حسين الحائري (شقيق سماحته)
10 ـ سماحة السيد علي أكبر الحائري (شقيق سماحته)
11 ـ سماحة الشيخ محمد سعيد الواعظي
12 ـ سماحة السيد محمد باقر الهاشمي
13 ـ سماحة الشيخ علي أكبر برهان
14 ـ سماحة الشيخ الصالحي الافغاني
15 ـ سماحة الشيخ عيسى البحراني
16 ـ سماحة السيد عبد العزيز الحكيم
17 ـ سماحة الشيخ هلال المؤمن
18 ـ سماحة الشيخ مهدي الهادوي
19 ـ سماحة السيد جعفر حجت كشفي
20 ـ سماحة السيد عبد الامير الحكيم
21 ـ سماحة الشيخ محمد تقي المولى
22 ـ سماحة السيد راضي العوادي
23 ـ سماحة الشيخ مهدي الفتلاوي