المقدمة

 ليست هي بنت اليوم ظاهرة جلاء الشيعة العراقيين من وطنهم وتشتتهم في غير بقعة من الارض جراء سياسات التمييز والقمع والمطاردة التي يتعرضون لها من حكومات الجور في العراق.

 فقد كابد العراقيون اتباع أهل البيت: مرارة الاوضاع الناجمة من تلك السياسات الحكومية والتي ما برحت توجه ضدهم وبمبررات غير منقوصة الاداء كانت ولم تزل تخفي وراءها احقادا طائفية متسترة ببراقع دينية او وطنية او قومية مزعومة، بيد انها تبقى أَبدا غير مشروعة ولااخلاقية تتجافي مع قيم الدين والانسانية، وتتقاطع حتى مع الدعاوى المزعومة لتلك الحكومات، اذ يكون -ناتجها- غالبا مزيدا من عدم الاستقرار الذي يدفع ثمنه جميع العراقيين، بأستثناء النخب السياسية الحاكمة التي تمسك بالسلطة في العراق منذ تأسس الدولة العراقية الحديثة المتتبعة لصالح معادلات الغرب والقوى الاجنبية.

 إن ارتهان تلك النخب السياسية للقوى الاجنبية يُعدُّ أحد أبرز افرازات ما يصطلح عليه اليوم بدولة التجزئة القطرية التي تحكم البلاد وفقا لجغرافية  سايكس بيكو  وضمن مرجعيتها الاستعمارية القاضية بمدّ التجزئة من الجغرافية  السياسية  الى المجتمع الاهلى المدنى الاصيل بانتمائه الى الاسلام، ومن خلال افتعال صراعات موهمة وخاطئة تطال بحسب الواقع العراقى الماثل طوائف معينة فى المجتمع حتى ولو كانت بحسب قواعد الديموغرافيا هم الاغلبية والاكثر وطنية واهمية فى البلاد وعلى كافة الاصعدة، ولصالح اقلية سياسية طائفية حاكمة.

 صحيح ان الحكومات العراقية المتعاقبة لا تحكم بأسم الاسلام ولا بأسم طائفة معينة، ولايعنيها الانتماء الدينى أوالطائفى - بحكم علمانيتها ولا دينيتها - ، ولكنها حكمت ولم تزل تحكم البلاد انطلاقا من انتماء معين، ولا أدل على ذلك من احتكار السلطة بيد نخبة تنتمى للطائفية السنية، ورفض اية محاولة مهما بدت ضئيلة لقبول اي امتياز سياسي يقر للطوائف الاخرى حقوقها، بل والانكى من ذلك ممارسة سياسة التفريق والتصفيات العرقية والطائفية ضد اقوام وطوائف معينة، كما هو حاصل فعلاً مع الاكراد فى شمال الوطن والشيعة فى الوسط والجنوب.

 ان الطائفية السياسية تعنى وبدقة ممارسة التمييز القومي والديني سياسيا ومن خلال إرساء نمط علاقات بين السلطة والمجتمع تقوم على قاعدة نفي الطوائف الاخرى - غير الطائفة الحاكمة- من الحياة السياسية، وغمطها حقوقها السياسية والثقافية، وتصعيدا، نعتها بشتى النعوت التمييزية والاستعلائية المبخسة لحقوقها.

 فقد اصطلح البعثيون على تسمية الشيعة بـ(الطائفية الصفراء)، وتسمية الاكراد بـ(العصاة المتمردين والانفصاليين)، وما الى ذلك من نعوت مشينة  ومؤدلجة  هدفها ابدا الحط من قيمة الكيانات الاخرى ولاغراض هى محض سياسية تجد اندفاعاتها فى ظل نظام الطائفية السياسية الموجه لسائر الحكومات العراقية على الاطلاق.

 لقد كان الشيعى العراقى الاصيل بأنتماءه للوطن ودفاعه عنه، عرضه لكل اساليب التنكيل والمطاردة، وكانت النتيجة الطبيعية لذلك، هى هجرة الكثيرين منهم الى خاج الوطن طلبا للامان واستهدافا لادامة النضال والجهاد ضد الطغمة الحاكمة، بعد ان كادت تنعدم فرص العمل السياسى والجهادي داخل الوطن فى ضل اوضاعه غير الطبيعية.  فتناثر العراقيون فى غير بقعة من الارض ينتقلون من مكان الى آخر، لا تحط رحالهم فى بلد حتى يعزمون على تغيير مسارهم فى رحلة نائية الى بلد آخر مجهول وغير مقصود يوفر لهم حدا معقولا من الاحترام والعيش الكريم.

 ومع هذه القوة الطاردة التى قذفت بابناء العراق صوب كل اتجاه ناءٍ وبعيد تبدأ مشكلة اخرى لا تقل خطورة عن المشكلة الاصل -الهجرة من الوطن-، وهي مشكلة الاغتراب بمعنييه المعنوي والمادي، فالاغتراب المعنوي يظهر عندما يجد المرء نفسه عبئا عليه فيما تحمل من افكار وتصورات لم تجد لها واقعا ماثلاًاو حقيقيا، وقد تجد ثمة تغاير وتنافي بين الذات وما تحمل من افكار وتصورات وبين الواقع الذي تحكمه أَنماط سلوكية وثقافية اخرى لاتمت لمحتوى الذات وأهدافها بثمة صلة يمكن ان تحقق الحد الادنى من التجانس أوالتعايش معها.

 اما الاغتراب المادي، فهو التغرّب  او التغريب  عن بلد ترعرع فيه المغترب وألفه فهو غَرْبٌ -اي النوى والبعد عن الوطن- عن الاهل والوطن والاحباب، ويتأكد هذا الغَرْبُ حينما يتحول الى اغتراب فلا ارض يمكن ان تخفف من وطأة التغرب، وقد تتحول الارض ما سوى الوطن الى منافي اختيارية بكل ما تحمل المنافي من معانٍ مؤلمة وقاسية على النفس.

 والمهم بالنسبة للمؤمنين المغتربين هو العمل بالتكليف الشرعي وتحمّل المشاق وتجاوز العقبات مهما كانت، لان وقوعها لايكون بالنسبة للمؤمن، الا في اطار اهدافه وما انيطت به من تكاليف ولهذا فهي معاناة وآلام في عين الله تعالى ومن اجله وله في نهاية المطاف، مما يؤكد مسألة مهمة وخطيرة في الان نفسه، وهي ان يعي المؤمن المهاجر والمغترب اهدافه التي من اجلها أُبعد او ابتعد عن وطنه، وبالاضافة، ان يعيشها دائما، لكي لاينسى ذلك البعد المهم من شخصيته فيستلهمه اينما كان فى عمل جديد واهداف جديدة تناسب موقعه والمكان الذي هو فيه.

 فشخصية المؤمن تستمد قوتها من الهدف الذي تعيشه باستمرار، وقد حدثنا التأريخ عن انجازات حضارية لا يكاد المرء ان يصدقها، صنعها رحَّالة مسلمين استطاعوا التأثير في البلاد الاجنبية التي شدوا رحالهم اليها لاسباب كثيرة ومتنوعة، فكانت انجازاتهم دالة على الاهداف الكبيرة التي كانوا يعيشونها.

 ان الحد الادنا لهدفية المسلم في حياته العامة، وحياة الاغتراب والهجرة خاصة، هو صيانة نفسه واهله من تاثيرات الثقافة والحياة الاجتماعية للدول الاجنبية التي يقيم فيها، وتحصينهم من الانجرار وراء مغرياتها ومقاومة قوة الجذب فيها واحباط مفعولها من خلال التزام الثقافة الاسلامية وتمثل الحكم الشرعي الاسلامي وعمل كل ما من شأنه تحقيق هذين الامرين. قال تعالى:   يا ايها الذين آمنوا قُو أَنفُسكم واهلِيكُم ناراً وَقُودها الناسُ والحجارة..   سورة التحريم: الاية  6وبغير ذلك - لا سمح الله - يفقد المسلم شخصيته والتزاماته وعهوده مع الله تعالى ومع امته ومجتمعه، وينهار صاغرا مسلوب الارادة منسلخا من افضل حقيقة كرمه الله تعالى بها اذ دعاه اليها فقبلها وعاشها ثم انسلخ منها، تلك هي حقيقة الايمان، وحقيقة كونه عضواً في جماعة أو مجتمع مسلم. فينقض عهدين كان قد عهدهما، عهد مع الله، وعهد مع مجتمعه وامته. فاذا كان نقض العهد مع الله خيانة وكفرا ومآله الى النار في يوم الاخرة فان نقض العهد مع المجتمع هو نقض لعهد طبيعي بشري يخرج الانسان من امته وملته فينعت بضعف الشخصية وانهيار مكوناتها فيكون مطرودا منها ومحتقرا أَبدا. ولا أَدل على ذلك من شدة مشاعر الكراهية والاحتقار لاولئك المتغربين ثقافيا الذين باعوا مجتمعاتهم وقيمهم وثقافتهم واعتنقوا بدلا عنها ثقافة الغرب فكانوا عملاء ومتغربين  جروّا الويلات على امتهم ولم يربحوا شيئا بل خسروا وباءوا بغضب الله تعالى.

 وباتجاه معاكس يجد المتتبع ان اقواما لا دينيين او وثنيين استطاعوا المحافظة على خصوصياتهم الثقافية فكرا وسلوكا وذوقا وفي المجالات الحياتية كافة - قد تصل الى احد المحافظة على الزي وقواعد المعاشرة والاكل- رغم انهم قد تعرضوا لغزو المستعمرين، او كانوا قد تعرضوا لغزو ثقافي بشكل مباشر ومكثف، لا لشي الا لاعتزازهم بشخصياتهم الحضارية ووفائهم لمجتمعاتهم واممهم ولا بُعد آخر اكثر من ذلك بالنسبة لهؤلاء.

 ان التزام الحكم الشرعي بالنسبة لموارد الابتلاء في ديار الاغتراب لا يعني التزاما بمجرد  فتوى  تحكي عن رأي الشريعة في المورد المبتلى به عمليا وحسب، بل ويعني -ايضاً- التزام بمنظومة دفاعية لمواجهة أخطار الحياة الاجتماعية الغربية وثقافاتها، وبالتالي تؤكد انها منظومة مقاومة أو دفاع هجومي، وبرنامج حياة يوفر الحد الذي يكون فيه المسلم ملتزما وداعية في الوقت نفسه. وبذلك فان التزام الاحكام الشرعية  الفتاوى  الخاصة بامور المغتربين في البلاد الافرنجية، تمنح المسلمين الحصانة الكافية لمواجهة تيارات الثقافة الغربية من جهة، وتؤهلهم لممارسة دورهم الاصيل والاساسي بكونهم دعاة الى الله وهادفين واصحاب رسالة و قضية  من الجهة الثانية.

 وهذا بالذات ما دفعنا لاعداد الكتاب من خلال تجميع المسائل الشرعية الخاصة بظروف المغتربين المسلمين وكان هدفنا الاول والاخير هو اسداء خدمة لاخواننا النائين عن بلدهم العراق الجريح، وهي خدمة هدفها رضى الله تعالى. ونامل من اخواننا الاستفادة منها وجعلها برنامجا لحياتهم، فهي مسائلهم التي بعثوا بها لسماحة آية الله السيد كاظم الحائري  مد ظله  وقد اجاب عنها، وهي الان مجموعة بحلة جديدة في كتاب أَسميناه: (دليل‏ المسلم ‏المغترب).

 

 وآخر دعوانا ان الحمد للَّهِ رب العالمين