صفحه 5  

  

 

 

 

 

 

كلمة المكتب

 

يسرّ مكتب سماحة المرجع الدينيّ آية الله العظمى السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ مدّ ظلّه أن يقدّم للإخوة المؤمنين طبعته الجديدة من كتاب (الفتاوى المنتخبة) التي تضمّ الجزء الأوّل والثاني معاً، وقد امتازت باُمور سترد الإشارة إليها في موضوع: تعريف موجز بالكتاب، على أمل أن يكون قد وفّر خدمة دينيّة تتمثّل في نشر الوعي الفقهيّ وتيسير عمليّة تطبيق المكلّف ممارساته اليوميّة وفق الشريعة الإسلاميّة المقدّسة. وفي الوقت نفسه يرى من المناسب والمفيد أن لا تخلو مقدّمة هذه الطبعة عن تعريف القارئ الكريم بشخص سماحة السيّد المرجع مدّ ظلّه، وعن بعض آراء سماحته في المجال الفكريّ والسياسيّ إثراءً للوعي الدينيّ والثقافة الإسلاميّة النقيّة التي يحاول الأعداء تشويهها، إضافة إلى تعريف موجز بالكتاب.

لذا نحاول استثمار صدور الطبعة الجديدة من الكتاب لتقديم هذه المقدّمة الموجزة التي تمّ تسليط الضوء فيها على محاور ثلاثة:

أوّلاً: تعريف موجز بشخص سماحة السيّد المرجع مُدّ ظلّه.

ثانياً: تعريف موجز ببعض أفكار سماحته.

ثالثاً: توطئة وتعريف موجز بالكتاب، وبيان أهمّ امتيازات هذه الطبعة.

 
  صفحه 6  

  

أوّلاً: تعريف موجز بشخص سماحة السيّد المرجع:

مولده واُسرته:

ولد سماحة المرجع الدينيّ آية الله العظمى السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ مُدّ ظلّه
في العاشر من شعبان عام (1357 هـ . ق) في مدينة كربلاء المقدّسة من أبوين كريمين، هما: آية الله السيّد عليّ الحسينيّ الحائريّ ، وكريمة سماحة آية الله الشيخ محمّدرضا الفاضل ، وله خمسة أشقّاء توفّي اثنان منهم في سنّ الطفولة. ولمّا بلغ الثانية والعشرين من عمره الشريف تزوّج ابنة عمّه، فأنجبت له أربعة بنين.

ولقّب سماحة السيّد المرجع بالحسينيّ نسبة إلى نَسبه الشريف الذي ينتهي إلى الإمام الحسين ، ولقّب بالحائريّ نسبة إلى الحائر الحسينيّ، حيث إنّ ولادته كانت في كربلاء المقدّسة.

 

دراسته المقدّمات والسطوح:

انتقل به والداه وهو في سنّ الصغر إلى النجف الأشرف، وبدأ بالدراسة في الخامسة من عمره الشريف، ولم تكن المدارس آنذاك منتشرة كما عليه اليوم، فلذا بدأت والدته بتعليمه، فكانت أوّل اُستاذ له، فعلّمته القرآن الكريم أوّلاً، ثمّ كتاب مفاتيح الجنان في الأدعية والزيارات، ثمّ قامت بتدريسه الأحكام الشرعيّة على ضوء بعض الرسائل العمليّة في ذلك الوقت، كما قامت بتدريسه بعض مؤلّفات العلاّمة المجلسيّ ، نظير كتاب (عين الحياة).

ولمّا بلغ السابعة أحالت أمر تعليمه إلى والده، وكان أوّل ما درس عنده في العقائد (حقّ اليقين) للمجلسيّ، وفي الدراسات الحوزويّة (جامع المقدّمات)، وبعد إنهاء (جامع المقدّمات) بدأ بكتاب (السيوطيّ) في النحو طبقاً لمنهجة الدراسة آنذاك.

 
  صفحه 7  

وكانت طريقة الوالد في تدريسه خاصّة ومبتكرة، ولم تكن مألوفة في الدراسة في حوزة النجف الأشرف العلميّة، وهي أن يقوم التلميذ بمطالعة الدرس أوّلاً وثمّ يشرع بشرحه لاُستاذه ثانياً، ثمّ يأخذ الاُستاذ بتصحيح ما قد التبس على التلميذ فهمه، وهذا المنهج من الدرس شاهد على ما لسماحة السيّد من القدرات العالية على تلقّي المطالب العلميّة، ومن الذهنيّة العالية التي تجعله مؤهّلاً لتقبّل هكذا منهج في تلقّي الدروس، وبهذا الاُسلوب من الدرس أكمل في مدّة عشرة أعوام دراسة المقدّمات والسطوح إلى نهاية كتاب (المكاسب) للشيخ الأنصاريّ ، وكتاب (الكفاية) للشيخ الآخوند الخراسانيّ .

 

حضوره الدروس العليا (الخارج):

حضر درس الخارج لدى المرحوم آية الله العظمى السيّد محمود الشاهروديّ وعمره آنذاك سبع عشرة سنة، وأوّل درس حضره كان في بحث (اجتماع الأمر والنهي) في الاُصول، فكان البعض يتضايق من حضوره لصغر سنّه، ويطلب من أبيه أن يمنعه عن حضور مثل هذا الدرس العالي المستوى، وكان والده يعرض عليهم اختباره ليجدوا أهليّته لحضور مثل هذا الدرس. وهذا من شواهد نبوغ سماحة السيّد المرجع مُدّظله.

فدرس طيلة ما يقارب أربع عشرة سنة لديه أكثر من دورة كاملة في اُصول الفقه، مضافاً إلى عدّة أبواب من الفقه، ولمّا بلغ النضج العلميّ أحال السيّد الشاهروديّ عليه الإجابة عن بعض الاستفتاءات.

وفي نفس تلك الآونة التي كان يحضر فيها درس السيّد الشاهروديّ تعرّف على آية الله العظمى السيّد محمّد باقر الصدر وحضر درسه، ولكن بعد شيخوخة السيّد الشاهروديّ وتركه التدريس تمحّض حضوره في درس اُستاذه المرجع الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر .

فلازم السيّد الشهيد ردحاً طويلاً من الزمن بلغ اثنتي عشرة سنة، درس عليه الفقه، والاُصول، والفلسفة، والاقتصاد.

 
  صفحه 8  

  

هجرته إلى قم المقدّسة:

اضطرّ سماحة السيّد المرجع ـ  مُدّ ظلّه ـ بسبب المستجدّات من ظروف العمل الجهاديّ إلى الهجرة عن النجف الأشرف سنة (1394 هـ . ق) إلى مدينة قم المقدّسة، فنزل في حوزتها العلميّة المباركة، وبدأ نشاطه العلميّ بتدريس السطح العالي فترة وجيزة، ثُمّ شرع بتدريس الخارج، وبدأ إلى جانب ذلك بحثاً تحت عنوان: بيان الوظيفة المتعيّنة في زمن غيبة الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرجه الشريف.

وكانت بداية هذا البحث قبل انتصار الثورة الإسلامية، وقد تشعّب البحث إلى ثلاثة فروع:

الأوّل: حول حكم الجهاد في زمن الغيبة، هل واجب فيها، أو هو خاصّ بزمان ظهوره ؟

الثاني: في طريقة الحكم الإسلاميّ، هل هي على أساس ولاية الفقيه، أوالشورى؟

الثالث: بحث أخلاقيّ.

وأمّا البحث الثالث في الأخلاق، فقد طلب منه اُستاذه المرجع الشهيد الصدر بعد ما بلغه إلقاء البحث أن يقوم بطبعه، ولكن لم يتيسّر طبعه في حياة السيد الشهيد وقد طبع بعد شهادته(1)، وذلك بعد تطويره وبتفصيل أكثر تحت عنوان (تزكية النفس).

 

جهاده في المهجر:

ومن المهجر واصل عمله العلميّ في تربية العلماء والفضلاء، فإضافة إلى بحوثه العليا التي كان يلقيها في الفقه والاُصول أسّس عام (1401 هـ) مدرسة علميّة تحمل اسم اُستاذه


(1) اعتمدنا فيما ذكرناه عن حياة سماحة السيّد المرجع ـ  دام ظلّه ـ على الحوار الذي نشرته مجلّة (فقه أهل البيت ) في عددها (33).

  صفحه 9  

الشهيد الصدر لتربية العلماء والمبلّغين، وقد خرّجت العديد من الأساتذة والعلماء والخطباء، وأسّس مكتباً خاصّاً بإرسال المبلّغين والخطباء إلى المناطق العربيّة للوعظ والإرشاد الإسلاميّ، ونشر الوعي الدينيّ فيها، كما تابع اُمور العمل الجهاديّ في العراق من خلال إشرافه وتوجيهه لنشاط الحركة الإسلاميّة في العراق، ودعم وتأييد العمل الجهاديّ ضدّ السلطة الطاغية فيه، وذلك بعد مراسلات حصلت مع اُستاذه المرجع الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر بعد هجرته إلى قم المقدّسة.

وتوجيهاته وفتاواه الرشيدة في قضايا العمل الجهاديّ التي يحويها كتاب (دليل المجاهد) الذي صدر في أيّام حكم النظام البعثيّ المقبور شاهد حيّ على ما ذكرنا.

وواصل سماحته بعد احتلال العراق إرشاداته بإصدار بيانات هامّة متناسبة مع الأحداث، استنكر فيها دخول قوّات الاحتلال أرض العراق، وتدنيسهم بلد المقدّسات، كما أكّد في كثير من بياناته لزوم التمسّك بعُرى الوحدة، وأوصى بوجوب التآزر والتكاتف بين أبناء الشعب، واحترام المراجع وعلماء الدين.

 

كلمات اُستاذه في حقّه:

إنّ لاُستاذه المرجع الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر كلمات في حقّة تدلّ على عمق التفاعل العاطفي معه، وتبرز ـ  في نفس الوقت ـ فائق عنايته به وعقد الآمال عليه، فقد كان يصدّر رسائله الموجّهة إليه بفقرات غاية في التعبير العاطفيّ عن ودّه وحنانه تجاهه، وبكلمات مبيّنة منزلته لديه، حيث يقول في إحداها:

«ولدي العزيز أبا جواد، لا عُدمتك ولا حُرمتك سنداً وعضداً..».

ويقول في اُخرى:

«عزيزي المعظّم أبا جواد، لا عُدمتك ولا حُرمتك، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:

 
  صفحه 10  

فقد تسلّمت بقلب يرتعش شوقاً وحنيناً، وينزف ألماً سطوركم الحبيبة، وقرأتها مراراً ومراراً..».

ويقول في ثالثة:

«قد ربّيتك يا أباجواد من الناحية العلميّة، وكنت آمل أن أستعين بك في هذه المرحلة حينما تتراكم الاستفتاءات ووقتي محدّد، وفيه ما فيه من أشغال ومواجهات، وهموم، وآمال...»(1).

 

مؤلّفاته:

ألّف سماحة السيّد المرجع كتباً عدّة في مجالات علميّة متنوّعة، منها:

1 ـ مباحث الاُصول:

وهو تقرير سماحته ـ  مُدّ ظلّه ـ لبحث اُستاذه الشهيد الصدر في علم اُصول الفقه مع تعليقاته عليه.

ويقع في تسعة أجزاء، وتتوزّع على قسمين، أربعة أجزاء منها تشكّل القسم الأوّل، وتبتدئ بمقدّمة علم الاُصول وتنتهي بآخر بحث المجمل والمبيّن، وقد طبع الجزء الأوّل والثاني منها، والجزءان الآخران يُعدّان للطبع حاليّاً، وخمسة منها تشكّل القسم الثاني، وتبتدئ ببحث حجّيّه القطع، وتنتهي بآخر بحث التعادل والتراجيح، وقد طبعت جميعها.

2 ـ أساس الحكومة الإسلاميّة:

وهو دراسة فقهيّة استدلاليّة مقارنة بين ثلاثة اُسس لمشروعيّة الحكم، هي الديمقراطيّة، والشورى، وولاية الفقيه، صدر عام (1399 هـ). وهو أوّل كتاب مطبوع من التأليفات المخطوطة لدى سماحة السيّد المرجع، وقد انعكست عمدة آرائه الجديدة في كتابه ولاية الأمر في عصر الغيبة الذي سيرد ذكره لاحقاً.


(1) مقاطع من رسائل خطّيّة لدى سماحة السيّد المرجع مُدّ ظلّه، وقد نشرت صورة عنها على الموقع الإلكترونيّ لمكتب سماحته في قم المقدّسة تحت عنوان (السيرة الذاتيّة ـ نبذة عن حياته).

  صفحه 11  

3 ـ الكفاح المسلّح في الإسلام:

بحث فيه سماحة السيّد الجهاد في عصر الغيبة. صدر عام (1403 هـ).

4 ـ ولاية الأمر في عصر الغيبة:

بحث فقهيّ استدلاليّ تضمّن مقدّمة عالج فيها بعض الشبهات التي تثار حول إقامة الحكم الإسلاميّ في عصر غيبة الإمام عجّل الله فرجه الشريف، وستّ مسائل هي من أهمّ ما يثار حول مبدأ ولاية الأمر في عصر غيبة الإمام المنتظر عجّل الله فرجه. صدر عام (1414 هـ).

5 ـ دليل المجاهد:

وهي مجموعة من الاستفتاءات التي كانت ترد مكتب سماحته فيما يرتبط بعمل المجاهدين في داخل العراق ضدّ الحكومة الصدّاميّة المجرمة. وقد جمعت مع أجوبتها في كتاب صدر عام (1414 هـ).

6 ـ القضاء في الفقه الإسلاميّ:

دراسة استدلاليّة تتناول أهمّ مباحث القضاء في الفقه الإسلاميّ مقارناً في جملة منها بالفقه الوضعيّ. صدر عام (1415 هـ).

7 ـ الإمامة وقيادة المجتمع:

وهو عبارة عن مجموعة محاضرات عامّة في منصب الإمامة وقيادة الأئمّة للاُمّة. صدر (عام 1415 هـ).

8 ـ الفتاوى المنتخبة:

وهي رسالة عمليّة على شكل استفتاءات وردت مكتب سماحة السيّد دام ظلّه. وقد طبعت بعد تهذيبها وتبويبها في جزءين عام (1417هـ ) وعام (1423هـ ).

9 ـ المرجعيّة والقيادة:

وهي مجموعة محاضرات في المرجعيّة ومنصب القيادة. صدرت عام (1418 هـ).

 
  صفحه 12  

10 ـ دليل المسلم المغترب:

وهي مجموعة من الفتاوى في الأسئلة التي وردت مكتب سماحة السيّد من المسلمين المقيمين في البلاد الغربيّة. صدرت عام (1418 هـ).

11 ـ تزكية النفس:

وهو كتاب يبحث موضوع تزكية النفس في أربع حلقات، تشتمل الحلقة الاُولى على البحث العلميّ في تزكية النفس، والحلقة الثانية على مدخل البحث العلميّ لتزكية النفس، والحلقة الثالثة على البحث العمليّ في تزكية النفس، والحلقة الرابعة على بحث المثبّطات عن تزكية النفس والمحفّزات إليها. صدر عام (1421 هـ).

12 ـ فقه العقود:

دراسة مقارنة في فقه العقود بين الفقه الإسلاميّ والفقه الوضعيّ. صدر عام (1421 هـ).

13 ـ تعليقة فقهيّة على الجزء الأوّل من الفتاوى الواضحة:

وهي تعليقة على الرسالة العمليّة للمرجع الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر . صدرت عام (1423 هـ).

14 ـ اُصول الدين:

وهو بحث مختصر في اُصول الدين. صدر عام (1424 هـ).

15 ـ الشهيد الصدر سموّ الذات وسموّ الموقف:

وهو ترجمة حياة المرجع الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر ، طبع ابتداءً كمقدّمة للجزء الأوّل من القسم الثاني من مباحث الاُصول، ثُمّ طبع في كتاب مستقلّ.

16 ـ فتاوى في الأموال العامّة:

وهو كتيّب يحوي موجز فتاوى سماحته في الزكاة، والخمس، والفيء والأنفال، واللقطة ومجهولة المالك، وأرض الخراج. صدر عام (1426 هـ).

17 ـ مناسك الحجّ:

ويحوي فتاوى سماحته فيما يرتبط بأبواب فريضة الحجّ والعمرة. صدر عام (1425 هـ).

 
  صفحه 13  

18 ـ مسائل في الحجّ والعمرة:

وهي رسالة عمليّة تحوي مجموعة استفتاءات وردت سماحة السيّد ـ  دام ظلّه ـ فيما يرتبط بمناسك الحجّ والعمرة. وقد طبعت بعد تهذيبها وتبويبها عام (1429 هـ).

19 ـ مباني فتاوى في الأموال العامّة:

وهو كتاب استدلاليّ ذكر فيه سماحة السيّد المرجع أدلّته بشكل موجز على ما ذكره من فتاوى في كتاب (فتاوى في الأموال العامّة). صدر عام (1428 هـ).

20 ـ مفاهيم تربويّة في قصّة يوسف :

وهو كتيّب يحوي محاضرات سماحة السيّد ـ  دام ظلّه ـ في الجانب التربويّ من قصّة يوسف . صدر عام (1429 هـ).

21 ـ تعليقة فقهيّة على الجزء الثاني من منهاج الصالحين:

وهي تعليقة فقهيّة بيّن فيها سماحة السيّد المرجع فتاواه التي تخالف ما هو في المتن، وأضاف في موارد عدّة بشكل مختصر أدلّته عليها. صدر عام (1430 هـ).

22 ـ كتاب البيع:

وهو بحث فقهيّ استدلاليّ لمباحث كتاب البيع وفق منهجة الشيخ الأنصاريّ في كتابه المكاسب. وهو غير مطبوع في الوقت الحاليّ.

23 ـ كتاب الإجارة:

وهو غير مطبوع في الوقت الحاليّ.

وله ـ  دام ظلّه ـ كتب اُخرى وأبحاث ومقالات علميّة كثيرة قد نشر بعضها في بعض المجلاّت العلميّة، وبعضها الآخر ينتظر الطبع.

 

ثانياً: تعريف ببعض أفكار سماحة السيّد المرجع:

نظراً لمستجدّات الساحة الإسلاميّة وما يمرّ به عالمنا الإسلاميّ من تيّارات فكريّة آتية من هنا وهناك ـ  سيّما ظروف الاحتلال في عراقنا الجريج بما جلبه المحتلّ من

 
  صفحه 14  

تيّارات فكريّة وسياسيّة، أو هيّأ له الأرضيّة الصالحة للنموّ ـ وجدنا من المناسب أن نعالج ولو مختصراً بعض المفردات التي تناولتها تلك التيّارات والتي تشكّل بالنسبة للمنظومة الفكريّة والاجتماعيّة الإسلاميّة عصب الحياة، وهي مفهوما الدين والوطن، وذلك من وجهة نظر سماحة السيّد المرجع مدّ ظلّه، والتي عالجها سماحته في كتاباته ومحاضراته قبل أكثر من ثلاثة عقود(1)، وكأ نّه قد قرأ كفّ الزمن وعرف مكامن الخطر التي لابدّ أن تُحصّن.

 

مفهوم الدين:

ناقش سماحة السيّد المرجع ـ  مُدّ ظلّه ـ آراء المفكّرين والفقهاء الغربيّين في مجال الفقه في كتابيه (فقه العقود) و (القضاء في الفقه الإسلاميّ)، و في كتابه (أساس الحكومة الإسلاميّة)(2) ناقش آراء المفكّرين الغربيّين في علم الاجتماع، وعلى رأسهم المفكّر الفرنسيّ جان جاك روسو(3).


(1) وقد ورد أوّل بحث لهذه المفاهيم من سماحة السيّد ـ  دام ظلّه ـ في كتاب أساس الحكومة الإسلاميّة الصادر عام (1399 هـ) ـ (1979م).

(2) انظر الصفحة: 32 ـ 43 بحسب الطبعة الاُولى، الدار الإسلاميّة، لبنان.

(3) جان جاك روسو (1712 ـ 1778) مفكّر وفيلسوف فرنسيّ الأصل وسويسريّ المولد، وُلد في مدينة جنيف فيما يُعرف الآن بسويسرا من اُسرة فرنسيّة الأصل وبروتستانتيّة المذهب، توفّيت اُمّه عقب ولادته مباشرة، تاركة الطفل لينشأ في كنف والده الذي عهد به إلى أحد الحفارين كي يعلّمه صناعة، وكان هذا الرجل فظّاً قاسياً، فغادر روسو المدينة هارباً منه، فنشأ مشرّداً وهو في السنة السادسة عشرة من عمره، وهام على وجهه يحترف شتّى الحرف في سويسرا وإيطاليا إلى أن استطاع أن يكوّن نفسه وتتهيّأ له فرصة الاستقرار والتعلّم.

نشر عام (1762م) كتابين: أحدهما (العقد الاجتماعيّ) والآخر (إميل) أو في التربية، (وإميل اسم الطفل الذي يرسم روسو برنامج تربيته)، فأنكرت السلطة الباريسيّة الكتاب الأخير، وهمّت باعتقال المؤلّف، ففرّ إلى سويسرا، ولكن السلطة بها أنكرت الكتاب أيضاً، فطردته، فلجأ إلى إنجلترا بصحبة الفيلسوف دافيد هيوم ونزل ضيفاً عليه، لكنّه لم يلبث أن خاصمه وعاد إلى باريس، فسُمح له بالإقامة في فرنسا، فقضى بها باقي أيّام حياته في حالة مضطربة.

  صفحه 15  

ونحاول هنا قصر البحث على عرض بيان سماحة السيّد فيما يتعلّق بمفهوم الدين، فقد أشار أوّلاً وبشكل مختصر إلى الرؤية الغربيّة إلى الدين على أنّها قائمة على أساس تجريد الدين عن معناه الحيّ المتحرّك في حياة الإنسان، والرابط لشؤون المسيرة الإنسانيّة بالله تعالى تشريعاً وتنفيذاً، وقصره على كونه علاقة روحيّة مجرّدة عن أيّ تأثير على شُعب الحياة المدنيّة، ثمّ تطرّق بعد ذلك إلى تصوّرات المفكّر الفرنسيّ جان جاك روسو(1)، فقال دام ظلّه:


وبرغم ذلك يعدّ روسو من أهمّ الكتّاب في عصر العقل، وهو فترة من التأريخ الاُوروبّيّ، امتدّت من أوآخر القرن السابع عشر إلى أوآخر القرن الثامن عشر الميلاديّين، ومن أهمّ أعماله كتابه (العقد الاجتماعيّ)، وهو علامة بارزة في تأريخ العلوم السياسيّة; إذ طرح روسو فيه آراءه فيما يتعلّق بالحكم وحقوق المواطنين، وقد ساعدت فلسفة روسو في تشكيل الأحداث السياسيّة التي أدّت إلى قيام الثورة الفرنسيّة التي ابتدأت سنة (1789م). (راجع للتفصيل: تأريخ الفلسفة الحديثة، يوسف كرم، ص 200 ـ 207، الطبعة الخامسة، دار المعارف ـ القاهرة، و (سير حكمت در اُروبّا) ـ  فارسيّ ـ محمد علي فروغي مع تعليقات أمير جلال الدين أعلم، ص 295، ط الثالثة، البرز).

(1) من المناسب أن نبسط الحديث ـ  بحدود ما يتطلّبه المقام من الخروج عن حدّ الإجمال ـ في الرؤية الغربيّة للدين كي تتّضح الأجواء الفكريّة والدينيّة التي عاصرها جان جاك روسو ممّا يسهّل على القارئ الكريم استيعاب نقاط الخلل في فهم روسو للدين، فنقول:

قد مرّت رؤية المفكّرين الغربيّين للدين بأدوار مختلفة بسبب التأثّر بالفلسفات القديمة أوالحديثة الحاصلة على إثر موجة عصر الحداثة التي غطّت اُوروبّا وأحدثت انقلاباً فكريّاً في ميادينها العلميّة والعقليّة، لذلك عندما ينظر الباحث إلى تعريفاتهم للدين يجد أ نّها تشترك جميعها في إعطاء الدين بعداً شخصيّاً ذاتيّاً انسياقاً مع التيّارات الفلسفيّة والدينيّة الحديثة التي تلتقي عند هذه النتيجة ممّا سنتلوه عليك، أو التأثّر بالموقف من الفكر الكنسيّ: إمّا على أساس ما نظّرت له الكنيسة من أنّ المسيحيّة هي دين روحانيّ تماماً لا تشغله سوى اُمور السماء وحدها، فوطن المسيحيّ ليس في هذا العالم، فلا يهمّه أن تسير الاُمور كلّها سيراً حسناً أو سيّئاً في هذا العالم الدنيويّ، وإذا كانت الدولة مزدهرة فلا يكاد يجرؤ على التمتّع بالسعادة العامّة، وإذا هلكت الدولة فإنّه يبارك يد الله التي شدّدت قبضتها على شعبه على حدّ تعبير روسو الذي سيمرّ عليك في المتن. أو على أساس الاستياء الحاصل من طغيان الكنيسة التي لم تدع جانباً من جوانب الحياة دون أن تمسكه بيد من حديد، وتغله بقيودها العاتية، فهيمنت على المجتمع من كلّ نواحيه الدينيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والعلميّة، وفرضت على
  صفحه 16  


عقول الناس وأموالهم وتصرّفاتهم وصاية لا نظير لها البتّة، خلافاً لما نظّرت له الكنيسة والذي سيمرّ عليك تفصيله في بيان صور طغيان الكنيسة، فانتظر.

وقد تسبّب كلّ ذلك في بلورة أديان أو مذاهب كنسيّة جديدة، وردود فعل مختلفة لدى المفكّرين الغربيّين تجاه الدين تمثّلت في فهمه فهماً خاطئاً، وتعميم هذا الفهم على سائر الأديان، ومحاولة إعطائه تعريفاً يبعده عن دائرة الحياة بمنحه بُعداً روحيّاً أو أخلاقيّاً على أ نّه يمثّل شعوراً وإحساساً شخصيّاً ذاتيّاً حاصلاً عن تجربة الفرد في حياته الدينيّة.

المذاهب المسيحيّة المخترعة:

أمّا المذاهب المسيحيّة المخترعة على أثر الاستياء الحاصل من انحرافات وطغيان الكنيسة، فمن أشهرها:

الأوّل: البروتستانت:

نشأت على يد الراهب المسيحيّ الألمانيّ مارتن لوثر (1483 ـ 1546م) الذي بدأ حركته في القرن السادس عشر في ألمانيا معارضاً سلطة الكنيسة الكاثوليكيّة وبعض تعاليمها وممارساتها، درس القانون في جامعة (إرفوت)، وفي عام (1505م) دخل ديراً يتبع طائفة القدّيس اُوجستين وأصبح راهباً، وفي عام (1511م) زار روما في مهمّة رسميّة ممثّلاً لهذه الطائفة، وقد أدهشه في روما انهيار المعايير الأخلاقيّة لدى الباباوات، ولمّا عاد منها بدأ سيرته مصلحاً للوضع الكنسيّ. عيّن لوثر سنة (1512) اُستاذاً لكرسيّ اللاهوت في جامعة (وتنبرج) وأصبحت رسالته الاُولى هي التدريس والوعظ. وفي (1517) هبط مدينة (وتنبرج) راهب يدعى (يوحنّا تتزل) من أتباع طائفة الدومينكان الدينيّة وقد جاء لبيع صكوك الغفران، وطلب من الناس شراؤها ليغفر الله ذنوب أقربائهم أو من يشاؤون ممّن يعذّبون في المطهِّر (القيامة) بسبب ما اقترفوه من ذنوب، فثارت ثائرة مارتن لوثر، فأصدر احتجاجاً يحتوي على 95 حجّة ضدّ صكوك الغفران، ولصق البيان على باب كنيسة (فتنبرج)، فسرعان ما انتشر في طول ألمانيا وعرضها. وهذه بعض بنود الاحتجاج:

1 ـ إنّ الله هو الذي يغفر الخطايا، ولا يمكن شراء الغفران بالمال. وإنّ الأعمال الصالحة لازمة، ولكنّها لا تخلّص الإنسان. وهي ثمرة الإيمان.

2 ـ إنّ الكتاب المقدّس دستور حياتنا، وهو فوق تقاليد الكنيسة.

3 ـ إنّ الأسرار المقدّسة اثنان وليست سبعة، هما: المعموديّة ]وهو طقس الغُسل بالماء للتطهير الدينيّ، وهو فريضة في الكنيسة المسيحيّة وعلامة الانتساب إليها، وقد حلّ في العهد الجديد محلّ الختان في العهد القديم [. والعشاء الربّانيّ [وهو
  صفحه 17  


طقس دينيّ يأكل فيه النصارى قطعاً من الخبز ويشربون نخباً من الخمر، ويعتقدون أنّ الخبز يستحيل الى جسد المسيح، والخمر إلى دمه بحسب ما ورد في الإنجيل!! (انظر: لوقا 22: 19، 20) ].

4 ـ يحقّ للرهبان والراهبات والكهنة أن يتزوّجوا إذا شاؤوا ذلك.

وفي عام (1519م) وجد لوثر أ نّه يجب إصلاح الكنيسة من الخارج طالما أ نّها لم تستجب من داخلها للدعوات المتكرّرة بإصلاح نفسها بنفسها، فوجّه الدعوة إلى حكّام الولايات الألمانيّة من الاُمراء ليتزعّموا هذه الحركة الإصلاحيّة، وقد حدّد لوثر اُسس ومبادئ الإصلاح الدينيّ في رسالته الاُولى وهي:

1 ـ إباحة الطلاق للمسيحيّين.

2 ـ إلغاء الحجّ إلى روما.

3 ـ ليس للبابا الحقّ في احتكار تفسير الإنجيل.

4 ـ إخضاع رجال الدين للسلطة المدنيّة.

5 ـ إباحة الزواج للقسسة.

6 ـ عدم إنشاء أديرة جديدة وإلغاء عدد من الأديرة القائمة وتحويل نزلائها إلى الحياة المدنيّة، وإلغاء الديريّة والرهبنة.

ونتيجة هذا الهجوم من جانب لوثر أصدر البابا ليو العاشر في ديسمبر (1520م) قرار الحرمان ضدّ لوثر; وذلك لأنّ أراءه جعلت منه مارقاً على المسيحيّة. وكان جواب لوثر على ذلك أن نشر رسالته الثانية باسم (الأسر البابليّ) التي ذكر فيها: أنّ الكنيسة منذ أن نشأت عانت أسراً من قبل البابوات كما عانى اليهود أسراً طويلاً في بابل، وقام بحرق الحرمان علناً في ساحة كنيسة (وتنبرج). وفي يناير (1521م) استدعي لوثر للمثول أمام أوّل مجمع إمبراطوريّ لمناقشة آرائه بناءً على طلب الإمبراطور تشارلز الخامس، وأصرّ لوثر في هذا المجمع على آرائه فاعتبر خارجاً على السلطة القائمة وحرم من حقوقه المدنيّة.

توفّي لوثر في بلدة وتنبرج عام (1546م) مخلِّفاً مجموعة من الكتب والمؤلّفات التي تؤصِّل قواعد دعوته.

وتتفرّع عن البروتستانت أو تناظرها العديد من الكنائس، أهمّها:

1 ـ الكنيسة اللوثريّة: وقد بدأ إطلاق هذه التسمية على المؤمنين بمعتقدات مارتن لوثر في القرن السادس عشر وذلك رغم مقاومة لوثر نفسه لهذه التسمية، وأصبحت جامعة وتنبرج المهد الأساس لها.

2 ـ الكنيسة الكالفينيّة: نسبة إلى مؤسّسها (جون كالفن) (1564-1509م) الذي كان كاثوليكيّاً، ثمّ اتّصل بالبروتستانت وأصبح زعيم البروتستانتيّة في باريس، ثمّ أصبح راعياً للكنيسة البروتستانتيّة في جنيف بعد أن أدخل عدّة تعديلات عليها.

  صفحه 18  


3 ـ الكنيسة الأنكليكانيّة: وتسمّى أيضاً بالاُسقفيّة، وقد كانت تابعة للكنيسة الكاثوليكيّة ثمّ انفصلت عنها سنة (1534م)، وقد مهّد لهذا الانفصال شخص من انجلترا يدعى (جون ويكلف) (1330 ـ 1384 م) وقد رفض كثيراً من عقائد الكنيسة، وكان يرى إمكان العلاقة المباشرة مع الله منكراً وساطة القساوسة، وقد نُبش قبره واُخرجت عظامه بناءً على قرار من مجلس كنستانس في عام (1415 م) واُلقيت في مجرى ماء قريب من قبره، واُبيد كلّ ما عثر عليه من كتبه!!

أمّا السبب المباشر للانفصال فهو توبيخ البابا للملك هنري الثامن ملك إنجلترا، فأعلن الانفصال رسميّاً، فهذه الكنيسة رفضت سلطة البابا على كنيستهم على أن تحتفظ بطابعها الكاثوليكيّ والطقوس والتقاليد القديمة بعد تنقيتها.

الثاني: الأدفنتست أو السبتيّون:

هم طائفة بروتستانتيّة ألفيَّة ظهرت في الولايات المتّحدة الأمريكيّة في القرن التاسع عشر، تؤمن بقرب المجيء الثاني للمسيح، وكلمة أدفنست ( Adventist) تعني: (مجيئيّون)، وقد عرفوا سابقاً بـ (الميلريّون) نسبة لـ (وليم ميلر) (1782 ـ 1849م) مؤسّس هذه الطائفة.

وهناك مجموعات مختلفة من الأدفنتست، كالأدفنتست الإنجيليّين، وكنيسة الأدفنتست المسيحيّة، ولكن أكبر مجموعات الأدفنتست هي (مجيئيّو اليوم السابع) والتي اُسّست بين عامي (1844) و(1855م) بجهود الوعّاظ: جوزيف باتيس، وجيمس، وإيلين وايت، وهم جميعاً مواطنون أمريكيّون.

وللأدفنتست عقائدهم العامّة بما يتوافق بشكل أو بآخر مع العقائد العامّة للمسيحيّة البروتستانتيّة، كما أنّ لهم عقائدهم الخاصّة بهم والتي منها: أ نّهم يؤمنون أنّ ميخائيل (وهو اسم ملاك مذكور في الكتاب المقدّس) هو من ألقاب المسيح، أو أ نّه من أحد ظهوراته في العالم، وأنّ السيّد المسيح كان يحمل الميل لفعل الخطيئة، ولكنّه قاوم هذا الميل ولم يقع بالتجربة. ويقدّسون يوم السبت بدلاً من يوم الأحد، ويؤمنون بفناء الأشرار لا بعذابهم، ويعتبرون (إيلين وايت) أ نّها رسولة الله ونبيّته، ويؤمنون بأنّها معادلة لرسل المسيح الاثني عشر، وبأنّ جميع رؤاها كانت رسالة موجّهة من السماء للبشر، وهي تعادل قدسيّة أسفار الكتاب المقدّس.

الثالث: شهود يَهْوَه:

ظهر هذا المذهب على الوجود عام (1870م) في ولاية بنسلفانيا الأمريكيّة على يد (شارلز تاز راسل) عن مجموعة صغيرة لدراسة الإنجيل، وكبرت هذه المجموعة فيما بعد لتصبح (تلاميذ الكتاب المقدّس). يرفض شهود يهوة مظاهر
  صفحه 19  


الاحتفالات التي يزاولها المسيحيّون بميلاد المسيح. ولا يحتفلون بأعياد الميلاد، كما لا يؤمنون بالثالوث ولا بشفاعة القدّيسين ولا بنار جهنّم كوسيلة لتعذيب الأشرار، كما يؤمنون أنّ (144 ألف) مسيحيّ ممسوح بالروح سيحكمون مع المسيح في السماء، وأنّ بقيّة الأشخاص الصالحين سيعيشون في فردوس أرضيّ، وأنّ الصالحين سيرثون الأرض ويتمتّعون بالعيش إلى الأبد تحت حكم الحكومة السماويّة (ملكوت الله). كما أ نّهم يعتقدون بأنّ الكنيسة حرّفت الكتاب المقدّس، فقاموا بترجمته بما هو معروف بترجمة العالم الجديد.

علماً بأنّ الكثير من الكنائس المسيحيّة لا تعتبر طائفتي الأدفنتست السبتيّين وشهود يهوة من الطوائف المسيحيّة، بل يحذرون من حضور اجتماعاتهما، أو دخولهما إلى بيوت المسيحيّين، واعتبروهم مثل سائر الهراطقة والمبتدعين.

تعريف الدين لدى المفكّرين الغربيّين:

أمّا ردود الفعل لدى المفكّرين الغربيّين تجاه الدين التي تمثّلت في فهمه فهماً خاطئاً، وتعميم هذا الفهم على سائر الأديان، ومحاولة إعطائه تعريفاً يبعده عن دائرة الحياة بمنحه بعداً روحيّاً أو أخلاقيّاً، فإليك بعضاً منها ممّا نقله الدكتور عبدالله دراز في كتابه (الدين، بحوث ممهّدة لدراسة تأريخ الأديان، ص 34 ـ 36، ط دار القلم، الكويت) من أقوال المفكّرين الغربيّين في تعريفهم للدين، مع تعليق مختصر لنا على كلّ تعريف، علماً أنّ هذه التعاريف تمثّل رؤية القرن الثامن عشر والتاسع عشر للدين التي تختلف عمّا عليه المفكّرون في القرن العشرين في فهمهم للدين الذي سيمرّ عليك بيانه.

1 ـ يقول كانْت في كتابه (الدين في حدود العقل): «الدين هو الشعور بواجباتنا من حيث كونها قائمة على أوامر إلهيّة».

وإمانوئل كانْت (1724 ـ 1804م) فيلسوف وعالم ألمانيّ يعتبر أحد أكثر المفكّرين المؤثّرين في المجتمع الغربيّ والاُوروبّيّ الحديث والفيلسوف الرئيس الأخير في عصر التنوير، ألّف كتاب نقد العقل المحض النظريّ بيّن فيه كيف وإلى أيّ حدّ تتطابق معاني العقل ومدركات الحسّ، وهو من الفلاسفة القائلين بنسبيّة المعرفة البشريّة، وهو لا يرى إمكان التوصّل في الميتافيزيقيّات (أي: غير المحسوسات) كالنفس والله إلى معارف عن طريق العقل النظريّ شبه المعارف التي نتوصّل إليها في الطبيعيّات بحسب نظريّة له عن المعرفة البشريّة وتقسيم للأحكام العقليّة. وإنّما يرى إمكان إثباتها وفق مبان أخلاقيّة، فعالم الميتافيزيقيا ضروريّ لتنظيم حياتنا الخلقيّة، فالله وعالم الملائكة لديه موضوع إيمان لاموضوع برهان، وفي هذا السياق جاء تعريفه للدين على أ نّه مسألة شعور وإحساس خلقيّ بالواجبات.

وقد نوقشت آراء كانْت في المعرفة والتي صنّفت في دائرة النظريّات النسبيّة في المعرفة البشرية من قبل الفلاسفة والمفكّرين الإسلاميّين، وكشفوا عن زيفها وبطلانها، (راجع كتاب فلسفتنا للشهيد الصدر ، صفحة 126، ط دار التعارف ـ بيروت).

  صفحه 20  


2 ـ ويقول شلاير ماخر في كتابه (قانون الإنسانيّة): «قوام حقيقة الدين شعورنا بالحاجة والتبعيّة».

وفردريش دانيال أرنست شلاير ماخر (1768 ـ 1834م) فيلسوف ألمانيّ ومؤسّس اللاهوت البروتستانتيّ الحديث، ذاع صيته بسبب عمله عن إفلاطون، وتجلّى اهتمامه بالمشكلات الهرمنيوطيقيا (فنّ تأويل النصوص الدينيّة أو نظريّة التأويل)، ويعدّ مؤسّس الهرمنيوطيقا الحديثة، وتعريفه للدين لا يتعدّ الأجواء اللاهوتيّة التي تحيط به بما هو متأ لّه مسيحيّ، فجاء تعريفه للدين متقارباً مع التصوّر العامّ للكنيسة عن الإيمان الذي هو قوام الدين على أ نّه حاجة للخلاص; إذ ترى أنّ الإيمان لا العمل هو سبب النجاة.

3 ـ ويقول ماكس مولر في كتاب (نشأة الدين ونموّه): «محاولة تصوّر مالا يمكن تصوّره، والتعبير عمّا لا يمكن التعبير عنه».

و ماكس مولر (1823 ـ 1900م) عالم ألمانيّ اهتمّ بصفة خاصّة باللغة السنسكريتيّة الهنديّة القديمة. أسهم في الدراسة المقارنة في مجالات اللغة والدين وعلم الأساطير على الرغم من أنّ علماء العصر الحديث قد نبذوا الكثير من نظريّاته، سافر إلى المملكة المتّحدة في عام (1846م) وعاش فيها بقيّة عمره. عمل اُستاذاً للغات الاُوروبّيّة الحديثة بجامعة إكسفورد من عام (1854م) حتّى عام (1868م). وتعريفة للدين لاينطبق على الديانات السماويّة المعروفة; لأ نّها لا تطلب من المؤمنين بها أن يتصوّروا ما لايمكن تصوّره، إلاّ أن يحمل كلامه على معنىً عرفانيّ بأن يريد من الدين الاتّجاهات الصوفيّة التي تصطفّ إلى جانب المذاهب المسيحيّة على شكل رهبنة وعزلة واشتغال في تطهير النفس لطيّ الكمالات التي تعتبر تعالياً روحيّاً، بل هذا هو الذي يشكّل جوهر الديانة المسيحيّة، ولم تخلُ الساحة الإسلاميّة عن مثل هذا النمط من التمذهب.

4 ـ يقول إميل دور كايم في (الصورة الاُولى للحياة الدينيّة): «الدين مجموعة متساندة من الاعتقادات والأعمال المتعلّقة بالأشياء المقدّسة (أي: المعزولة المحرّمة)، اعتقادات وأعمال تضمّ أتباعها في وحدة معنويّة تسمّى الملّة».

وإميل دوركايم (1858 ـ 1917م) فيلسوف وعالم اجتماع فرنسيّ، ولد بمدينة إبينال بفرنسا، يعتبر أحد مؤسّسي علم الاجتماع الحديث، وقد وضع لهذا العلم منهجيّة مستقلّة تقوم على النظريّة والتجريب في آن معاً. و تفسيره الدين بأنّه مجموعة متساندة من الاعتقادات والأعمال المتعلّقة بالأشياء المقدّسة التي فسّرها بكونها محرّمة ناتج من تشويش لفهم حقيقة الدين; لأنّ المحرّمات والممنوعات لا تحضى دائماً بالتقديس من وجهة نظر الدين، فالمقدّس في نظره هو الكامل لا المحرّم، وروح الدين من الزاوية الاعتقاديّة هو الإيمان بالتوحيد المعبّر عن الحقيقة الإلهيّة المطلقة الكاملة، ثمّ إنّ الوحدة التي يوجدها الدين لا تقتصر على وحدة معنويّة دون أن تشمل الحياة السلوكيّة والمدنيّة للأفراد المنضوين تحت لوائه.

  صفحه 21  


5 ـ يقول سلفان بيريسيه في كتابه (العلم والديانات): «الدين هو الجانب المثاليّ في الحياة الإنسانيّة».

6 ـ يقول تايلور في (المدنيّات البدائيّة): «الدين هو الإيمان بكائنات روحيّة».

وتعريف الدين بكونه الجانب المثاليّ في الحياة الإنسانيّة، أو بأنّه الإيمان بكائنات روحيّة وليد الظروف الكنسيّة التي ابتلى فيها الدين بالفصل والعزلة عن الحياة. وسيأتي لاحقاً الكلام عن الخلفيّات التأريخيّة والجوّ النفسيّ الذي كوّن هذه الرؤية للدين، فانتظر.

والتعريف المناسب للدين والبديل عن تلك التعاريف أن يقال بعبارة مختصرة: إنّه عقيدة إلهيّة ينبثق عنها نظام كامل وشامل للحياة.

الرؤية الجديدة للدين في العالم الكنسيّ:

أمّا الرؤية الجديدة للدين الرائجة في القرن العشرين، فيمكن تصوّرها من خلال نظريّات ومذاهب كلاميّة وفلسفيّة ظهرت في العالم المسيحيّ لظروفه الخاصّة، ثمّ اُسريت إلى هنا وهناك، منها:

1 ـ الإيمانيّة (المذهب الإيمانيّ):

المذهب الإيمانيّ مذهب كلاميّ يقف في الصفّ المقابل للمذهب العقليّ بالمعنى الكلاميّ للعقل; إذ يرى أنّ حقائق الدين تبتني على الإيمان، ولا يمكن إقامتها على ضرب من البرهان أو الاستدلال العقليّ. ويمتدّ جذور هذه النزعة تأريخيّاً إلى العبارات الموروثة عن (بولس) و (ترتوليانوس) و (آغوسطين); إذ يرى (بولس) أنّ التعاليم المسيحيّة الأساس قد فسدت بسبب قواعد الفلسفة اليونانيّة، أي: أ نّه ينكر إعمال القواعد العقليّة في إثبات المعتقدات والتعاليم الدينيّة، وكان شعار (آغوسطين) الدائم: (إنّني اُؤمِن لكي أفهم)، فالإيمان سابق على الفهم، وكأنّ طريق فهم الدين ومعرفة تعاليمه تمرّ عبر الإيمان والتعبّد. وقد برزت هذه النزعة إلى الوجود واتّسع نفوذها في القرن التاسع عشر والعشرين الميلادييّن.

والفيلسوف البارز اليوم في الحقل الكلاميّ من المذهب الإيمانيّ هو الفيلسوف الدانماركيّ (سورن كيركغور) (1813 ـ 1855)، وفي حقل فلسفة الدين الفيلسوف النمساويّ (لودفيك ويتغنشتاين) (1889 ـ 1951).

وفي إطار المذهب الإيمانيّ يوجد تيّاران: تيّار متطرّف وآخر معتدل:

أمّا التيّار المتطرّف، فيرى أنّ رفض المقاييس العقليّة جزء من الإيمان الصادق، لاعتقاده بأنّ للحقائق الدينيّة ماهيّة تأبى الإثبات العقليّ، وإنّما ينحصر طريق تقبّلها والاعتقاد بها بالإيمان; لأ نّها ليست ممّا وراء العقل فقط، بل مضادّة له.
  صفحه 22  


ويرى (سورن كيركغور) أنّ من اُصول التعاليم المسيحيّة فكرة التجسّد ]وحلول الله في عيسى [، وهي وفق المقاييس العقليّة مفهوم متناقض. وإنّما استحالة التعاليم الدينيّة [المسيحيّة ] يجعلها جديرة بالإيمان.

وأمّا التيّار المعتدل، ففيه مستويات من الاعتدال يجمعها القول بعدم رفض المباني العقليّة في الاستدلال على العقائد الدينيّة، فمن تلك المستويات ما وجد في المسيحيّة الآغوسطينيّة من أنّ للاستدلال العقليّ ـ  برغم تقدّم الإيمان عليه ـ بعض الدور في البحث عن الحقائق الدينيّه وتبيينها وفهمها. ويمكن للبراهين العقليّة أن تبيّن وتفسّر ما تمّ قبوله على أساس الإيمان.

ومنها ما عليه الفيلسوف النمساويّ (لودفيك ويتغنشتاين) (1889 ـ 1951م) من أنّ الإيمان غير مبتن على إثبات عقليّ أو تجريبيّ، ولا يراه أمراً إراديّاً، ولامضادّاً للعقل، والأدلّة الآفاقيّة يراها اُموراً أجنبيّة عن الإيمان. نعم، يمكن إثبات متعلّق الإيمان كوجود الله والآخرة عن طريق الاستدلال العقليّ، لكن بإثبات متعلّق الإيمان لايمكن ثبوت نفس الإيمان; إذ ما أكثر الاُمور التي نعتقد بوجودها لكن لا إيمان بها. (راجع للتفصيل: فرهنگ واژه ها ـ  فارسيّ ـ عبد الرسول بيات، ص 63 وما بعدها).

وواضح: أنّ هذه المذاهب الكلاميّة المتضاربة وليدة كون المعتقد الكنسيّ في كثير من مفرداته غير قابل للإثبات العقليّ والبرهنة الفلسفيّة، بل يتضارب مع المبادئ العقليّة كمبدأ تجسيد الله في عيسى، ممّا اضطرّهم إلى هذا اللون من التخبّط في منهج إثبات العقائد تفادياً لإحراجات الموقف، كما تضارب العديد من تعاليم كتابها المقدّس مع المكتشفات العلميّة التي ألجأت الكنيسة أيّام غطرستها لتخيير المكتشفين بين الموت أو التوبة كاُسلوب يضطرّها إليه عجزها عن الدفاع عن جوانب الخلل في تعاليمها.

2 ـ التعدّديّة الدينيّة:

التعدّديّة مصطلح استعمل في بادئ الأمر في الكنيسة، وكان يطلق اصطلاح (التعدّديّ) على القسّ الذي يشغل أكثر من منصب في الكنيسة، لكنه اتّسع إطلاقه تدريجاً ليشمل المجالات السياسيّة، (فيطلق على قبول تعدّد الأحزاب والمنظّمات والمؤسّسات المدنيّة والجمعيّات المختلفة في الساحة السياسيّة بالتعدّديّة السياسيّة)، و المجالات الأخلاقيّة، (فيطلق على قبول النظريّة النسبيّة في الأخلاق ورفض الثوابت الخلقيّة والضوابط العامّة فيه بالتعدّديّة الأخلاقيّة)، ومجالات المعرفة البشريّة، حيث يبتني بعض مستوياتها على إنكار الحقيقة الواحدة، والقول بتعدّدها، وبعضها يبتني على تعدّد أوجه الحقيقة الواحدة، وأنّ ما يصيبه الفرد من المعرفة هو ضلع من أضلاعها، فتنتهي بعض مستويات التعدّديّة في المعرفة إلى القول
  صفحه 23  


بالنسبيّة في المعرفة، وبعضها إلى الاتّجاه التشكيكيّ في المعرفة.

أمّا التعدّديّة الدينيّة فهي مسلك ظهر في علم الكلام وبحوث فلسفة الدين، طرح لأوّل مرّة من قبل القسّ البريطانيّ الدكتور جان هيك (1922 ـ ....); إذ عاشر في حياته الكثير من غير المسيحيّين من المسلمين واليهود والهندوس، واطّلع على أحوالهم وأفكارهم ممّا سبّب له التشكيك الفكريّ في عقائده وفيما يراه من الجزميّة التي يصف بها أفكاره الدينيّة من أنّ النجاة والحقّانيّة منحصران في المسيح والمسيحيّة، وقد سبق ذلك حصول بعض التحوّلات في تعاليم الكنيسة ممّا ساعده على القول بأنّ كلّ الأديان على حقّ وأنّ أتباعها سعداء جميعاً شريطة أن يلتزم المتديّن بنصيب دينه من الحقيقة، أي: أنّ الحق واحد، ولكلّ دين نصيب من ذلك الحقّ، وأنّ للنجاة طرقاً موزّعة على الأديان كافّة، فكلّ دين له حظّ في تحصيلها.

وهذه النظريّة فاقدة للاستدلال الكلاميّ وإنّما الدافع لها تشكيك عقائديّ وضغط نفسيّ.

يقول الدكتور محمّد لغن هاوزن اُستاذ الفلسفة في جامعة تكساس سابقاً: إنّ تعدّديّة جان هيك لاتعدو كونها سعياً لتحصيل موضع لأصدقائه من غير المسيحيّين في الجنّة; لأ نّه لم يستطع تحمّل الحكم التقليديّ للمسيحيّة القاضي بعدم حصول أصدقائه على النجاة. (انظر: (إسلام وكثرت گرايي ديني)، فارسيّ مترجم عن الانجليزيّة، ص 41).

إلاّ أنّ وجود الأرضيّة الفكريّة والنفسيّة المساعدة أوجب استساغتها ورواجها، أمّا الأرضيّة الفكريّة، فمن قبيل: طرح النظريّة الهرمينوطيقيّة (نظريّة النأويل) الحديثة من قبل الفيلسوف الألمانيّ شلاير ماخر الذي مضى ذكره سابقاً، وظهور الفلسفة الظاهراتيّة على يد الفيلسوف النمساويّ إدموند هوسرل (1859 ـ 1938)، وهي فلسفة تختصّ بدراسة ووصف الظاهرة كما تتجلّى أمام الوعي من خلال معطيات حسّيّة، وقبول التعدّديّة في المجال المعرفيّ والأخلاقيّ والسياسيّ الذي مضت الإشارة إليه آنفاً. أمّا الأرضيّة النفسيّة فتهيّأت بعوامل عدّة من قبيل: الصراعات التي تأجّجت باسم الأديان، كالحروب الكثيرة والمعارك المتعدّدة التي نشبت في التأريخ، فقد حصل ما حصل من قتل ونهب وغارات وإبادات في الحروب الصليبيّة المعروفة التي أدّت إلى قتل آلاف المسلمين والمسيحيّين، وتدمير بلدان بأسرها وخسارة ثروات ضخمة، وقد صرفت على ذلك أموال طائلة كان الأولى أن تصرف في عمارة البلدان وسعادة البشريّة، وكذلك نرى ما يجري في بريطانيا المتقدّمة من صراعات دمويّة بين الكاثوليك والبروتستانت، ومايحصل في الهند وباكستان وبعض الدول الافريقيّة من صراعات مشابهة، فإنّ هذا كلّه هيّأ الأرضيّة المناسبة لقبول فكرة التعدّديّة الدينيّة، ومعها سترتفع الاختلافات البشعة عن المجتمعات البشريّة. وكأنّ القول بالتعدّديّة أصبح النتيجة الطبيعيّة لتلك التيّارات الفكريّة والملجأ لتفادي تلك الشرور.

(راجع لمعرفة بطلان مبدأ التعدّديّة الدينيّة كتاب (تعدّد القراءات) للشيخ مصباح اليزديّ، ولردّ آراء جان هيك راجع كتاب (إسلام وكثرت إيمان گرائى دينى) فارسيّ مترجم عن الانجليزيّة للدكتور محمّد لغن هاوزن).

  صفحه 24  


3 ـ التجربة الدينيّة:

مفهوم التجربة الدينيّة وإن كان ذا قدمة في الفكر الكلاميّ والفلسفيّ الغربيّ، إلاّ أ نّه اكتسب بسبب التحوّلات الفكريّة الحديثة التي طرأت في بحوث فلسفة الدين والإلهيّات في الغرب معنىً جديداً.

يقول الدكتور محمّد لغن هاوزن: إنّ اصطلاح (التجربة الدينيّة) من المفاهيم التي أدّت دوراً أساسيّاً في (الإلهيّات المسيحيّة) من زمان شلاير ماخر (1834م)، و لازال يؤدّي دوراً مهمّاً لدى الإلهيّين من أمثال جان هيك، وويليام جيمز، وويليام آلستون، وألوين بلانتينجا. و قد أصبح لمفهوم (التجربة) في الفلسفة الغربيّة أهمّيّته الخاصّة من زمان التجريبيّين الإنجليز، أي: من القرن السابع و الثامن عشر من الميلاد.

طبعاً: هؤلاء قد استفادوا من هذا المصطلح في مقابل (العقل) و للإشارة إلى المحتوى الذهنيّ الناتج عن المعطى الحسّيّ، ثمّ توسّعت دائرة هذا المفهوم عند كلّ من شلاير ماخر و ويلام جيمز حين تناولهما للتجربة الدينيّة، بخاصّة حين التفاتهما إلى الإحساسات الشهوديّة والعاطفيّة ذات الدور الأساس في الحياة الدينيّة. و عرّفا مفهوم (التجربة الدينيّة) تعريفاً موسّعاً بحيث بات يشمل المكاشفات العرفانيّة التي يمكن عدّها النوع الأرقى من التجربة الدينيّة.

يقول برايتمن: «التجربة الدينيّة هي كلّ نوع تجربة يمكن أن تكون بين الإنسان وعلاقته بالله تعالى، وهي ليست نوعاً واحداً أو كيفيّة واحدة، بل عبارة عن منهج فريد لدرك التجربة». و تشكّل التجربة العرفانيّة عند برايتمن تجربة دينيّة، و تتمثّل في وعي الله تعالى بدون واسطة وبمعزل عن العقل و إرادة الفرد أو المجتمع، بل هي وعي مباشر بالله تعالى.

ويتمثّل مجهود (شلايرماخر) و (جيمز) حين دفاعهما عن الدين في صيانته من النقد العقليّ والاجتماعيّ، و لذا نجدهما يركّزان على الجهة الشخصيّة والفرديّة للدين. و هذا ينسجم تماماً مع الرؤية الليبراليّة للدين القائلة:إنّ الدين أمر شخصيّ مرتبط بالوجدان، و ليس له دور مهمّ في المجتمع المدنيّ، فتأكيد (ماخر) و (جيمز) على أنّ الدين أمر باطنيّ ينسجم مع تعاليم الليبراليّة، بل كلّ يقوّي الآخر.

على ضوء الوصف الذي ذكرناه يصبح كلّ الناس الملتزمين أصحاب (تجربة دينيّة)، بل من المحال ـ  في الأصل ـ أن يكون الفرد متديّناً ولا يكون صاحب تجربة دينيّة; لأنّ في هذه التجارب توجّهاً خاصّاً إلى الاُمور الإلهيّة، فإنّ الدعاء، الصلاة، المناجات... كلّها تجربة دينيّة.

وأنا لا أعتقد أ نّه يمكن الاستفادة من التجربة الدينيّة للدفاع عن المعتقدات الدينيّة، فإنّ استدلال (جان هيك) و (سوين برن) لهذه المسألة غير مقنع في نظري، ومضافاً إلى هذين المحقّقَين توجد طائفة اُخرى من المحقّقين ـ  منهم بلانتينجا ـ
  صفحه 25  


تريد أن تبيّن أ نّه مع وجود التجربة الدينيّة لا نحتاج إلى عمليّة التوجيه للمعتقدات الدينيّة... (بتصرّف عن حوار أجرته مجلّة نقد ونظر بالفارسيّة مع الدكتور لغن هاوزن).

فالمراد بالتجربة على ضوء التحوّلات الحديثة شكل من الوعي المباشر من مقام الإلوهيّة; إذ يكون الفرد مواجهاً لشرائط مادّيّة خاصّة تهيّئ له الأرضيّة المناسبة للمواجهة مع الله تعالى عمّا يصفون، بل إنّ الله يضع التجربة العرفانيّة تحت اختيار الإنسان من خلال تمهيد شرائطها له. فالتجربة إذن نوع من النهج الروحيّ والداخليّ، ونوع من التجربة الحضوريّة المباشرة، والوعي الداخليّ لوضع ماورائيّ، وليست ذات مفاد ذهنيّ أو نشاط عقليّ.

وقالوا: بما أنّ للتجربة هذه أنحاءً مختلفة فلابدّ لأن تكون دينيّة أن يكون متعلّقها موجوداً ممّا وراء الطبيعة، كأن يكون هو الله أو تجلّياً من تجلّياته، على أن يعتمد المجرِّب في وصف تجربته على المفاهيم الدينيّة.

وقد اختلف الكنسيّون والمفكّرون الغربيّون في تحقيق حقيقة هذه التجربة على مسالك: منها: أ نّها سنخ من الإحساس، وليست ذات بعد معرفيّ، بل نوع من الشهود العاطفيّ الحسّيّ. ويدّعي فريدريك شلاير ماخر المتألّه الكنسيّ: أنّ التجربة الدينيّة عبارة عن الإحساس بالاتّكاء المطلق على قدرة متمايزة عن العالم. فهو يرى أنّ التجربة هذه نحو شهود يكتسب قيمته من الخارج، أي: أ نّه مستقلّ عن المفاهيم والتصوّرات الذهنيّة، لذا تكون التجربة من المقولات السامية على المفاهيم، فلاتكون قابلة للوصف. (راجع للتفصيل: فرهنگ واژه ها ـ  فارسيّ ـ عبد الرسول بيات، ص 63 وما بعدها).

وهناك عدّة عوامل تعاضدت على بروز هذا اللون من التفكير:

منها: وصول الفكر الفلسفيّ الاُوروبّيّ إلى طريق مسدود، وخواء استدلالاته العقليّة ممّا أوجب التوجّه نحو الإحساس والعاطفة، ومن ثمّ نموّ التيّار الرومانسيّ الذي يؤكّد الأحاسيس ويعتمد الذوق والعاطفة بحيث أصبحت المطلقات العقليّة محلاًّ للتشكيك ومورداً للنقد.

وظهور هذا التيّار صار أرضيّة مناسبة لتأكيد عنصر العاطفة والإحساس في الميادين الدينيّة، لذا عدّ شلاير ماخر التجربة الدينيّة القائمة على الإحساس والعاطفة جوهر الدين.

ومنها: توجّه النقود المتنوّعة لكتاب المسيحيّين المقدّس وتعاليمه، وعدم قدرة الكنيسة على ردّها ممّا حدى ببعض فلاسفة الكنيسة إلى نقل مركز ثقل الإيمان من الكتاب المقدّس إلى باطن قلب المؤمن كعمليّة إنجاء أصل الدين وخلاصه ـ  بحسب توهّمه ـ من خدشة تلك النقود، وفرض أنّ مهمّة الكتاب المقدّس هي إحياء التجربة الدينيّة في الإنسان.

ومنها: فلسفة إمانوئل كانْت (1724 ـ 1804م) الفيلسوف الذي عارض الإلهيّات الطبيعيّة القائمة على الاستدلال العقليّ كما مرّ عليك سابقاً، وعليه اعتبر الإلهيّات الكنسيّة خارجة عن دائرة العقل النظريّ، وصنّفها في دائرة العقل العمليّ،
  صفحه 26  

«وهنا نودّ أن نعرض تصوّرات (روسو) عن الدين ودوره في المجتمع المدنيّ، ليتجلّى لنا نمط من التفكير الغربيّ وتصوّراته عن الدين:

يقول روسو: (قد ينقسم الدين على ضوء علاقاته بالمجتمع التي تكون: إمّا عامّة، أو خاصّة إلى نوعين، وهما: دين الإنسان ودين المواطن.

الأوّل: وهو بلا معابد ولا هياكل ولا طقوس مقتصر على العبادة الداخليّة المحضة لله الأعلى، وعلى الواجبات الأخلاقيّة الأبديّة، وهو ما يمكن أن نسمّيه القانون الإلهيّ الطبيعيّ.

الثاني: وهو مدوّن في بلد وحيد يمنحه آلهته وشفعاؤه الخاصّين وحماته، وله عقائده وطقوسه وعبادته الخارجيّة المفروضة بالقوانين، وفيما عدا الاُمّة التي تعتنقه يكون كلّ إنسان بالنسبة له كافراً أجنبيّاً وبربريّاً، وهو لا يمدّ واجبات الإنسان وحقوقه خارج حدود هياكله.

وثمّة نوع ثالث من الأديان أكثر غرابة; إذ إنّه بتقديمه للبشر تشريعين ورئيسين ووطنين يخضعهم لواجبات متناقضة، ويمنعهم من أن يكونوا في آن واحد مؤمنين ومواطنين، ذلك هو دين اللاميّين، ودين اليانيّين والمسيحيّة الرومانيّة، ويمكن تسمية هذا الدين بدين الكاهن، وينشأ عنه نوع من القانون المختلط والانطوائيّ، لا اسم له إطلاقاً.

وإذا ما نظرنا سياسيّاً إلى هذه الأنواع الثلاثة من الأديان وجدنا أ نّها تنطوي على أخطاء:


ويرى أ نّها تابعة للقوانين الأخلاقيّة. وكذا فلسفة دافيد هيوم (1711 ـ 1776) الفيلسوف الاسكتلنديّ المنكرة للإلهيّات الطبيعيّة، لبناء فلسفته على التجربة الحسّيّة ممّا اضطرّ المفكّرين الكنسيّين ـ  بعد عجزهم عن مواجهة مثل هذه المباني الفلسفيّة ـ إلى التفكير في صيانة التعاليم الكنسيّة عن خطر البطلان والقول ببدعة: أنّ جوهر الدين نوع من التجربة العاطفيّة، ليبعدوا الدين بذلك عن دائرة الخطر. (راجع كتاب فلسفتنا: صفحة 71 و124 و 126، للاطّلاع على جوانب الخلل في فلسفة دافيد هيوم و إمانوئل كانْت).

  صفحه 27  

فالثالث واضح كلّ الوضوح أ نّه سيّئ، ومن العبث إضاعة الوقت في البرهان على ذلك.

والثاني جيّد في حدود توحيده للعبادة الإلهيّة وحبّ القوانين، وهو إذ يجعل من الوطن موضوع عبادة المواطنين، يعلّمهم بأنّ خدمة الدولة هي خدمة الإله الحافظ لها، ويكون الموت في سبيل البلاد استشهاداً، وخرق القوانين إلحاداً، ولكنّه سيّئ في أ نّه يخدع البشر، نظراً لأ نّه مبنيّ على الخطأ والكذب، ويجعلهم بُلَهاء متعلّقين بالخرافات، ويغرق عبادة الله في طوفان من الطقوس الجوفاء، وهو سيّئ أيضاً; إذ يصبح قاصراً وطاغياً، فيجعل الشعب سفّاكاً ومتعصّباً بحيث لا يتنفّس إلاّ القتل والمذابح ويعتقد أ نّه يقوم بعمل مقدّس، وهو يقتل أيّاً كان لا يؤمن بآلهته، وهو يضع مثل هذا الشعب في حالة طبيعيّة من الحرب مع جميع الشعوب الاُخرى مضرّة جدّاً بأمنه الخاصّ.

يبقى إذن: الأوّل، وهو دين الإنسان أو المسيحيّة، لا مسيحيّة اليوم، وإنّما مسيحيّة الإنجيل التي تختلف عنها اختلافاً تامّاً. فبمقتضى هذا الدين المقدّس الساميّ الحقيقيّ يعترف البشر ـ  وهم أبناء الإله نفسه ـ أ نّهم جميعاً إخوة، والمجتمع الذي يضمّ موحّدين لا ينحلّ حتّى الموت.

لكن هذا الدين لمّا كان لا تربطه أيّة علاقة خاصّة بالهيئة السياسيّة يترك للقوانين القوّة الوحيدة التي يستمدّها من ذاتها دون أن يضيف إليها أيّ قوّة اُخرى، وبذلك تظلّ رابطة من أعظم روابط المجتمع الخاصّة دون أثر، بل وأكثر من ذلك، فبدلاً من أن يربط قلوب المواطنين بالدولة يفصلها عنها، كما يفعل بالنسبة لجميع أشياء الدنيا.

يقال لنا: إنّ شعبنا المسيحيّين الحقيقيّين قد يشكّل أكمل مجتمع للمرء أن يتخيّله، وأنا لا أرى في هذا الافتراض سوى صعوبة عظيمة واحدة، وهي: أنّ مجتمعاً مكوّناً من مسيحيّين حقيقيّين سوف لا يبقى مجتمعاً من البشر، بل إنّني أقول: إنّ هذا المجتمع المفترض لن يكون برغم كلّ كماله لا المجتمع الأقوى ولا الأكثر دوماً، فمن فرط كماله سوف يفتقر إلى الرابطة، وعيبه المدمّر سيكون في كماله نفسه.

 
  صفحه 28  

كلّ إنسان سوف يقوم بواجبه، والشعب سيخضع للقوانين، ويكون الرؤساء عادلين معتدلين، والحكّام مستقيمين نزيهين، وسيستهين الجنود بالموت، ولن يكون هناك لا زهو ولا شرف، فكلّ هذا جميل بالغ الجمال، ولكن دعنا ننظر فيما هو أبعد.

إنّ المسيحيّة هي دين روحانيّ تماماً لا تشغله سوى اُمور السماء وحدها، فوطن المسيحيّ ليس في هذا العالم. صحيح: أ نّه يؤدّي واجبه، لكنّه يؤدّيه بلا مبالاة عميقة بنجاح أو بسوء عاقبة مساعيه، وشريطة أن لا يكون ثمّة ما يلام عليه، فلا يهمّه أن تسير الاُمور كلّها سيراً حسناً أو سيّئاً في هذا العالم الدنيويّ، وإذا كانت الدولة مزدهرة فلا يكاد يجرؤ على التمتّع بالسعادة العامّة، ويخشى أن يأخذه الزهو بمجد بلاده، وإذا هلكت الدولة فإنّه يبارك يد الله التي شدّدت قبضتها على شعبه.

ولكي يكون المجتمع هادئاً ويبقى الانسجام فيه لابدّ أن يكون المواطنون جميعاً بلا استثناء مسيحيّين صالحين على السواء، ولكن إذا وجد هناك لسوء الحظّ طموح واحد، مخادع واحد، فإنّ مثل هذا الرجل سيجد بلا ريب سوقاً رائجة في مواطنيه الأتقياء، فالبرّ المسيحيّ لا يسمح بسهولة بالظنّ سوءاً بالجار. وما أن يجد أحدهم بحيلة ما المهارة في أن يفرض نفسه، ويتولّى على جزء من السلطة العامّة حتى يصير رجلاً يحفّ به التكريم، فالله يريد له أن يحترم، وإذا تعسّف المؤتمن على هذه السلطة فإنّه الصولجان الذي يعاقب به الربّ أبناءه. والمسيحيّ لا يستريح ضميره تماماً لطرد المتعصّب; إذ لابدّ لذلك من إقلاق الراحة العامّة واستخدام العنف وإراقة الدماء، وهذا كلّه لا يتّفق مع وداعة المسيحيّ. وعلى كلّ حال ماذا يهمّ أن يكون الإنسان حرّاً أو عبداً في وادي البؤس هذا؟ الجوهريّ هو الذهاب إلى الجنّة، وما التسليم إلاّ وسيلة في سبيل ذلك.

وإذا وقعت حرب خارجيّة يسير المواطنون بلا مشقّة إلى المعركة، ما من أحد منهم يخطر على باله الفرار، إنّهم يقومون بواجبهم، ولكن دون حماسة للنصر، يعرفون كيف يموتون أكثر ممّا يعرفون كيف ينتصرون! فماذا يهمّ إذا كانوا منتصرين أو مهزومين؟

 
  صفحه 29  

ألا تعلم العناية الإلهيّة أكثر منهم ما يجب لهم؟

فماذا ينبغي أن تكون عقائد الدين المدنيّ إذن؟

يجب أن تكون عقائد الدين المدنيّ بسيطة وقليلة العدد، ومحدّدة بدقّة دون تفسير ولا تعليق.

إنّ الإيمان بوجود إله قادر ذكيّ، محسن، بصير، مدبّر، وبحياة ثانية، وسعادة الصالحين، وعقاب المسيئين، وبقدسيّة العقد الاجتماعيّ، وبالقوانين، هي التي ينبغي أن تكون عقائد للدين المدنيّ مع التسامح الدينيّ مع جميع الأديان التي تتسامح مع غيرها. ومن يفرّق بين التسامح المدنيّ والتسامح الدينيّ، ويؤمن بالأوّل مخطئ، فإنّ هذين النوعين من التسامح أو عدم التسامح لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فمن المستحيل العيش مع اُناس يعتقد بأنّهم هالكون، فحبّهم يعني كره الله الذي يعاقبهم، فلابدّ قطعاً من إرجاعهم إلى الدين القويم أو من تعذيبهم، والآن إذ لم يبقَ ولا يمكن أن يكون قد بقي دين قوميّ منفرد ينبغي التسامح مع جميع الأديان التي تتسامح مع غيرها بقدر ما لا تنطوي عقائدها على شيء مضادّ لواجبات المواطن)(1)».

وبعد أن ينتهي سماحة السيّد المرجع ـ  مدّ ظلّه ـ من عرض كلام روسو يبدأ بمناقشته قائلاً:

«والحقيقة الواضحة من خلال مطالعتنا لهذا النصّ هي: أنّ روسو نظر إلى الدين من خلال ما صوّرته له الأديان المخترعة أو المنحرفة التي ابتليت بما أفقدها روح الدين الحقيقيّة، وحوّلها إلى تعاليم جافّة بعيدة عن منطق الحضارة والحياة. أمّا الإسلام فإنّه يبرأ من هذه التصوّرات. فإذا أردنا محاسبة روسو على ضوء الإسلام وتعاليمه وجدنا الكثير من نقاط الضعف في كلامه. ونحن هنا نركّز على بعضها موضّحين الواقع في كلمات:


(1) راجع كتاب جان جاك روسو في العقد الاجتماعيّ، ترجمة ذوقان قرقوط، ص 206، ص 213، وقد نقلنا كلامه مع شيء من التلخيص (من سماحة السيّد مدّ ظلّه).

  صفحه 30  

الاُولى: ذكر في النوع الثالث من الأديان: أ نّه يفترض نظاماً ووطناً وقوانين دينيّة في قبال النظم والقوانين والوطن الذي يفترض في إطار السلطة الحاكمة، ممّا يوزّع الإنسان بين وطنين ونظامين ورئيسين، ورتّب على ذلك الفساد المتوقّع والتمزّق الذي يعرقل المسيرة الاجتماعيّة.

والإسلام لا يمتلك مثل هذا التصوّر. إنّه يجعل الله هو المشرّع وهو الحاكم الحقيقيّ، والمخطّط لمسيرة الاُمّة وحده، لا شريك له في العبوديّة والتشريع، كما لا شريك له في الذات. وبالتالي فلن يفترض توزّع الاُمّة المسلمة بين نظامين، فليس إلاّ نظام واحد يحقّق السعادة الاجتماعيّة دون غيره، ويرسم للإنسان طريق الكمال الحقيقيّ، موجّهاً لكلّ نشاطاته وحالاًّ كلّ مشاكله على ضوء علم إلهيّ غير محدّد بالكون والإنسان.

وهكذا فالمجتمع المسلم الحقّ هو المجتمع الذي يرفض أيّ سلطة غير سلطة الإسلام.

الثانية: أنّ روسو ـ  من خلال حديثه ـ يقيّم الدين وواقعيّته على أساس نفعه للدولة ومدى ما يحقّقه من إمكانات لها في تسيير اُمور المجتمع المدنيّ، فالمقياس الأعلى لتقييم الدين هو مدى نجاحه في عجلة التنظيم المدنيّ والسياسيّ.

وهذا مقياس مقلوب، فالعلاقة الحقيقيّة بالدين يجب أن تتمّ على ضوء مطابقته للواقع، ومدى توفّر الإثباتات العقليّة والفطريّة والمدارك المقنعة على صحّة معتقداته واقعاً، وصحّة نسبته إلى الله تعالى. فإذا توفّر الدليل التامّ على صحّته، منحته البشريّة زمامها لينظّمها ويوجّهها، لا أ نّها تبدأ أوّلاً ببناء نظامها مستقلّة عن السماء ثمّ لا تقبل أيّ دين إلاّ إذا أثبت جدارته في إعانتها على تمشية اُمور نظامها المدنيّ المذكور.

الثالثة: أكّد روسو في النوع الثاني من الأديان على أ نّه يلقي المجتمع في الخرافات والأوهام، ويغرق عبادة الله في طوفان من الطقوس الجوفاء. أمّا الإسلام فنرى أنّ نظام العبادات فيه وما يحقّقه من معطيات وآثار أساسيّة على المسيرة الحضاريّة للإنسان والسير التكامليّ للمجتمع خالية من الأوهام الوثنيّة وغيرها تكفي لنفي هذا التصوّر عن الدين الحقيقيّ.

 
  صفحه 31  

ويتجلّى هذا بوضوح لولاحظنا البناء الإسلاميّ الكلّ، ودور العبادات البارز في هذا التصميم الربّانيّ للحياة.

أمّا الشفعاء والشفاعة فقد وضعها الإسلام في الإطار الإيجابيّ البنّاء الباعث على الأمل والمحقّق لغايات كبرى، نافياً عنها السلبيّات المتصوّرة في الشفاعات الخرافيّة.

الرابعة: أ نّه ذكر بالنسبة للقسم العالميّ من الأديان: أنّ أصحابه يعرفون كيف يموتون أكثر ممّا يعرفون كيف ينتصرون، وطبّقه على المسيحيّة الواقعيّة التي تربّي أتباعها على الزهد بالدنيا والاهتمام بخلاص الروح من أسر هذه المتع الزائلة، وعدم المساهمة بالتالي في تحقيق أهداف المجتمع في النصرة والعزّة.

وهذه التصوّرات ـ  التي طبّقها على ما افترضه هو مسيحيّة واقعيّة ـ بعيدة كلّ البعد عن الإسلام.

فإنّ الإسلام يعتبر الجهاد في سبيل النصر الإسلاميّ، وعزّة المجتمع المسلم، وتطبيق أهداف الإسلام في المجتمع من أفضل العبادات. وممّا لا شكّ فيه أنّ الدوافع الحركيّة في هذا السبيل تتجاوز كثيراً الدوافع المصلحيّة الضيّقة للنصر.

إنّ الانتصار في خلد المسلم يعني دفع عجلة التقدّم الإنسانيّ ذي المسيرة الواحدة عبر التأريخ إلى هدفها النهائيّ العظيم، وهو تحقيق المجتمع الكامل العابد الموحّد المتنعّم بكلّ خصائص السعادة الحقيقيّة. وكلّ مسلم مكلّف في تحقيق أقصى ما يمكن في هذا السبيل.

وما أكثر النصوص الواردة المؤكّدة على الإعداد الكامل لذلك من مثل: ﴿وَ أَعِدّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوّة وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ(1).

إنّ المؤمن ليهتمّ بمصالح مجتمعه أكثر من اهتمامه بذاته ومصالحها، ومن هنا كان الزهد في الإسلام عمليّة تحرير من أسر المصالح الدنيويّة الضيّقة، وعلوّاً معنويّاً للنفس عليها، فلا يأسى على ما فاته، ولا يبطر بما حصل عليه منها.


(1) سورة الأنفال، الآية: 60.

  صفحه 32  

إنّ النظم الإسلاميّة كفيلة بتنظيم الحياة وبتسييرها، وإقامة العدل، وإسعاد المجتمع على أفضل الأشكال، وهذا ممّا يحتاج إلى دراسة مستقلّة واسعة لسنا في هذا الكتاب بصددها إلاّ بقدر ما يرجع إلى أساس نظام الحكم في الإسلام.

الخامسة: طرح (روسو) موضوع عداء الدين الإقليميّ للآخرين، وإلقائه روح التمزّق بين البشر.

والواقع: أنّ علينا أن نتوقّع هذا التمزّق مع تحكّم المقاييس المادّيّة في الأنظمة الاجتماعيّة، أمّا إذا رجعنا إلى الإسلام وتوحيده للمقاييس الإنسانيّة تحت عنوان (رضا الله) فقد حقّ لنا أن نتوقّع السلام وعدم التمزّق.

أمّا موقف الإسلام ـ  في المرحلة التي تسبق توجيهه للعالم ـ من غير معتنقيه، فإنّه يختلف عمّا تصوّره (روسو) بالنسبة للدين الإقليميّ:

فإنّ الإسلام ـ  وإن كان ينظر بعداء إلى من يخالفه ـ لكن هذا لا يعني السماح بقتله، بل إذا تجاوزنا المشركين الذين هم معاندون لإنسانيّتهم، يسمح الإسلام للمتديّن الكتابيّ بالبقاء على دينه على شروط معيّنة عادلة(1).

وربما فضّل الإحسان إلى هؤلاء كما هو مبيّن في محلّه(2).


(1) يشير سماحته بقوله: «يسمح الإسلام للمتديّن الكتابيّ بالبقاء على دينه على شروط معيّنة عادلة» إلى الشرائط التي تجب مراعاتها من قبل أهل الكتاب ـ  وهم اليهود والنصارى والمجوس والصابئة ـ مقابل إقرارهم على ديانتهم، والتي تسمّى في كتب الفقه بشرائط الذمّة، وقد ذكرت تلك الشرائط في كتاب الجهاد من كتب الفقه، كالمبسوط: ج 2، للشيخ الطوسيّ ، وشرايع الإسلام: ج 1، للمحقّق الحلّيّ ، فراجع.

(2) يشير سماحته بقوله: «وربما فضّل الإحسان إلى هؤلاء» إلى ما ورد من النصوص في مشروعيّة الإحسان إلى بعض الكفّار، كقوله تعالى ـ  في سورة الممتحنة، الآية 8 ـ : ﴿ لا يَنْهاكُمُ الله عَنِ الّذينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنّ الله يُحِبّ الْمُقْسِطينَ. والمعنى: لا ينهاكم الله عن أن تحسنوا وتعاملوا بالعدل الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم; لأنّ ذلك منكم إقساط، والله يحبّ المقسطين. وهي خاصّة
  صفحه 33  

على أنّ هذا العداء له مبرّره المنطقيّ في ضوء ما قلناه في الكلمة الثانية والرابعة من تقييم الدين على أساس الواقع وضمانه للعدالة وإسعاد المجتمع، فإذا أثبت الدين واقعيّته وقيامه على ضوء اُسس العدل والمصالح الواقعيّة فإنّ أيّ مخالفة له في الواقع تعني مخالفة العدالة الحقيقيّة، والمصالح الواقعيّة للإنسانيّة.

وبعد هذا نقول: إنّ الإسلام بكلّ ما يمتلكه من خصائص حقّق انتصاراً عظيماً
في مجال توحيد السلطتين الدينيّة والدنيويّة، الأمر الذي فشلت فيه المسيحيّة،
كما يؤكّد ذلك روسو ويمدح النبيّ محمّداً على هذا الأساس، ويظنّ أنّ ذلك من
عبقريّته وبراعته الإداريّة، غافلاً عن أنّ المجال ليس مجال عبقريّة وبراعة إنسانيّة،
بل هو قائم على أساس طبيعة الإسلام وروحه الحقيقيّة ممّا نزل على النبيّ محمّد بالوحي.

هذا، وروسو يعالج مشكلة الفصل بين السلطتين بسحق سلطة الدين وتمييعه وتلخيصه في كلمات مختصرة، وهو علاج صحيح لو كان المنظور إليه هو المسيحيّة التي ينظر إليها، أمّا علاج المشكلة الحقيقيّة فهو عبارة عن توحيد السلطتين الذي قام به


بالمشركين من أهل المعاهدة والذمّة.

وكقوله تعالى ـ  في سورة الإنسان، الآية: 7 ـ 8 ـ : ﴿ يُوفُونَ بِالنّذْرِ وَ يَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرّهُ مُسْتَطيراً، وَ يُطْعِمُونَ الطّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكيناً وَ يَتيماً وَ أَسيراً، وسياق هاتين الآيتين وما بعدهما سياق الإقصاص، حيث تذكر قوماً من المؤمنين تسمّيهم الأبرار وتكشف عن بعض أعمالهم وهو الإيفاء بالنذر وإطعام مسكين ويتيم وأسير، وتمدحهم، والشاهد على كون الآيات مدنيّة كون الأسر إنّما كان بعد هجرة النبيّ وظهور الإسلام على الكفر والشرك، لا قبلها.

هذا، وقد روى الخاصّة والعامّة أ نّها نزلت في قصّة مرض الحسنين ونذر عليّ وفاطمة وفضّة جارية لهما: إن برئ الحسنان ممّا بهما أن يصوموا ثلاثة أيّام. (راجع للتفصيل: تفسير الميزان، السيد الطباطبائيّ: ج 20، ص 126 فما بعد، وتفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسيّ، ج 1، ص 207 فما بعد).

فإطعام الأسير من قبل أهل البيت دليل مشروعيّة الإحسان إلى بعض الكفّار.

  صفحه 34  

الإسلام على ضوء تعاليم السماء لا لمجرّد براعة الرسول في الإدارة»(1).


(1) قدّم سماحته الجواب عن تصوّرات روسو وفقاً للواقع الإسلاميّ، ومن المناسب الإشارة الى الخلفيّات الكنسيّة، والتأريخ المسيحيّ الذي يشكّل الخلفيّة النفسيّة والفكريّة التي انطلق منها كلام روسو ومن قال ما يناضر كلامه في تعريف الدين ممّا مضى ذكره، مبتدئين بالخيوط الاُولى للقضيّة وهي اعتناق اُوروبّا للمسيحيّة:

اعتناق اُوروبّا للمسيحيّة:

إنّ اُوروبّا ـ  التي كانت على الوثنيّة ـ اعتنقت الدينَ النصرانيّ منذ القرن الأوّل للميلاد، ولم يألُ أباطرة الرومان الوثنيّون جهداً في القضاء على هذه الديانة التي تفشّت في مستعمراتهم، واستخدموا لتحقيق ذلك صنوف الاضطهاد والتنكيل طيلة القرون الثلاثة الاُولى، ومثال ذلك:

1 ـ قتل (مرقص) في الإسكندريّة عام (68م)، وهو الذي أدخل الديانة الجديدة إلى مصر.

2 ـ في عصر الإمبراطور دقلديانوس عام (248م) بلغ الاضطهاد والقتل ذروته، وأطلقت الكنيسة القبطيّة على ذلك العصر (عصر الشهداء) لكثرة ما قتل فيه من أتباع الديانة المسيحيّة.

لكن في عام (325م) مع اقتراب نهاية عظمة الإمبراطوريّة الرومانيّة اعتنق إمبراطور روما (قسطنطين) ـ  ولو في آخر أيّامه بتعميده في مرض موته على رواية ـ الديانة المسيحيّة، وهو الذي نقل مركز الإمبراطوريّة من روما إلى القسطنطينيّة وجعل المسيحيّة دين الدولة، ممّا أدّى لانتشار المسيحيّة بشكل واسع، وسيطرتها على الحكم والملوك اللاحقين.

لكن هل الديانة المسيحيّة التي أصبحت الديانة الرسميّة للإمبراطوريّة الرومانيّة هي الديانة التي نزلت على عيسى ؟

وقبل الإجابة عن ذلك السؤال علينا أن نستعرض مجمل الديانات والعقائد التي كانت سائدة في حوض البحر المتوسّط مولد الديانة المسيحيّة الحاليّة، وهي:

1 ـ الديانة اليهوديّة: وهي إحدى الديانات السماويّة.

2 ـ العقيدة المترائيّة: وهي عقيدة وثنيّة قديمة، قوامها الكاهن والمذبح، ترى أ نّه لا خلاص للإنسان إلاّ بافتداء نفسه عن طريق تقديم القرابين للآلهة بواسطة الكهّان.

3 ـ الوثنيّة المصريّة: ومن معتقداتها أنّ الآلهة ثلاثة: (حورس) الذي كان ابناً لسيراييس، و (سيراييس) الذي هو في الوقت نفسه حورس، و (إيزيس) والدة حورس.

4 ـ الوثنيّة الرومانيّة: ديانة الإمبراطوريّة الرسميّة، ومن مبادئها: أ ـ التثليث: (جوبيتر، مارس، كورنيوس) ب ـ عبادة الإمبراطور الذي يدّعي الربوبيّة. ج ـ تقديس الصور والتماثيل وعبادتها.

  صفحه 35  


5 ـ أفكار فلسفيّة: من أهمّها: الفلسفة الرواقيّة التي تعني من الوجهة العمليّة: الانقطاع عن الدنيا، واعتبار إنكار الذات أسمى الغايات النبيلة، مناقضة بذلك الفلسفة الإباحيّة الأبيقوريّة التي كانت فاشية في المجتمع الرومانيّ.

ولو أ نّنا حاولنا أن نستنبط من مجموع هذه العقائد عقيدة واحدة مشتركة لخرجنا بعقيدة تقوم على أربع دعائم:

1 ـ اعتقاد الفداء والخلاص. 2 ـ التثليث. 3 ـ عبادة الزعماء وتقديس تماثيلهم. 4 ـ الرهبانيّة.

وبالنظر إلى تلك الدعائم الأربع نستطيع أن نستنتج: أنّ تلك العقيدة المشتركة إذا قارنّاها بالعقيدة النصرانيّة التي اعتنقتها اُوروبّا سنجد أنّ تلك العقيدة المشتركة هي بعينها دعائم الدين النصرانيّ الذي دخلت فيه اُوروبّا على أ نّها رسالة سماويّة، فإنّ اُوروبّا لم تدخل في النصرانيّة حقيقةً، وإنّما ألبست وثنيّتها ثوباً نصرانيّاً، ومن أدلّة ذلك مايقوله القرآن الكريم ـ  في سورة التوبة: 3 ـ  : ﴿ وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ الله وَ قالَتِ النّصارى الْمَسيحُ ابْنُ الله ذلِك قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الّذينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهُ أَ نّى يُؤْفَكُونَ. ومعنى يضاهئون: يشابهون. والمراد بالذين كفروا من قبل: هم الوثنيّون من الروم واليونان وشمال أفريقيا، لا العرب; لأنّ قول النصارى بالتثليث أقدم من تأريخ اختلاطهم بعرب الجاهليّة القائلين بأنّ الملائكة بنات الله، بل لم يكن العرب آنذاك على درجة من الرقيّ الحضاريّ الذي يؤهّلهم للمرجعيّة في ذلك. (راجع: تفسير الميزان للطباطبائيّ،ج 3، ص 305 فما بعد، منشورات جامعة المدرّسين، وقد أورد بحثاً مفصّلاً حول انحرافات الديانة المسيحيّة).

ونظير ذلك ورد ـ  في سورة المائدة 77 ـ  : ﴿ قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا في دينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَ لا تَتّبِعُوا أَهْواءَ قَوْم قَدْ ضَلّوا مِنْ قَبْلُ وَ أَضَلّوا كَثيرًا وَ ضَلّوا عَنْ سَواءِ السّبيلِ.

تحريف العقيدة:

إنّ عمليّة تحريف العقيدة النصرانيّة تمحورت ابتداءً على القول بأنّ للمسيح طبيعة إلهيّة، ويرى الكثيرون أنّ اليد الطولى في التحريف كانت لمبشّر تسمّيه المسيحيّة (بولس)، وهو الذي أثار موضوع اُلوهيّة المسيح لأوّل مرّة، وكانت هذه الدعوى البذرة الاُولى للتثليث.

بولس هذا ولد في مدينة (طرسوس) في (كيليكية) الواقعة في آسيا الصغرى (تركيا اليوم)، في فترة محتملة بين السنة الخامسة والعاشرة للميلاد. كان اسمه عند الولادة شاول وترعرع في كنف اُسرة يهوديّة، كما أ نّه كان أيضاً مواطناً رومانيّاً عمل كصانع خيم، وكان مهتمّاً بدراسة الشريعة اليهوديّة حيث انتقل إلى اُورشليم ليتتلمذ على يد (غامالائيل) الفريسيّ أحد أشهر المعلّمين اليهود في ذلك الزمن.

  صفحه 36  


وبعد أن أصبح شاول نفسه فريسيّاً متحمّساً ذا ميول متطرّفة عمل على محاربة المسيحيّة الناشئة على أ نّها فرقة يهوديّة ضالّة تهدّد الديانة اليهوديّة الرسميّة، فنرى أوّل ظهور له في سفر أعمال الرسل في الإصحاح السابع حيث كان يراقب الشماس (استفانوس) وهو يُرجَم حتّى الموت، بينما كان يحرس هو ثياب الراجمين. وعقب إعدام (استفانوس) شنّ اليهود حملة اضطهاد بحقّ كنيسة اُورشليم مسبّبين في تشتّت المسيحيّين في كلّ مكان، فقام بولس بعد أن نال موافقة الكهنة بتتبّع المسيحيّين حتّى مدينة دمشق ليسوقهم موثّقين إلى اُورشليم. وفي طريقه إلى دمشق وبحسب رواية العهد الجديد حصلت رؤيا لشاول (بولس) سبّبت في تغيير حياته، حيث أعلن الله له عن ابنه بحسب ما قاله هو في رسالته إلى الغلاّطيّين، وبشكل أكثر تحديداً فقد قال بولس: أ نّه رأى (الربّ يسوع)! (راجع للمزيد: التوضيح في حال الإنجيل والمسيح: الشيخ كاشف الغطاء، ص 68 ـ 73، إعداد مركز الأبحاث العقائديّة، قم المقدّسة، وهل العهد الجديد كلمة الله، د. منقذ بن محمود السقار، ص 21 فما بعد، سلسلة الهدى والنور (2)، السعوديّة).

فالرجل الذي كان عدوّاً للمسيحيّة أصبح رسول المسيحيّة والواضع لأهمّ أساسيّاتها و من أئمّة دعاتها و أعظم أعمدتها، فمن بين السبعة والعشرين سفراً من كتاب (العهد الجديد) نجد أنّ القدّيس بولس قد أ لّف ثلاثة عشر سفراً منها!

ويُذكر: أنّ من التحريفات التي دعى إليهار بولس هي:

1 ـ المسيح ابن الله.

2 ـ المسيحيّة دين عالميّ ليس خاصّاً ببني إسرائيل.

3 ـ عيسى صلب تكفيراً لخطايا البشر.

4 ـ قيامة عيسى من الأموات، وأ نّه صعد وجلس عن يمين الله.

وبذلك أدخل بولس تغييراً عظيماً على دين النصارى ما دفع كثيراً من الباحثين إلى القول بأنّ مؤسّس الديانة المسيحيّة بشكلها وتركيبتها الحاليّة هو بولس وليس المسيح.

وقد شهدت الثلاثة قرون الاُولى التي تسمّيها الكنيسة بعصر الهرطقة (أي: عصر الاعترضات على الفكر الثالوثيّ الكنسيّ) صراعاً محتدماً بين أتباع بولس، ومنهم بابا الإسكندريّة وهو رئيس أنصار التثليث في وقته، وبين منكري التثليث وعلى رأسهم (آريوس) وهو كاهن من الإسكندريّة، ولم يكتب النصر النهائي للثالوثيّين إلاّ في مجمع نيقية الذي عقد بناءً على تعليمات من الإمبراطور قسطنطين الأوّل في عام (325م) لدراسة الخلافات في كنيسة الإسكندريّة، إذ أنكر (آريوس) اُلوهيّة عيسى، فاعتقد أ نّه كان هناك وقت لم يكن عيسى موجوداً فيه، واعتبره رفيعاً بين مخلوقات الله ومن صنعه، كما اعتبر أنّ روح القدس من صنع الله أيضاً. بينما أكّد (الكسندروس) الأوّل بابا الإسكندريّة ورئيس أنصار التثليث
  صفحه 37  


أنّ طبيعة المسيح هي من نفس طبيعة الله، و تغلّب رأي الكسندروس الأوّل، ورفض (آريوس) و اثنين من القساوسة الموحّدين بإصرار التوقيع على إيمان المجمع بالطبيعة الإلهيّة للمسيح، فتمّ نفيهم إلى اليرا (البلقان حاليّاً) أو سجنهم، وحرّقت كتب (آريوس)، و سُمّي مذهبه ببدعة آريوس. (راجع للتفصيل: أضواء على المسيحيّة، د. رؤف شبليّ، ص 96 ـ 99، منشورات المكتبة العصريّة، صيدا ـ بيروت، عام 1975م).

فقدان الشريعة:

إنّ الانحراف العقائديّ الذي حصل في الديانة الكنسيّة والذي حوّلها إلى ديانة روحيّة تدريجاً، وبناء تعاليمها على أنّ الإيمان بالمسيح كاف في النجاة من دون عمل، وعدم قدرتها على معالجة المسألة التشريعيّة ونظام الحكم، وبالتالي فقدان الشريعة والقوانين المنظّمة للحياة المدنيّة.. أوجد فراغاً كبيراً، وفتح باب الاجتهادات الشخصيّة لرجال الدين وتدخّلاتهم غير المتّزنة في شؤون الحياة، ومن ثمّ حصول ذلك الطغيان المعروف في تأريخ الكنيسة.

صور طغيان رجال الكنيسة:

لم تدع الكنيسة جانباً من جوانب الحياة دون أن تمسكه بيد من حديد، وتغلّه بقيودها العاتية، فهيمنت على المجتمع من كلّ نواحيه الدينيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والعلميّة، وفرضت على عقول الناس وأموالهم وتصرّفاتهم وصاية لا نظير لها البتّة، وإنّ التأريخ ليفيض في الحديث عن طغيان الكنيسة ويقدّم نماذج حيّة له في كلّ شأن من الشؤون، ولنستعرض بعض الصور لذلك الطغيان الذي ولّد هذا النفور والمضادّة وإساءة الظنّ لدى عموم المفكّرين والباحثين بكلّ ما يرتبط بالكنيسة في فترة ما يسمّى بعصر التنوير أو الحداثة في اُوروبّا:

الطغيان الدينيّ:

منذ أن ظهر إلى الوجود ما يسمّى المسيحيّة الرسميّة في مجمع نيقية (325م) الذي فرضت فيه عقيدة التثليث، وحرّمت ولعنت مخالفيها، عزّزت الكنيسة سلطتها الدينيّة بادّعاء حقوق لا يملكها إلاّ الله، مثل حقّ الغفران، وحقّ الحرمان، ولم تتردّد في استعمال هذه الحقوق واستغلالها، فحقّ الغفران أدّى إلى المهزلة التأريخيّة (صكوك الغفران) المعروفة، وحقّ الحرمان عقوبة معنويّة بالغة كانت شبحاً مخيفاً للأفراد والشعوب في آن واحد، فأمّا الذين تعرّضوا له من الأفراد فلا حصر لهم، منهم الملوك أمثال (فردريك) وهنري الرابع الألمانيّ، وهنري الثاني الإنجليزيّ، ورجال الدين المخالفين من آريوس حتّى مارتن لوثر قائد
  صفحه 38  


حركة الإصلاح البروتستانتيّة، والعلماء والباحثون المخالفون لآراء الكنيسة من (برونو) إلى (أرنست رينان) وأضرابهما.

وأمّا الحرمان الجماعيّ فقد تعرّض له البريطانيّون عندما حصل خلاف بين الملك يوحنّا ملك الإنجليز وبين البابا، فحرمه البابا وحرم اُمّته، فعطّلت الكنائس من الصلاة، ومنعت عقود الزواج، وحملت الجثث إلى القبور بلا صلاة، وعاش الناس حالة من الهيجان والاضطراب حتّى عاد يوحنّا صاغراً يقرّ بخطيئته، ويطلب الغفران من البابا، ولما رأى البابا ذلّه وصدق توبته رفع الحرمان عنه وعن الاُمّة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل أنشأت (محاكم التفتيش) لمعاقبة من يخالف المعتقد الرسميّ الذي تتبنّاه الكنيسة، وكانت الضحيّة الاُولى لهذه المحاكم مسلمي الأندلس الذين اُبيدوا إبادة تامّة بأقسى وأشنع ما يتخيّله الإنسان من الهمجيّة والوحشيّة، ثمّ ظلّت تمارس أعمالها على مخالفي الكنيسة وإن لم يكونوا مسلمين أو متأثّرين بالحضارة الإسلامية..

الطغيان السياسيّ:

إنّ فقدان الشريعة وضياع أو تحريف القوانين المدنيّة أسهم وبشكل كبير في أن تفرض الكنيسة نفسها وصيّة على الملوك والاُمراء، وترغمهم على الخضوع المذلّ لها، وتجعل معيار صلاحهم منوطاً بمقدار ما يقدّمونه لها من مراسم الطاعة وواجبات الخدمة.

لقد ظلّت النفسيّة الاُوروبّيّة تعاني تمزّقاً رهيباً بسبب الصراع المزمن الذي دار بين الكنيسة وبين الملوك، والمنافسة الشديدة بين الطرفين للقبض على مقاليد المجتمع وكسب ولاء الأفراد.

ولم تكن الحرب بين أتباع البابوات وأنصار الأباطرة إلاّ حرباً بين حزبين متناحرين لا يكاد أحدهما يتميّز عن الآخر إلاّ في الشعارات التي يخفي تحتها مطامعه الدنيويّة البحتة.

كان ملوك اُوروبّا يضيقون ذرعاً بتدخّل الكنيسة المتعنّت في كلّ شؤونهم، ذلك التدخّل الذي لا يجدون له مبرّراً، وفي نظرهم لم يكن لرجال الدين عليهم ميزة إلاّ القداسة.

وليس ثمّة شكّ في أنّ النصر ظلّ حليف الكنيسة طيلة القرون الوسطى بسبب سلطتها الروحيّة البالغة، وهيكلها التنظيميّ الدقيق، واستبدادها المطلق، ولذلك فقد كان البابوات هم الذين يتولّون تتويج الملوك والأباطرة، ومن كان يرفض الرضوخ فإنّه من حقّ البابويّة أن تعلن الحرب الصليبيّة عليه، وتحرم اُمّته.

الطغيان الماليّ:

الملاحظ أنّ الأناجيل المسيحيّة برغم تحريفها لم تنه عن شيء نهيها عن اقتناء الثروة والمال، ولم تنفّر من شيء
  صفحه 39  

  

مفهوم الوطن:

يتطرّق سماحة السيّد المرجع ـ  دام ظلّه ـ إلى تحديد مفهوم الوطن بعد أن ينتهي من مناقشة روسو في تحديد مفهوم الدين، فيقول:

«ما يستنتج من النصّ المتقدّم لروسو هو: أنّ الوطن عبارة عن الأرض التي يعيش عليها جماعة شكّلوا أطرافاً للعقد الاجتماعيّ(1) وأنشؤوا شكلاً من أشكال الدولة».


تنفيرها من الحياة الدنيا وزخرفها، حتّى أنّ المتأمّل فيها لابدّ أن يؤخذ بروعة الأمثلة التي ضُربت للحياة الدنيا ومتاعها الزائل. وجاءت القرون التالية فشهدت مفارقة عجيبة بين مفهوم الكنيسة عن الدنيا وبين واقع الكنيسة العمليّ، فقد أصبح رجال الكنيسة أكبر ملاّك الأراضي، وأكبر السادة الإقطاعيّين في اُوروبّا، فقد كان (دير فلدا) مثلاً يمتلك (15000) قصر صغير، وكان (دير سانت جول) يملك ألفين من رقيق الأرض، وكان الكوين فيتور (أحد رجال الدين) سيّداً لعشرين ألفاً من أرقّاء الأرض. (راجع للتفصيل: العلمانيّة نشأتها وتطوّرها وآثارها في الحياة الإسلاميّة المعاصرة، الشيخ الدكتور سفر بن عبدالرحمن الحواليّ، الفصل الأوّل من الباب الثاني، ط جامعة اُمّ القرى ـ السعوديّة، وأضواء على المسيحيّة، د. رؤف شبليّ، ص 127 ـ 131، منشورات المكتبة العصريّة، صيدا ـ بيروت، عام 1975م)

فكان لهذا الطغيان وغيره ممّا لايسع المجال لذكره مردوداته السلبيّة الواسعة في النفسيّة الغربيّة، وتكوّن مفهومها عن الدين، بل كان ذاك التدخّل والنفوذ الواسعان العامل الأهمّ في قيام الثورة ضدّ الكنيسة، والمناداة بفصل الدين عن الدولة بتخيّل أنّ تلك المآسي وليدة الدين نفسه، فعمّمت المقولة غير مميّزة بين التجربة الكنسيّة والتجارب الدينيّة الاُخرى كالإسلاميّة مثلاً، لذا لم يكن ما حصل في التأريخ الاُوروبّيّ بالأمر الهيّن الذي يمرّ مرور الكرام عبر ذاكرة التأريخ لمراحل تكوّن الفكر الغربيّ، وإنّما كان الشرارة الاُولى لبدء السير نحو فصل الدين عن الدولة، وثمّ عن ميادين الحياة الاُخرى، بل تحولّت حركة الفكر تدريجاً نحو تأسيس مبدأ النسبيّة في مجال الأخلاق والفنّ والأدب، ثمّ الدين نفسه، منطلقة من القول بالنسبيّة في فهم نصوص الدين خاصّة، والفهم والمعرفة البشريّة عامّة.

وهذا التأريخ بهذه الصورة البشعة يتقاطع تماماً مع تأريخ تدوين كتاب الإسلام الخالد (القرآن الكريم)، والتأريخ المشرق لانتشار الإسلام، وسموّ مفاهيمه الفكريّة وتشريعاته الاجتماعيّة وتنظيمه لمؤسّساته الدينيّة والسياسيّة والاقتصاديّة في مجتمعه المدنيّ. وعليه فلا يقاس ما لدى الإسلام العظيم بما لدى الكنيسة.

(1) نظريّة العقد الاجتماعيّ التي دعا إليها روسو كأساس للحكم قد مضى نقاشها وإبطالها من قبل سماحته مدّ ظله
  صفحه 40  

ثمّ يناقش سماحته هذا المفهوم عن الوطن وفق الرؤية الإسلاميّة، فيقول:

«ولكن هذا المفهوم عن الوطن يرفضه التصوّر الإسلاميّ للدولة، وإنّما الوطن عند الإسلام هو كلّ بلاد المسلمين، حيث تحكمها دولة إسلاميّة واحدة بقانون إسلاميّ واحد شرّعته لها السماء، ولم يقم على أساس من تعاقد اجتماعيّ وأمثاله.

ولا يمكننا تصوّر دول إسلاميّة عديدة في حال وجود الإمام ، أمّا في حال غيبته فيمكن تصوّر مناطق عديدة تحكمها رئاسات، ولكنّها كلّها تطبق النظام الإسلاميّ بما فيه من تشريعات، وهي جميعاً تحكم بالنيابة عن الإمام (1).


في ص18 من كتاب أساس الحكومة الإسلاميّة، وهي (باختصار منّا عن: تأريخ الفلسفة الحديثة، يوسف كرم، ص 202 ـ 204) تتلخّص في أنّ روسو يرى أنّ الاجتماع أضحى ضروريّاً بعد أن خرج الإنسان من حالة التوحّد التي يراها روسو الحالة الطبيعيّة التي لعلّه لم يكن يعرف حتّى أهله فيها، بل لا لغة له ولا صناعة، ولا فضيلة ولا رذيلة من حيث إنّه لم يكن له مع أفراد نوعه أيّة علاقة، لكن الأسباب الطبيعيّة كالجدب والبرد والحرّ والفيضانات والزلازل دفعته لأن يتعاون مع غيره من أبناء نوعه، ويقيم معهم اجتماعاً، فاخترعت اللغة وتغيّر السلوك وبرز الحسد ونشبت الخصومة، ولا رادع فيها; إذ لاقانون إلاّ خوف الانتقام، وبسبب تزايد سيطرة الإنسان على الطبيعة باستعماله للآلة وما مكّنه الاجتماع تزايد التفاوت في الثراء وتفاقم معه الخصام، فصار الانسان الطيّب بالطبع شريراً بالاجتماع.

ويرى روسو أ نّه برغم المضارّ الناجمة عن الاجتماع لا ينبغي التفكير في فضّه والعودة إلى الحالة الطبيعيّة، بل لابدّ من إصلاح مساوئه بإقامة الحكومة الصالحة، وأن يُهيّأ لها المواطنون الصالحون بالتربية، فالفكرة التي عالجها روسو في كتابه (العقد الاجتماعي) هي إيجاد ضرب من الاتّحاد يحمي بقوّة المجتمع شخص كلّ عضو وحقوقه، ويسمح لكلّ شخص ـ  وهو متّحد مع الكلّ ـ  بأن لايخضع إلاّ لنفسه، وبأن تبقى له الحرّيّة التي كان يتمتّع بها من قبل. ويرى روسو أنّ هذا الفرض ممكن التحقّق بأن تجتمع الكثرة المفكّكة على أن تؤلّف شعباً واحداً وأن تحلّ القانون محلّ الإرادة الفرديّة وما تولّده من خصومات، والقانون هو إرادة الكلّ التي تقرّ المنفعة العامّة، والإرادة الكلّيّة مستقيمة دائماً، فيرغم الفرد أو الأقلّيّة على الخضوع لها، فالمجتمع القائم على العقد يؤلّف هيأة معنويّة أو شخصاً عامّاً يقوم به الحقّ بعد أن كان كلّ فرد يتبع إرادته الخاصّة.

(1) هذا بحسب الحكم الفقهيّ الأوّليّ، بمعنى عدم وجود ما يدلّ على تحريم وجود مناطق عديدة تحكمها رئاسات
  صفحه 41  

وعليه، فليست لدينا في التصوّر الإسلاميّ أوطان متعدّدة وإنّما هناك وطن إسلاميّ واحد هو ما يدعى في الفقه الإسلاميّ (دار الإسلام). ونقترح حصر التعبير عن الأرض الإسلاميّة بهذا الاصطلاح، وقصر التعبير بالوطن على مجال أحكام المسافر، حيث يختلف حكم المسافر في وطنه (أي: الأرض التي يقيم بها) عنه في حالة سفره إلى أماكن اُخرى.

والذي يدعونا إلى هذا الاقتراح هو ما يحمله مصطلح الوطن العامّ من إيحاءات غربيّة تبرّر اختلاف الوطنين على أساس اختلاف العقد الاجتماعيّ للمجموعتين اللتين تسكنان على قطعتين من الأرض، أو على أساس الاختلاف القوميّ أو العنصريّ أو الجغرافيّ أو حتّى مجرّد اختلاف مناطق النفوذ القائم على أساس القوّة العسكريّة ونحو ذلك.

هذا، بينما يرى الإسلام أنّ الفاصل الحقيقيّ بين الوطنين هو الإيمان والكفر لا غير»(1).

 

ثالثاً: توطئة وتعريف موجز بالكتاب:

توطئة في التقليد:

إنّنا ندرك إجمالاً ـ  بمقتضى إيماننا بالإسلام ووجوب العمل بمقتضاه، أو بحكم إقرارنا بمولويّة المولى الحقّ تعالى ـ وجود تكاليف في الشريعة وإلزامات صادرة للعباد من قبل المولى الحقّ تعالى، فلابدّ من امتثالها والخروج عن المسؤوليّة تجاهها أداءً لحقّ مولويّة المولى تعالى وشكراً للمنعم على نعمه الجمّة علينا، ولامتثال تلك التكاليف توجد طرق


إسلاميّة في أدلّة الفقه، إلاّ أنّ المصلحة الإسلاميّة العليا تقتضي وحدة الولاية دائماً لما في ذلك من قوّة ومنعة وعزّة للإسلام والمسلمين، فلابدّ من مراعاتها ما أمكن. وهذا ما أفتى به سماحة السيّد ـ  دام ظلّه ـ في المسألة رقم (48) من كتاب الفتاوى المنتخبة، ج 2، ص 22، الطبعة العاشرة، حيث قال: «تعدّد الولايات بتعدّد الأقاليم ليس فيه عيب فقهيّ، ولكنّ المصلحة الإسلاميّة العليا تقتضي بالدرجة الاُولى وحدة الولاية مع الإمكان».

(1) أساس الحكومة الإسلاميّة: ص 44 ـ 45.

  صفحه 42  

ثلاثة: إمّا هو العمل بالاحتياط، أو تحصيل الاجتهاد وبذل الوسع في تحصيل الحكم الشرعيّ، أو العمل بالتقليد والرجوع الى الفقيه لأخذ الفتوى منه.

وقد قال فقهاؤنا الأعاظم: إنّه لا شكّ في أنّ العمل بالاحتياط أو وفق الاجتهاد مجز ومفرغ لذمّة المكلّف عن المسؤوليّة تجاه تلك التكاليف، أمّا العمل بالتقليد، فهو أيضاً مجز، وقد ذكروا أدلّة متعدّدة لذلك، ونريد هنا أن نطلع القارئ الكريم ـ  بلغة مبسّطة ـ على بعضها ليكون على معرفة بأدلّة الفقه على إجزاء التقليد الذي هو طريق عامّة المؤمنين لتحصيل البراءة تجاه تكاليف المولى تعالى كخطوة نحو التثقيف الفقهيّ المطلوب من كلّ المؤمنين الكرام حفظهم الله.

ونكتفي بتبسيط بعض ما ذكره سماحة السيّد المرجع ـ  دام ظلّه ـ في بحوثه العليا كدليل لإجزاء العمل بالتقليد، فقد ذكر دام ظلّه(1): أ نّه يمكن الاستدلال لإجزاء التقليد بروايات أهل البيت و بسيرة العقلاء والمتشرّعة المعاصرين للمعصوم .

أمّا الروايات، فقد وردت روايات متعدّدة عن أهل البيت يستفاد منها إجزاء العمل بالتقليد، نكتفي بذكر ثلاثة منها:

الرواية الاُولى: وهي صحيحة من حيث السند، عن أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن قال: «سألته وقلت: من اُعامل؟ وعمّن آخذ؟ وقول من أقبل؟ فقال: العمريّ ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، وما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له وأطع، فإنّه الثقة المأمون»(2).

فإنّ سؤال السائل: «من اُعامل؟ وعمّن آخذ؟» عامّ يشمل السؤال عن أخذ الفتوى


(1) المؤسف أنّ بحث الاجتهاد والتقليد لم يطبع ـ  على شكل كتاب ـ بعدُ برغم الفترة الطويلة التي مضت عليه، حيث إنّه بدأ بحثه فيه يوم 22 جمادى الاُولى عام (1414 هـ)، وما نذكره فهو عمّا كتبناه عن درسه الشريف. نعم، طبعت أخيراً بعض أجزائه في مجلّة (فقه أهل البيت ) بدءاً بالعدد (49).

(2) وسائل الشيعة، للشيخ الحرّ العامليّ، ج 27 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ص 138.

  صفحه 43  

وعن أخذ الخبر، وكذا جواب الإمام بقوله: «فاسمع له وأطع» يشمل أخذ الفتوى على أقلّ تقدير إذا لم نقل بشموله للحكم الولائيّ أيضاً.

الرواية الثانية: وهي تامّة من حيث السند، عن إسحاق بن يعقوب(1) قال: «سألت محمّد بن عثمان العمريّ أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان : أمّا ما سألت عنه أرشدك الله وثبّتك.... : وأمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله»(2).

وهي واضحة الدلالة على مشروعيّة التقليد وأخذ الفتوى; لأنّ الحجّيّة نسبت إلى نفس الراوي لا إلى ما ينقله، هذا فضلاً عن دلالتها على ولاية الفقيه وحجّيّة حكمه.

الرواية الثالثة: وهي تامّة من حيث السند أيضاً، عن يونس بن يعقوب قال: «كنّا عند أبي عبد الله فقال: أما لكم من مفزع؟! أما لكم من مستراح تستريحون إليه؟! ما يمنعكم من الحارث بن المغيرة النضريّ؟»(3).

وبقرينة سؤال الإمام عن المفزع في ظرف يصعب اللقاء به مع ملاحظة أنّ عامّة الناس ترجع إلى الرواة أو الفقهاء لأخذ الموقف العمليّ والنتيجة النهائيّة المستنبطة ممّا هو محفوظ لديهم من الروايات يكون إرجاع الإمام إلى الحارث لأخذ الفتوى، لا لأخذ الرواية فقط.

أمّا سيرة العقلاء(4)، فهي قائمة ـ  في اُمورهم الحياتيّة ممّا قبل الإسلام إلى يومنا هذا ـ على رجوع غير المتخصّص إلى المتخصّص فيما تخصّص فيه، كرجوع عامّة الناس إلى


(1) أثبت سماحة السيّد ـ  دام ظلّه ـ وثاقة إسحاق بن يعقوب في مواضع متعدّدة من كتبه، منها ولاية الأمر في عصر الغيبة، الطبعة الثالثة، ص 120.

(2) وسائل الشيعة، ج 27 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ص 140.

(3) المصدر السابق، ص 145.

(4) ويوجد لها تقريبان، اخترنا ذكر الأوّل لسهولة فهمه.

  صفحه 44  

الطبيب لمعرفة الدواء والشفاء من المرض، أو المهندس في مسائل الإعمار والبناء، وبما
أنّ هذه السيرة لم يرد فيها نهي من قبل الشارع يوجب الردع عنها فنستكشف إمضاء الشارع لها وقبول سراية هذه السيرة إلى المجالات الشرعيّة، فيصحّ إذن رجوع عامّة الناس إلى الفقهاء لمعرفة الحكم الشرعيّ.

أمّا سيرة المتشرّعة، أي: سيرة المتديّنين الملتزمين بالأحكام الشرعيّة، فهي قائمة منذ زمن النبيّ على الرجوع إلى العلماء ورواة الحديث في معرفة الأحكام الشرعيّة، ولو لم تكن هذه هي سيرتهم في معرفة الأحكام الشرعيّة، وكانت لديهم طريقة اُخرى، لكانت غير مألوفة ولكثرت الأسئلة بشأنها من المعصوم ، ولوصلتنا تلك الطريقة وعرفناها ولو ببعض الروايات الضعيفة، لكن لم نجد شيئاً من ذلك حتّى في كتب غير الشيعة، فيثبت أنّ سيرة المتديّنين الملتزمين كانت قائمة على الرجوع إلى العلماء ورواة الحديث في معرفة الأحكام الشرعيّة عند عدم القدرة على السؤال من المعصوم، وهذا يعني مشروعيّة التقليد(1).

 

تعريف موجز بالكتاب

الكتاب الذي بين يديك ـ  أخي القارئ ـ هو مجموعة تمثّل ما تلوناه عليك من ظاهرة التقليد في سيرة المتشرّعة والمؤمنين، والارتكاز المتشرّعيّ في رجوع عامّة الناس المقيّدين بأحكام الشريعة إلى الفقيه الواجد لشرائط الإفتاء لأخذ الفتوى منه، فهي عدد كبير إذن من الاستفتاءات التي وجّهها العديد من مقلّدي سماحة السيّد المرجع دام ظلّه، وقد تجمّعت لدى مكتب سماحته على مدى سنين طويلة تقارب الثلاثين سنة; إذ كان دأب المكتب ولا يزال على أن يستنسخ الاستفتاء بعد الإجابة عنه، ومن ثمّ يحتفظ


(1) نعم، لابدّ من تقليد الفقيه العادل الأعلم الواجد لسائر الشرائط المذكورة في الرسالة العمليّة على شرح وتفصيل لا يناسبه هذا الموجز.

  صفحه 45  

بنسخة منه لديه. ولمّا تزايدت الطلبات من المقلّدين على إصدار رسالة عمليّة بادر المكتب إلى تبويب تلك الاستفتاءات وتهذيب أسئلتها، ثمّ عرضت على سماحة السيّد مدّ ظلّه للنظر فيها، وبعد إقرارها من قبل سماحته تمّ طبع الجزء الأوّل منها باسم (الفتاوى المنتخبة) عام (1417 هـ )، وتمّ طبع الجزء الثاني منها عام (1423 هـ)، وتكرّرت طباعة الجزءين مرّات عديدة، مع إضافات وتدقيقات متكرّرة.

وقد اُدمج الجزءان بعد حذف بعض المسائل غير الضروريّة وإضافة مسائل جديدة إليهما مع إصلاح الأخطاء المطبعيّة وتفكيك بعض الأبواب التي كانت تتضمّن كتابين أو أكثر من كتب الفقه، وجعل كلّ كتاب على حدة، وبعد مراجعتهما من قبل سماحة السيّد المرجع وملاحظة الموقف الفقهيّ النهائيّ لدى سماحته في مسائلهما، تمّ طبعهما ضمن كتاب واحد مثلما هو بين يديك.

وما زالت الاستفتاءات تترى على مكتب سماحته إلى اليوم، وما زالت طريقة تجميع الاستفتاءات قائمة، وستلحق ـ  إن شاء الله ـ بعد تهذيب أسئلتها وتبويبها بالطبعات القادمة من الكتاب.

هذا، وغرضنا النهائيّ من هذا المجهود ـ  كما هو سرّ موافقة سماحة السيّد المرجع دام ظلّه على طبعه ونشره ـ أن يتفقّه أتباع مدرسة أهل البيت ويعرفوا حلال شريعتهم وحرامها، وقد ورد التشديد والتأكيد البالغ من قبل أئمّة أهل البيت في هذا الأمر.

فقد روى العلاّمة المجلسيّ في البحار(1) عن أحمد بن سليمان، عن محمّد بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ ، عن جابر بن عبد الله: «قال: قال النبيّ : ما عبد الله ـ  عزّوجلّ ـ بشيء أفضل من فقه في دين، أو قال: في دينه». قال أحمد: فذكرته لمالك بن أنس فقيه أهل دار الهجرة فعرفه وأثبته لي عن جعفر بن محمّد .


(1) ج 1، ص 213، ح 8.

  صفحه 46  

وعن سليمان بن عمر، عن أبي عبد الله، عن أبيه قال: «لا يستكمل عبد حقيقة الإيمان حتّى يكون فيه خصال ثلاث: التفقّه في الدين، وحسن التقدير في المعيشة، والصبر على الرزايا»(1).

وعن إسحاق بن عمّار قال: سمعت أبا عبد الله يقول: «ليت السياط على رؤوس أصحابي حتّى يتفقّهوا في الحلال والحرام»(2).

وعن محمّد، قال: قال أبو عبد الله وأبو جعفر : «لو اُتيت بشابّ من شباب الشيعة لايتفقّه لأدّبته». قال: وكان أبو جعفر يقول: «تفقّهوا وإلاّ فأنتم أعراب»(3).

أي: فأنتم في الجهل بالأحكام الشرعيّة كالأعراب، وهم سكّان البادية الذين لا يعلمون الأحكام وحدود ما أنزل الله على رسوله .

نسأل الله تعالى أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم ويتقبّله بأحسن القبول، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

 


(1) المصدر السابق، ح11.

(2) المصدر السابق، ح 12.

(3) المصدر السابق، ص 114، ح 16.

  صفحه 47  

 
  صفحه 48  

  

 
  صفحه 49  

القسم الأول
في العبادات

 

 

 

 

 

Ο كتاب الاجتهاد والتقليد والولاية.

Οكتاب الطهارة.

Ο كتاب الصلاة.

Οكتاب الصوم.

Ο كتاب الخمس.

Ο كتاب الزكاة والصدقة.

Οكتاب الحجّ والعمرة.

Ο كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

Ο مسائل متفرّقة.

 
  صفحه 50  

  

 
  صفحه 51  

العبادات


1

 

 

 

كتاب
الاجتهاد والتقليد والولاية

 

 

 

 

Ο الفصل الأوّل: مسائل في الاجتهاد والتقليد.

Ο الفصل الثاني: مسائل في ولاية الفقيه.

 

 
  صفحه 52  

  

 
  صفحه 53  

  

 

 

 

 

الفصل الأوّل
مسائل في الاجتهاد والتقليد

المسألة : 1) ما هو تعريف الاجتهاد بحسب رأيكم؟

الجواب: الاجتهاد هو ملكة الاستنباط، على الأقلّ بالمستوى المألوف لدى فقهاء الوقت.

المسألة : 2) ما هو تعريف التقليد بحسب رأيكم؟

الجواب: التقليد هو الالتزام بفتاوى من يجب تقليده.

المسألة : 3) هل وجوب التقليد في فروع الدين هو أمر تقليدي، أو اجتهادي؟

الجواب: اجتهادي، ويكفي في ذلك بناء العقلاء بالرجوع إلى المتخصّصين في كافّة الاُمور التخصّصيّة كالطبّ وغيره.

المسألة : 4) ما هي السورة أو الآيات التي أوجبت على المكلّف التقليد في أحكام الدين أو العمل بالاحتياط؟

الجواب: اعتبر العلماء دليل التقليد من القرآن مثل قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون، إلاّ أنّ العمدة في دليل التقليد هي الروايات أوّلاً، وثانياً: بناء العقلاء في رجوع غير أهل الخبرة إلى أهل الخبرة في كافّة الفنون.

المسألة : 5) هل يجب الرجوع في التقليد في مسألة خلافيّة ـ  مثل تغطية الوجه للمرأة ـ إلى الأعلم، أو له اختيار غيره؟

 
  صفحه 54  

الجواب: المشهور بين العلماء هو وجوب الرجوع إلى الأعلم، وهذا هو رأينا أيضاً.

المسألة : 6) هل تقليد الأعلم فتوى أو احتياط وجوبي؟

الجواب: وجوب تقليد الأعلم فتوى.

المسألة : 7) شخص بلغ سنّ التكليف وطلب معرفة تكليفه ـ  حينئذ ـ فبحث في أحاديث آخر الأئمّة: الإمام الحجّة  ، فوجد أ  نّه في حديث له وجّه الناس إلى الفقهاء ليأخذوا منهم الأحكام تقليداً، وثبت له صحّة وحجّيّة هذا الحديث بطريقة معيّنة، ثمّ حين أراد التقليد وجدَ بعض الفقهاء يوجبون تقليد الأعلم، والبعض الآخر يجيزون تقليد الأعلم وغيره، فما هو تكليفه؟ هل يجب عليه تقليد الأعلم، أو يجوز له التقليد مطلقاً؟ وما هو المسوّغ على تقدير وقوع الفرضين؟

الجواب: لو عرفَ الأعلم وجب عليه تقليده، ولو لم يعرف الأعلم تخيّر في تقليد من يشاء من الفقهاء العدول.

المسألة : 8) شخصٌ توفّي مرجع تقليده وأراد معرفة موقفه من فتاوى المتوفّى باللجوء إلى أحد المجتهدين لتحديد ذلك الموقف، فهل يرجع إلى الأعلم أو يجزيه غيره؟

الجواب: لو عرف أعلم الأحياء رجعَ إليه في جواز البقاء على تقليد الميّت أو عدم جوازه، فلو لم يجوّز له البقاء على تقليد الميّت رجع إليه في مسائله، ولو لم يعرف أعلم الأحياء تخيّر في الرجوع إلى من يرغب فيه من الفقهاء العدول، فيرجع إليه في جواز البقاء على تقليد الميّت وعدم جوازه، فلو لم يُجز له البقاء على تقليد الميّت رجع إليه في جميع مسائله.

المسألة : 9) لدى شخص مسائل ويصعب عليه الحصول على الحكم الشرعي لمسائله ممّن يقلّده سواء للبعد أو للعراقيل الموجودة، فهل يصحّ له أخذ حكم هذه

 
  صفحه 55  

  المسائل من مجتهد غير الذي هو مقلّده مع عدم النظر إلى كونه أعلم، أم لا؟

الجواب: مع صعوبة الحصول على رأي من يقلّده يأخذ رأي فقيه آخر، ومادام هو لا يعرف من هو أعلم الباقين بعدَ مقلَّده يكون مخيّراً في الرجوع إلى من شاء منهم.

المسألة : 10) شهد أحد المبلّغين لنا في ألمانيا الغربيّة بأنّ سماحتكم أعلم الأحياء، فهل يجزي ذلك للرجوع إليكم في الاُمور المستحدثة، أم علينا أن نجد شخصاً  آخر من أهل الخبرة يشهد بأعلميّتكم من جميع الأحياء؟

الجواب: يكفي في رأيي الشاهد الواحد، ولكن لا يصحّ لك تقليدي في هذه المسألة; لأ نّه يستبطن الدور، فلا بدّ لك من تحصيل شاهد ثان. نعم، لو أ  نّك لم تملك بالنسبة للآخرين شاهداً كان بإمكانك أن تجعل الشاهد الواحد مرجّحاً.

المسألة : 11) هناك اُمور قد نسيتها من الأحكام من كتاب (الفتاوى الواضحة)، فهل يجوز مراجعتها في الكتاب والعمل بها؟

الجواب: نعم، يجوز لك ذلك من باب البقاء على تقليد الميّت.

المسألة : 12) شخص قلّد السيّد الإمام في حياته دون الفحص عن الأعلم وإنّما على أساس ما حقّقه من انتصار للإسلام، وبعد ذلك اعتقد على أساس إخبار ثقة أنّ تكليفه التخيير في التقليد بين السيّد الإمام وأحد المراجع الموجودين على أساس تساويهما في الأعلميّة، فهل يصدق أنّ تقليد هذا المكلّف مشكوك الصحّة؟ وما هو تكليفه الآن بعد وفاة الإمام (رضوان الله عليه) على فرض صحّة تقليده السابق أو عدم صحّته؟

الجواب: ليفحص الآن عن أعلم الأحياء، فإن عرفه عمل بما يفتي به من البقاء على تقليد السيّد الإمام أو العدول عن السيّد الإمام إليه، وإن لم يعرفه وتردّد بين عدد من الفقهاء أخذ في كلّ مسألة بأحوط الأقوال من بين هؤلاء إن كانوا

 
  صفحه 56  

  جميعاً لا يجوّزون البقاء، وإن كان بعضهم يفتي بالبقاء وبعضهم لا يجوّز البقاء أخذ في كلّ مسألة بأحوط الأقوال من بين السيّد الإمام ومن لا يجوّز البقاء. وأنا في رأيي أنّ تقليد الأعلم إنّما يجب على من يعرف الأعلم، أمّا من لا يعرفه فهو مخيّر في التقليد، فإذا اخترت أحدهم على هذا الأساس ترجع إليه في جواز البقاء على تقليد السيّد الإمام وعدمه.

المسألة : 13) ما هو حكم من بقي على تقليد السيّد الشهيد الصدر (رضوان الله عليه) ولم يستطع التوصّل إلى من هو أعلم الأحياء للرجوع إليه فبقي على تقليد الشهيد في المسائل التي كان يعرفها ويعمل بها والتي لم يعرفها من دون الرجوع فعلاً إلى أعلم الأحياء؟ وهل عليه أن يعمل بكلّ المسائل أم فقط التي عرفها سابقاً؟

الجواب: إنّني أعتقد البقاء على تقليد السيّد الشهيد الصدر من دون فرق بين ما علمته أو عملت به أو لا، كما أعتقد أ  نّك إن لم تعرف أعلم الأحياء كنت مخيّراً في التقليد بين من تعرفه من الفقهاء الجامعين للشرائط، فإن اخترت أحدهم أخذت برأيه في البقاء على تقليد السيّد الشهيد وعدمه.

المسألة : 14) هل يجوز لي التبعيض في التقليد في المسائل الفقهيّة بعد موت المجتهد الذي كنت اُقلّده؟

الجواب: يجب تقليد الأعلم في كلّ المسائل مع الرجوع إليه في البقاء على تقليد الميّت وعدمه.

المسألة : 15) كنت على المذهب السنّي وعدلت إلى مذهب أهل البيت ، وسألت بعض الإخوة حول التقليد فقالوا: إنّ العالم الفلاني هو الأعلم، وعند قدوم بعض العلماء قالوا: إنّ فلان أعلم من ذلك. وقد عملتُ في بعض المسائل برأي العالم الأوّل وعدلت إلى العالم الثاني. فهل هذا العمل صحيح، أم لا؟

 
  صفحه 57  

الجواب: إن عرفت الأعلم وجب عليك تقليده، وإن لم تعرف الأعلم تختار منهم من تشاء للتقليد، ومع تقليد أحدهم تبقى على تقليده ما لم تثبت لك أعلميّة غيره.

المسألة : 16) إذا لم يستطع المكلّف أن يتعرّف على فتوى مقلّده، فماذا يعمل بالنسبة للمسائل المستحدثة؟ وهل يعتبر هذا المرجع الذي لايمكن الاتّصال به لأسباب سياسيّة بحكم الميّت؟ وهل يجوز تقليده ابتداءً؟

الجواب: ليس هذا بحكم الميّت، ولكن كلّ مسألة أصبحت مورد ابتلاء العامي ولم يمكنه الرجوع إلى الأعلم يرجع فيها إلى من هو دونه ممّن هو أعلم من الباقين، وذلك لحين حصول القدرة على مراجعة الأعلم، فمتى ما حصلت له هذه القدرة سقط التقليد الأوّل، ووجبت عليه مراجعة الأعلم.

المسألة : 17) هل يجوز لنا الرجوع إلى المجتهد في العقائد بأن نأخذ منه حديثاً في اُصول العقائد يصحّح سنده ويبيّن دلالته لنا؟

الجواب: لا يجوز التقليد في العقائد.

المسألة : 18) ورد في إحدى الرسائل العمليّة: «يجوز تقليد المفضول في المسائل التي توافق فتواه فتوى الأفضل فيها. بل فيما لا يعلم تخالفهما في الفتوى أيضاً». فهل يجب أن نحرز عدم الخلاف أو يكفي مجرّد عدم العلم بالمخالفة وإن كانت المخالفة واقعاً موجودة؟

الجواب: التقليد للأعلم لدى المخالفة، فمع احتمال المخالفة لا  يحصل الجزم بحجّيّة فتوى المفضول.

المسألة : 19) هل يمكن الاعتماد على فتاوى العلماء المطبوعة على ورقة بجواز تقليد مرجع مّا بدون سؤالهم شخصيّاً؟

الجواب: إن حصل الوثوق بأنّ هذا المطبوع هو فتواه حقّاً، وليس تزويراً عليه

 
  صفحه 58  

  لم يكن فرق بين هذا وبين سؤاله والسماع منه مباشرةً.

المسألة : 20) إذا مات المجتهد الأعلم ولم يوجد في الأحياء أعلم منه، وهو يفتي بوجوب البقاء على تقليد الأعلم الميّت بعد أن يرجع في التقليد إلى أعلم الأحياء الذي يسمح بالاستمرار على تقليد الميّت، فإذا كان أعلم الأحياء يخيّر بين البقاء على تقليد الأعلم الميّت أو الرجوع كلّيّاً إلى أعلم الأحياء، فهل يجوز:

أ ـ العدول كلّيّاً إلى أعلم الأحياء وترك تقليد الميّت؟

ب ـ التبعيض في التقليد بين الأعلم الميّت وأعلم الأحياء؟

وأيّهما الملزمة فتوى الأعلم الميّت أم فتوى أعلم الأحياء؟

الجواب: يرجع في مسألة البقاء على تقليد الميّت إلى أعلم الأحياء، فإن أوجب عليه البقاء بقي على تقليد الميّت، وإن أوجب عليه العدول عدل إليه، وإن خيّره بين البقاء والعدول كلّيّاً اختار البقاء أو العدول كلّيّاً، وإن جوّز له التبعيض جاز التبعيض.

المسألة : 21) شخص كان يقلّد الشهيد الصدر (رضوان الله عليه) في حياته، وبعد استشهاده انتقل لتقليد أحد المجتهدين دون الفحص عن الأعلم، وبعد ذلك وقع في حالة شكّ في صحّة انتقاله، فما هو تكليفه الشرعي؟

الجواب: تكليفه الشرعي هو الفحص عمّن يتعيّن للتقليد كي يرجع إليه في مسألة البقاء وعدمه.

المسألة : 22) هل يجوز للمكلّف أن يتجزّأ في تقليده، بحيث يقلّد المجتهد الأعلم في المسائل العباديّة الشخصيّة كالصلاة والصوم والطهارة، ويقلّد مجتهداً آخر واجداً لشرائط الزعامة في المسائل التي تهمّ بيضة الإسلام وعزّة المسلمين؟

الجواب: لا يجوز التجزّئ في التقليد.

المسألة : 23) إذا لم يحصل المكلّف على فتوى مقلَّده إمّا لعدم وجود فتوى له،

 
  صفحه 59  

  أو لعدم إمكان الوصول إليه، أو لامتناعه عن إعطاء رأيه في تلك المسألة، فما هو الموقف العملي لهذا المكلّف لمعرفة الحكم الشرعي في تلك المسألة؟

الجواب: يرجع المقلِّد في هذه الحالة إلى من كان عليه تقليده لولا هذا المرجع.

المسألة : 24) ما هو رأيكم في البقاء على تقليد الإمام الشهيد الصدر ؟

الجواب: أرى البقاء على تقليده في كلّ المسائل.

المسألة : 25) هل يجوز البقاء على تقليد الميّت الأعلم؟

الجواب: يجب البقاء ما لم يحصل شخص أعلم منه.

المسألة : 26) هل يجوز البقاء على تقليد المرجَع المتوفّى قبل بلوغي إذا كنت مقلِّداً له حال حياته قبل أن أبلغ وكنت مميّزاً فقط؟

الجواب: البقاء على تقليد الميّت يجب أن يكون بالرجوع إلى الحيّ الذي يقلّده في المستحدثات، فيبقى على تقليد الميّت لو أجازه ذاك الحيّ وبمقدار ما يجيزه، ولو رجع إلينا فنحن نجيزه حتّى بلحاظ هذا الذي ذكرتموه في مفروض السؤال.

المسألة : 27) هل تجوّزون التعويل على شهادة العادل الواحد إذا كان من أهل الخبرة في تعيين الأعلم من الفقهاء؟

الجواب: نعم نجوّز ذلك.

المسألة : 28) عند البقاء على تقليد الأعلم الميّت هل يجب الرجوع إلى المجتهد الحيّ القائل بجواز البقاء على تقليد الميّت، أو لا يجب، بل يبقى على تقليده بدون الرجوع إلى الحيّ؟

الجواب: يبقى على التقليد بالرجوع إلى الحيّ.

المسألة : 29) إذا كان الميّت أعلم من الحيّ فهل توجبون البقاء على تقليده؟

الجواب: نعم.

المسألة : 30) هل يجوز الرجوع إلى غير المرجع الذي يقلّده لاطمئنانه

 
  صفحه 60  

  بتشخيصه في بعض الموارد المستحدثة؟

الجواب: يجب تقليد الأعلم لو عرفه، ولا يجوز رجوعه في بعض الموارد إلى غيره.

المسألة : 31) العمل بالاحتياط هل هو العمل بأحوط أقوال المجتهدين مطلقاً، الأحياء والأموات، الأعلم وغيره، أو هو العمل بأحوط أقوال الأحياء فقط؟

الجواب: العمل بالاحتياط التامّ هو العمل بأحوط الاحتمالات جميعاً، وهذا صعب على العامي، بل غير ممكن في كثير من الأحيان.

المسألة : 32) إذا شهد عادل بأعلميّة شخص، وشهد عادلان بأعلميّة شخص آخر، فهل يجوز تقليد من شهد العدل الواحد بأعلميّته؟

الجواب: الأحوط تقديم البيّنة على خبر الواحد.

المسألة : 33) كثير من إخواننا المؤمنين كانوا من مقلّدي السيّد الخوئي وبعد مماته قلّدوا أحداً من المجتهدين ممّن يجوّز البقاء على تقليد الميّت مطلقاً، أو في بعض المسائل، ثمّ مات هذا المجتهد الثاني فما العمل الآن؟ أفتونا مأجورين.

الجواب: نسمح لهم بالبقاء على تقليد السيّد الخوئي .

المسألة : 34) إذا أجاب أحد الناقلين على مسألة على ضوء رأي المرجع الذي اُقلّده، فهل يجب التحقيق من صحّة الجواب؟

الجواب: إن كان ثقة في نقله للفتاوى لم يجب الفحص.

المسألة : 35) إذا تبيّنت فتوى الفقيه خلاف الواقع بعد أن عمل المكلّف بها، فهل يجب إعادة العمل؟

الجواب: إذا عمل بفتوى من يجوز تقليده كان مجزياً حتّى بعد انكشاف خطأ الفقيه.

المسألة : 36) عند ادّعاء شخص بأ  نّه مجتهد ولم يحصل على إجازة من مجتهد

 
  صفحه 61  

  أعلم منه، فهل يجوز تقليده، وما هي الضوابط في معرفة اجتهاد شخص؟

الجواب: الاجتهاد يثبت بالشياع المفيد للعلم وبشهادة أهل الخُبرة، وليس منحصراً بإجازة الاجتهاد، وأمّا التقليد فيجب تقليد الأعلم من المجتهدين.

المسألة : 37) هل يشترط في ثبوت اجتهاد المجتهد وجود شهادة من أحد المراجع الكبار لديه في اجتهاده؟

الجواب: يثبت اجتهاد المجتهد بشهادة عدلين من أهل الخبرة وبالشياع لدى أهل الخبرة، أمّا الشياع لدى غير أهل الخُبرة، أو الشهادة الناشئة من غير أهل الخُبرة فلا قيمة لهما.

المسألة : 38) هناك شخص لم يلتفت إلى مسألة التقليد لكنّه كان يراجع فقيه وقته ويعمل فيما لو كانت تواجهه مسألة مّا، فهل هذا كاف للبقاء على تقليده؟

الجواب: إن كان قد التزم فتاواه كفى ذلك في البقاء.

المسألة : 39) ما هو تكليفنا الشرعي في التقليد بعد وفاة المرجع المقلّد، فهناك من يرى جواز الرجوع إلى رسالته، وهناك من لا يجوّز ذلك، بل الرجوع إلى أعلم الأحياء والعمل بما يتذكّره ولم ينسه فعلاً، فما رأيكم؟

الجواب: إن لم تعرفوا الأعلم كنتم مخيّرين في الرجوع إلى من تشاؤون من الفقهاء الأحياء وتأخذون منه حكم البقاء على تقليد الميّت وعدمه، أمّا أنا فرأيي هو البقاء المطلق في جميع المسائل على تقليد الميّت.

المسألة : 40) هل التقليد في المسائل الفقهيّة السياسيّة لأحد العلماء المتصدّين للقضيّة العراقيّة يتعارض مع تقليدنا في المسائل العامّة لمرجع التقليد؟ وهل يكون هذا التقليد كافياً لأداء الوظيفة الشرعيّة في هذا الأمر؟

الجواب: لا فرق في التقليد بين الاُمور الفقهيّة السياسيّة وغيرها، ففي كلّ مسألة علمتَ فيها برأي من تقلّده أخذت برأيه، وفي كلّ مسألة عجزت عن فهم رأي من

 
  صفحه 62  

  تقلّده جاز لك تقليد غيره مع مراعاة الأعلم فالأعلم لدى معرفة ذلك. نعم، في الاُمور السياسيّة الولائيّة تتبع رأي الوليّ الفقيه بناءً على رأي من يؤمن بولاية الفقيه.

المسألة : 41) إذا مات المرجع الذي كنت اُقلّده وقلّدتُ مرجعاً كنت معتقداً أ  نّه هو الأعلم ثمّ تبيّن لي أ  نّه لم يكن أعلم، فما هو حكمي الآن؟

الجواب: الأعمال الماضية صحيحة.

المسألة : 42) شخص من عامّة الناس عمل مدّةً من الزمن بدون تقليد واستمرّ في عباداته إلى الآن، والآن وبعد أن عرف التقليد هل يجب عليه تقليد أعلم الأحياء، أو أ  نّه يلتزم بتقليد من لو كان ملتفتاً للتقليد لقلّده ويستصحب تقليده الآن؟

الجواب: يقلّد أعلم الأحياء.

المسألة : 43) هناك جماعة من الشباب في عراقنا المجاهد ممّن كان يقلّد غير الشهيد السيّد محمّد محمّدصادق الصدر وتبيّن بعد استشهاد السيّد الصدر أنّ تقليده كان غير شرعي; لاتّضاح سقوط العوارض التي كان يحملها تجاه تقليد السيّد الصدر ، فتبيّن له الآن أ  نّها كانت واهية لا أساس لها، ولا دليل على صحّتها، اللّهُمّ إلاّ شيء من التعصّب، وهو الآن متحيّر فهل يجوز له تقليد سماحتك طبقاً لشهادة السيّد الصدر بالرجوع إليك؟ وإذا كان كذلك فما حكم أعماله السابقة بعد أن ثبت له بطلان تقليده السابق؟

الجواب: تقليده السابق إن كان تقليداً لفقيه جامع للشرائط فهو صحيح، أمّا رجوعه لي في التقليد فهو يتوقّف على أن تثبت عنده أ  نّي أعلم ممّن كان يقلّده، فإن كانت شهادة الشهيد الصدر بأعلميّتي تحقّق له الوثوق والاطمئنان بذلك كفاه ذلك، وأمّا تبيّن كون تلك العوارض واهية فلا يبطل تقليده السابق، وعليه فأعماله السابقة صحيحة.

 
  صفحه 63  

المسألة : 44) تتّفقون معنا أنّ هناك لغطاً وجدلا محتدماً حول مسألة تشخيص الأعلم في التقليد، وأنّ الواقع قاض بأنّ تشخيص الأعلم أمر عسير ويقرب إلى المحال; لأنّ كلّ فئة وكلّ طائفة تقول بأنّ فلاناً هو الأعلم وغيره ليس بأعلم، والسؤال الذي يطرح نفسه: أنّ هناك مراجع كان يشار إليهم بالأعلميّة في زمن حياتهم وبعد مماتهم، فهل من المعقول أن تبقى الأعلميّة منحصرة فيهم إلى فترة طويلة مع مجيء مجتهدين جدد مستمرّين في دروسهم ومواكبين للأحداث التي تطرأ في عصرهم، فهل يكون الجدد أقلّ علماً من اُولئك الذين مضوا؟

الجواب: إذا لاحظنا الأعلميّة في المدى الطويل من الزمان فعادة تكون في الأحياء لا في الأموات; لأنّ العلم دائماً في تقدّم، فلا يعقل أن يبقى فقيه ميّت أعلم من جميع الأحياء مدّة مديدة من الزمن. أمّا تشخيص الأعلم فصعب بل مستحيل لغير أهل الخبرة، فلو استطاع أحد تشخيصه عن طريق شهادة أهل الخبرة وجب عليه تقليده، ولو لم يستطع ذلك لعدم تحصيل شهادة أهل الخبرة أو لتضارب الآراء في تشخيص الأعلم بين أهل الخبرة فهو مخيّر في التقليد يختار من يشاء من الفقهاء الجامعين للشرائط من دائرة الذين تحوم حولهم شبهة الأعلميّة، فإن لم يحصل على هذه الدائرة كان مخيّراً في التقليد يختار أيّ فقيه شاء من الجامعين للشرائط.

المسألة : 45) هل يأثم الإنسان بترك تعلّم المسائل المبتلى بها؟

الجواب: نعم يأثم بذلك.

المسألة : 46) ما هو معنى الشياع؟ وهل هو الشائع من الأمر بين الناس أو بين طلبة الحوزة أو بين المجتهدين من الطلبة؟

الجواب: هو الشائع من الأمر بين الناس الناتج من رأي أهل الخبرة على أن يكون موجباً للعلم.

 
  صفحه 64  

المسألة : 47) ما هو معنى أهل الخبرة، هل هم من طلبة الحوزة، وفي أيِّ مرحلة، أو هم من طلبة البحث الخارج، أو هم من المجتهدين؟ وهل يشترط في شهادة أهل الخبرة بأعلميّة مرجع مّا أن يكون قد درس عند المرجعَيْن كي يشهد بأعلميّة أحدهما على الآخر؟

الجواب: أهل الخبرة هم المجتهدون أو القريبون جدّاً من الاجتهاد، وشرط الشهادة بأعلميّة أحد المرجعَيْن من الآخر هو الاطّلاع الحسّي على المستوى العلمي لكلا المرجعَيْن.

المسألة : 48) إذا ابتدأت بسؤال اثنين من أهل الخبرة فشهدا بأعلميّة مرجع مّا هل يجزي هذا عن سؤال غيرهما لبراءة الذمّة؟ وإذا شهد اثنان آخران بأعلميّة مرجع آخر وقالا بأنّ المرجع الأوّل أقلّ علميّة من الثاني، فهل ينقض قولهما قول الأوّلَين، أو أبقى على رأي الأوّلين؟ وإذا كان رأي الآخرين ناقضاً لرأي الأوّلين فهل عليَّ أن أسأل اثنين من أهل الخبرة غير الأوّلَين والآخرين؟

الجواب: تكفي شهادة البيّنة مادامت لم تعارض ببيّنة اُخرى، أمّا مع وقوع التعارض في البيّنات فالطريق ينحصر بالشياع الناتج من رأي أهل الخبرة والمورث للعلم أو الاطمئنان.

المسألة : 49) سمعت شهادة السيّد محمّد محمّدصادق الصدر بأعلميّتكم فعدلت إلى سماحتكم، فهل تقليدي صحيح؟

الجواب: إن كان ذو الخبرة الواحد كلامه مورثاً للوثوق عندك جاز الاعتماد عليه في التقليد، وإلاّ فالاحتياط يقتضي تحصيل البيّنة، أي: شهادة شخصين من أهل الخبرة.

المسألة : 50) ما هو المقصود بأهل الخبرة الذين تعتبر شهادتهم كافية في تشخيص أعلميّة أو اجتهاد شخص مّا؟

 
  صفحه 65  

الجواب: يجب أن يكونوا مجتهدين أو متآخمي الاجتهاد.

المسألة : 51) ما هو حكم القاصر والمقصّر في التقليد والعمل بالأحكام الشرعيّة؟

الجواب: تدارك ما فات واجب عليهما، ولكنَّ الأوّل لا يستحقّ العقاب في عالم الآخرة لو تدارك بعد الالتفات، والثاني يستحقّ العقاب.

المسألة : 52) كنت مقلّداً لمجتهد جامع للشرائط، وبعد وفاته عدلت إلى مجتهد آخر باعتقاد أعلميّته; وذلك لأ نّني حصل عندي اطمئنان قلبي، وعملت فترة بفتاوى المجتهد الثاني وبعد فترة زال الاطمئنان القلبي، فهل أبقى على تقليدي للمجتهد الثاني، أو أرجع إلى المجتهد الأوّل؟

الجواب: أحوط الوجوه هو أن تعمل في كلّ مسألة بأحوط الرأيين فيها، أعني: رأي المجتهد الأوّل ورأي المجتهد الثاني، ويجوز لك البقاء على تقليد المجتهد الأوّل بشرط إذن الحيّ.

المسألة : 53) شخص كان من مقلّدي السيّد الشهيد الصدر الأوّل ، وبعد استشهاده عدل إلى تقليد أحد المراجع الأحياء مع جهله بمن هو الأعلم وتقيّة من النظام الصدّامي الكافر، فهل عدوله هذا صحيح؟

الجواب: العدول التقيّتي إلى غير الأعلم لا أثر له ويبقى على تقليد السيّد الشهيد .

المسألة : 54) قد بلغ ولدي سنّ التكليف، فهل يجوز له تقليد أحد المراجع الأموات؟

الجواب: لا نجوّز تقليد الميّت ابتداءً.

المسألة : 55) إنّني من مقلّدي آية الله العظمى السيّد الخوئي وقد رجعت بعد وفاته إلى بعض المراجع العظام، والآن اُريد العدول في هذه المسألة وفي بعض

 
  صفحه 66  

  المسائل إلى سماحتكم فهل يجوز لي العدول، أو لا؟

الجواب: المقياس في العدول من حيّ إلى حيّ هو الأعلميّة.

المسألة : 56) هل جميع مسائل التقليد تنتهي بموت العالم؟

الجواب: إن أجاز الحيّ الأعلم من باقي الأحياء البقاء على تقليد الميّت في باقي المسائل جاز البقاء على تقليده فيها.

المسألة : 57) أنا مقلّد لسماحة السيّد الخوئي وقرأت فتواكم القائلة بجواز البقاء على تقليد المرجع الميّت الأعلم من الأحياء، فما هو مقدار إجازتكم في بقاء التقليد؟ هل هو بمقدار المسائل التي تعلّمتها ولم أنسها، أو يشمل المسائل التي لم أتعلّمها أو تعلّمتها ونسيتها؟ و إلى من أرجع في المسائل المستحدثة؟

الجواب: البقاء مطلق، وتأخذ المسائل المستحدثة ممّن بقيت على تقليد الميّت برأيه.

المسألة : 58) ورد في تعليقتكم على (الفتاوى الواضحة، الصفحة 115، الطبعة الرابعة، التعليقة رقم 4): «ليست الحياة بعنوانها شرطاً، ولكنّ الأعلميّة التي هي مرجِّحة ترجيحاً لزوميّاً في التقليد تكون عادةً على الخطّ الطويل في الأحياء، ولا تدوم في الأموات عادةً بأكثر من عمر الجيل الذي قلّده»، والسؤال هو: هل يعني هذا جواز تقليد الأعلم المتوفّى ابتداءً؟ وما هو رأيكم في التقليد الابتدائي للمرجع الأعلم المتوفّى؟

الجواب: تعليقنا الوارد على (الفتاوى الواضحة) في هذه المسألة قد عدلنا عنه قبل ردح مّن الزمن، فرأينا الآن يطابق رأي شهيدنا الاُستاذ الصدر ، وهو: أنّ الحياة بذاتها شرط في التقليد الابتدائي، ويكون تقليد الميّت ابتداءً باطلاً حتّى ولو كان أعلم.

المسألة : 59) إذا دقّقنا في رسائل المجتهدين فوجدنا ثلاثة منهم آراؤهم متطابقة تماماً مع رأي المجتهد الذي نقلّده، فهل يجوز لنا فتح أيّ رسالة لنأخذ المسألة منها، أو لا  يجوز؟

 
  صفحه 67  

الجواب: تجب مراجعة رسالة من تقلّده أو من تقطع يقيناً بموافقة فتواه لفتوى من تقلّده، ولكن لا يوجد عادة تطابق كامل بين الرسائل.

المسألة : 60) إذا عرفنا المسائل الخلافيّة بين المجتهد الذي نقلّده وبين مجتهد آخر، والمجتهد الذي نقلّده نظنّ أ  نّه أعلم، فهل يجوز لنا تقليد مجتهدنا في المسائل الخلافيّة فقط ونأخذ من المجتهد الآخر الفتاوى المطابقة لمرجعنا؟

الجواب: نعم يجوز.

المسألة : 61) سيّدنا، من يعتقد أنّ سماحتكم هو الأعلم، هل يجوز له أن يُجيب على المسائل الشرعيّة برأي سماحتكم ولو كان السائل من غير مقلّديكم؟ وهل تبرأ ذمّة السائل إذا عمل بالجواب؟

الجواب: نعم يجوز، ولكنّ السائل لو التفت إلى ذلك وكان يعتقد أنّ غيري أعلم منّي يجب عليه أن يأخذ برأي من يعتقد أ  نّه الأعلم.

المسألة : 62) إذا كان الأعلم منحصراً في شخصين ولم يتمكّن المكلّف من تعيينه، فماذا يعمل؟

الجواب: الأولى هو الأخذ بأحوط الرأيين.

المسألة : 63) إذا عمل المكلّف عملاً من عبادة أو عقد أو إيقاع على طبق فتوى من يقلّده فمات ذلك المجتهد، فقلّد من يقول ببطلان تلك الأعمال فما هو الحكم في هذه الحالة؟

الجواب: يقلّد الجديد في مدى إجزاء أعماله السابقة وعدم إجزائها.

المسألة : 64) ما هو حكم عمل الجاهل القاصر أو المقصّر من دون تقليد؟

الجواب: عملهما غير مجز حتّى يقلّدا، فإذا قلّدا وطابق عملهما السابق رأي من قلّداه أصبح مجزياً.

المسألة : 65) إذا اختلف ناقلان في نقل فتوى المجتهد فما هو العمل؟

 
  صفحه 68  

الجواب: يترك النقلين ويفحص عن رأي من يقلّده، ويجب عليه العمل بالاحتياط في فترة الفحص.

المسألة : 66) ما هو حكم شخص مضت مدّة من بلوغه وشكّ بعد ذلك في أنّ أعماله كانت عن تقليد صحيح أو لا؟

الجواب: إن كان يعلم ما هو التقليد الصحيح ولكنّه شكّ في أ  نّه هل عمل بذلك أو لا بنى على الصحّة.

المسألة : 67) بماذا تثبت عدالة المفتي والقاضي؟

الجواب: تثبت بالبيّنة وبالشياع المفيد للعلم.

المسألة : 68) الوكيل في عمل عن الغير كإجراء عقد أو إيقاع أو أداء خمس أو زكاة أو كفّارة أو نحوها هل يجب عليه أن يعمل بمقتضى تقليده، أو بمقتضى تقليد الموكِّل؟

الجواب: الأحوط هو الأخذ بأحوط الرأيين.

المسألة : 69) وقعت معاملة بين شخصين وكلّ منهما يقلّد مجتهداً غير المجتهد الذي يقلّده الآخر، وأحدهما يقول بصحّة المعاملة والآخر يقول ببطلانها، فما هو العمل في هذه الحالة؟

الجواب: الأولى أن يتصالحا فيما بينهما.

المسألة : 70) هل يجوز التقليد بعقد النيّة فقط دون قراءة رسالة؟

الجواب: التقليد عبارة عن الالتزام بالفتوى.

المسألة : 71) يقول السيّد الشهيد محمّدباقر الصدر في تعليقته على (منهاج الصالحين): إذا تجدّد المساوي فالأحوط البقاء على المقلَّد السابق وعدم العدول عنه، ومع انكشاف وجود المساوي في أوّل الأمر فالأحوط العمل بأحوط القولين، فهل الاحتياط الأوّل هو احتياط وجوبي أو استحبابي، وكذلك الاحتياط الثاني؟

الجواب: الاحتياطان وجوبيّان.

 
  صفحه 69  

المسألة : 72) هل أنّ المقلِّد إذا خالف أو قصّر في أخذ الفتوى أو العمل بها يعتبر مذنباً؟

الجواب: يجب على كلّ مكلّف أن يكون مجتهداً أو مقلِّداً أو محتاطاً، ومن ترك الطرق الثلاثة كان عاصياً، والاحتياط الحقيقي بالنسبة لعوام الناس غير مقدور فينحصر الأمر لهم في التقليد.

المسألة : 73) هل يجوز التبعيض في التقليد بأن يأخذ فتواه مثلاً في الصلاة من مرجع والخمس من آخر؟

الجواب: لابدّ من تقليد أعلم الأحياء، ويكون تقليده في جميع أبواب الفقه. ومع عدم معرفة الأعلم يختار أحد الأحياء الجامعين للشرائط للتقليد ولا  نجوّز التبعيض في التقليد.

المسألة : 74) في الوقت الحاضر برز اتّجاه جديد في التقليد يخالف الشروط في الرسائل العمليّة، ومنها: أنّ الناس يقلِّدون من توجد فيه العدالة الاجتماعيّة والتضحية وبذل الغالي والنفيس في سبيل دينه ومذهبه، وهي نادراً مّا تجتمع مع صفة الأعلميّة; إذ قد يكون الأعلم منزوياً لا يتحرّك في سبيل المصلحة الاجتماعيّة، فكيف تنظرون لمثل هذا الاتّجاه؟

الجواب: تشترط في التقليد: الفقاهة والعدالة والأعلميّة لو عُرف الأعلم، وأمّا كفاءته في القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة وفي مسائل التضحية وما إلى ذلك فهذه شروط الولاية لا التقليد، فلو فرض أنّ الأعلميّة صارت في شخص والكفاءة في شخص آخر انفصل التقليد عن الولاية وصار التقليد للأوّل والولاية للثاني.

المسألة : 75) إذا قلّد شخص مرجعاً ثمّ شكّ بعد وفاته بأنّ تقليده كان بحجّة شرعيّة أو لا، فما حكمه؟

الجواب: يجزي ما سبق منه مادام يحتمل أ  نّه كان بحجّة وكانت الشبهة موضوعيّة لا حكميّة.

 
  صفحه 70  

المسألة : 76) هل يعتبر الفقيه الأكثر تمرّساً وولوجاً بعالَم العرفان أقدر على إصابة الحكم الشرعي؟ وهل يعتبر مثل هذا مؤشّراً ونقطة تفضيل في الأعلميّة على غيره ممّن يقلّ عنه عرفاناً أو يفتقده؟

الجواب: لم تجعل مراتب العرفان مقياساً لنا في الفقه.

المسألة : 77) لو كان المكلّف في مكان يصعب عليه معرفة الحكم الشرعي تقليداً أو اجتهاداً وعرض أمامه خياران وهو يجهل أيّ الخيارين يبرئ الذمّة، فهل يصحّ له الاستخارة لتحديد الموقف الشرعي، علماً بأنّ الموقف لا يتحمّل التأخير؟

الجواب: لا يصحّ له العمل بالاستخارة، بل يعمل بالاحتياط أو بأحوط الاحتمالين لو أمكن، أمّا لو كان الأمر دائراً بين المحذورين ـ  كالوجوب والحرمة  ـ فيتخيّر تكويناً بينهما.

المسألة : 78) شخص تابع لفرقة الدراويش، وهو يقول: بأ  نّني أرجع في مسألة التقليد إلى شيخ الفرقة والمسمّى عندهم بالقطب، وبما أ  نّ القطب ليس لديه رسالة عمليّة فقد أجازني بالعمل بأيّ رسالة عمليّة شئت، أمّا في مسألة الخمس والزكاة والمسائل الجديدة فأوجب عليّ العمل بإذنه، فهل مثل هذا الحكم من القطب صحيح، أو لا؟

الجواب: لا يجوز تقليد القطب.

 

 
  صفحه 71  

  

الفصل الثاني
مسائل في ولاية الفقيه

المسألة : 79) إذا كان الفقيه الذي يرى الولاية العامّة حاكماً في دولة مّا، فهل تكون الأحكام التي يصدرها لنظم شؤون تلك الدولة ملزمة لجميع المكلّفين؟

الجواب: يرجع المقلِّد في مسألة مقدار نفوذ الولاية إلى من يقلِّده، وأنا اُؤمن بولاية الفقيه المطلقة.

المسألة : 80) هل مبدأ الولاية المطلقة للفقيه هو الأساس الوحيد لتشكيل الحكومة الشرعيّة، أو يوجد أساس آخر يمكن أن يستند إليه؟

الجواب: المجتهد الذي لا يؤمن بولاية الفقيه يتّبع فتواه هو في وجود أساس آخر لإقامة الحكومة الإسلاميّة وعدمه، فإن كان يفتي بأساس آخر كالشورى كان بإمكانه إقامة حكومة إسلاميّة على ذلك الأساس، وإلاّ فلا. أمّا أنا فأرى مبدأ ولاية الفقيه، ولا أعترف بأيّ أساس آخر غيره.

المسألة : 81) لو اختلف نظر الوليّ الفقيه مع نظر المقلَّد في الموضوعات فهل يجب على المكلّف اتّباع الوليّ الفقيه أو المقلَّد؟

الجواب: يجب على العامي الرجوع في الأحكام إلى من يقلّده. أمّا في الموضوعات فإن كان من يقلّده يفتي بولاية الفقيه وجب عليه أن يمتثل فيها أمر الفقيه الجامع للشرائط لو كان ـ  بوصفه وليّاً للأمر  ـ قد أمر بذلك، وإلاّ فإن كان ذاك الموضوع ممّا يسمّى بالاُمور الحسبيّة وكان من يقلّده يرى وجوب موافقة الوليّ الفقيه في ذلك وجب الاتّباع أيضاً، وإلاّ فلا.

المسألة : 82) هل ترون ولاية الفقيه؟ وكيف توفّقون بين الولاية والتقليد؟ وخاصّة إذا لم يعرف رأي المقلّد، أو معروف بعدم رؤيتها، وهل هي من

 
  صفحه 72  

  الضرورات المذهبيّة؟ وفي أيّ حدود؟

الجواب: نعم، نحن نرى ولاية الفقيه، ولكنّها ليست من الضرورات المذهبيّة. أمّا الفرق بين مجال الولاية ومجال التقليد فهو : إنّ مجال التقليد هو مجال معرفة الأحكام الشرعيّة الابتدائيّة. أمّا مجال الولاية فهو مجال إنشاء أحكام جديدة حفظاً لمصالح الوقت من قبل وليّ الأمر.

المسألة : 83) هل يجب على الفقهاء في بلد يحكمه مجتهد جامع للشرائط إطاعة أحكام هذا الفقيه؟

الجواب: نعم يجب.

المسألة : 84) هل تعتبر مسألة ولاية الفقيه والحسبة كسائر المسائل الفقهيّة من حيث التقليد، بحيث يلتزم المقلِّد قول مقلَّده في هاتين المسألتين؟

الجواب: نعم، هما مسألتان تقليديّتان.

المسألة : 85) ما هو الفرق بين الفتوى والحكم الشرعي؟

الجواب: الفتوى كاشفة عن التشريع العامّ الفقهي، أي: مبيِّنة للحلال والحرام الواردين في الشريعة، والحكم إنشاء لحكم جديد من قبل وليِّ الأمر وفق ما يراه من المصلحة الإسلاميّة في إدارة اُمور المجتمع.

المسألة : 86) هل حكم الحاكم برؤية الهلال نافذ؟

الجواب: نعم نافذ.

المسألة : 87) هل الشورى ملزمة للحاكم المسلم؟ وهل هناك ضوابط يعتمد عليها الحاكم المسلم في اختياره الرأي المناسب من خلال عمليّة الشورى؟ وقد احتجّ الشيخ رشيد رضا صاحب تفسير (المنار) في إلزام الحاكم المسلم بالشورى بالآية الكريمة : ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاض مِّنْهُمَا وَتَشَاوُر فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا قال رشيد رضا: إذا كان القرآن يرشدنا إلى المشاورة في أدنى أعمال تربية الولد ولا

 
  صفحه 73  

  يبيح لأحد والديه الاستبداد بذلك دون الآخر، فهل يبيح لرجل واحد أن يستبدّ في الاُمة كلّها؟ (ج2 ص : 616). سماحة السيّد، ما هو رأيكم في احتجاج صاحب تفسير (المنار)؟

الجواب: الشورى الثابتة في القرآن والروايات هي عبارة عن الاستنارة بالآراء عن طريق المشورة، وليست عبارة عن نفوذ رأي الأكثريّة على الأقلّيّة، وتفصيل البحث وارد في كتابنا المسمّى بـ (أساس الحكومة الإسلاميّة) فراجع.

المسألة : 88) تصدر بعض القوانين والتعليمات الرسميّة في الدولة الإسلاميّة ويجد المكلّف أحياناً أنّ تطبيق القانون في هذا المورد هو عين الفساد، وأحياناً يؤدّي إلى الظلم. ولو كان واضع القانون يعلم بهذه النتيجة لما وضعه، فهل يجب في مثل هذه الحالات التطبيق؟ أفتونا مأجورين أدامكم الله.

الجواب: يختلف الحكم في ذلك باختلاف المثال، حيث إنّ النتيجة التي يوصلنا القانون إليها قد تفترض أمراً محرّماً على الإطلاق، وقد تفترض أمراً محلّلاً لكنّه على خلاف المصلحة، وقد تفترض أمراً محرّماً قبل إعمال ولاية الفقيه ومحلّلاً بعده، فالرجاء توضيح المثال. وخلاصة الكلام في ذلك: أنّ القانون إذا صدر من أهله نفذ في القسم الثاني والثالث، ولم ينفذ في القسم الأوّل.

المسألة : 89) كيف يمكن إلزام أصحاب المعامل والشركات وما شابه ذلك في الجمهوريّة الإسلاميّة المباركة بالاشتراك في عقد الضمان الاجتماعي بأن يقتطعوا نسبة مئويّة معيّنة من اُجور العمّال ويضيفوا من عند أنفسهم عليها نسبة مئويّة معيّنة أيضاً، ثمّ يدفعوه إلى صندوق الضمان الاجتماعي، وفي مقابل ذلك يؤدّي الصندوق خدماته لهم ولعوائلهم عند الحاجة؟

الجواب: يمكن الإلزام المذكور عن أحد طريقين:

الأوّل: أن يشترط ذلك ضمن عقد لازم من العقود التي تعقد بين الناس

 
  صفحه 74  

  والمؤسّسات الحكوميّة، كأن يجعل شرطاً ضمن عقد الانتفاع بمياه التصفية، أو الطاقة الكهربائيّة أو ما شابه ذلك، فيصبح من اللازم على طرف العقد مع المؤسّسة الحكوميّة الدخول في عقد الضمان الاجتماعي مع الصندوق وفاءً منه بالشرط اللازم طبقاً لدليل «المؤمنون عند شروطهم».

الثاني: أن يأمر بذلك وليّ الأمر، فبلحاظ وجوب إطاعة وليّ الأمر تنفيذاً لولاية الفقيه يكون من اللازم على الناس الاشتراك في عقد الضمان الاجتماعي مع الصندوق.

المسألة : 90) الحاكم الذي لا يتبنّى الإسلام كقاعدة فكريّة ولكنّه مسلم يشهد الشهادتين، ويسمح بممارسة العبادات الإسلاميّة، ويسمح للصحافة والنشر، ولم يظلم أحداً حتّى الذين يعملون من أجل إقامة دولة إسلاميّة، ما حكم التعامل معه؟

الجواب: ليس حاكماً شرعيّاً، والتعامل معه يكون في جميع الأحكام تعاملاً مع الحاكم الجائر.

المسألة : 91) هذه مجموعة من الأفكار والمفاهيم الإسلاميّة أرجو توضيح مدى سلامتها الفكريّة:

1 ـ الولاية بمعنى القيادة، عقد بين القائد والاُمّة لكلّ منهما حقوقه وواجباته، فلو أخلّ أحدهما بالحقوق أو الواجبات تنقطع الولاية بمعنى الاتّباع وتبقى ولاية المحبّة والنصرة؟

الجواب: هذا المفهوم غير صحيح.

2 ـ القيادة للمتصدّي الذي تبايعه الاُمّة سواء كان فقيهاً أم عادلاً يلتزم بتوجيهات العلماء وأوامرهم؟

الجواب: هذا المفهوم غير صحيح.

3 ـ المجاميع الجهاديّة التي تشكّل في داخل العراق ولم يكن لها ارتباط

 
  صفحه 75  

  بالوليّ العامّ أو بالمرجع أو وكلائه إذا أمر المسؤول المجموعة بأمر يعتبر هذا الأمر أمراً شرعيّاً إذا كان مصداقاً لحكم شرعيّ أو ولائيّ أو كانت فيه مصلحة شرعيّة؟

الجواب: هذا المفهوم غير صحيح.

4 ـ تصوير الأعلم مشكل وتعيينه أشكل; لأ نّنا لا نستطيع أن نعرف الحكم الشرعي في عالم الثبوت حتّى نقارن بين آراء العلماء والحكم الشرعي في عالم الثبوت؟

الجواب: غير صحيح.

5 ـ المرأة المراد تكليفها بعمل جهادي لا بدّ وأن تأخذ إجازة من زوجها حتّى ولو كان فاسقاً؟

الجواب: فيه تفصيل.

المسألة : 92) قال الإمام عليّ مخاطباً ولاته: «إذا ظنّت الرعيّة بك حيفاً فأصحر لها» هل الإصحار واجب، أو هو أمر إرشادي؟

الجواب: كان هذا الحكم حكماً ولائيّاً.

المسألة : 93) الإصحار في تعليمات الإمام عليّ هل مخصوص بالولاة، أو لمطلق المسؤولين؟

الجواب: يختلف الأمر باختلاف المصالح والظروف، ومتى ما أمر وليّ أمر المسلمين بالإصحار وجب.

المسألة : 94) شخص يريد أن يعمل ضدّ نظام صدام اللعين ويقوم بأعمال تخريب مؤسّسات الدولة وقتل المسؤولين وتكوين مجموعة جهاديّة تعمل ضدّ النظام، فهل يحتاج إلى إذن مباشر من الوليّ الفقيه، أو ممّن يقلّده، أو يكفي الإذن العامّ بمواجهة الظلمة والطواغيت؟

الجواب: كفاية الإذن العامّ بمواجهة الظلمة والطواغيت خلاف الاحتياط.

 
  صفحه 76  

المسألة : 95) هل يشترط في وليّ أمر المسلمين أن يكون مرجعاً للتقليد؟

الجواب: لا يشترط ذلك.

المسألة : 96) هل يشترط في وليّ أمر المسلمين أن يكون أعلم الأحياء؟

الجواب: لا يشترط ذلك.

المسألة : 97) ما هو رأيكم بتعدّد الولايات في الأقاليم الإسلاميّة لعلمكم بالظروف السياسيّة والحدود الجغرافيّة الموجودة حاليّاً والتي تمنع من أن يكون العالم الإسلامي تحت ولاية فقيه واحد؟

الجواب: تعدّد الولايات بتعدّد الأقاليم ليس فيه عيب فقهيّ، ولكنّ المصلحة الإسلاميّة العليا تقتضي بالدرجة الاُولى وحدة الولاية مع الإمكان.

المسألة : 98) ما هي الشروط التي يجب توفّرها لدى وليّ أمر المسلمين؟

الجواب: الفقاهة والعدالة والكفاءة.

المسألة : 99) إنّي أحد العاملين في بيع العطور في سوق طهران، وقد منع استيراد العطور، والمتعارف في السوق الآن هو شراء العطور من خارج إيران، ويتمّ نقلها إلى طهران بطريقين:

الأوّل: الاتّفاق مع المسافرين الذين يأخذون اُجرة لنقلها إلى طهران.

والثاني: عن طريق العاملين في السفن الذين يقومون بنقلها دون المرور بالجمارك مقابل اُجرة معيّنة.

فهل هناك حرمة في هذا العمل؟ وهل هي شاملة للطريقين؟

الجواب: الحرمة تثبت على العمل الذي يكون مخالفاً لقوانين الجمهوريّة الإسلاميّة المباركة، وأمّا غيره فلا، فمثلاً من يهرّب العطور من أعين أهل الجمارك يكون عمله محرّماً، أمّا إذا فعل شخص هذا الحرام وأدخل العطور إلى البلاد ثمّ أراد أحد أن يشتري شيئاً من هذه العطور فهذا الشراء ليس حراماً; لأ نّه ليس

 
  صفحه 77  

  مخالفة لأوامر الجمهوريّة الإسلاميّة.

المسألة : 100) لو أفتى وليّ أمر المسلمين بقتل شخص أو أجاز قتله، إن لم يثبت منه عمل يستحقّ به القتل، فهل يجب أو يجوز على من قلّد ذلك المجتهد العمل بتلك الفتوى عند عدم توبة ذلك الشخص بعد موت المجتهد المدّعي للولاية العامّة؟

الجواب: إن كان كلامه على أساس الولاية فقد سقط بموته، وإن كان كلامه على أساس الفتوى وكان المورد من الشبهات الموضوعيّة فالفتوى في الشبهات الموضوعية ليست حجّة.

المسألة : 101) تقوم الدولة ومن أجل توفير النفقات لمشاريع مثل بناء المدارس والطرق، واُمور الصحّة، والاهتمام باُمور الفقراء وغير ذلك بأخذ ضرائب مختلفة من الناس، وبناءً على هذا:

1 ـ هل يجوز للدولة أن تأخذ مثل هذه الضرائب؟

الجواب: إذا رجع ذلك إلى أمر وليّ الأمر فهو جائز.

2 ـ هل يجب على الناس دفع تلك الضرائب على أيّة حال؟ وهل يجوز لأحد أن يتهرّب من دفعها؟

الجواب: إذا كانت المسألة تنتهي إلى أمر وليّ الأمر فطاعته واجبة ولا يجوز التمرّد والتهرّب من ذلك.

المسألة : 102) هل بإمكان الحاكم الإسلامي أن يفرض على الناس ضرائب اُخرى غير الخمس والزكاة؟

الجواب: في حالة تشخيص المصلحة في هذا الأمر بإمكانه ذلك، والشاهد على هذا المدّعى إطلاق دليل ولاية الفقيه.

المسألة : 103) هل أنّ الوليّ الفقيه له الولاية كولاية الأئمّة المعصومين ؟

 
  صفحه 78  

الجواب: تكون ولايته في دائرة أوامره القياديّة.

المسألة : 104) إذا أعلن اثنان من المراجع أنّ كلّ واحد منهما وليّ أمر المسلمين وكلّ واحد منهما في بلد، ولكنّ أحدهم أعلم من الآخر فهل تجب إطاعة الأعلم؟

الجواب: تكون الولاية لحامل الراية، ولو تعدّدت الرايات بتعدّد البلاد تعدّدت الولاية، ولكنّ المصلحة تقتضي عادة وحدة الراية مع الإمكان.

المسألة : 105) إنّ من يعمل كمجاهد ـ  سواء في العراق أم في إيران ـ وهو يقلّد من لا  يؤمن بالولاية المطلقة بل بالولاية الحسبيّة هل يعتبر مخالفاً لفتوى المجتهد الذي يقلّده؟

الجواب: الولاية الحسبيّة أيضاً تكفي لإدارة الاُمور، والفرق العملي الدقيق ليس محلاًّ للابتلاء عادة.

المسألة : 106) في دولة الوليّ الفقيه هل يعتبر عمل الموظّف الذي لا يؤمن بها في دوائر الدولة أو القطّاعات العسكريّة حراماً؟

الجواب: ليس عمله حراماً مادام ملتزماً عملاً بالأوامر.

المسألة : 107) ما هو الضابط في تمييز الحكم الإنشائي للوليّ عن حكمه الكاشف كما هو في إثبات هلال الشهر مثلاً ؟

الجواب: الحكم الذي كان الهدف منه الحكاية عن الواقع كالحكم بالهلال يسمّى كاشفاً، والذي كان الهدف منه الأمر والنهي كالحكم بالجهاد يسمّى إنشائيّاً.

المسألة : 108) هل يشترط في المتصدي لولاية الفقيه أن يكون أعلم الموجودين؟

الجواب: لا يشترط.

المسألة : 109) هل يجب على المكلّفين السعي لإقامة دولة إسلاميّة في عصر الغيبة؟

الجواب: نعم، يجب ذلك وجوباً كفائيّاً لدى الإمكان.

 
  صفحه 79  

العبادات


2

 

 

 

كتاب الطهارة

 

 

 

 

Ο الفصل الأوّل: مسائل في المطهّرات والنجاسات وأحكامهما.

Ο الفصل الثاني: مسائل في الوضوء.

Ο الفصل الثالث: مسائل في الأغسال.

Ο الفصل الرابع: مسائل في الدماء الثلاثة.

Ο الفصل الخامس: مسائل في أحكام الميّت.

Ο الفصل السادس: مسائل في التيمّم.

 

 

 
  صفحه 80  

  

 
  صفحه 81  

  

 

 

 

 

الفصل الأوّل
مسائل في المطهّرات والنجاسات وأحكامهما

المسألة : 1) هل أهل الكتاب عندكم عين نجس؟

الجواب: أهل الكتاب محكومون بالطهارة.

المسألة : 2) هل يعتبر المسلم زوجته الكتابيّة بالمتعة طاهرة أثناء المعاشرة في البيت؟

الجواب: نعم هي طاهرة، ولكنّها إذا تنجّست بملاقات النجاسة ثمّ شككنا في طهارتها جرى عليها استصحاب النجاسة، بمعنى أ  نّها لو ادّعت الغسل بالماء، واحتملنا كذبها لا تصدّق، في حين أ  نّها لو كانت مسلمة كنّا نصدّقها في دعواها.

المسألة : 3) قد بلغنا أ نّكم ترون طهارة أهل الكتاب، ونحن مجموعة من الطلبة في دبلن (ايرلندا) من المقلّدين لغيركم ممّن يرى نجاسة أهل الكتاب على الأحوط وجوباً، فنواجه مشاكل جمّة فيما يخصّ المسألة المذكورة، لذا فإنّنا نرجو من سماحتكم إبلاغنا فيما إذا كان لديكم الرأي المذكور. وهل يجوز تقليدكم في هذه المسألة ولكم منّا جزيل الشكر؟

الجواب: أهل الكتاب محكومون في رأيي بالطهارة. أمّا المسألة التي يقول فيها من تقلّدونه بالأحوط وجوباً وليست له فتوى في ذلك فيجوز لكم أن ترجعوا فيها إلى من هو أرجح للتقليد من باقي الفقهاء غير الفقيه الذي تقلّدونه.

 
  صفحه 82  

المسألة : 4) يوجد في المنطقة (كازينو) يرتادها اليزيديّون والمسيحيّون، فهل يجوز شرب الماء الموجود في الآنية التي يغمس فيها القدح عند أخذ الماء منها؟

الجواب: ما لم تعلم بملاقاة الماء لما ينجّسه من: كافر غير كتابي أو نحو ذلك، جاز الشرب.

المسألة : 5) ما هو حكم الأكل من مطاعم يرتادها أهل الكتاب ويأكلون في آنيتها؟

الجواب: إن لم يكن يعلم بأنّ ذاك الكتابي كان قد نجّس يده وفمه بخمر أو غيره، جاز ذلك.

المسألة : 6) ما هو حكم غير أهل الكتاب (البوذيّين، الوثنيّين، السيخ، الملاحِدة وغيرهم) من حيث الطهارة والنجاسة؟

الجواب: الأحوط وجوباً النجاسة.

المسألة : 7) هل يحكم بطهارة الكتابي أو طهارة كلّ إنسان؟ وهل علينا غسل اليد من المصافحة بدون رطوبة؟

الجواب: الكتابي محكوم بالطهارة الذاتيّة، ولكن ينجس بمساورة النجاسات، وإذا تنجّس لم تثبت طهارته بدعوى التطهير، أو بالغيبة ثمّ معاملة الطهارة مع نفسه، وهذا بخلاف المسلم، أمّا غسل اليد لدى مصافحته بدون رطوبة فليس واجباً.

المسألة : 8) بول القطّة طاهر أم نجس؟

الجواب: نجس.

المسألة : 9) ما حكم ماء البئر الصغير الذي وقعت فيه فأرة؟

الجواب: ماء البئر النابع طاهر، إلاّ إذا تغيّر لونه أو طعمه أو ريحه.

المسألة : 10) ما حكم ماء البئر المحفور قرب بالوعات النجاسة؟

الجواب: هذا الماء إن لم يكن متغيّراً في الطعم أو الريح أو اللون بسبب نفوذ ماء بئر النجاسة فهو طاهر.

 
  صفحه 83  

المسألة : 11) هل يتنجّس الماء المطلق إذا تغيّر أحد أوصافه بمجاورته للنجاسة؟

الجواب: الأحوط النجاسة.

المسألة : 12) لو وقع في الماء المعتصم متنجّس حامل لوصف النجس فهل يتنجّس الماء؟

الجواب: لو تأثّر الماء بذاك الوصف تنجّس.

المسألة : 13) هل يجوز لنا الحكم بالطهارة على أحذية أو ملابس مصنوعة من الجلد نشتريها من الأسواق الأمريكيّة أو أسواق الدول الغربيّة؟

الجواب: إذا كان من جلد حيوان، لم يحكم عليه بالطهارة إلاّ إذا اشتريته من مسلم يدّعي إحرازه للتذكية.

المسألة : 14) على القول بنجاسة الجلود المستوردة من الدول الكافرة، فلو علم إجمالاً باشتمال يد الكافر على المذكّى وعلى غير المذكّى، فهل يبني على الطهارة لوجود الشبهة الموضوعيّة؟

الجواب: لو لم يكن لدينا علم إجمالي منجّز حكم بالطهارة، ولكن لا تجوز الصلاة فيه.

المسألة : 15) هل للعلم الإجمالي بالاختلاط المذكور في السؤال السابق نسبة معيّنة؟ فلو كانت النسبة قليلة فهل يمكن ترتيب الأثر؟

الجواب: إن كانت الشبهة غير محصورة بمعنى أنّ نسبة الحرام ضئيلة جدّاً بحيث لا يفرّق العرف بين ذلك وبين الشبهات البدويّة، سقط العلم الإجمالي عن التنجيز.

المسألة : 16) هل يكون العلم الإجمالي منجّزاً في صورة عدم الابتلاء ببعض أطرافه لكثرة المذكّى المعلوم وجوده في الأطراف؟

الجواب: المقياس في الكثرة الموجبة لسقوط العلم الإجمالي عن التنجيز هو ما ذكرناه في الجواب السابق.

 
  صفحه 84  

المسألة : 17) المتنجّس في كم مرحلة ينجّس: فمثلاً كانت الفرشة متنجّسة بالبول ويبست، وجاء شخص فلاقت برطوبة قدماه الفرشةَ، فأصبح القدمان هما المتنجّس الثاني، فهل المتنجّس الثاني (القدمان) ينجّسان شيئاً آخر لولاقاه برطوبة؟

الجواب: المتنجّس الثاني إذا كان جامداً ـ أي: لم يكن مائعاً ولم يلاق عين النجس ـ لا يُنجّس، وذلك فيما إذا كان المتنجّس الأوّل جامداً أيضاً. أمّا إذا كان عين البول موجوداً في الفراش بشكل يابس فقد لاقت القدمان عين النجس.

المسألة : 18) ما هو حكم غسّالات الملابس الكهربائيّة في دولة كافرة، إذا خلطت الملابس حال الغسل بعضها مع البعض الآخر، وفيها ملابس غير طاهرة قطعاً؟

الجواب: إن لم يحرز كون النجاسة منجِّسة كما في المتنجّس مع الوسائط فلا بأس بذلك، وإلاّ تنجّس الثوب الطاهر إن كانت هناك ملاقاة مع الرطوبة ولو رطوبة ناشئة من البخار.

المسألة : 19) هل المتنجّس ينجّس؟ وإذا كان الجواب نعم فإلى أيّ حدٍّ تكون الواسطة غير منجّسة في حالة تعدّد الوسائط؟

الجواب: المتنجّس الثاني إن لم يكن مائعاً ولم يكن متنجّساً بمتنجّس أوّل مائع، لا ينجّس.

المسألة : 20) إذا كانت غرفة الدار مفروشة بفرش متنجّس وقد أدّى إلى تنجّس قدمي الضيف، فهل على صاحب الغرفة الإخبار عن ذلك؟

الجواب: لا يجب عليه الإعلام إلاّ إذا صدق عرفاً أنّ صاحب البيت هو الذي سبّب تنجّس قدمي الضيف.

المسألة : 21) هل الدم الذي يتكوّن في البيضة نجس؟

الجواب: الدم في البيضة ليس نجساً.

 
  صفحه 85  

المسألة : 22) الدم المتخلّف في الذبيحة بعد الذبح والمحكوم بطهارته، هل يجوز أكله؟

الجواب: يحرم أكل الدم.

المسألة : 23) إذا شكّ في الدم الموجود على اللحم هل هو من الدم المتخلّف في الذبيحة أو من الدم الذي خرج بالذبح، فهل يحكم بنجاسته، أو يحكم بطهارته؟

الجواب: يحكم بطهارته.

المسألة : 24) ما حكم ما تأكل منه القطّة في الإسلام؟

الجواب: طاهر.

المسألة : 25) من هو الطفل الرضيع؟ وكيف يطهر ما يلاقي بوله؟ وهل يوجد فرق بينه وبين الذي يأكل ويرضع معاً؟

الجواب: الطفل الرضيع هو الذي يشرب حليب امرأة ولا يأكل الطعام، ومقتضى الاحتياط أن لا يكون عمره قد تجاوز السنتين، ويكفي في تطهير ما تنجّس ببوله من الثياب والفراش الغسل مرّةً واحدة بالماء القليل بلا حاجة إلى فرك، بينما بول الرضيع الذي يأكل ويرضع حكمه حكم بول الإنسان الكبير. ولا  يفوتنا التنبيه على أ نّه في بول الرضيع في مثل الثياب والفراش مع وجود عين النجاسة يجب العصر أو إدامة الغسل إلى أن تنفصل غسالة الغسلة المزيلة ولو بواسطة الفرك ضمن إدامة الغسل.

المسألة : 26) تقول إحدى الأخوات: إنّ لي طفلاً صغيراً يبول عليَّ عدّة مرّات يوميّاً، واُريد أن اُصلّي يوميّاً فما هو حكم الصلاة؟

الجواب: بإمكانها أن تعيّن ثوباً طاهراً للصلاة، ففي وقت الصلاة تنزع ثوبها النجس وتصلّي في الثوب الطاهر دائماً.

المسألة : 27) إنّنا نعطي ملابسنا للغسّال في السوق لأجل تنظيفها وكويها، وهو

 
  صفحه 86  

  يقوم بغسلها في ماكنته مع ملابس للآخرين لا  نعلم بطهارتها، فما هو حكمها؟

الجواب: ما لم تعلم بالنجاسة تجري أصالة الطهارة في الملابس.

المسألة : 28) بعد أن أستبرئ من البول أحسّ بنزول رطوبة، فلو جلست للتبوّل لبلت قليلاً، فما هو حكم تلك الرطوبة؟

الجواب: إن لم تكن متيقّناً بأنّ تلك الرطوبة بول، فهي محكومة بالطهارة مادامت قد خرجت بعد الاستبراء والتطهير.

المسألة : 29) هل النار تطهّر العجين النجس أم يبقى العجين نجساً؟

الجواب: يبقى العجين نجساً.

المسألة : 30) تستعمل في الدول الاُوروبّيّة موادّ حافظة للموادّ الغذائيّة من التعفّن إذا ما خزنت لمدّة طويلة، وهذه المادّة الحافظة تصنع من موادّ يدخل في تركيبها جزء من الخنزير (أجلّكم الله)، علماً بأنّ هذه الموادّ الحافظة لا تحتوي على أيّة صفة أو خاصيّة من خواصّ مادّة الخنزير، أي: أ نّها استحالت استحالة تامّة إلى مادّة اُخرى، فما حكمها؟

الجواب: تلك المادّة محكوم عليها بالنجاسة، إلاّ إذا كانت الاستحالة قبل ملاقاة باقي أجزاء المادّة بالرطوبة ولم تحصل الملاقاة بالرطوبة بين تلك المادّة وظرف متنجّس.

المسألة : 31) إذا فعل شخص الخرطات قبل غسل الذكر ثمّ غسل الذكر ثمّ عندما قام خرج بول، فهل هذا طاهر؟

الجواب: إن علم أ نّه بول لم يكن طاهراً، وإن لم يعلم بذلك كان طاهراً.

المسألة : 32) هل الخرطات التسع واجبة؟

الجواب: الخرطات ليست واجبة، ولكن أثرها أ نّه لو خرج بعد الخرطات بلل مشتبه كان محكوماً بالطهارة.

 
  صفحه 87  

المسألة : 33) لو ملأ إناءً من الماء بواسطة اُنبوب السخّان ثمّ غمس الثياب النجسة في ذلك الإناء ورفعها حتّى أكمل ثلاثاً، فهل تُعدّ هذه الثياب طاهرة؟

الجواب: إن كان ماء الإناء متّصلاً بالكرّ بواسطة اُنبوب السخّان، وكان الاُنبوب مفتوحاً حين غسل الثوب به، وغسل به الثوب مرّة واحدة مع العصر أو الدلك في داخل الماء، فقد طهر وإن كان الثوب مُتنجّساً بالبول. أمّا ما ورد في السؤال من مجرّد غمس الثوب في الماء ثلاث مرّات فهو غير كاف في التطهير; لأ نّه لم يفرض فيه العصر أو الدلك.

المسألة : 34) هل ماء السخّان الذي يستعمل في حمّام البيت محكوم بالكرّيّة؟

الجواب: إن كان متّصلاً بماء شبكة الأنابيب الذي هو كرّ كان كرّاً.

المسألة : 35) هل اُنبوب الماء الذي طوله مسافة كيلومتراً فإذا فرّغنا الماء الذي فيه ساوى كرّاً فهل هو كرّ؟

الجواب: الماء الذي لو فرّغناه يكون كرّاً فهو قبل التفريغ أيضاً كرّ.

المسألة : 36) هل يمكن الاكتفاء عند الاستبراء من البول بالخرطات دون استعمال الماء؟

الجواب: فائدة الاستبراء هي الحكم بطهارة الرطوبة الخارجة المشتبهة بالبول وعدم ناقضيّتها للوضوء لو خرجت بعده، وهذا ليس مشروطاً باستخدام الماء، ولكن مع عدم استخدام الماء يبقى العضو نجساً وتتنجّس الرطوبة به.

المسألة : 37) إذا أجنب المكلّف ثمّ غسل عين النجاسة، هل يتنجّس ثوبه الذي عليه بماء الغُسَالة؟

الجواب: إذا كان الماء الذي غسل به قليلاً فغسالته نجسة، فإذا لاقت الثوب فقد نجّسته.

المسألة : 38) ما هو حكم الكحول المستخدمة في تطهير الجروح، والعطور الحاوية على الكحول التي تستخدم بعد الحلاقة؟

 
  صفحه 88  

الجواب: الكحول طاهرة، ولكن لولاقت طعاماً أو شراباً فسد الطعام أو الشراب.

المسألة : 39) الشراب المسمّى بالبيرة، أي: ماء الشعير، طاهر أو نجس في حالة عدم احتوائه على كحول؟

الجواب: لدى عدم احتوائه للكحول طاهر. نعم، لو كان سابقاً قد التقى بالكحول حرم شربه.

المسألة : 40) هل يجوز غسل الطفل المتنجّس الذي في بدنه بقايا الخروج في المغاسل المخصّصة لغسل الآنية، علماً بأنّ بعض الأواني يبقى فيها حبّات رُز وغيره من الطعام؟

الجواب: يجوز، والأحوط استحباباً تركه.

المسألة : 41) ذرق «أي فضلات» خفّاش الليل طاهر أو نجس؟

الجواب: طاهر.

المسألة : 42) بعدما تلد البقرة يوضع حليبها على النار فيتحوّل إلى خثيرة (اللباء) وهي أحياناً تحتوي على دم قليل جدّاً، ما حكم أكلها؟

الجواب: مع وجود الدم يعتبر نجساً.

المسألة : 43) بعد وقوع النجاسة على الرُز هل يطهر بغسله؟

الجواب: قال المشهور بأنّ الرُز يجفّف ثمّ ينقّع في الماء الكرّ فيطهر، ولكن الأحوط عندنا التجنّب.

المسألة : 44) الدجاج المذبوح في البيت ولم يغسل بعد، ويوضع في قدر ماء حارّ لغرض نزع ريشه، هل هو طاهر؟ والماء الذي استعمل ما هو حكمه؟

الجواب: إن لم تطهّر رقبته بعد الذبح فالماء قد تنجّس بالدم، وجسم الدجاج قد تنجّس في داخل الماء، فإن كان الماء لم ينفذ في جوفه أمكن تطهيره بصبّ ماء طاهر عليه.

 
  صفحه 89  

المسألة : 45) في بعض الأحيان عندما أطبخ الرُز واُنظّفه بشكل جيّد قبل الغسل والطبخ أجد شيئاً لونه أسود أو بلون التراب الغامق، ولا أدري ما هو، هل هو من فضلات الفأر أو شيء آخر؟ وفي كثير من الأحيان عندما أمسكه بأصابعي أجده كالعجين، فما هو حكم الرُز، هل هو طاهر أو نجس؟ وهل صحيح أنّ فضلات الفأر صلبة ولا تصبح عجيناً عند الضغط عليها بعد الطبخ؟

الجواب: فضلات الفأر ليست صلبة، ولو شككتم في كون الشيء فضلة للفأر أو لا فهو محكوم بالطهارة.

المسألة : 46) عند تخمير التمر لجعله خلاًّ هل يطهر بعد أن يتحوّل إلى الخلّ؟

الجواب: إذا تحوّل الخمر إلى الخلّ فقد طهُر.

المسألة : 47) هل عرق الجُنُب من الحرام طاهر وتجوز الصلاة فيه؟

الجواب: طاهر، تجوز الصلاة فيه.

المسألة : 48) هل القطرات التي تسقط من جسم الإنسان أثناء غسل الجنابة تنجّس الماء الذي أغتسل منه؟

الجواب: القطرات التي تسقط من جسم الإنسان أثناء غسل الجنابة إن لم تكن ملاقية للنجاسة لا تكون نجساً ولا تنجّس شيئاً.

المسألة : 49) ماء كان قليلاً فصار كرّاً، وقد علم ملاقاته للنجاسة، ولم يعلم سبق الملاقاة على الكرّيّة أو العكس، فما هو حكم طهارة ذلك الماء؟

الجواب: إن كان وقت الملاقاة معلوماً ووقت الكرّيّة مشكوكاً في التقدّم والتأخّر حكم على الماء بالنجاسة ولو احتياطاً، وفي غير هذه الصورة يحكم عليه بالطهارة.

المسألة : 50) هل يطهِّر ماء المطر كلّ ما أصابه من المتنجّسات القابلة للتطهير من الماء والأرض والفرش والأواني؟ وهل يحتاج في حالة إصابته للماء إلى

 
  صفحه 90  

  الامتزاج، وفي حالة إصابته للفرش إلى العصر والتعدّد، وفي حالة إصابته الأواني إلى التعدّد؟ وما هو حكم الإناء إذا كان متنجّساً بولوغ الكلب؟

الجواب: نعم يطهر، إلاّ أ نّه في الفرش لا بدّ من العصر، وإن وقع العصر بعد انقطاع المطر عنه احتاج إلى التعدّد، وفي المتنجّس بولوغ الكلب لا بدّ من الغسل أوّلاً بتراب طاهر ممزوج بشيء من الماء ثمّ غسله بعد ذلك بالمطر.

المسألة : 51) هل يحكم بطهارة الإبرة التي زُرقت في عضلة الشخص وخرجت بدون أثر مّا؟

الجواب: نعم يحكم بطهارتها.

المسألة : 52) بعد زرق الإبر يظهر بعض الدم على أعلى الجلد، فهل يكفي لتطهيره استعمال المعقّم (الاسبيرتو) بالقطن؟

الجواب: لا يتمّ التطهير إلاّ بالماء.

المسألة : 53) هل الشمس من المطهّرات؟

الجواب: لا نعتبر الشمس من المطهّرات على الأحوط وجوباً إلاّ بمقدار جزئيّ أشرنا إليه في تعليقنا على (الفتاوى الواضحة).

المسألة : 54) ورد في تعليقة السيّد الشهيد الصدر الأوّل على (منهاج الصالحين)للسيّد الحكيم (ص 165، مسألة 10) التطهير بالماء المعتصم كالجاري والكرّ وماء المطر يحصل بمجرّد استيلائه على المحلّ النجس من غير حاجة إلى عصر ولا إلى تعدّد قول الشهيد : الأحوط التعدّد في الثوب المتنجّس بالبول إذا غسل بغير الجاري من الماء ولو كان كرّاً . فهل هذا الاحتياط وجوبي أو استحبابي؟ وما هو رأي سماحتكم؟

الجواب: هذا الاحتياط وجوبي عند السيّد الشهيد الصدر ولايجب عندنا. نعم، يجب عندنا الغمس والعصر في داخل الماء لدى الغَسل.

 
  صفحه 91  

المسألة : 55) إذا شكّ في الاستبراء ومضت مدّة وكان من عادته الاستبراء فما هو العمل في هذه الحالة؟

الجواب: يبني على عدم الاستبراء.

المسألة : 56) لو استبرأ وشكّ بعد ذلك هل كان الاستبراء على الوجه الصحيح أو لا، فما هو حكمه؟

الجواب: يبني ـ  مع احتمال التفاته حين العمل ـ على صحّة العمل.

المسألة : 57) شخص لم يستبرئ وشكّ في خروج الرطوبة أو عدمه فعلى ماذا يبني حكمه؟

الجواب: يبني على عدم خروج الرطوبة.

المسألة : 58) شخص علم أنّ الخارج منه مذي ولكن شكّ في أ نّه خرج معه بول أو لا، فهل يحكم عليه بالنجاسة والناقضيّة؟

الجواب: لا يحكم بالنجاسة ولا الناقضيّة إلاّ إذا رجع شكّه إلى عدم معرفة جزء ممّا خرج منه، فكان واقعُ شَكِّهِ هو الشكّ في أنّ هذا الجزء الخارج هل هو مذي أو بول، فهذا حكمه حكم البلل المشتبه.

المسألة : 59) ما حكم ماء الاستنجاء في حالة الشكّ في وجود أجزاء النجاسة؟ ذلك لأنّ الفقهاء يقولون: حكم ماء الاستنجاء الطهارة بشروط منها: أن لا يتغيّر بالنجاسة، وكيف يمكن للمكلّف أن يميّز حالة التغيّر من حالة عدم التغيّر؟

الجواب: لو شكّ في أنّ ماء الاستنجاء هل حمل شيئاً من النجاسة أو لا  بنى على عدمه، ولو شكّ في أ نّه هل تغيّر أو لا بنى على عدمه، ولكنّنا أساساً لا  نقول بطهارة ماء الاستنجاء، وإنّما نقول بالعفو عن ملاقاته، فملاقيه لا  ينجس.

المسألة : 60) هل الوزغ نجس؟ وهل يتنجّس الماعون إذا وقع فيه؟

الجواب: ليس نجساً.

 
  صفحه 92  

المسألة : 61) إذا مطرت السماء وابتلّت جميع الأرض ووجدت نجاسة فهل تسري النجاسة إلى كلّ الشارع؟

الجواب: إن جرى الماء من النجاسة إلى مكان آخر بعد انقطاع المطر نجّس ما سرى إليه، وإلاّ فلا.

المسألة : 62) عند قتل البقّ على الثياب الملبوسة للإنسان يخرج منه دم، فما حكم هذا الدم إذا كان البقّ في حالة مصِّ الدم؟ وما حكمه إذا لم يكن قد مصّ الدم؟ وما الحكم إذا شكّ في أنّ قتله قبل أن يمصّ الدم أو لا؟

الجواب: يعتبر الدم نجساً إذا كان البقّ في حال الامتصاص، وأمّا في غير ذلك فيعتبر الدم طاهراً، ومع الشكّ يحكم بالنجاسة أيضاً.

المسألة : 63) ما هو حكم الحبال المشتركة في نشر الملابس بيننا نحن المسلمين والمسيحيّين، وبعض الساكنين لا يعبدون الله عزّ وجلّ، مع العلم أ نّها ثابتة في الأرض ومعرَّضة للشمس والمطر؟

الجواب: ما لم يحصل العلم بالنجاسة تجري أصالة الطهارة.

المسألة : 64) سماحتكم قلتم بأنّ العِطر الذي يدخل الكحول في تركيبه طاهر وكذلك الدُهن (الكِرِيم) المرطّب للبشرة، ولكن يجب أن لا يلامس الطعام فيصبح الطعام الذي لامسه ذلك العطر حراماً ولا يجوز أكله، ولكن سؤالي هو إذا وضعت على يدي ذلك المرطّب أو العطر وبعد ذلك جفّت يداي من دون أن أغسلهما وبعد ذلك لامست يداي الطعام فهل يجوز أكل الطعام؟

الجواب: ملاقاة الطعام لليد التي كان عليها شيء من العطر الذي فيه الكحول وقد جفّت اليد لا تُفسد الطعام، ولا يبقى إشكال في اليد بعد جفافها، وكذلك الكِرِيم إن كانت الملاقاة بعد زواله ولو بغير الغَسل.

المسألة : 65) هل يجوز التطهير والشرب من ماء المجاري العامّة والحمّامات

 
  صفحه 93  

  والمرافق الصحّيّة بعد تصفيته؟

الجواب: إن كانت تصفية الماء بطريق يفصله عرفاً عن مناشئ قذارته جاز، وإلاّ فلا. مثاله: لو بُخِّر الماء النجس أو البول في جوّ مشتمل على هواء طلق ثمّ رجع البخار ماءً صافياً ولم ترجع معه مناشئ القذارة عرفاً كان طاهراً، وإلاّ كان نجساً.

المسألة : 66) لو تغوّط شخص ولم تتلوّث حلقة دبره فهل يجب غسلها؟

الجواب: إن كان الغائط جافّاً لم يتبلّل الموضع به لا يجب غسله، وإلاّ وجب.

 

 
  صفحه 94  

  

الفصل الثاني
مسائل في الوضوء

المسألة : 67) البقعة البيضاء التي تعلو بشرة الكفّ لا لجرح، بل تتكوّن بعد غسل اليد بالماء الكثير، أو بعد غسلها بالصابون، أو عند السباحة في الأنهار والعيون لمدّة طويلة نسبيّاً، هل تجب إزالتها لأجل الوضوء؟

الجواب: لا تجب إزالتها لأجل الوضوء ما لم تشكّل سمكاً حاجباً عُرفاً.

المسألة : 68) ما رأيكم في الغسلة الثانية لليد اليسرى في أفعال الوضوء، هل هي مكروهة، أو مستحبّة؟

الجواب: إن استوعبت الغسلة الاُولى يده فالأحوط وجوباً ترك الثانية.

المسألة : 69) ما هو حكم من يتوضّأ وفي يده جبيرة ويصلّي الفرض، وبعد الانتهاء من الصلاة يتذكّر الجبيرة علماً بأ نّه كان يستطيع حلّ الجبيرة؟

الجواب: إن أمكن حلّ الجبيرة والوضوء الكامل، وجبت الإعادة.

المسألة : 70) ما حكم من كان يُتمّم بالغسلة الثانية غسل أعضاء الوضوء، فمثلاً يغسل الذراع بالغسلة الاُولى الواجبة، ويُتمّم ما بقي منه ـ أي: الكفّ ـ في الغسلة الثانية المستحبّة؟

الجواب: الوضوء صحيح.

المسألة : 71) بعد الخرطات يخرج بلل ويتوقّع طهارته لتلك الخرطات، فهل تبطل صلاته؟

الجواب: لا تبطل صلاته ما لم يعلم أ نّه بول.

المسألة : 72) كنت في صحراء، وكان الماء في حفرة وليس عندي إناءٌ
لاستخراج الماء منها، وإذا دخلت الحفرة سوف يعلق الطين برجلي واُريد الوضوء للصلاة، فماذا أعمل؟

 
  صفحه 95  

الجواب: يجب الوضوء، وإذا وقع الطين على محلّ المسح أزاله قبل المسح.

المسألة : 73) ورد في (منهاج الصالحين) للسيّد محسن الحكيم مسألة (24): «لو اختلط بلل اليد ببلل أعضاء الوضوء لم يجز المسح به على الأحوط وجوباً. نعم، لا بأس باختلاط بلل اليد اليمنى ببلل اليد اليسرى الناشئ من الاستمرار في غسل اليسرى بعد الانتهاء من غسلها إمّا احتياطاً أو للعادة الجارية». كتب السيّد الشهيد الصدر في الهامش (45): «فيه إشكال»، فما هو الحكم عندكم؟ وهل الاحتياط المذكور أعلاه وجوبي حيث لم يذكره في (الفتاوى الواضحة)؟

الجواب: الاحتياط وجوبي، وعدم ذكره في (الفتاوى الواضحة) لا ينفي ذلك، واختلاط بلل اليمنى ببلل اليسرى الناشئ من الاستمرار في غسل اليسرى لمجرّد العادة لا يخلو من إشكال، أي: أنّ الأحوط وجوباً التجنّب عن ذلك.

المسألة : 74) هل يبطل الوضوء بغسل اليدين ثلاث مرّات؟

الجواب: غسل اليد اليسرى ثلاثاً يضرّ بالمسح.

المسألة : 75) هل يجوز استخدام صبغ الشعر الأسود لتغطية الشيب، وهل يمنع من الوضوء وغسل الجنابة؟

الجواب: إن لم يكن الصبغ مشتملاً على الجرم ـ أي: كان لوناً بحتاً ـ فهو غير مانع عن الوضوء والغُسل.

المسألة : 76) هل وضع (المكياج) ودهون التجميل للمرأة يعدّ حاجباً عن وصول الماء إلى البشرة؟

الجواب: كلّ ما منع عن وصول الماء إلى البشرة لثخنه أو لدسومته يعتبر حاجباً.

المسألة : 77) ما حكم من كان يغسل وجهه في الوضوء ثلاث مرّات، علماً أ نّه ينوي الوضوء في الغسلة الاُولى؟ فما حكم الصلاة السابقة التي صلاّها بهذا الوضوء؟

الجواب: صلواته صحيحة.

 
  صفحه 96  

المسألة : 78) شخص كان على يده اليسرى جبيرة وكان عندما يتوضّأ يمسح على الجبيرة قبل غسل اليد اليمنى اشتباهاً منه، ومضت عليه فترة عشرين يوماً، ما حكم صلاته خلال هذه الفترة؟

الجواب: يقضي صلواته.

المسألة : 79) عند غسل اليدين بالصابون ونحوه يبقى أثر الصابون في الجلد وتحت الأظفار، فهل يكون مانعاً عن وصول الماء إلى البشرة عند الوضوء، علماً بأنّ هذا الأثر (البياض) لا يظهر أثناء الوضوء؟

الجواب: البياض وكذلك أيّ لون آخر لا جِرم له لا يمنع عن الوضوء أو الغسل.

المسألة : 80) شخص مصاب بسلس البول، ويمكنه أن يضبط نفسه بصعوبة لمدّة أربع ركعات، وعلى هذا الحال يؤدّي صلواته اليوميّة فيتوضّأ لكلّ صلاة، لكنّه يسأل عن صلوات سنين عديدة يريد قضاءها، فلو أراد أن يشرع في القضاء مع الوضوء لكلّ صلاة سيواجه مشقّة يقول: إنّها بالغة، فهل له أن يصلّي صلاتين أو أكثر بوضوء واحد؟

الجواب: لا نجوّز له ذلك، فليتوضّأ لكلّ صلاة.

المسألة : 81) ما هي حدود المسح في الوضوء؟

الجواب: الأحوط جرّه إلى آخر ظهر القدم مارّاً بقبّة القدم، ويكفي المسمّى في الرأس.

المسألة : 82) كنت اُصلّي منذ خمس عشرة سنة، وكنت أتوضّأ بغسل اليد اليمنى ثلاث مرّات، وأمّا اليد اليسرى فلا أدري هل كنت أغسلها مرّة أو مرّتين، فما هو حكم صلاتي السابقة؟

الجواب: غسل اليد اليمنى ثلاث مرّات لا يبطل الوضوء، وأمّا شكّك في غسل اليد اليسرى مرّة أو مرّتين: فإن حصل هذا التشكيك بعد الصلاة وبعد انتهاء الوقت فلا يجب عليك قضاء الصلاة، وإن حصل في داخل الوقت فأعِدها.

المسألة : 83) شخص داعب زوجته في شهر رمضان، وأثناء المداعبة خرج منه

 
  صفحه 97  

  المذي، فظنّ هذا الشخص أنّ هذا منيّ، فاغتسل غسل الجنابة وصلّى بدون وضوء، فما هو الحكم؟

الجواب: يعيد كلّ صلاة صلاّها بهذا الغُسل وبدون وضوء.

المسألة : 84) هل ملامسة النساء تبطل الوضوء حتّى المحارم؟

الجواب: ملامسة النساء لا تبطل الوضوء.

المسألة : 85) ما هو العمل في حالة الشكّ في كون هذا المائع مضافاً أو مطلقاً؟

الجواب: يحتاط بالعدول إلى ماء آخر واضح الإطلاق.

المسألة : 86) الشقوق التي تحدث على ظهر الكفّ وكانت وسيعة بحيث يرى جوفها، هل يجب إيصال الماء إليها أثناء الوضوء؟

الجواب: نعم، يجب إيصال الماء إليها في الوضوء.

المسألة : 87) هل يصحّ الوضوء بالارتماس؟ وما هي كيفيّته؟

الجواب: الوضوء بالارتماس في رأينا خلاف الاحتياط، وإنّما يتمّ الارتماس في الغُسل. نعم، لو وضّأ يده اليسرى بالشكل المألوف وخصّ الارتماس بالوجه واليد اليمنى صحّ ذلك، ولكنّ تحقيق ذلك صعب، فارتماس الوجه عبارة عن إدخال وجهه في الماء من أعلاه إلى أن يصل إلى الأسفل، وارتماس اليد عبارة عن إدخال يده في الماء ابتداءً من المرفق إلى رؤوس الأصابع، وأمّا ارتماس اليد اليسرى ففي رأينا يبطل المسح.

المسألة : 88) ما ينجمد على الجرح عند البرء ويصير كالجلدة هل يجب رفعه للوضوء، أو لا؟

الجواب: لا يجب رفعه. نعم، لو كان عليه دم يجب تطهيره.

المسألة : 89) عند المسح على الرأس هل يجب المسح على البشرة، أو يكفي على الشعر النابت على المقدّم؟

الجواب: يكفي المسح على الشعر النابت على مقدّمة الرأس.

 
  صفحه 98  

المسألة : 90) هل يجوز المسح على القناع والخفّ والجورب وغيرها عند الضرورة كالتقيّة أو البرد أو السبع أو العدوّ ونحو ذلك ممّا يخاف بسببه رفع الحائل؟

الجواب: في التقيّة يجوز، وفي الضرورات الاُخرى ينتقل إلى التيمّم، إلاّ الجبيرة التي لها حكمها الخاصّ.

المسألة : 91) إنّي أحد المهاجرين أسكن في مدينة أهواز، ووفّر أقرباؤنا مسكناً لنا، وسحبوا اُنبوب الماء إلى البيت من دون إذن رسمي من الحكومة، فهل يجوز لنا شرعاً التصرّف بهذا الماء في الغسل والوضوء والشرب وغير ذلك؟

الجواب: إن كان هذا أمراً مألوفاً والحكومة مطّلعة على ذلك ولا تمنع جاز.

المسألة : 92) أحياناً يكون هناك شيء من الحبر على أثر الكتابة بالقلم الجافّ، فيغفل أو ينسى المكلّف إزالته قبل الوضوء مثلاً، إلاّ أ نّه يغسل يديه قبل الوضوء استحباباً ثمّ يتوضّأ، وفي أثناء الصلاة أو بعدها يجد أثر ذلك الحبر موجوداً على البشرة بشكل خفيف بحيث بأقلّ فرك له باليد يزول ذلك الأثر، فهل هذا يوجب إعادة الوضوء والصلاة؟

الجواب: لو لم يكن له جرم وكان يعتبر لوناً بحتاً لم يكن حاجباً، ومع الشكّ تجب إعادة الوضوء.

المسألة : 93) لو أغلق المتوضّئ صُنْبورة الماء (الحنفيّة) قبل مسح الرأس وكان عليها قليل من الماء وبعد ذلك يمسح، فما حكم وضوئه؟

الجواب: يمكنه المسح بالأصابع الاُخرى حتّى لا يواجه إشكالاً.

المسألة : 94) لو توضّأ اثنان إلى جانب بعضهما وترشّح ماء وضوء الشخص الأوّل على يد الشخص الثاني، فهل يصحّ وضوء الثاني، أو لا؟

الجواب: إذا ترشّح الماء على عضو لم يغسل بعد فلا إشكال فيه، وإذا ترشّح على عضو كان قد غسل ولم يكن كفّ اليد فلا إشكال فيه أيضاً، ولو كان الترشّح على كفّ اليد اليمنى التي سيغسل بها اليد اليسرى بعد ذلك فلا إشكال فيه، وإذا

 
  صفحه 99  

ترشّح على الكفّ قبل المسح وبقي عليها مقدار كاف من الماء للمسح فلا إشكال في ذلك، وإذا كان الترشّح على الكفّ وكان مجبوراً على المسح بنفس المكان الذي وقع عليه الرشح ففيه إشكال، وإذا كان الترشّح على الرأس أو الرجلين جفّفها قبل المسح.

المسألة : 95) من كان على بعض أعضائه جبيرة وحصل ما يوجب الغسل، ماذا يعمل في هذه الحالة؟

الجواب: يجب عليه غُسل الجبيرة لدى اجتماع شرائط الجبيرة.

المسألة : 96) هل وضوء ذي الجبيرة وغسله رافعان للحدث؟

الجواب: المقدار المتيقّن أ نّهما مبيحان لمباشرة ما اشترط فيه الطهارة من الواجب كالصلاة.

المسألة : 97) من كان تكليفه التيمّم وكان على أعضائه جبيرة لا يمكن رفعها، فهل يجوز له المسح عليها؟

الجواب: يمسح عليها ويصلّي، وبعد البُرء يقضي احتياطاً.

المسألة : 98) إذا ارتفع عذر صاحب الجبيرة هل يجب عليه إعادة الصلوات التي صلاّها؟

الجواب: إن كان الوقت باقياً وجبت إعادة الصلاة، وإن لم يكن باقياً لم يجب قضاؤها.

المسألة : 99) هل يجوز أن يصلّي صاحب الجبيرة أوّل الوقت مع اليأس من زوال العذر إلى آخره؟

الجواب: نعم يجوز.

المسألة : 100) هل يجب رفع الحاجب وتخليل ما لا  يصل الماء إليه إلاّ بتخليله في الوضوء؟

الجواب: إن كان المقصود تخليل شعر اللحية الكثّة أو الحاجب فهو غير واجب، وإن كان المقصود رفع المانع الخارجي أو تحريكه لأجل حصول اليقين بوصول

 
  صفحه 100  

  الماء إلى البشرة فهو واجب.

المسألة : 101) ما رأي سماحتكم بشخص عندما تأتيه قائمة كهرباء أو ماء أو هاتف من قبل دوائر الجمهوريّة الإسلاميّة بمبلغ كبير، يحاول تقليل هذا المبلغ باتّفاق مع موظّف الدائرة، فما حكم وضوئه بالنسبة إلى الماء؟ وما حكم هذه العمليّة؟

الجواب: هذا نوع من السرقة ولا يجوز، والوضوء بهذا الماء يعتبر وضوءاً بماء مغصوب إن كان ناوياً من أوّل الأمر لتقليل المبلغ، وأمّا إن بدا له بعد الوضوء أن يفعل ذلك فوضوؤه صحيح، لكنّه ضامن للقيمة المعيّنة من قبل الدولة الإسلاميّة.

المسألة : 102) إذا توضّأتُ للطهارة ودخل وقت الصلاة فهل أحتاج إلى وضوء جديد للصلاة؟

الجواب:لا حاجة إلى وضوء جديد ما لم تحدث.

المسألة : 103) إذا أطلت في مدّة الوضوء هل يبطل الوضوء؟

الجواب:إن لم تكن الإطالة بمقدار ما يؤدّي إلى جفاف العضو السابق قبل غسل العضو اللاحق لم يبطل الوضوء.

المسألة : 104) هل التكلّم خلال الوضوء يبطل الوضوء؟ وإذا كان لا يبطله فهل إذا سمع صوتي رجل أجنبي وأنا أتوضّأ فهل يبطل الوضوء؟

الجواب: التكلّم خلال الوضوء لا يبطل الوضوء، وسماع الأجنبيّ صوتكِ خلال الوضوء أيضاً لا يبطل الوضوء.

المسألة : 105) حين الوضوء عندما أصل إلى مسح قدمي بيدي أبدأ ببداية كفّ يدي وأنتهي بأصابع يدي، ولكنّي حينما أبدأ بوضع بداية كفّي على قدمي وأبدأ بالمسح فلقرب أصابع يدي من الأرض تلامس أطراف أصابع يدي الأرض وهي ـ  أعني: الأرض  ـ مبلّلة فيها ماء تأخذ أطراف أصابع يدي شيئاً من ذلك الماء، وبعدها أستمرّ في مسح قدمي، سؤالي: هل الماء الذي لامس أطراف أصابع يدي يُبطل وضوئي باعتباره ماءً خارجيّاً؟

 

السابق |  التالي |  فهرس الكتاب