صفحه 306  

 

 
  صفحه 307  

المعاملات


17

 

 

 

 

 

 

 

كتاب الضمان

 

 
  صفحه 308  

 

 
  صفحه 309  

 

 

 

 

 

وإنّما يصلح إذا صدر عن أهله (1)، ولابدّ من رضا الضامن والمضمون له، ويبرأ المضمون عنه(2) وإن أنكره، وينتقل المال إلى ذمّة الضامن، فإن كان مَليّاً أو علم المضمون له بإعساره وقت الضمان لزم، وإلاّ كان له(3) الفسخ. ويصحّ مؤجّلا وإن كان الدين حالاًّ وبالعكس، ويرجع الضامن على المضمون عنه بما أدّاه إن ضمن بإذنه، وإلاّ فلا. ولا يشترط العلم بمقدار المال ويلزمهما تقوم به البيّنة خاصّة. ولابدّ في الحقّ من الثبوت (4)، سواء أكان لازماً أو


(1) يعني: البالغ العاقل المختار.

(2) الضمان المصطلح عبارة عن النقل من ذمّة إلى اُخرى، وهو الذي تترتّب عليه براءة ذمّة المضمون عنه.

وقد يُقصَد بالضمان مجرّد التعهّد بما في الذمّة، أي: أنّ الضامن يتعهّد للدائن بحصول دينه له: إمّا بوفاء الدين، أو بوفاء المتعهّد، وهذا لا يوجب براءة ذمّة المدين بمجرّد حصول الضمان بهذا المعنى، وإنّما هذا شبيه بضمان من يتكفّل بتحصيل العين المغصوبة من الغاصب للمالك، أو تحصيل القاتل لأولياء المقتول، ونحو ذلك.

(3) يعني: كان للمضمون له الفسخ.

(4) يعني: في الضمان المصطلح، أمّا في الضمان بمعنى مجرّد التعهّد، فقد يتعهّد الشخص بحقّ لم يثبت بعد، بل بما لا يترقّب استحقاق الغير له أساساً، فلا يكون هناك مضمون عنه، بل هناك ضامن ومضمون له.

  صفحه 310  

آيلا إليه (1)، ولو ضمن عهدة الثمن لزمه مع بطلان العقد لا مع تجدّد الفسخ (2).

أمّا الحوالة فيشترط فيها رضا الثلاثة، سواء كان المحال عليه مديناً(3) أو بريئاً، أو كانت الحوالة بالجنس أو بغير الجنس، ولا يجب قبولها، ومعه تلزم ويبرأ المحيل وينتقل المال إلى ذمّة المحال عليه، ولزمه إن كان مليّاً أو علم(4)بإعساره، وإلاّ فله الفسخ. ولو طالب المحال عليه بما أدّاه فادّعى المحيل ثبوته في ذمّته فالقول قول المحال عليه مع يمينه، ولو أحال المشتري


(1) أي: سواء كان لازماً كما لو ضمن ثمن المبيع بعد القبض وانقضاء الخيار، أو سيؤول إلى اللزوم كما لو ضمن ثمن المبيع بلحاظ ما بعد انقضاء الخيار، أو ضمن مال الجعالة قبل فعل ما شرط عليه من العمل.

(2) الظاهر: أنّ مقصوده بهذا ضمان العهدة، لا الضمان المصطلح الموجب لفراغ ذمّة المضمون عنه.

ومعنى العبارة: أنّه لو خشي المشتري خسارة الثمن، فضمن له ضامن عهدة الثمن، لزم الضامن عهدة الثمن للمشتري إذا كانت خسارته للثمن على أساس بطلان البيع، لا على أساس انفساخه بالفسخ، أو التقايل بعد أن كان صحيحاً.

ولعلّ مقصوده من التفصيل بين فرض بطلان البيع وفرض الفسخ دعوى انصراف التعبير بمثل خسارة الثمن إلى فرض بطلان البيع، دون إبطاله بمثل الفسخ أو التقايل.

وإن تمّ هذا الانصراف، أمكن علاجه بالتصريح في طلب ضمان عهدة الثمن بطلبه في كلتا الحالتين.

(3) إن كان المحال عليه مديناً للمحيل، وكانت الحوالة بنفس جنس ما عليه، ولم يقصد بالحوالة إشغال ذمّته بدين جديد، فالظاهر عدم اعتبار رضا المحال عليه، وكان الدين للمحال بالشكل الذي كان للمحيل برضا المحيل والمحال بذلك.

(4) أي: علم المحال بإعساره، وإلاّ فللمحال الفسخ.

  صفحه 311  

بالثمن(1) أو أحال البائع أجنبيّاً(2) ثمّ فسخ البيع لم تبطل الحوالة على الأقوى، ولو بطل البيع بطلت.

وأمّا الكفالة فيشترط فيها رضا الكفيل والمكفول له، بل وكذا المكفول على الأحوط (3)، وفي اشتراط الأجل قولان، أظهرهما العدم وتعيين المكفول (4)، وعلى الكافل دفع المكفول أو ما عليه. ومن أطلق غريماً من يد صاحبه قهراً لزمه إعادته أو ما عليه، ولو كان قاتلا دفعه أو الدية إذا كان القتل موجباً للدية، وإلاّ تعيّن دفعه، ولو مات المكفول أو دفعه الكفيل أو سلّم نفسه أو أبرأه المكفول له يبرأ الكفيل، ولو عيّنا موضع التسليم لزم، وإلاّ انصرف إلى بلد الكفالة.


(1) يعني: لو أحال المشتري البائع بالثمن، ثُمّ فُسخ البيع، لم تبطل الحوالة، فالبائع يأخذ الثمن ممّن أحاله المشتري عليه، وغاية ما هناك أنّه بسبب فسخ البيع يُرجع الثمن إلى المشتري، ويأخذ منه المبيع.

(2) يعني: لو أنّ البايع بدلاً عن أن يأخذ الثمن من المشتري أحال عليه أجنبيّاً كان له دين على البائع، ثُمّ فُسخ البيع، فقد ملك ذاك الأجنبيّ الثمن، والفسخ المتأخّر لا يُبطل تلك الملكيّة، وغاية ما هناك أنّ المشتري ينتقل بعد الفسخ إلى بدل الثمن.

(3) أفاد اُستاذنا : «الأقرب عدم اعتبار رضاه». ونِعمَ ما أفاد(1).

(4) لا شكّ في أنّ إطلاق هذا الكلام مطابق للاحتياط.


(1) فإنّ الكفالة بين الكفيل والمكفول له عقد عقلائيّ مشمول لدليل الوفاء بالعقد، سواء رضي المكفول أو لا.

  صفحه 312  

 

 
  صفحه 313  

المعاملات


18

 

 

 

 

 

 

 

كتاب الصلح

 

 
  صفحه 314  

 

 
  صفحه 315  

 

 

 

 

 

وهو جائز مع الإقرار والإنكار، إلاّ ما حلّل حراماً أو بالعكس(1) مع علم المصطلِحَين بالمقدار وجهلهما ديناً أو عيناً أو منفعة، ولا يبطل إلاّ برضاهما (2)، أو استحقاق الغير لأحد العوضين مع عدم إجازته، ولو اصطلح الشريكان بعد انتهاء الشركة على أنّ لأحدهما الربح والخسران وللآخر رأس


(1) لعلّ خير تفسير لهذه العبارة هو الصلح على كون الحرام الفلانيّ كالخمر حلالاً، أو كون الحلال الفلانيّ كفاكهة مّا حراماً.

وأيضاً يبطل الصلح على فعل حرام من المحرّمات.

وهناك فرع آخر، وهو أنّه لو ادّعى أحد بشيء مثلاً زوراً، فتصالح مع من يقابله بجزء من ذاك الشيء، فرغم أنّ هذا الصلح يحكم عليه بالصحّة ظاهراً لمن لا يعلم بحقيقة الحال لكنّه يكون باطلاً واقعاً(1).

(2) أي: بالتقايل، وكذلك يبطل بفسخ ذي الخيار.


(1) وهذا البطلان مضافاً إلى أنّه على طبق القاعدة يدلّ عليه صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبدالله قال: «إذا كان لرجل على رجل دين فمطله حتّى مات، ثُمّ صالح ورثته على شيء، فالذي أخذ الورثة لهم، وما بقي فللميّت حتّى يستوفيه منه في الآخرة، وإن هو لم يصالحهم على شيء حتّى مات، ولم يقضِ عنه، فهو كلّه للميّت يأخذه به». الوسائل، ج  18 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  5 من الصلح، ح  4، ص  446.

  صفحه 316  

المال صحّ (1)، ولو ادّعى أحدهما درهمين في يدهما والآخر أحدهما أعطى الآخر نصف درهم (2)، وكذا لو أودع أحدهما درهمين والآخر درهماً وتلف أحدها مع الاشتباه (3)، ولو اشتبه الثوبان بِيعا وقسِّم الثمن على نسبة رأس


(1) وكذلك إذا جعل هذا شرطاً في عقد الشركة كما أفاده اُستاذنا (1).

(2) تارةً يفترض أنّ الثاني يتقاضى أحد الدرهمين، فيكون هذا هو المنكر والأوّل مدّع; لأنّ الأمارة وهي اليد المشتركة تشهد لصدق الثاني وكذب الأوّل، فيكون أحد الدرهمين للثاني بيمينه.

واُخرى يفترض أنّ الثاني يعترف بأنّ أحد الدرهمين للأوّل، فهما متداعيان بالنسبة للدرهم الثاني، ومقتضى الاحتياط التصالح بينهما بتقسيمه بينهما نصفين(2).

(3) مقتضى القاعدة القرعة بعد فرض عدم إمكان الحلف، والأحوط الأولى التصالح(3).


(1) ومورد النصّ هو الشرط، لا الصلح، لاحظ صحيح الحلبيّ، ج  18 من الوسائل بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  4 من الصلح، ص  444.

(2) لما رواه الصدوق بسنده التامّ عن عبدالله بن المغيرة عن غيرواحد من أصحابنا عن أبي عبدالله «في رجلين كان معهما درهمان، فقال أحدهما: الدرهمان لي. وقال الآخر:هما بيني وبينك. فقال: أمّا الذي قال: هما بيني وبينك، فقد أقرّ بأنّ أحد الدرهمين ليس له وأنّه لصاحبه، ويقسّم الآخربينهما». ويحتمل تفسير ذلك بتقسيمه بينهما بعد تحليفهما كي يطابق مفاده مقتضى القاعدة. الوسائل، ج  18 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  9 من الصلح، ص  450.

وسنده محتمل الصحّة; لأنّ سند الصدوق إلى عبدالله بن المغيرة صحيح، وعبدالله بن المغيرة قد قال بشأنه النجاشيّ: «ثقة ثقة لا يعدل به أحد من جلالته ودينه وورعه» ويمكن أن يدّعى ظهور كلمة «غير واحد من أصحابنا» في عبارة هذا الشخص في إرادة «جمع من أصحابنا» المورث للاطمئنان.

(3) وأمّا خبر السكونيّ الدالّ على تقسيم أحدها بينهما نصفين، فضعيف بالنوفليّ. راجع الوسائل، ج  18 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  12 من الصلح، ص  452.

  صفحه 317  

مالهما (1)، إلاّ إذا خيّر أحدهما الآخر، وليس طلب الصلح إقراراً، بخلاف ما إذا قال: بِعني، أو ملِّكني، أو هبني، أو أجِّلني، أو قضيت.


(1) هذا إذا كان نظرهما إلى الماليّة، ويسري الحكم المذكور إلى كلّ سلعتين، من قبيل: الثوبين، وأمّا إذا كان نظرهما أو نظر أحدهما إلى شخص السلعة بلحاظ قيمتها الاستعماليّة، فقد أفاد اُستاذنا: أنّ المرجع هو القرعة. ونِعمَ ما أفاد.

  صفحه 318  

 

 
  صفحه 319  

المعاملات


19

 

 

 

 

 

 

 

كتاب الإقرار

 

 
  صفحه 320  

 

 
  صفحه 321  

 

 

 

 

 

وهو إخبار عن حقٍّ ثابت على المخبِر، أو نفي حقٍّ له على غيره، ولا يختصّ بلفظ، بل يكفي كلّ لفظ دالٍّ على ذلك عرفاً ولو لم يكن صريحاً، وكذا تكفي الإشارة المعلومة. ويشترط في المقِرِّ: التكليف (1)،


(1) يبدو أنّ مقصوده بشرط التكليف شرط البلوغ الجنسيّ زائداً العقل، ولذلك فرّع عليه عدم نفوذ إقرار الصبيّ والمجنون.

وقد أفاد اُستاذنا الشهيد نفوذ إقرار الصبيّ في ما يكون أمره فيه نافذاً، كالوصيّة لابن عشر سنين. ونِعمَ ما أفاده(1).


(1) والدليل على نفوذ وصيّة ابن عشر سنين صحيح زرارة في الوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  15 من الوقوف والصدقات، ح  1، ص  211: «إذا أتى على الغلام عشر سنين، فإنّه يجوز في ماله ما أعتق، أو تصدّق، أو أوصى على حدّ معروف وحقّ، فهو جائز».

وصحيح أبي بصير المراديّ في نفس المجلّد، ب  44 من الوصايا، ح  2، ص  361 عنأبي عبدالله أنّه قال: «إذا بلغ الغلام عشر سنين وأوصى بثلث ماله في حقّ، جازت وصيّته، وإذا كان ابن سبع سنين فأوصى من ماله باليسير في حقّ، جازت وصيّته».

بل هناك حديث ثالث دلّ على نفوذ وصيّة الغلام إذا كان قد عقل ولم يقيّده بابن عشر سنين، وهو الحديث الوارد في نفس المجلّد، ب  15 من الوقوف والصدقات، ح  2، ص  212، وهو صحيح جميل بن درّاج عن أحدهما قال: «يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل، وصدقته، ووصيّته وإن لم يحتلم».

  صفحه 322  

والحرّيّة (1)، فلا ينفذ إقرار الصبيّ والمجنون. ويشترط في المقَرِّ له: أهليّة التملّك، ولو قال: «له عليَّ مال» اُلزِم به، فإن فسّره بما لا يملك لم يقبل، ولو قال: «هذا لفلان بل لفلان» كان للأوّل، وغرّم القيمة(2) للثاني، ويرجع في النقد والوزن والكيل إلى عادة البلد، ومع التعدّد إلى تفسيره. ولو أقرّ بالمظروف لم يدخل الظرف، ولو أقرّ بالدين المؤجّل ثبت المؤجّل(3)، ولم يستحقّ المقَرّ له المطالبة به قبل الأجل، ولو أقرّ بالمردّد بين الأقلّ والأكثر ثبت الأقلّ، ولو أبهم المقَرّ له ففي إلزامه بالبيان نظر (4)، فإن عيّن قبل، ولو ادّعاه الآخر كانا خصمين، وللآخر على المقِرّ اليمين على عدم العلم إن ادّعى عليه العلم (5)، ولو اُبهِم المقَرُّ به ثمّ عُيِّن فإن


(1) لأنّ العبد لا يملك شيئاً حتّى ينفذ إقراره فيه. نعم، لو أقرّ على ذمّته بشيء كإتلاف مال الغير، يتبع بعد فرض انعتاقه.

(2) لعلّ مقصوده ما يشمل المثل.

(3) إن كانت العبارة ظاهرة في خصوص الدين المؤجّل، ثبت الدين المؤجّل، وإن كانت ظاهرة في أمرين أحدهما منفصل عن الآخر، أي: كانت إقراراً بأصل الدين وادّعاءً بالتأجيل، ثبت أصل الدين ويبقى مدّعياً للتأجيل، وإن كانت العبارة مجملة، ثبت الدين المؤجّل.

(4) أفاد اُستاذنا الشهيد : أنّ «الأظهر عدم الإلزام إلاّ إذا عُلم بأنّ المقرّ له على إجماله لا يرضى ببقاء المال تحت يد المقرّ»، يعني: أنّه عندئذ يُلزَم المقرّ بتعيينالمقرّ له مقدّمة لإيصال المال إلى صاحبه الذي لا يرضى ببقاء ماله تحت يد المقرّ. ونِعمَ ما أفاد.

(5) أي: لو عيّن المُقِرّ المُقرّ له، ولكن ادّعى الآخر أنّ المال له، كان هو والمقرّ له خصمين، ويكون المقرّ له منكراً; لأنّ ذا اليد عيّنه، والآخر مدّعياً، ولو ادّعى الآخر أنّ المقِرّ يعلم بأنّ المال له، فله على المقِرّ اليمين على عدم العلم.

  صفحه 323  

أنكره المقَرّ له ففي أنّ للحاكم انتزاعه أو إقراره في يده إشكال (1)، ولو ادّعى المواطأة على الإشهاد كان له الإحلاف على نفي القبض، وقيل: على نفي المواطأة، لكنّه ضعيف (2).

 

مسائل:

الاُولى: يشترط في الإقرار بالولد: إمكان البنوّة والجهالة وعدم المنازع، ولا يشترط تصديق الصغير، ولا يلتفت إلى إنكاره بعد البلوغ. ويشترط في الكبير، وفي غير الولد، ومع التصديق، ولا وارث يتوارثان، ولا يتعدّى التوارث إلى


(1) لم تظهر لنا نكتة في فرض إبهام المقرّ به ثمّ تعيينه، فإنّه لا فرق بين أن يفترض إبهام المقرّ به ثُمّ تعيينه أو يفترض تعيينه ابتداءً، ثُمّ لم تظهر لنا نكتة لاحتمال أنّ للحاكم انتزاع المقرّ به من يده; فإنّ إنكار المقرّ له ذلك لا يعتبر نزاعاً بينهما حول هذا المقرّ به، ولعلّ في النسخة غلطاً واشتباهاً.

(2) فصّل اُستاذنا الشهيد في المقام بما حاصله:

أنّه تارةً نفترض أنّ بائعاً مثلاً أقرّ لفلان المشتري بسلعة وأنّ المشتري أقبضه الثمن آناً مّا مواطاةً لأجل إشهاد البيّنة على قبض البائع الثمن، وادعّى البائع أنّ الثمن استرجعه المشتري كوديعة مثلاً، والمشتري ينكر ذلك، فللبائع إحلاف المقرّ له، أي: المشتري على نفي القبض وعدم استرجاعه للمال. واُخرى نفترض أنّ المواطاة المدّعاة للبائع مثلاً كانت بمعنى الإشهاد على الإقرار بالقبض كذباً أو هزلاً، فهذا في ذاته إنكار بعد الإقرار، ولا قيمة له. نعم، للبائع دعوى التواطؤ مع المشتري على هذا الكذب أو الهزل، ويكون له إحلاف المقرّ له على عدم التواطؤ، لا على القبض; لأنّ دعوى البائع لعدم قبضه للثمن ساقطة ما لم يثبت التواطؤ; لأنّ هذه الدعوى إنكار بعد إقرار فهي ساقطة ما لم يثبت التواطؤ.

أقول: وهذا خير ما اُفيد في المقام.

  صفحه 324  

غيرهما مطلقاً، ولو كان له ورثة مشهورون لم يقبل إقراره في النسب (1).

 


(1) الإقرار بالبنوّة، أو الاُخوّة، أو غيرهما من أنحاء النسب لو كان له أثر ضدّ المُقرّ، يكون نافذاً مع احتمال الصدق واجتماع سائر شرائط الإقرار بالنسب كالبلوغ; لأنّه إقرار على نفسه فلا مانع من نفوذه.

وأمّا ثبوت النسب بنحو يقتضي ترتيب سائر آثاره غير الآثار التي هي على المقرّ فيختلف باختلاف الحالات:

فتارةً يكون الشخص المُقرّ بالنسب كبيراً، فإن لم يصدّقه الآخر فلا أثر لهذا الإقرار; لأنّ هذا الإقرار بلحاظ من لم يصدّقه ليس إقراراً على نفسه، وإن صدّقه الآخر ولم يكن هناك وارث آخر ثابت شرعاً توارثا(1).

بل الأقوى تعدّي التوارث إلى فروعهما(2).

ويشكل التعدّي إلى غير فروعهما(3).

ويشكل الثبوت مع وجود الوارث الثابت(4).

وإن كان الإقرار بالبنوّة وكان المقرّ له صغيراً تحت يد المقرّ، ثبتت البنوّة بسائر آثارها ولوازمها(5).

وإن كان المقرّ له صغيراً وليس تحت اليد، لم يثبت أثر الإقرار(6).


(1) إذ مع عدم الوارث الثابت ليس ذلك مضرّاً بذاك الوارث، فيكون التوارث بينهما مصداقاً قطعيّاً لروايات الباب  9 من ميراث الملاعنة من الوسائل، ج  26 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ص  278 ـ  279.

(2) للدلالة الالتزاميّة العرفيّة لتلك الروايات.

(3) لعدم وضوح إطلاق لتلك الروايات.

(4) لعدم وضوح الإطلاق في تلك الروايات.

(5) لأنّ اليد أمارة الصدق.

(6) لعدم وجود اليد التي هي أمارة على الصدق.

  صفحه 325  

الثانية: لو أقّر الوارث بأولى منه دفع ما في يده إليه، ولو كان مساوياً دفع بنسبة نصيبه من الأصل، ولو أقرّ باثنين فتناكرا لم يلتفت إلى تناكرهما فيعمل بالإقرار، ولكن تبقى الدعوى قائمةً بينهما، ولو أقرّ بأولى منه في الميراث ثمّ أقرّ بأولى من المقَرِّ له قبل ـ كما إذا أقرّ العمّ بالأخ ثمّ أقرّ بالولد ـ فإن صدّقه دفع إلى الثالث، وإلاّ فإلى الثاني (1)، ويغرم للثالث، ولو أقرّ الولد بآخر ثمّ أقرّ بثالث وأنكر الثالثُ الثانيَ كان للثالث النصف، وللثاني السدس (2)، ولو كانا معلومَي النسب لا يلتفت إلى إنكاره.

 


نعم، إذا كبر وصدّق المقرّ، صار حكمه حكم الكبيرين المعترفين بالنسب بينهما، وإن كان الإقرار بغير البنوّة والمقرّ له صغير تحت يده، فثبوت ذلك مشكل(1).

نعم، لم كبر واعترف، دخلت المسألة في فرع توافق الكبيرين على النسب.

(1) لو أقرّ عمّ الميّت بأخ للميّت، ثُمّ أقرّ بابن للميّت، ولكن الأخ أنكر الابن ولم يكن قد دُفع الإرث بعدُ إلى الأخ، أحلف العمّ الأخ المنكر للابن، فإن حلف، دُفع الإرث إلى الأخ وغرم العمّ الميراث للابن، أمّا لو تأخّر إقراره بالابن عن استلام الأخ للإرث، فإقرار الثاني جاء بعد إتلافه للمال، فهو ضامن للابن، فيغرم كلّ الميراث للابن.

(2) لو افترضنا أنّ الولد الأوّل أقرّ بولد ثان، ثُمّ بولد ثالث، والولد الثاني أيضاً معترف بالولد الثالث، لكن الولد الثالث أنكر الثاني، فالولد الأوّل لا يملك من التركة إلاّ الثلث عملاً بإقراره، ويقع النزاع بين الثاني والثالث; لأنّ الثاني يطالب بالثلث، والثالث يطالب بالنصف، في حين أنّ الثاني لا يعترف له إلاّ بالثلث، فلو أحلفه الثاني على إنكاره، قُسّم ثلث الثاني بين الثاني والثالث، فبقي للثاني سدس المال، وملك الثالث نصف المال.

أمّا لو كان الثاني والثالث معلومي الاُخوّة، فهذا يعني: أنّ إنكار الثالث مقطوع الكذب، فلكلّ واحد منهم الثلث.


(1) لعدم وضوح أماريّة اليد على الصدق في غير البنوّة.

  صفحه 326  

الثالثة: يثبت النسب بشهادة عدلين، لا برجل وامرأتين، ولا برجل ويمين، ولو شهد الأخوان بابن للميّت وكانا عدلين كان أولى منهما ويثبت النسب، ولو كانا فاسقَين يثبت الميراث إذا لم يكن لهما ثالث دون النسب (1).


(1) لو كان أخوا الميّت فاسقين، لم يثبت النسب، ولكن يثبت الميراث كلّه للولد بحكم إقرارهما، ولو كان الإخوة ثلاثة، ومنهم اثنان فاسقان أقرّا بالولد، فقد أقرّا بثلثي التركة للولد، وينفذ.

  صفحه 327  

المعاملات


20

 

 

 

 

 

 

 

كتاب الوكالة

 

 
  صفحه 328  

 

 
  صفحه 329  

 

 

 

 

 

ولا بدّ فيها من الإيجاب والقبول وإن كان فعلا أو متأخّراً (1)، والتنجيز (2)، فلو علّقها على شرط غير حاصل حال العقد أو مجهول الحصول حينه بطلت، ويصحّ تصرّف الوكيل حينئذ بالإذن المستفاد من التوكيل (3). وهي جائزة من الطرفين، ولكن يعتبر في عزل الموكَّل له إعلامه به، فلو تصرّف قبل علمه به صحّ تصرّفه (4).


(1) يعني: وإن كان القبول بالفعل، كما لو قال الموكّل: وكّلتك في بيع داري، فباعه، كما لا بأس بالفاصل بين الايجاب والقبول فصلاً لم يضرّ عرفاً بفهم تحقّق القبول، كما لو بعث الموكّل إلى الوكيل من يخبره بالوكالة، فلدى إخبار المبعوث إيّاه بذلك قبل الوكيل، وكذلك لو شافهه بالوكالة، وبعد فصل طويل أبرز قبول الوكالة مع فرض بقاء الالتزام لدى الموكّل.

(2) نحن لا نؤمن أساساً بشرط التنجيز كتنجيز في عقد من العقود، إلاّ في عقد يرى الفهم العرفيّ أو المتشرّعيّ عدم الإطلاق لأدلّته لفرض التعليق، كما هو الحال في باب النكاح، فالنكاح المعلّق غير مفهوم عرفيّاً ولا متشرّعيّاً من الإطلاقات.

(3) الوكالة أساساً ليست إلاّ من العقود الإذنيّة، فلا معنى لفرض بطلان الوكالة مع ثبوت الإذن، ولو فرضنا بطلان الوكالة كان حال بيع هذا الوكيل لدار الموكّل حال بيع أيّ إنسان آخر أجنبيّ لداره اعتماداً على رضاه الذي اكتشفه من توكيله لذاك الشخص.

(4) إن بلغه العزل بإخبار ثقة إيّاه بالعزل، كفى ذلك في بطلان تصرّفه.

  صفحه 330  

وتبطل: بالموت(1) والجنون(2) والإغماء(3) وتلف متعلّقها وفعل الموكّل، وتصحّ فيما لا يتعلّق غرض الشارع بإيقاعه مباشرةً ويعلم ذلك ببناء العرف والمتشرّعة عليه (4). ولا يتعدّى الوكيل المأذون حتّى في تخصيص السوق (5)، إلاّ إذا علم أنّه ذكره من باب أحد الأفراد، ولو عمّم التصرّف صحّ مع المصلحة (6)، إلاّ في


(1) لا شكّ أنّ الفهم العرفيّ من إطلاق التوكيل لا يشمل فرض موت الموكّل، أمّا لو فرضنا القرينة أو التصريح بالتوكيل المطلق حتّى لما بعد موته في أمر يكون تحت سلطانه بعد الموت، كما في الثلث الذي صرّح بأنّه يريده بعد موته، فلا وجه لبطلان الوكالة.

(2) أفاد اُستاذنا الشهيد : «في بطلان الوكالة بجنون الوكيل على نحو لا تصحّ منه ممارسة الوكالة بعد الإفاقة إشكال، وكذلك الأمر في بطلانها بعد إفاقة الموكّل». ونِعمَ ما أفاد(1).

(3) أفاد اُستاذنا الشهيد : «في بطلان الوكالة بإغماء الموكّل أو الوكيل إشكال». ونِعمَ ما أفاد(2).

(4) يعني: إن علم من صريح الشرع بتعلّق الغرض بإيقاعه مباشرة كالواجبات، من قبيل الصلاة والصيام، أو بقبوله للنيابة كعقد النكاح وإيقاع الطلاق، فلا كلام فيه، وإلاّ يُعلم الحال ببناء العرف والمتشرّعة عليه.

(5) يعني: لو خصّص لمثل البيع والشراء سوقاً من الأسواق تعيّن.

(6) يعني: لو عمّم الموكّل التصرّف صحّ مع المصلحة.

أقول: لو صرّح بالتوكيل حتّى مع عدم المصلحة صحّ بلا إشكال.


(1) لو جنّ الوكيل فلا إشكال في انقطاع وكالته، ولو جنّ الموكّل فلا إشكال في انقطاع توكيله، وكأنّه لهذا تنزّل اُستاذنا من الفتوى الصريحة بثبوت الوكالة أو التوكيل بعد الإفاقة بقوله: «في البطلان إشكال».

(2) كأنّ تنزّله من الفتوى الصريحة بصحّة الوكالة أو التوكيل في ساعة الإغماء بقوله: «في البطلان إشكال» احتمال إلحاق الإغماء بالجنون، لا بالنوم.

  صفحه 331  

الإقرار (1)، والإطلاق يقتضي البيع حالا بثمن المثل بنقد البلد، وابتياع الصحيح،وتسليم المبيع، وتسليم الثمن بالشراء، والردّ بالعيب. ولا يقتضي وكالة الخصومة عند القاضي الوكالة في القبض، وكذلك العكس، ويشترط أهليّة التصرّف فيهما الوكيل والموكّل، فيصحّ توكيل الصغير فيما جاز له مباشرته كالوصيّة إذا بلغ عشراً، وكذا يجوز أن يكون الصغير وكيلا بإذن وليّه (2)، ولو وكّل العبد أو توكّل بإذن مولاه صحّ. ولا يوكّل الوكيل بغير إذن الموكّل، وللحاكم التوكيل عن السفهاء والبُلْه (3). ويستحبّ لذوي المروءات التوكيل في مهمّاتهم (4). ولا يتوكّل الذمّيّ على المسلم (5) على المشهور، ولا يضمن الوكيل إلاّ بتعدٍّ أو تفريط، ولا تبطل وكالته به، والقول قوله مع اليمين، وعدم البيّنة في عدمه، وفي العزل والعلم به والتلف(6) والتصرّف، وفي الردّ إشكال،


(1) فالتوكيل في الإقرار لا معنى له. نعم، يمكنه أن يجعل شخصاً واسطة في إيصال الإقرار، كما يمكن أن يُفهم من نفس التوكيل في الإقرار الإقرار المباشر، فيكون نافذاً لا محالة.

(2) بل يجوز أن يكون الصغير وكيلاً حتّى بدون إذن وليّه، فإنّه وإن كان محجوراً عليه في ماله، لكنّه لا دليل على الحجر عليه في مال غيره. نعم، لا شكّ أنّ تصرّفه في مال غيره مشروط بإذن المالك، كما هو الحال في تصرّف البالغين أيضاً.

(3) المقياس هي الولاية الشرعيّة ولو كان غير الحاكم، وذلك من قبيل: ولاية الأب على ابنه قبل وصوله لمستوى الرشد.

(4) هذا الاحتياط استحبابيّ بقدر ما يناسب حفظ شؤونهم الاجتماعيّة.

(5) هذا احتياط استحبابيّ.

(6) أفاد اُستاذنا الشهيد : «إذا لم يكن متّهماً ولو لتوفّر القرائن على صدقه، وإلاّ كان من حقّ المالك مطالبته بالبيّنة على التلف».

  صفحه 332  

والأظهر العدم (1)، والقول قول منكر الوكالة وقول الموكّل لو ادعّى الوكيل


أقول: لو فرضنا أنّ الموكّل سلّم المال إلى الوكيل كأمانة ولم يعلم بخيانته، فليس من حقّه اتّهامه(1).

(1) أي: أنّ القول قول الموكّل، وائتمان الوكيل ينتهي بفرض الردّ.


(1) لصحيح الحلبيّ عن أبي عبدالله قال: «صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان». هذا ما رواه في الكافي بسندتامّ، ورواه الصدوق أيضاً بسنده التامّ، وزاد: «وقال في رجل استأجر أجيراً فأقعده على متاعه فسرقه، قال: هومؤتمن». الوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  4 من الوديعة، ح  1 و  2، ص  79.

وفي ظنّنا أنّ مصدر اُستاذنا الشهيد في فتواه بعض الروايات من قبيل: صحيحة عبدالله بن سنان قال: «سألت أباعبدالله عن العارية، فقال: لا غرم على مستعير عارية إذا هلكت إذا كان مأموناً». الوسائل نفس المجلّد، ب  1 من العارية، ح  3، ص  92.

وفي نفس الباب وردت صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر قال: «سألته عن العارية يستعيرها الإنسان فتهلك أو تُسرق، فقال: إن كان أميناً فلا غرم عليه». ح  7، ص  93.

فكأنّ اُستاذنا الشهيد استفاد من هاتين الروايتين في ما نحن فيه أنّه إن لم يكن الوكيل متّهماً ولو لتوفّر القرائن على صدقه فهوأمين، فالقول قوله مع اليمين، وأمّا إن كان متّهماً فهو باعتباره مدّعياً للتلف تكون عليه البيّنة.

أقول: كون الشخص أميناً أو غير أمين بابٌ غير باب الائتمان. والموكّل إذا سلّم ماله للوكيل لينفّذ فيه ما أراده الموكّل فهو ائتمان منه إيّاه، فهو من قبيل الوديعة، أو من قبيل من استأجر أجيراً فأقعده على متاعه، ولا يقاس بباب العارية، على أنّ الأخبار في باب العارية متضاربة، فقد ورد أيضاً في باب العارية بسند تامّ: «أنّ صاحب العارية والوديعة مؤتمن». راجع نفس المجلّد والباب والصفحة، ح  6. إلاّ أن يقال: إنّ روايتي شرط الأمانة مفسّرتان لهذه الرواية.

  صفحه 333  

الإذن في البيع بثمن معيّن (1)، فإن وجدت العين استعيدت، وإن فقدت أو تعذّرت فالمثل أو القيمة إن لم يكن مثليّاً (2)، ولو زوّجه فأنكر الموكّل الوكالة حلف، وعلى الوكيل نصف المهر لها، إلاّ أن تعترف بعلمها بترك الإشهاد (3)، وعلى الموكّل إن كان كاذباً في إنكاره الزوجيّة طلاقها، ولو لم يفعل وقد علمت بكذبه رفعت أمرها إلى الحاكم ليطلّقها بعد أمر الزوج بالإنفاق عليها وامتناعه (4). ولو وكّل اثنين لم يكن لأحدهما الانفراد بالتصرّف إلاّ إذا كانت هناك دلالة على توكيلِ كلٍّ منهما على الاستقلال، ولا تثبت إلاّ بشاهدين عدلين (5)، ولو أخّر الوكيل التسليم مع القدرة والمطالبة ضمن (6).


(1) لأنّ هذا مرجعه إلى إنكار التوكيل في البيع بذاك الثمن.

(2) نحن لا نؤمن بانقسام الأشياء إلى المثليّ والقيميّ، فمتى ما وصلت النوبة إلى القيمة فالعبرة بقيمة يوم الأداء.

(3) بل الأقوى شمول الحكم لفرض اعترافها بذلك(1).

(4) لا يشترط أمر الزوج بالإنفاق وامتناعه كما أفاد ذلك اُستاذنا (2).

(5) إن كان المفروض المرافعة، فالميزان هو مقاييس القضاء، فلو قلنا مثلاً بكفاية علم القاضي، جرى ذلك في المقام، وإن كان المفروض عدم المرافعة، فنحن لانؤمن بحجّيّة خبر الثقة الواحد في الموضوعات، إلاّ في موارد خاصّة ثبتت بالنصّ.

(6) يجب على الوكيل تسليم ما كان بيده من مال الموكّل إليه عند مطالبته، كما في


(1) لإطلاق النصّين التامّين سنداً الدالّين على هذا الحكم، وهما: معتبرة عمر بن حنظلة، الوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  4 من الوكالة، ح  1، ص  165 ـ  166، وصحيحة أبي عبيدة الحذّاء، الوسائل، ج  20 بحسب تلك الطبعة، ب  26 من عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث الوحيد في الباب، ص  302.

(2) لأنّه مأمور بالطلاق بحكم ما أشرنا إليه من معتبرة عمر بن حنظلة.

  صفحه 334  

مسألة: الوكيل المفوَّض إليه المعاملة بحكم المالك يرجع عليه البائع بالثمن، ويرجع عليه المشتري بالثمن، وتردّ عليه العين بالفسخ بعيب ونحوه ويؤخذ منه العوض.


     الوديعة والعارية وما شابه، وتجب المبادرة العرفيّة إليه، فلو أخّر ذلك مع القدرة والمطالبة ضمن.

  صفحه 335  

المعاملات


21

 

 

 

 

 

 

 

كتاب الهبة

 

 
  صفحه 336  

 

 
  صفحه 337  

 

 

 

 

 

وتصحّ في الأعيان المملوكة وإن كانت مشاعة، ولا تبعد أيضاً صحّة هبة ما في الذمّة لغير من هو عليه ويكون قبضه بقبض مصداقه (1). ولابدّ في الهبة من إيجاب وقبول ولو معاطاةً من المكلّف الحرّ. ولو وهبه ما في ذمّته كان إبراءً. ويشترط فيها القبض (2)،


(1) ذهب المشهور إلى أنّ القبض شرط في صحّة الهبة وتماميّتها، ومنهم المصنّف ، ولهذا تنزّل من الفتوى الصريحة بصحّة هبة ما في الذمّة لغير من هوله إلى قوله: «لا تبعد صحّتها»، ووجه عدم بُعد الصحّة أنّ القبض هنا أيضاً ممكن، وذلك بقبض مصداقه.

وأفاد اُستاذنا الشهيد : «أنّ قبضه ليس بقبض مصداقه، بل بالتخلية بين الموهوب له وذمّة المدين» وكأنّ مقصوده بذلك تسليطه على ذمّة المدين بحيث يكون المدين خاضعاً له يُقبضه المصداق متى ما شاء الموهوب له، وقال : «وإن كان لزوم هذه الهبة متوقّفاً على القبض الاستيفائيّ بقبض المصداق» وكأنّ مقصوده بذلك: أنّه بقبض المصداق يسقط ما في الذمّة، وذلك بحكم التلف والانعدام، ومن المعلوم أنّ التلف مُلزم للهبة.

أقول: ونحن لدينا عدم الوضوح في أصل شرط القبض كما سنشير إليه ـ  إن شاء الله  ـ في التعليق الآتي.

(2) لدينا دغدغة في ذلك; لأنّ الروايات التي قد يستدلّ بها على ذلك لا تخلو من

  صفحه 338  


نقاش(1)، وعليه فلا يترك العمل بالاحتياط في ذلك.


(1) فمن تلك الروايات رواية أبان عمّن أخبره عن مولانا الصادق : «النحل والهبة ما لم تقبض حتّى يموت صاحبها؟ قال: هي بمنزلة الميراث وإن كان لصبيّ في حجره وأشهد عليه فهو جائز». الوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  4 من الهبات، ح  1، ص  232. وهذا الخبر عيبه إرساله.

ومنها: خبر داود بن الحصين عن أبي عبدالله قال: «الهبة والنحلة ما لم تقبض حتّى يموت صاحبها؟ قال: هو ميراث، فإن كانت لصبيّ في حجره فأشهد عليه فهو جائز». نفس المجلد، ب  5 من تلك الأبواب، ح  2، ص  235. وأورده أيضاً في الباب السابق، ح  5، ص  233. وعيب السند هو سند الشيخ إلى عليّ بن الحسن بن فضّال.

ومنها: خبر أبي بصير عن أبي عبدالله قال: «الهبة لا تكون أبداً هبة حتّى يقبضها، والصدقة جائزة عليه...». نفس المجلّد، ب  4 من تلك الأبواب، ح  7، ص  234. وفي السند موسى بن عمر ولم يتّضح لدينا توثيقه، فإنّ الظاهر أنّ المقصود به هنا موسى بن عمر البغداديّ، ولا دليل على وثاقته عدا أنّ الراوي لهذه الرواية عنه هو محمّد بن أحمد بن يحيى، وابن الوليد استثنى من روايات محمّد بن أحمد بن يحيى ما رواها عن جماعة ليس هذا منهم، وقد قال السيّد الخوئيّ : إنّ اعتماد ابن الوليد على شخص وعمله برواياته نظنّ قويّاً أنّه مبنيّ على أصالة العدالة، ولا نقول بها.

وهناك وجه آخر لإثبات شرط القبض في الهبة غير الروايات، وهو ما كان يجري أحياناً على لسان اُستاذنا الشهيد : من أنّ الهبة متقوّمة أساساً بالقبض. وتوضيح المقصود: أنّ عقد الهبة ـ وهو التمليك والتملّك بين الواهب والمتّهب ـ في واقعه عبارة عن أنّ الواهب الذي تكون يده على المال

  صفحه 339  


مانعة عن تملّك شخص آخر له يبرز للمتّهب الإذن في تملّكه إيّاه بالحيازة، ويقبل المتّهب ذلك فيحوزه بالقبض.

أقول: إنّ هذا التحليل لعمليّة الهبة خلاف ما أفهمه من الروايات، وإنّما هذا تحليل لعمليّة النحلة، والدليل على ذلك صحيحة أبي بصير المرويّة بطريق الشيخ التامّ، وطريق الصدوق التامّ، قال: «قال أبو عبدالله : الهبة جائزة قبضت أو لم تقبض، قُسّمت أو لم تقسّم، والنحل لا يجوز حتّى تقبض، وإنّما أراد الناس ذلك فأخطأوا». الوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  4 من الهبات، ح  4، ص  233.

فهذا الحديث ـ كما ترى ـ يدلّ على أنّ روح النحلة عبارة عن رفع المالك المانع عن تملّك المنحول له المال بالاستيلاء عليه، أمّا الهبة فليست إلاّ تمليكاً وتملّكاً بالعقد.

وتؤيّد هذا التفسير للنحلة الآية الشريفة، وهي الآية الرابعة من سورة النساء: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْء مِّنْهُ نَفْسَاً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً. فيبدو أنّ الآية تعني: أنّ صدُقات النساء الدائمات نحلة لهنّ، وليست هبة كما هو واضح، وليست في مقابل البضع كمافي المتمتّعات بهنّ اللاتي هنّ مستأجرات، وليست مقوّمة لعقد النكاح، ولهذا يجوز عقد النكاح بلا مهر وإن كان يتعيّن عندئذ لها مهر المثل.

وقد ورد في صحيحة صفوان بن يحيى قال: «سألت الرضا عن رجل كان له على رجل مال فوهبه لولده، فذكر الرجل المال الذي له عليه، فقال: إنّه ليس عليك منه شيء في الدنيا والآخرة، يطيب ذلك له، وقد كان وهبه لولد له؟ قال: نعم، يكون وهبه له ثُمّ نزعه، فجعله لهذا». الوسائل، نفس المجلّد، ب  2 من نفس الأبواب، الحديث الوحيد في الباب، ص  230.

فهذه الصحيحة صريحة في صحّة هبته لذاك الدين أوّلاً لولده، ولكن نزعه أخيراً فجعله لنفس المدين، في حين أنّ ولده لم يكن قد قبض المال حتّى بالمعنى الذي مضى نقلنا له عن اُستاذنا الشهيد من تسليطه على ذمّة المدين، وإخضاع المدين له.

  صفحه 340  

ولابدّ فيه من إذن الواهب (1)، إلاّ أن يهبه ما في يده فلا حاجة حينئذ إلى قبض جديد، وللأب والجدّ ولاية القبول والقبض عن الصغير والمجنون إذا بلغ مجنوناً. أمّا لو جُنّ بعد البلوغ فولاية القبول والقبض للحاكم (2)، ولو وهب الوليّ أحدهما وكانت العين الموهوبة بيد الوليّ لم يحتج إلى قبض جديد، وليس للواهب الرجوع بعد الإقباض إن كانت لذي الرحم، أو بعد التلف أو التعويض (3)، وفي التصرّف خلاف، والأقوى جواز الرجوع إذا كان الموهوب باقياً بعينه، فلو صبغ الثوب أو قطعه أو خاطه أو نقله إلى غيره لم يجز له الرجوع، والزوجان كالرحم على الأقوى (4)، وله الرجوع في غير ذلك، فإن عاب فلا أرش، وإن زادت زيادةً


(1) هذا واضح إن فسّرنا الهبة بمعنىً يكون متقوّماً بالإذن في القبض، أمّا إن كان الدليل على شرط القبض حديث «الهبة لا  تكون هبة حتّى يقبضها» فبما أنّه من المحتمل قراءة «يقبضها» بصيغة باب الإفعال أو التفعيل يتوجّه أنّه لابدّ من إذن الواهب.

(2) لا شكّ أنّ كون الولاية للحاكم أحوط، ولكنّا حقّقنا في كتابنا في البيع كفاية العدالة أو الوثاقة، وعدم اشتراط الفقاهة.

(3) يقصد التلف أو التعويض بعد الإقباض.

(4) لا يترك الاحتياط بترك الرجوع في الهبة التي تكون بين الزوجين، والروايات في ذلك متعارضة(1).


(1) فهناك رواية صحيحة السند تصرّح بلزم الهبة بينهما، وهي صحيحة زرارة عن أبي عبدالله : «... ولا يرجع الرجل في ما يهب لامرأته، ولا المرأة في ما تهب لزوجها حيز أو لم يُحز; لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَلاَ يَحِلّ لَكُمْ أنْ تَأخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً [ سورة البقرة، الآية: 229 ]وقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْء مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [ سورة النساء، الآية:  4 ]وهذا يدخل في الصداق والهبة». الوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت،

  صفحه 341  

متّصلةً تبعت على التفصيل المتقدّم في المفلَّس، وإلاّ فللموهوب له.

مسألة: في الهبة المشروطة يجب على الموهوب له العمل بالشرط، فإذا وهبه شيئاً بشرط أن يهبه شيئاً وجب على الموهوب له العمل بالشرط، فإذا تعذّر بطلت الهبة، مثلا: إذا وهبه دابّته بشرط أن يهبه الفرس فماتت الفرس بطلت هبة الدابّة(1)ورجع بها الواهب، فإن امتنع المتّهب من العمل بالشرط جاز للواهب الرجوع في الهبة، بل الظاهر جواز الرجوع في الهبة المشروطة قبل العمل بالشرط، وفي الهبة المطلقة لا يجب التعويض على الأقوى، لكن لو عوّض المتّهب لزمت ولم يجزْ للواهب الرجوع، ولو بذل المتّهب العوض ولم يقبل الواهب لم يكن تعويضاً،


(1) لا تبطل الهبة ويجوز للواهب الفسخ.


      ب  7 من الهبات، ح  1، ص  239.

وهناك رواية صحيحة السند ظاهرة في عدم اللزوم، وهي صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما: «أنّه سُئل عن رجل كانت له جارية، فآذته امرأته فيها، فقال: هي عليك صدقة، فقال: إن كان قال ذلك لله فليمضها، وإن لم يقل فله أن يرجع إن شاء فيها». الوسائل، نفس المجلّد والباب، ح  2، ص  240.

وفي نقل آخر قال محمّد بن مسلم: «سألت أباجعفر عن رجل كانت له جارية، فآذته فيها امرأته، فقال: هي عليك صدقة، فقال: إن كان قال ذلك لله فليمضها، وإن لم يقل فليرجع فيها إن شاء». الوسائل، نفس المجلّد، ب  13 من الوقوف والصدقات، ح  1، ص  209.

وقد يناقش في دلالة هذه الصحيحة على عدم اللزوم بأنّه من المحتمل أن يكون المراد بها أنّه حيث تكون المفروض فيها الصدقة، فإن قصد بها القربة فهي صحيحة، وإلاّ فلا; لاشتراطها بقصد القربة، ولا نظر لها إلى الهبة.

  صفحه 342  

والعوض المشروط إن كان معيَّناً تعيّن، وإن كان مطلقاً أجزأ اليسير، إلاّ إذا كانت قرينة على إرادة المساوي من عادة أو غيرها، ولا يشترط في العوض أن يكون عيناً، بل يجوز أن يكون عقداً أو إيقاعاً، كبيع شيء على الواهب، أو إبراء ذمّته من دَين له عليه، أو نحو ذلك.

 

 
  صفحه 343  

المعاملات


22

 

 

 

 

 

كتاب الوصيّة

 

 

 

Ο أقسام الوصيّة وأحكامها.

Ο شروط الموصي.

Ο الموصى به.

Ο الموصى له.

Ο الوصيّ.

Ο منجّزات المريض.

 
  صفحه 344  

 

 
  صفحه 345  

 

 

 

 

 

[أقسام الوصيّة وأحكامها: ]

وهي قسمان: تمليكيّة بأن يجعل شيئاً من تركته لزيد أو للفقراء ـ  مثلا  ـ بعد وفاته، فهي وصيّة بالملك أو الاختصاص. وعهديّة بأن يأمر بالتصرّف بشيء يتعلّق به من بدن أو مال، كأن يأمر بدفنه في مكان معيّن أو زمان معيّن، أو يأمر بأن يُعطى من ماله أحداً، أو يُستناب عنه في الصوم والصلاة من ماله، أو يوقف ماله، أو يباع، أو نحو ذلك، فإن وجّه أمره إلى شخص معيّن فقد جعله وصيّاً عنه وجعل له ولاية التصرّف، وإن لم يوجِّه أمره إلى شخص معيّن كما إذا قال: أوصيت بأن يحجّ عنّي، أو يصام عنّي، أو نحو ذلك فلم يجعل له وصيّاً معيّناً كان تنفيذه من وظائف الحاكم الشرعيّ.

(مسألة: 1) الوصيّة العهديّة لا تحتاج إلى قبول، سواء لم يجعل له وصيّاً أم جعل. نعم، لو ردّ الموصَى إليه في حال حياة الموصي وبلغه الردّ لم يلزمه العمل بالوصيّة (1). وأمّا التمليكيّة: فإن كان التمليك للنوع كالوصيّة للأقارب والفقراء


(1) بشرط أن يكون بإمكان الموصي عند بلوغ الردّ إليه الإيصاء إلى غيره، وإلاّ لزم(1)ما لم يوجب الحرج، كما أفاد ذلك اُستاذنا .


(1) راجع الوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت ب  23 من كتاب الوصايا، على الخصوص صحيحة منصور بن حازم، وهي الحديث الثالث من ذاك الباب، ص  320.

  صفحه 346  

فهي أيضاً لا تحتاج إلى قبول، وإن كان لشخص معيّن كما إذا قال: «هذا المال لزيد» فالمشهور احتياجها إلى القبول من الموصَى له، والأظهر عدمه. نعم، لو ردّ الموصَى له كان الردّ موجباً للبطلان (1).

(مسألة: 2) تتضيّق الواجبات الموسّعة عند ظهور أمارة الموت، كقضاء الصلاة والصيام، وأداء الكفّارات والنذور، ونحوها من الواجبات البدنيّة المطلقة فتجب المبادرة إلى أدائها (2)، وإذا ضاق الوقت عن أدائها وجب الإيصاء به


(1) أفاد اُستاذنا الشهيد : «لا يبعد عدم البطلان بالردّ حال حياة الموصي، فلو لم يردّ الموصى إليه [يقصد الموصى له] بعد وفاة الموصي، نفذت الوصيّة» وهذا المقدار الذي أفاده لا شكّ في صحّته(1).

(2) الواجبات على قسمين:

أحدهما: ما لا يتضيّق وقتها لحين الحياة، كأداء الأمانة التي لم تتضيّق بمثل مطالبة صاحب الأمانة، أو فوات وقتها، فبإمكان المكلّف أن يؤجّل العمل بذلك حتّى الموت مادام واثقاً بأنّ الورثة مثلاً سيقومون بذلك قبل فوات الأوان ولو بسبب وصيّته هو.

والآخر: ما يكون وقته مدّة الحياة، كالصلاة والصوم وأداء الكفّارة ونحو ذلك.

وهذا على قسمين:

أحدهما: ما تجب عليه المباشرة فيه، كالصلاة والصوم، وهذا حكمه واضح.

والآخر: ما يقبل التوكيل، كأداء الكفّارات، فقد يتخيّل في مثل ذلك أنّه مادام قابلاً


(1) لأنّ الموصي لم يملّك الموصى له لحال حياته حتّى يقترب احتمال مبطليّة ردّ الموصى له، وعليه فتحكم إطلاقات نفوذ الوصيّة بلا إشكال.

ولولا فرض إجماع أو تسالم على مبطليّة الردّ بعد الموت إن لم يكن مسبوقاً بالقبول، لم يبعد القول بعدم مبطليّته مطلقاً، والله العالم.

  صفحه 347  

والإعلام به على الأقوى، إلاّ أن يعلم بقيام الوارث أو غيره به. وأمّا أموال الناس من الوديعة والعارية ومال المضاربة ونحوها ممّا يكون تحت يده فالظاهر عدم وجوب المبادرة إلى أدائه إلاّ إذا خاف عدم أداء الوارث، ويجب الإيصاء به والإشهاد عليه إذا كان يتوقّف عليهما الأداء، وإلاّ لم يجب، ومثلها الديون التي عليه مع عدم مطالبة الدائن، أمّا مع مطالبته فيجب المبادرة إلى أدائها وإن لم يخف الموت.

(مسألة: 3) يكفي في تحقّق الوصيّة كلّ مادلّ عليها من لفظ صريح أو غير صريح أو فعل وإن كان كتابةً أو إشارة، بلا فرق بين صورتي الاختيار وعدمه، بل يكفي وجود مكتوب بخطّه أو بإمضائه بحيث يظهر منه إرادة العمل به بعد موته، وإذا قيل له: هل أوصيت؟ فقال: لا، فقامت البيّنة على وقوع الوصيّة منه كان العمل على البيّنة ولم يعتدَّ بخبره. نعم، إذا كان قد قصد إنشاء العدول عن الوصيّة صحّ العدول منه، وكذا الحكم لو قال: نعم، وقامت البيّنة على عدم الوصيّة منه، فإنّه إن قصد الإخبار كان العمل على البيّنة، وإن قصد إنشاء الوصيّة صحّ الإنشاء وتحقّقت الوصيّة.


للتوكيل، ومادام بالإمكان العمل به بعد موته، إذن يجوز له أن يؤخّره لما بعد موته مع وثوقه بالعمل بذلك بعد موته ولو بسبب الوصيّة.

ولكن الواقع أنّ هذا كان من واجبات زمان حياته، وبالموت يصبح واجباً تَرَكه في وقته، وإنّما كان يقبل التوكيل من باب أنّ فعل الوكيل في مثل ذلك كان ينسب إلى الموكّل، أو قل: مادام أنّ بذل المال كان من قبل الموكّل كان ينسب أداء الكفّارة إلى نفس الموكّل، فلو تركه حتّى عن هذا الطريق فقد ترك الواجب في حال حياته، وهذا لا يجوز. نعم، لو قصّر في ذلك وجبت عليه الوصيّة والإعلام به، لكن هذا لا يعني أنّه لم يخالف واجباً.

  صفحه 348  

(مسألة: 4) ردّ الموصَى له في الوصيّة التمليكيّة مبطل لها إذا كان بعد الموت ولم يسبق بقبوله (1)، أمّا إذا سبقه القبول بعد الموت أو في حال الحياة فلا أثر له، وكذا الردّ حال الحياة بعد القبول على الأقوى (2).

(مسألة: 5) لو أوصى له بشيئين فقبل أحدهما وردّ الآخر صحّت في ما قبل وبطلت في ما ردّ (3)، وكذا لو أوصى له بشيء واحد فقبل في بعضه وردّ في الآخر (4).

(مسألة: 6) لا يجوز للورثة التصرّف في العين الموصَى بها قبل أن يختار الموصَى له أحد الأمرين من الردّ والقبول (5)، وليس لهم إجباره على الاختيار معجّلا، إلاّ أن يلزم الضرر ففيه إشكال.

(مسألة: 7) إذا مات الموصَى له قبل قبوله وردّه قام وارثه مقامه في ذلك، فله القبول أو الردّ إذا لم يرجع الموصي من وصيّته، ولا فرق بين أن يموت في حياة الموصي أو بعد وفاته (6).


(1) لم نجد دليلاً يمكن الاعتماد عليه على تأثير الردّ في هذه الحالة عدا التسالم والإجماع.

(2) لا يبعد عدم تأثير الردّ حال الحياة حتّى قبل القبول، لأنّنا لو اعتمدنا على التسالم والإجماع، فهذا غير ثابت في الردّ في حال الحياة.

(3) ظهر ممّا سبق: أنّ الردّ إن كان ماضياً فإنّما هو في الردّ بعد موت الموصي وقبل القبول.

(4) قد عرفت تعليقنا ممّا سبق.

(5) وبتعبير أدقّ: قبل أن يختار الموصى له أحد الأمرين من الردّ وعدمه. هذا بناءً على كون ردّه مبطلاً.

(6) فصّل اُستاذنا الشهيد بين ما لو مات بعد وفاة الموصي، فالمال لوارث الموصى له; لأنّ المفروض أنّ الموصى له لم يردّ، فقد ملك المال، وانتقل ماله لوارثه، ولا أثر لردّ وارثه أو عدم ردّه; لأنّ المال انتقل إليه بالإرث لا بالوصيّة، وما لو مات قبل وفاة الموصي، فعندئذ اُنيط انتقال المال إلى الوارث بعد موت الموصي بعدم ردّه، فإن لم يردّ كان له.

  صفحه 349  

(مسألة: 8) الظاهر أنّ الوارث يتلقّى المال الموصَى به من مورِثه


وكلامه له وجه فقهيّ بعد البناء على أنّ الموصى له له حقّ الردّ وعدم الردّ(1).


(1) الشقّ الأوّل من كلامه ـ وهو: أنّه لومات الموصى له بعد وفاة الموصي انتقل المال لوارثه ـ واضح الصحّة.

وأمّا الشقّ الثاني لكلامه وهو: أنّه لو مات قبل وفاة الموصي اُنيط انتقال المال إلى الوارث بعدم ردّه، فإن لم يردّ كان له، فهذا يمكن تخريجه وفق القاعدة، ويمكن تخريجه وفق النصوص الخاصّة:

أمّا تخريجه وفق القاعدة، فبأن يقال: إنّ الموصى له كان له حقّ الردّ وحقّ عدم الردّ، ومن الواضح أنّ حقّ عدم الردّ حقّ ماليّ، فيورث، فالوارث إذن له حقّ عدم الردّ حتّى يمتلك المال، ويمكن النقاش في ذلك بعدم وضوح كون عدم الردّ حقّاً، فلعلّه لا يوجد إلاّ جواز عدم الردّ، أو قل: عدم وجوب الردّ، وهذا ليس شيئاً يورث.

وأمّا تخريجه وفق النصوص الخاصّة، فبأن يتمسّك بصحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر قال: «قضى أمير المؤمنين في رجل أوصى لآخر والموصى له غائب، فتوفّي الموصى له ـ  الذي اُوصي له  ـ قبل الموصي، قال: الوصيّة لوارث الذي اُوصي له. قال: ومن أوصى لأحد شاهداً كان أو غائباً فتوفّي الموصى له قبل الموصي، فالوصيّة لوارث الذي أوصى له، إلاّ أن يرجع في وصيّته قبل موته». الوسائل، ج  19، ب  30 من الوصايا، ح  1، ص  333  ـ  334.

إلاّ أنّ هذا الحديث معارَض بصحيحة أبي بصير ومحمّد بن مسلم عن أبي عبدالله قال: «سُئل عن رجل أوصى لرجل فمات الموصى له قبل الموصي، قال: ليس بشيء». نفس المصدر، ح  4، ص  335 بناءً على تفسير جملة «ليس بشيء» بمعنى: أنّ الوصيّة قد بطلت.

وقد تُقدّم الصحيحة الاُولى على هذه الصحيحة بأقوائيّة الدلالة; إذ من المحتمل أن يكون معنى «ليس بشيء»ليس هذا شيئاً ينقض الوصيّة.

وقال الشيخ الحرّ : يمكن حمل الحديث الثاني على التقيّة; لأنّه مذهب أكثر العامّة.

  صفحه 350  

الموصَى له (1)، فتخرج منه ديونه ووصاياه، ولا ترث منه الزوجة إذا كان أرضاً، وترث قيمته إن كان نخلا أو بناءً، ويكون المدار على الوارث للموصَى له عند موته، لا الوارث عند موت الموصي (2)، وإذا مات الوارث في حياة الموصي أيضاً ففي انتقال الموصَى به إلى ورثته أيضاً إشكال (3)، وكذا الإشكال لو قبل بعض الورثة دون بعض (4).


(1) أفاد اُستاذنا : «هذا إذا كان الموصى له قد مات بعد موت الموصي، وأمّا إذا كان قد مات في حياته، فالمال ينتقل إلى وارث الموصى له من الموصي ابتداءً، ولا تجري عليه أحكام تركة الموصى له».

أقول: ولهذا الكلام تخريجان فقهيّان(1).

(2) المدار على الوارث للموصى له عند موته على كلّ حال، سواء فرضناه يتلقّى المال من الموصى له أو فرضناه يتلقّاه من الموصي، كما أفاده اُستاذنا .

(3) فلو آمنّا بأنّ الانتقال إلى الوارث الأوّل كان بمقتضى القاعدة بسبب إرثه لحقّ الردّ وعدمه، ثبت أيضاً ذلك للوارث الثاني(2)، وإلاّ فلا.

(4) لو لم يردّ بعضهم، فلا إشكال في انتقال الموصى به إليهم، ولو اختلفوا في الردّ


(1) فتخريجه وفق القاعدة يتوقّف على القول بأنّ الوارث ورث من الموصى له حقّ الردّ وعدم الردّ، وأنّ هذا حقّ متقوّم بذات الوارث لا يقبل البيع، فإن لم يردّ انتقل المال من الموصى إليه ابتداءً، وقد اتّضح نقاش في هذا الوجه من نقاشنا في التعليق السابق على التخريج وفق القاعدة، وتخريجه وفق النصّ عبارة عن التمسّك بصحيحة محمّد بن قيس الماضية، حيث قال: «فالوصيّة لوارث الذي أوصى له» أو قال: «الوصيّة لوارث الذي اُوصي له».

(2) أمّا لو آمنّا بأنّ الانتقال إلى الوارث الأوّل يكون بسبب صحيحة محمّد بن قيس الماضية، فهي غيرشاملة للوارث الثاني.

وأمّا إذا مات بعد موت الموصي، فلا إشكال في انتقال الموصى به إلى ورثته.

  صفحه 351  

(مسألة: 9) إذا أوصى إلى أحد أن يعطي بعض تركته لشخص ـ  مثلا  ـ فهل يجري الحكم المذكور من الانتقال إلى الوارث لو مات في حياة الموصي بتمليكه؟ إشكال، والأظهر العدم.

 

[شروط الموصي: ]

(مسألة: 10) يشترط في الموصي اُمور:

الأوّل: البلوغ، فلا تصحّ وصيّة الصبيّ إلاّ إذا بلغ عشراً (1) وكان قد عقل، وكانت وصيّته في وجوه الخير والمعروف.


      وعدمه، فإن كان موت الموصى له بعد موت الموصي، فأيضاً لا إشكال في انتقال الموصى به إلى الجميع بالإرث; لأنّ الموصى له مات بعد الموصي من دون ردّ حسب الفرض، فإذا ثبت إجماع على مبطليّة الردّ بعد موت الموصي، فالإجماع لم يشمل الفرض، وإن كان موت الموصى له في حياة الموصي، فالظاهر نفوذ الوصيّة بمقدار حصّة من لم يردّ بعد فرض أنّ الردّ يبطل الوصيّة بسبب الإجماع.

(1) أفاد اُستاذنا : «هذا فيما إذا أوصى بالثلث، وأمّا إذا أوصى بجزء يسير منه، فالأحوط للورثة إنفاذ وصيّته إذا كان ابن سبع سنين وتوفّر الشرطان الآخران». ونِعمَ ما أفاد(1).


(1) وذلك لصحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله أنّه قال: «إذا بلغ الغلام عشر سنين وأوصى بثلث ماله في حقّ، جازت وصيّته، وإذا كان ابن سبع سنين فأوصى من ماله باليسير في حقّ، جازت وصيّته». الوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  44 من الوصايا، ح  2، ص  361.

أمّا السبب في التنزّل من الإفتاء بذلك إلى الاحتياط، فهو ما قد يقال: من إعراض الأصحاب عن ذلك.

  صفحه 352  

الثاني: العقل، فلا تصحّ وصيّة المجنون والمغمى عليه والسكران حال جنونه وإغمائه وسكره، وإذا أوصى حال عقله ثمّ جُنَّ أو سكر أو اُغمي عليه لم تبطل وصيّته.

الثالث: الاختيار، فلا تصحّ وصيّة المكرَه.

الرابع: الرشد، فلا تصحّ وصيّة السفيه في ماله إذا لم تكن وصيّةً بالمعروف (1)، وتصحّ في غيره.

الخامس: الحرّيّة.

السادس: أن لا يكون قاتل نفسه، فإذا أوصى بعد ما أحدث في نفسه ما يوجب هلاكه من جرح أو شرب سمٍّ أو نحو ذلك لم تصحّ وصيّته إذا كانت في ماله، أمّا إذا كانت في غيره من تجهيز ونحوه صحّت، وكذا إذا فعل ذلك لا عن عمد بل كان خطأً أو سهواً، أو كان لا بقصد الموت بل لغرض آخر، أو على غير وجه العصيان مثل الجهاد في سبيل الله، وكذا إذا عُوفي ثمّ أوصى، بل الظاهر الصحّة أيضاً إذا أوصى بعد ما فعل السبب ثمّ عوفي ثمّ مات.

(مسألة: 11) إذا أوصى قبل أن يحدث في نفسه ذلك ثمّ أحدث فيها صحّت وصيّته وإن كان حين الوصيّة بانياً على أن يحدث ذلك بعدها.

(مسألة: 12) تصحّ الوصيّة من كلٍّ من الأب والجدّ بالولاية على الطفل مع فقد الآخر، ولا تصحّ مع وجوده.

(مسألة: 13) لا يجوز للحاكم الوصيّة بالولاية على الطفل بعد موته، بل بعد موته يرجع إلى غيره.


(1) أفاد اُستاذنا الشهيد : «الأحوط للورثة إنفاذها». ونِعمَ ما أفاد(1).


(1) لاحتمال أنّ إطلاقات الحجر على السفيه مختصّة بحفظ ماله حال حياته امتناناً عليه.

  صفحه 353  

(مسألة: 14) لو أوصى للأطفال واحد من أرحامهم أو غيرهم بمال وجعل أمره إلى غير الأب والجدّ وغير الحاكم لم يصحَّ، بل يكون للأب والجدّ مع وجود أحدهما، وللحاكم مع فقدهما (1). نعم، لو أوصى أن يبقى ماله بيد الوصيّ حتّى يبلغوا فيملِّكهم إيّاه صحّ، وكذا إذا أوصى أن يصرف ماله عليهم من دون أن يملِّكهم إيّاه.

(مسألة: 15) يجوز أن يجعل الأب والجدّ الولاية والقيمومة على الأطفال لاثنين أو أكثر، كما يجوز جعل الناظر على القيِّم المذكور، ويجوز جعل الناظر له أيضاً، كما يأتي في الناظر على الوصيّ.

(مسألة: 16) إذا قال الموصي لشخص: أنت وليّ وقيّم على أولادي القاصرين وأولاد ولدي ولم يقيِّد الولاية بجهة بعينها جاز له التصرّف في جميع الشؤون المتعلّقة بهم من: حفظ نفوسهم، وتربيتهم، وحفظ أموالهم، والإنفاق عليهم، واستيفاء ديونهم، ووفاء ما عليهم من نفقات أو ضمانات أو حقوق شرعيّة واجبة كالخمس (2)، أو مستحبّة كالزكاة في بعض الموارد، أو غير ذلك من الجهات. وإذا قيّد الولاية بجهة دون جهة وجب على الوليّ الاقتصار على محلّ الإذن دون غيره من الجهات، وكان المرجع في الجهات الاُخرى الحاكم الشرعيّ (3).

(مسألة: 17) يجوز للقيّم على اليتيم أن يأخذ اُجرة مثل عمله إذا كان له اُجرة وكان فقيراً، أمّا إذا كان غنيّاً ففيه إشكال، والأحوط الترك.


(1) نحن نعتقد أنّه لا تشترط في الولاية على أموال الأطفال بعد الأب والجدّ والوصيّ الفقاهة، بل تكفي العدالة أو الوثوق.

(2) فيما لو قلنا بتعلّق الخمس بمال الطفل.

(3) قلنا في الولاية على مال الأطفال: لا تشترط الفقاهة، وتكفي العدالة أو الوثوق.

  صفحه 354  

 

فصل في الموصَى به:

(مسألة: 1) يشترط في الموصَى به أن يكون ممّا له نفع محلّل معتدّ به، سواء أكان عيناً موجودةً أم معدومةً إذا كانت متوقّعة الوجود، كما إذا أوصى بما تحمله الجارية أو الدابّة، أو منفعة لعين موجودة أو معدومة متوقّعة الوجود، أو حقّ من الحقوق القابلة للنقل، مثل حقّ التحجير ونحوه، لامثل حقّ القذف ونحوه ممّا لا يقبل الانتقال إلى الموصَى له.

(مسألة: 2) إذا أوصى لزيد بالخمر القابلة للتخليل أو التي ينتفع بها في غير الشرب، أو أوصى بآلات اللهو إذا كان ينتفع بها إذا كسِّرت صحّ.

(مسألة: 3) يشترط في الموصَى به أن لا يكون زائداً على الثلث، فإذا أوصى بما زاد عليه بطل الإيصاء في الزائد إلاّ مع إجازة الوارث، وإذا أجاز بعضهم دون بعض نفذ في حصّة المجيز دون الآخر، وإذا أجازوا في بعض الموصَى به وردّوا في غيره صحّ فيما أجازوا وبطل في غيره.

(مسألة: 4) لا إشكال في الاجتزاء بالإجازة بعد الوفاة، وفي الاجتزاء بها حال الحياة قولان، أقواهما الأوّل (1)، وليس للمجيز الرجوع عن إجازته حال حياة الموصي، ولا بعد وفاته، كما لا أثر للردِّ إذا لحقته الإجازة، ولا فرق بين


(1) بل هو المتعيّن; للنصّ(1).


(1) لصحيحتي محمّد بن مسلم ومنصور بن حازم عن أبي عبدالله : «في رجل أوصى بوصيّة وورثته شهود، فأجازوا ذلك، فلمّا مات الرجل نقضوا الوصيّة، هل لهم أن يردّوا ما أقرّوا به؟ فقال: ليس لهم ذلك، والوصيّة جائزة عليهم إذا أقرّوا بها في حياته». الوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  13 من الوصايا، ح  1، ص  284.

  صفحه 355  

وقوع الوصيّة حال مرض الموصي وحال صحّته، ولا بين كون الوارث غنيّاً وفقيراً.

(مسألة: 5) لا يشترط في نفوذ الوصيّة قصد الموصي أنّها من الثلث الذي جعله الشارع له، فإذا أوصى بعين غير ملتفت إلى الثلث وكانت بقدره أو أقلّ صحّ، وإذا قصد كونها من ثلثي الورثة فإن أجازوا صحّ، وإلاّ بطل. وإن قصد كونها من الأصل نفذت الوصيّة في ثلثها وتوقّفت في ثلثيها على إجازة الورثة. هذا إذا أوصى بثلث الباقي، كما إذا قال: فرسي لزيد وثلثي من باقي التركة لعمرو، فإنّه تصحّ وصيّته لعمرو. وأمّا وصيّته لزيد فتصحّ إذا رضي الورثة، وإلاّ صحّت في ثلث الفرس، أمّا إذا لم يوصِ بالثلث فإن لم تكن زائدةً على الثلث نفذت، وإن زادت على الثلث توقّف نفوذها في الزائد على إجازة الورثة.

(مسألة: 6) إذا أوصى بعين معيّنة أو بمقدار كلّيٍّ من المال كألف دينار يلاحظ في كونه بمقدار الثلث أو أقلّ أو أزيد بالإضافة إلى أموال الموصي حين الموت لا حين الوصيّة. فإذا أوصى لزيد بعين كانت بقدر نصف أمواله حين الوصيّة وحين الموت صارت بمقدار الثلث: إمّا لنزول قيمتها، أو لارتفاع قيمة غيرها، أو لحدوث مال له لم يكن حين الوصيّة صحّت الوصيّة في تمامها. وإذا كانت حين الوصيّة بمقدار الثلث فصارت أزيد من الثلث حال الموت: إمّا لزيادة قيمتها، أو لنقصان قيمة غيرها، أو لخروج بعض أمواله عن الملكيّة نفذت الوصيّة بما يساوي الثلث وبطلت في الزائد، إلاّ إذا أجاز الورثة. وإذا أوصى بكسر مشاع كالثلث: فإن كان حين الوفاة مساوياً له حين الوصيّة فلا إشكال في صحّة الوصيّة بتمامه، وكذا إذا كان أقلّ فتصحّ فيه بتمامه حين الوفاة. أمّا إذا كان حين الوفاة أكثر منه حين الوصيّة كما لو تجدّد له مال فهل يجب إخراج ثلث الزيادة المتجدّدة، أو يقتصر على ثلث المقدار حين الوصيّة؟ لا يخلو من إشكال، وإن كان الأقوى

 
  صفحه 356  

الأوّل، إلاّ أن تقوم القرينة على إرادة الوصيّة بثلث الأعيان الموجودة حين الوصيّة لا غير، فإذا تبدّلت أعيانها لم يجب إخراج شيء أو بمقدار ثلث الموجود حينها، وإن تبدّلت أعيانها فلا يجب إخراج الزائد، وكذا إذا كان كلامه محفوفاً بما يوجب إجمال المراد، فإنّه يقتصر على القدر المتيقّن وهو الأقلّ.

(مسألة: 7) يحسب من التركة ما يملكه بعد الموت، كالدية في الخطأ، وكذا في العمد إذا صالح عليها أولياء الميّت، وكما إذا نصب شبكةً في حياته فوقع فيها شيء بعد وفاته (1)، فيخرج من جميع ذلك الثلث إذا كان قد أوصى به، وإذا أوصى بعين تزيد على ثلثه في حياته وبضمّ الدية ونحوها تساوي الثلث تنفذ وصيّته فيها بتمامها.

(مسألة: 8) إنّما يحسب الثلث بعد استثناء ما يخرج من الأصل من الديون الماليّة، فإذا أخرج جميع الديون الماليّة من مجموع التركة كان ثلث الباقي هو مورد العمل بالوصيّة.

(مسألة: 9) إذا كان عليه دين فأبرأه الدائن بعد وفاته أو تبرّع متبرّع في أدائه بعد وفاته لم يكن مستثنىً من التركة، وكان بمنزلة عدمه.

(مسألة: 10) لابدّ في إجازة الوارث الوصيّة الزائدة على الثلث من إنشاء


(1) بناءً على أنّ هذا يوجب الملكيّة برغم موت ناصب الشبكة(1).


(1) وكأنّ مدرك ذلك دعوى البناء العقلائيّ غير المردوع، مع التعدّي من مورد النصّ المصرّح بدخول الدية في التركة وأحكامها، من قبيل: صحيحة محمّد بن قيس، قال: «قلت له: رجل أوصى لرجل بوصيّة من ماله: ثلث أو ربع، فيقتل الرجل خطأً ـ  يعني الموصي  ـ فقال: يجاز لهذه الوصيّة من ماله ومن ديته». الوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  14 من الوصايا، ح  1، ص  285. فيدّعى أنّ هذا هو حكم كلّ ما يدخل في ملكه بعد موته.

  صفحه 357  

إمضاء الوصيّة وتنفيذها، ولا يكفي فيها مجرّد الرضا النفسانيّ.

(مسألة: 11) إذا عيّن الموصي ثلثه في عين مخصوصة تعيّن، وإذا فوّض التعيين إلى الوصيّ فعيّنه في عين مخصوصة أيضاً تعيّن بلا حاجة إلى رضا الوارث، وإذا لم يحصل منه شيء من ذلك كان ثلثه مشاعاً في التركة، ولا يتعيّن في عين بعينها بتعيين الوصيّ إلاّ مع رضا الورثة.

(مسألة: 12) الواجبات الماليّة تخرج من الأصل وإن لم يوصِ بها الموصي، وهي الأموال التي اشتغلت بها ذمّته، مثل المال الذي اقترضه، والمبيع الذي باعه سلفاً، وثمن ما اشتراه نسيئة، وعوض المضمونات، وأرش الجنايات، وكالخمس والزكاة، وردّ المظالم، والكفّارات الماليّة، مثل جملة من كفّارات الإحرام، ومثل فدية الصوم، والنذور الماليّة لله تعالى كنذر الصدقة (1)، والشروط للناس التي لم يؤدِّها ممّا يشرع فيها النيابة، ونحو ذلك. وأمّا الكفّارة المخيَّرة بين الإطعام والصيام ففي كونها من الديون الماليّة إشكال، وكذا النذور العباديّة، مثل ما إذا نذر لله تعالى أن يصوم أو يصلّي وإن كان ذلك فيها الأظهر (2).

(مسألة: 13) إذا تلف من التركة شيء بعد موت الموصي وجب إخراج الواجبات الماليّة من الباقي وإن استوعبه، وكذا إذا غصب بعض التركة. وإذا تمرّد


(1) أفاد اُستاذنا : أنّ «الظاهر في الكفّارة والفدية والنذر عدم الخروج من أصل التركة وإن كان الأحوط استحباباً ذلك». ونِعمَ ما أفاد(1).

(2) يقصد: أنّ الأظهر فيها ثبوت الإشكال. وقد عرفت أنّنا لا نقبل بخروج النذور الماليّة من الأصل فضلاً عن النذور العباديّة.


(1) لأنّ هذه ليست ديوناً بشريّة، وإنّما هي واجبات إلهيّة.

  صفحه 358  

بعض الورثة عن وفاء الدين لم يسقط من الدين ما يلزم في حصّته، بل يجب على غيره وفاء الجميع (1) كما يجب عليه. ثمّ إذا وفّى غيره تمام الدين (2): فإن كان بإذن الحاكم الشرعيّ رجع على المتمرّد بالمقدار الذي يلزم في حصّته، وإذا كان بغير إذن الحاكم الشرعيّ ففي رجوعه عليه بذلك المقدار إشكال.


(1) أفاد اُستاذنا الشهيد : «هذا هو الأحوط، ولكن لا يبعد عدم كون الغير مسؤولاً عن الدين في هذا الفرض، إلاّ بمقدار نسبته في حصّته، ففرق بين صورة تلف بعض التركة أو اغتصاب الأجنبيّ له، وصورة إنكار بعض الورثة للدين».

أقول: لا تبعد صحّة ما أفاده(1).

(2) قوله: «ثمّ إذا وفّى غيره تمام الدين... إلى آخر المسألة»: لم يبقَ موضوع لهذا الذيل في هذه المسألة بعد ما أفاد اُستاذنا من انحلال الحكم بالمسؤوليّة على مقادير حصصهم(2).


(1) كأنّ مقصوده : أنّ المخاطبين الأصليّين بتقديم الدين على الإرث هم نفس الورثة، وتقديم الدين واجب عليهم جميعاً، فلو تلف أو سرق بعض المال من قبل أجنبيّ، كان على الورثة أيضاً تقديم الدين على الإرث. أمّا إذا تمرّد بعض الورثة، فالخطاب بتقديم الدين على الإرث متوجّه إلى كلّ الورّاث بما فيهم الوارث المتمرّد خطاباً انحلاليّاً يثبت على كلّ واحد منهم بقدر حصّته، فلا يجب على غير المتمرّد منهم دفع ما وجب على المتمرّد.

(2) كأنّ مقصود المصنّف : أنّه مادام الخطاب ليس انحلاليّاً على مقدار الحصص، فالوارث الذي دفع الدين من التركة إنّما يأخذ من الوارث الآخر المتمرّد ما خسره بهذا السبب إن كان دفعه للدين بإذن السلطان الذي هو وليّ الممتنع، فالسلطان ـ  في الحقيقة  ـ قد أدّى عن المتمرّد ما كان عليه أن يؤدّي، فيأخذ غير المتمرّد من المتمرّد كي يدفعه للسلطان. أمّا إن لم يكن الأمر كذلك، ففي رجوع غيرالمتمرّد إلى المتمرّد في ما تمرّد فيه إشكال.

وهذا الكلام ـ  كما ترى  ـ لم يبقَ له مجال بناءً على انحلال المسؤوليّة على الورثة بقدر الحصص.

  صفحه 359  

(مسألة: 14) الحجّ الواجب بالاستطاعة من قبيل الدين يخرج من الأصل، وكذا الواجب بالنذر على الأقوى (1).


(1) أفاد اُستاذنا الشهيد : «إلحاق الحجّ النذريّ بحجّة الإسلام في الإخراج من أصل التركة وإن كان هو الأحوط، ولكن لا يبعد عدم لزوم ذلك، وكونه من الثلث». وما أفاده وجيه(1).


(1) خير ما يمكن الاستدلال به لما قوّاه الماتن صحيح مسمع: «قلت لأبي عبدالله : كانت لي جارية حبلى، فنذرت لله عزّوجلّ إن ولدت غلاماً أن اُحجّه أو اُحجّ عنه؟ فقال : إنّ رجلاً نذر لله عزّ وجلّ في ابن له إن هو أدرك أن يحجّ عنه أو يحجّه، فمات الأب وأدرك الغلام بعدُ، فأتى رسول الله الغلام فسأله عن ذلك، فأمر رسول الله أن يحجّ عنه ممّا ترك أبوه». الوسائل، ج  23 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  16 من النذر والعهد، ص  316.

ووجه الاستدلال: أنّ كلمة «ممّا ترك أبوه» ظاهرها الحجّ عنه من أصل التركة.

إلاّ أنّ هذا الظهور هنا لا يخلو من شيء من الغموض; لإمكان وقوع فاصل كبير بين موت الأب وإدراك الولد، ومع هذا الفرض يكون المقصود: أنّه أمره بالحجّ ممّا ورثه من أبيه، ولو كان له ظهور مّا في الحجّ من أصل التركة فلا يقاوم هذا الظهور التصريح الوارد في صحيح ضريس وصحيح ابن أبي يعفور بالحجّ من الثلث.

والصحيحان هما:

1 ـ صحيح ضريس الكناسي، قال: «سألت أبا جعفر عن رجل عليه حجّة الإسلام نذر نذراً في شُكر ليحجّن به رجلاً إلى مكّة، فمات الذي نذر قبل أن يحجّ حجّة الإسلام ومن قبل أن يفي بنذره الذي نذر، قال: إن ترك مالاً يحجّ عنه حجّة الإسلام من جميع المال واُخرج من ثلثه ما يحجّ به رجلاً لنذره وقد وفى بالنذر، وإن لم يكن ترك مالاً إلاّ بقدر ما يحجّ به حجّة الإسلام، حجّ عنه بما ترك، ويحجّ عنه وليّه حجّة النذر، إنّما هو مثل دين عليه». الوسائل، ج  11 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  29 من وجوب الحجّ وشرائطه، ح 1، ص  74.

  صفحه 360  

(مسألة: 15) إذا أوصى بوصايا متعدّدة متضادّة كان العمل على الثانية، وتكون ناسخةً للاُولى، فإذا أوصى بعين شخصيّة لزيد ثمّ أوصى بها لعمرو اُعطيت لعمرو، وكذا إذا أوصى بثلثه لزيد ثمّ أوصى به لعمرو. وإذا أوصى بثلثه لزيد ثمّ أوصى بنصفه لعمرو(1) كان الثلث بينهما على السويّة، وكذا إذا أوصى بعين شخصيّة لزيد ثمّ أوصى بنصفها لعمرو فتكون الثانية ناسخةً للاُولى بمقدارها.

(مسألة: 16) إذا أوصى بوصايا متعدّدة غير متضادّة وكانت كلّها واجبات ماليّةً أو نحوها ممّا يخرج من الأصل وجب إخراجها من الأصل وإن زادت على الثلث، وإن كانت كلّها واجبات بدنيّةً اُخرجت من الثلث، فإن زادت على الثلث وأجاز الورثة اُخرجت جميعها، وإن لم يجز الورثة: فإن كانت مرتّبةً بأن ذكرت في كلام الموصي واحدةً بعد اُخرى كما إذا قال: «اُعطوا عنّي صوم عشرين سنةً وصلاة عشرين سنة» اُخذ بالسابق وكان النقص على اللاحق (2)، وإن كانت غير


(1) يعني: نصف الثلث.

(2) أفاد اُستاذنا الشهيد : هذا «إذا استظهر عرفاً من التقديم كونه بملاك الأهمّيّة على نحو يقدّم في مورد التزاحم، وإلاّ ورد النقص على الجميع». ونِعمَ ما أفاده(1).


2 ـ صحيح عبدالله بن أبي يعفور، قال: «قلت لأبي عبدالله : رجل نذر لله إن عافى الله ابنه من وجعه ليحجّنّه إلى بيت الله الحرام، فعافى الله الابن ومات الأب، فقال: الحجّة على الأب يؤدّيها عنه بعض ولده. قلت: هي واجبة على ابنه الذي نذر فيه؟ فقال: هي واجبة على الأب من ثلثه، أو يتطوّع ابنه فيحجّ عن أبيه». نفس المصدر، ح  3، ص  75.

(1) فإنّ الخبر الذي يمكن أن يكون له الإطلاق لفرض عدم كون ذلك بملاك الأهمّيّة غير تامّ

  صفحه 361  

مرتّبة بأن ذكرت جملةً واحدةً ورد النقص على الجميع بالنسبة، فإذا قال: «اقضوا عنّي عباداتي مدّة عمري صلاتي وصومي» وكانت تساوي قيمتها نصف التركة: فإن أجاز الورثة نفذت في الجميع، وإن لم يجز الورثة ينقص من وصيّة الصلاة الثلث ومن وصيّة الصوم الثلث.


      سنداً، وهو خبر حمران ـ الوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  66 من الوصايا، ص  398 ـ عن أبي جعفر : «في رجل أوصى عند موته وقال: اعتق فلاناً وفلاناً حتّى ذكر خمسة، فنظر في ثلثه فلم يبلغ ثلثه أثمان قيمة المماليك الخمسة الذين أمر بعتقهم، قال: ينظر إلى الذين سمّاهم وبدأ بعتقهم، فيقوّمون وينظر إلى ثلثه فيعتق منه أوّل شيء ذكر ثُمّ الثاني والثالث ثُمّ الرابع ثُمّ الخامس، فإن عجز الثلث كان في الذين سمّى أخيراً; لأنّه أعتق بعد مبلغ الثلث ما لا يملك، فلا يجوز له ذلك».

وعيب السند وجود أبي جميلة، فهو الذي روى هذا الحديث عن حمران، وقد أفاد السيّد الخوئيّ : أنّه يظهر من كلام النجاشيّ في ترجمة جابر بن يزيد الجعفيّ أنّه كان مسلّم الضعف عند الأصحاب، حيث قال في ترجمته: «روى عنه جماعة غمّز فيهم وضُعّفوا، منهم عمرو بن شمر، ومفضّل بن صالح، ومنخل بن جميل، ويوسف بن يعقوب».

ولكن أبو جميلة قد روى عنه كلّ الثلاثة الذي قال عنهم الشيخ: لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة. وأفاد الشيخ عرفانيان في كتابه مشايخ الثقاة ضمن ذكره لمشايخ الأزديّ ما نصّه: «نبّه النجاشيّ على ضعفه [يعني ضعف مفضّل بن صالح] في ترجمة جابر على وجه يشعر بالترديد ويناسب الشكّ فيه»، وهذا يعني أنّ الشيخ عرفانيان فهم من عبارة «غمّز فيهم وضُعّفوا» الشكّ والترديد في ضعفهم، بينما السيّد الخوئيّ فهم من ذلك مسلّميّة الضعف، والذي يدعم فهم السيّد الخوئيّ أنّ النجاشيّ قد صرّح في ترجمة الثلاثة الآخرين الذين ذكرهم في العبارة الماضية مع مفضّل بن صالح بأنّهم ضعفاء، فقال في ترجمة منخل بن جميل: «ضعيف فاسد الرواية»، وقال في ترجمة يوسف بن يعقوب: «ضعيف، روى عن أبي عبدالله وجابر»، وقال في ترجمة عمرو بن شمر: «ضعيف جدّاً».

  صفحه 362  

وكذا الحكم إذا كانت كلّها تبرّعيّةً غير واجبة، فإنّها إن زادت على الثلث وأجاز الورثة وجب إخراج الجميع، وإن لم يجز الورثة وكانت مرتّبةً كما إذا قال: «استنيبوا عنّي في زيارة الرضا » ثمّ قال: «استنيبوا عنّي في زيارة الحسين » عمل بالسابق وورد النقص على اللاحق (1)، وإن كانت غير مرتّبة كما إذا قال: «تصدّقوا عنّي على خدّام الحسين كلّ واحد بدرهم» وكان ذلك يساوي نصف تركته فإنّه ينقص من كلّ واحد ثلث درهم.

وإذا كانت الوصايا المتعدّدة مختلفةً بعضها واجب ماليّ أو نحوه وبعضها واجب بدنيّ وبعضها تبرّع، كما إذا قال: «اُعطوا عنّي ستّين ديناراً عشرين ديناراً زكاةً وعشرين ديناراً صلاةً وعشرين ديناراً زيارات» فإن وسعها الثلث اُخرج الجميع (2)، وكذلك إن لم يسعها وأجاز الورثة، أمّا إذا لم يسعها ولم يجز الورثة فلا إشكال في وجوب تقديم الواجب الماليّ أو نحوه ممّا يخرج من الأصل على الواجب البدنيّ(3) والوصيّة التبرّعيّة. أمّا تقديم الواجب البدنيّ على الوصيّة


(1) قد عرفت في التعليق السابق أنّه يرد النقص على الجميع، إلاّ إذا استظهر كون التقديم قرينة على الأهمّيّة.

(2) أفاد اُستاذنا الشهيد : «وكذلك إذا ضاق الثلث عن الجميع، ولكن وسع مقداره غير الواجب المالي الذي يخرج من الأصل ولم يكن الموصي قد أوصى بإخراجه من الثلث فإنّه لابدّ من إخراج الجميع». وكلامه واضح الصحّة.

(3) لا إشكال في أنّ ما يخرج من الأصل لا يزاحم الواجب البدنيّ; لأنّه يخرج ذلك من الأصل. نعم، لو أوصى إخراجهما معاً من الثلث وقع التزاحم بينهما، وعندئذ لا يبعد عدم تقديم الواجب الذي يخرج من الأصل على الواجب الذي لا يخرج من الأصل، وورود النقص في الثلث عليهما مع تكميل نقص الواجب الذي يخرج من الأصل من أصل التركة.

  صفحه 363  

التبرّعيّة ففيه خلاف وإشكال، والأقوى إذا لم يكن تقدّم ذكريّ مساواتهما، فيوزّعالنقص عليهما على النسبة (1)، فإذا قال لوصيّه: «اصرف ثلثي في اُمور ثلاثة: حجّة وصلاة سنة وزيارة الحسين» أخرج الوصيّ الحجّة أوّلا، فإن بقي شيء وأمكن إخراج صلاة السنة والزيارة منه اُخرجا، وإن لم يمكن ولم يجز الورثة وزّع النقص عليهما معاً على النسبة، فإذا كانت قيمة صلاة سنة خمسة دنانير وقيمة الزيارة ديناراً وكان الباقي ثلاثة دنانير صرف ديناران ونصف في الصلاة ونصف دينار في الزيارة، ويحتمل أن يكون الخيار في التوزيع في جميع الصور المذكورة للوصيّ، بل لعلّه الأظهر (2)، وإن كان الأوّل أحوط، وإذا كان تقدّم ذكريّ قدّم المتقدّم وإن كان مستحبّاً (3).

(مسألة: 17) المراد من الوصيّة التبرّعيّة: الوصيّة بما لا يكون واجباً عليه في حياته، سواء أكانت تمليكيّةً كما إذا قال: «فرسي لزيد بعد وفاتي» أم عهديّة، كما إذا قال: «تصدّقوا بفرسي بعد وفاتي».

(مسألة: 18) إذا أوصى بثلثه لزيد من دون تعيينه في عين شخصيّة يكون الموصَى


(1) بل يقدّم الواجب البدنيّ على الوصيّة التبرّعيّة(1).

(2) لأنّه المستظهر من النصّ(2).

(3) مضى: أنّ الواجب البدنيّ يقدّم على الوصيّة التبرّعيّة.


(1) لصحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله : «إنّ امرأة من أهلي ماتت وأوصت إليّ بثلث مالها، وأمرت أن يعتق عنها ويحجّ عنها ويتصدّق، فنظرت فيه فلم يبلغ، فقال: ابدأ بالحجّ فإنّه فريضة من فرائض الله عزّوجلّ، واجعل ما بقي طائفة في العتق، وطائفة في الصدقة». الوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  65 من الوصايا، ح  1، ص  396.

(2) وهو النصّ الماضي عن الوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  65 من الوصايا، ح  1، ص  396، وفيه: «واجعل ما بقي طائفة في العتق، وطائفة في الصدقة»، وأنت ترى أنّه لم يأمر بضرورة تساوي الطائفتين، فهذا يعني أنّ طريقة التوزيع تكون بيد الوصيّ.

  صفحه 364  

له شريكاً مع الورثة، فله الثلث ولهم الثلثان، فإن تلف من التركة شيء كان التلف على الجميع، وإن حصل لتركته نماء كان النماء مشتركاً بين الجميع، وكذا إذا أوصى بصرف ثلثه في مصلحته من طاعات وقربات يكون الثلث باقياً على ملكه، فإن تلف من التركة شيء كان التلف موزّعاً عليه وعلى بقيّة الورثة، وإن حصل النماء كان له منه الثلث.وإذا عيَّن ثلثه في عين معيّنة تعيّن كما عرفت، فإذا حصل منها نماء كان النماء له وحده، وإن تلف بعضها أو تمامها اختصّ به التلف ولم يشاركه فيه بقيّة الورثة.

(مسألة: 19) إذا أوصى بثلثه مشاعاً ثمّ أوصى بشيء آخر معيّناً كما إذا قال: «أنفقوا عليَّ ثلثي وأعطوا فرسي لزيد» وجب إخراج ثلثه من غير الفرس، وتصحّ وصيّته بثلث الفرس لزيد، وأمّا وصيّته بالثلثين الآخرين من الفرس لزيد فصحّتها لزيد موقوفة على إجازة الورثة، فإن لم يجيزوا بطلت كما تقدّم (1)، وإذا كان الآخر غير معيّن كما إذا قال: «أنفقوا عليّ ثلثي وأعطوا زيداً مئة دينار» توقّفت الوصيّة بالمئة على إجازة الورثة، فإن أجازوها في الكلّ صحّت في تمامها، وإن أجازوها في البعض صحّت في بعضها، وإن لم يجيزوا منها شيئاً بطلت في جميعها (2)، ونحوه إذا قال: «أعطوا ثلثي لزيد وأعطوا ثلث مالي لعمرو»، فإنّه تصحّ وصيّته لزيد، ولا تصحّ وصيّته لعمرو إلاّ بإجازة الورثة (3). أمّا إذا قال: «أعطوا ثلثي لزيد» ثمّ قال: «أعطوا ثلثي لعمرو» كانت الثانية ناسخةً للاُولى كما عرفت، والمدار على مايفهم من الكلام.

(مسألة: 20) لا تصحّ الوصيّة في المعصية، فإذا أوصى بصرف مال في معونة الظالم، أو في ترويج الباطل كتعمير الكنائس والبِيَع ونشر كتب الضلال، بطلت الوصيّة.


(1) هذا إذا كان المفهوم عرفاً من هذا الكلام الوصيّة بثلث ما عدا الفرس لنفسه، والوصيّة بالفرس لزيد.

(2) هذا إن كان المفهوم من ذلك عرفاً إعطاء المئة من الثلثين الآخرين.

(3) هذا إن كان المفهوم عرفاً إعطاء الثلث بمعنى النصف من ثلثي الورثة لعمرو.

  صفحه 365  

(مسألة: 21) إذا كان ما أوصى به جائزاً عند الموصِي باجتهاده أو تقليده وليس بجائز عند الوصيّ كذلك لم يجز للوصيّ تنفيذ الوصيّة، وإذا كان الأمر بالعكس وجب على الوصيّ العمل.

(مسألة: 22) إذا أوصى بإخراج بعض الورثة من الميراث فلم يجز ذلك البعض لم يصحّ. نعم، إذا لم يكن قد أوصى بالثلث وأوصى بذلك وجب العمل بالوصيّة بالنسبة إلى الثلث لغيره، فإذا كان له ولدان وكانت التركة ستّةً فأوصى بحرمان ولده زيد من الميراث اُعطي زيد اثنين واُعطي الآخر أربعة، وإذا أوصى بسدس ماله لأخيه وأوصى بحرمان ولده زيد من الميراث اُعطي أخوه السدس، واُعطي زيد الثلث، واُعطي ولده الآخر النصف.

(مسألة: 23) إذا أوصى بمال زيد بعد وفاة نفسه لم يصحّ وإن أجاز زيد، وإذا أوصى بمال زيد بعد وفاة زيد فأجاز زيد صحّ (1).

(مسألة: 24) قد عرفت أنّه إذا أوصى بعين من تركته لزيد ثمّ أوصى بها لعمرو كانت الثانية ناسخةً ووجب دفع العين لعمرو، فإذا اشتبه المتقدِّم والمتأخِّر تعيّن الرجوع إلى القرعة في تعيينه، وكذا إذا أوصى بوصايا متعدّدة تزيد على الثلث ولم يجز الورثة، فإنّك قد عرفت أنّه يؤخذ بالسابق فالسابق (2)، ويدخل النقص على اللاحق، فإذا اشتبه اللاحق بالسابق يرجع إلى القرعة في تعيينه.

(مسألة: 25) إذا دفع إنسان إلى آخر مالا وقال له: «إذا مِتُّ فأنفقه عنّي» ولم


(1) لأنّه بإجازة زيد صارت الوصيّة وصيّة لزيد.

(2) مضى في التعليق على قول المصنّف : «..اُخذ بالسابق، وكان النقص على اللاحق» في المسألة رقم (16) المتقدّمة، وعلى قوله في المسألة نفسها: «..عمل بالسابق، وورد النقص على اللاحق»: أنّه إن لم يستظهر عرفاً من التقديم كونه بملاك الأهمّيّة على نحو يقدّم في مورد التزاحم ورد النقص على الجميع.

  صفحه 366  

يعلم أنّه أكثر من الثلث أو أقلّ أو مساو له، أو علم أنّه أكثر واحتمل أنّه مأذون من الورثة في هذه الوصيّة، أو علم أنّه غير مأذون من الورثة لكن احتمل أنّه قد نذر ذلك، أو كان له ملزم شرعيّ يقتضي إخراجه من الأصل وجب على الوصيِّ العمل بالوصيّة حتّى يثبت بطلانها(1).

(مسألة: 26) إذا أوصى بشيء لزيد وتردّد بين الأقلّ والأكثر اقتصر على الأقلّ، وإذا تردّد بين المتباينين عيِّن بالقرعة.

 


(1) يعني : أنّ أصالة صحّة وصيّته نافذة في المقام، فيجب على الوصيّ أن يعمل بالوصيّة حتّى يثبت بطلانها.

ولكن أفاد اُستاذنا الشهيد : أنّ «الظاهر عدم وجوب العمل بالوصيّة في الفرضين الأخيرين، ولا يخلو وجوب إنفاذ تمام الوصيّة في الفرض الأوّل من إشكال». ونِعمَ ما أفاد(1).


(1) ما أفاده المصنّف من البناء على صحّة الوصيّة حتّى يثبت بطلانها يرد عليه: أنّ أصالة صحّة العمل محلّها إسقاط قضائه أو إعادته عن غيره، فالعمل الصادر من مسلم كالصلاة ـ مثلاً ـ محمول على الصحّة، فلو كان واجباً كفائيّاً لم تجب على شخص آخر إعادته، ولو كان قد صلّى الأب ومات، واحتمل الابن الأكبر صحّة صلاته، لم يجب عليه قضاؤها و... هكذا، وما نحن فيه ليس من هذا القبيل، وعندئذ نقول:

1 ـ لو علم الوصيّ أنّ المال الذي أعطاه الموصي أكثر من الثلث، لكن احتمل صدور الإذن من الورثة بذلك، فأصالة عدم صدور الإذن منهم تُثبت بطلان الوصيّة بالزائد على الثلث.

2 ـ ولو علم الوصيّ أنّ المال الذي أعطاه الموصي أكثر من الثلث، لكنّه احتمل طروّ ما يوجب إخراجه من الأصل، فأصالة عدم طروّ ذلك تُثبت بطلان الوصيّة بالزائد على الثلث.

3 ـ ولو لم يعلم الوصيّ أنّ ما أعطاه الموصي من المال هل هو أكثر من الثلث، أو أقلّ، أو مساو له؟ فقد يقال: إنّ أصالة عدم الوصيّة بالزائد على الثلث تثبت صحّة الوصيّة، لكن لا يخلو هذا الأصل من شبهة المُثبتيّة، بأن يقال:إنّ لازمه تعلّق الوصيّة بما تصحّ الوصيّة به، فلا يخلو وجوب إنفاذ الوصيّة في هذا الفرض من إشكال.

 
  صفحه 367  

 

فصل في الموصَى له:

(مسألة: 1) لا تصحّ الوصيّة للمعدوم(1) وإن كان متوقّع الوجود في المستقبل، مثل أن يوصي لأولاد ولده الذين لم يولدوا، ولا تصحّ للحمل إلاّ إذا انفصل حيّاً (2)، وتصحّ للذمّيّ وللحربيّ.

(مسألة: 2) إذا أوصى لجماعة ذكوراً أو إناثاً أو ذكوراً وإناثاً بمال اشتركوا فيه على السويّة، وكذا إذا أوصى لأبنائه وبناته، أو لأعمامه وعمّاته، أو أخواله وخالاته، أو أعمامه وأخواله، فإنّ الحكم في الجميع التسوية، إلاّ أن تقوم القرينة على التفصيل، مثل أن يقول: على كتاب الله، أو نحو ذلك، فيعطى للذكر مثل حظّ الاُنثيين.


(1) أفاد اُستاذنا الشهيد : «إذا كانت الوصيّة تمليكيّة اعتبر فيها وجود الموصى له عند موت الموصي وإن كان معدوماً عند الوصيّة، وإذا كانت عهديّة صحّت مطلقاً، فإذا لم يوجد الموصى له صرف المال في وجوه البرّ التي تنفع الميّت». وهذا كلام متين(1).

(2) الوصيّة للحمل ظاهرة في الوصيّة التمليكيّة، فإن انفصل حيّاً ملكه، وإن مات قبل وفاة الموصي فلا إشكال في بطلان الوصيّة، وهذا غير داخل في مقصود المصنّف، وإن مات بعد وفاة الموصي انتفى موضوع التمليك.


(1) أمّا الوصيّة التمليكيّة، فمن الواضح أنّها تتطلّب عقلائيّاً وجود المملّك له عند موت الموصي، وأمّا حين حياة الموصي فالمال لا زال ملكاً للموصي. وأمّا الوصيّة العهديّة فلا نكتة فيها لشرط وجود الموصى له عند موت الموصي، فتنفذ الوصيّة، ويستثنى المال من الإرث، ويبقى في ملك الموصي الميّت، فلو لم يتحقّق للموصى له وجودٌ صُرِف في وجوه البرّ التي تنفع الميّت.

  صفحه 368  

 

فصل في الوصيّ:

(مسألة: 1) يجوز للموصِي أن يعيّن شخصاً لتنفيذ وصاياه، ويقال له: الوصيّ. ويشترط فيه اُمور (1):

الأوّل: البلوغ (2)، فلا تصحّ الوصاية إلى الصبيّ منفرداً إذا أراد منه التصرّف في حال صباه مستقلاًّ، أمّا لو أراد أن يكون تصرّفه بعد البلوغ أو مع إذن الوليّ فالمشهور بطلان الوصيّة، ولا يخلو من نظر (3). وتجوز الوصاية إليه منضمّاً إلى الكامل، سواء أراد أن لا يتصرّف الكامل إلاّ بعد بلوغ الصبي، أم أراد أن يتصرّفمنفرداً قبل بلوغ الصبيّ، لكن في الصورة الاُولى إذا كان عليه تصرّفات فوريّة


(1) أفاد اُستاذنا الشهيد : «ما يشترط من تلك الاُمور يعتبر توفّره في ظرف فعليّة الوصاية الذي يترقّب فيه من الوصيّ ممارسة وصايته، لا حين إنشاء الوصيّة» وما أفاده واضح لا غبار عليه.

(2) الأحوط إن لم يكن الأقوى أن يخصّص وصيّته بمن هو بالغ حين التنفيذ(1).

(3) والأقرب عدم البطلان فيما لو أراد تصرّفه بعد البلوغ. وأمّا لو أراد تصرّفه مع إذن الوليّ ففيه إشكال(2).


(1) لصحيح الصفّار «كتبت إلى أبي محمّد : رجل أوصى إلى ولده وفيهم كبار قد أدركوا، وفيهم صغار: أيجوز للكبار أن ينفّذوا وصيّته ويقضوا دينه لمن صحّ على الميّت بشهود عدول قبل أن يدرك الأوصياء الصغار؟ فوقّع : نعم، على الأكابر من الولد أن يقضوا دين أبيهم ولا يحبسوه بذلك». الوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  50 من الوصايا، ح  1، ص  375، فإنّه يمكن أن يستظهر من ذلك أنّ تصرّف الصغار حتّى في أداء الدين موجّل إلى حين الإدراك، فضلاً عن تنفيذ الوصيّة.

(2) لما مضى من صحيح الصفّار.

  صفحه 369  

كوفاء دين ونحوه(1) يتولّى ذلك الحاكم الشرعيّ، وإذا أطلق الوصايةإلى الصبيّ مع البالغ فالظاهر أنّه يجوز للبالغ التصرّف قبل بلوغ الصبيّ (2)،وليس له الاعتراض عليه فيما أمضاه البالغ إلاّ أن يكون على خلاف ما أوصى به الميّت.

الثاني: العقل، فلا تصحّ الوصيّة إلى المجنون في حال جنونه، سواء أكان مطبقاً أم أدواريّاً، وإذا أوصى إليه في حال العقل ثمّ جُنَّ بطلت الوصاية إليه، وإذا أفاق بعد ذلك لم تَعُدْ(3) إلاّ إذا نصّ الموصِي على عودها حينئذ.

الثالث: الإسلام، إذا كان الموصِي مسلماً (4).

(مسألة: 2) الظاهر عدم اعتبار العدالة في الوصيّ، بل يكفي الوثوق والأمانة. هذا في الحقوق الراجعة إلى غيره كأداء الحقوق الواجبة والتصرّف في مال الأيتام ونحو ذلك، أمّا ما يرجع إلى نفسه كما إذا أوصى إليه في أن يصرف ثلثه في الخيرات والقربات ففي اعتبار الوثوق به إشكال وإن كان هو الأظهر (5).

(مسألة: 3) إذا ارتدّ الوصيّ بطلت وصايته (6)، ولا تعود إليه إذا أسلم إلاّ


(1) من الواجبات كالصلاة والصوم.

(2) إن قصد بذلك «أو احتُمِل كون قصده بذلك» تخصيص وصاية البالغ بصورة موافقة الصبيّ، ولم يقدر البالغ على جلب موافقة الصبيّ، فقد سقطت وصايته.

(3) إن كان الوصيّ مسبوقاً بالإفاقة من جنون سابق حين الإيصاء إليه، وكان الموصي ملتفتاً إلى ذلك، فالظاهر أنّ إطلاق وصيّة الموصي شامل لحالة إفاقته، وإلاّ ففي ثبوت الإطلاق لكلام الموصي وعدمه إشكال، إلاّ إذا نصّ الموصي بذلك.

(4) في شرط الإسلام تأمّل، كما أفاده اُستاذنا الشهيد ; لعدم دليل واضح عليه.

(5) بل لا ظهور فيه، كما أفاده اُستاذنا .

(6) مضى التأمّل في شرط الإسلام.

  صفحه 370  

إذا نصّ الموصِي على عودها.

(مسألة: 4) إذا أوصى إلى عادل ففسق: فإن ظهر من القرينة التقييد بالعدالة بطلت الوصيّة، ولن تعود بعود العدالة(1) إلاّ إذا نصّ الموصي على عودها، وإن لم يظهر من القرينة التقييد بالعدالة لم تبطل، وكذا الحكم إذا أوصى إلى الثقة.

(مسألة: 5) تجوز الوصاية إلى المرأة على كراهة (2)، والأعمى، والوارث.

(مسألة: 6) إذا أوصى إلى الصبيّ والبالغ فمات الصبيّ قبل بلوغه، أو بلغ مجنوناً ففي جواز انفراد البالغ بالوصيّة قولان، أقربهما ذلك (3)، وأحوطهما


(1) المرجع في كلّ هذا هو الظهور العرفيّ، فقد يكون الظهور في قيد العدالة بمعنى عدم حدوث الفسق، فبحدوث الفسق تنتهي الوصاية، وقد يكون الظهور في قيد العدالة الفعليّة، بمعنى الظهور في عود الوصاية بعود العدالة، وقد يكون الأمر مجملاً، فلا يثبت رجوع الوصاية برجوع العدالة.

(2) مقتضى حمل كلام الماتن على الصحّة أن يكون المقصود الاحتياط الاستحبابيّ(1).

(3) إن كان إيصاؤه للبالغ قبل بلوغ الصبيّ قرينة على جواز انفراد البالغ بالوصاية قبل بلوغ الصبيّ، فلا يبعد أن يكون هذا قرينة أيضاً على أنّه لو مات بعد بلوغه استقلّ الأوّل بالوصاية.

نعم، لو لم يكن لأحدهما استقلال في زمان، لزم الرجوع إلى الحاكم الشرعيّ ليضمّ إليه آخر.


(1) فإنّ مصدر هذا الكلام ليس إلاّ خبر السكونيّ عن الصادق عن أبيه عن آبائه عن عليّ قال: «المرأة لا يوصى إليها; لأنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿وَلاَ تُؤتُوا السُفَهَاءَ أمْوَالَكُم». الوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  53 من الوصايا، ح  1، ص  379. ونحوه خبر آخر، وهو الحديث 2 من نفس المصدر، وأنت ترى ما في الاستدلال بذلك من أكثر من إشكال.

  صفحه 371  

الرجوع إلى الحاكم الشرعيّ فيضمّ إليه آخر.

(مسألة: 7) يجوز جعل الوصاية إلى اثنين أو أكثر على نحو الانضمام وعلى نحو الاستقلال، فإن نصّ على الأوّل فليس لأحدهما الاستقلال بالتصرّف، لا في جميع ما أوصى به ولا في بعضه، وإذا عرض لأحدهما ما يوجب سقوطه عن الوصاية من موت ونحوه ضمّ الحاكم آخر إلى الآخر، وإن نصّ على الثاني جاز لأحدهما الاستقلال، وأيّهما سبق نفذ تصرّفه، وإن اقترنا في التصرّف مع تنافي التصرّفين بأن باع أحدهما على زيد والآخر على عمرو في زمان واحد بطلا معاً، ولهما أن يقتسما الثلث بالسويّة وبغير السويّة، وإذا سقط أحدهما عن الوصاية انفرد الآخر ولم يضمّ إليه الحاكم آخر، وإذا أطلق الوصاية إليهما ولم ينصَّ على الانضمام والاستقلال جرى حكم الانضمام، إلاّ إذا كانت قرينة على الانفراد، كما إذا قال: «وصيّي فلان وفلان، فإذا ماتا كان الوصيّ فلان»، فإنّه إذا مات أحدهما استقلّ الباقي ولم يحتج إلى أن يضمّ إليه آخر، وكذا الحكم في ولاية الوقف.

(مسألة: 8) إذا قال: «زيد وصيّي، فإن مات فعمرو وصيّي» صحّ ويكونان وصيّين مترتّبين، وكذا يصحّ إذا قال: «وصيّي زيد، فإن بلغ ولدي فهو الوصيّ».

(مسألة: 9) يجوز أن يوصي إلى وصيّين أو أكثر ويجعل الوصاية إلى كلّ واحد في أمر بعينه لا يشاركه فيه الآخر.

(مسألة: 10) إذا أوصى إلى اثنين بشرط الانضمام فتشاحّا لاختلاف نظرهما: فإن لم يكن مانع لأحدهما بعينه من الانضمام إلى الآخر أجبره الحاكم على ذلك، وإن لم يكن مانع لكلٍّ منهما من الانضمام أجبرهما عليه، وإن كان لكلٍّ منهما مانع انضمّ الحاكم إلى أحدهما ونفذ تصرّفه دون الآخر (1).


(1) كأنّ المقصود: أنّه إن أمكن لحاكم الشرع إجبار أحدهما المعيّن على التنازل في

  صفحه 372  

(مسألة: 11) إذا قال: «أوصيت بكذا وكذا وجعلت الوصيّ فلان إن استمرّ على طلب العلم مثلا» صحّ، وكان فلان وصيّاً إذا استمرّ على طلب العلم، فإن انصرف عنه بطلت وصايته، وتولّى تنفيذ وصيّته الحاكم الشرعيّ.

(مسألة: 12) إذا عجز الوصيّ عن تنفيذ الوصيّة ضمّ إليه الحاكم من يساعده، وإذا ظهرت منه الخيانة ضمّ إليه أميناً يمنعه عن الخيانة (1)، فإن لم يمكن ذلك عزله ونصب غيره.

(مسألة: 13) إذا مات الوصيّ قبل تنجيز تمام ما أوصى إليه به نصب الحاكم الشرعيّ وصيّاً لتنفيذه، وكذا إذا مات في حياة الموصِي ولم يعلم بذلك، أو علم ولم ينصب غيره ولم يكن ما يدلّ على عدوله عن أصل الوصيّة، وليس للوصيّ أن يوصي إلى أحد في تنفيذ ما أوصى إليه به إلاّ أن يكون مأذوناً من الموصي في الإيصاء إلى غيره.


     التنفيد للآخر، فعل ذلك، وإن أمكن له إجبار كلّ واحد منهما على التنازل للآخر في التنفيذ، أجبرهما على تنازل أحدهما للآخر في التنفيذ، فيتمّ العمل بهدف الموصي من الانضمام، وإن لم يمكن لا هذا ولا ذاك، فالأمر دائر بين سقوطهما لفقدان شرط الانضمام، وبين استظهار أنّه مع عدم الجمع يريد الموصي أحدهما على سبيل البدل، فعلى الأوّل يجب على الحاكم تنفيذ الوصيّة، وعلى الثاني يجب على أحدهما على سبيل البدل تنفيذ الوصيّة، فجمعاً بين كلا الاحتمالين احتياطاً يضمّ الحاكم نفسه أو شخصاً آخر يعيّنه إلى أحدهما في التنفيذ.

(1) أفاد اُستاذنا الشهيد : «إلاّ إذا استظهر من الوصيّة كون الإيصاء إليه مقيّداً بأمانته، ففي هذه الحالة لا يكون للوصيّة إطلاق، وعليه يخرج عن كونه وصيّاً بالخيانة، وللحاكم الشرعيّ أن يعيّن شخصاً آخر وصيّاً».

أقول: ويبدو لي صحّة ما أفاده.

  صفحه 373  

(مسألة: 14) الوصيّ أمين لا يضمن إلاّ بالتعدّي أو التفريط، ويكفي في الضمان حصول الخيانة بالإضافة إلى ضمان موردها، أمّا الضمان بالنسبة إلى الموارد الاُخر ممّا لم يتحقّق فيها الخيانة ففيه إشكال (1)، بل الأظهر العدم.

(مسألة: 15) إذا عيّن الموصِي للوصيّ عملا خاصّاً أو قدراً خاصّاً أو كيفيّة خاصّةً وجب الاقتصار على ما عيّن، ولم يجز له التعدّي، فإن تعدّى كان خائناً، وإذا أطلق له التصرّف بأن قال له: «أخرج ثلثي وأنفقه» عمل بنظره، ولابدّ من ملاحظة مصلحة الميّت (2)، فلا يجوز له أن يتصرّف كيف شاء وإن لم يكن صلاحاً للميّت، أو كان غيره أصلح مع تيسّر فعله على النحو المتعارف، ويختلف ذلك باختلاف الأموات، فربّما يكون الأصلح أداء العبادات الاحتياطيّة عنه، وربّما يكون الأصلح أداء الحقوق الماليّة الاحتياطيّة، وربّما يكون الأصلح أداء حقٍّ بعينه احتياطيٍّ دون غيره، أو أداء الصلاة عنه دون الصوم، وربّما يكون الأصلح فعل القربات والصدقات وكسوة العراة ومداواة المرضى ونحو ذلك. هذا إذا لم يكن تعارف يكون قرينةً على تعيين مصرف بعينه، وإلاّ كان عليه العمل.

(مسألة: 16) إذا قال: «أنت وصيّي» ولم يعيّن شيئاً، ولم يعرف المراد منه وأنّه تجهيزه، أو صرف ثلثه، أو شؤون اُخرى كان لغواً (3)، إلاّ إذا كان تعارف


(1) أفاد اُستاذنا الشهيد : «أظهره الضمان فيما إذا استظهر من الوصيّة كون الإيصاء إليه على أساس أمانته; إذ يخرج بالخيانة عن كونه وصيّاً، فإذا أبقى يده على الموارد الاُخرى والحالة هذه، كانت يده يد ضمان».

وهنا أيضاً يبدو لي صحّة ما أفاده.

(2) لعلّ هذا على أساس دعوى انصراف الوصيّة إلى ذلك.

(3) قد يتشكّل علم إجماليّ منجّز يوجب الاحتياط، كما أفاده اُستاذنا الشهيد .

  صفحه 374  

يكون قرينةً على تعيين المراد، كما يتعارف في كثير من بلدان العراق أنّه وصيّفي إخراج الثلث، وصرفه في مصلحة الموصي، وأداء الحقوق التي عليه، وأخذ الحقوق التي له، وردّ الأمانات والبضائع إلى أهلها وأخذها. نعم، في شموله للقيمومة على القاصرين من أولاده إشكال، والأحوط أن لا يتصدّى لاُمورهم إلاّ بعد مراجعة الحاكم الشرعيّ، وعدم نصب الحاكم الشرعيّ غيره إلاّ بإذن منه (1).

(مسألة: 17) يجوز للموصَى إليه أن يردّ الوصيّة في حال حياة الموصي بشرط أن يبلغه الردّ، بل الأحوط اعتبار إمكان نصب غيره له أيضاً (2)، ولا يجوز له الردّ بعد موت الوصيّ، سواء قبلها قبل الردّ أم لم يقبلها، والردّ السابق على الوصيّة لا أثر له، فلو قال زيد لعمرو: «لا أقبل أن توصي إليَّ» فأوصى عمرو إليه لزمته


ومثاله: ما إذا تردّد الأمر بين أن يكون وصيّاً في التجهيز أو وصيّاً على الثلث الموصى به، فعلم إجمالاً بسقوط الوارث عن الولاية على التجهيز أو سقوط الحاكم الشرعيّ عن الولاية على الثلث، وبالتالي حصل العلم الإجماليّ للوصيّ: إمّا بحرمة التجهيز عليه إلاّ بإذن الوارث، أو بحرمة التصرّف بالثلث الموصى به عليه إلاّ بإذن الحاكم، وعند ذلك يحتاط الوصيّ بالاتّفاق مع الوارث في التجهيز، ومع الحاكم في الثلث الموصى به.

(1) الأولى أن يقال: «والأحوط أن لا يتصدّى لاُمورهم إلاّ بعد مراجعة من هو الوليّ لولا هذه الوصاية، وعدم نصب ذاك الوليّ إلاّ بإذن منه» حتّى يشمل غير الحاكم الشرعيّ ممّن قد نفتي بولايته على أموال صغار أولاده من عدول المؤمنين أو ثقاتهم.

(2) بل هذا هو ما دلّ عليه النصّ، كصحيح منصور بن حازم عن أبي عبدالله ، قال: «إذا أوصى الرجل إلى أخيه وهو غائب، فليس له أن يردّ عليه وصيّته; لأنّه لو كان شاهداً فأبى أن يقبلها طلب غيره»(1).


(1) الوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  23 من الوصايا، ح  3، ص  320.

  صفحه 375  

الوصيّة، إلاّ أن يردّها بعد ذلك، ولو أوصى إليه فردّ الوصيّة، فأوصى إليه ثانياً ولم يردّها ثانياً لجهله بها، ففي لزومها له قول، ولكنّه لا يخلو من إشكال، بل الأظهر خلافه.

(مسألة: 18) إذا رأى الوصيّ أنّ تفويض الأمر إلى شخص في بعض الاُمور الموصَى بها أصلح للميّت جاز له تفويض الأمر إليه، كأن يفوّض أمر العبادات التي أوصى بها إلى من له خبرة في الاستنابة في العبادات، ويفوّض أمر العمارات التي أوصى بها إلى من له خبرة فيها، ويفوّض أمر الكفّارات التي أوصى بها إلى من له خبرة بالفقراء وكيفيّة القسمة عليهم، وهكذا، وربّما يفوّض الأمر في جميع ذلك إلى شخص واحد إذا كان له خبرة في جميعها، وقد لا يكون الموصي قد أوصى باُمور معيّنة، بل أوصى بصرف ثلثه في مصالحه وأوكل تعيين المصرف كمّاً وكيفاً إلى نظره، فيرى الوصيّ من هو أعرف منه في تعيين جهات المصرف وكيفيّتها، فيوكل الأمر إليه، فيدفع الثلث إليه بتمامه، ويفوّض إليه تعيين الجهات كمّاً وكيفاً، كما يتعارف ذلك عند كثير من الأوصياء حيث يدفعون الثلث الموصَى به إلى المجتهد الموثوق به عندهم. فالوصاية إلى شخص ولاية في التصرّف ولو بواسطة التفويض إلى الغير، فلا بأس أن يفوّض الوصيّ أمر الوصيّة إلى غيره إلاّ أن تقوم القرينة على إرادة الموصي منه بالمباشرة، فلا يجوز له حينئذ التفويض، كما أنّه لا يجوز تفويض الوصاية إلى غيره بمعنى عزل نفسه عن الوصاية وجعلها له فيكون غيره وصيّاً عن الميّت بجعل منه.

(مسألة: 19) إذا بطلت وصاية الوصيّ لفوات شرطها كخيانة(1) أو جنون أو


(1) مضى منه في المسألة (12): أنّه إذا ظهرت من الوصيّ الخيانة ضمّ إليه الحاكم أميناً يمنعه عن الخيانة في حين أنّه هنا فرض موضوع بطلان الوصاية بفوات شرطها بالخيانة، فلعلّه كان مفروضه هنا فرض كون عدم الخيانة شرطاً في الوصاية، ومفروضه هناك عدم كون ذلك شرطاً فيها.

  صفحه 376  

كفر أو غير ذلك نصب الحاكم الشرعيّ وصيّاً مكانه، أو تولّى الصرف بنفسه، وكذا إذا أوصى ولم يعيّن وصيّاً أصلا.

(مسألة: 20) إذا نسي الوصيّ مصرف المال الموصَى به وعجز عن معرفته صرفه في وجوه البرّ إذا كان التردّد بين غير المحصور، أمّا إذا تردّد بين محصور ففيه إشكال، ولا يبعد الرجوع إلى القرعة في تعيينه (1).

(مسألة: 21) يجوز للموصِي أن يجعل ناظراً على الوصيّ مشرفاً ومطّلعاً على عمله بحيث لا يجوز للوصيّ أن يعمل بالوصيّة إلاّ باطّلاع الناظر وإشرافه عليه، فإذا عمل بدون إشرافه كان بدون إذن من الموصِي وخيانة له، وإذا عمل باطّلاعه كان مأذوناً فيه وأداءً لوظيفته، ولا يجب على الوصيّ متابعة مثل هذا الناظر في


(1) إن كانت الوصيّة عهديّة يكون المال باقياً على ملك الميّت بحساب ثلثه، ولايجوز التصرّف فيه إلاّ في حدود ما طابت به نفسه.

فإذا تردّد المصرف بين غير المحصور، فإن كان الاحتمال في بعض الأطراف غير موهون، يبدو لنا وجوب الصرف فيه; لأنّ ضآلة الاحتمال التي تُسقط طرف العلم الإجماليّ في غير المحصور عن التنجيز لم تسقط هذا الطرف عن التنجيز.

وإن تعدّدت الأطراف المحتملة بهذه الدرجة، يرجع إلى القرعة بين تلك الأطراف.

وإن كانت الأطراف كلّها محتملة بدرجة موهونة غير معتنىً بها، فلا تنجيز عقلائيّ لواحدة من هذه المحتملات بالخصوص، فلا يبقى إلاّ صرف المال في وجوه البرّ التي لا تخرج عن دائرة تلك الأطراف.

وإن كانت الوصيّة تمليكيّة، فيكون المال فعلاً ملكاً للموصى إليه، فمع فرض تردّده في محصور، وتساوي الاحتمالات، فالذي كنّا قد اخترناه في كتابنا في القضاء ص  638 هو: أنّ المرجع في فرض جهل نفس الأطراف بالحال في باب الأموال هو التقسيم بقاعدة العدل والإنصاف، والله العالم.

ومع قوّة الاحتمال في بعض الأطراف يصرف المال على المحتمل الأقوى تقديماً للامتثال الظنّيّ على الامتثال الاحتماليّ.

ومع تردّده بين أشخاص غير محصورين يطبّق على المال حكم مجهول المالك.

  صفحه 377  

رأيه ونظره، فإذا أوصى الموصي باستنابة من يصلّي عنه فاستناب الوصيّ زيداً وكان الناظر يريد استنابة عمرو ويراها أرجح لم يقدح ذلك في صحّة استنابة زيد، وليس للناظر الاعتراض عليه في ذلك. نعم، لو جعل على الوصيّ ناظراً له بمعنى أن يكون عمل الوصيّ بنظره ففي المثال المذكور لا تصحّ استنابة زيد، وتجب استنابة عمرو، لكنّ هذا المعنى خلاف ظاهر جعل الناظر على الوصيّ، وتختلف أيضاً الصورتان بأنّه إذا خان الوصيّ وجب على الناظر مدافعته في الصورة الاُولى (1)، ولو قصّر في ذلك كان ضامناً (2)، وليس كذلك في الصورة الثانية، وربّما تقوم القرائن على خلاف ذلك، وفي الصورتين إذا مات الناظر لزم الوصيّ الرجوع إلى الحاكم الشرعيّ.

(مسألة: 22) الوصيّة جائزة من طرف الموصِي، فإذا أوصى بشيء جاز له العدول إلى غيره، وإذا أوصى إلى أحد جاز له العدول إلى غيره، وإذا أوصى بأشياء جاز له العدول عن جميعها وعن بعضها، كما يجوز له تبديل جميعها وتبديل بعضها ما دام فيه الروح إذا وجدت فيه الشرائط المتقدّمة من العقل والاختيار وغيرهما، وإذا أوصى إلى شخص ثمّ أوصى إلى آخر ولم يخبر الوصيّ الأوّل بالعدول عنه إلى غيره فمات، فعمل الوصيّ الأوّل بالوصيّة ثمّ علم، كانت الغرامة على الميّت تخرج من أصل التركة (3)، ثمّ يخرج الثلث للوصيّ الثاني. هذا إذا لم يكن العدول عن الأوّل لسبب ظاهر، أمّا إذا كان لسبب ظاهر كما إذا هاجر الوصيّ الأوّل إلى بلاد بعيدة، أو حدث بينه وبين الوصيّ عداوة ومقاطعة فعدل عنه، كان ما صرفه الوصيّ الأوّل من مال نفسه.


(1) كأنّ المفروض عنده أنّ الوصيّ لم يسقط بالخيانة عن الوصاية ولكن ظاهر جعل الناظر بالمعنى الأوّل أنّه أراد مدافعته لدى الخيانة كي يرجعه إلى الصواب، ولا يرى ظهوراً كهذا في جعل الناظر بالمعنى الثاني.

(2) لم نعرف سبباً لضمان الناظر. نعم، لا شكّ في ضمان نفس الوصيّ.

(3) يعني: أنّه أصبح هذا ديناً على الميّت فيخرج من الأصل.

  صفحه 378  

(مسألة: 23) يتحقّق الرجوع عن الوصيّة بالقول، مثل أن يقول: «رجعت عن وصيّتي إلى زيد»، وبالفعل، مثل أن يوصي بصرف ثلثه ثمّ يوصي بوقفه، ومثل أن يوصي بوقف عين ثمّ يبيعها أو يهبها.

(مسألة: 24) لا يعتبر في وجوب العمل بالوصيّة مرور مدّة طويلة أو قصيرة، فإذا أوصى ثمّ مات بلا فصل وجب العمل بها، وكذا إذا مات بعد مرور سنين. نعم، يعتبر عدم الرجوع عنها، وإذا شكّ في الرجوع بنى على عدمه.

(مسألة: 25) إذا قال: إذا متّ في هذا السفر فوصيّي فلان، ووصيّتي كذا وكذا، فإذا لم يمت في ذلك السفر ومات في غيره لم يجب العمل بوصيّته ولم يكن له وصيّ. أمّا إذا كان الداعي له على إنشاء الوصيّة خوف الموت في السفر الذي عزم عليه وجب العمل بوصيّته وإن لم يمت في ذلك السفر (1)، ولأجل ذلك يجب العمل بوصايا الحجّاج عند العزم على الحجّ، ومثلهم زوّار الرضا والمسافرون أسفاراً بعيدة، فإنّ الظاهر أنّ هؤلاء وأمثالهم لم يقيّدوا الوصيّة بالموت في ذلك السفر، وإنّما كان الداعي على الوصيّة خوف الموت في ذلك السفر، فيجب العمل بوصاياهم ما لم يتحقّق الرجوع عنها.

(مسألة: 26) يجوز للوصي أن يأخذ اُجرةً مثل عمله إذا كان له اُجرة (2)، إلاّ إذا كان أوصى إليه بأن يعمل مجّاناً، كما لو صرّح الموصي بذلك أو كانت قرينة عليه، فلا يجوز له أخذ الاُجرة حينئذ، ويجب عليه العمل بالوصيّة إن كان قد قبل، أمّا إذا لم يقبل ففي الوجوب إشكال، والأقرب العدم (3). هذا بالنسبة إلى العمل

(1) كون الداعي له على إنشاء الوصيّة خوف الموت في السفر الذي عزم عليه أعمّ من تحقّق الإطلاق في الوصيّة، والمقياس هو الاستظهار العرفيّ الذي قد يختلف من مورد لآخر.

(2) لأجل أنّ الأمر يوجب الضمان.

(3) يبدو أنّ مفروض كلامه أنّ الموصي قد حمّل الوصيّة عليه بلا اُجرة، مع أنّ عمله كان يستحقّ الاُجرة، فلا تعارض بين هذا الكلام وبين ما مضى منه في أوّل الوصيّة: من أنّ الوصيّة العهديّة لا تحتاج إلى قبول.

 
  صفحه 379  

الذي أوصى إليه فيه، كالبيع والشراء وإعطاء الديون ونحو ذلك من الأعمال التي هي موضوع ولايته. أمّا لو أوصى بأعمال اُخرى مثل أن يوصي إلى زيد أن يحجّ عنه أو يصلّي عنه أو نحو ذلك لم يجب عليه القبول حتّى لو لم يعلم ذلك في حياة الموصي، ولو قبل في حياته: فإن كان أوصى إليه بالعمل مجّاناً مثل أن يحجّ فقبل لم يبعد جواز الردّ بعد وفاته (1)، وإذا جعل له اُجرةً معيّنةً بأن قال له: حِجَّ عنّي بمئة دينار كان إجارةً ووجب العمل بها، وله الاُجرة إذا كان قد قبل في حياته، وإلاّ لم يجب، ولو كان باُجرة غير معيّنة عندهما بأن قال له: حِجَّ عنّي باُجرة المثل ولم تكن الاُجرة معلومةً عندهما فقبل في حياته لم يبعد أيضاً عدم وجوب العمل وجريان حكم الإجارة الفاسدة (2)، ولو كان بطريق الجعالة لم يجب العمل، وهل يستحقّ الاُجرة على تقدير العمل ؟ إشكال، لاحتمال صدق الوصيّة، لكنّ الظاهر جريان حكم الجعالة فتفسد بالموت (3)، فيجري في أمثال ذلك أحكام العقد والإيقاع من حيث الصحّة والفساد، واللزوم والجواز، والفساد بالموت وعدمه، وربّما تكون المعاملة بينهما


(1) كأنّه لانصراف روايات عدم جواز الردّ(1) إلى الأعمال التي هي موضوع ولايته، أي: الأعمال التي بإمكانه أن يرسل شخصاً لتحقيقها، فيكون فعل الرسول فعلاً له، كما في البيع والشراء وأداء الديون، دون التي ليست تحت ولايته، كأن يرسل شخصاً يصلّي أو يحجّ، فإنّ هذا لا يصبح مصداقاً لصلاته وحجّه.

(2) بناءً على أنّ هذا الشكل من مجهوليّة الاُجرة يوجب فساد الإجارة.

(3) إن كان الجُعل عيناً خارجيّة من التركة لا كلّيّاً في الذمّة، دخل ذلك في الوصيّة التمليكيّة، فتنفذ حينما تنفذ الوصايا التمليكيّة، وأمّا إن كان كلّيّاً في الذمّة، فالظاهر أنّ هذه جعالة تفسد بالموت.


(1) الوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  23 من الوصايا.

  صفحه 380  

من قبيل الصلح الذي لا يقدح فيه الجهالة ولا الموت، فيجب العمل به بعد الموت.

(مسألة: 27) تثبت الوصيّة التمليكيّة بشهادة مسلمَين عادلَين، وبشهادة مسلم عادل مع يمين الموصَى له (1)، وبشهادة مسلم عادل مع مسلمتين عادلتين كغيرها من الدعاوى الماليّة (2)، وتختصّ أيضاً بأنّها تثبت بشهادة النساء منفردات، فيثبت ربعها بشهادة مسلمة عادلة، ونصفها بشهادة مسلمتين عادلتين، وثلاثة أرباعها بشهادة ثلاث مسلمات عادلات، وتمامها بشهادة أربع مسلمات عادلات بلا حاجة إلى اليمين في شهادتهنّ (3).


(1) أفاد اُستاذنا الشهيد : «ولا يخلو الثبوت بذلك من إشكال; لاحتمال اختصاص الثبوت بذلك بالدين». ونِعمَ ما أفاد(1).

(2) لقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء(2). سورة 2 البقرة، الآية: 282.

(3) وقد دلّ على ذلك بعض النصوص(3)، ولا يبعد ثبوت الربع بشهادة الرجل


(1) راجع بهذا الصدد: الوسائل، ج  27 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  14 من كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى.

(2) بناءً على التعدّي العرفيّ إلى جميع الحقوق الماليّة.

وقد يستدلّ أيضاً برواية إبراهيم بن محمّد الهمدانيّ (على كلام في ثبوت وثاقته) قال: «كتب أحمد بن هلال إلى أبي الحسن : امرأة شهدت على وصيّة رجل لم يشهدها غيرها، وفي الورثة من يصدّقها، وفيهم من يتّهمها، فكتب: لا، إلاّ أن يكون رجل وامرأتان، وليس بواجب أن تنفذ شهادتها». الوسائل، ج  27 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  24 من الشهادات، ح  34، ص  360.

(3) كصحيح محمّد بن قيس عن أبي جعفر : «قضى أمير المؤمنين في وصيّة لم يشهدها إلاّ امرأة، فقضى أن تجاز شهادة المرأة في ربع الوصيّة»، وصحيح ربعي عن أبي عبدالله : «في شهادة امرأة حضرت رجلاً يوصي، فقال: يجوز في ربع ما أوصى بحساب شهادتها». الوسائل، ج  27 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  24 من الشهادات، ح  15 و16.

  صفحه 381  

أمّا الوصيّة العهديّة (وهي الوصاية بالولاية) فلا تثبت إلاّ بشهادة مسلمَين عادلَين.

(مسألة: 28) تثبت الوصيّة التمليكيّة بشهادة ذمّيَّين عدلَين في دينهما عند عدم عدول المسلمين، ولا تثبت بشهادة غيرهما من الكفّار، وفي ثبوت الوصيّة العهديّة بذلك إشكال (1).

(مسألة: 29) تثبت الوصيّة التمليكيّة بإقرار الورثة جميعهم إذا كانوا عقلاء بالغين وإن لم يكونوا عدولا، وإذا أقرّ بعضهم دون بعض تثبت بالنسبة إلى حصّة المقرِّ دون المنكِر. نعم، إذا أقرّ منهم اثنان وكانا عدلَين تثبت الوصيّة بتمامها، وإذا كان عدلا واحداً تثبت أيضاً مع يمين الموصَى له (2). وأمّا في الوصيّة العهديّة فتثبت أصل الوصيّة بإقرار الورثة جميعهم، وإذا أقرّ بعضهم ثبت بعض الموصَى به على نسبة حصّة المقرّ وينقص من حقّه، وأمّا نفس الولاية فثبوتها بنفس الإقرار ولو من جميعهم إشكال وإن كان هو الأظهر. نعم، إذا أقرّ اثنان عدلان منهم ثبتت بلا إشكال.


العادل أيضاً (1).

(1) أفاد اُستاذنا : «الأقرب الثبوت». ونِعمَ ما أفاد(2).

(2) تقدّم الإشكال في ذلك في التعليق على قول المصنّف : «..وبشهادة مسلم عادل مع يمين الموصى له» في أوّل المسألة رقم (27).


(1) تعدّياً من مورد النصّ الماضي من المرأة إلى الرجل بالأولويّة العرفيّة.

(2) لإطلاق الآية الشريفة 106 من سورة المائدة: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْل مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الآثِمِينَ.

  صفحه 382  

 

فصل في منجّزات المريض:

(مسألة: 1) إذا تصرّف المريض في مرض الموت تصرّفاً منجّزاً: فإن لم يكن مشتملا على المحاباة كما إذا باع بثمن المثل أو آجر باُجرة المثل، فلا إشكال في صحّته ولزوم العمل به، وإذا كان مشتملا على نوع من المحاباة والعطاء المجّاني، كما إذا أعتق، أو أبرأ، أو وهب هبةً مجّانيةً غير معوّضة أو معوّضةً بأقلّ من القيمة، أو باع بأقلّ من ثمن المثل، أو آجر بأقلّ من اُجرة المثل، أو نحو ذلك ممّا يستوجب نقصاً في ماله فالظاهر أنّه نافذ كتصرّفه في حال الصحّة (1)، والقول بأنّه


(1) لعلّ الأفضل أن يستثنى من نفوذ منجّزات المريض فرض مزاحمة الدَين لنفوذها(1).


(1) لصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج. الوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  39 من الوصايا، ح  5، ص  355 ـ 356.

وإن شئت إجمالاً من أصل بحث نفوذ منجزات المريض المحاباتيّة فكالتالي:

إنّ هناك روايات كثيرة واضحة في نفوذ منجزات المريض حتّى المحاباتيّة أو العطاءات المجّانيّة.

والظاهر أنّ التامّ منها سنداً والصريح دلالةً روايتان:

الاُولى: ما رواه الصدوق بسند صحيح عن أبي بصير عن أبي عبدالله ، قال: «قلت له: الرجل يكون له الولد يسعه أن يجعل ماله لقرابته؟ قال: هو ماله يصنع به ما شاء إلى أن يأتيه الموت». الفقيه، ج  4، ص  149 بحسب طبعة الآخونديّ، ح  518. والوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  17 من الوصايا، ذيل ح  2، ص  297.

والثانية: موثّقة عمّار الساباطيّ عن أبي عبدالله ، قال: «قلت له: الميّت أحقّ بماله مادام فيه

  صفحه 383  


الروح يبين به؟ قال:نعم، فإن أوصى به فليس له إلاّ الثلث». الوسائل، المصدر الماضي، ح  7، ص  299.

وهناك روايتان اُخريان تامّتان سنداً، ولكن دلالتهما بالظهور لا بالصراحة:

الاُولى: معتبرة الحلبيّ، قال: «سألت أبا عبدالله عن امرأة أعتقت عند الموت ثلث خادمها، هل على أهلها أن يكاتبوها؟ قال: ليس ذلك لها، ولكن لها ثلثها فلتخدم بحساب ما عتق منها». الوسائل، ج  23 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  64 من العتق، ح  6، ص  102. وفي السند زرعة، وهو واقفيّ ثقة.

والثانية: صحيحة عبدالله بن سنان: «أنّه سأل أبا عبدالله عن امرأة أعتقت ثلث خادمها عند موتها، أعلى أهلها أن يكاتبوها إن شاؤوا وإن أبوا؟ قال: لا، ولكن لها من نفسها ثلثها، وللوارث ثلثاها يستخدمها بحساب الذي له منها، ويكون لها من نفسها بحساب الذي عتق منها». نفس المصدر، ح  7.

وإنّما أقول: إنّهما ليستا صريحتين لإمكان حمل العتق عند الموت على معنى الوصيّة بالعتق.

وبالمقابل توجد روايات كثيرة تعارض مضمون نفوذ منجزات المريض المحاباتيّة، أو العطاءات المجّانيّة، والتامّ منها سنداً ما يلي:

1 ـ حديث سماعة: «سألت أبا عبدالله عن عطيّة الوالد لولده، فقال: أمّا إذا كان صحيحاً، فهو ماله يصنع به ما شاء. وأمّا في مرضه فلا يصلح». الوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  17 من الوصايا، ح  11، ص  300، بناءً على حمله على مرض الموت.

والتشويش باد على هذا الحديث; لعدم تخصيصه للمرض بمرض الموت.

2 ـ صحيح أبي بصير قال: «سألت أبا عبدالله عن الرجل يخصّ بعض ولده بالعطيّة، قال: إن كان موسراً فنعم، وإن كان معسراً فلا». الوسائل، المصدر الماضي، ح  12، ص  300.

والتشويش هنا أوضح، فلا نستطيع أن نفهم معنىً معقولاً لهذا الحديث، إلاّ أن نُخرجه عن

  صفحه 384  


محلّ البحث، ونحمله على معنى: أنّه إن كان معسراً كان تخصيص بعض ولده بالعطيّة مضرّاً بما يجب عليه من تغطية النفقة الواجبة عليه لجميع ولده.

3 ـ صحيح الحلبيّ قال: «سُئل أبو عبدالله عن الرجل يكون لامرأته عليه الصداق أو بعضه، فتبرِئه منه في مرضها، فقال: لا». الوسائل، المصدر الماضي، ح  15، ص  301.

والتشويش أيضاً باد على هذا الحديث; إذ لم يفرض موتها في مرضها.

4 ـ صحيح سماعة، قال: «سألته عن الرجل يكون لامرأته عليه الصداق أو بعضه، فتُبرئه منه في مرضها، فقال: لا، ولكنّها إن وهبت له، جاز ما وهبت له من ثلثها». الوسائل، نفس المصدر الماضي، ح  16، ص  301.

والتشويش فيه ـ إضافة إلى ما مضى في الحديث السابق ـ عبارة عن تفصيله بين الإبراء والهبة.

5 ـ صحيح محمّد بن مسلم عن أبي عبدالله ، قال: «سألته عن رجل حضره الموت، فأعتق غلامه، وأوصى بوصيّة، فكان أكثر من الثلث، قال: يمضي عتق الغلام، ويكون النقصان في ما بقي». الوسائل، نفس المجلّد، ب  67 من الوصايا، ح  1، ص  399.

وهذا الحديث إن فسّر بمعنى: أنّ مجموع العتق والوصيّة كان أكثر من الثلث، فهذا وإن دلّ على عدم نفوذ العتق إلاّ بترجيحه على تلك الوصايا، إذن فالعتق بوصفه تصرّفاً محاباتيّاً من منجزات المريض غير نافذ، ولكن التعبير عن الوصيّة بالعتق بعبارة «أعتق غلامه عند حضور موته» أمر معقول، فيحمل على ذلك جمعاً بين هذا الحديث والحديثين الماضيين التامّين سنداً الصريحين في نفوذ عطايا المريض في مرض موته.

6 ـ صحيح إسماعيل بن همام عن أبي الحسن : «في رجل أوصى عند موته بمال لذوي قرابته، وأعتق مملوكاً، وكان جميع ما أوصى به يزيد على الثلث، كيف يصنع به في وصيّته؟ قال: يبدأ بالعتق فينفّذه». نفس المصدر، ح  2، ص  400.

  صفحه 385  

يخرج من الثلث فإذا زاد عليه لم ينفذ إلاّ بإجازة الوارث ضعيف، وإذا أقرّ بعين أو دين لوارث أو لغيره: فإن كان المقرّ مأموناً ومصدَّقاً في نفسه نفذ الإقرار من


فإن فسّر ذلك بمعنى: أنّ ما أوصى به من المال لذوي قرابته يزيد على الثلث، ومع ذلك أمر بتنفيذ العتق، فهوعلى نفوذ منجزات المريض المحاباتيّة أو المجّانيّة أدلّ منه على عدم النفوذ.

وإن فسّر ذلك بمعنى: أنّ مجموع العتق مع ما جعل لذوي قرابته كان يزيد على الثلث، وقد عبّر عن ذلك بتعبير «جميع ما أوصى به» فهذا شاهد لما قلنا في الرواية السابقة: من أنّ تفسير العتق عند الموت بمعنى الوصيّة بالعتق أمر معقول.

7 ـ صحيح ابن أبي عمير عن رجل عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ، «قال في رجل أوصى بأكثر من الثلث وأعتق مماليكه في مرضه، فقال: إن كان أكثر من الثلث ردّ إلى الثلث، وجاز العتق». نفس المصدر، ح  4، ص  400.

هذا بحسب عبارة الكافي، وروى الشيخ مثله، إلاّ أنّه في أكثر النسخ «عن جميل» بدل «عن رجل».

وهذا إن فسّر بمعنى: أنّ وصاياه بأكثر من الثلث غير عتق مماليكه، وأنّ كلمة «ردّ إلى الثلث» راجعة إلى وصيّته، وقد قال: «جاز العتق»، إذن فالحديث دلّ على نفوذ منجزات المريض المجّانيّة، لا على عدم نفوذها.

وإن فسّر بمعنى: أنّ عتق مماليكه زائداً على وصاياه كان أكثر من الثلث، حمل ذلك في مقابل روايتي نفوذ منجزات المريض حتّى المحاباتيّة أو المجّانيّة الصريحتين في ذلك والتامّتين سنداً، على أنّ المقصود بقوله: «أعتق مماليكه في مرضه» هي الوصيّة بالعتق.

8 ـ معتبرة الحسن بن الجهم، قال: «سمعت أبا الحسن يقول في رجل أعتق مملوكاً وقد حضره الموت، وأشهد له بذلك وقيمته ستمئة درهم، وعليه دين ثلاثمئة درهم ولم يترك شيئاً غيره، قال: يعتق منه سدسه; لأنّه إنّما له منه ثلاثمئة درهم، ويقضى عنه ثلاثمئة درهم، وله من الثلاثمئة ثلثها وهو السدس من الجميع». الوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  39 من الوصايا، ح  4، ص  354.

  صفحه 386  

الأصل، وإن كان متّهماً نفذ من الثلث (1). هذا إذا كان الإقرار في مرض الموت،


(1) إشارة إلى بعض الروايات(1).


وهذا يمكن أن يستفاد منه عدم نفوذ المنجز الذي يزاحم الدين.

ولكنّه يقبل الحمل على الوصيّة; لأنّه عبّر بتعبير «يعتق منه سدسه» ولم يعبّر بتعبير «انعتق منه سدسه».

9 ـ صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج في من مات وترك ديناً كثيراً، وترك مماليك يحيط دينه بأثمانهم، فأعتقهم عند الموت. والرواية مفصّلة جاء فيها تأييد للإمام لحكم ابن أبي ليلى الذي حكم بأن يبيعهم ويدفع أثمانهم إلى الغرماء، فإنّه ليس له أن يعتقهم عند موته وعليه دين يحيط بهم، وكان قد رجع ابن أبي ليلى عن رأيه، ووافق ابن شبرمة في رأي مخالف لهذا الرأي. الوسائل، نفس المجلّد والباب، ح  5، ص  354 ـ 356.

وهذا يدلّ على أنّ منجزات المريض إن زاحمها الدين لم تنفذ.

وهذا أخصّ من الروايات التي دلّت على نفوذ منجزات المريض.

فيبدو أنّ النتيجة هي أن يستثنى من نفوذ منجزات المريض فرض مزاحمة الدين إيّاها.

10 ـ صحيح جميل عن أبي عبدالله ، أو صحيح جميل عن زرارة عن أبي عبدالله : «في رجل أعتق مملوكه عند موته وعليه دين، فقال: إن كان قيمته مثل الذي عليه ومثله، جاز عتقه، وإلاّ لم يجز». نفس المصدر، ح  6، ص  356.

وكأنّ هذا مضمونٌ لا يمكن الأخذ به، أو أنّه محرّف، أو مشوّش.

(1) كصحيح منصور بن حازم، قال: «سألت أبا عبدالله عن رجل أوصى لبعض ورثته أنّ له عليه ديناً، فقال: إن كان الميّت مرضيّاً فأعطه الذي اُوصى له». الوسائل، ج  19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب  16 من الوصايا، ح  1، ص  291، وصحيح أبي بصير عن أبي عبدالله ، قال: «سألته عن رجل معه مال مضاربة، فمات وعليه دين، وأوصى أنّ هذا الذي ترك لأهل المضاربة، أيجوز ذلك؟ قال: نعم، إذا كان مصدّقاً». نفس المصدر، ح  14، ص  296.

  صفحه 387  

أمّا إذا كان في حال الصحّة أو في المرض غير مرض الموت اُخرج من الأصل وإن كان متّهماً.

(مسألة: 2) إذا قال: «هذا وقف بعد وفاتي»، أو: «أنت بريء الذمّة من ديني بعد وفاتي»، أو نحو ذلك ممّا يتضمّن تعليق الإيقاع على الوفاة فهو باطل لا يصحّ وإن أجاز الورثة(1)، فالإنشاء المعلَّق على الوفاة إنّما يصحّ في مقامين: إنشاء الملك، وهي الوصيّة التمليكيّة، وإنشاء العتق، وهو التدبير، ولا يصحّ في غيرهما من أنواع الإنشاء، فإذا قال: بعتُ، أو آجرت، أو صالحت، أو وقفت، أو أبرأت، أو طلّقت بعد وفاتي بطل، ولا يجري عليه حكم الوصيّة بالبيع أو الوقف ـ  مثلا  ـ بحيث يجب على الورثة أن يبيعوا أو يوقفوا بعد وفاته كما إذا أوصى بذلك. نعم، إذا فُهِم من كلامه أنّه يريد الوصيّة بالبيع أو الوقف كانت وصيّته صحيحةً ووجب العمل بها. والله سبحانه العالم.


(1) أي: أنّ إجازة الورثة لا تصحّح هذا الأمر الباطل، وأفاد اُستاذنا الشهيد : (أنّ إجازة الوارث وإن كانت لا تصحّح هذا الإنشاء من المورّث، لكن لا يبعد أن تصبح تلك الإجازة بنفسها وقفاً وإبراءً من الوارث إن وقعت بعد موت الموصي، ولا يضرّ بذلك تعليق الإنشاء من المورّث; لأنّ الإنشاء من حين انتسابه إلى الوارث بالإجازة واجد لما علّق عليه، فيصبح من قبيل ما لو قال الولد بعد موت والده: «هذا وقف بعد موت والدي». نعم، لو أنّ الوارث أجاز كلام المورّث، في حال حياة المورّث فلا أثر لذلك). ونِعمَ ما أفاد.

السابق |  الفهرس