صفحه 5  

 

 

 

 

 

كلمة المكتب

نحاول في هذه المقدّمة الموجزة تسليط الضوء على محورين نرى أهمّيّة اطّلاع القارئ الكريم عليهما، وهما:

أوّلاً: تعريف موجز بمنهج السيّد المرجع الفقهيّ.

ثانياً: تعريف موجز بالكتاب.

 

أوّلاً: تعريف موجز بمنهج السيّد المرجع الفقهيّ:

يمكن الادّعاء بكلّ ثقة أنّ مستوى البحث الفقهيّ الذي أسّس له الفقيه المرجع سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحائريّ ـ مدّ ظلّه ـ يمتاز بحداثة وتجديد سواء على صعيد العمق والدقّة في آلة وأداة الاستنباط أو على صعيد الموضوعيّة والأصالة في الهدف المحدّد للفقه.

فإنّ لدرجة العمق في أساليب الاستدلال التي تختلف في مراحل الاجتهاد تبعاً لتطوّر الفكر العلميّ دوراً هامّاً في تحديد متانة الفقه ودقّة عمليّة الاستدلال، كذلك لموضوعيّة الهدف دور مؤثّر في تحديد تجاهاته ومعالمه، ومن خلال ما يطرأ على هذين الصعيدين من تطوّر أو تغيير تتطوّر حركة الفقه وعمليّة الاجتهاد ومن ثمّ معالم الفقه نفسها.

 

الدقّة في آلة وأداة الاستنباط:

ونقصد بالدقّة في آلة الاستنباط: الدقّة في الجانب الفنّيّ والنظريّ من العمليّة الفقهيّة والتي تتمثّل في عمق وصرامة المباني الاُصوليّة التي تستدعي دقّة أعلى في

 
  صفحه 6  

استخدام العناصر المشتركة وتطبيقها في عمليّة الاستنباط على العناصر الخاصّة في الميدان الفقهيّ; إذ إنّه كلّما كان البحث الاُصوليّ أدقّ وأعمق وكان التفكير الاُصوليّ في تكوين النظريّات العامّة والعناصر المشتركة أكثر دقّة وصرامة استدعى ذلك دقّة أكثر في عمليّات التطبيق على العناصر الخاصّة في الفقه، لوضوح أنّ الترابط بين العمليّتين والتفاعل بينهما في تمام المراحل يستدعي أنّه إذا بلغ مستوى التفكير الاُصوليّ درجة بالغة من الدقّة والعمق بلغ مستوى التفكير الفقهيّ التطبيقيّ الدرجة نفسها. فإنّ النظريّات العامّة الاُصوليّة كلّما كانت موضوعة في صيغ أكثر عمقاً وصرامة وأكبر دقّة كانت أكثر غموضاً، وتطلّبت في مجال التطبيق دقّة أعلى والتفاتاً أكثر. إذن، ترتبط دقّة النتائج الفقهيّة إلى حدّ كبير بالجانب النظريّ الفنّيّ من الاستنباط، فكلّما كان الجانب الفنّيّ من الاستنباط قائماً على دقّة أعلى كانت النتائج الفقهيّة أقرب إلى الصواب.

وقد تأثّر الجانب الفنّيّ من الاستنباط بالبحث الاُصوليّ في المدرسة الاُصوليّة التي تبنّاها السيّد المرجع ـ مدّ ظلّه ـ والمتمثّلة بمدرسة اُصوليّة أحدثت ثورة علميّة تغييريّة في مجال علم الاُصول شملت اُمّهات المسائل في هذا العلم، أسّس لها اُستاذه المرجع الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر رضوان الله عليه، وتبنّى السيّد المرجع تقريرها وشرحها وتحليلها والتعليق عليها أو المناقشة في بعض مفرداتها ممّا زادها نضوجاً وعمقاً ممّا لايمكن في هذه العجلة بيانه المفصّل، لكن نشير بشكل مختصر لبعض المسائل الاُصوليّة التي حصل فيها تغيير أو جيء فيها بنظريّات جديدة كنموذج لسعة التغيير الذي حدث في إطار هذه المدرسة الاُصوليّة كشاهد لما تمتاز به من دقّة وإبداع وتجديد:

1 ـ السيرة المتشرّعيّة والعقلائيّة:

لم يكن مألوفاً لدى الاُصوليّين أن يخصّصوا مبحثاً مستقلاًّ لبحث السيرة بشقّيها في علم الاُصول برغم تمسّكهم بها في مقام الاستنباط في مواضع عدّة، فلم تبحثشرائط صحّة التمسّك بكلّ من شقّي السيرة وكيفيّة إثبات توفّر تلك الشروط،

 
  صفحه 7  

والفرق العلميّ والعمليّ بين التمسّك بكلّ من السيرة المتشرّعيّة والعقلائيّة. وعلى خلاف ذلك فقد خصّصت المدرسة الاُصوليّة للسيّد الشهيد مبحثاً مستقلاًّ لكيفيّة التمسّك بالسيرة، ويمتدّ تأثير هذا البحث إلى بحث حجّيّة خبر الواحد وحجّيّة الظهور اللفظيّ; إذ إنّ أهمّ ما يستدلّ به على هذين البحثين هو السيرة بشقّيها، وما لم تتّضح حدود التمسّك بالسيرة وصلاحيّتها في مقام الاستدلال لا يمكن الخروج بنتائج واضحة ومحدّدة في هذين البحثين.

2 ـ كيفيّة الجمع بين الحكم الظاهريّ والواقعيّ:

وقد أسّست هذه المدرسة لمبنىً جديد في كيفيّة الجمع المذكور مبتن على تفسير جديد لحقيقة الحكم الظاهريّ قائم على أساس أنّ الأحكام الظاهريّة خطابات تعيّن الأهمّ من الملاكات والمبادئ الواقعيّة حين يتطلّب كلّ نوع منها الحفاظ عليه بنحو ينافي ما يضمن به الحفاظ على النوع الآخر. وهذا النوع من التزاحم بين ملاكات الأحكام الواقعيّة لدى اشتباه المكلّف وشكّه أسمته بالتزاحم الحفظيّ، وصوّرت للأحكام الظاهريّة فيه دور ترجيح الأهمّ ملاكاً من الأحكام على الأقلّ أهمّيّة عند وقوع هذا النوع من التزاحم.

وهذا منهج جديد من البحث لم يكن مألوفاً لدى الاُصوليّين ويختلف اختلافاً جوهريّاً عمّا تعارف عندهم، وتمتدّ تأثيرات هذا المنهج على مباحث اُخرى من علم الاُصول من قبيل البحث عن حقيقة الفرق بين الأمارات والاُصول، والبحث عن حجّيّة مثبتاتهما، والبحث عن كون الاستصحاب أمارة أو أصلاً.

3 ـ حجّيّة القطع:

ترى هذه المدرسة الاُصوليّة أنّ حجّيّة القطع ليست من اللوازم الذاتيّة للقطع، أي: لا تدور مدار ذات القطع كما يقول به المشهور من الاُصوليّين، بل تدور مدار مولويّة المولى تعالى، ولمّا كانت مولويّة المولى تعالى تدور مدار مطلق انكشاف التكليف سواء على مستوى الاحتمال أو القطع كان العبد مسؤولاً عقلاً عن تكاليف المولى

 
  صفحه 8  

المظنونة والمحتملة على حدّ سواء ما لم يرخّص بترك التحفّظ تجاه التكليف المحتمل.

و على ضوء النتائج التي انتهت إليها في بحث حجّيّة القطع وضعت هذه المدرسة مسلك (حقّ الطاعة) في مقابل قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، وأنكرت البراءة العقليّة وقالت بالاحتياط العقليّ في موارد الاحتمال البدويّ للتكليف.

وهذه النتائج ذات تأثير في عدد من المباحث الاُصوليّة ومن أهمّها مبحث العلم الإجماليّ.

4 ـ التواتر:

ذكر الاُصوليّون الخبر المتواتر في كتبهم بشكل موجز اعتقاداً منهم بأنّه أوضح مصاديق الخبر القطعيّ المفيد للعلم بالصدور، فلا يبقى معه معنىً للبحث في حجّيّته بعد أن كان قطعيّاً، وإنّما تركّز البحث وتوسّع في إثبات حجّيّة الخبر الظنّيّ الصدور، فبدلاً عن أن يستقلّ البحث عند الاُصولييّن في الخبر المتواتر تركّز البحث عندهم في إثبات حجّيّة خبر الواحد بالخصوص.

هذا، إلاّ أنّ المدرسة الاُصوليّة التي تبنّاها السيّد المرجع ـ مدّ ظلّه ـ أفردت للتواتر بحثاً مستقلاًّ، ذلك لما أسّسته في هذا البحث من تجديد في مجال الكشف عن حقيقة التواتر وكيفيّة إفادته العلم، وبيان العوامل المؤثّرة في تسريع أو إبطاء عمليّة إفادة ذلك، وعلى ضوء ذلك ذكرت التقسيمات التي يمكن أن يكون عليها التواتر.

5 ـ العلم الإجماليّ:

جاءت هذه المدرسة الاُصوليّة في مبحث العلم الإجماليّ بنتائج جديدة، من قبيل إمكان ورود الترخيص في أطراف العلم الإجماليّ عقلاً، وتوفيقه بين مسالك ثلاثة مطروحة في تفسير حقيقة العلم الإجماليّ.

6 ـ حقيقة المعاني الحرفيّة:

وافقت مدرسة الشهيد الصدر على أصل ما اختاره المحقّقون المتأخّرون من كون المعاني الحرفيّة هي المعاني النسبيّة المغايرة هويّة للمعاني الاسميّة،

 
  صفحه 9  

ولكن مع إدخال تعديل وإصلاح جوهريّين على ما أفاده الأصحاب. وتظهر ثمرة هذا البحث في إمكان تقييد المعنى الحرفيّ بقرينة خاصّة وإمكان إثبات إطلاقه بقرينة الحكمة العامّة وعدمه.

هذا، إضافة إلى مباحث اُصوليّة اُخرى من قبيل إبطاله لحكومة الاُصول بعضها على بعض حينما تكون متوافقة في النتيجة، كحكومة استصحاب الطهارة على قاعدة الطهارة، أو الأصل السببيّ على الأصل المسبّبيّ الموافق له، وكذلك إبطاله لحكومة الأمارة على الأصل لدى توافقهما في النتيجة. وإبطاله أيضاً لما اشتهر من جريان أصالة الطهارة في ملاقي بعض أطراف الشبهة المحصورة، على تفصيل مذكور في محلّه(1).

ولا تفوتنا الإشارة إلى أنّ ما له الدخل في الامتياز الفقهيّ لا يختصّ بالتدقيق في علم الاُصول بل يشمل التدقيق في كافّة الجهات المؤثّرة في الفقه كعلم الرجال، فلابدّ من الالتفات أيضاً إلى ذلك وأمثاله.

 

الموضوعيّة على صعيد الهدف المحدّد للفقه:

ونقصد بالموضوعيّة في الهدف: كون الأثر الذي يتوخّاه الفقه ويريد تحقيقه من خلال حركة الاجتهاد وإنجازه في واقع الحياة متناسباً مع التخطيط الإلهيّ لتمكين المسلمين من تطبيق النظريّة الإسلاميّة في الحياة.

ومن الطبيعيّ أن يكون للموضوعيّة هذه في جانب الهدف آثارها وانعكاساتها على مختلف جوانب الحركة الفقيّة وسير عمليّة الاجتهاد، وفي ضوء طبيعة انعكاسات الهدف الذي يتوخّاه الفقيه ويؤمن به على حركة اجتهاده وعمليّة استنباطه يمكن أن نصوغ فكرتنا عن تجاهات ومعالم وطبيعة ذلك الفقه الذي سيشيّده ذلك الفقيه.

ولكي تتّضح انعكاسات الهدف على طبيعة الفقه وتجاهاته بوضوح يجب أن


(1) راجع مباحث الاُصول، الجزء الأوّل من القسم الثاني، ص 52 ـ 54.

  صفحه 10  

نميّز بين مجالين لتطبيق النظريّة الإسلاميّة للحياة: أحدهما: تطبيق النظريّة على مستوى الحلول والإجابات ذات العلاقة بالمجال الفرديّ بالقدر الذي يتّصل بسلوك الفرد وتصرّفاته وما يواجهه في حياته اليوميّة، والآخر: تطبيق النظريّة على مستوى الحلول والإجابات ذات العلاقة بالمجال الاجتماعيّ ومشاكل حياة الجماعة البشريّة وعلاقاتها الاجتماعيّة اقتصاديّة وسياسيّة.

وحركة الفقه بسبب ظروف تاريخيّة قاهرة عانت الانكماش في هدفها فلم تستهدف كلا مجالي التطبيق على حدّ سواء، واتّجهت في هدفها نحو المجال الأوّل فحسب، واقتصرت في الأغلب على معالجة ما يتّصل بسلوك الفرد وما يواجهه في حياته اليوميّة تأثّراً بظروف العزلة التي مرّت في حقبات التاريخ حيث واجه الفقه الإماميّ عزلاً سياسيّاً عن المجالات الاجتماعيّة نتيجة لارتباط أجهزة الحكم ومؤسّساته في العصور الإسلاميّة المختلفة وفي أكثر البلاد الإسلاميّة بالفقه السنّيّ ورجالاته الذي عمّق على مرّ الزمن شعوراً لدى الفقيه الإماميّ بأنّ مجاله الوحيد الذي يمكن أن ينعكس عليه فقهه من واقع الحياة ويستهدفه منها هو مجال التطبيق الفرديّ. وهكذا بسبب الانكماش في الهدف ارتبط الاجتهاد بصورة الفرد المسلم في ذهن الفقيه الإماميّ، لا بصورة المجتمع المسلم، واتّجه ذهن الفقيه حين الاستنباط غالباً إلى الفرد المسلم وحاجته إلى التوجيه بدلاً عن الجماعة المسلمة وحاجتها إلى تنظيم حياتها الاجتماعيّة، وهكذا وجد الإهمال في الساحة الفقهيّة للمواضيع ذات الصلة بالجانب التطبيقيّ الاجتماعيّ من حياة الاُمّة.

وقد امتدّ أثر الانكماش في الهدف وترسّخ النظرة الفرديّة إلى الشريعة أحياناً إلى طريقة فهم النصّ الشرعيّ أيضاً، لذا نجد صعوبة لدى البعض في استظهار مبدأ ولاية الفقيه المطلقة من النصوص الشرعيّة أو استغراباً فقهيّاً من الإفتاء بها، والغفلة عن فهم شخصيّة النبيّ أو الإمام كحاكم ورئيس للدولة، فإذا ورد أمر أو نهي عن النبيّ مثلاً كنهيه أهل المدينة عن منع فضل الماء فُهِمَ أنّه: إمّا نهي تحريم أو

 
  صفحه 11  

نهي كراهة، مع أنّه قد لايكون هذا ولا ذاك، بل قد يصدر النهي عن النبيّ بوصفه رئيساً للدولة ووليّاً للأمر، أو إذا فرض أمير المؤمنين أمراً كوضعه الزكاة على الخيل فقد يؤخذ كدليل على الحكم الشرعيّ الفقهيّ، بلا ملاحظة الإمام بوصفه رئيساً للدولة، في حين أنّه قد لا يريد من فرضه أمراً، حكماً شرعيّاً عامّاً، بل يريد إنشاء حكم ولائيّ بوصفه وليّاً للأمر. ومن آثار ترسّخ النظرة الفرديّة إلى الشريعة وارتباط الاجتهاد بصورة الفرد المسلم في ذهن الفقيه الإماميّ لا بصورة المجتمع والدولة الإسلاميّة ما نجده من تعيين الوظيفة بالنسبة إلى سهم الإمام من الخمس في عصر الغيبة; إذ يرى البعض وجوب حفظه والإيصاء به للمؤمنين إلى أن يظهر القائم فيخرجه أو يعطى له، ويرى الآخر صرفه في الأصناف الثلاثة من بني هاشم أو في مطلق الموالين والعارفين بحقّهم، وقال مشهور المتأخّرين بجواز صرفه في الموارد التي يحرز فيها رضاه...

وهذا الطرز من الاستنباط قائم على أساس أنّ سهم الإمام حاله حال سائر الأموال الشخصيّة، فأعمل القواعد المقرّرة التي تحدّد الوظيفة تجاه التصرّف في الأموال الشخصيّة، في حين يمكن فرض تلك الأموال ملكاً للإمام بما هو وليّ وحاكم في الدولة الإسلاميّة، أو فرضها ملكاً لمنصب الإمامة والولاية الشرعيّة، فيكون الوليّ الشرعيّ في كلّ زمان هو المتولّي الشرعيّ على صرفها، ويكون الفقيه في عصر الغيبة هو المتولّي على صرفها إمّا على أساس النصّ على ولاية الفقيه أو من باب الحسبة.

ومن ناحية اُخرى لم تعالج النصوص بروح التطبيق على الواقع واتّخاذ قاعدة منه، ولهذا سوّغ الكثير لأنفسهم أن يجزّئوا الموضوع الواحد ويلتزموا بأحكام مختلفة له، فقد بحثوا مسألة أنّ المستأجر هل يجوز له أن يؤجر العين باُجرة أكبر من الاُجرة التي دفعها هو حين الإيجار. وقد جاءت في هذه المسألة نصوص تنهى عن ذلك، والنصوص كعادتها في أغلب الأحيان جاءت لتعالج مواضيع خاصّة: فبعضها نهى عن ذلك في الدار المستأجرة، وبعضها نهى عن ذلك في الرحى

 
  صفحه 12  

والسفينة المستأجرة، وبعضها نهى عن ذلك في العمل المأجور، وحين ننظر إلى هذه النصوص بروح التطبيق على الواقع وتنظيم علاقة اجتماعيّة عامّة على أساسها سوف نتوقّف كثيراً قبل أن نلتزم بالتجزئة وبأنّ النهي مختصّ بتلك الموارد التي صرّحت بها النصوص دون غيرها، وأمّا حين ننظر إلى النصوص على مستوى النظرة الفرديّة لأعلى مستوى التقنين الاجتماعيّ فإنّنا نستسيغ هذه التجزئة بسهولة(1).

وهكذا أثّرت طبيعة الهدف المحدّد للفقه على عمليّة الاستباط وتحديد معالم الفقه، إلاّ أنّنا إذ ألقينا نظرة ولو خاطفة على الفقه الذي رسمته عمليّة الاجتهاد لدى سماحة السيّد المرجع ـ مدّ ظلّه ـ وحدّدت هدفه الذي يتوخّاه ويريد إنجازه في واقع الحياة لوجدناه متناسباً مع التخطيط الإلهيّ لتمكين المسلمين من تطبيق النظريّة الإسلاميّة في الحياة، وبمعنىً آخر: لوجدناه متحرّراً من حالة الانكماش في الهدف ومن ارتباط الاجتهاد لديه بصورة الفرد المسلم وحاجته إلى التوجيه بدلاً عن الجماعة المسلمة وحاجتها إلى تنظيم حياتها الاجتماعيّة والمدنيّة.

وهاك بعض الشواهد لذلك:

1 ـ انفتاح ذهنيّة سماحته ـ مدّ ظلّه ـ الفقهيّة على الدائرة الواسعة من الفقه بحيث امتدّت إلى مجالاته المهمّشة التي غفلت عنها الرؤية الرسميّة والاتّجاه التقليديّ في البحث، فسبر غورها بروح منفتحة ووعي معمّق، وفهم نصوصها بذوق عرفيّ وشرعيّ أصيل، وحاكم أدلّتها بأدوات فنّيّة غاية في الدقّة، فتجد أنّ أوّل تأليف ينجزه سماحته كان في علاج مبدأ مشروعيّة الدولة والأساس القانونيّ الذي ترتكز إليه في مشروعيّة سلطتها وحاكميّتها هو كتاب (أساس الحكومة الإسلاميّة)، وقد تمّ تأليفه قبل انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران، وهو دراسة استدلاليّة مقارنة بين


(1) انظر المقال المنسوب للمرجع الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر بعنوان الاتّجاهات المستقبلة لحركة الاجتهاد.

  صفحه 13  

الديمقراطيّة والشورى وولاية الفقيه، وقد صدرت طبعته الاُولى عام 1399 هـ، وانعكست أحدث تحقيقاته وأهمّ آرائه الجديدة في كتابه الآخر الذي ألّفه في نفس الاتّجاه وهو (ولاية الأمر في عصر الغيبة)، وهو بحث فقهيّ استدلاليّ تناول فيه سماحة المرجع أهمّ الأسئلة التي تثار على ولاية الأمر في عصر غيبة الإمام المنتظر عجّل الله فرجه، حيث عالج في المقدّمة شبهات عدم إمكان قيام الدولة الإسلاميّة في عصر الغيبة، ثمّ طرق أبحاثاً هامّة على صعيد الحكم وإدارة الدولة الإسلاميّة مثل الفقيه رئيساً للدولة الإسلاميّة في عصر الغيبة، ودور الانتخاب في الولاية، وشورى القيادة، والمرجعيّة والولاية، وقد صدرت الطبعة الاُولى من الكتاب عام 1414 هـ، كما ذكر آخر متبنّياته وما توصّل إليه في مجال ولاية الفقيه في كتاب البيع، كما بحث سماحته أهمّ مسائل الجهاد في كتاب (الكفاح المسلّح في الإسلام)، حيث بحث أهمّ المسائل ذات الصلة بالفقه السياسيّ والجنائيّ الإسلاميّ ممّا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقضايا العصر السياسيّة والقانونيّة والجنائيّة وقضايا الأمن الجماعيّ من قبيل مبدأ الثورة ضدّ الحاكم الضالّ المنحرف أو الذي يسعى لتطبيق النظم الجاهليّة، ومبدأ استعمال القوّة ضدّ البغاة من قبل الدولة الشرعيّة، ومبدأ مكافحة الجرائم المخلّة بالأمن الجماعيّ، وقد صدرت الطبعة الاُولى للكتاب عام 1403 هـ.

كلّ ذلك لأجل ممارسة الفقه على مستوى الحلول والإجابات ذات العلاقة بالمجال الاجتماعيّ ومشاكل حياة الجماعة البشريّة وعلاقاتها الاجتماعيّة.

2 ـ بحث سماحة السيّد المرجع ـ دام ظلّه ـ من وحي الحاجة الميدانيّة سيما بعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران وبروز الاستفهامات العلميّة المتعدّدة تجاه عدد من القضايا المتعلّقة بموضوعات القضاء وما يرتبط به من فروع بعض المسائل المهمّة في القضاء بحثاً فقهيّاً استدلاليّاً معمّقاً مثل وجوب القضاء، وشخصيّة القاضي، وطرق إثبات الدعاوى لدى القاضي، والحكم على الغائب، ومدى نفوذ حكم القاضي. وهذه ممارسة للفقه على مستوى التطبيقات ذات العلاقة

 
  صفحه 14  

بالمجال الاجتماعيّ ومشاكل حياة الجماعة البشريّة الحقوقيّة والنظام القضائيّ.

والذي يزيد في أهمّيّة هذا البحث ويميّزه عمّا سواه من البحوث التي طرقت نفس الباب ـ ونعدّه نتاج ذهنيّة سماحة السيّد المرجع الفقهيّة الواعية والمنفتحة على قضايا العصر ـ اشتماله على المقارنة العلميّة في جملة من بحوث القضاء بين مواقف الفقه الإسلاميّ والفقه الوضعيّ، فتجده مثلاً يقارن بين وجهة نظر الفقه الإسلاميّ والفقه الوضعيّ الحديث في مسألة حجّيّة علم القاضي والبيّنة وشرائطها. وكذا تطرّقه إلى حقوق المرأة ومنزلتها في الإسلام بمناسبة بحث شرط الذكورة في القاضي دافعاً عن الإسلام بعض الشبهات التي يثيرها أعداؤه في هذا المجال. وقد شرع سماحته في بحث القضاء ليلة 28 ربيع الأوّل عام 1403 هـ، وصدر بعد تدوينه عام 1415 هـ في كتاب باسم (القضاء في الفقه الإسلاميّ).

وقد بحث سماحة السيّد المرجع ـ مدّ ظلّه ـ في مجال آخر من مجالات الحاجة البشريّة إلى التشريع وهو فقه العقود والمعاملات بوصفه ركناً مهمّاً من أركان النظام الاقتصاديّ في الاُطروحة الإسلاميّة ممّا يمهّد لخلق الرؤية الفقهيّة اللازمة لتطبيق النظريّة الإسلاميّة في المجال الاقتصاديّ، وقد بحث سماحة السيّد ذلك بحثاً استدلاليّاً قيّماً، تطرّق في مقدّمته إلى الحديث عن (الملك) وتصوّرات عامّة عنه، وكذلك عن (المال) لمعرفة معناه المقصود في البحث، وكذلك عن (الحقّ) وحقيقته، ثمّ عن مفهوم (العقد) وحقيقته. وبدأ سماحته البحث في فقه العقود ضمن ثلاثة فصول: الأوّل في البحث عن إطلاقات أدلّة العقود، والثاني في أركان العقود وشرائطها، والثالث في بحث المقبوض بالعقد الفاسد. وقد صدر ضمن كتاب باسم (فقه العقود) في جزءين عام 1421 هـ.

وقد امتاز هذا البحث باشتماله على المقارنة بين الفقه الإسلاميّ والفقه الوضعيّ في القواعد العامّة للحقوق المدنيّة ممّا زاد في حيويّته وفائدته، فتجد المقارنة في المبحث الأوّل من الفصل الأوّل بين الفقه الغربيّ والفقه الإسلاميّ في كفاية ابراز

 
  صفحه 15  

ربط قرار بقرار بأيّ مبرز عرفيّ في العقد، والمقارنة في الفصل الثاني بين الفقه الغربيّ والفقه الإسلاميّ في أركان العقود وشرائطها.

3 ـ مضافاً إلى ما تقدّم فإنّ لسماحة السيّد المرجع ـ مدّ ظلّه ـ فقهه الذي واكب مسيرة الحركة الإسلاميّة السياسيّة والجهاديّة والفكريّة، وسدّد لها مواقفها في كثير من مجالات العمل السياسيّ والفكريّ ودوائر الصراع مع العدوّ الجاثم على ربوع البلاد الإسلاميّة، فقد غطّى سماحة السيّد بسعة دائرة هدف الفقه لديه، وعمق ودقّة ممارسته الفقهيّة دوائر حاجة الإسلاميّين بمختلف ألوانها وأصعدتها بدءاً بدائرة العمل في الساحة العراقيّة، ومروراً بدائرة المقاومة الباسلة في لبنان، وانتهاء بمستجدّات الأحداث العلميّة في مؤسّسات الجمهوريّة الإسلاميّة الفتيّة في إيران والشبهات الفكريّة والفقهيّة التي كانت تتطلّب موقفاً علميّاً وردّاً استدلاليّاً حاسماً، وكتاب (دليل المجاهد) وبحث الأعلميّة والقيادة، وبحث شبهة إنكار أن تكون الحكومة من حقّ النبيّ أو الإمام فضلاً عن الفقيه ـ وقد نشرت في ملحق كتاب المرجعيّة والقيادة ـ وغير ذلك من البحوث العلميّة المتعدّدة المنشورة في المجلاّت التخصّصيّة شاهد حيّ على ما نقول.

هذا، وقد امتدّت حدود الفقه عند سماحة السيّد إلى دائرة تطبيق النظريّة الإسلاميّة على مستوى الحلول والإجابات ذات العلاقة بالمجال الفرديّ بالقدر الذي يتّصل بسلوك الفرد وممارساته وما يواجهه في حياته اليوميّة أيضاً، فقد اجتمع لدى مكتب سماحتة العديد من الرزم من الاستفتاءات التي وجّهت إلى سماحته على مدى سنين طويلة مذيّلة بجواب سماحته، وقد طبع عدد منها في جزءين بعد تبويبها وتهذيب لغة أسئلتها باسم (الفتاوى المنتخبة) في عام 1417 وعام 1423 هـ، وقد عالجت الاُمور التي كانت محلاًّ للابتلاء من قبل المكلّفين في شتّى بقاع العالم، والذي يميّز هذه الفتاوى أنّها كانت وفي موارد عديدة تعالج المسائل المستجدّة في الحياة الفرديّة لدى المكلّفين كالتي تتعلّق بمسائل التمثيل والنشاطات السينمائيّة، وتغيير الجنس، وتعيين جنس الجنين، ومسألة اللجوء إلى البلدان الكافرة، والتعامل مع القوانين الحاكمة في

 
  صفحه 16  

الدول غير الإسلاميّة، والتعامل الاقتصاديّ مع البورصة، وبيع وشراء أو الوصيّة بأعضاء الإنسان، والاستنساخ البشريّ، والصيد والذباحة بالطرق الحديثة، وحدود نفوذ ولاية وليّ الأمر، والتلقيح الصناعيّ، وما شابه ذلك من اُمور مستحدثة.

4 ـ وقد امتاز المنحى الاستدلاليّ في الفقه لدى سماحة السيّد المرجع ـ مدّ ظلّه ـ بتحرّر ذهنيّته الفقهيّة عن النزعة التجزيئيّة في فهم النصوص الشرعيّة، وسلامة الفهم الفقهيّ عن النظرة الفرديّة إلى التشريع، والقدرة الفائقة على تطبيق ما حقّقه من مبان في الاُصول على عمليّة الاستنباط، إلى جانب الذوق العرفيّ السليم في فهم النصّ واستظهار معناه، فضلاً عن الإحاطة والمتابعة التامّة والرصد الدقيق للنتاج العلميّ المدنيّ وحاصل الحركة الفكريّة للذهنيّة الغربيّة، فتجده مثلاً يناقش في كتاب أساس الحكومة الإسلاميّة أفكار جان جاك روسو في كتابه العقد الاجتماعيّ ويسجّل ملاحظاته على مبدأ الديمقراطيّة كأساس للحكم، فينكر على بعض الكتّاب تأكيدهم نسبة الديمقراطيّة إلى الإسلام غافلين عن أنّها تتقاطع فكريّاً مع مبادئ الإسلام(1).

وتجده أيضاً في مناقشة ركنيّة سبب الإرادة في العقد في الفقه الغربيّ يستعرض مثلاً النظريّة التقليديّة والحديثة في السبب، ويشرح عوامل تكوّن البذور الأوّليّة للنظريّة التقليديّة في السبب في القانون المدنيّ الفرنسيّ والمصريّ، وثمّ يقول: إنّها هوجمت من قبل الفقيه البلجيكيّ (ارنست) عام 1828م، ثمّ هاجمها آخرون بلجيكيّون وفرنسيّون إلى أن جاء دور (بلانيول) وانحاز إلى خصوم السبب، وكان معولاً فعّالاً في هدمها. ثمّ يذكر: أنّه قد دافع الكثيرون عن النظريّة التقليديّة بعد تحويرها، وعلى رأس هؤلاء (كابيتان) في كتابه المعروف (السبب في الالتزامات)(2).


(1) انظر: أساس الحكومة الإسلاميّة، ص 17 ـ 25.

(2) انظر: فقه العقود، الجزء الأوّل، ص 335 ـ 340. وقد اعتمد سماحة السيّد في ذلك على كتاب الوسيط للسنهوريّ.

  صفحه 17  

إذن ببركة الدقّة والعمق في الجانب الفنّيّ من الفقه الذي تمثّله متانة أساليب الاستدلال وكذلك موضوعيّة الهدف الذي يتوخّاه ويريد إنجازه في واقع الحياةوتناسبه مع التخطيط الإلهيّ لتمكين المسلمين من تطبيق النظريّة الإسلاميّة في الحياة إضافة إلى المؤهّلات الذاتيّة لدى سماحة السيّد المرجع ـ مدّظلّه ـ تطوّرت حركة الفقه وتعمّقت عمليّة الاجتهاد في فقه سماحته، وامتدّ الفقه في سيره الامتداد الاُفقيّ ليستوعب كلّ مجالات الحياة، وتحوّل الاتّجاه نحو تبرير التعامل مع الواقع الفاسد إلى تجاه جهاديّ نحو تغيير الواقع الفاسد وتقديم البديل الفكريّ الكامل عنه من وجهة نظر الإسلام، ومحى في مفهوم حركة الاجتهاد أيّ تصوّر ضيّق للشريعة، وأزال من الذهنيّة الفقهيّة كلّ آثار ذلك الضيق وانعكاساته على البحث الفقهيّ.

 

ثانياً: تعريف موجز بالكتاب:

أمّا الكتاب الذي اختاره سماحة السيّد المرجع ـ مدّ ظلّه ـ للتعليق عليه فهو الرسالة العمليّة للمرجع الراحل آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم والمسمّاة بمنهاج الصالحين، وقد وقع اختيار سماحة السيّد على هذا الكتاب لأجل اختيار اُستاذه المرجع الشهيد آية الله العظمى السيّد محمّد باقر الصدر لهذا الكتاب للتعليق عليه، فكان ذلك يسهّل على سماحة السيّد إن أراد بيان جوانب الاختلاف أو الاتّفاق في الفتوى مع اُستاذه في كلّ مسألة من المسائل.

أمّا اختياره للجزء الثاني من الكتاب الخاصّ بالمعاملات دون الجزء الأوّل الخاصّ بالعبادات فلأجل أنّ سماحة السيّد ـ مدّ ظلّه ـ قد كتب فتاواه في العبادات في تعليقته على كتاب (الفتاوى الواضحة) لاُستاذه الشهيد وقد حوى الكتاب: التقليد والاجتهاد والطهارة والصلاة والصيام والاعتكاف والحجّ والعمرة والكفّارات، وأتمّها بكتاب (مباني فتاوى في الأموال العامّة) الذي حوى فتاوى سماحته مع استدلال موجز لها في الزكاة وزكاة الفطرة والخمس والفيء والأنفال، وأراد سماحته

 
  صفحه 18  

أن يملأ الفراغ الحاصل في باب المعاملات فوقع اختياره على الكتاب المذكور.

ولأجل اتّساع حجم الكتاب بسبب تعليقات سماحة السيّد وتذييلها في كثير من الأحيان بمختصر من الاستدلال أو بسبب إضافة شرح وتوضيح لمقصود الماتن التي جاءت عبارته غير واضحة في موارد عديدة تمّ تجزئته إلى قسمين: القسم الأوّل منه يبدأ من كتاب التجارة إلى نهاية كتاب الوصيّة، وسيكون الجزء الثاني ـ إن شاء الله تعالى ـ من كتاب الوقف إلى آخر كتاب الإرث.

هذا، وقد يجد القارئ الكريم من غير الدارسين للفقه بعض الصعوبة في فهم بعض العبائر أو الفقرات من تعليقات سماحة السيّد مدّ ظلّه، وهذا يعود إلى اعتماد سماحته العبائر العلميّة والتركيبات الفقهيّة المتداولة في لغة الفقه التي لا يمكن للفقيه في كثير من الأحيان أن يستغني عنها إذا أراد بيان مقصوده بشكل علميّ ودقيق، سيّما إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ سماحة السيّد يرى أنّه بحاجة إلى بيان دليله في موارد مخالفة فتواه لفتوى المشهور أو فتوى اُستاذه أو فتوى صاحب المتن، فلا سبيل إلى ذلك إلاّ اعتماد لغة الفقه والاستلال المتداولة في الكتب الفقهيّة، وهي لغة عسيرة الفهم في كثير من فقراتها وتراكيبها واصطلاحاتها على عموم المثقّفين والقرّاء الكرام.

ولذا نوصي إخواننا الكرام بمراجعة الفضلاء من السادة والمشايخ ممّن يسهل الاتّصال بهم من أساتذة الحوزة العلميّة المباركة للاستعانة بهم في فهم ما قد يصعب فهمه من فقرات أو عبائر الكتاب أو التعليقة المثبّتة في هامشه، آملين أن تكون هذه الفتاوى موضع اهتمام ومطالعة سائر المكلّفين لأجل تحصيل التفقّه في الدين والتقيّد بشريعة سيّد المرسلين ، فإنّه ورد عن الصادقين: «إذا أراد الله بعبد خيراً فقّهه في الدين» و«الكمال كلّ الكمال التفقّه في الدين»(1).

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.


(1) الكافي للكليني ، ج 1، ص 32، ح 3 و4.

  صفحه 19  

 
  صفحه 20  

 

 
  صفحه 21  

المعاملات

 

Ο التجارة.

Ο الشفعة.

Ο الإجارة.

Ο المزارعة والمساقاة.

Ο الجعالة.

Ο السبق والرماية.

Ο الشركة.

Ο المضاربة.

Ο الوديعة.

Ο العارية.

Ο اللقطة.

Ο الغصب.

Ο إحياء الموات.

Ο الدين.

Ο الرهن.

Ο الحجر.

Ο الضمان.

Ο الصلح.

Ο الإقرار.

Ο الوكالة.

Ο الهبة.

Ο الوصيّة.

Ο الوقف.

Ο النكاح.

Ο الطلاق.

Ο الظهار.

Ο الإيلاء.

Ο اللعان.

Ο الأيمان.

Ο الصيد والذباحة.

Ο الأطعمة والأشربة.

Ο الميراث.

 
  صفحه 22  

 

 
  صفحه 23  

المعاملات


1

 

كتاب التجارة

 

وفيه مقدّمة وفصول:


Ο مقدّمة.

Ο شروط العقد.

Ο شروط المتعاقدين.

Ο شروط العوضين.

Ο الخيارات.

Ο أحكام الخيار.

Ο ما يدخل في المبيع.

Ο التسليم والقبض.

Ο النقد والنسيئة.

Ο الربا.

Ο بيع الصرف.

Ο السَلَف.

Ο بيع الثمار والخضر والزرع.

Ο خاتمة في الإقالة.

 
  صفحه 24  

 

 
  صفحه 25  

 

 

 

 

 

مقدّمة

التجارة في الجملة من المستحبّات الأكيدة في نفسها، وقد تستحبّ لغيرها، وقد تجب كذلك إذا كانت مقدّمةً لواجب أو مستحبّ، وقد تكره لنفسها أو لغيرها، وقد تحرم كذلك.

 

[المعاملات المحرّمة:]

والمحرَّم منها أصناف. وهنا مسائل:

( مسألة: 1) تحرم ولا تصحّ التجارة بالأعيان النجسة(1) كالخمر وباقي


(1) أفاد اُستاذنا الشهيد في تعليقه على المتن في هذا المورد(1): «الظاهر جواز البيع وسائر المعاوضات في الأعيان النجسة إذا كانت لها منفعة محلّلة شرعاً، إلاّ المسكر والخنزير والكلب غير الصيود، والأحوط ذلك في الميتة أيضاً وإن كان الجواز في الميتة لا  يخلو من وجه».

أقول: الوجه في جواز بيع الميتة لدى المنفعة المحلّلة ضعف رواية السكونيّ الناهية عن ثمن الميتة بسبب النوفليّ. وهي الرواية الخامسة من الباب الخامس ممّا يكتسب به من الوسائل، ج 17 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ص 93، وفي سند الصدوق وقع موسى بن عمر الصيقل، وعليه فلو كانت للميتة منفعة محلّلة فالظاهر جواز بيعها وإن كان الأحوط الترك.


(1) يشير سماحة السيّد (مدّ ظلّه) بهذه العبارة وسائر العبائر المماثلة التي سترد إلى تعليقة اُستاذه المرجع الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر على هذا الكتاب (من المكتب).

  صفحه 26  

المسكرات والميتة والدم وغيرها، ولا فرق بين أن يكون لها منفعة محلَّلة مقصودة كالتسميد بالعذرة أو لا، كما لا فرق في الحرمة بين بيعها وشرائها وجعلها اُجرة في الإجارة، وعوضاً عن العمل في الجعالة، ومهراً في النكاح، وعوضاً في الطلاق الخلعي، وغير ذلك من الموارد التي يعتبر فيها المال ; لأنّها ليست أموالا شرعاً وإن كانت أموالا عرفاً. نعم، يستثنى من ذلك العصير العنبي إذا غلى قبل ذهاب ثلثيه بناءً على نجاسته، وكلب الصيد، والعبد الكافر وإن كان مرتدّاً عن فطرة، فإنّ هذه الاُمور تجوز التجارة بها فضلا عن غيرها من أنواع المعاوضة. وفي إلحاق كلب الماشية والزرع بكلب الصيد إشكال، والمنع أظهر.

( مسألة: 2) الأعيان النجسة التي لايجوز بيعها ولا المعاوضة عليها لايبعد ثبوت حقّ الاختصاص لصاحبها فيها، فلو صار خلّه خمراً، أو دابّته ميتةً، أو اصطاد كلباً غير كلب الصيد لايجوز أخذ شيء من ذلك قهراً عليه، وكذا الحكم في بقيّة الموارد، وتجوز المعاوضة على الحقِّ المذكور فيُبذَل له مال في مقابله ويحلّ ذلك المال له(1).

( مسألة: 3) الميتة الطاهرة كميتة السمك والجراد يجوز بيعها والمعاوضة عليها إذا كان لها منفعة محلّلة معتدّ بها عند العرف بحيث يصحّ عندهم بذل المال بإزائها.

( مسألة: 4) يجوز بيع ما لا تُحلّه الحياة من أجزاء الميتة إذا كانت له منفعة محلّلة معتدّ بها، كما تقدّم.

( مسألة: 5) يجوز الانتفاع بالأعيان النجسة في غير الجهة المحرّمة، مثل التسميد


(1) الأحوط وجوباً عدم حلّيّة المال المبذول بهذا العنوان في مقابل المسكر والخنزير والكلب غير الصيود والميتة حينما لم نجوّز بيعها.

  صفحه 27  

بالعَذرات، والإشعال، والطلي بدهن الميتة النجسة، والصبغ بالدم، وغير ذلك.

( مسألة: 6) يجوز بيع الأرواث الطاهرة إذا [كانت] لها منفعة محلَّلة معتدّ بها كما هي كذلك اليوم، وكذلك الأبوال الطاهرة.

( مسألة: 7) الأعيان المتنجّسة كالدبس والعسل والدهن والسكنجبين وغيرها إذا لاقت النجاسة يجوز بيعها والمعاوضة عليها إن كان لها منفعة محلَّلة معتدّ بها عند العرف، فلو لم يكن لها منفعة كذلك لايجوز بيعها ولا المعاوضة عليها، والظاهر بقاؤها على الملكيّة لمالكها، ويجب إعلام المشتري بنجاستها.

( مسألة: 8) تَحرم ولا تصحّ التجارة بما يكون آلةً للحرام بحيث يكون المقصود منه غالباً الحرام، كالمزامير، والأصنام، والصلبان، والطبول، وآلات القمار كالشطرنج ونحوه، والظاهر أنّ منها صندوق حبس الصوت(1). أمّا (الراديو) فليس منها فيجوز بيعه، كما يجوز أن يستمع منه الأخبار وقراءة القرآن والتعزية ونحوها ممّا يباح استماعه. أمّا (التلفزيون) فالمستعمل منه في بلادنا معدود من آلات اللهو المثيرة للشهوات الشيطانيّة، فلا يجوز بيعه; لحرمة منافعه غالباً(2)،


(1) ليس هذا من أدوات اللهو، بل هو أداة لحبس الصوت، فيمكن حبس الصوت المحرّم فيه، ويمكن حبس الصوت المحلّل. وإن كان حين البيع مشتملاً على الصوت المحرّم، أمكن للمشتري محوه والاستفادة المحلّلة من الجهاز.

(2) الظاهر أنّ الضابط في كون شيء آلةً للَّهو وللحرام كونه بحسب طبعه ذا منفعة لهويّة غالبة على سائر منافعه، وأمّا إذا كانت نسبته إلى اللهو وغيره في نفسه على نحو واحد غير أنّه استعمل خارجاً في اللهو أكثر ممّا استعمل في غيره، فلا يكفي هذا في صدق عنوان آلات اللهو عليه عرفاً. ومن هذا القبيل التلفزيون كما أفاد ذلك اُستاذنا الشهيد في تعليقه على المتن في هذا المورد، ولكن مع هذا لا  نسمح باشترائه للاتّخاذ

  صفحه 28  

وأمّا استعماله والنظر فيه فلا بأس به إذا كان لايثير شهوة، بل كان فيه فائدة علميّةأو ترويح النفس. وإذا اتّفق أن صارت فوائده المحلّلة المذكورة كثيرة الوقوع جاز بيعه ويكون كالراديو. وأمّا آلة تسجيل الصوت فلا بأس ببيعها واستعمالها.

( مسألة: 9) كما يحرم بيع الآلات المذكورة يحرم عملها وأخذ الاُجرة عليها، بل يجب إعدامها ولو بتغيير هيئتها(1)، ويجوز بيع مادّتها من الخشب والنحاس والحديد بعد تغيّر هيئتها، بل قبله، لكن لا يجوز دفعها إلى المشتري إلاّ مع الوثوق بأنّ المشتري يغيِّرها أو يمنعها من أن يترتّب عليها الفساد، أمّا مع عدم الوثوق بذلك فالظاهر جواز البيع وإن أثِم بترك التغيير مع انحصار الفائدة في الحرام، أمّا إذا كان لها فائدة ولو قليلة لم يجب تغييرها.

( مسألة: 10) تحرم ولا تصحّ المعاملة بالدراهم الخارجة عن السكّة المعمولة لأجل غشّ الناس، فلا يجوز جعلها عوضاً أو معوّضاً عنه في المعاملة مع جهل من تدفع إليه، أمّا مع علمه ففيه إشكال، والأظهر الجواز، بل الظاهر جواز دفع الظالم بها من دون إعلامه بأنّها مغشوشة، وفي وجوب كسرها إشكال، والأظهر عدمه.

( مسألة: 11) يجوز بيع السباع كالهرّ والأسد والذئب ونحوها إذا كانت لها منفعة محلّلة معتدّ بها، وكذا يجوز بيع الحشرات والمسوخات إذا كانت كذلك، كالعَلَق الذي يمصّ الدم، ودود القزّ، ونحل العسل، والفيل. أمّا إذا لم تكن لها منفعة كذلك فلا يجوز بيعها ولا يصحّ.


     والاستعمال في البيت إن كان يؤدّي ذلك إلى الاستفادات المحرّمة في البيت، أمّا البيع والشراء التجاريّ له فجائز.

(1) إذا توقّف المنع من استعمالها ومن نشوء الفساد بسببها على ذلك، وقد أفاد ذلك اُستاذنا في تعليقه على هذا المقام.

  صفحه 29  

( مسألة: 12) المراد بالمنفعة المحلّلة المجوِّزة للبيع: الفائدة المحلّلة المحتاج إليها حاجةً كثيرةً غالباً الباعثة على تنافس العقلاء على اقتناء العين، سواء أكانت الحاجة إليها في حال الاختيار أم في حال الاضطرار، كالأدوية والعقاقير المحتاج إليها للتداوي مع كثرة المرض الموجب لذلك(1).

( مسألة: 13) المشهور المنع عن بيع أواني الذهب والفضّة للتزيين، أو لمجرّد الاقتناء، والأقوى الجواز(2).

( مسألة: 14) يحرم ولا يصحّ بيع المصحف الشريف على الكافر، وكذا


(1) أو الاهتمام النوعيّ بالتحفّظ منه ولو لم يقع كثيراً، كما هو الحال في الأدوية التي تستعمل للوقاية من الوباء ولو كانت الإصابة الفعليّة به قليلةً جدّاً. هذا ما علّق به اُستاذنا الشهيد على المتن.

وأقول: قد يتّفق أنّ المسألة ليست مسألة الاهتمام النوعيّ لا  بالتحفّظ ولا بالمداواة، وإنّما المسألة مسألة منفعة شخصيّة نادرة وحاجة خاصّة عرضت لشخص مّا، كما لو احتاج شخص صدفةً إلى حشرة لمداواة نادرة بها غير مألوفة، أو لجعلها تحت التجزئة والتحليل لاستفادة علميّة، أو لغير ذلك، وكانت تلك الحشرة نادرة الوجود، فوجدت صدفةً لدى زيد وكان له حقّ الاختصاص بالاستيلاء، فمثل هذا الحقّ، ومثل هذه الفائدة يصحّح البيع والشراء الذي احتاجها.

وهدفنا من هذا المثال إعطاء الفكرة الكلّيّة للأمر في المقام، وبيان أنّ المنفعة المحلّلة ليست منحصرة في الضابط الذي اُعطي في المتن، ولا الذي اُعطي في تعليق اُستاذنا .

(2) الأحوط وجوباً عدم شراء أواني الذهب والفضّة للتزيين(1)، ولكن هذا لا  يوجب بطلان البيع; لأنّ لهما منفعة محلّلة ولو بلحاظ مادّتهما.


(1) عملاً بإطلاق صحيحة موسى بن بكر، عن أبي الحسن موسى : «آنية الذهب والفضّة متاع الذين لا  يوقنون». الوسائل، ب 65 من النجاسات، ح 4.

  صفحه 30  

تمكينه منه(1)، بل الأحوط وجوباً حرمة بيعه على المسلم(2)، فإذا اُريدالمعاوضة عليه فلتجعل المعاوضة على الغلاف ونحوه، والأحوط منه أن تكون المعاوضة بنحو الهبة المشروطة بعوض. وأمّا الكتب المشتملة على الآيات والأدعية وأسماء الله تعالى فالظاهر جواز بيعها على الكافر فضلا عن المسلم، وكذا كتب الأخبار عن المعصومين ، كما يجوز تمكينه منها.

( مسألة: 15) يحرم ولا يصحّ بيع العنب أو التمر ليعمل خمراً(3)، أو الخشب ـ  مثلا  ـ ليعمل صنماً(4)، أو آلة لهو(5)، أو نحو ذلك، سواء أكان تواطؤهما على ذلك في ضمن العقد أم في خارجه، وكذا تحرم ولا تصحّ إجارة المساكن ليباع فيها الخمر، أو يحرز فيها، أو يعمل فيها شيء من المحرَّمات. وكذا تحرم ولا تصحّ إجارة السفن أو الدوابّ أو غيرها لحمل الخمر، والثمن والاُجرة في ذلك محرَّمان. وأمّا بيع العنب ممّن يعلم أنّه يعمله خمراً، أو إجارة المسكن ممّن يعلم أنّه يحرز فيه الخمر، أو يعمل شيئاً من المحرّمات من دون تواطئهما على ذلك في عقد البيع أو الإجارة أو قبله فقيل: إنّه حرام، وهو أحوط، والأظهر الجواز على كراهيّة.

( مسألة: 16) يحرم تصوير ذوات الأرواح من الإنسان والحيوان إذا كانت مجسّمة، ويحرم أخذ الاُجرة عليه، والأحوط ذلك في غير المجسّمة وإن كان


(1) بل قد يكون تمكينه من المصحف الشريف موجباً لهدايته.

(2) هذا الاحتياط ليس وجوبيّاً.

(3) لا  يبعد صحّة البيع، غير أنّه لو شرط عليه صنع الخمر فالشرط فاسد بلا إشكال.

(4) بل لا  يبعد كفاية مجرّد العلم بأنّه سيعمله صنماً، أو صليباً، أو نحو ذلك من شعارات الكفر في الحرمة.

(5) لا  يبعد صحّة البيع. نعم، الشرط فاسد بلا إشكال.

  صفحه 31  

الأظهر الجواز. أمّا تصوير غير ذوات الأرواح كالشجر وغيره فلا بأس، ويجوز أخذ الاُجرة عليه، كما لا بأس بالتصوير الفوتُغرافيّ المتعارف في عصرنا، ومثله تصوير بعض الصورة كالرأس والرجل ونحوهما ممّا لا يعدّ تصويراً للصورة الناقصة، أمّا إذا كان كذلك مثل تصوير شخص مقطوع الرأس أو مقطوع الرجل ففيه إشكال، أمّا لو كان تصويراً له على هيئة خاصّة مثل تصويره جالساً أو واضعاً يديه إلى خلفه أو نحو ذلك ممّا يعدّ تصويراً تامّاً فالظاهر هو الحرمة إذا كانت مجسّمة، ويجوز على كراهيّة اقتناء الصور وبيعها وإن كانت مجسّمةً وذوات أرواح.

( مسألة: 17) الغناء حرام إذا وقع على وجه اللهو والباطل، وكذا  استماعه، والمراد منه: ترجيع الصوت على نحو خاصٍّ وإن لم يكن مطرباً(1)، ولا فرق في حرمته بين وقوعه في قراءة ودعاء ورثاء وغيرها، ويستثنى منه الحداء، وغناء النساء في الأعراس إذا لم يضمّ إليه محرّم آخر من: الضرب بالطبل، والتكلّم بالباطل، ودخول الرجال على النساء، وسماع أصواتهنّ على نحو يوجب تهيّج الشهوة(2)، وإلاّ حرم ذلك.

( مسألة: 18) معونة الظالمين في ظلمهم بل في كلِّ محرّم حرام، أمّا معونتهم في غير المحرّمات من المباحات والطاعات فلا بأس بها إلاّ أن يعدَّ ذلك  من أعوانهم والمنسوبين إليهم فتحرم.


(1) نحن نرى: أنّ مقياس الحرمة في الغناء ليس هو ترجيع الصوت بنحو خاصّ، ولا الطرب، وإنّما المقياس هو عنوان اللهو، فلو فرض ـ مثلاً ـ أنّ المجموع المركّب من الترجيع والمضمون يوجد الطرب بشأن مديح أهل البيت، ولم يكن يناسب مجالس اللهو، فلا دليل على حرمته.

(2) بل حتّى ما لا  يوجب تهييج الشهوة لو كان يعدّ ممّا يناسب مجالس اللهو، كان حراماً، من دون استثناء غناء النساء في الأعراس، ولا الحداء، ولا أيّ استثناء آخر.

  صفحه 32  

( مسألة: 19) اللعب بآلات القمار: كالشطرنج، والدوملة، والطاولي، وغيرها ممّا اُعدّ لذلك حرام مع الرهن، ويحرم أخذ الرهن أيضاً ولا يملكه الغالب، ولا يبعد تحريم اللعب بها إذا لم يكن رهن(1). أمّا اللعب بغيرها مع الرهن: كالمراهنة على حمل الحجر الثقيل، أو على المصارعة، أو على الطفرة، أو نحو ذلك فلا إشكال في حرمة أخذ الرهن، وفي حرمة نفس المراهنة والمغالبة إشكال، والأحوط الترك(2). وأمّا إذا لم يكن رهن فالأظهر الجواز، والأحوط الترك، وكذا  إذا كانت المغالَبة برهن يرجع إلى جهة مباحة لا إلى الغالب(3). والمراد بالقمار: ما تتوقّف الغلبة فيه على إعمال الفكر وقوّته(4).

( مسألة: 20) عمل السحر حرام، وكذا تعليمه، وتعلّمه، والتكسّب به. والمراد منه: ما يوجب الوقوع في الوهم بالغلبة على البصر، أو السمع، أو غيرهما، وفي كون تسخير الجنّ، أو الملائكة، أو الإنسان من السحر إشكال، والأظهر تحريم ما كان مضرّاً بالغير(5) دون غيره.

( مسألة: 21) القيافة حرام(6)، وهي إلحاق الناس بعضهم ببعض استناداً إلى


(1) على الأحوط.

(2) بل هو الأظهر.

(3) في العبارة غموض. وعلى كلّ حال، فكلّ مراهنة ورهان حرام غير ما نصّ على جوازه، كما في السبق والرماية الشرعيّتين.

(4) لا  يتوقّف عنوان القمار على ذلك.

(5) ممّن يحرم الإضرار به.

(6) أفاد اُستاذنا الشهيد ـ ونِعْم ما أفاد ـ في التعليق على ذلك: أنّ الحرمة إنّما تكون فيما إذا اقتضت القيافة التعويل على الظنّ، أو على تولّد لم يثبت كونه بوجه مشروع، وأمّا

إذا اُحرز النسب الشرعيّ بوجه قطعيّ عن طريق القرائن والعلامات، فلا بأس بالتعويل على ذلك، وكذلك الأمر في الطرق العلميّة الحديثة.

  صفحه 33  

علامات خاصّة.

( مسألة: 22) الشعبذة حرام(1)، وهي إراءة غير الواقع واقعاً بسبب الحركة السريعة الخارجة عن العادة.

( مسألة: 23) الكَهانة حرام(2)، وهي الإخبار عن المغيّبات بزعم أنّه يخبره به بعض الجانّ. أمّا إذا كان اعتماداً على بعض الأمارات الخفيّة، فالظاهر أنّه لا بأس به.

( مسألة: 24) النَجَش حرام(3)، وهو: أن يزيد الرجل في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها، بل لأنْ يسمعه غيره، فيزيد لزيادته، سواء أكان ذلك عن مواطأة مع البائع أم لا.

( مسألة: 25) التنجيم حرام، وهو الإخبار عن الحوادث مثل: الرخص والغلاء والحرّ والبرد ونحوها استناداً إلى الحركة الفلكيّة والطوارئ الطارئة على الكواكب من الاتّصال بينها أو الانفصال أو الاقتران أو نحو ذلك باعتقاد تأثيرها في الحادث على وجه ينافي الاعتقاد بالدين.

( مسألة: 26) الغشّ حرام، قال رسول الله : «من غشّ أخاه المسلم نزع الله بركة رزقه، وسدّ عليه معيشته، ووَكَله إلى نفسه». ويكون الغشّ بإخفاء الأدنى في الأعلى كمزج الجيِّد بالرديء، وبإخفاء غير المراد بالمراد كمزج الماء باللبن،


      إذا اُحرز النسب الشرعيّ بوجه قطعيّ عن طريق القرائن والعلامات، فلا بأس بالتعويل على ذلك، وكذلك الأمر في الطرق العلميّة الحديثة.

(1) حرمتها ليست ذاتيّة. نعم، قد ينطبق عليها عنوان محرّم، كالإضرار بالمسلم ونحوه.

(2) على الأحوط.

(3) في حرمته إشكال.

  صفحه 34  

وبإظهار الصفة الجيِّدة مع أنّها مفقودة واقعاً، مثل رشّ الماء على بعضالخضراوات ليتوهّم أنّها جديدة، وبإظهار الشيء على خلاف جنسه، مثل طلي الحديد بماء الفضّة أو الذهب ليتوهّم أنّه فضّة أو ذهب. وقد يكون بترك الإعلام مع ظهور العيب وعدم خفائه، كما إذا اعتمد المشتري على البائع في عدم إعلامه بالعيب فاعتقد أنّه صحيح(1) ولم ينظر في المبيع ليظهر له عيبه، فإنّ عدم إعلام البائع بالعيب مع اعتماد المشتري عليه غشّ للمشتري.

( مسألة: 27) الغشّ وإن حرم لا تفسد المعاملة به، لكن يثبت الخيار للمغشوش، إلاّ في بيع المطليِّ بماء الذهب أو الفضّة، فإنّه يبطل فيه البيع ويحرم الثمن على البائع، وكذا أمثاله ممّا كان الغشّ فيه موجباً لاختلاف الجنس.

( مسألة: 28) لا تصحّ الإجارة على العبادات التي لاتشرع إلاّ أن يفعلها الأجير عن نفسه مجّاناً، واجبهً كانت أو مستحبّة، عينيّةً كانت أو كفائيّة، فلو استأجر شخصاً على فعل الفرائض اليوميّة أو نوافلها، أو صوم شهر رمضان، أو حجّ الإسلام، أو تغسيل الأموات أو تكفينهم أوالصلاة عليهم، أو غير ذلك من العبادات الواجبة أوالمستحبّة لم تصحّ الإجارة إذا كان المقصود أن يفعلها الأجير عن نفسه. نعم، لو استأجره على أن ينوب عن غيره في عبادة من صلاة أو غيرها إذا كان ممّا تشرع فيه النيابة جاز، وكذا لو استأجره على الواجب غير العباديّ كوصف الدواء لمريض أو العلاج له أو نحو ذلك فإنّه يصحّ، وكذا لو استأجره لفعل الواجبات التي يتوقّف عليها النظام، كتعليم بعض علوم الزراعة والصناعة والطبّ. ولو استأجره لتعليم الحلال والحرام فيما هو محلّ الابتلاء فالأظهر البطلان(2) وحرمة الاُجرة،


(1) مع ظهور حال البائع في قبوله بهذا الاعتماد.

(2) رأينا في أخذ الاُجرة على الواجبات ما يلي:

  صفحه 35  

وفي عموم الحكم لما لا يكون محلاًّ للابتلاء إشكال، والأظهر الجواز والصحّة.

( مسألة: 29) يحرم النوح بالباطل يعني الكذب، ولا بأس بالنوح بالحقّ.

( مسألة: 30) يحرم هجاء المؤمن، ويجوز هجاء المخالف، وكذا الفاسق المبتدِع لئلاّ يؤخذ ببدعته.

( مسألة: 31) يحرم الفحش(1) من القول، وهو ما يستقبح التصريح به إذا كان في الكلام مع الناس غير الزوجة، أمّا معها فلا بأس به(2).



أوّلاً: عباديّة العبادة لا  تنافي أخذ الاُجرة عليها، فلو كان للمستأجر غرض عقلائيّ في ذلك ينتفع به، صحّ الاستيجار، من قبيل ما لو كانت العبادة مستحبّة وكان الغرض العقلائيّ للمستأجر جعلها واجبة على الأجير كي يلتزم بها، وكان التزامه بها يُدخل الفرح والسرور على المستأجر.

ثانياً: وجوب الواجب حينما لا  يوجد للمستأجر غرض عقلائي غير فرحه بسقوط الواجب عن ذمّة الأجير يمنع عن صحّة الإيجار، ويكون أخذ الاُجرة منه أكلاً للمال بالباطل.

ثالثاً: حينما تترتّب منفعة محلّلة على عمل الأجير للمستأجر غير مجرّد رغبته في سقوط الواجب عن ذمّة الأجير، صحّ الإيجار، ومثاله: ما لو كان الواجب كفائيّاً فأراد المستأجر أن يُسقط الوجوب عن نفسه بفعل الأجير، فيجوز استئجاره للعمل. ومثال آخر: مالو كان الواجب عبارة عن التعليم والمستأجر يستفيد من التعلّم، فيستأجره لتعليمه إيّاه، فهذا الإيجار صحيح حتّى ولو فرض أنّ التعليم أصبح كالواجب العينيّ على المستأجر.

(1) بمعنى الاعتياد عليه.

(2) هذا في الفحش الذي ينشأ استقباحه من الحياء، وأمّا ما يستقبح بقطع النظر عن الحياء، فلا فرق بين التكلّم به مع الزوجة أو غيرها. وهذا من إفادات اُستاذنا في تعليقه على المتن هنا.

  صفحه 36  

( مسألة: 32) تحرم الرشوة على القضاء بالحقّ أو الباطل، وأمّا الرشوة علىاستنقاذ الحقّ من الظالم فجائزة وإن حرم على الظالم أخذها.

( مسألة: 33) يحرم حفظ كتب الضلال مع احتمال ترتّب الضلال لنفسه أو لغيره، فلو أمن من ذلك أو كانت هناك مصلحة أهمّ جاز، وكذا يحرم بيعها ونشرها، ومنها الكتب الرائجة من التوراة والإنجيل وغيرها، هذا مع احتمال التضليل بها.

( مسألة: 34) يحرم تزيين الرجل بالذهب وإن لم يلبسه(1)، ولو تزيّن بلبسه تأكّد التحريم.

( مسألة: 35) يحرم الكذب، وهو الإخبار بما ليس بواقع، ولا فرق في الحرمة بين ما يكون في مقام الجدّ وما يكون في مقام الهزل(2). نعم، إذا تكلّم بصورة الخبر هزلا بلا قصد الحكاية والإخبار فلا بأس به، ومثله التورية(3) بأن يقصد من الكلام معنىً له واقع ولكنّه خلاف الظاهر. كما أنّه يجوز الكذب لدفع الضرر عن نفسه أو عن المؤمن، بل يجوز الحلف كاذباً حينئذ، ويجوز الكذب أيضاً للإصلاح بين المؤمنين، والأحوط الاقتصار فيهما على صورة عدم إمكان التورية. وأمّا الكذب في الوعد بأن يخلف في وعده، فالظاهر جوازه(4) على كراهة شديدة.


(1) بل الحرام هو اللبس.

(2) إذا لم ينصب قرينة متّصلة على الهزل.

(3) لا  فرق في الحرمة بين التورية والكذب، ومتى ما جازت التورية جاز الكذب.

(4) الوعد يعود في كثير من الأحيان إلى التعهّد، وعندئذ يحرم خلفه إلاّ برضا المتعهّد له، وفي كثير من الأحيان يعود إلى التعاقد بينه وبين الموعود له، وعندئذ يحرم أيضاً خلفه إلاّ بموافقة الموعود له، فإن لم يرجع لا  إلى هذا ولا إلى ذاك، جاز خلفه.

  صفحه 37  

نعم، لو كان حال الوعد بانياً على الخُلف، فالظاهر حرمته(1)، إلاّ إذا كان قد وعد أهله بشيء وهو لا يريد أن يفعله(2).

( مسألة: 36) تحرم الولاية من قبل السلطان الجائر، إلاّ مع القيام بمصالح المؤمنين، وعدم ارتكاب ما يخالف الشرع المبين، ويجوز أيضاً مع الإكراه من الجائر بأن يأمره بالولاية ويتوعّده على تركها بما يوجب الضرر بدنيّاً أو ماليّاً عليه، أو على من يتعلّق به بحيث يكون الإضرار بذلك الشخص إضراراً بالمكرَه عرفاً كالإضرار بأبيه، أو أخيه، أو ولده، أو نحوهم ممّن يهمّه أمرهم.

( مسألة: 37) مايأخذه السلطان المخالف المدّعي للخلافة العامّة من الضرائب المجعولة على الأراضي والأشجار والنخيل يجوز شراؤه، وأخذه منه مجّاناً، بلا فرق بين الخراج ( وهو ضريبة النقد) والمقاسمة ( وهي ضريبة السهم) من النصف والعشر ونحوهما، وكذا المأخوذ بعنوان الزكاة، والظاهر براءة ذمّة المالك بالدفع إليه، بل الظاهر أنّه لو لم تأخذه الحكومة وحوّلت شخصاً على المالك في أخذه منه، جاز للمحوّل أخذه، وبرئت ذمّة المحوَّل عليه، وفي جريان الحكم المذكور فيما يأخذه السلطان المسلم المؤالف، أو المخالف الذي لا يدّعي الخلافة العامّة، أو الكافر إشكال.

( مسألة: 38) إذا دفع إنسان مالا إلى آخر ليصرفه في طائفة من الناس وكان المدفوع إليه منهم، فإن فهم من الدافع الإذن في الأخذ من ذلك المال، جاز له أن يأخذ منه مثل أحدهم، أو أكثر على حسب الإذن، وإن لم يفهم الإذن، لم يجز الأخذ منه أصلا(3).


(1) هذا إذا كان قصده بالوعد الإخبار، فيدخل في الكذب، لا  مجرّد إنشاء الالتزام.

(2) الأحوط عدم الفرق بين حكم الأهل وغيرها من هذه الناحية.

(3) هذا الحكم ثابت عندنا في بعض موارده بالفتوى، وفي بعض موارده بالاحتياط،

  صفحه 38  

( مسألة: 39) جوائز الظالم حلال وإن علم إجمالا أنّ في ماله حراماً، وكذا كلّ ما كان في يده يجوز أخذه منه وتملّكه والتصرّف فيه بإذنه، إلاّ أن يعلم أنّه غصب، فلو أخذ منه حينئذ وجب ردّه إلى مالكه إن عرف بعينه، فإن جهل وتردّد بين جماعة محصورة، فإن أمكن استرضاؤهم وجب، وإلاّ رجع في تعيين مالكه إلى القرعة(1)، وإن تردّد بين جماعة غير محصورة، تصدّق به عن مالكه إن كان يائساً عن معرفته، وإلاّ وجب الفحص عنه وإيصاله إليه.

( مسألة: 40) يكره بيع الصرف، وبيع الأكفان، وبيع الطعام، وبيع العبيد. كما يكره أن يكون الإنسان جزّاراً أو حجّاماً، ولا سيّما مع الشرط بأن يشترط اُجرة. ويكره أيضاً التكسّب بضرّاب الفحل بأن يؤاجره لذلك، أو بغير إجارة بقصد العوض، أمّا لو كان بقصد المجّانيّة فلا بأس بما يعطى بعنوان الهدية.

( مسألة: 41) لا يجوز بيع أوراق اليانصيب. نعم، يصحّ الصلح(2) بينهم بدفع مقدار من المال على أن يملِّكه ورقة اليانصيب المشتملة على الرقم الخاصّ على نحو يكون من أحد الأفراد الذين تكون الجائزة مردّدةً بينهم.

وإذا اجتمع عشرة أشخاص، فوهب كلّ واحد منهم عشرة دنانير لواحد منهم بشرط أن يجري القرعة في المئة دينار المجتمعة عنده، وتعطى لمن



إلاّ في مورد واحد، وهو ما لو كان الدافع لا  دخل أصلاً لنظره، وكان المال من زكاة ونحوها لغيره ممّن لم يعيّن شخصاً لصرفه من الدائرة التي له حقّ التعيين فيها. مثاله: ما لو وقع مال زكويّ في يد شخص صدفةً، فدفعه إلى آخر ليوزّعه على الفقراء، فإنّه عندئذ يجوز للمدفوع إليه إذا كان مصرفاً له أن يأخذ منه ما شاء.

(1) بمعنى أنّ الذي يفصل بينهم هو قاضي الشرع عن طريق القرعة.

(2) الأظهر عدم الصحّة.

  صفحه 39  

تخرج القرعة باسمه منهم، صحَّ(1)، وأمّا إذا كان الإعطاء بقصد البدليّة عن المئةالمحتملة، فالمعاملة باطلة، وإذا كان اليانصيب على النحو الأوّل، فهو صحيح(2).

( مسألة: 42) يجوز إعطاء الدم إلى المرضى المحتاجين إليه، كما يجوز أخذ العوض عن الإعطاء والتمكين منه، ولا يجوز أخذ العوض(3) عن نفس الدم، وإذا وضع الدم في قارورة جاز أخذ العوض عن القارورة نفسها إن كانت ذات قيمة، ويكون الدم تابعاً لها، ولا يجوز أخذ العوض عن الدم. نعم، تجوز المصالحة على التمكين من الدم بعوض، فالعوض يكون في مقابل التمكين لا مقابل الدم. ويحرم حلق اللحية(4)، ويحرم أخذ الاُجرة عليه(5)، إلاّ إذا كان ترك الحلق يوجب سخريةً ومهانةً شديدةً لا تُتحمّل عند العقلاء(6)، فيجوز حينئذ.

 

آداب التجارة:

( مسألة: 43) يستحبّ التفقّه فيها ليعرف صحيح البيع وفاسده ويسلم من الربا، بل مع الشكّ في الصحّة والفساد لا يجوز له ترتيب آثار الصحّة، بل يتعيّن عليه الاحتياط، ويستحبّ أن يساوي بين المبتاعين، فلا فرق بين المماكس وغيره


(1) الأظهر عدم الصحّة.

(2) قد عرفت أنّ الأظهر عدم الصحّة.

(3) بل الظاهر جوازه.

(4) على الأحوط.

(5) على الأحوط.

(6) أو ضرراً، أو احتمال ضرر من قبيل الضرب أو السجن.

  صفحه 40  

بزيادة السعر في الأوّل أو بنقصه، أمّا لو فرّق بينهما لمرجّحات شرعيّة كانت كالعلم والتقوى ونحوهما فالظاهر أنّه لا بأس به. ويستحبّ أن يُقيل النادم، ويشهد الشهادتين عند العقد، ويكبِّر الله تعالى عنده، ويأخذ الناقص ويعطي الراجح.

( مسألة: 44) يكره مدح البائع سلعته، وذمّ المشتري لها، وكتمان العيب إذا لم يؤدِّ إلى غشّ، وإلاّ حرم كما تقدّم، والحلف على البيع، والبيع في المكان المظلم الذي يُستتر فيه العيب، بل كلّ ما كان كذلك، والربح على المؤمن زائداً على مقدار الحاجة، وعلى الموعود بالإحسان، والسوم ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وأن يدخل السوق قبل غيره، ومبايعة الأدنين، وذوي العاهات والنقص في أبدانهم، والمحارفين، وطلب تنقيص الثمن بعد العقد، والزيادة وقت النداء لطلب الزيادة، أمّا الزيادة بعد سكوت المنادي فلا بأس بها، والتعرّض للكيل أو الوزن أو العدّ أوالمساحة إذا لم يحسنه حذراً من الخطأ، والدخول في سوم المؤمن، بل الأحوط تركه، والمراد به: الزيادة في الثمن الذي بذله المشتري، أو بذل مبيع له غير ما بذله البائع مع رجاء تماميّة المعاملة بينهما، فلو  انصرف أحدهما عنها أو علم بعدم تماميّتها بينهما فلا كراهة، وكذا لو كان البيع مبنيّاً على المزايدة وأن يتوكّل بعض أهل البلد لمن هو غريب عنها، بل الأحوط استحباباً تركه، وتلقّي الركبان الذين يجلبون السلعة، وحدّه إلى ما دون أربعة فراسخ، فلو بلغ أربعة فراسخ فلا كراهة، وكذا لو اتّفق ذلك بلا قصد، والظاهر عموم الحكم لغير البيع من المعاملة كالصلح والإجارة ونحوهما.

( مسألة: 45) يحرم الاحتكار على الأحوط، وهو حبس السلعة والامتناع من بيعها لانتظار زيادة القيمة مع حاجة المسلمين إليها وعدم وجود الباذللها، والظاهر اختصاص الحكم بالحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن والزيت

 
  صفحه 41  

لا غير(1)، وإن كان الأحوط استحباباً إلحاق الملح بها، بل كلّ ما يحتاج إليه عامّة المسلمين من الملابس والمساكن والمراكب وغيرها، ويُجبر المحتكِر على البيع في الاحتكار المحرّم من دون أن يعيّن له السعر. نعم، إذا كان السعر الذي اختاره مجحفاً بالعامّة اُجبر على الأقلِّ منه.

 


(1) الظاهر شمول الحكم لكلّ طعام تعمّ المسلمين الحاجة إليه لدى عدم وجود باذلين آخرين(1).


(1) لصحيح الحنّاط. الوسائل، ج 17، ب 28 من آداب التجارة، ح 3، ص 428. ولعهد الإمام إلى مالك الأشتر، ب 27 من تلك الأبواب، ح 13، ص 427.

  صفحه 42  

 

الفصل الأوّل
في شروط العقد

وفيه مسائل:

( مسألة: 1) معنى البيع قريب من معنى المبادلة، ولا يحصل إلاّ بالإيجاب والقبول، ويقع بكلّ لفظ دالٍّ على المقصود وإن لم يكن صريحاً فيه، مثل: «بعتُ وملّكتُ وبادلتُ» ونحوها في الإيجاب، و: «قبلتُ ورضيتُ وتملّكتُ واشتريتُ» ونحوها في القبول، ولا يشترط فيه العربيّة، كما لا يقدح فيه اللحن في المادّة أوالهيئة، ولا يجوز فيه تقديم القبول على الإيجاب(1). نعم، يجوز إنشاء الإيجاب بمثل: «اشتريت وابتعت وتملّكت»، وإنشاء القبول بمثل: «شريت وبعت وملّكت».

( مسألة: 2) إذا قال: «بعني فرسك بهذا الدينار» فقال المخاطب: «بعتك فرسي بهذا الدينار» ففي صحّته وترتّب الأثر عليه بلا أن ينضمّ إليه إنشاء القبول من الآمر إشكال وإن كان الأظهر ذلك(2)، وكذلك الحكم في الوليّ على الطرفين، والوكيل عنهما فإنّه لا يكتفي بالإيجاب بدون القبول(3).

( مسألة: 3) يعتبر في تحقّق العقد الموالاة بين الإيجاب والقبول، فلو قال البائع: «بعتُ» فلم يبادر المشتري إلى القبول حتّى انصرف البائع عن البيع، لم


(1) بل يجوز مع نصب القرينة لو كانت هناك حاجة إلى تشخيص الموجب من القابل.

(2) إذا كانت هناك قرينة على أنّ قوله: «بعني...» كان قبولاً، أو أنّ قوله: «بعني...» كان قرينة على أنّ سكوته بعد قول صاحبه: «بعتك...» كان قبولاً.

(3) لا  يبعد إمكانيّة الاكتفاء بإنشاء واحد; لأنّ تعدّدهما إنّما هو باعتبار تعدّد السلطنة.

  صفحه 43  

يتحقّق العقد، ولم يترتّب عليه الأثر، أمّا إذا لم ينصرف وكان ينتظر القبول حتّى قَبِلَ صحّ. كما أنّه لا يعتبر وحدة المجلس، فلو تراجعا بالتلفون فأوقع الإيجاب أحدهما وقبل الآخر صحّ. أمّا المراجعة في المكاتبة ففيها إشكال(1).

( مسألة: 4) الظاهر اعتبار التطابق بين الإيجاب والقبول في الثمن والمثمن وسائر التوابع(2)، فلو قال: «بعتك هذا الفرس بدرهم بشرط أن تخيط قميصي»، فقال المشتري: «اشتريت هذا الحمار بدرهم»، أو «هذا الفرس بدينار»، أو «بشرط أن أخيط عباءتك»، أو «بلا شرط شيء»، أو «بشرط أن تخيط ثوبي»، أو «اشتريت نصفه بنصف دينار»، أو نحو ذلك من أنحاء الاختلاف، لم يصحَّ العقد. نعم، لو قال: «بعتك هذا الفرس بدينار»، فقال: «اشتريت كلّ نصف منه بنصف دينار»، صحّ، وكذا نحوه ممّا كان الاختلاف فيه بالإجمال والتفصيل.

( مسألة: 5) إذا تعذّر اللفظ لخرس ونحوه، قامت الإشارة مقامه وإن تمكّن من التوكيل، وكذا الكتابة مع العجز عن الإشارة، أمّا مع القدرة عليها، ففي تقديم الإشارة أو الكتابة وجهان، بل قولان، والأظهر الجواز بكلٍّ منهما، بل يحتمل ذلك(3) حتّى مع التمكّن من اللفظ.

( مسألة: 6) الظاهر وقوع البيع بالمعاطاة بأن ينشئ البائع البيع بإعطائه المبيع إلى المشتري وينشئ المشتري القبول بإعطاء الثمن إلى البائع، ولا فرق في صحّتها بين المال الخطير والحقير، وقد تحصل بإعطاء البائع المبيع وأخذ


(1) بل الظاهر عدم الإشكال.

(2) إلاّ أن يكون مرجع عدم التطابق إلى التنازل عن الشرط، كما لو قال: «بعتك هذا الفرس بدرهم بشرط لك عليّ أن أخيط ثوبك»، فقال المشتري: «اشتريت الفرس بدرهم بلا شرط». وهذا ما أفاده اُستاذنا الشهيد تعليقاً على المتن في المقام.

(3) بل هو الأظهر.

  صفحه 44  

المشتري بلا إعطاء منه، كما لو كان الثمن كلّيّاً في الذمّة، أو بإعطاء المشتري الثمن وأخذ البائع له بلا إعطاء منه، كما لو كان المثمن كلّيّاً في الذمّة.

( مسألة: 7) الظاهر أنّه يعتبر في صحّة البيع المعاطاتيّ جميع ما يعتبر في البيع العقديّ من شرائط العقد والعوضين والمتعاقدين، كما أنّ الظاهر ثبوت الخيارات الآتية ـ  إن شاء الله تعالى  ـ فيها ولو بعد ثبوت أحد الملزمات(1)، إلاّ إذا كان الملزم لها مسقطاً للخيار، كما إذا كان المبيع معيباً ولم يبقَ بيد المشتري بعينه، فإنّه يسقط خيار العيب، ويثبت الأرش لاغير.

( مسألة: 8) البيع العقديّ لازم من قبل الطرفين، إلاّ مع وجود أحد أسباب الخيار الآتية، أمّا المعاطاتيّ فهو وإن كان مفيداً للملك إلاّ أنّه جائز من الطرفين(2)حتّى مع شرط سقوط الخيار أو إسقاطه بعد العقد. نعم، يلزم بأحد اُمور:

الأوّل: تلف العوضين أو أحدهما أو بعض أحدهما.

الثاني: نقل العوضين أو أحدهما أو بعض أحدهما بناقل شرعيٍّ من بيع أو هبة أو نحوهما، لازماً كان أو جائزاً، ولو رجعت العين إلى المالك بفسخ أو غيره بقي اللزوم بحاله.

الثالث: امتزاج العوضين أو أحدهما أو بعضه بعين اُخرى.

الرابع: تغيّر العين تغيّراً مذهباً للصورة، كطحن الحنطة وتقطيع الثوب.

( مسألة: 9) لو مات أحد المالكين لم يجز لوارثه الرجوع في البيع المعاطاتيّ، أمّا لو جنّ قام وليّه مقامه في الرجوع(3).


(1) بل المعاطاة هي بنفسها تعتبر من العقود اللازمة.

(2) بل المعاطاة بنفسها تعتبر من العقود اللازمة، ومعه لامورد لما أشار إليه من المُلزمات.

(3) قد مضى أنّ البيع المعاطاتيّ بيع لازم.

  صفحه 45  

( مسألة: 10) الظاهر جريان المعاطاة في غير البيع من سائر المعاملات، بل الإيقاعات، إلاّ في موارد خاصّة كالنكاح والطلاق والعتق والتحليل(1) والنذر واليمين، والظاهر جريانها في الرهن والوقف، لكنّها تكون لازمةً لا جائزة.

( مسألة: 11) في قبول البيع المعاطاتي للشرط سواء أكان شرط خيار في مدّة معيّنة أم شرط فعل أم غيرهما إشكال وإن كان القبول لا يخلو من وجه، فلو أعطى كلّ منهما مالَه إلى الآخر قاصدَين البيع، وقال أحدهما في حال التعاطي: «جعلتُ لي الخيار إلى سنة» مثلا، صحّ شرط الخيار، وكان البيع خياريّاً.

( مسألة: 12) لا يجوز تعليق البيع(2) على أمر غير حاصل حين العقد، سواء أعُلم حصـوله بعـد ذلك، كمـا إذا قـال: «بعتك إذا هلّ الهلال»، أم جهل حصوله، كما لو قال: «بعتك إذا وُلد لي ولد ذكر». ولا على أمر مجهول الحصول حال العقد، كما إذا قال: «بعتك إن كان اليوم يوم الجمعة» مع جهله بذلك، أمّا مع علمه بذلك فالوجه الجواز.

( مسألة: 13) إذا قبض المشتري ما اشتراه بالعقد الفاسد، وجب عليه ردّه إلى البائع(3)، وإذا تلف ولو من دون تفريط، وجب عليه ردّ مثله(4) إن كان مثليّاً، وقيمته إن كان قيميّاً، وكذا الحكم في الثمن إذا قبضه البائع بالبيع الفاسد، ولا فرق في ذلك بين العلم بالحكم والجهل به، ولو باع أحدهما ما قبضه، كان البيع فضوليّاً تتوقّف صحّته على إجازة المالك، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.


(1) لعلّ النسخة خطأ، والصحيح: (التدبير).

(2) هذا حكم احتياطيّ.

(3) إلاّ مع تراضيهما بتصرّف كلّ منهما في سلعة الآخر برضىً غير متفرّع على التمليك المعاوضيّ.

(4) إلاّ إذا عدّ البائع غارّاً له في تحميل البيع الفاسد عليه، فلا يضمن له أكثر من مقدار القيمة المسمّاة; لأنّ الزيادة ترجع إلى تغريره.

  صفحه 46  

 

الفصل الثاني
في شروط المتعاقدين

وفيه مسائل:

( مسألة: 1) يشترط في كلٍّ من المتعاقدين اُمور:

 

[البلوغ والعقل والاختيار:]

الأوّل: البلوغ، فلا يصحّ عقد الصبيِّ وإن كان مميِّزاً إذا لم يكن بإذن الولي. أمّا إذا كان بإذنه فالصحّة لا تخلو من وجه، وإن كانت لا تخلو من إشكال(1)، وكذا إذا كان تصرّفه في غير ماله بإذن المالك(2).

الثاني: العقل، فلا يصحّ عقد المجنون إذا كان قاصداً إنشاء(3) البيع.

الثالث: الاختيار، فلا يصحّ بيع المكرَه، وهو من يأمره غيره بالبيع المكروه له على نحو يخاف من الإضرار به لو خالفه بحيث يكون وقوع البيع منه من باب ارتكاب أقلّ المكروهَين، ولو لم يكن البيع مكروهاً وقد أمره الظالم بالبيع فباع صحّ، وكذا لو أمره بشيء غير البيع وكان ذلك الشيء موقوفاً على البيع المكروه فباع فإنّه يصحّ، كما إذا أمره بدفع مقدار من المال ولم يمكنه إلاّ ببيع داره فباعها فإنّه يصحّ بيعها.


(1) بيع الصبيّ لماله إن كان بتوكيل الوليّ، أو بإذنه بشكل يحفظ إشراف الوليّ، كان صحيحاً، وإن كان بشكل التفويض، فالصحّة لا  تخلو من إشكال.

(2) تصرّفه في غير ماله إذا كان بإذن المالك، أو بتوكيله بشكل يحفظ إشراف المالك، صحّ البيع، وإن كان بشكل التفويض، فالصحّة لا  تخلو من إشكال.

(3) إذا قصد إنشاء البيع، فحاله حال الصبيّ.

  صفحه 47  

( مسألة: 2) إذا اُكرِه أحد الشخصين على بيع داره كما لو قال الظالم: «فليبع زيد أو عمرو داره» فباع أحدهما داره بطل البيع، إلاّ إذا علم إقدام الآخر على البيع.

( مسألة: 3) لو اُكره على بيع داره أو فرسه فباع أحدهما بطل، ولو باع الآخر بعد ذلك صحّ، ولو باعهما جميعاً دفعةً بطل فيهما جميعاً(1).

( مسألة: 4) لو أكرهه على بيع دابّته فباعها مع ولدها بطل بيع الدابّة وصحّ بيع الولد.

( مسألة: 5) الظاهر أنّه يعتبر في صدق الإكراه عدم إمكان التفصّي بالتورية(2)، فلو أكرهه على بيع داره فباعها مع قدرته على التورية صحّ البيع. نعم، لو  كان غافلا عن التورية أو عن إمكان التفصّي بها فباع بطل البيع.

( مسألة: 6) المراد من الضرر الذي يخافه على تقدير عدم الإتيان بما اُكره عليه ما يعمّ الضرر الواقع على نفسه وماله وشأنه وعلى بعض من يتعلّق به ممّن يهمّه أمره، فلو لم يكن كذلك بل كان على بعض المؤمنين فلا إكراه، فلو باع حينئذ صحّ البيع.

 

البيع الفضوليّ:

الرابع: القدرة على التصرّف لكونه مالكاً، أو وكيلا عنه، أو مأذوناً منه، أو وليّاً عليه، فلو لم يكن العاقد قادراً على التصرّف لم يصحَّ البيع، بل توقّفت صحّته على إجازة القادر على ذلك التصرّف، مالكاً كان، أو وكيلا عنه، أو مأذوناً منه، أو وليّاً عليه، فإن أجاز صحّ، وإن ردّ بطل، ولم تنفع الإجازة بعد ذلك(3)، وهذا هو المسمّى بعقد الفضوليّ.


(1) نعم، إذا كان جمعه في البيع بينهما في حين أنّ الإكراه لم يكن واقعاً إلاّ على أحدهما قرينة على رضاه بالبيع، صحّ البيع.

(2) لا  فرق في الحكم بين فرض إمكان التفصّي بالتورية وعدمه.

(3) لو سبّب الردّ انتفاء موضوع الإجازة، كما لو أوجب ذلك عدول الأصيل عن أصل المعاملة، فلا معنى لتأثير الإجازة عندئذ، وإلاّ فعدم نفع الإجازة ممنوع.

  صفحه 48  

( مسألة: 7) لو منع المالك من بيع ماله فباعه الفضوليّ فإن أجاز المالك صحّ ولا أثر للمنع السابق في البطلان.

( مسألة: 8) إذا علم من حال المالك أنّه يرضى بالبيع فباعه لم يصحَّ وتوقّف على الإجازة.

( مسألة: 9) إذا باع الفضوليّ مال غيره عن نفسه لاعتقاده أنّه مالك، أو لبنائه على ذلك كما في الغاصب فأجاز المالك صحّ ويرجع الثمن إلى المالك.

( مسألة: 10) لا يكفي في تحقّق الإجازة الرضى الباطنيّ، بل لا بدّ من الدلالة عليه بالقول، مثل «رضيتُ» و «أجزتُ»، ونحوهما، أو بالفعل، مثل أخذ الثمن أو بيعه أو الإذن في بيعه، أو إجازة العقد الواقع عليه، أو نحو ذلك(1).

( مسألة: 11) الظاهر أنّ الإجازة كاشفة عن صحّة العقد من حين وقوعه كشفاً حكميّاً، فنماء الثمن من حين العقد إلى حين الإجازة ملك مالك المبيع، ونماء المبيع ملك للمشتري.

( مسألة: 12) لو باع باعتقاد كونه وليّاً، أو وكيلا، فتبيّن خلافه، فإن أجاز المالك صحّ، وإن ردّ بطل، ولو باع باعتقاد كونه أجنبيّاً، فتبيّن كونه وليّاً، أو وكيلا صحّ، ولم يحتج إلى الإجازة، ولو تبيّن كونه مالكاً توقّفت صحّة البيع على إجازته(2).

( مسألة: 13) لو باع مال غيره فضولا، ثمّ ملكه قبل إجازة المالك، ففي صحّته بلا حاجة إلى الإجازة، أو توقّفه على الإجازة، أو بطلانه رأساً وجوه، أقواها


(1) وقد يتّفق أن يكون نفس السكوت بعد العلم أمارة على الإمضاء.

(2) أفاد اُستاذنا الشهيد في تعليقه على هذا المورد: «لا يبعد عدم التوقّف إذا كان جادّاً في البيع».

أقول: الظاهر أنّ ما في المتن أقوى; لأنّ جدّيّته في البيع مقيّدة ببيع مال الغير ولم تشمل بيع مال نفسه.

  صفحه 49  

الأخير(1). نعم، لو ملكه البائع بالإرث ففي الصحّة مع الإجازة إشكال، والبطلان أحوط(2).

( مسألة: 14) لو باع مال غيره فضولا، فباعه المالك من شخص آخر، صحّ بيع المالك، وبطل بيع الفضوليّ، ولا تنفع في صحّته إجازة المالك ولا المشتري(3).

( مسألة: 15) إذا باع الفضوليّ مال غيره ولم تتحقّق الإجازة من المالك فإن كانت العين في يد المالك فلا إشكال، وإن كانت في يد البائع جاز للمالك الرجوع بها عليه، وإن كان البائع قد دفعها إلى المشتري جاز له الرجوع على البائع وعلى المشتري، وإن كانت تالفة رجع على البائع إن لم يدفعها إلى المشتري أو على أحدهما إن دفعها إليه بمثلها إن كانت مثليّةً وبقيمتها إن كانت قيميّة.

( مسألة: 16) المنافع المستوفاة مضمونة، وللمالك الرجوع بها على من استوفاها، وكذا الزيادات العينيّة مثل: اللبن والصوف والشعر والسرجين ونحوها ممّا كان له ماليّة، فإنّها مضمونة على من استولى عليها كالعين، أمّا المنافع غير المستوفاة ففي ضمانها إشكال(4).

( مسألة: 17) المثليّ ما يكثر وجود مثله(5) في الصفات التي تختلف باختلافها الرغبات، والقيميّ ما لا يكون كذلك، فالآلات والظروف والأقمشة المعمولة في


(1) بل الأقوى هو الوسط كما أفاده اُستاذنا الشهيد في المقام.

(2) هنا أيضاً الحقّ ما أفاده اُستاذنا الشهيد من أنّ الأقوى الصحّة مع الإجازة.

(3) بل للمشتري الإجازة.

(4) إن كان المالك يستفيد من تلك المنفعة لولا استيلاء من استولى على العين، فالضمان ثابت، وإلاّ فلا.

(5) نحن لا  نؤمن بانقسام الأمتعة إلى قسمين: مثليّ وقيميّ، بل كلّ شيء يعتبر مثليّاً حتّى ولو انعدم مثله، وبالتالي يدفع في يوم الأداء قيمة يوم الأداء.

  صفحه 50  

المعامل في هذا الزمان من المثليّ، والجواهر الأصليّة من الياقوت والزمرّد والألماسوالفيروزج ونحوها من القيميّ.

( مسألة: 18) الظاهر أنّ المدار في القيمة المضمون بها القيميّ قيمة زمان التلف، لا زمان الأداء(1).

( مسألة: 19) إذا رجع المالك على المشتري ببدل العين من المثل أو القيمة، أو بدل نمائها من الصوف واللبن ونحوها، أو بدل المنافع المستوفاة، أو غير ذلك، فإن كان المشتري مغروراً من قبل البائع بأن كان جاهلا بأنّ البائع فضوليّ، فأخبره البائع بأنّه مالك، أو ظهر له منه أنّه مالك، رجع المشتري على البائع بجميع الخسارات التي خسرها للمالك(2)، سواء كان البائع عامداً في تغريره أم غير عامد، وإن لم يكن مغروراً من البائع كما إذا كان عالماً بالحال، لم يرجع عليه بشيء من الخسارات المذكورة، وإذا رجع المالك على البائع بالعين(3): فإن كان المشتري مغروراً من قبل البائع لم يرجع البائع على المشتري(4)، وإن لم يكن


(1) قد عرفت ما فيه، وأنّ العبرة دائماً بيوم الأداء.

(2) كأنّ مقصوده فرض أنّ المشتري كان قد دفع إلى البائع القيمة المسمّاة، فله أن يرجع على البائع في أخذ القيمة المسمّاة، وفي أخذ الزيادة لو كانت هناك زيادة على ذلك خسرها للمالك.

أمّا لو لم يكن قد دفع بعدُ إلى البائع القيمة المسمّاة، فمن الواضح أنّه لا  يرجع على البائع إلاّ بمقدار الزيادة لو كانت.

(3) المقصود هو الرجوع على البائع ببدل العين، ولعلّ النسخة غلط، والصحيح: «ببدل العين».

(4) كأنّ المقصود هو فرض ما لو كان البائع قد أخذ من المشتري المسمّى، وخسر للمالك أكثر من المسمّى، فلا يرجع البائع إلى المشتري في خسران الزيادة، أمّا لو لم يكن قد أخذ منه المسمّى، فمن الواضح أنّه يرجع إليه بمقدار المسمّى; بسبب أكله للعين; لأنّ التغرير إنّما كان بلحاظ الزيادة ولم يكن تغرير بمقدار المسمّى.

  صفحه 51  

مغروراً من قبل البائع، رجع البائع عليه في الخسارة التي خسرها للمالك، وكذا الحال في جميع الموارد التي تعاقبت فيها الأيدي العادية على مال مالك، إن رجع المالك على السابق رجع السابق على اللاحق إن لم يكن مغروراً منه، وإلاّ لم يرجع على اللاحق(1)، وإن رجع المالك على اللاحق لم يرجع إلى السابق إلاّ مع كونه مغروراً منه(2)، وكذا الحكم في المال غير المملوك، كالزكاة المعزولة، ومال الوقف المجعول مصرفاً في جهة معيّنة أو غير معيّنة، أو في مصلحة شخص أو أشخاص فإنّ الوليّ يرجع على ذي اليد عليه مع وجوده ومع تلفه على النهج المذكور.

( مسألة: 20) لو باع إنسان ملكه وملك غيره صفقةً واحدةً صحّ البيع فيما يملك، وتوقّف صحّة بيع غيره على إجازة المالك، فإن أجاز صحّ، وإلاّ فلا، وحينئذ يكون للمشتري خيار تبعّض الصفقة، فله فسخ البيع بالإضافة إلى ما يملكه البائع.

( مسألة: 21) طريق معرفة حصّة كلّ واحد منهما من الثمن أن يقوَّم كلٌّ من المالين بقيمته السوقيّة، فيرجع المشتري بحصّة من الثمن نسبتها إلى الثمن نسبة قيمة مال غير البائع إلى مجموع القيمتين، فإذا كان قيمة ماله عشرةً وقيمة مال غيره خمسةً والثمن ثلاثةً يرجع المشتري بواحد الذي هو ثلث الثمن، ويبقى للبائع اثنان وهما ثلثا الثمن، هذا إذا لم يكن للاجتماع دخل في زيادة القيمة ونقصها، أمّا لو كان الأمر كذلك وجب تقويم كلٍّ منهما في حال الانضمام إلى الآخر، ثمّ تنسب قيمة كلّ واحد منهما إلى مجموع القيمتين فيؤخذ من الثمن بتلك النسبة، مثلا: إذا باع الجارية وابنتها بخمسة وكانت قيمة الجارية في حال الانفراد ستّةً وفي حال الانضمام أربعةً وقيمة ابنتها بالعكس فمجموع القيمتين عشرة، فإن كانت الجارية لغير البائع رجع المشتري بخمسين وهما اثنان من الثمن وبقي للبائع


(1) إلاّ بمقدار لم يكن فيه تغرير.

(2) فيرجع بمقدار التغرير.

  صفحه 52  

ثلاثة أخماس، وإن كانت البنت لغير البائع رجع المشتري بثلاثة أخماس الثمن وهو ثلاثة وبقي للبائع اثنان.

( مسألة: 22) إذا كانت الدار مشتركةً بين شخصين على السويّة، فباع أحدهما نصف الدار: فإن قامت القرينة على أنّ المراد نصف نفسه، أو نصف غيره، أو نصف في النصفين، عمل على القرينة، وإن لم تقم القرينة على الشيء، حمل على نصف نفسه لا غير(1).

( مسألة: 23) يجوز للأب والجدّ للأب وإن علا التصرّف في مال الصغير بالبيع والشراء والإجارة وغيرها، وكلّ منهما مستقلّ في الولاية، فلا يعتبر الإذن من الآخر، كما لا تعتبر العدالة في ولايتهما، ولا أن تكون مصلحة في تصرّفهما، بل يكفي عدم المفسدة، إلاّ أن يكون التصرّف تفريطاً منهما في مصلحة الصغير، كما لو اضطرّ الوليّ إلى بيع مال الصغير وأمكن بيعه بأكثر من قيمة المثل فلا يجوز البيع بقيمة المثل، وكذا لو دار الأمر بين بيعه بزيادة درهم عن قيمة المثل وزيادة درهمين لاختلاف الأماكن أو الدلاّلين أو نحو ذلك لم يجز البيع بالأقلّ وإن كان فيه مصلحة إذا عدّ ذلك مساهلةً عرفاً في مال الصغير، والمدار في كون التصرّف مشتملا على المصلحة أو عدم المفسدة على كونه كذلك في نظر العقلاء، لا بالنظر إلى علم الغيب، فلو تصرّف الوليّ باعتقاد المصلحة فتبيّن أنّه ليس كذلك في نظر العقلاء بطل التصرّف، ولو تبيّن أنّه ليس كذلك بالنظر إلى علم الغيب صحّ إذا كان فيه مصلحة بنظر العقلاء.

( مسألة: 24) يجوز للأب والجدّ التصرّف في نفس الصغير بإجارته عاملا في


(1) لا  أظنّ أنّ المقصود فرض إجمال الكلام، وإنّما المقصود أنّ الإطلاق ينصرف إلى نصف نفسه.

  صفحه 53  

المعامل وفي سائر شؤونه مثل تزويجه. نعم، ليس لهما طلاق زوجته، وهل لهمافسخ نكاحه عند حصول المسوّغ للفسخ وهبة المدّة في عقد المتعة؟ وجهان.

( مسألة: 25) إذا أوصى الأب أو الجدّ إلى شخص بالولاية بعد موته على القاصرين نفذت الوصيّة وصار الموصى إليه وليّاً عليهم بمنزلة الموصي تنفذ تصرّفاته. نعم، يشكل صحّة تزويجه لهم، كما يأتي إن شاء الله تعالى. ويشترط فيه الرشد والأمانة، ولا يشترط فيه العدالة على الأقوى، كما يشترط في صحّة الوصيّة فقدهما معاً، فلا تصحّ وصيّة الأب بالولاية على الطفل مع وجود الجدّ، ولا وصيّة الجدّ بالولاية على حفيده مع وجود الأب، ولو أوصى أحدهما بالولاية على الطفل بعد فقد الآخر لا في حال وجوده ففي صحّتها إشكال.

( مسألة: 26) ليس لغير الأب والجدّ والوصيّ لأحدهما ولاية على الصغير ولو كان عمّاً أو اُمّاً أو جدّاً لها أو أخاً كبيراً، فلو تصرّف أحد هؤلاء في مال الصغير أو في نفسه أو سائر شؤونه لم يصحَّ وتوقّف على إجازة الوليّ.

( مسألة: 27) تكون الولاية على الطفل للحاكم الشرعيّ(1) مع فقد الأب والجدّ والوصيّ لأحدهما، ومع تعذّر الرجوع للحاكم، فالولاية لعدول المؤمنين(2)، لكنّ الأحوط الاقتصار على صورة لزوم الضرر في ترك التصرّف، كما لو خيف على ماله التلف مثلا، فيبيعه العادل لئلاّ يتلف، ولا يعتبر حينئذ أن يكون التصرّف فيه


(1) المتيقّن من ولاية الفقيه هي الولاية مع مراعاة المصلحة، وليس مجرّد عدم المفسدة.

(2) ولاية عدول المؤمنين مشروطة بمراعاة المصلحة، لا  مجرّد عدم المفسدة(1).


(1) لأنّ صحيحة ابن رئاب شرطت في ولاية غير الوصيّ مراعاة ما يصلحهم. الوسائل،ج 17، ب 15 من عقد البيع وشروطه، الحديث الوحيد في الباب، ص 361 ـ 362.

  صفحه 54  

غبطةً وفائدة، بل لو تعذّر وجود العادل حينئذ، لم يبعد جواز ذلك لسائر المؤمنين.ولو اتّفق احتياج المكلّف إلى دخول دار أيتام والجلوس على فراشهم والأكل من طعامهم، وتعذّر الاستئذان من وليِّهم، لم يبعد جواز ذلك إذا عوّضهم عن ذلك بالقيمة، ولم يكن فيه ضرر عليهم(1)، وإن كان الأحوط تركه، وإذا كان التصرّف مصلحةً لهم، جاز من دون حاجة إلى عوض، والله سبحانه العالم.


(1) لو كان المقصود فرض كون دخوله مصلحة لهم، فهذا ما سيبيّن حكمه في الكلام اللاحق في المتن، ولو كان المقصود دخوله لحاجة المكلّف نفسه، فحاجته لا  توجب حلّيّة هذا التصرّف.

وعلى أيّ حال، فالظاهر أنّ مقصوده من هذا الفرع هو فرض وصول النوبة إلى ولايتهم بعنوان ولاية عدول المؤمنين، أو ولاية المؤمنين، وإلاّ فمن الواضح أنّ هذه الحاجة لا  تخلق جواز التصرّف.

  صفحه 55  

 

الفصل الثالث
في شروط العوضين

وفيه مسائل:

( مسألة: 1) يشترط في المبيع أن يكون عيناً، سواء أكان موجوداً في الخارج أم في الذمّة، وسواء أكانت الذمّة ذمّة البائع أم غيره، كما إذا كان له مال في ذمّة غيره فيبيعه على شخص ثالث. كما يشترط فيه أن يكون مالا بحيث يتنافس عليه العقلاء، فلا يجوز بيع المنفعة كمنفعة الدار، ولا بيع العمل كخياطة الثوب، ولا بيع الحقّ(1) كحقّ الخيار، ولا بيع ما لا يكون مالا كالحشرات(2).

وأمّا الثمن فيشترط فيه أن يكون مالا، سواء أكان عيناً أم منفعةً أم عملا أم حقّاً. نعم، إذا كان الحقّ لا يقبل الانتقال كحقّ الشفعة، أو لا يقبل الانتقال إلى خصوص البائع كحقّ القسم الذي لا يقبل الانتقال إلى غير الضرّة، ففي جواز جعله ثمناً إشكال، وإن كان هو الأظهر(3)، فيسقط بمجرّد وقوع البيع من دون انتقال إلى المشتري.


(1) نفس الحقّ ليس ممّا يباع، ولكن حينما يكون الحقّ قابلاً للانتقال، ومتعلّقاً بالعين، أمكن نقله إلى المشتري ببيع العين، وذلك من قبيل الأرض المحجّرة، فبيعها يوجب انتقال حقّ التحجير إلى المشتري.

(2) أي: بعض الحشرات.

(3) نفس الحقّ لا  يجعل ثمناً، فإنّ الحقّ كالملك، فكما لا  يجعل الملك ثمناً، وإنّما المملوك يجعل ثمناً، كذلك الحال في الحقّ، فالصحيح ما أفاده اُستاذنا هنا من أنّ الحقّ: إن كان قابلاً للانتقال، صحّ جعل متعلّقه ثمناً، وإن لم يكن قابلاً للانتقال، ولكن كان قابلاً

  صفحه 56  

( مسألة: 2) يشترط في كلٍّ من العوضين أن يكون معلوماً مقدارُه المتعارف تقديره به عند البيع من كيل أو وزن أو عدٍّ أو مساحة، فلا تكفي المشاهدة، ولا تقديره بغير المتعارف فيه عند البيع، كبيع المكيل بالوزن وبالعكس، وكبيع المعدود بالوزن أو الكيل وبالعكس، وإذا كان الشيء ممّا يباع في حال بالمشاهدة وفي حال اُخرى بالوزن أو الكيل، كالثمر يباع على الشجر بالمشاهدة، وفي المخازن بالوزن، والحطب محمولا على الدابّة بالمشاهدة، وبالمخزن بالوزن، واللبن المخيض يباع في السِقاء بالمشاهدة، وفي المخازن بالكيل، فصحّة بيعه مقدّراً أو مشاهداً تابعة للمتعارف، وكذا إذا كان يباع في حال بالكيل وفي اُخرى بالوزن، كالفحم يباع كثيراً في الأكياس الكبيرة بالكيل، وفي المخازن قليلا قليلا بالوزن، فإنّ المدار في التقدير ما يكون متعارفاً في تلك الحال التي بيع فيها كيلا، أو وزناً، أو عدّاً(1).

( مسألة: 3) يكفي في معرفة التقدير إخبار البائع بالقدر كيلا أو وزناً أو عدّاً، ولا فرق بين عدالة البائع وفسقه، والأحوط اعتبار حصول اطمئنان المشتري بإخباره، ولو تبيّن الخلاف بالنقيصة رجع المشتري على البائع بثمن النقيصة وكان له الخيار في الفسخ والإمضاء في الباقي، ولو تبيّنت الزيادة كانت الزيادة للبائع، وكان المشتري بالخيار بين الفسخ والإمضاء بتمام الثمن.



للإسقاط، صحّ جعل الإسقاط ثمناً، فيملك البائع على المشتري أن يسقط الحقّ، كما يصحّ وضع شيء على الإسقاط على نحو الجعالة.

(1) كلّ تقدير يكتفي فيه العقلاء، ولا يعدّ سفهاً أو تغريراً يكون كافياً في صحّة البيع، سواء كان متعارفاً أو لا، ويأتي نفس الكلام في الفروع الآتية المشابهة.

  صفحه 57  

( مسألة: 4) الأحوط في مثل الثوب والأرض ونحوهما ممّا يكون تقديره بالمساحة دخيلا في زيادة القيمة معرفة مقداره، ولا يكتفى في بيعه بالمشاهدة.

( مسألة: 5) إذا اختلف البلدان في تقدير شيء بأن كان موزوناً في بلد ومعدوداً في آخر ومكيلا في ثالث فالظاهر أنّ المدار في التقدير اللازم العلم به في بلد المعاملة.

( مسألة: 6) قد يؤخذ الوزن شرطاً في المكيل أو المعدود أو الكيل شرطاً في الموزون، مثل أن يبيعه عشرة أمنان من الدبس بشرط أن يكون كيلها صاعاً فيتبيّن أنّ كيلها أكثر من ذلك لرقّة الدبس، أو يبيعه عشرة أذرع من قماش بشرط أن يكون وزنها ألف مثقال فيتبيّن أنّ وزنها تسعمئة لعدم إحكام النسج، أو  يبيعه عشرة أذرع من الكتّان بشرط أن يكون وزنه مئة مثقال فتبيّن أنّ وزنه مئتا مثقال لغلظة خيوطه، ونحو ذلك ممّا كان التقدير فيه ملحوظاً صفة كمال للمبيع  لا مقوّماً له، والحكم أنّه مع التخلّف بالزيادة أو النقيصة يكون الخيار للمشتري لتخلّف الوصف، فإن أمضى العقد كان عليه تمام الثمن والزيادة للمشتري على كلّ حال.

( مسألة: 7) يشترط معرفة جنس العوضين وصفاتهما التي تختلف القيمة باختلافها، كالألوان والطعوم، والجودة والرداءة، والرِقّة والغِلظة، والثقل والخفّة، ونحو ذلك ممّا يوجب اختلاف القيمة، أمّا ما لا يوجب اختلاف القيمة منها فلا تجب معرفته وإن كان مرغوباً عند قوم وغير مرغوب عند آخرين، والمعرفة إمّا بالمشاهدة، أو بتوصيف البائع، أو الرؤية السابقة.

( مسألة: 8) يشترط أن يكون كلّ واحد من العوضين ملكاً(1) مثل أكثر البيوع الواقعة بين الناس، أو ما هو بمنزلته ; لاختصاصه بجهة من الجهات، مثل بيع


(1) وبإمكانه أن يبيع شيئاً في ذمّته.

  صفحه 58  

وليِّ الزكاة بعض أعيان الزكاة، وشرائه العلف لها، وعليه فلا يجوز بيع ما ليس كذلك، مثل بيع السمك في الماء، والطير في الهواء، وشجر البيداء قبل أن يُصطاد أو يُحاز.

( مسألة: 9) يشترط أن يكون كلّ من العوضين طلقاً، يعني لا يكون موضوع حقٍّ لغير البائع، فلا يجوز بيع العين المرهونة(1)، نعم لو أذن الراهن(2)، أو أجاز، أو فكّ الرهن، صحّ. وكذا لا يجوز بيع الوقف إلاّ في موارد(3):


(1) إنّما يمنع حقّ الغير عن صحّة البيع إذا كان منافياً للبيع، أمّا حقّ الرهن فليس كذلك، فبإمكانه بيع العين المرهونة بدون إذن المرتهن وإن كانت تبقى تحت حقّ المرتهن إلى أن ينفكّ عن الرهن. نعم، لو لم يكن المشتري مطّلعاً على ذلك، كان له حقّ خيار الفسخ.

(2) كلمة «الراهن» إمّا خطأ في النسخة، أو سهو من قلم الماتن، والمقصود هو (المرتهن).

(3) ومنها ـ كما أفاد اُستاذنا الشهيد ـ: وقوع اختلاف شديد بين الموقوف عليهم بنحو يحتمل أداؤه إلى تلف النفوس والأموال، فيسوغ البيع ولو لم يشترط الواقف ذلك(1).


(1) لمكاتبة عليّ بن مهزيار. الوسائل، ج 19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب 6 من الوقوف والصدقات، ح 6، ص 188.

ومنها: ما ورد في المتن، وهو: أن تخرب العين الموقوفة بحيث لا  يمكن الانتفاع بها مع بقاء العين كالحيوان المذبوح، والجذع البالي، والحصير المخرَق.

والدليل على جواز البيع في هذا الفرض أنّ وقف الواقف يشمل العين والماليّة، فمقتضى (أنّ الوقوف على ما يقفها أهلها) أن تبقى الماليّة على الوقفيّة لنفس الجهة، فتباع العين وتبدّل بعين اُخرى بقدر الإمكان.

  صفحه 59  

منها: أن يخرب بحيث لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، كالحيوان المذبوح، والجذع البالي، والحصير المخرق.

ومنها: أن يخرب على نحو يسقط عن الانتفاع المعتدِّ به مع كونه ذا منفعة يسيرة ملحقة بالمعدوم عرفاً.

ومنها: ما إذا اشترط الواقف بيعه عند حدوث أمر من قلّة المنفعة، أو كثرة الخراج، أو كون بيعه أنفع، أو لاختلاف بين أرباب الوقف، أو احتياجهم إلى عوضه، أو نحو ذلك.

ومنها: ما لولاحظ الواقف في قوام الوقف عنواناً خاصّاً في العين الموقوفة،


ومنها: ما ورد في المتن أيضاً، وهو: أن تخرب العين على نحو تسقط عن الانتفاع المعتدّ به مع كونها ذات منفعة يسيرة ملحقة بالمعدوم عرفاً، فإن لحقت المنفعة عرفاً بالمعدوم، التحق هذا الفرع بالفرع السابق.

ومنها: ما ورد في المتن أيضاً، وهو: ما إذا اشترط الواقف بيعه عند حدوث أمر: من قلّة المنفعة، أو كثرة الخراج، أو كون بيعه أنفع، أو لاختلاف بين أرباب الوقف، أو احتياجهم إلى عوضه، أو نحو ذلك. وهذا على طبق القاعدة; لأنّ الوقوف حسب ما يوقفها أهلها.

ومنها: ما ورد في المتن أيضاً، وهو: ما إذا طرأ ما يستوجب أن يؤدّي بقاؤه إلى الخراب المسقط له عن المنفعة المعتدّ بها عرفاً، واللازم تأخير البيع إلى آخر أزمنة إمكان البقاء، والدليل على ذلك أنّ المنفعة شملت العين والماليّة، ومقتضى (أنّ الوقوف على ما يقفها أهلها) حفظهما معاً، وهذا ما لا  يمكن، فمقتضى تلك القاعدة الحفاظ على أحدهما، فيجوز بيع العين قبل خرابها في آخر أزمنة إمكان بقائها حفاظاً على الماليّة.

ومنها: ما إذا اشترط الواقف جواز تبديله، وهذا على وفق القاعدة; لأنّ الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها; ولصحيح عبد الرحمن بن الحجّاج الوارد في الوسائل، ج 19 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب 10 من الوقوف والصدقات، ح 3، ص 199 ـ 200.

  صفحه 60  

مثل كونها بستاناً أو داراً أو حمّاماً، فيزول ذلك العنوان، فإنّه يجوز البيع حينئذ(1)وإن كانت الفائدة باقيةً بحالها أو أكثر.

ومنها: ما إذا طرأ ما يستوجب أن يؤدّي بقاؤه إلى الخراب المسقط له عن المنفعة المعتدِّ بها عرفاً، واللازم تأخير البيع إلى آخر أزمنة إمكان البقاء.

( مسألة: 10) ما ذكرناه من جواز البيع في الصور المذكورة لا يجري في المساجد، فإنّها لا يجوز بيعها على كلّ حال. نعم، يجري في مثل الخانات الموقوفة للمسافرين، وكتب العلم، والمدارس، والرباطات الموقوفة على الجهات الخاصّة.

( مسألة: 11) إذا جاز بيع الوقف فالأحوط مراجعة الحاكم الشرعيّ(2)والاستئذان منه في البيع، كما أنّ الأحوط أن يشتري بثمنه ملكاً ويوقف على النهج الذي كان عليه الوقف الأوّل. نعم، لو خرب بعض الوقف جاز بيع ذلك البعض وصرف ثمنه في مصلحة المقدار العامر، أو في وقف آخر إذا كان موقوفاً على نهج وقف الخراب. وإذا خرب الوقف ولم يمكن الانتفاع به وأمكن بيع بعضه وتعمير الباقي بثمنه جاز، بل وجب على الوليّ بيع بعضه ولم يجزْ بيع جميعه.

( مسألة: 12) لا يجوز بيع الأمة إذا كانت ذات ولد لسيّدها ولو كان حملا غير مولود، وكذا لا يجوز نقلها بسائر النواقل، وإذا مات ولدها جاز بيعها، كما  يجوز


(1) هذا ليس من موارد بيع الوقف; لأنّ الوقف يبطل بزوال ذاك العنوان، وترجع العين إلى الواقف، أو ورثته.

(2) ولوكان للعين الموقوفة متولٍّ شرعيّ معيّن في صيغة الوقف، فالأحوط الجمع بين توليته ومراجعة الحاكم الشرعيّ، فيتصدّى المتولّي للبيع مع مراجعة الحاكم الشرعيّ، ولو لم يكن له متولٍّ خاصّ، فإن كانت موقوفة على أشخاص، تولّوا البيع بمراجعة الحاكم، ولو كانت موقوفة وقفاً عامّاً، تصدّى الحاكم الشرعيّ لبيعها.

  صفحه 61  

بيعها في ثمن رقبتها مع إعسار المولى، وفي هذه المسألة فروع كثيرة لم  نتعرّض لها لقلّة الابتلاء.

( مسألة: 13) لا يجوز بيع الأرض الخراجيّة ( وهي الأرض المفتوحة عنوة العامرة حين الفتح)، فإنّها ملك للمسلمين مَن وجد ومَن يوجد، ولا فرق بين أن تكون فيها آثار مملوكة للبائع من بناء أو شجر أو غيرهما، وأن لا تكون، بل الظاهر عدم جواز التصرّف فيها إلاّ بإذن الحاكم الشرعيّ، إلاّ أن تكون تحت سلطة سلطان المدّعي للخلافة العامّة، فيكفي الاستئذان منه، بل في كفاية الاستئذان من الحاكم الشرعيّ حينئذ إشكال(1). ولو ماتت الأرض العامرة حين الفتح فالظاهر أنّها لا تملك بالإحياء، بل هي باقية على ملك المسلمين. أمّا الأرض الميّتة في زمان الفتح فهي ملك للإمام ، وإذا أحياها أحد ملكها بالإحياء، مسلماً كان المحيي أو كافراً(2)، وليس عليه دفع العوض(3)، وإذا تركها حتّى ماتت فهي على ملكه، فإذا ترك زرعها جاز لغيره زرعها بلا إذن منه ويعطيه خراجها(4)، وإذا أحياها السلطان المدّعي للخلافة على أن تكون للمسلمين لحقها حكم الأرض الخراجيّة(5).


(1) الظاهر كفاية الاستئذان من الحاكم الشرعيّ، ومع تعذّر الاستئذان من الحاكم الشرعيّ يكون الاستئذان من السلطان المذكور احتياطيّاً; لأنّ أرض الخراج محلّلة للشيعة في عصر الغيبة في ظلّ الحكومات الجائرة.

(2) بل تبقى الأرض ملكاً للإمام، وللمحيي حقّ الاختصاص.

(3) إلاّ إذا طالب الإمام بذلك، وقد ثبت التحليل للمؤمنين.

(4) إذا كان موت الأرض وخرابها بإهمال صاحبها الأوّل، جاز للثاني إحياؤها، وكانت له كما كانت للأوّل، وليس للأوّل عليه شيء، وإذا لم يكن خرابها كذلك، لم يجز للثاني التصرّف في الأرض بدون إذن الأوّل لدى إمكان معرفة صاحب الأرض.

(5) لا  أرى وجهاً للحوقها حكم الأرض الخراجيّة.

  صفحه 62  

( مسألة: 14) في تعيين أرض الخراج إشكال، وقد ذكر العلماء والمؤرِّخون مواضع كثيرةً منها. وإذا شكّ في أرض أنّها ميّتة أو عامرة حين الفتح يعمل على أنّها ميّتة، فيجوز إحياؤها وتملّكها إن كانت حيّة، كما يجوز بيعها وغيره من التصرّفات الموقوفة على الملك.

( مسألة: 15) يشترط في كلٍّ من العوضين أن يكون مقدوراً على تسليمه، فلا يجوز بيع الجَمل الشارد(1)، أو الطير الطائر، أو السمك المرسل في الماء ولا فرق بين العلم بالحال والجهل بها. ولو باع العين المغصوبة وكان المشتري قادراً على أخذها من الغاصب صحّ، كما أنّه يصحّ بيعها على الغاصب أيضاً وإن كان البائع لا يقدر على أخذها منه ثمّ الدفع إليه، وإذا كان المبيع ممّا  لا يستحقّ المشتري أخذه كما لو باع من ينعتق على المشتري صحّ وإن لم يقدر على تسليمه.

( مسألة: 16) لو علم بالقدرة على التسليم فباع فانكشف الخلاف بطل، ولو علم العجز عنه فانكشف الخلاف فالظاهر الصحّة.

( مسألة: 17) لو انتفت القدرة على التسليم في زمان استحقاقه لكن علم بحصولها بعده فإن كانت المدّة يسيرةً صحّ، وإذا كانت طويلةً لا يتسامح بها: فإن كانت مضبوطةً مثل سنة أو أكثر فالظاهر الصحّة مع علم المشتري بها، وكذا مع جهله بها لكن يثبت الخيار للمشتري، وإن كانت غير مضبوطة فالظاهر البطلان، كما لو باعه دابّةً غائبةً يعلم بحضورها لكن لا يعلم زمانه(2).


(1) كلّ ماكان يجوز جعل الثمن بإزائه ابتداءً يجوز جعله بإزاء المجموع منه ومن غير المقدور على تسليمه ممّا يحتمل قدرة المشتري على تسلّمه، كقدرته على تحصيل الجمل الشارد مثلاً.

(2) إذا كان بشكل تصبح المعاملة سفهيّة، أو غرريّة لا  يقدم عليها العقلاء.

  صفحه 63  

( مسألة: 18) إذا كان العاقد هو المالك فالاعتبار بقدرته، وإن كان وكيلا في إجراء الصيغة فقط فالاعتبار بقدرة المالك، وإن كان وكيلا في المعاملة كعامل المضاربة فالاعتبار بقدرته أو قدرة المالك فيكفي قدرة أحدهما على التسليم في صحّة المعاملة، فإذا لم يقدرا معاً بطل البيع.

( مسألة: 19) يجوز بيع العبد الآبق مع الضميمة إذا كانت ذات قيمة معتدٍّ  بها.

 
 التالي |  الفهرس