الجزء الثاني من كتاب الامامة و قيادة المجتمع

الفهرس:
كلمة المكتب
تمهيد
أئمّة الدور الثاني والثالث
     ↵ لمحة عن الإمام محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام)
     ↵ لمحة عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)
          ↵ أوّلاً: نشره (عليه السلام) لأحكام الإسلام الصحيح ومفاهيمه وثقافته
          ↵ ثانياً: سياسته (عليه السلام) تجاه أبي جعفر المنصور الدوانيقيّ
          ↵ ثالثاً: إبرازه (عليه السلام) لعظمة علم الأئمّة (عليهم السلام) وغزارته
     ↵ لمحة عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)
     ↵ لمحة عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)
     ↵ لمحة عن الإمام محمّد بن عليّ الجواد (عليه السلام)
     ↵ لمحة عن الإمام عليّ بن محمّد الهادي (عليه السلام)
     ↵ لمحة عن الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)
     ↵ لمحة عن الإمام الحجّة بن الحسن عجّل الله فرجه
          ↵ الغيبة الصغرى
               ↵ النوّاب الأربعة
          ↵ الغيبة الكبرى
فهرس المصادر
الصفحة 5

كلمة المكتب

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

إيماناً بكون الإمامة وراثة إلهيّة لمهامّ النبوّة كان لابدّ من مواجهة جادّة وكفاح حكيم من قِبل أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) تجاه الواقع الذي خلّفته صدمة الانحراف عن التجربة النبويّة، تلك التجربة الإلهيّة التي أرادت للبشريّة النهوض من حضيض الجهالة والسفاهة إلى مستوى التوحيد وإقامة اُسس العدل في الحياة الإنسانيّة... وكان مقتضى الحكمة في مشروع الحدّ من صدمة الانحراف ومحاصرة آثارها أن تتّسم عمليّة التصحيح والإصلاح بالهدفيّة، ومرحلة التعامل مع الواقع القائم، كي ينتهي الأمر من أقرب الطرق وبأقلّ الخسائر إلى وضع اُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله) على المسار النبويّ في جانبه الفكريّ والتربويّ

الصفحة 6

 

والاجتماعيّ... ولم يكن مشروع أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) موقفاً عفويّاً يمثّل ردود أفعال غير مبرمجة، بل كان تخطيطاً ربّانيّاً تمليه المهمّة النبويّة التي كانت على عاتقهم(عليهم السلام).

والمهمّ هو محاولة الاكتشاف والتعرّف على هذا التخطيط الإلهيّ الذي اتّبعه أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في جهادهم المرير والمتعدّد الأشكال والصور، فكانت هذه المهمّة تقتضي دراسة معمّقة لفهم حياة الأئمّة واُسلوب مواجهتهم وتغلّبهم على صدمة الانحراف وتطويقها.

فقد انبرى سماحة آية الله العظمى السيّد الشهيد محمّدباقر الصدر(قدس سره)على هذا الصعيد لتقديم محاولة جادّة لدراسة تأريخ أهل البيت(عليهم السلام)، وبنى دراسته على أساس تقسيم حياتهم العطرة إلى مراحل ثلاث على الرغم من وحدة هدفهم(عليهم السلام)، فكانوا يتحرّكون في ضوء برنامج ربّانيّ دقيق. وهذه المراحل هي:

المرحلة الاُولى: مرحلة تفادي صدمة الانحراف.

المراحلة الثانية: مرحلة بناء الكتلة الواعية.

المرحلة الثالثة: ظهور الكتلة الواعية على مستوى تسلّم زمام الحكم.

ثمّ إنّ سماحة آية الله العظمى السيّد الحائريّ ـ  دام ظلّه ـ قد اعتمد هذا المنهج في الجملة، فقد ألقى سماحته عدداً من المحاضرات بهذا الصدد كانت قد طبعت تحت عنوان (الإمامة وقيادة المجتمع) انتهى فيه

الصفحة 7

بدراسة أربعة من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) مثّلوا الدور الأوّل، وهم الأئمّة: أميرالمؤمنين عليّ والحسن والحسين والسجّاد(عليهم السلام).

وقد واصل سماحته في محاضراته دراسة أئمّة الدور الثاني، وأئمّة الدور الثالث إلى الإمام العسكريّ(عليه السلام).

وكان آخر هذه السلسلة المباركة هو الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرجه.

وعلى هذا فيمكن عدّ هذه المجموعة من المحاضرات جزءاً ثانياً لكتاب (الإمامة وقيادة المجتمع).

ومن الجدير بالذكر إنّ الغاية لهذه المحاضرات ليس هو تقديم دراسة مستوعبة لحياة أئمّتنا(عليهم السلام)ولا استقراء الوقائع والأحداث التي عاصروها، بل الهدف هو بيان الاتّجاه العامّ في تعاملهم مع الواقع السياسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ للاُمّة الإسلاميّة، وتحديد المعالم الرئيسة في تحرّكاتهم ومشاريعهم العمليّة من خلال تسليط الأضواء على بعض الوقائع التأريخيّة وتحليلها بما يتناسب مع تلك الغاية.

هذا، وقد تصدّى مكتب سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ ـ  دام ظلّه ـ في قم لإعداد هذه المحاضرات وتهيئتها للطباعة وتقديمها للواعين من المؤمنين، كي يستلهموا الدروس والعِبر من سيرة المعصومين(عليهم السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

الصفحة 9

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

 

تمهيد:

مضى في الجزء الأوّل من هذا الكتاب ـ نقلاً عن اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) ـ: أنّ للأئمّة(عليهم السلام) ثلاث مراحل تأريخيّة في قيادة المجتمع:

المرحلة الاُولى: مرحلة تفادي صدمة الانحراف التي عاش فيها قادة أهل البيت(عليهم السلام) مرارة الانحراف وصدمته بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وكانت مرارة هذا الانحراف وصدمته من الممكن أن تمتدّ وتقضي على الإسلام ومصالحه، وعلى الاُمّة الإسلاميّة، فتصبح قصّةً في التأريخ لا وجود لها في خطّ الزمن المستمرّ، فحافظوا(عليهم السلام)على الرسالة الإسلاميّة نفسها. وبدأت هذه المرحلة بعد وفاة

 

الصفحة 10

 

 

رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، واستمرّت إلى حياة الإمام الرابع من قادة أهل البيت (عليهم السلام) .

أقول: وممّا يدلّ على أنّ صدمة الانحراف بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كادت أن تعصف بأصل تجربة الإسلام حتّى اسمه وشكله الظاهريّ تصريح خليفة المسلمين يزيد بن معاوية بعد نأي من الزمن بالكفر، فالانحراف عقيب وفاة الرسول مباشرةً وإن كان في واقع الأمر انحرافاً كاملاً ـ  وبهذا صحّ ما يقال: من أنّه ارتدّ الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلاّ عدد قليل(1)  ـ ولكن ظاهر الإسلام بقي محفوظاً، فكان يُرى أنّ ما

(1) راجع بحار الأنوار 22:352، الحديث 80 عن أبي بصير «قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : ارتدّ الناس إلاّ ثلاثة: أبوذرّ وسلمان والمقداد؟ قال: فقال أبو عبدالله (عليه السلام) : «فأين أبو ساسان وأبو عمرة الأنصاريّ». وصفحة: 351، الحديث 76 عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) : «قال: كان الناس أهل ردّة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله) سنة إلاّ ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود وأبوذرّ الغفاريّ وسلمان الفارسيّ، ثمّ عرف الناس بعد يسير، وقال: هؤلاء الذين دارت عليهم الرحى وأبوا أن يبايعوا، حتّى جاؤوا بأميرالمؤمنين (عليه السلام) مكرهاً فبايع، وذلك قول الله عزّ وجلّ: (وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)». سورة 3 آل عمران، الآية: 144. وصفحة: 440، الحديث 9 عن أبي بكر الحضرميّ «قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) : ارتدّ الناس إلاّ ثلاثة نفر: سلمان وأبوذرّ والمقداد. قال: قلت: فعمّار؟ قال: قد كان حاص حيصة [جاض جيضة خَ لَ] ثمّ رجع...». وراجع أيضاً اختيار معرفة الرجال للطوسيّ المعروف برجال الكشّي ـ ج 1: 37 ـ بسند تامّ، وهو: حمدويه قال: حدّثنا أيّوب ـ يعني أيّوب بن نوح ـ عن محمّد بن الفضل وصفوان، عن أبي خالد القمّاط، عن حمران: «قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : ما أقلّنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها! قال: فقال: ألا اُخبرك بأعجب من ذلك؟ قال: فقلت: بلى. قال: المهاجرون والأنصار ذهبوا (وأشار بيده) إلاّ ثلاثة».
الصفحة 11

تحقّق إنّما هو تنحية رجل من الصحابة الأجلاّء ـ  وهو الإمام عليّ (عليه السلام)   ـ عن الخلافة، وتبديله برجل آخر مرتبط أيضاً تمام الارتباط عائليّاً ببيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ; لأ نّه أبو زوجة الرسول (صلى الله عليه وآله) ، وهو أكبر سنّاً من عليّ (عليه السلام) ، وهو أبوبكر، ولم يكن يُعرَف وقتئذ مدى نتائج هذا الانحراف، لكن لم تنقض الأيّام والليالي حتّى ظهرت النتيجة بشكل صريح على لسان خليفة المسلمين يزيد بن معاوية، حيث قال متمثّلاً بقول ابن الزبعرى يوم اُحد:

ليتَ أشياخي ببدر شهدوا              ***                       جزعَ الخزرجِ من وقعِ الأسل

وأكمل ـ  عليه لعائن الله ـ بقوله:

الصفحة 12

لأهلّوا واستهلّوا فرحاً *** ولقالوا يا يزيد لا تشل

قد قتلنا السبطَ من أسباطِهم *** وعدلناه ببدر فاعتدل

لستُ من خندف إن لم أنتقم *** من بني أحمدَ ما كان فعل

لعبت هاشمُ بالدين فلا *** خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل(1)

في حين أنّه بسبب فعل الأئمّة الأوائل وبالأخصّ الإمام الحسين والإمام زين العابدين (عليهما السلام) قُضي على هذه النتيجة الصريحة بشكل مرسّخ، فحينما جاء بنو العبّاس كان اعترافهم بأصل الإسلام بالقدر المشترك بين التشيّع والتسنّن اعترافاً بما لا يمكن إنكاره وإن كانوا كبني اُميّة في ظلمهم لأئمّتنا (عليهم السلام) ولشيعتهم واضطهادهم أيّامهم.

والمرحلة الثانية: مرحلة بناء الكتلة الواعية التي شرع فيها قادة أهل البيت (عليهم السلام) بعد أن وضعوا التحصينات اللازمة، وفرغوا من تحقيق الضمانات الأساسيّة ضدّ صدمة الانحراف، فشرعوا ببناء الكتلة

(1) راجع مناقب ابن شهراشوب 3:268. وأيضاً روى في البحار 45:199: أنّه بمناسبة المجيء برؤوس الشهداء من باب من أبواب دمشق يسمّى (ربى جيرون) أنشد يزيد: لمّا بدت تلك الرؤوسُ وأشرقت *** تلك الشموس على ربى جيرون صاح الغرابُ فقلتُ: صح أو لا تصح *** فلقد قضيتُ من النبيّ ديوني
الصفحة 13

 

والجماعة المنطوية تحت لوائهم، الشاعرة بكلّ حدود وأبعاد المفهوم الإسلاميّ المتبنّى من قبلهم (عليهم السلام) .

وهذا النمط من العمل مارسه الإمام الباقر (عليه السلام) على مستوى القمّة. واستمرّت هذه المرحلة إلى زمان الإمام الكاظم (عليه السلام) ، وفي زمن الإمام الكاظم (عليه السلام) بدأت المرحلة الثالثة(1).

والمرحلة الثالثة: ظهور الكتلة الواعية بمستوى تسلّم زمام الحكم. واستمرّت هذه المرحلة إلى زمان الإمام العسكريّ (عليه السلام) (2).

وطبعاً لا يمكن التمييز الدقيق بين نهاية كلّ مرحلة وبداية الاُخرى; للتشابه والتشابك بين أواخر المرحلة السابقة واُوليات المرحلة اللاحقة.

(1) إنّ الوارد في كتاب (أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف) الذي هو تجميع لبعض محاضرات اُستاذنا الشهيد (قدس سره) في أهل البيت (عليهم السلام) : أنّ المرحلة الثالثة بدأت زمن الإمام الكاظم (عليه السلام) ،في حين أ نّه ورد عن اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) في كتاب (أئمّة أهل البيت ودورهم في تحصين الرسالة الإسلاميّة) ـ تجميع المؤتمر الإسلاميّ للإمام الشهيد الصدر ـ : التصريح بأنّ الدور الثالث بدأ من الإمام الرضا (عليه السلام) ، راجع ذاك الكتاب: 363 و383. فلو صحّت النسختان من المحاضرتين أمكن الجمع بينهما بما سنشير إليه في المتن: من عدم إمكان التمييز الدقيق بين نهاية كلّ مرحلة وبداية الاُخرى; لتشابههما وتشابكهما في أواخر هذه واُوليات الاُخرى... . (2) الجزء الأوّل من كتابنا هذا: 167 ـ 169 بحسب الطبعة الثانية.
الصفحة 14

وقد تقدّم الكلام في أئمّة الدور الأوّل في الجزء الأوّل من كتابنا هذا، وإليك الكلام ـ  باختصار ـ في أئمّة الدور الثاني والثالث:

الصفحة 15

 

أئمّة الدور الثاني والثالث

لمحة عن الإمام محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام)

إنّ أواخر زمن الإمام السجّاد (عليه السلام) ـ  بحسب التقسيم الثلاثيّ لاُستاذنا الشهيد الصدر (قدس سره) لأدوار الأئمّة (عليهم السلام)  ـ واقعة بين نهاية الدور الأوّل، وهو تفادي صدمة الانحراف، وبين بداية الدور الثاني من تلك الأدوار، فتكون أوائل زمن الإمام الباقر (عليه السلام) شبه بداية تقريباً للدور الثاني من أدوارهم (عليهم السلام) .

وقد تمكّن الإمام الباقر (عليه السلام) من تحقيق ما مهّد له إمامنا زين العابدين (عليه السلام) : من بناء الكتلة الحقيقيّة للإسلام، ولدينا من المؤشّرات التأريخيّة ما يشهد لهذه الحقيقة، ولتوضيح ذلك نذكر قضيّتين متشابهتين لطاغوت من الطواغيت مع إمامينا: السجّاد

الصفحة 16

والباقر (عليهما السلام) ، حيث عاصره إمامنا زين العابدين (عليه السلام) في أواخر أمره،
وإمامنا الباقر (عليه السلام) في أوائل أمره، وهو هشام بن عبد الملك.

فقد روى المجلسيّ (رحمه الله) في البحار(1): أ نّه حجّ هشام بن عبد الملك، فلم يقدر على الاستلام(2) من الزحام، فنصب له منبر فجلس عليه، وأطاف به أهل الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل عليّ بن الحسين (عليه السلام) وعليه إزار ورداء، من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم رائحة، بين عينيه سجّادة كأ نّها ركبة عنز، فجعل يطوف، فإذا بلغ إلى موضع الحجر تنحّى الناس حتّى يستلمه هيبة له، فقال شاميّ: من هذا يا أميرالمؤمنين؟ فقال: لا أعرفه، لئلاّ يرغب فيه أهل الشام، فقال الفرزدق ـ وكان حاضراً ـ  : لكنّي أنا أعرفه، فقال الشاميّ: من هو يا أبا فراس؟ فأنشأ... :

يا سائلي أينَ حلّ الجودُ والكرمُ؟ *** عندي بيانٌ إذا طلاّبه قدموا

هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَه *** والبيتُ يعرفُه والحلُّ والحرمُ

(1) بحار الأنوار 46: ص 124 ـ 128. (2) أي: استلام الحجر الأسود.
الصفحة 17

هذا ابنُ خيرِ عبادِ اللهِ كلّهمُ *** هذا التقيُّ النقيُّ الطاهرُ العلمُ

هذا الذي أحمدُ المختارُ والدهُ *** صلّى عليهِ إلهي ما جرى القلمُ

لو يعلمُ الركنُ من قد جاء يلثمُه *** لخرّ يلثمُ منهُ ما وطى القدمُ

هذا عليٌّ رسولُ اللهِ والدهُ *** أمستْ بنورِ هداهُ تهتدي الاُممُ

هذا الذي عمُّه الطيّارُ جعفرُ *** والمقتولُ حمزةُ ليثٌ حبُّه قسمُ

هذا ابنُ سيّدةِ النسوانِ فاطمة *** وابنُ الوصيّ الذي في سيفهِ نقمُ

إذا رأتهُ قريشٌ قالَ قائلُها *** إلى مكارمِ هذا ينتهي الكرمُ

يكاد يُمسكُه عرفانَ راحتهِ(1) *** ركنُ الحطيمِ إذا ما جاء يستلمُ

(1) أي: لأجل معرفة كَفّه.
الصفحة 18

 

وليس قولُك: من هذا؟ بضائرهِ *** العربُ تعرفُ من أنكرتَ والعجمُ

يُنمى(1) إلى ذروةِ العِزّ التي قصرتْ *** عن نيلِها عَرَبُ الإسلامِ والعجمُ

يُغضي حياءً ويُغضى من مهابتِه *** فما يُكلّمُ إلاّ حينَ يبتسمُ

ينجابُ(2) نور الدجى عن نورِ غرّتِه *** كالشمسِ ينجابُ عن إشراقِها الظُلَمُ

بكفّهِ خيزرانٌ ريحُه عبِقٌ(3) *** من كفّ أروع(4) في عرنينهِ(5) شممُ(6)

ما قالَ: «لا» قطُّ إلاّ في تشهّدهِ *** لو لا التشهّدُ كانت لاؤهُ نعمُ

 

(1) أي: يُنسب. (2) أي: ينكشف. (3) عبِق به الطيب، أي: لزق به، ورجُل عبِق إذا تطيّب بأدنى طيب لم يذهب عنه أيّاماً. (4) الأروع: من يعجبك بحسنه وجهارة منظره. (5) أي: أنفه. (6) الشمم: ارتفاع قصبة الأنف وحسنها واستواء أعلاها.
الصفحة 19

مشتقّة من رسولِ الله نبْعتُه *** طابتْ عناصرُه والخيم(1) والشيمُ

حمّالُ أثقالِ أقوام إذا فُدِحوا(2) *** حُلوُ الشمائلِ تحلو عندهُ نعمُ

إن قال قال بما يهوى جميعهم *** وإن تكلّم يوماً زانه الكَلِمُ

هذا ابنُ فاطمة إن كنت جاهلَه *** بجّدِه أنبياءُ الله قد خُتموا

اللهُ فضّله قِدماً وشرّفَه *** جرى بذاك له في لوحه القلمُ

مَن جدُّه دان فضل الأنبياء له *** وفضل اُمّته دانت لها الاُممُ

عمّ البريّةَ بالإحسان وانقشعت *** عنها العماية(3) والإملاق والظُلَمُ

كلتا يديه غياثٌ عمّ نفعهُما *** يستوكفان(4) ولا يعروهما عدمُ

(1) أي: السجيّة والطبيعة. (2) في المناقب: فدحوا من فدحه الدين، أي: أثقله. (3) أي: العمى. (4) أي: يستقطران.
الصفحة 20

 

سهلُ الخليقة لا تخشى بوادرهُ(1) *** يزينه خصلتان: الحلم والكرمُ

لا يخلف الوعد ميموناً نقيبتُه(2) *** رحب الفناء أريبٌ(3) حين يُعترمُ(4)

من معشر حبُّهم دينٌ وبغضهُم *** كفرٌ وقُربهمُ منجىً ومعتصمُ

يستدفع السوء والبلوى بحبّهم *** ويستزاد به الإحسان والنعمُ

مقدّمٌ بعد ذكر الله ذكرهمُ *** في كلّ فرض(5) ومختومٌ به الكَلِمُ

إن عُدّ أهلُ التقى كانوا أئمّتهم *** أو قيل: من خيرُ أهلِ الأرض؟ قيل: همُ

(1) جمع البادرة، وهي ما يبدو من حدّتك في الغضب من قول أو فعل. (2) النقيبة: النفس والعقل والمشورة ونفاذ الرأي والطبيعة. (3) الأريب: العاقل. (4) مبنيّ على المجهول، من العرام بمعنى الشدّة، أي: عاقل إذا أصابته شدّة. (5) أي: في كلّ صلاة. أشار بذلك إلى التشهّد فيها.
الصفحة 21

لا يستطيع جوادٌ بُعد غايتهم *** ولا يدانيهمُ قومٌ وإن كرموا

همُ الغيوثُ إذا ما أزمةٌ(1) أزمت(2) *** والاُسد اُسد الشرى(3) والبأس محتدمُ(4)

يأبى لهم أن يحلّ الذمّ ساحتَهم *** خيم كريم(5) وأيد بالندى(6) هُضُم(7)

لا يقبض العسرُ بسطاً من أكُفّهمُ *** سيّان ذلك إن أثروا(8) وإن عدموا

أيُّ القبائلِ ليست في رقابهمُ *** لأوّلية هذا أو له نعم؟(9)

(1) الأزمة: الشدّة. (2) أي: لزمت. (3) الشرى: مأسدةٌ يضرب بها المثل. (4) احتدم عليه غيضاً: تحرّق، والنار التهبت، أي: الحرب ملتهبٌ. (5) أي: لهم خيم، أي: طبيعة كريمة. (6) الندى: المطر، ويستعار للعطاء الكثير. (7) الهُضُم ككُتُب: جمع هضوم، يقال: يد هضوم، أي تجود: بما لديها. (8) أثرى، أي: كثر ماله. (9) الظاهر أنّ المقصود: لأوّلية عليّ بن الحسين، أو لعليّ بن الحسين (عليهما السلام) .
الصفحة 22

 

من يعرفِ اللهَ يعرف أوّليّةَ ذا *** فالدينُ من بيتِ هذا ناله الاُممُ

بيوتُهم في قريش يستضاءُ بها *** في النائباتِ وعندَ الحكمِ إن حكموا

فجدُّه من قريش في اُرومتها(1) *** محمّدٌ وعليٌّ بعده علمُ

بدرٌ له شاهدٌ والشِعبُ من اُحد *** والخندقان(2) ويوم الفتح قد علموا

وخيبرٌ وحُنينٌ يشهدانِ له *** وفي قُريضةَ يومٌ صَيْلمٌ(3) قتمُ(4)

مواطنٌ(5) قد علتْ في كلّ نائبة *** على الصحابةِ لم أكتُم كما كتموا

(1) أي: في أصلها. (2) إشارة إلى غزوة الخندق: إمّا لكون الخندق محيطاً بطرفي المدينة، أو لانقسامه في الحفر بين المهاجرين والأنصار. (3) الصيلم: الأمر الشديد والداهية. (4) القتام: الغبار، وقتم الغبار قتوماً ارتفع. وهو كناية عن اشتداد القتال. (5) أي: له مواطن، أو هذه مواطن.
الصفحة 21

فغضب هشام ومنع جائزته وقال: ألا قلت فينا مثلها؟ قال: هات جدّاً كجدّه، وأباً كأبيه، واُمّاً كاُمّه حتّى أقول فيكم مثلها، فحبسوه بعُسفان بين مكّة والمدينة، فبلغ ذلك عليّ بن الحسين (عليه السلام) ، فبعث إليه باثني عشر ألف درهم وقال: اعذرنا يا أبا فراس، فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به. فردّها وقال: يا ابن رسول الله، ما قلت الذي قلت إلاّ غضباً لله ولرسوله، وما كنت لأرزأ عليه شيئاً(1).

فردّها إليه وقال: بحقّي عليك لمّا قبلتها فقد رأى الله مكانك وعلم نيّتك، فقبلها.

فجعل الفرزدق يهجو هشاماً وهو في الحبس، فكان ممّا هجاه به قوله:

أيحبسني بينَ المدينةِ والتي *** إليها قلوب الناسِ يهوى مُنيبُها

يقلّب رأساً لم يكن رأسَ سيّد *** وعيناً له حولاء باد عيوبُها

فأخبر هشام بذلك فأطلقه.

أقول: كان المنتظر أن يقتله الطاغية هشام، ولكن لاحَظ القوّة والمكانة الاجتماعيّة لعليّ بن الحسين (عليه السلام) ; وذلك ببركة عمل أئمّة الدور الأوّل بحسب تقسيم اُستاذنا الشهيد، فلم يجرأ هشام أن يرتكب هذه الجريمة.

(1) أي: ما كنت لاُصيب مالاً على ذلك.
الصفحة 23

فغضب هشام ومنع جائزته وقال: ألا قلت فينا مثلها؟ قال: هات جدّاً كجدّه، وأباً كأبيه، واُمّاً كاُمّه حتّى أقول فيكم مثلها، فحبسوه بعُسفان بين مكّة والمدينة، فبلغ ذلك عليّ بن الحسين (عليه السلام) ، فبعث إليه باثني عشر ألف درهم وقال: اعذرنا يا أبا فراس، فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به. فردّها وقال: يا ابن رسول الله، ما قلت الذي قلت إلاّ غضباً لله ولرسوله، وما كنت لأرزأ عليه شيئاً(1).

فردّها إليه وقال: بحقّي عليك لمّا قبلتها فقد رأى الله مكانك وعلم نيّتك، فقبلها.

فجعل الفرزدق يهجو هشاماً وهو في الحبس، فكان ممّا هجاه به قوله:

أيحبسني بينَ المدينةِ والتي *** إليها قلوب الناسِ يهوى مُنيبُها

يقلّب رأساً لم يكن رأسَ سيّد *** وعيناً له حولاء باد عيوبُها

فأخبر هشام بذلك فأطلقه.

أقول: كان المنتظر أن يقتله الطاغية هشام، ولكن لاحَظ القوّة والمكانة الاجتماعيّة لعليّ بن الحسين (عليه السلام) ; وذلك ببركة عمل أئمّة الدور الأوّل بحسب تقسيم اُستاذنا الشهيد، فلم يجرأ هشام أن يرتكب هذه الجريمة.

(1) أي: ما كنت لاُصيب مالاً على ذلك.
الصفحة 24

 

هذه هي القضيّة الاُولى التي حدثت في أواخر زمان الإمام عليّ بن الحسين (عليهما السلام) .

وأمّا القضيّة الثانية الواقعة في أوائل زمان الإمام محمّد بن عليّ الباقر (عليهما السلام) . فقد روى الأربليّ في كشف الغمّة(1) عن الزهريّ «قال: حجّ هشام بن عبد الملك، فدخل المسجد الحرام متّكياً على يد سالم مولاه، ومحمّد بن عليّ بن الحسين (عليه السلام) في المسجد، فقال له سالم: يا أميرالمؤمنين، هذا محمّد بن عليّ بن الحسين.

قال: المفتون به أهل العراق؟

قال: نعم.

قال: اذهب إليه فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: ما الذي يأكل الناس ويشربون إلى أن يفصل بينهم يوم القيامة؟

فقال له أبو جعفر (عليه السلام) : يحشر الناس على مثل قرص نقيّ فيها أنهار متفجّرة يأكلون ويشربون حتّى يُفرغ من الحساب.

قال: فرأى هشام أنّه قد ظفر به، فقال: الله أكبر، اذهب إليه فقل له: ما أشغلهم عن الأكل والشرب يومئذ؟

فقال له أبو جعفر (عليه السلام) : هم في النار أشغل ولم يشتغلوا أن قالوا:

(1) كشف الغمّة 2: 338.
الصفحة 25

(أَفيضُوا عَلَيْنا من الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ الله)(1)، فسكت هشام لا يرجع كلاماً».

وروى الكليني (رحمه الله) هذا الحديث بشكل أكثر تفصيلاً على لسان نافع غلام ابن عمر، حيث روى في روضة الكافي(2) عن أبي الربيع: «قال: حججنا مع أبي جعفر (عليه السلام) في السنة التي كان حجّ فيها هشام بن عبدالملك وكان معه نافع مولى عبدالله بن عمر بن الخطّاب(3)، فنظر نافع إلى أبي جعفر (عليه السلام) في ركن البيت وقد اجتمع عليه الناس، فقال نافع: يا أميرالمؤمنين، من هذا الذي قد تداكّ عليه الناس؟ فقال: هذا نبيّ أهل الكوفة، هذا محمّد بن عليّ، فقال: اشهد لآتينّه فلأسألنّه عن مسائل لا يجيبني فيها إلاّ نبيّ أو ابن نبيّ أو وصيّ نبيّ، قال: فاذهب إليه وسله لعلّك تُخجله. فجاء نافع حتّى اتّكأ على الناس ثمّ أشرف على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: يا محمّد بن عليّ، إنّي قرأت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وقد عرفت حلالها وحرامها، وقد جئت أسألك عن مسائل لا يجيب فيها إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ أو ابن نبيّ، قال: فرفع أبو جعفر (عليه السلام) رأسه فقال: سل عمّا بدا لك.

(1) سورة 7 الأعراف، الآية: 50. (2) الكافي 8: 120 ـ 122، الحديث 93. (3) كأنّ المقصود: غلام ابن عمر.
الصفحة 26

فقال: أخبرني كم بين عيسى وبين محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) من سنة؟

قال: اُخبرك بقولي أو بقولك؟

قال: أخبرني بالقولين جميعاً.

قال: أمّا في قولي فخمس مئة سنة(1)، وأمّا في قولك فستّ مئة سنة. قال: فأخبرني عن قول الله عزّوجلّ لنبيّه: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ)(2)، من الذي سأل محمّد (صلى الله عليه وآله) وكان بينه وبين عيسى خمس مئة سنة؟ قال: فتلا أبو جعفر (عليه السلام) هذه الآية: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا)(3)، فكان من الآيات التي أراها الله تبارك وتعالى محمّداً (صلى الله عليه وآله) حيث أسرى به إلى بيت المقدّس: أن حشر الله ـ  عزّ ذكره  ـ الأوّلين والآخرين من النبيّين والمرسلين، ثمّ أمر جبرئيل (عليه السلام) فأذّن شفعاً وأقام شفعاً وقال في

(1) قال المجلسيّ: «هذا هو الذي دلّت عليه أكثر أخبارنا في قدر زمان الفترة، وقد روى الصدوق (رحمه الله) في كتابه (كمال الدين) عن أبيه، عن محمّد بن يحيى العطّار، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن سعد بن أبي خلف، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان بين عيسى وبين محمّد (صلى الله عليه وآله) خمس مئة عام، وهذا هو الصحيح». مرآة العقول 25: 286. (2) سورة 43 الزخرف، الآية: 45. (3) سورة 17 الإسراء، الآية: 1.
الصفحة 27

أذانه: حيّ على خير العمل، ثمّ تقدّم محمّد (صلى الله عليه وآله) فصلّى بالقوم، فلمّا انصرف قال لهم: على ما تشهدون، وما كنتم تعبدون؟ قالوا: نشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّك رسول الله، أخذ على ذلك عهودنا ومواثيقنا.

فقال نافع: صدقت يا أبا جعفر. فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماوَاتِ وَالاَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا)(1).

قال: إنّ الله تبارك وتعالى لمّا أهبط آدم إلى الأرض و(2)كانت السماوات رتقاً لا تمطر شيئاً وكانت الأرض رتقاً لا تنبت شيئاً، فلمّا أن تاب الله ـ  عزّ وجلّ  ـ على آدم (عليه السلام) أمر السماء فتقطّرت بالغمام، ثمّ أمرها فأرخت عزاليها(3)، ثمّ أمر الأرض فأنبتت الأشجار وأثمرت الثمار وتفهّقت(4) بالأنهار، فكان ذلك رتقها وهذا فتقها.

قال نافع: صدقت يا ابن رسول الله. فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّماوَاتُ)(5) أيّ أرض

(1) سورة 21 الأنبياء، الآية: 30. (2) يحتمل أنّ حرف الواو في النسخة زائدة. (3) العزالي: جمع العزلاء، وهو فم المزادة. والمزادة: ما يوضع فيه الزاد. (4) أي: امتلأت، أو تفيّهت، أي: فتحت أفواهها. ولكن كان القياس تفوّهت. ويحتمل كونها تفتّقت فصُحّف. (5) سورة 14 إبراهيم، الآية: 48.
الصفحة 28

تبدّل يومئذ؟

فقال أبو جعفر (عليه السلام) : أرض تبقى خبزة يأكلون منها حتّى يفرغ الله عزّ وجلّ من الحساب.

فقال نافع: إنّهم عن الأكل لمشغولون.

فقال أبو جعفر (عليه السلام) : أهم يومئذ أشغل أم إذ هم في النار؟

فقال نافع: بل إذ هم في النار.

قال: فوالله ما شغلهم; إذ دعوا بالطعام فاُطعِمُوا الزقّوم ودعوا بالشراب فسُقوا الحميم.

قال: صدقت يا ابن رسول الله. ولقد بقيت مسألة واحدة.

قال: وماهي؟ قال: أخبرني عن الله ـ  تبارك وتعالى  ـ متى كان؟

قال: ويلك متى لم يكن حتّى اُخبرك متى كان، سبحان من لم يزل ولا يزال فرداً صمداً لم يتّخذ صاحبة ولا ولداً.

ثمّ قال: يا نافع، أخبرني عمّا أسألك عنه.

قال: وما هو؟

قال: ما تقول في أصحاب النهروان؟ فإن قلت: إنّ أمير المؤمنين قتلهم بحقّ، فقد ارتددت(1)، وإن قلت: إنّه قتلهم باطلاً فقد كفرت.

(1) أي: ارتددت ورجعت عن مذهبك. أراد (عليه السلام) الاحتجاج عليه فيما كان يعتقده من رأي الخوارج.
الصفحة 29

قال: فولّى من عنده وهو يقول: أنت والله أعلم الناس حقّاً حقّاً، فأتى هشاماً فقال له: ما صنعت؟

قال: دعني من كلامك هذا، والله أعلم الناس حقّاً حقّاً، وهو ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حقّاً».

وممّا يؤيّد تمكّن مولانا الباقر (عليه السلام) من بناء الكتلة الحقيقيّة للإسلام الحقيقيّ ـ  وهو التشيّع ـ بمستوىً واسع ما مضى من قول هشام: «هذا نبيّ أهل الكوفة»; فإنّ هذا التصريح ونحوه يدلّ على مدى العمل الاجتماعيّ للإمام الباقر (عليه السلام) وتمكّنه من تربية ثلّة عقائديّة تؤمن بخطّ أهل البيت (عليهم السلام) .

فصحيح أنّ التشيّع اُعطي من زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) واُعلن على الملأ العامّ حينما قال: «ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، قالوا اللّهمّ بلى. قال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه»، بل طرحه رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الملأ العامّ في بدء دعوته العلنيّة، فقد روى الطبرسيّ في تفسير مجمع البيان لدى تفسير قوله تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَْقْرَبِينَ)(1)عن البراء بن عازب أنّه قال: لمّا نزلت الآية جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بني عبد المطّلب وهم يومئذ أربعون رجلاً، فأمر عليّاً (عليه السلام) برِجل شاة فأدمها(2)، ثمّ قال: ادنوا بسم الله، فدنا القوم عشرة عشرة فأكلوا حتّى

(1) سورة 26 الشعراء، الآية: 214. (2) أي: جعل فيها إداماً يؤكل أو جعلها إداماً يُؤكل.
الصفحة 30

صدروا، ثمّ دعا بقعب(1) من لبن فجرع منه جرعة، ثمّ قال: هلمّوا اشربوا بسم الله، فشربوا حتّى رووا، فبدرهم أبو لهب فقال: هذا ما سحركم به الرجل، فسكت (صلى الله عليه وآله) يومئذ ولم يتكلّم، ثمّ دعاهم من الغد إلى مثل ذلك من الطعام والشراب، ثمّ أنذرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا بني عبد المطّلب، إنّي أنا النذير إليكم من الله ـ  عزّ وجلّ  ـ والبشير فأسلموا وأطيعوني تهتدوا، ثمّ قال: من يؤاخيني ويؤازرني ويكون وليّي ووصيّي بعدي وخليفتي في أهلي، ويقضي ديني؟ فسكت القوم، وقال عليّ (عليه السلام) : أنا. فأعادها (صلى الله عليه وآله) ثلاثاً كلّ ذلك يسكت القوم ويقول عليّ (عليه السلام) : أنا. فقال (صلى الله عليه وآله) في المرّة الثالثة: أنت. فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك فقد اُمّر عليك.

قال الطبرسيّ (رحمه الله) : أورده الثعلبي في تفسيره وروى عن أبي رافع هذه القصّة وأنّه جمعهم في الشعب، فصنع لهم رِجْلَ شاة فأكلوا حتّى تضلّعوا(2)، وسقاهم عُسّاً(3) فشربوا كلّهم حتّى رووا، ثمّ قال: إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين وأنتم عشيرتي ورهطي، وإنّ الله لم يبعث نبيّاً إلاّ وجعل له من أهله أخاً ووزيراً ووارثاً ووصيّاً

(1) القَعْب: القدح الضخم الغليظ. (2) أي: شبعوا. (3) العُسّ: القدح أو الإناء الكبير.
الصفحة 31

وخليفةً من أهله، فأيّكم يقوم فيبايعني على أنّه أخي ووارثي ووزيري ووصيّي، ويكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي؟ فسكت القوم، فقال: ليقومنّ قائمكم أو ليكوننّ من غيركم، ثمّ لتندَمُنّ، ثمّ أعاد الكلام ثلاث مرّات، فقام عليّ (عليه السلام) فبايعه فأجابه، ثمّ قال (صلى الله عليه وآله) : ادن منّي، فدنا منه ففتح فاه ومجّ في فيه من ريقه وتفل بين كتفيه وثدييه، فقال أبولهب: بئس ما حبوت به ابن عمّك إن أجابك فملأت فاه ووجهه بزاقاً، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله) ملأته حكماً وعلماً.

وللعلاّمة السيّد جعفر مرتضى العامليّ بحث طريف في كتابه: (الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم) بعنوان حديث الدار، وقد ذكر مصادر كثيرة للحديث، وأكثرها سُنّيّة، فراجع(1).

ولكن بناء الكتلة بشكل واسع بدا واضحاً في زمان الإمام الباقر (عليه السلام) .

فقد روى في البحار عن المناقب عن حبّابة الوالبيّة قالت: «رأيت رجلاً بمكّة أصيلاً(2) في الملتزم، أو بين الباب والحجر على صعدة من الأرض... فلمّا انثال الناس عليه يستفتونه عن المعضلات

(1) ج 3: 154. (2) يعني وقت العصر.
الصفحة 32

ويستفتحون أبواب المشكلات، فلم يرم(1) حتّى أفتاهم في ألف مسألة...»(2).

وروى أيضاً فيه عن الكشّي، عن محمّد بن مسلم قال: «ما شجر في رأيي شيء قطّ إلاّ سألت عنه أبا جعفر (عليه السلام) حتّى سألته عن ثلاثين ألف حديث، وسألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن ستّة عشر ألف حديث»(3).

(1) أي: لم يبرح المكان. (2) بحار الأنوار 46، تأريخ الإمام الباقر، ب 5 معجزاته ومعاليه: 259، الحديث 60. (3) المصدر السابق، ب 6 مكارم أخلاقه وسيره وسننه وعلمه وفضله: 292، الحديث 17.
الصفحة 33

لمحة عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)

 

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)(1).

مناقبُ(2) الصادقِ مشهورةٌ *** ينقلُها عن صادق صادقُ

سما إلى نيلِ العُلى وادعاً(3) *** وكَلَّ عن إدراكهِ اللاحقُ

جرى إلى المجدِ كآبائهِ *** كما جرى في الحلبةِ السابقُ

وفاقَ أهلَ الأرض في عصره *** وهو على حالاتِه فائقُ

سماؤهُ بالجودِ هطّالةٌ(4) *** وسيبُه(5) هامي الحيا دافقُ

وكلُّ ذي فضل بإفضالهِ *** وفضلِه معترفٌ ناطقُ

مولاي إنّي فيكمُ مخلصٌ *** إن شاب بالحبّ لكم ماذقُ(6)

(1) سورة 9 التوبة، الآية: 119. (2) راجع هذه الأبيات في كشف الغمّة 2: 429 ـ 430. (3) أي: بالسكينة والدعة. (4) الهطّال من المطر: النازل بشدّة. (5) السيب: المطر الجاري والعطاء الكثير. (6) أي: إن شاب البعض بحبّ مشوب وبلا إخلاص فإنّي لكم مخلص.
الصفحة 34

لكم مُوال وإلى بابِكم *** اُنضي(1) المطايا وبكم واثقُ

أرجو بكم نيلَ الأماني إذا *** نجا مطيعٌ وهوى مارقُ

لا ريب في أنّ إمامنا الصادق (عليه السلام) تمكّن من مواصلة عمل إمامنا الباقر (عليه السلام) في نشر التشيّع وترسيخ أواصره وتوضيح معالمه ومفاهيمه وثقافته وإيصال مشروع أبيه (عليه السلام) إلى أعلى قممه، ولهذا نُسب مذهبنا إليه (سلام الله عليه)، فنحن نسمّى (جعفريّين)، وكان السبب في ذلك أنّه (عليه السلام) عاش زمن انتقال السلطة من بني اُميّة إلى بني العبّاس، واشتغال الطواغيت بعضهم ببعض، وضعف هؤلاء أو اُولئك في سلطتهم، فواصل العمل في هذا السبيل مستثمراً لهذه الفرصة.

ونحن نواصل هنا ـ  باختصار  ـ الحديث:

أوّلاً: عن نشر أحكام الإسلام الصحيح ومفاهيمه وثقافته على لسانه (سلام الله عليه).

وثانياً: عن سياسته تجاه أبي جعفر المنصور الدوانيقي.

وثالثاً: عن إبرازه لعظمة علم الأئمّة (عليهم السلام) وغزارته.

مكتفين في كلّ هذه المقامات الثلاثة بالنزر اليسير ممّا ورد في التأريخ:

(1) أي: اُهزِلُ، والنضوُ: البعير المهزول.
الصفحة 35

أوّلاً: نشره (عليه السلام) لأحكام الإسلام الصحيح ومفاهيمه وثقافته:

روى الأربليّ (رحمه الله) في كشف الغُمّة(1) عن المفيد: «...إنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل...».

وأيضاً روى عن المفيد (رحمه الله) : أنّ أباشاكر الديصاني وقف ذات يوم على مجلس أبي عبدالله (عليه السلام) فقال له: «إنّك لأحد النجوم الزواهر، وكان آباؤك بدوراً بواهر، واُمّهاتك عقيلات عباهر(2)، وعنصرك من أكبر العناصر، وإذا ذكر العلماء فعليك تثني الخناصر، فخبّرنا أيّها البحر الزاخر ما الدليل على حدوث العالم؟»(3).

فقال له أبو عبدالله (عليه السلام) : «إنّ أقرب الدليل على ذلك ما أذكره لك»، ثمّ دعا ببيضة فوضعها في راحته وقال: «هذا حصن ملموم داخله غرقئ(4)رقيق، يُطيف(5) به كالفضّة السائلة والذهبة المائعة أتشكّ في ذلك؟»، قال أبو شاكر: «لا شكّ فيه». قال أبو عبدالله: «ثمّ إنّه ينفلق عن صورة كالطاووس أدخله شيء غير ما عرفت؟»، «قال: لا».

(1) كشف الغمّة 2:379 ـ 380. (2) العقيلة: كريمة الحيّ. وامرأة عبهرة: ممتلئة الجسم. والعرب تتمدّح بذلك; لدلالته على النعمة وخصب العيش. (3) كشف الغمّة 2:391. (4) الغرقئ: القشرة التي تحت القشر السميك من البيض. (5) أي: محيط.
الصفحة 36

قال: «فهذا الدليل على حدوث العالم»(1)...

ثانياً: سياسته (عليه السلام) تجاه أبي جعفر المنصور الدوانيقيّ:

ونذكر هنا باختصار عدّة مواقف له (عليه السلام) :

الموقف الأوّل: ابتعاده (سلام الله عليه) عن دنيا المنصور وزخارفه:

ونكتفي في ذلك بما رواه الأربليّ (رحمه الله) في كشف الغمّة(2) عن ابن حمدون: كتب المنصور إلى جعفر بن محمّد: «لِمَ لا تَغشانا كما يغشانا سائر الناس؟» فأجابه (عليه السلام) : «ليس لنا ما نخافك من أجله، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنّئك، ولا تراها نقمة فنعزّيك بها، فما نصنع عندك؟» قال: فكتب إليه: «تصحبنا لتنصحنا»، فأجابه (عليه السلام) : «من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك». فقال المنصور: «والله لقد ميّز عندي منازل الناس من يريد الدنيا ممّن يريد الآخرة، وإنّه ممّن يريد الآخرة لا الدنيا».

الموقف الثاني: إشارته إليه أنّه من الجبابرة:

روى في كشف الغمّة عن أحمد بن عمرو بن المقدام الرازي: وقع

(1) كأنّه إشارة إلى برهان كون التغيّر دليل الحدوث، وقد شرحنا ذلك في كتابنا (اُصول الدين). (2) كشف الغمّة 2:427.
الصفحة 37

 

الذباب على المنصور فذبّه عنه، فعاد فذبّه عنه حتّى أضجره، فدخل عليه جعفر بن محمّد (عليه السلام) ، فقال له المنصور: «يا أبا عبد الله، لِمَ خلق الله تعالى الذباب؟»، فقال: «ليذلّ به الجبابرة»(1).

وترى النكتة الحكيمة المشتركة في هذين الموقفين أنّه برغم إظهاره (عليه السلام) للحقّ إتماماً للحجّة على المنصور لم يُعطِ المنصور ذريعة على نفسه، ففي الموقف الثاني لم يصرّح (عليه السلام) له بأنّك أنت ذاك الجبّار، ولا يدري المنصور أنّه (عليه السلام) مطّلع على قصّة الذباب معه حتّى يأخذ ذلك ذريعة عليه، وكذلك في الموقف الأوّل لم يذكر سلام الله عليه: (أنّ دنياك حرام عليك)، واكتفى بذكر: «أنّ من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك».

في حين أنّه (عليه السلام) حينما كان يتكلّم عن أهل الجور بعنوان أهل الجور كان يصرّح بحرمة المرافعة لأجل القضاء عندهم وبحرمة إعانتهم ولو ببناء مسجد.

فانظُرْ إلى قوله (عليه السلام) : «أيّما مؤمن قدّم مؤمناً في خصومة إلى قاض أو سلطان جائر فقضى عليه بغير حكم الله، فقد شركه في الإثم»(2).

وإلى قوله (عليه السلام) : «أيّما رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حقّ فدعاه

(1) المصدر السابق :370. (2) الوسائل 27:11، الحديث 1.
الصفحة 38

 

إلى رجل من إخوانكم ليحكم بينه وبينه فأبى إلاّ أن يرافعه إلى هؤلاء، كان بمنزلة الذين قال الله عزّ وجلّ: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ)(1)»(2).

وإلى قوله (عليه السلام) : «لا تعنهم على بناء مسجد»(3).

ومع الالتفات إلى نكتة عدم إعطاء الذريعة على نفسه (سلام الله عليه) في الموقفين الأوّلين يتّضح عدم التنافي بين هذين الموقفين والموقف الثالث التالي:

الموقف الثالث: اتّقاؤه (عليه السلام) من شرّه وتفادي غضبه بحكمة ورويّة حسنة:

من قبيل ما رواه في كشف الغُمّة تارة عن عبد الله بن الفضل بن الربيع، عن أبيه(4)، واُخرى عن نقلة الآثار مع تغيير في النقل(5).

وأنا آخذ صدر القصّة من النقل الأوّل وذيلها من النقل الثاني.

(1) سورة 4 النساء، الآية: 60. (2) الوسائل 27، ب 1 من صفات القاضي: 12، الحديث 2. (3) الوسائل 17، ب 42 ممّا يكتسب به: 180، الحديث 8. (4) كشف الغمّة: 2:371. (5) المصدر السابق: 381 ـ 382.
الصفحة 39

فصدرها ما يلي:

روى عبد الله بن الفضل بن الربيع عن أبيه: «قال: حجّ المنصور سنة سبع وأربعين ومئة، فقدم المدينة وقال للربيع [بن يونس]: ابعث إلى جعفر بن محمّد من يأتينا به مُتْعَباً قتلني الله إن لم أقتله. فتغافل الربيع عنه لينساه، ثمّ أعاد ذكره للربيع وقال: ابعث من يأتينا به مُتْعَباً، فتغافل عنه، ثمّ أرسل إلى الربيع رسالة قبيحة أغلظ فيها وأمره أن يبعث من يحضر جعفراً ففعل.

فلمّا أتاه قال له الربيع: يا أبا عبد الله، اذكر الله، فإنّه قد أرسل إليك بما لا دافع له غير الله، فقال جعفر (عليه السلام) : لا حول ولا قوّة إلاّ بالله.

ثمّ إنّ الربيع أعلم المنصور بحضوره، فلمّا دخل جعفر عليه أوعده وأغلظ له وقال: أي عدوّ الله، اتّخذك أهل العراق إماماً يجبون إليك زكاة أموالهم وتُلحِدُ في سلطاني وتبغيه الغوائل، قتلني الله إن لم أقتلك...».

وذيل القصّة ـ وهو جواب الإمام (عليه السلام) ـ هو ما يلي بحسب النقل الثاني:

«فقال له أبو عبدالله (عليه السلام) : والله ما فعلت ولا أردت، فإن كان بلغك فمن كاذب، وإن كنت فعلتُ فقد ظُلم يوسف فغفر، وابتلي أيّوب فصبر، واُعطي سليمان فشكر، فهؤلاء أنبياء الله وإليهم يرجع نسبك.

فقال له المنصور: أجل ارتفع هاهنا فارتفع، فقال: إنّ فلان بن فلان

الصفحة 40

أخبرني عنك بما ذكرت.

فقال: أحضره يا أميرالمؤمنين ليواقفني على ذلك.

فأحضر الرجل المذكور، فقال له المنصور: أنت سمعت ما حكيت عن جعفر؟ فقال: نعم. فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) : فاستحلفه على ذلك. فقال له المنصور: أتحلف؟ قال: نعم، وابتدأ باليمين، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) : دعني يا أميرالمؤمنين اُحلّفه أنا. فقال له: افعل.

فقال أبو عبد الله (عليه السلام) للساعي: قل: برئت من حول الله وقوّته والتجأت إلى حولي وقوّتي لقد فعل كذا وكذا جعفر، وقال كذا وكذا جعفر(1). فامتنع هُنيئة ثمّ حلف بها، فما برح حتّى ضرب برجله(2)، فقال أبو جعفر: جُرّوا برجله وأخرِجوه لعنه الله.

قال الربيع: وكنت رأيت جعفر بن محمّد (عليه السلام) حين دخل على المنصور يحرّك شفيته، وكلّما حرّكهما سكن غضب المنصور حتّى أدناه منه ورضي عنه، فلمّا خرج أبو عبد الله (عليه السلام) من عند أبي جعفر اتّبعتُه فقلت: إنّ هذا الرجل كان من أشدّ الناس غضباً عليك، فلمّا دخلت عليه كنت تحرّك شفتيك، وكلّما حرّكتهما سكن غضبه، فبأيّ شيء كنت

(1) يعني: برئت من حول الله وقوّته والتجأت إلى حولي وقوّتي إن كنتُ كاذباً. (2) كأنّ المقصود: وقع المرض في رجله فقتله به.
الصفحة 41

تحرّكهما؟

قال: بدعاء جدّي الحسين بن عليّ (عليه السلام) .

قلت: جعلت فداك وما هذا الدعاء؟

قال: يا عُدّتي عند شدّتي، ويا غوثي عند كربتي، احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يُرام.

قال الربيع: فحفظت هذا الدعاء، فما نزلت بي شدّة قطّ إلاّ دعوت به ففُرّج عنّي.

قال: وقلت لأبي عبد الله جعفر بن محمّد (عليه السلام) : لِمَ منعت الساعي أن يحلف بالله؟ قال: كرهتُ أن يراه الله يوحّده ويمجّده فيحلم عنه ويؤخّر عقوبته، فاستحلفته بما سمعت فأخذه الله أخذةً رابية».

وورد أيضاً في كشف الغمّة(1) نظير هذا الاُسلوب في تسكين غضب المنصور حين أبدى عزمه على هدم المدينة، والنصّ ما يلي:

«قال له(2) أبو جعفر المنصور: إنّي قد عزمت على أن اُخرب المدينة ولا أدع بها نافخ ضَرَمة(3)، فقال (عليه السلام) : يا أميرالمؤمنين، لا أجد بدّاً من النصاحة لك، فاقبلها إن شئت أو لا.

(1) كشف الغمّة 2:420 ـ 421. (2) أي: للإمام الصادق (عليه السلام) . (3) الضَرَمة: اللهَب، أي: لا أترك بها إنساناً.
الصفحة 42

قال: قل.

قال: إنّه قد مضى لك ثلاثة أسلاف: أيّوب ابتلي فصبر، وسليمان اُعطي فشكر، ويوسف قدر فغفر، فاقتد بأيّهم شئت.

قال: قد عفوت».

ثالثاً: إبرازه (عليه السلام) لعظمة علم الأئمّة (عليهم السلام) وغزارته:

فقد ورد في كشف الغمّة(1) ما نصّه:

وكان يقول (عليه السلام) : «علمُنا غابرُ ومزبور، ونَكْتٌ في القلوب، ونقرٌ في الأسماع، وإنّ عندنا الجفر الأحمر، والجفر الأبيض، ومصحف فاطمة(عليها السلام)، وإنّ عندنا الجامعة فيها جميع ما يحتاج الناس إليه».

فسئِل عن تفسير هذا الكلام فقال: «أمّا الغابر فالعلم بما يكون، وأمّا المزبور فالعلم بما كان، وأمّا النكت في القلوب فهو الإلهام، وأمّا النقر في الأسماع فهو حديث الملائكة نسمع كلامهم ولا نرى أشخاصهم، وأمّا الجفر الأحمر فوعاء فيه سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ولن يخرج حتّى يقوم قائمنا أهل البيت، وأمّا الجفر الأبيض فوعاءٌ فيه توراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وكتُب الله الاُولى، وأمّا مصحف فاطمة(عليها السلام) ففيه ما يكون من حادث وأسماء كلّ من يملك إلى أن تقوم الساعة، وأمّا الجامعة فهو كتاب طوله سبعون ذراعاً إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله)

(1) كشف الغمّة 2 : 383.
الصفحة 44

قال: ثمّ قال: يا أبا محمّد، وإنّ عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة؟ قال: قلت: جعلت فداك وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإملائه مِن فَلَق فيه(1)، وخطّ عليّ (عليه السلام) بيمينه، فيها كلّ حلال وحرام، وكلّ شيء يحتاج الناس إليه حتّى الأرش في الخدش، وضرب بيده إليّ فقال: تأذن لي يا أبا محمّد؟(2). قال: قلت: جعلت فداك إنّما أنا لك فاصنع ما شئت، قال: فغمزني بيده وقال: حتّى أرش هذا(3) ـ كأنّه مغضب ـ قال: قلت: هذا والله العلم. قال: إنّه لعلم وليس بذاك.

ثمّ سكت ساعة ثمّ قال: وإنّ عندنا الجعفر، وما يدريهم ما الجفر؟ قال: قلت: وما الجفر؟ قال: وعاء من أدم(4) فيه علم النبيّين والوصيّين وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل. قال: قلت: إنّ هذا هو العلم. قال: إنّه لعلم وليس بذاك.

ثمّ سكت ساعة ثمّ قال: وعندنا لمصحف فاطمة(عليها السلام)، وما يُدريهم
ما مصحف فاطمة(عليها السلام)؟ قال: قلت: وما مصحف فاطمة(عليها السلام)؟ قال:

(1) أي: كُتب بإملائه من شقّ فمه (صلى الله عليه وآله) . (2) أي: في غمزي إيّاك بيدي حتّى تجد الوجع في بدنك. (3) يعني: ديته. (4) يعني: الجِلد.
الصفحة 45

مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرّات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد. قال: قلت: هذا والله العلم. قال: إنّه لعلم وما هو بذاك.

ثمّ سكت ساعة ثمّ قال: إنّ عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة. قال: قلت: جعلت فداك هذا والله هو العلم. قال: إنّه لعلم وليس بذاك.

قال: قلت: جعلت فداك فأيّ شيء العلم؟ قال: ما يحدث بالليل والنهار الأمر من بعد الأمر والشيء بعد الشيء إلى يوم القيامة»(1).

الرواية الثانية: صحيحة الحسين بن أبي العلاء «قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنّ عندي الجفر الأبيض. قال: قلت: فأيّ شيء فيه؟ قال: زبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وصحف إبراهيم، والحلال والحرام، ومصحف فاطمة، ما أزعم أنّ فيه قرآناً، وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلى أحد، حتّى فيه الجَلدة ونصف الجَلدة وربع الجَلدة وأرش الخدش.

وعندي الجفر الأحمر. قال: قلت: وأيّ شيء في الجفر الأحمر؟ قال:

(1) اُصول الكافي 1:239ـ240، الحديث 1.
الصفحة 46

 

السلاح، وذلك إنّما يفتح للدم، يفتحه صاحب السيف للقتل»(1).

ولا بأس بالإشارة في نهاية هذا البحث إلى أنّ اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) كان يرى ـ على ما ورد في كتاب (أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ) الذي هو تجميع لمحاضراته (رحمه الله) من قبل المؤتمر العالميّ للإمام الشهيد الصدر، ص 382 ـ 383 ـ : أنّ أئمّة الدور الثاني (عليهم السلام) قاموا بجهدين بأشكالهما المختلفة:

أحدهما: هو جهد التثقيف الفكريّ والتوعية العقائديّة والرساليّة بالشكل الشيعيّ، وهذا ما كان يمارسه أئمّة هذا الدور ممارسة مباشرة واضحة.

وثانيهما: جهد يمشي موازياً مع هذا الجهد، وهوالجهد الذي انطلق من دم الحسين (عليه السلام) ، وهو العمل المسلّح ضدّ الطغاة وتزعّم المعركة لتحريك الضمير الثوريّ عند الاُمّة الإسلاميّة.

إلاّ أنّه لم يكن بإمكان أئمّة الدور الثاني تزعّم ذلك بالمباشرة وبالمكشوف فقاموا بإذن عامّ لكلّ مسلم يمارس عمله ضدّ الطواغيت الحاكمين وقتئذ، وقد بدأ بهذا الإذن إمامنا زين العابدين (عليه السلام) حينما ذهب إليه محمّد بن الحنفيّة يستشيره فيما عليه طلب المختار، فأعطى (عليه السلام) بياناً لم يكن يخصّ المختار، بل كان بحسب ما كانت تدلّ عليه

(1) المصدر السابق: 240، الحديث 3.
الصفحة 47

الملابسات والظروف العامّة أنّه بداية تخطيط لمرحلة جديدة(1).

قال اُستاذنا (رحمه الله) ـ في المصدر نفسه ـ : والمساندة واضحة كلّ الوضوح خلال المرحلة الثانية لهذا الخطّ الثاني.

ولعلّ من أهمّ هذه الوثائق التأريخيّة الكتاب الباكي المفجوع الذي كتبه الإمام الصادق (عليه السلام) إلى بني عمّه إلى عبد الله بن الحسن المحض صاحب النفس الزكيّة.

أقول: إنّه (رحمه الله) يشير بذلك إلى ما ورد في البحار ـ ج 47، ص 299 ـ 301 ـ : من أنّ أبا عبد الله جعفر بن محمّد (عليه السلام) كتب إلى عبد الله بن الحسن حين حُمل هو وأهل بيته يعزّيه عمّا صار إليه:

«بسم الله الرحمن الرحيم إلى الخلف الصالح(2) والذرّيّة الطيّبة من وُلد أخيه وابن عمّه.

(1) يشير بذلك إلى الحديث الوارد في البحار ـ 45، باب أحوال المختار وما جرى على يديه: 365 ـ : من أنّ محمّد بن الحنفيّة قد استشاره جماعة فى الخروج مع المختار، فقال (رحمه الله) لهم: قوموا بنا إلى إمامي وإمامكم عليّ بن الحسين، فلمّا دخل ودخلوا عليه أخبر خبرهم الذي جاؤوا لأجله، قال: يا عمّ، لو أنّ عبداً زنجيّاً تعصّب لنا أهل البيت لوجب على الناس مؤازرته، وقد ولّيتك هذا الأمر فاصنع ما شئت، فخرجوا وقد سمعوا كلامه وهم يقولون: أذِن لنا زين العابدين ومحمّد بن الحنفيّة. (2) يقصد عبد الله بن الحسن صاحب النفس الزكيّة.
الصفحة 48

أمّا بعد فلئن كنت قد تفرّدت أنت وأهل بيتك ممّن حُمل معك بما أصابكم ما انفردت بالحزن والغيظ والكئابة وأليم وجع القلب دوني، ولقد نالني من ذلك من الجزع والقلق وحرّ المصيبة مثل ما نالك...» إلى أن يقول في آخرها: «أفرغ الله علينا وعليكم الصبر، وختم لنا ولكم بالأجر والسعادة، وأنقذنا وإيّاكم من كلّ هلكة بحوله وقوّته إنّه سميع قريب، وصلّى الله على صفوته من خلقه محمّد النبيّ وأهل بيته».

قال المجلسي (رحمه الله) بعد نقل هذا الحديث: «وقد اشتملت هذه التعزية على وصف عبد الله بن الحسن بالعبد الصالح، والدعاء له وبني عمّه بالسعادة، وهذا يدلّ على أنّ الجماعة المحمولين كانوا عند مولانا الصادق (عليه السلام) معذورين وممدوحين ومظلومين وبحبّه عارفين».

ثمّ أضاف: أقول: «وقد يوجد في الكتُب أنّهم كانوا للصادقين (عليهم السلام) مفارقين، وذلك محتمل للتقيّة، لئلاّ ينسب إظهارهم لإنكار المنكر إلى الأئمّة الطاهرين...».

الصفحة 49

لمحة عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)

قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمحْسِنِينَ)(1).

مدائحي وقفٌ على الكاظمِ *** فما على العاذل واللائمِ

وكيف لا أمدحُ مولىً غدا *** في عصرهِ خيرَ بني آدمِ

ومَن كموسى أو كآبائهِ *** أو كعليّ وإلى القائمِ

إمامُ حقِّ يقتضي عدْلُه *** لو سُلّم الحكمُ إلى الحاكمِ

إفاضةَ العدلِ وبذلَ الندى *** والكفّ من عاديةِ الظالمِ

(1) سورة 3 آل عمران، الآية: 133 ـ 134.
الصفحة 50

يبسمُ للسائِل مستبشراً *** أفديهِ من مستبشر باسِم

ليث وغىً في الحرب دامي الشبا(1) *** وغيث جود كالحيا الساجم(2)

مَآثرٌ تعجزُ عن وصفِها *** بلاغةُ الناثرِ والناظمِ(3)

نقل المجلسيّ (رحمه الله) (4) عن مناقب ابن شهراشوب: أنّه سمّي الكاظم لما كظمه من الغيظ وغضّ بصره عمّا فعله الظالمون به حتّى مضى قتيلاً في حبسهم.

إنّ إمامنا موسى الكاظم (عليه السلام) له مواقف تقيّة أمام طاغوت زمانه هارون الرشيد كمواقف أبيه (عليه السلام) أمام طاغوت زمانه منصور الدوانيقي.

ولكن في الوقت نفسه له مواقف صريحة ضدّ هارون الرشيد وجهاً لوجه وبالمباشرة لم نرَ مثلها من أبيه (عليه السلام) في مواجهاته وجهاً لوجه وبالمباشرة مع الدوانيقي.

(1) الدامي: الذي يسيل دمه. والشبا: الخيول التي تقوم على رجليها. وكأنّ المقصود: أنّه (عليه السلام) ليثٌ لوغىً خيوله دامية. (2) أي: كالمطر النازل. (3) الأبيات للأربليّ (رحمه الله) في كشف الغمّة 3: 51. (4) بحار الأنوار 48: 11.
الصفحة 51

وهذا هو الذي يفسّر لنا أنّ الإمام الكاظم (عليه السلام) برغم أنّه من أ ئمّة الدور الثاني من الأدوار الثلاثة يُوجد في حياته ما يشير إلى بدايات الدور الثالث.

ونشير هنا إلى عدد من مواقفه ومواجهاته المباشرة الصريحة ضدّ هارون:

فمنها: ما رواه في كشف الغمّة(1)، ولعلّه أوّل تلك المواقف أو من أوائلها، وهو ما يلي:

لمّا دخل الرشيد المدينة توجّه لزيارة النبيّ (صلى الله عليه وآله) ومعه الناس، فتقدّم إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: «السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا ابن عمّ» مفتخراً بذلك على غيره، فتقدّم موسى (عليه السلام) إلى القبر وقال: «السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبة»، فتغيّر وجه الرشيد وتبيّن الغيظ فيه.

أقول: وكأنّما بقيت هذه القصّة في نفس الرشيد، ولهذا فاتح الإمام (عليه السلام) حول اُبوّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهم (عليهم السلام) بالبحث والنقاش حينما اُدخِل على الرشيد، والرواية مفصّلة(2)، وأنا أقتطع منها مقطعاً:

قال الرشيد: «لِمَ جوّزتم للعامّة والخاصّة أن ينسبوكم إلى

(1) كشف الغمّة 3:21. (2) اُنظر: بحار الأنوار 48:127 ـ 129.
الصفحة 52

رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويقولون لكم يا بني رسول الله وأنتم بنو عليّ، وإنّما ينسب المرء إلى أبيه، وفاطمة إنّما هي وعاء، والنبيّ جدّكم من قبل اُمّكم؟

فقال (عليه السلام) : يا أميرالمؤمنين، لو أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) نُشِر فخطب إليك كريمتك هل كنت تُجيبه؟ فقال: سبحان الله، ولِمَ لا اُجيبه؟؟ بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك. فقال (عليه السلام) : لكنّه لا يخطب إليّ ولا اُزوّجه. فقال: وَلِمَ؟ قال (عليه السلام) : لأنّه ولدني ولم يلدك. فقال: أحسنت يا موسى(1).

ثمّ قال: كيف قلتم: إنّا ذرّيّة النبيّ، والنبيّ لم يعقّب، وإنّما العقب للذكر لا للاُنثى، وأنتم وُلد الإبنة، ولا يكون لها عقب؟(2). فقال (عليه السلام) : أسألك بحقّ القرابة والقبر ومن فيه إلاّ ما أعفيتني عن هذه المسألة. فقال: لا أو تخبرني بحجّتكم فيه يا وُلدَ عليّ وأنت يا موسى يعسوبهم وإمام زمانهم كذا اُنهي إليّ، ولست اُعفيك في كلّ ما أسألك عنه حتّى

(1) ولم يكن قادراً على ردّه; لأنّ عدم جواز زواج الجدّ الاُمّيّ من كريمة الابن متّفق عليه بين الشيعة والسنّة. (2) هذا هو عين المنطق الجاهليّ القائِل: «بنونا بنو أبنائنا وبناتنا *** بنوهنّ أبناء الرجال الأباعد» وهذا هو المنطق الذي ردّه الله تعالى بقوله الكريم: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الاَْبْتَر)، سورة 108 الكوثر، الآية: 3.
الصفحة 53

تأتيني فيه بحجّة من كتاب الله، فأنتم تدّعون معشر وُلد عليّ أنّه لا يسقط عنكم منه شيء ألف ولا واو إلاّ وتأويله عندكم، واحتججتم بقوله عزّ وجلّ: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْء)(1)، وقد استغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم. [فقال: ]تأذن لي في الجواب؟ قال: هات. [فقال:] أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم (وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسَى...)(2)، مَن أبو عيسى يا أميرالمؤمنين؟ فقال: ليس لعيسى أب. [فقال:] إنّما ألحقناه بذراري الأنبياء من طريق مريم(عليها السلام) وكذلك اُلحقنا بذراري النبيّ (صلى الله عليه وآله) من قبل اُمّنا فاطمة(عليها السلام).

أزيدك يا أميرالمؤمنين؟ قال: هات. [قال:] قول الله عزّ وجلّ: (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)(3)، ولم يدّع أحد أنّه أدخل النبيّ (صلى الله عليه وآله) تحت الكساء عند مباهلة النصارى إلاّ عليّ بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) ،

(1) سورة 6، الأنعام، الآية: 38. (2) سورة 6 الأنعام، الآية: 84 ـ 85. (3) سورة 3 آل عمران، الآية: 61.
الصفحة 54

فكان تأويل قوله عزّ وجلّ: (وَأَبْنَاءَنَا) الحسن والحسين...».

أقول: ولم يكن بإمكانه ـ سلام الله عليه ـ أن يحتجّ على هارون بغير الكتاب وآياته; لأنّ هارون طالبه بأن يأتي بحجّة من كتاب الله. كما لم يكن بإمكانه ـ سلام الله عليه ـ أن يحتجّ على هارون بما هو ثابت في علم اليوم: من أنّ سهم الاُمّ في تكوّن الابن ليس بأقلّ من سهم الأب إن لم يكن أكثر; لأنّ هذا العلم لم يكن منكشفاً يومئذ، فلو كان (عليه السلام) يحتجّ بذلك لكان ينكره هارون.

ومنها: ما رواه في البحار(1): كان ممّا قال هارون لأبي الحسن (عليه السلام) حين اُدخل عليه: «ما هذه الدار؟»(2) فقال (عليه السلام) : «هذه دار الفاسقين، قال الله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَة لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً)(3)».

فقال له هارون: «فدار مَن هي؟»، فقال (عليه السلام) «هي لشيعتنا فترة ولغيرهم فتنة»(4).

(1) بحار الأنوار: 48:156، الحديث 28 عن الاختصاص. (2) إشارة إلى قصره المشيد، أو إلى مُلْكه أو إلى الدنيا. (3) سورة 7 الأعراف، الآية: 146. (4) هذا شاهد على أنّ هارون لم يكن يقصد بـ «هذه الدار» قصره، بل كان يقصد مُلْكه أو الدنيا.
الصفحة 55

«قال: فما بال صاحب الدار لا يأخذها؟»، فقال (عليه السلام) : «اُخذت منه عامرة، ولا يأخذها إلاّ معمورة»(1).

قال: «فأين شيعتك؟»، فقرأ أبو الحسن (عليه السلام) : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ)(2).

فقال له: «فنحن كفّار؟»، قال: «لا، ولكن كما قال الله: (الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ)(3)»، فغضب عند ذلك وغلظ عليه...

ومنها: ما رواه في البحار(4) نقلاً عن المناقب عن كتاب أخبار الخلفاء: «أنّ هارون الرشيد كان يقول لموسى بن جعفر (عليه السلام) : خذ فدكاً حتّى أردّها إليك. فيأبى حتّى ألحّ عليه، فقال (عليه السلام) : لا آخذها إلاّ بحدودها. قال: وما حدودها؟ قال: إن حددتها لم تردّها. قال: بحقّ جدّك إلاّ فعلت. قال: أمّا الحدّ الأوّل: فعدن. فتغيّر وجه الرشيد وقال: إيهاً. قال: والحدّ الثاني: سمرقند. فاربدّ(5) وجهه. قال: والحدّ الثالث:

(1) كأنّ المقصود أنّه لو صار القرار على أخذ المُلْك اليوم لأدّى ذلك إلى خراب الدنيا. (2) سورة 98 البيّنة، الآية: 1. (3) سورة 14 إبراهيم، الآية: 28. (4) بحار الأنوار 48: 144، الحديث 20. (5) أي: احمرّ احمراراً فيه سواد عند الغضب.
الصفحة 56

إفريقية. فاسودّ وجهه وقال: هيه. قال: والرابع: سِيف البحر(1) ممّا يلي
الجُزُر(2) وأرمينية. قال الرشيد: فلم يبق لنا شيء فتحوّل إلى مجلسي. قال موسى: قد أعلمتك أنّني إن حددتها لم تردّها. فعند ذلك عزم على قتله...».

وأطرف من ذلك ما رواه في البحار(3) نقلاً عن الكافي، ولكنّه احتجاج له (عليه السلام) مع المهديّ لا مع الرشيد. ونحن ننقل النصّ عن الكافي(4):

«عن عليّ بن أسباط قال: لمّا ورد أبوالحسن موسى (عليه السلام) على المهديّ رآه يردّ المظالم، فقال: يا أميرالمؤمنين، ما بال مظلمتنا لا تردّ؟! فقال له: وما ذاك يا أبا الحسن؟ قال: إنّ الله تبارك وتعالى لمّا فتح على نبيّه (صلى الله عليه وآله) فدك وما والاها لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فأنزل الله على نبيّه(صلى الله عليه وآله) (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ)(5)، فلم يدر رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هم، فراجع في ذلك جبرئيل، وراجع جبرئيل (عليه السلام) ربّه، فأوحى الله إليه: أن ادفع فدك إلى فاطمة(عليها السلام)، فدعاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لها: يا

(1) أي: ساحل البحر. (2) في المناقب: الخزر. (3) بحار الأنوار 48: 156 ـ 157. (4) الكافي 1: 543، الحديث 5. (5) سورة 17 الإسراء، الآية: 26.
الصفحة 57

فاطمة، إنّ الله أمرني أن أدفع إليك فدك. فقالت: قد قبلت يا رسول الله من الله ومنك. فلم يزل وكلاؤها فيها حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

فلمّا وُلّي أبوبكر أخرج عنها وكلاءها، فأتته فسألته أن يردّها عليها، فقال لها: ائتيني بأسود أو أحمر يشهد لك بذلك، فجاءت بأميرالمؤمنين (عليه السلام) واُمّ أيمن فشهدا لها، فكتب لها بترك التعرّض، فخرجت والكتاب معها، فلقيها عمر فقال: ما هذا معكِ يا بنت محمّد؟ قالت: كتابٌ كتبه لي ابن أبي قحافة. قال: أرينيه، فأبت فانتزعه من يدها ونظر فيه، ثمّ تفل فيه ومحاه وخرقه، فقال لها: هذا لم يوجف عليه أبوك بخيل ولا ركاب؟ فضعي الحبال في رقابنا(1).

فقال له المهديّ: يا أبا الحسن، حدّها لي. فقال: حدّ منها جبل اُحد، وحدّ منها عريش مصر، وحدّ منها سيف البحر، وحدّ منها دومة الجندل. فقال له: كلّ هذا؟ قال: نعم يا أميرالمؤمنين، هذا كلّه، إنّ هذا كلّه ممّا لم يوجف على أهله رسول الله (صلى الله عليه وآله) بخيل ولا ركاب. فقال: كثير وأنظرُ فيه».

أقول: وهذا يعني أنّه (عليه السلام) يستدلّ بالآية المباركة: (وَمَا أَفَاء اللَّهُ

(1) أي: اُحكمي إذن على رقابنا أيضاً بالملكيّة، وضعي الحبال على أعناقنا. وفي بعض النسخ: «ضعي الجبال»، أي: إن قدرت أن تضعي الجبال على رقابنا فضعي. اُنظر: مرآة العقول 6: 269.
الصفحة 58

 

عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَلاَ رِكَاب وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(1) على أنّ فدك وإن كان اسماً لقطعة أقطعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفاطمة ولكن المقياس في الأنفال الراجع إلى المعصوم ليس هو إقطاع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحسب ما وقع في حياته من إقطاعاته، وإنّما المقياس هو عدم الإيجاف بخيل ولا ركاب، وهذا حدّه عبارة عن تلك الحدود التي أشار إليها الإمام سلام الله عليه.

وتمام الكلام في ذلك قد بحثناه في بعض أبحاثنا الفقهيّة.

ومنها: ما رواه في كشف الغمّة(2) نقلاً عن أحمد بن إسماعيل قال: بعث موسى بن جعفر (عليه السلام) إلى الرشيد من الحبس برسالة: «إنّه لن ينقضي عنّي يوم من البلاء إلاّ انقضى عنك معه يوم من الرخاء حتّى نُفضي جميعاً إلى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون».

أختم الحديث بالإشارة إلى عِظَم المصيبة التي لاقاها إمامنا موسى الكاظم (سلام الله عليه) في سبيل ترويجه لدين جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فإنّي لا أعرف بعد وقعة كربلاء وقعةً واقعةً على أئمّتنا المقتولين بمستوى

(1) سورة 59 الحشر، الآية: 6. (2) كشف الغمّة 3: 8 ـ 9.
الصفحة 59

ما وقع على إمامنا الكاظم (عليه السلام) . وأستشهد لما أقول ببعض الشواهد:

1 ـ السيّد عليّ بن طاووس (رحمه الله) روى زيارة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) (1) وفيها: «...حليف السجدة الطويلة، والدموع الغزيرة، والمناجاة الكثيرة، والضراعات المتّصلة الجميلة، ومقرّ النهى والعدل، والخير والفضل، والندى والبذل، ومألف البلوى والصبر، والمضطهد بالظلم، والمقبور بالجور، والمعذّب في قعر السجون وظُلَم المطامير، ذي الساق المرضوض بحِلَق القيود، والجَنازة المنادى عليها بذلّ الاستخفاف، والوارد على جدّه المصطفى وأبيه المرتضى واُمّه سيّدة النساء بإرث مغصوب، ووِلاء مسلوب، وأمر مغلوب، ودم مطلوب، وسَمٍّ مشروب...».

2 ـ أنّه (عليه السلام) رغم شكره لله في بداية ابتلائه بالسجن على توفيقه للعبادة حيث كان يقول ـ على ما ورد في البحار(2) والمناقب(3)وكشف الغمّة(4): ـ «اللّهمّ إنَّكَ تَعلمُ أنّي كنت أسألك أن تفرّغني لعبادتك، اللّهمّ وقد فَعَلت، فَلَكَ الحمد»، انتهى حاله (عليه السلام) في أواخر أمره

(1) بحار الأنوار 99: 17. (2) بحار الأنوار 48: 107 ـ 108. (3) المناقب 3: 433. (4) كشف الغمّة 3: 25.
الصفحة 60

إلى تبديل موجة الدعاء فقال ـ على ما ورد في البحار(1) ـ : «...يا مخلّص الشجر من بين رمل وطين وماء، ويا مخلّص اللبن من بين فرث ودم، ويا مخلّص الولد من بين مشيمة ورحم، ويا مخلّص النار من بين الحديد والحجر، ويا مخلّص الروح من بين الأحشاء والأمعاء، خلّصني من يدي هارون».

3 ـ ما رواه في البحار(2) عن عبدالله الصيرفي: «قال: تُوفّي موسى بن جعفر (عليه السلام) في يدي السندي بن شاهك، فحمل على نعش ونودي عليه: هذا إمام الرافضة فاعرفوه، فلمّا اُتي به مجلس الشرطة أقام أربعة نفر فنادوا: ألا من أراد أن يرى ...موسى بن جعفر(3) فليخرج.

وخرج سليمان بن أبي جعفر(4) من قصره إلى الشطّ فسمع الصياح والضوضاء، فقال لولده وغلمانه: ...يوشك أن يفعل هذا به في الجانب الغربيّ، فإذا عُبر به فانزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم، فإن مانعوكم فاضربوهم وخرّقوا ما عليهم من السواد. فلمّا عبروا به نزلوا إليهم فأخذوه من أيديهم وضربوهم وخرّقوا عليهم سوادهم

(1) بحار الأنوار 48: 219. (2) بحار الأنوار 48: 227. (3) أي: من أراد أن يشهد جنازته (عليه السلام) . (4) يعني عمّ الرشيد.
الصفحة 61

ووضعوه في مفرق أربعة طرق، وأقام المنادين ينادون: ألا من أراد الطيّب ابن الطيّب موسى بن جعفر(1) فليخرج(2). وحضر الخلق...».

أقول: لم يكن مقصود عمّ الرشيد الخير، وإنّما فعل ذلك خشية ثوران الناس على حكومة هارون.

هذا تمام ما أردنا بيانه في أئمّة الدور الثاني (سلام الله عليهم) بحسب تقسيم السيّد الاُستاذ (قدس سره) .

(1) يعني: من أراد أن يشهد جنازته. (2) وهذا على نقيض النداء السابق.
الصفحة 62

 

لمحة عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)

اُحبّ أن أبتدأ الحديث عن الإمام الرضا (عليه السلام) بذكر الأبيات المنسوبة إلى أبي نواس.

روي في البحار(1) عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ، عن عليّ بن محمّد بن سليمان النوفلي قال: إنّ المأمون لمّا جعل عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) وليّ عهده فالشعراء قصدوا المأمون، ووصلهم بأموال جمّة حين مدحوا الرضا (عليه السلام) ، وصوّبوا رأي المأمون في الأشعار دون أبي نواس، فإنّه لم يقصده ولم يمدحه، ودخل إلى المأمون فقال له: يا أبا نواس، قد علمت مكان عليّ بن موسى الرضا منّي وما أكرمته به فلماذا أخّرت مدحه وأنت شاعر زمانك وقريع دهرك؟! فأنشأ يقول:

قيلَ لي أنتَ أوحدُ الناسِ طرّاً *** في فنون من الكلامِ النبيهِ

لكَ من جوهرِ الكلامِ بديعٌ *** يثمرُ الدرّ في يدي مجتنيهِ

فعلى ما تركتَ مدح ابنِ موسى *** والخصال التي تجمّعنَ فيهِ؟!

قلتُ لا أهتدي لمدحِ إمام *** كانَ جبريلُ خادماً لأبيهِ(2)

(1) ج 49، ص 235. (2) وروى المجلسي ـ المصدر السابق: 236 ـ عن إعلام الورى: قلتُ لا أستطيعُ مدحَ إمام *** كان جبريلُ خادماً لأبيهِ
الصفحة 63

فقال له المأمون: أحسنت، ووصله من المال بمثل الذي وصل به كافّة الشعراء وفضّله عليهم.

وقد ذكر اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) (1) أنّ الدور الثاني لأئمّتنا (عليهم السلام) انتهى بالإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) لكي يبدأ الدور الثالث بالإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) الذي كان يعمل ـ بحسب بادئ الأمر والنظر(2) ـ لتسلّم زمام الحكم.

وأفاد ـ رضوان الله عليه ـ : أنّ عصر الإمام الرضا (عليه السلام) سادته عدّة مناورات قام بها قادة من آل عليّ وطلاّب مدرسته وملأوا العالم الإسلاميّ من الكوفة إلى البصرة إلى مكّة والمدينة وإلى اليمن، وأين ما كنت تذهب كنت ترى هناك قائداً يحكم باسم الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، ويحمل شعارات الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بالرغم من أنّ بغداد بقيت تحت تبعيّة الخلافة العبّاسيّة، وكلّ هذا ببركة الزخم الذي حصلت عليه مدرسة الإمام عليّ (عليه السلام) نتيجة جهود أئمّة الدور الثاني، فهذه المناورات والثورات كثرت واتّسعت في زمان الرضا (عليه السلام) ، وبغداد طوّقت بهذه الحركات.

 

(1) راجع (أئمّة أهل البيت) الذي هو تجميع محاضرات لاُستاذنا الشهيد (رحمه الله) : 382 ـ 398. (2) يعني أنّه وإن كان بالدقّة يعلم (عليه السلام) أنّه لم يحن وقت تسلّم زمام الحكم بالعدل لكنّه كان يقترب في ظاهر الحال من ذلك.
الصفحة 64

وكان أهمّ هذه الحركات تحرّك ذاك الرجل العظيم محمّد بن إبراهيم طباطبا(1)، هذا الرجل الذي خرج من المدينة إلى الكوفة وأعلن عن نفسه بالكوفة، وطرح شعار البيعة للرضا من آل محمّد (عليهم السلام) .

وهذا الشعار كان من خصائص ثوّار آل محمّد (صلى الله عليه وآله) ، حيث استبدلت البيعة بالشخص بعنوانه إلى البيعة بهذا العنوان الإجماليّ منذ أن ثار زيد بن عليّ (عليه السلام) (2) إلى أن تتابع الثوّار من آله ومن آل الإمام الحسن (عليه السلام) ، وكان الشعار الذي يطرح هو «الرضا من آل محمّد» لكي يكون الشعار منسجماً مع مضمون القضيّة الإسلاميّة من دون إحراج للشخص الواقعيّ الذي يمثّل القضيّة في كلّ حين.

وهذا النموّ المتزايد نعرفه عن طريق ردود فعل هذه الثورات في العالم الإسلاميّ، وكان ردّ الفعل لثورة طباطبا أن وقفت الكوفة معه أربع سنين وقاوموا جيوش العبّاسيّين جيشاً بعد جيش فتنهزم الجيوش من أمامه.

(1) مقاتل الطالبيين: 344 ـ 354. وتأريخ الطبري 7: 117 ـ 118. (2) إشارة إلى الرواية الصحيحة السند الواردة في الوسائل 15: ب 13 من جهاد العدوّ: 50، الحديث 1، وفيها: «ولا تقولوا: خرج زيد، فإنّ زيداً كان عالماً وكان صدوقاً، ولم يدعكم إلى نفسه، وإنّما دعاكم إلى الرضا من آل محمّد (صلى الله عليه وآله) ، ولو ظفر لوفى بما دعاكم إليه...».
الصفحة 65

هذه هي الكوفة التي خانت الحسين (عليه السلام) والتي تركت زيداً وحفنةً من الأصحاب، فهذه الكوفة بعد مئة وخمسين من وقعة الحسين (عليه السلام) وبعد أقلّ من مئة سنة من وقعة زيد وقفت تدافع أربع سنين عن شخص آخر سار في خطّ الإمام الحسين وخطّ زيد.

فهذه الاستجابة دليل على نموّ القاعدة الشعبيّة.

وترى أنّه حينما أرسل الفضل بن سهل رسله إلى الكوفة ليأخذ البيعة بولاية العهد لعليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) امتنعت الكوفة عن ذلك وقالوا: لا نبايع عليّ بن موسى الرضا بولاية العهد، بل نبايعه بالخلافة(1).

ويبدو أنّ الإمام الرضا (عليه السلام) حينما تسلّم زمام المسؤوليّة والإمامة في هذه المرحلة الثالثة قام بنشاط لم يكن اعتياديّاً على مستوى الشيعة، فتقول الرواية: إنّ الإمام الرضا (عليه السلام) لمّا تسلّم زمام المسؤوليّة بعد وفاة أبيه قام بجولة في العالم الإسلاميّ، وسافر من المدينة إلى البصرة بعد أن أرسل رسولاً إلى البصرة أنّه انتظروا خلال ثلاثة أيّام فسوف يأتي الإمام الرضا (عليه السلام) ، فأتى الإمام الرضا (عليه السلام) بعد ثلاثة أيّام في وقت كانت الشيعة متهيّئين تهيّأً كاملاً

(1) تأريخ الطبري 7: 143 ـ 144.
الصفحة 66

لاستقباله والاجتماع حوله والاحتفاء به، فيجتمع بهم ويقيم الحجّة عليهم في إمامته، ثمّ يدير معهم الأسئلة والأجوبة عن مختلف جوانب المعرفة الإسلاميّة، ثمّ يطلب منهم جمع بقيّة الطوائف أيضاً، فيجمعون له بقيّة الطوائف وبقيّة العلماء من المجادلين الكلاميّين من علماء غير إسلاميّين، فيعقد عدّة اجتماعات مع هؤلاء في البصرة يفهّمهم ويسيطر على الموقف. ثمّ يرسل رسولاً إلى الكوفة ويقول: أخبروا أهل الكوفة بأنّه خلال أيّام سيأتي إلى الكوفة، وبعد هذا يسافر إلى الكوفة، وهناك يقيم عليهم الحجّة بصورة مباشرة على إمامته بعد أبيه، ثمّ بعد هذا يدير مناقشات واسعة النطاق وأسئلة وأجوبة متنوّعة ومتشكّلة(1).

وقد تعرّض عدد من الشيعة غير المطّلعين على تبدّل المرحلة للاعتراض على الإمام (عليه السلام) بأنّك فضحت نفسك وهارون الرشيد يقطر سيفه دماً، فيقول له أحدهم: ألا تخاف من سيف هارون الرشيد، ويقول الآخر: قد أقدمت على الهلكة، ويقول ثالث: لو سكتّ عمّا

(1) إشارة إلى رواية رواها في البحار عن الخرائج مفصّلة، راجع البحار 49، باب وروده (عليه السلام) البصرة والكوفة: ص 73 ـ 81، وفيها احتجاجه (سلام الله عليه) مع جاثليق عالِم النصارى، ورأس الجالوت عالِم اليهود في حقّانيّة الإسلام.
الصفحة 67

سكت أبوك وجدّك، إلى غير ذلك من المضامين(1).

(1) هذا إشارة إلى روايات وردت في البحار 49: 114 ـ 116: منها: ما رواه عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام) وفيه: «قال عليّ بن أبي حمزة له (عليه السلام) : إنّك لتقول قولاً ما قاله أحد من آبائك عليّ بن أبي طالب فمن دونه. قال: لكن قد قاله خير آبائي وأفضلهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) . فقال له: أما تخاف هؤلاء على نفسك؟ فقال (عليه السلام) : لو خفت عليها كنت عليها معيناً، إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتاه أبو لهب فتهدّدَه، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إن خُدشت من قبلك خدشة فأنا كذّاب. فكانت أوّل آية نزع بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وهي أوّل آية أنزع بها لكم، إن خدشت خدشاً من قبل هارون فأنا كذّاب...». قال المجلسي: نزع بها أي: نزع الشكّ بها، ولعلّه كانت النسخة الصحيحة «برع» أي: فاق. ومنها: ما رواه عن المناقب عن صفوان بن يحيى: «قال: لمّا مضى أبوالحسن موسى (عليه السلام) وتكلّم الرضا خفنا عليه من ذلك وقلنا له: إنّك قد أظهرت أمراً عظيماً وأنّا نخاف عليك من هذا الطاغي. فقال (عليه السلام) : يجهد جهده فلا سبيل له عليّ». ومنها: ما رواه عن الكافي عن محمّد بن سنان: «قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) في أيّام هارون: إنّك قد شهرت نفسك بهذا الأمر وجلست مجلس أبيك وسيف هارون يقطر الدم؟ قال (عليه السلام) : جرّأني على هذا ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إن أخذ أبو جهل من رأسي شعرة فاشهدوا أنّي لست بنبيّ.-->
الصفحة 68

 

وكلّ هذه الاعتراضات كانت ناتجة عن أنّ أصحاب الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) لم يربطوا بين هذا التحوّل المظهريّ في تصرّفات الإمام الرضا (عليه السلام) عن خطّ آبائه وبين السلوك الموضوعيّ للمرحلة، ولهذا حاولوا الاعتراض عليه من هذه الناحية.

وأفاد اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) ـ في المصدر نفسه(1) ـ حول «ما هي الدوافع الحقيقيّة للمأمون في تنصيبه الإمام وليّاً للعهد»: أنّ موقف المأمون قد يفسّر على أساس إيمانه بخطّ الإمام عليّ (عليه السلام) ، ولكن الواقع أنّ هذا ليس يعني أنّ هذا هو الدافع المطلق الحقيقيّ الذي تعيشه كلّ أبعاد نفس المأمون، فمن الممكن أنّه كانت هناك زاوية في خطّ المأمون تكشف بين حين وحين آخر عن تأثّره بخطّ الإمام عليّ (عليه السلام) ، لكنّه

وأنا أقول لكم: إن أخذ هارون من رأسي شعرة فاشهدوا أنّي لست بإمام». راجع روضة الكافي: 257، الحديث 371. (1) أعني: (أئمّة أهل البيت): 393 ـ 398. ومنها: ما رواه أيضاً عن الكافي، عن يونس، عمّن ذكره: «قال: قيل للرضا (عليه السلام) : إنّك متكلّم بهذا الكلام والسيف يقطر الدم. فقال: إنّ لله وادياً من ذهب حماه بأضعف خلقه النمل، فلو رامته البخاتي لم تصل إليه». الكافي 2: 59، الحديث 11.
الصفحة 69

 

كانت هناك زوايا اُخرى أكبر وأوسع في نفس المأمون، وهذه الزوايا تمثّل المصالح السياسيّة والأغراض الوقتيّة وبناء الصرح لدولته، ويمكن تلخيص تلك الزوايا في أربع نقاط:

النقطة الاُولى: أنّ المأمون كان يريد أن يُلبِس خلافته الثوب الشرعيّ، وكان يعتقد أنّ خلافته بحاجة إلى ثوب شرعيّ على أساس أنّ القواعد الشعبيّة المؤمنة بالخلافة العبّاسيّة كانت تنظر بريب إلى خلافة المأمون التي لم تنته إليه إلاّ بقتل الخليفة الشرعيّ السابق الذي هو الأمين، فانتقال الخلافة عن طريق قتل الخليفة الشرعيّ كان فيه نوع من الريب والتردّد عند القواعد الشعبيّة المؤمنة ببني العبّاس وخلفائهم.

أمّا القواعد الشعبيّة الاُخرى فلم تكن تؤمن بشرعيّة الخلافة لا للمأمون ولا للأمين.

فخطّط المأمون إلباس الثوب الشرعيّ على خلافته عن طريق استدعاء الإمام الثامن (عليه السلام) الذي يؤمن كثير من جماهير العالم الإسلاميّ بأنّ الخلافة حقّ شرعيّ (ولو على مستوى أنّه أفضل أولاد الإمام عليّ (عليه السلام) )، فبعث على الإمام وقال له: إنّي أنزع الخلافة واُعطيها لك، حتّى يردّها عليه الإمام فيكتسب بذلك ثوباً شرعيّاً للخلافة، والإمام الرضا (عليه السلام) أحبط هذه المؤامرة بقوله: إنّ الخلافة إن كانت هي ثوباً ألبسك الله إيّاه لم يكن بإمكانك أن تنزعه لي وتلبسني إيّاه، وإن

الصفحة 70

لم يكن شيئاً أعطاك الله إيّاه إذن فكيف تعطيني ما لا تملك؟

فأكّد في هذا النصّ الصريح الواضح أنّه هو لا يؤمن بشرعيّة الخلافة للمأمون، وأنّ رفض الخلافة ليس معناه إرجاع الخلافة إليه، وبهذا سجّل النصر الذي كان له أثره الكبير في الحاضر وقتئذ وفي المستقبل في نزع ثوب المشروعيّة عن خلافة المأمون(1).

(1) إشارة إلى ما رواه في البحار 49: 128 ـ 129 عن علل الشرايع وعيون أخبار الرضا (عليه السلام) وأمالي الصدوق عن أبي الصلت الهرويّ: «قال: إنّ المأمون قال للرضا عليّ بن موسى (عليه السلام) : يا ابن رسول الله، قد عرفت فضلك وعلمك وزهدك وورعك وعبادتك، وأراك أحقّ بالخلافة منّي. فقال الرضا (عليه السلام) : بالعبوديّة لله عزّوجلّ أفتخر، وبالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شرّ الدنيا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله عزّ وجلّ. فقال المأمون: فإنّي قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك واُبايعك. فقال له الرضا (عليه السلام) : إن كانت هذه الخلافة لك وجعلها الله لك فلا يجوز أن تخلع لباساً ألبسكه الله وتجعله لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك. فقال له المأمون: يا ابن رسول الله، لابدّ لك من قبول هذا الأمر. فقال: لست أفعل ذلك طائعاً أبداً. فما زال يجهد به أيّاماً حتّى يئس من قبوله، فقال له: فإن لم تقبل الخلافة ولم تحبّ مبايعتي لك فكن وليّ عهدي، لتكون لك الخلافة بعدي» إلى آخر ما سيأتي نقله إن شاء الله.
الصفحة 71

النقطة الثانية ـ من النقاط التي يمكن افتراض أنّها تمثّل زاويةً اُخرى من زوايا نفس المأمون ـ : هي أنّه كان يعيش مشاكل تلك القوى الشعبيّة للإمام الرضا (عليه السلام) ومدرسة الإمام عليّ (عليه السلام) في كلّ أرجاء العالم الإسلاميّ، فكان يريد أن يثبّت هذه القواعد الشعبيّة لنفسه، وكان يريد أن يشتري رضاها واستسلامها ومواكبتها للوضع الحاكم عن طريق ضمّ قائدها الأمثل وإمامها الفكريّ واُمثولتها العليا إلى جانبه ووضعه.

وهذا الموضوع أيضاً التفت إليه الإمام الرضا (عليه السلام) وأحبطه، وذلك أن سجّل منذ اليوم الأوّل أنّه لم ينضمّ إلى جهاز المأمون، وإنّما هو مجرّد قبول على أساس إصرار من قبل الخليفة مأمون لا أكثر ولا أقلّ، ولهذا اشترط في الوثيقة التأريخيّة التي كتبها الإمام الرضا (عليه السلام) : أنّي لا اُمارس أيّ نوع من أنواع السلطة في جهاز الدولة الإسلاميّة(1).

(1) إشارة إلى ما ورد في البحار ـ ج 49: 129 ـ 130 ـ تكملةً للحديث السابق: «قال المأمون له: فإن لم تقبل الخلافة ولم تحبّ مبايعتي لك فكن وليّ عهدي، لتكون لك الخلافة بعدي»: فقال الرضا (عليه السلام) : «والله لقد حدّثني أبي عن آبائه، عن أميرالمؤمنين، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أنّي أخرج من الدنيا قبلك مقتولاً بالسمّ مظلوماً تبكي عليّ ملائكة السماء وملائكة الأرض، واُدفن في أرض غربة إلى جنب هارون-->
الصفحة 72

 

 

الرشيد»، فبكى المأمون ثمّ قال له: «يا ابن رسول الله، ومن الذي يقتلك أو يقدر على الإساءة إليك وأنا حيّ؟»، فقال الرضا (عليه السلام) : «أما إنّي لو أشاء أن أقول من الذي يقتلني لقلت». فقال المأمون: «يا ابن رسول الله، إنّما تريد بقولك هذا التخفيف عن نفسك ودفع هذا الأمر عنك; ليقول الناس: إنّك زاهد في الدنيا». فقال الرضا (عليه السلام) : «والله ما كذبت منذ خلقني ربّي عزّ وجلّ، وما زهدت في الدنيا للدنيا، وإنّي لأعلمُ ما تريد». فقال المأمون: «وما اُريد؟»، قال: «الأمان على الصدق [يعني أعطني أماناً على الصدق]». قال: «لك الأمان». قال: «تريد بذلك أن يقول الناس: إنّ عليّ بن موسى لم يزهد في الدنيا، بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة؟!»، فغضب المأمون ثمّ قال: «إنّك تتلقّاني أبداً بما أكرهه وقد أمِنت سطوتي، فبالله اُقسم لئن قبلت ولاية العهد وإلاّ أجبرتك على ذلك، فإن فعلت وإلاّ ضربت عنقك». فقال الرضا (عليه السلام) : «قد نهاني الله عزّ وجلّ أن اُلقي بيدي إلى التهلكة، فإن كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك، وأنا أقبل ذلك على أنّي لا اُولّي أحداً، ولا أعزل أحداً، ولا أنقض رسماً ولا سنّةً، وأكون في الأمر من بعيد مشيراً». فرضي منه بذلك وجعله وليّ عهده على كراهة منه (عليه السلام) لذلك.
الصفحة 73

النقطة الثالثة: أنّ المأمون كان يشعر بأنّ مجيء الإمام الرضا (عليه السلام) إلى هذا الجهاز الحاكم سوف لن يغيّر هذا الجهاز; لأنّ هذا الجهاز الحاكم كان قدراً أكبر من هذا الفرد بالذات، وهذا الوضع الذي لا يؤمن به إمام الشيعة لن يتغيّر بيوم أو يومين، فحينما يأتي الإمام الرضا (عليه السلام) يمكن للمنطق الحاكم أن يقول وقتئذ بأنّ هؤلاء تجّار اُطروحة، لا أنّهم أصحاب اُطروحة حقيقيّة، فهم يتاجرون باُطروحة يهزّون بطرحها آمال المسلمين وآلامهم، ولهذا حينما فتحت أمامه

وأيضاً قول اُستاذنا (رحمه الله) : «ولهذا اشترط في الوثيقة التأريخيّة التي كتبها الإمام الرضا (عليه السلام) ...» إشارة إلى ما ورد في البحار ـ ج 49: 134 نقلاً عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ... ـ : «فلمّا وافى مرو عرض عليه المأمون أن يتقلّد الإمرة والخلافة، فأبى الرضا (عليه السلام) في ذلك، وجرت في هذا مخاطبات كثيرة، وبقوا في ذلك نحواً من شهرين كلّ ذلك يأبى عليه أبو الحسن عليّ بن موسى (عليه السلام) أن يقبل ما يعرض عليه. فلمّا أكثر الكلام والخطاب في هذا قال المأمون: فولاية العهد؟ فأجابه إلى ذلك وقال له: على شروط أسألكها. فقال المأمون: سل ما شئت. فكتب الرضا (عليه السلام) : «إنّي أدخل في ولاية العهد على أن لا آمر ولا أنهى ولا أقضي، ولا اُغيّر شيئاً ممّا هو قائم، وتعفيني عن ذلك كلّه». فأجابه المأمون إلى ذلك، وقبلها على كلّ هذه الشروط...».
الصفحة 74

أبواب الدنيا وأبواب الخلافة على البلاد على طريقتنا تركوا اُطروحتهم وجاؤوا إلينا.

والنقطة الرابعة ـ التي كانت ذات دور كبير في هذه العمليّة ـ : هي محاولة عزل الإمام الرضا (عليه السلام) عن قواعده الشعبيّة، ووضعه في سياج يحكم بعزله عن الاتّصال بشيعته، وفي الواقع إنّ عمليّة العزل بين الإمام وبين القواعد الشعبيّة كانت من الخصائص العامّة للمرحلة الثالثة والتي بدأت بالإمام الرضا (عليه السلام) .

والروايات عندنا تدلّ على أنّ الإمام الرضا (عليه السلام) حينما انتقل من المدينة إلى إيران كان معه حاجبه، وكان هذا الحاجب من خواصّ الإمام الرضا (عليه السلام) ، وكانت تُجمَع الأموال للإمام الرضا (عليه السلام) من مختلف أرجاء العالم الإسلاميّ على يد هذا الحاجب، إلاّ أنّ هذا الحاجب باع ضميره وباع دينه بدنياه، فتعامل مع المأمون واشتراه المأمون، فأصبح جاسوساً وعيناً على الإمام الرضا (عليه السلام) لحساب المأمون ولحساب الفضل بن سهل، فكان لا ينطق الإمام الرضا (عليه السلام) بكلام ولا يتحرّك أو يتّصل بأحد إلاّ وتأتي الأخبار للمأمون(1).

أقول: وخلاصة الكلام هي: أنّ سياسة المأمون هي عين سياسة أبيه هارون، وهي فصل الإمام عن قواعده، إلاّ أنّ هارونَ فعل ذلك

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2:153.
الصفحة 75

بالإمام موسى (عليه السلام) عن طريق السجن ولكن المأمون أحسّ بضرر ذلك
على مُلك أبيه وسيطرته على الوضع، فبدّل الاُسلوب من اُسلوب السجن باُسلوب جعل الإمام الرضا (عليه السلام) تحت النظر بكلّ توقير واحترام.

ومن الروايات التي تكشف النقاب عن نوايا مأمون الخبيثة ما ورد في البحار(1): من رواية مفصّلة في قصّة طلب المأمون من الإمام الرضا (عليه السلام) الاستسقاء حينما احتبس المطر واستجابة الإمام (عليه السلام) له، وبالتالي نزول البركة في البلاد بدعاء الرضا (عليه السلام) ، فذكر بعض حسّاد الإمام للمأمون: يا أميرالمؤمنين، اُعيذك بالله أن تكون تأريخ الخلفاء(2) في إخراجك هذا الشرف العميم والفخر العظيم من بيت وُلْد العبّاس إلى بيت وُلْد عليّ، ولقد أعنت على نفسك وأهلك، جئت بهذا الساحر وَلَدِ السحرة وقد كان خاملاً فأظهرته، ومتّضعاً فرفعته، ومنسيّاً فذكّرت به، ومستخفّاً فنوهّت به، قد ملأ الدنيا مخرقة(3)

(1) بحار الأنوار 49، ب 14: 180 ـ 185، الحديث 16. (2) «أن تكون تأريخ الخلفاء» قال المجلسي: كناية عن عظم تلك الواقعة وفظاعتها بزعمه، فإنّ الناس يؤرّخون الاُمور بالوقائع والدواهي. (3) قال المجلسي: أي: شعبدة وسحراً، كما يظهر من استعمالاتهم وإن لم نجد في اللغة... . وفي بعض النسخ مخرفة بالفاء من الخرافات.
الصفحة 76

وتشوّقاً بهذا المطر الوارد عند دعائه، ما أخوفني أن يُخرِج هذا الرجل هذا الأمر عن وُلْد العبّاس إلى وُلْد عليّ، بل ما أخوفني أن يتوصّل بسحره إلى إزالة نعمتك والتوثّب على مملكتك، هل جنى أحد على نفسه وملكه مثل جنايتك؟!

فقال المأمون: قد كان هذا الرجل متستّراً عنّا يدعو إلى نفسه، فأردنا أن نجعله وليّ عهدنا ليكون دعاؤه لنا، وليعترف بالملك والخلافة لنا، وليعتقد فيه المفتونون به أنّه ليس ممّا ادّعى في قليل ولا كثير، وأنّ هذا الأمر لنا من دونه، وقد خشينا إن تركناه على تلك الحال أن ينفتق علينا منه ما لا نسدّه، ويأتي علينا منه ما لا نطيقه.

والآن فإذ قد فعلنا به ما فعلنا، وأخطأنا في أمره بما أخطأنا، وأشرفنا من الهلاك بالتنويه به على ما أشرفنا، فليس يجوز التهاون في أمره، ولكنّا نحتاج أن نضع منه قليلاً قليلاً حتّى نصوّره عند الرعيّة بصورة من لا يستحقّ لهذا الأمر، ثم ندبّر فيه بما يحسم عنّا موادّ بلائه.

قال الرجل(1): يا أميرالمؤمنين، فولّني مجادلته، فإنّي اُفحمه وأصحابه وأضع من قدره، فلولا هيبتك في صدري لأنزلته منزلته، وبيّنت للناس قصوره عمّا رشحته له.

قال المأمون: ما شيء أحبّ إليّ من هذا.

(1) وهو حميد بن مهران.
الصفحة 77

قال: فاجمع وجوه مملكتك والقوّاد والقضاة وخيار الفقهاء لاُبيّن نقصه بحضرتهم، فيكون أخذاً له عن محلّه الذي أحللته فيه على علم منهم بصواب فعلك.

قال: فجمع الخلق الفاضلين من رعيّته في مجلس واحد قعد فيه لهم وأقعد الرضا (عليه السلام) بين يديه في مرتبته التي جعلها له، فابتدأ هذا الحاجب(1)المتضمّن للوضع من الرضا (عليه السلام) وقال له: إنّ الناس قد أكثروا عنك الحكايات وأسرفوا في وصفك بما أرى أنّك إن وقفت عليه برئت إليهم منه، فأوّل ذلك أنّك دعوت الله في المطر المعتاد مجيئه فجاء، فجعلوه آية لك معجزة أوجبوا لك بها أن لا نظير لك في الدنيا وهذا أميرالمؤمنين ـ أدام الله ملكه وبقاءه ـ لا يوازن بأحد إلاّ رجح به وقد أحلّك المحلّ الذي عرفت، فليس من حقّه عليك أن تسوّغ الكاذبين لك وعليه ما يتكذّبونه.

فقال الرضا (عليه السلام) : ما أدفع عباد الله عن التحدّث بنعم الله عليّ وإن كنت لا أبغي أشراً ولا بطراً، وأمّا ذكرك صاحبك الذي أجلّني فما أحلّني إلاّ المحلّ الذي أحلّه ملك مصر يوسف الصدّيق (عليه السلام) وكانت حالهما ما قد علمت.

فغضب الحاجب عند ذلك فقال: يا ابن موسى، لقد عدوت طورك

(1) يعني حميد بن مهران.
الصفحة 78

وتجاوزت قدرك أن بعث الله تعالى بمطر مقدّر وقته لا يتقدّم ولا يتأخّر، جعلته آيةً تستطيل بها وصولةً تصول بها، كأنّك جئت بمثل آية الخليل إبراهيم (عليه السلام) لمّا أخذ رؤوس الطير بيده ودعا أعضاءها التي كان فرّقها على الجبال فأتينه سعياً وتركّبن على الرؤوس، وخفقن وطرن بإذن الله؟ فإن كنت صادقاً فيما توهّم فأحي هذين وسلّطهما عليّ، فإنّ ذلك يكون حينئذ آية معجزة، فأمّا المطر المعتاد مجيئه فلست أحقّ بأن يكون جاء بدعائك من غيرك الذي دعا كما دعوت. وكان الحاجب قد أشار إلى أسدين مصوّرين على مسند مأمون الذي كان مستنداً إليه، وكانا متقابلين على المسند.

فغضب عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) وصاح بالصورتين: دونكما الفاجر! فافترساه ولا تبقيا له عيناً ولا أثراً، فوثبت الصورتان وقد عادتا أسدين، فتناولا الحاجب وعضّاه ورضّاه وهشماه وأكلاه ولحسا دمه والقوم ينظرون متحيّرين ممّا يبصرون، فلمّا فرغا منه أقبلا على الرضا (عليه السلام) وقالا: يا وليّ الله في أرضه، ماذا تأمرنا نفعل بهذا، أنفعل به فعلنا بهذا؟ يشيران إلى المأمون، فغشي على المأمون ممّا سمع منهما، فقال الرضا (عليه السلام) قفا فوقفا.

ثمّ قال الرضا (عليه السلام) : صبّوا عليه ماء ورد وطيّبوه، ففُعل ذلك به، وعاد الأسدان يقولان: أتأذن لنا أن نُلحقه بصاحبه الذي أفنيناه؟ قال: لا، فإنّ لله فيه تدبيراً هو ممضيه. فقالا: ماذا تأمرنا؟ فقال: عودا إلى

الصفحة 79

مقرّكما كما كنتما. فعادا إلى المسند، وصارا صورتين كما كانتا.

فقال المأمون: الحمد لله الذي كفاني شرّ حميد بن مهران. يعني الرجل المفتَرَس. ثمّ قال للرضا (عليه السلام) . يا ابن رسول الله، هذا الأمر لجدّكم رسول الله(صلى الله عليه وآله) ثمّ لكم، فلو شئت لنزلت عنه لك. فقال الرضا (عليه السلام) : لو شئت لما ناظرتك، ولم أسألك، فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ قد أعطاني منطاعة سائر خلقه مثل ما رأيت من طاعة هاتين الصورتين إلاّ جهّال بني آدم، فإنّهم وإن خسروا حظوظهم فللّه ـ عزّ وجلّ ـ فيهم تدبير، وقد أمرني بترك الاعتراض عليك وإظهار ما أظهرتُه من العمل من تحت يدك كما أمر يوسف (عليه السلام) بالعمل من تحت يد فرعون مصر.

قال: فما زال المأمون ضئيلاً إلى أن قضى في عليّ بن موسى (عليه السلام) ما قضى.

هذا، والشواهد التأريخيّة لقوّة شخصيّة الإمام الرضا (عليه السلام) وشدّة تأثيره في الحياة الاجتماعيّة كثيرة.

ومن تلك الشواهد: قصّته (عليه السلام) بنيسابور التي رواها في البحار(1)عن أمالي الشيخ: لمّا وافى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) نيسابور وأراد أن يرحل منها إلى مأمون اجتمع إليه أصحاب الحديث فقالوا له: يا ابن

(1) بحار الأنوار 49: 123.
الصفحة 80

رسول الله، ترحل عنّا ولا تحدّثنا بحديث فنستفيده منك، وقد كان قعد في العماريّة فأطلع (عليه السلام) رأسه وقال: «سمعت أبي موسى بن جعفر يقول: سمعت أبي جعفر بن محمّد يقول: سمعت أبي محمّد بن عليّ يقول: سمعت أبي عليّ بن الحسين يقول: سمعت أبي الحسين بن عليّ يقول: سمعت أبي أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) : يقول: سمعت جبرئيل (عليه السلام) يقول: سمعت الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول: لا إله إلاّ الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي». فلمّا مرّت الراحلة نادانا: «بشروطها، وأنا من شروطها».

ومنها: ما رواه اُستاذنا في كتاب (أئمّة أهل البيت)(1): من أنّ

(1) الصفحة: 397، وقد خرّجه محقّق الكتاب عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 166. ونحن لم نجد في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) إلاّ ما ورد عن معمّر بن خلاّد قال: «قال في أبو الحسن الرضا (عليه السلام) : قال لي المأمون يوماً: يا أبا الحسن، اُنظر بعضَ من تثق به نولّيه هذه البلدان التي قد فسدت علينا. فقلت له: تفي لي واُوافي لك، فإنّي إنّما دخلت فيما دخلت على أن لا آمر فيه ولا أنهى، ولا أعزل، ولا اُولّي، ولا اُشير، حتّى يقدّمني الله قبلك، فوالله إنّ الخلافة لشيء ما حدّثت به نفسي، ولقد كنت بالمدينة أتردّد في طُرُقِها على دابّتي، وإنّ أهلها وغيرهم يسألوني الحوائج فأقضيها لهم، فيصيرون كالأعمام لي، وإنّ كتبي لنافذة في الأمصار، وما زدتني من نعمة هي عليّ من ربّي. فقال له: أفي لك». راجع عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 166 ـ 167.
الصفحة 81

 

المأمون التجأ إلى الإمام الرضا (عليه السلام) قائلاً له: لو كنت تكتب إلى شيعتك الذين أخذوا كلّ أرجاء العالم الإسلاميّ أن يسكتوا عنّي. قال (عليه السلام) : أنا لا أكتب.

ومنها: قصّة صلاة العيد، وهي: ما رواها في البحار(1) عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام) قال: «لمّا حضر العيد(2) بعث المأمون إلى الرضا (عليه السلام) يسأله أن يركب ويحضر العيد ويخطب; لتطمئنّ قلوب الناس، ويعرفوا فضله، وتقرّ قلوبهم على هذه الدولة المباركة. فبعث إليه الرضا (عليه السلام) وقال: قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخولي في هذا الأمر. فقال المأمون: إنّما اُريد بهذا أن يرسخ في قلوب العامّة والجند والشاكريّة(3) هذا الأمر، فتطمئنّ قلوبهم، ويقرّوا بما فضّلك الله تعالى به، فلم يزل يرادّه الكلام في ذلك.

فلمّا ألحّ عليه قال: يا أميرالمؤمنين، إن أعفيتني من ذلك فهو أحبّ إليّ، وإن لم تعفني خرجت كما كان يخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكما خرج أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) . قال المأمون: اخرج كما تحبّ،

(1) بحار الأنوار 49: 134 ـ 135. (2) يعني: عيد الأضحى. (3) الشاكريّة: جمع الشاكريّ معرّب (چاكر) بالفارسيّة، وهو الأجير والمستخدم.
الصفحة 82

وأمر المأمون القوّاد والناس أن يبكّروا إلى باب أبي الحسن (عليه السلام) ، فقعد الناس لأبي الحسن (عليه السلام) في الطرقات والسطوح من الرجال والنساء والصبيان، واجتمع القوّاد على باب الرضا (عليه السلام) .

فلمّا طلعت الشمس قام الرضا (عليه السلام) فاغتسل وتعمّم بعمامة بيضاء من قطن، وألقى طرفاً منها على صدره وطرفاً بين كتفيه وتشمّر، ثمّ قال لجميع مواليه: افعلوا مثل ما فعلت، ثمّ أخذ بيده عُكّازة(1) وخرج ونحن(2) بين يديه وهو حاف قد شمّر سراويله إلى نصف الساق وعليه ثياب مشمّرة(3).

فلمّا قام ومشينا بين يديه رفع رأسه إلى السماء وكبّر أربع تكبيرات فخيّل إلينا أنّ الهواء والحيطان تجاوبه، والقوّاد والناس على الباب قد تزيّنوا ولبسوا السلاح وتهيّأوا بأحسن هيئة، فلمّا طلعنا عليهم بهذه الصورة حفاة قد تشمّرنا وطلع الرضا وقف وقفةً على الباب وقال: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، والحمد لله على ما أبلانا»، ورفع بذلك صوته ورفعنا أصواتنا.

(1) عصا في أسفلها حديدة. (2) كأنّهم ياسر الخادم، والريّان بن الصلت، ومحمّد بن عرفة وصالح بن سعيد الراشديّان. (3) شمّر الثوب عن ساقيه: رفعه.
الصفحة 83

فتزعزعت(1) مرو من البكاء والصياح، فقالها ثلاث مرّات، فسقط القوّاد عن دوابّهم ورموا بخفافهم لمّا نظروا إلى أبي الحسن (عليه السلام) ، وصارت مرو ضجّة واحدة، ولم يتمالك الناس من البكاء والضجّة.

فكان أبو الحسن يمشي ويقف في كلّ عشرة خطوات وقفة يكبّر الله أربع مرّات، فيُتخَيّل إلينا أنّ السماء والأرض والحيطان تجاوبه، وبلغ المأمون ذلك فقال له الفضل بن سهل ذو الرئاستين: يا أميرالمؤمنين، إن بلغ الرضا المصلّى على هذا السبيل افتتن به الناس، فالرأي أن تسأله أن يرجع، فبعث إليه المأمون فسأله الرجوع، فدعا أبوالحسن (عليه السلام) بخفّه فلبسه، ورجع».

ومنها: ما ورد في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (2) عن ياسر الخادم أنّه: حينما قتل فضل بن سهل ذوالرئاستين في الحمّام واُ تّهِم مأمون به واجتمع القوّاد والجند من كان من رجال ذي الرئاستين على باب المأمون، فقالوا: اغتاله وقتله فلنطلبنّ بدمه، فالتجأ المأمون إلى الرضا (عليه السلام) في نجاة نفسه، ودخل من الباب الذي كان إلى داره من دار أبي الحسن (عليه السلام) يقول: يا سيّدي يا أبا الحسن، آجرك الله في الفضل، وكان دخل الحمّام فدخل عليه قوم بالسيوف فقتلوه، واشتكى إليه (عليه السلام)

(1) التزعزع التحرّك الشديد. (2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 163 ـ 164.
الصفحة 84

من اتّهام مأمون به، واجتماع جماعة الفضل لأخذ الثار من المأمون، وطلب منه (عليه السلام) أن يخرج إليهم ويفرّقهم، قال ياسر: فركب الرضا (عليه السلام) وقال لي: اركب. فلمّا خرجنا من الباب نظر الرضا (عليه السلام) إليهم وقد اجتمعوا وجاؤوا بالنيران ليحرقوا الباب، فصاح بهم وأومأ إليهم بيده: تفرّقوا فتفرّقوا. قال ياسر: فأقبل الناس والله يقع بعضهم على بعض، وما أشار إلى أحد إلاّ ركض ومرّ ولم يقف له أحد.

ومنها: ما ورد أيضاً في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (1) عن معمّر بن خلاّد قال: «قال لي أبو الحسن الرضا (عليه السلام) : قال لي المأمون يوماً: يا أبا الحسن، اُنظر بعضَ من تثق به نولّيه هذه البلدان التي قد فسدت علينا. فقلت له: تفي لي واُوافي لك. فإنّي إنّما دخلت فيما دخلت على أن لا آمر فيه ولا أنهى، ولا أعزل، ولا اُولّي، ولا اُشير حتّى يقدّمني الله قبلك، فوالله إنّ الخلافة لشيء ما حدّثت به نفسي، ولقد كنت بالمدينة أتردّد في طُرُقِها على دابَّتي، وإنّ أهلها وغيرهم يسألوني الحوائج فأقضيها لهم، فيصيرون كالأعمام لي، وإنّ كُتبي لنافذة في الأمصار، وما زدتني من نعمة هي عليّ من ربّي. فقال له: أفي لك».

أقول: فمع كلّ هذه الشواهد ونحوها على قوّة الإمام الرضا (عليه السلام)

(1) المصدر السابق: 166 ـ 167. وراجعه أيضاً في البحار 49: 144 نقلاً عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام) .
الصفحة 85

وقدرته يطرح هذا السؤال نفسَه:

وهو: ما السبب في عدم إقامة الإمام الرضا (عليه السلام) للحكم الإسلاميّ؟!

يبدو لنا ـ والله العالم ـ أنّ تسلّمه (عليه السلام) لزمام الحكم الإسلاميّ كان يمكن افتراضه بأحد شكلين:

الشكل الأوّل: أن يثور هو على الوضع القائم.

وهنا يتمّ جواب اُستاذنا (رحمة الله عليه) الذي ذكره في ما ورد في كتاب (أئمّة أهل البيت)(1).

وحاصله: أنّه بالرغم من كلّ هذا النموّ المتزايد في القواعد الشعبيّة للإمام (عليه السلام) كان يعلم الإمام وكان يعلم كلّ شخص عميق ـ بملاحظة الظروف الموضوعيّة ـ بأنّ الإمام (عليه السلام) ليس على مستوى تسلّم زمام الحكم; لأنّ الحكم الذي يريد أن يتسلّمه الإمام (عليه السلام) غير الحكم الذي يمكن الوصول إليه بمثل هذه القواعد الشعبيّة، أي: إنّ هذه القواعد الشعبيّة التي كانت موجودة في العالم الإسلاميّ كانت تهيّء الإمام (عليه السلام) لتسلّم زمام الحكم على مستوى ما يتسلّمه أيّ زعيم آخر، فبإمكان الإمام الرضا (عليه السلام) أن يتسلّم زمام الحكم على النحو الذي يتسلّمه المنصور، أو الذي يتسلّمه أبو السرايا، أو على النحو الذي يتسلّمه الأمين أو المأمون، فإنّ هذه القواعد الضخمة يمكن أن تمدّه بالجيوش

(1) الصفحة: 390 ـ 393.
الصفحة 86

الكبيرة وبأموال كثيرة، ولكن هذه القواعد لم تكن تصلح قاعدة للحكم الذي يريده الإمام (عليه السلام) ، فهذه القواعد كانت مرتبطة بمدرسة الإمام عليّ (عليه السلام) ارتباطاً فكريّاً غامضاً عامّاً، وارتباطاً عاطفيّاً حراريّاً قويّاً، وهذه الحرارة كان يشعلها في كلّ لحظة الدم المراق على ساحة الجهاد من ناحية، وظلم الظالمين وجبروت الحكّام الذين كانوا قد اعتدوا على أمر هذه الاُمّة وهتكوا حرمتها وهدروا كرامتها من ناحية اُخرى.

وهذا المستوى من القواعد قد يمهّد لحكم راسخ قويّ عتيد كما مهّد لحكم العبّاسيّين، ولكن لا يمهّد لحكم الإمام عليّ (عليه السلام) الذي هو اُطروحة أولاده المعصومين.

ثمّ يستطرد اُستاذنا (رحمه الله) لاستعراض بعض الشواهد التأريخيّة على هذا الأمر، فإن شئت فراجعها في الكتاب.

الشكل الثاني: أن يقبل (عليه السلام) ما عرض عليه الخليفة العبّاسيّ من استلام الحكم مباشرةً، فيعمل على بناء المجتمع من منطلق القوّة.

وهذا جوابه ما اتّضح من بياناتنا السابقة من دلالة الشواهد التأريخيّة على أنّ المأمون كان كاذباً في كلامه، وكان خدّاعاً ولم يكن يمكّن الإمام (عليه السلام) من ذلك.

وقد ورد في التأريخ على ما رواه المجلسي(1) عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ،

(1) بحار الأنوار، ج 49: 186 ـ 187.
الصفحة 87

عن هرثمة بن أعين قال: ...«كان في بعض ثقات المأمون غلام يقال له: صبيح
الديلميّ، وكان يتولّى سيّدي الرضا حقّ ولايته، وإذا صبيح قد خرج، فلمّا 
رآني قال لي: يا هرثمة، ألست تعلم أنّي ثقة المأمون على سرّه وعلانيّته؟ قلت: بلى. قال: اعلم يا هرثمة أنّ المأمون دعاني وثلاثين غلاماً من ثقاته على سرّه وعلانيّته في الثلث الأوّل من الليل، فدخلت عليه وقد صار ليله نهاراً من كثرة الشموع وبين يديه سيوف مسلولة مشحوذة مسمومة.

فدعا بنا غلاماً غلاماً وأخذ علينا العهد والميثاق بلسانه وليس بحضرتنا أحد من خلق الله غيرنا، فقال لنا: هذا العهد لازم لكم، إنّكم تفعلون ما أمرتكم به ولا تخالفوا منه شيئاً. قال: فحلفنا له. فقال: يأخذ كلّ واحد منكم سيفاً بيده وامضوا حتّى تدخلوا على عليّ بن موسى الرضا، فإن وجدتموه قائماً أو قاعداً أو نائماً فلا تكلّموه وضعوا أسيافكم عليه، واخلِطوا لحمه ودمه وشعره وعظمه ومخّه، ثمّ اقلبوا عليه بساطه، وامسحوا أسيافكم به وصيروا إليّ، وقد جعلت لكلّ واحد منكم على هذا الفعل وكتمانه عشر بدر دراهم، وعشر ضياع منتجبة، والحظوظ عندي ما حييت وبقيت.

قال: فأخذنا الأسياف بأيدينا ودخلنا عليه في حجرته، فوجدناه مضطجعاً يقلّب طرف يديه ويتكلّم بكلام لا نعرفه، قال: فبادر الغلمان إليه بالسيوف ووضعتُ سيفي(1) وأنا قائم أنظر إليه، وكأنّه قد

(1) أي: لم أرفعه إليه.
الصفحة 88

كان قد علم بمصيرنا إليه، فلبس على بدنه ما لا تعمل فيه السيوف،
فطووا عليه بساطه وخرجوا حتّى دخلوا على المأمون.

فقال: ما صنعتم؟ قالوا: فعلنا ما أمرتنا به يا أميرالمؤمنين. قال: لا تعيدوا شيئاً ممّا كان(1).

فلمّا كان عند تبلّج الفجر خرج المأمون فجلس مجلسه مكشوف الرأس محلّل الأزرار، وأظهر وفاته وقعد للتعزية، ثمّ قام حافياً فمشى لينظر إليه وأنا(2) بين يديه، فلمّا دخل عليه حجرته سمع همهمة فارعد(3)، ثمّ قال: من عنده؟ قلت: لا علم لنا يا أميرالمؤمنين، فقال: أسرعوا وانظروا. قال صبيح: فأسرعنا إلى البيت فإذا سيّدي (عليه السلام) جالس في محرابه يصلّي ويسبّح.

فقلت: يا أميرالمؤمنين، هو ذا نرى شخصاً في محرابه يصلّي ويسبّح، فانتفض(4) المأمون وارتعد ثمّ قال: غرّرتموني لعنكم الله، ثمّ التفت إليّ من بين الجماعة فقال لي: يا صبيح، أنت تعرفه فانظر من المصلّي عنده؟ قال صبيح: فدخلت وتولّى المأمون راجعاً، فلمّا صرت عند عتبة

(1) أي: لا تخبروا أحداً بما كان. (2) أي: صبيح. (3) أي: أخذ يرتعد، أي: يرتجف. (4) أي: تحرّك واهتزّ.
الصفحة 89

الباب قال لي: يا صبيح، قلت: لبّيك يا مولاي وقد سقطت لوجهي. فقال: قم يرحمك الله (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)(1).

قال: فرجعت إلى المأمون، فوجدت وجهه كقطع الليل المظلم، فقال لي: يا صبيح، ما وراك؟ قلت له: يا أميرالمؤمنين، هو والله جالس في حجرته، وقد ناداني وقال لي كيت وكيت. قال: فشدّ أزراره وأمر بردّ أثوابه وقال: قولوا: إنّه كان غشي عليه وإنّه قد أفاق.

قال هرثمة: فأكثرت لله ـ عزّ وجلّ ـ شكراً وحمداً، ثمّ دخلت على سيّدي الرضا (عليه السلام) ، فلمّا رآني قال: يا هرثمة، لا تحدّث بما حدّثك به صبيح أحداً إلاّ من امتحن الله قلبه للإيمان بمحبّتنا وولايتنا. فقلت: نعم يا سيّدي. ثمّ قال لي (عليه السلام) : يا هرثمة، والله لا يضرّنا كيدهم حتّى يبلغ الكتاب أجله».

وأيضاً روى في البحار(2) عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ، عن أحمد بن عليّ الأنصاري قال: «سألت أبا الصلت الهرويّ فقلت: كيف طابت نفس المأمون بقتل الرضا (عليه السلام) مع إكرامه ومحبّته له وما جعل له: من ولاية العهد من بعده؟

(1) سورة 161 الصفّ، الآية: 8 . (2) بحار الأنوار 49: 290.
الصفحة 90

فقال: إنّ المأمون إنّما كان يكرمه ويحبّه لمعرفته بفضله، وجعل له ولاية العهد من بعده ليُري الناس أنّه راغب في الدنيا، فيسقط محلّه من نفوسهم، فلمّا لم يظهر منه في ذلك للناس إلاّ ما ازداد به فضلاً عندهم ومحلاًّ في نفوسهم جلب عليه المتكلّمين من البلدان طمعاً من أن يقطعه واحد منهم، فيسقط محلّه عند العلماء وبسببهم يشتهر نقصه عند العامّة.

فكان لا يكلّمه خصم من اليهود والنصارى والمجوس والصائبين والبراهمة والملحدين والدهريّة ولا خصمٌ من فرق المسلمين المخالفين له إلاّ قطعه وألزمه الحجّة، وكان الناس يقولون: والله إنّه أولى بالخلافة من المأمون، فكان أصحاب الأخبار يرفعون ذلك إليه فيغتاظ من ذلك ويشتدّ حسده، وكان الرضا (عليه السلام) لا يحابي(1) المأمون من حقّ، وكان يجيبه بما يكره في أكثر أحواله، فيغيظه ذلك ويحقده عليه ولا يظهره له، فلمّا أعيته الحيلة في أمره اغتاله، فقتله بالسمّ».

(1) أي: لا ينصره ولا يجامله.
الصفحة 91

لمحة عن الإمام محمّد بن عليّ الجواد (عليه السلام)

 

يمكن أن يجعل من الشواهد التأريخيّة على قوّة الإمام الجواد (عليه السلام) الاجتماعيّة ما سُجّل في التأريخ: من طريقة تعامل المأمون معه (عليه السلام) وإكرامه إيّاه أيّما إكرام، وقصّة تزويجه (عليه السلام) ببنته اُمّ الفضل، وكان الهدف من ذلك تدارك الوهن الذي دخل على مُلكه نتيجة قتله للإمام الرضا (عليه السلام) ، ولولا تلك القوّة الاجتماعيّة له (عليه السلام) ـ والتي يراه اُستاذنا الشهيد الصدر حالة في تمام الأئمّة الذين وصفهم بأنّهم أئمّة الدور الثالث ـ لما كان يُظنّ بمأمون أن يتعامل بهذا الشكل مع إمامنا الجواد (عليه السلام) .

روى في البحار(1) عن الاحتجاج عن الريّان بن شبيب: «قال: لمّا أراد المأمون أن يزوّج ابنته اُمّ الفضل أبا جعفر محمّد بن عليّ (عليه السلام) بلغ ذلك العبّاسيّين فغلظ عليهم، واستنكروه منه، وخافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما انتهى مع الرضا (عليه السلام) ، فخاضوا في ذلك واجتمع منهم أهل بيته الأدنون منه، فقالوا: ننشدك الله يا أميرالمؤمنين: أن تقيم على هذا الأمر الذي عزِمت عليه: من تزويج ابن الرضا، فإنّا نخاف أن

(1) بحار الأنوار 50: 74 ـ 79.
الصفحة 92

يخرج به عنّا أمرٌ قد ملّكناه الله ـ عزّ وجلّ ـ وينزع منّا عزّاً قد ألبسناه الله، وقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديماً وحديثاً، وما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم والتصغير بهم، وقد كنّا في وهلة(1) من عملك مع الرضا ما عملت، فكفانا الله المهمّ من ذلك، فالله الله أن تردّنا إلى غمّ قد انحسر عنّا، واصرف رأيك عن ابن الرضا، واعدل إلى من تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره.

فقال لهم المأمون: أمّا ما بينكم وبين آل أبي طالب(2) فأنتم السبب فيه، ولو أنصفتم القوم لكانوا أولى بكم، وأمّا ما كان يفعله من قبلي فقد كان قاطعاً للرحم، وأعوذ بالله من ذلك، والله ما ندمت على ما كان منّي من استخلاف الرضا، ولقد سألته أن يقوم بالأمر وأنزعه من نفسي فأبى، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.

وأمّا أبو جعفر محمّد بن عليّ فقد اخترته لتبريزه(3) على كافّة أهل الفضل في العلم والفضل مع صغر سنّه، والاُعجوبة فيه بذلك، وأنا أرجو أن يظهر للناس ما قد عرفته منه، فيعلمون أنّ الرأي ما رأيت فيه.

(1) الوهلة: الفزعة. (2) يقصد أولاد الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) . (3) برّز تبريزاً: فاق أصحابه فضلاً.
الصفحة 93

فقالوا له: إنّ هذا الفتى وإن راقك منه هديه(1) فإنّه صبيّ لا معرفة له ولا فقه، فامهله ليتأدّب ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك.

فقال لهم: ويحكم، إنّي أعرف بهذا الفتى منكم، وإنّ أهل هذا البيت علمهم من الله تعالى وموادّه وإلهامه، لم تزل آباؤه أغنياء في علم الدين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حدّ الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبيّن لكم به ما وصفتُ لكم من حاله.

قالوا: قد رضينا لك يا أميرالمؤمنين ولأنفسنا بامتحانه، فخلّ بيننا وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشريعة، فإن أصاب في الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره، وظهر للخاصّة والعامّة سديد رأي أميرالمؤمنين فيه، وإن عجز عن ذلك فقد كُفينا الخطب في معناه.

فقال لهم المأمون: شأنكم وذلك متى أردتم.

فخرجوا من عنده واجتمع رأيهم على مسألة(2) يحيى بن أكثم ـ وهو يومئذ قاضي الزمان ـ على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها، ووعدوه بأموال نفيسة على ذلك، وعادوا إلى المأمون وسألوه أن

(1) الهدي: السيرة والهيئة والطريقة. (2) أي: أن يطلبوا من يحيى بن أكثم أن يسأل الإمام الجواد (عليه السلام) مسألة لا يعرف الجواب فيها.
الصفحة 94

يختار لهم يوماً للاجتماع، فأجابهم إلى ذلك.

فاجتمعوا في اليوم الذي اتّفقوا عليه، وحضر معهم يحيى بن أكثم، وأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر دست(1) ويجعل له فيه مسورتان(2) ففعل ذلك، وخرج أبو جعفر وهو يومئذ ابن تسع سنين وأشهُر فجلس بين المسورتين، وجلس يحيى بن أكثم بين يديه، وقام الناس في مراتبهم، والمأمون جالس في دست متّصل بدست أبي جعفر (عليه السلام) .

فقال يحيى بن أكثم للمأمون: يأذن لي أميرالمؤمنين أن أسأل أبا جعفر عن مسألة؟ فقال له المأمون: استأذنه في ذلك فأقبل يحيى بن أكثم فقال: أتأذن لي ـ جعلت فداك ـ في مسألة؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام) : سل إن شئت.

قال يحيى: ما تقول ـ جعلت فداك ـ في محرم قتل صيداً؟

فقال أبو جعفر (عليه السلام) : قتله في حِلّ أو حرم؟ عالماً كان المحرم أو جاهلاً؟ قتله عمداً أو خطأً؟ حرّاً كان المحرم أو عبداً؟ صغيراً كان أو كبيراً؟ مبتدئاً بالقتل كان أو معيداً؟ من ذوات الطير كان الصيد أم من

(1) الدست هنا صدر البيت، وهو معرّب يقال له بالفارسيّة اليوم: «شاه نشين». (2) المسورة بكسر الميم متّكأً من أدم، أي: من الجلود المدبوغة.
الصفحة 95

غيرها؟ من صغار الصيد أم من كبارها؟ مصرّاً على ما فعل أو نادماً؟ في الليل كان قتله للصيد أم في النهار؟ محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحجّ كان محرماً؟

فتحيّر يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع ولجلج حتّى عرف جماعة أهل المجلس أمره.

فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي، ثمّ نظر إلى أهل بيته فقال لهم: أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟ ثمّ أقبل على أبي جعفر (عليه السلام) فقال له أتخطب يا أبا جعفر؟ فقال: نعم يا أميرالمؤمنين، فقال له المأمون: اخطب لنفسك ـ جعلت فداك ـ قد رضيتك لنفسي وأنا مزوّجك اُمّ الفضل ابنتي وإن رغم قوم لذلك.

فقال أبوجعفر (عليه السلام) : الحمد لله إقراراً بنعمته، ولا إله إلاّ الله إخلاصاً لوحدانيّته، وصلّى الله على محمّد سيّد بريّته والأصفياء من عترته: أمّا بعد فقد كان من فضل الله على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام وقال سبحانه: (وَأَنكِحُوا الاَْيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(1).

ثمّ إنّ محمّد بن عليّ بن موسى يخطب اُمّ الفضل بنت عبدالله المأمون، وقد بذل لها من الصداق مهر جدّته فاطمة بنت محمّد (صلى الله عليه وآله) ، وهو

(1) سورة 24 النور، الآية: 32.
الصفحة 96

خمس مئة درهم جياداً، فهل زوّجته يا أميرالمؤمنين بها على هذا الصداق المذكور؟ فقال المأمون: نعم، قد زوّجتك يا أبا جعفر اُمَّ الفضل ابنتي على الصداق المذكور، فهل قبلت النكاح؟ قال أبو جعفر (عليه السلام) : قد قبلت ذلك ورضيت به.

فأمر المأمون أن يقعد الناس على مراتبهم في الخاصّة والعامّة.

قال الريّان: ولم نلبث أن سمعنا أصواتاً تشبه أصوات الملاّحين في محاوراتهم، فإذا الخدم يجرّون سفينة مصنوعة من فضّة مشدودة بالحبال من الأبريسم على عجلة مملوّة من الغالية، ثمّ أمر المأمون أن تخضب لحاء الخاصّة من تلك الغالية، ثمّ مدّت إلى دار العامّة فتطيّبوا منها، ووضعت الموائد فأكل الناس، وخرجت الجوائز إلى كلّ قوم على قدرهم.

فلمّا تفرّق الناس وبقي من الخاصّة من بقي قال المأمون لأبي جعفر (عليه السلام) : إن رأيت ـ جعلت فداك ـ أن تذكر الفقه الذي فصّلته من وجوه من قتل المحرم; لنعلمه ونستفيده.

فقال أبو جعفر (عليه السلام) : نعم، إنّ المحرم إذا قتل صيداً في الحِلّ وكان الصيد من ذوات الطير وكان من كبارها فعليه شاة، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً، وإذا قتل فرخاً في الحلّ فعليه حمل(1) قد

(1) فُسّر الحَمَل بالصغير من أولاد الضأن.
الصفحة 97

فطم من اللبن، وإذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ، فإذا كان
من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة، وإن كان نعامة فعليه بدنة، وإن كان ظبياً فعليه شاة، وإن قتل شيئاً من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة.

وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان إحرامه بالحجّ نحره بمنى، وإن كان إحرامه بالعمرة نحره بمكّة، وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد عليه المأثم، وهو موضوع عنه في الخطأ، والكفاّرة على الحرّ في نفسه، وعلى السيّد في عبده، والصغير لا كفّارة عليه، وهي على الكبير واجبة، والنادم يُسقط ندمه عنه عقاب الآخرة، والمصرّ يجب عليه العقاب في الآخرة.

فقال المأمون: أحسنت يا أبا جعفر، أحسن الله إليك. فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك. فقال أبو جعفر (عليه السلام) ليحيى: أسألك؟ قال: ذلك إليك ـ جعلت فداك ـ فإن عرفت جواب ما تسألني عنه، وإلاّ استفدته منك.

فقال له أبو جعفر (عليه السلام) : أخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أوّل النهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلمّا ارتفع النهار حلّت له، فلمّا زالت الشمس حرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر حلّت له، فلمّا غربت الشمس حرمت عليه، فلمّا دخل وقت العشاء الآخرة حلّت له، فلمّا كان وقت انتصاف الليل حرمت عليه، فلمّا طلع الفجر حلّت

الصفحة 98

له، ما حال هذه المرأة؟ وبماذا حلّت له وحرمت عليه؟

فقال له يحيى بن أكثم: لا والله لا أهتدي إلى جواب هذا السؤال، ولا أعرف الوجه فيه، فإن رأيت أن تفيدناه.

فقال أبو جعفر (عليه السلام) : هذه أمة لرجل من الناس نظر إليها أجنبيّ في أوّل النهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلمّا ارتفع النهار ابتاعها من مولاها فحلّت له، فلمّا كان عند الظهر أعتقها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر تزوّجها فحلّت له، فلمّا كان وقت المغرب ظاهر منها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العشاء الآخرة كفّر عن الظهار فحلّت له، فلمّا كان نصف الليل طلّقها واحدة فحرمت عليه، فلمّا كان عند الفجر راجعها فحلّت له.

قال: فأقبل المأمون على من حضره من أهل بيته فقال لهم: هل فيكم من يجيب هذه المسألة بمثل هذا الجواب أو يعرف القول فيما تقدّم من السؤال؟ قالوا: لا والله، إنّ أميرالمؤمنين أعلم وما رأى.

فقال: ويحكم إنّ أهل هذا البيت خصّوا من الخلق بما ترون من الفضل، وإنّ صغر السنّ فيهم لا يمنعهم من الكمال.

أما علمتم أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) افتتح دعوته بدعاء أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وهو ابن عشر سنين، وقبل منه الإسلام وحكم له به، ولم يدع أحداً في سنّه غيره، وبايع الحسن والحسين (عليهما السلام) وهما ابنا دون الستّ سنين، ولم يبايع صبيّاً غيرهما، أو لا تعلمون ما اختصّ الله به

الصفحة 99

هؤلاء القوم وإنّهم ذرّيّة بعضها من بعض، يجري لآخرهم ما يجري لأوّلهم، فقالوا صدقت يا أميرالمؤمنين، ثمّ نهض القوم.

فلمّا كان من الغد أحضر الناس وحضر أبو جعفر (عليه السلام) وسار القوّاد والحجّاب والخاصّة والعمّال لتهنئة المأمون وأبي جعفر (عليه السلام) ، فاُخرجت ثلاث أطباق من الفضّة فيها بنادق مسك وزعفران، معجون في أجواف تلك البنادق رقاع مكتوبة بأموال جزيلة وعطايا سنيّة وإقطاعات، فأمر المأمون بنثرها على القوم من خاصّته، فكان كلّ من وقع في يده بندقة أخرج الرقعة التي فيها والتمسه فأطلق يده له، ووضعت البدر فنثر ما فيها على القوّاد وغيرهم، وانصرف الناس وهم أغنياء بالجوائز والعطايا، وتقدّم مأمون بالصدقة على كافّة المساكين، ولم يزل مُكرماً لأبي جعفر (عليه السلام) معظّماً لقدره مدّة حياته، يؤثره على ولده وجماعة أهل بيته». انتهى الحديث.

وهناك مناظرة اُخرى بين يحيى بن أكثم والإمام الجواد (عليه السلام) طريفة جدّاً أذكرها بالمناسبة:

ورد في البحار(1) عن الاحتجاج قال: «رُوي أنّ المأمون بعد ما زوّج ابنته اُمّ الفضل أبا جعفر (عليه السلام) كان في مجلس وعنده أبو جعفر (عليه السلام) ويحيى بن أكثم وجماعة كثيرة، فقال له يحيى بن أكثم: ما تقول يا ابن

(1) بحار الأنوار 50: 80 ـ 83.
الصفحة 100

رسول الله في الخبر الذي روي أنّه نزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: يا محمّد، إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يُقرئك السلام ويقول لك: سل أبابكر هل هو عنّي راض، فإنّي عنه راض؟

فقال أبو جعفر (عليه السلام) : لست بمنكر فضل أبي بكر ولكن يجب على صاحب هذا الخبر أن يأخذ مثال الخبر الذي قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجّة الوداع: قد كثرت عليّ الكذّابة وستكثر، فمن كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار، فإذا أتاكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله وسنّتي، فما وافق كتاب الله وسنّتي فخذوا به، وما خالف كتاب الله وسنّتي فلا تأخذوا به، وليس يوافق هذا الخبر كتاب الله، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)(1)، فالله ـ عزّوجلّ ـ خفي عليه رضا أبي بكر من سخطه حتّى سأل من مكنون سرّه؟! هذا مستحيل في العقول.

ثمّ قال يحيى بن أكثم: وقد روي أنّ مثل أبي بكر وعمر في الأرض كمثل جبرئيل وميكائيل في السماء.

فقال (عليه السلام) : وهذا أيضاً يجب أن ينظر فيه; لأنّ جبرئيل وميكائيل ملكان مقرّبان لم يعصيا الله قطّ، ولم يفارقا طاعته لحظة واحدة، وهما قد أشركا بالله ـ عزّ وجلّ ـ وإن أسلما بعد الشرك، وكان أكثر أيّامهما في

(1) سورة 50 ق، الآية: 16.
الصفحة 101

الشرك بالله، فمحال أن يشبّههما بهما.

قال يحيى: وقد روي أيضاً أنّهما سيّدا كهول أهل الجنّة، فما تقول فيه؟

فقال (عليه السلام) : وهذا الخبر محال أيضاً; لأنّ أهل الجنّة كلّهم يكونون شباباً، ولا يكون فيهم كهل، وهذا الخبر وضعه بنو اُميّة لمضادّة الخبر الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الحسن والحسين بأنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة.

فقال يحيى بن أكثم: وروي أنّ عمر بن الخطّاب سراج أهل الجنّة.

فقال (عليه السلام) : وهذا أيضاً محال; لأنّ في الجنّة ملائكة الله المقرّبين وآدم ومحمّد (صلى الله عليه وآله) وجميع الأنبياء والمرسلين، لا تضيئ بأنوارهم حتّى تُضيئ بنور عمر؟!

فقال يحيى: وقد روي أنّ السكينة تنطق على لسان عمر. فقال (عليه السلام) : لست بمنكر فضائل عمر ولكن أبابكر أفضل من عمر، فقال على رأس المنبر: إنّ لي شيطاناً يعتريني فإذا ملتُ فسدّدوني.

فقال يحيى: قد روي أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: لو لم اُبعث لبعث عمر.

فقال (عليه السلام) : كتاب الله أصدق من هذا الحديث، يقول الله في كتابه: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوح...)(1)، فقد أخذ الله

(1) سورة 33 الأحزاب، الآية: 7.
الصفحة 102

ميثاق النبيّين، فكيف يمكن أن يبدّل ميثاقه؟! وكان الأنبياء (عليه السلام) لم
يشركوا طرفة عين، فكيف يبعث بالنبوّة من أشرك وكان أكثر أيّامه مع الشرك بالله، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : نُبّئت وآدم بين الروح والجسد.

فقال يحيى بن أكثم: وقد روي أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: ما احتبس الوحي عنّي قطّ إلاّ ظننته قد نزل على آل الخطّاب.

فقال (عليه السلام) : وهذا محال أيضاً; لأنّه لا يجوز أن يشكّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) في نبوّته، قال الله تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَـلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاس...)(1)، فكيف يمكن أن تنتقل النبوّة ممّن اصطفاه الله تعالى إلى من أشرك به؟!

قال يحيى بن أكثم: روي أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: لو نزل العذاب لما نجى منه إلاّ عمر.

فقال (عليه السلام) : وهذا محال أيضاً، إنّ الله تعالى يقول: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ )(2)، فأخبر سبحانه أن لا يعذّب أحداً مادام فيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وماداموا يستغفرون الله تعالى».

وأخيراً أختم الحديث هنا ـ قبل انتقالنا إلى كلمة لاُستاذنا الشهيد

(1) سورة 22 الحجّ، الآية: 75. (2) سورة 8 الأنفال، الآية: 33.
الصفحة 103

عن الإمام الجواد (صلوات الله وسلامه عليه) ـ بالإشارة إلى اختلاف الروايات في كيفيّة وفاته(1)، وأنا أقتصر هنا على ذكر رواية واحدة نقلها المجلسي في البحار(2) عن كتاب (عيون المعجزات)، ونصّ الحديث ما يلي: «ثمّ إنّ المعتصم جعل يعمل الحيلة في قتل أبي جعفر (عليه السلام) ، وأشار على ابنة المأمون زوجته بأن تسمّه; لأنّه وقف على انحرافها عن أبي جعفر (عليه السلام) وشدّة غيرتها عليه; لتفضيله اُمّ أبي الحسن ابنه عليها; ولأنّه لم يرزق منها ولد، فأجابته إلى ذلك وجعلت سمَّـاً في عنب رازقيّ، ووضعته بين يديه، فلمّا أكل منه ندمت وجعلت تبكي، فقال: ما بكاؤك؟ والله ليضربنّك الله بعقر لا ينجبر، وبلاء لا ينستر، فماتت بعلّة في أغمض المواضع من جوارحها صارت ناصوراً...».

بقي علينا التعرّض لحديث اُستاذنا الشهيد الصدر (رحمه الله) عن الإمام الجواد (عليه السلام) :

ورد في كتاب (أئمّة أهل البيت)(3) ـ الذي هو تجميع لمحاضرات اُستاذنا الشهيد في الأئمّة (عليهم السلام) ـ بحثٌ عُنوِن بعنوان الإمامة المبكّرة،

(1) راجع روايات وفاته (عليه السلام) في البحار50: 11 وما بعدها. (2) بحار الأنوار 50: 17. (3) ص 399 ـ 406.
الصفحة 104

وحاصله ما يلي:

قدّر الله تعالى أن يكون نفسُ وجود الإمام الجواد (عليه السلام) على خطّ حياة أهل البيت (عليه السلام) دليلاً وبرهاناً على صحّة العقيدة التي نؤمن بها نحن بالنسبة إلى أئمّة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام; لأنّ الظاهرة التي وجدت مع هذا الإمام ـ وهي ظاهرة تولّي الشخص للإمامة وهو بعدُ في سنّ الطفولة ـ تعني: تولّي زعامة الطائفة الشيعيّة روحيّاً ودينيّاً وعمليّاً وفكريّاً من قبل طفل من الأطفال.

وهذه الظاهرة التي ظهرت لأوّل مرّة في حياة الأئمّة في الإمام الجواد (عليه السلام) لو درسناها بحساب الاحتمالات لوجدنا أنّها وحدها كافية للاقتناع بحقّانيّة هذا الخطّ الذي كان يمثّله الإمام الجواد (عليه السلام) ; إذ كيف يمكن أن نفترض فرضاً آخر غير فرض الإمامة الواقعيّة في شخص من هذا النمط؟!

فالفرضيّات التي يمكن أن تفترض غير حقّانيّة الإمامة وأنّها من قبل الله تعالى لا تخلو عن عدد من الفروض، وكلّها باطلة:

الأوّل: أن يفترض أنّ الطائفة لم يتكشّف لديها بوضوح هذا الصبيّ.

وهذا باطل; لأنّ زعامة الإمام في أهل البيت (عليهم السلام) لم تكن زعامة محوّطة بالشرطة والجيش واُبّهة المُلك والسلطان الذي يحجب بين الزعيم ورعيّته، ولم تكن زعامة دعوة سرّيّة من قبيل الدعوات

الصفحة 105

الصوفيّة أو الفاطميّة التي تحجب بين رأس الدعوة وبين قواعد هذه الدعوة، لكي يفترض أنّ هذا الرأس كان محجوباً عن رعيّته مع إيمان الرعيّة به، وإمام أهل البيت (عليه السلام) كان مكشوفاً أمام الطائفة، وكانت الطائفة بكلّ طبقاتها تتفاعل معه مباشرة في مسائلها الدينيّة وفي قضاياها الروحيّة والأخلاقيّة، والإمام الجواد (عليه السلام) نفسه أصرّ على المأمون حينما استقدمه إلى بغداد في أن يسمح له بالرجوع إلى المدينة، وسمح له بذلك، «وقضى بقيّة عمره قبل إشخاصه في أواخر حياته إلى الخليفة في المدينة»(1).

إذن، فقد قضى الإمام الجواد (عليه السلام) أكثر عمره أو كلّ عمره وهو على المسرح، وهو مكشوف أمام المسلمين بمختلف طبقاتهم بما فيهم الشيعة، خصوصاً أنّ الإمام الجواد (عليه السلام) قد سلّطت عليه أضواء خاصّة من قبل الخليفة المأمون.

والثاني: أن يفترض أنّ المستوى العلميّ والفكريّ للطائفة وقتئذ كان يَعْبُر عليه هذا الموضوع، فكان بالإمكان أن تصدّق هذه الطائفة بإمامة طفل، وهو ليس بإمام.

وهذا أيضاً يكذّبه الواقع التأريخيّ لهذه الطائفة وما وصلت إليه من

(1) هذا المقطع خرّجه محقّق الكتاب من المستجاد من الإرشاد: 458 ـ 459، وتاج المواليد للطبرسي: 129 من المجموعة النفيسة.
الصفحة 106

مستوى علميّ وفقهيّ، فإنّ هذه الطائفة قد خلّفها الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام) ، وفيها أكبر مدرسة للفكر الإسلاميّ في العالم الإسلاميّ على الإطلاق، المدرسة التي تكوّنت من الجيلين المتعاقبين: جيل تلامذة الإمام الصادق والكاظم (عليهما السلام) ، وجيل تلامذة تلامذة الإمام الصادق والكاظم، وهذان الجيلان كانا على رأس هذه الطائفة في ميادين الفقه والتفسير والكلام والحديث والأخلاق وكلّ جوانب المعرفة الإسلاميّة.

إذن، فلا يمكن أن نفترض أنّ المستوى الفكريّ والعلميّ لهذه الطائفة كان يَعْبرُ عليه مثل هذا.

ولئن أمكن لشخص أن يتصوّر أنّ رجلاً عالماً كبيراً محيطاً مطّلعاً بلغ الخمسين أو الستّين يستطيع أن يُقنع مجموعة من الناس بإمامته بسبب اتّصافه بدرجة كبيرة من العلم والمعرفة والذكاء والاطّلاع وهو ليس بإمام، فليس بالإمكان أن نفترض ذلك في شخص لم يبلغ العاشرة من عمره، وكيف يعمّي الطفل كذبه في دعوى الإمامة على مدرسة فكريّة من أضخم المدارس الفكريّة التي وجدت في العالم الإسلاميّ يومئذ، مدرسة كان يوجد بعض قطّاعاتها في الكوفة، وبعضها في قم، وبعضها في المدينة، وكانت موزّعة في حواضر العالم الإسلاميّ والتي كانت كلّها على صلة مباشرة بالإمام الجواد (عليه السلام) ، تستفتيه وتسأله وتنقل إليه الأموال من مختلف الأطراف من

الصفحة 107

شيعته(1)، فمثل هذه المدرسة لا يمكن أن نتصوّر فيها أن تغفل عن حقيقة طفل لا يكون إماماً.

والثالث: أن يفترض أنّ الطائفة لم يكن عندها مفهوم الإمام والإمامة واضحاً بالمعنى الذي نقوله، وكانت تتصوّر أنّ الإمامة مجرّد تسلسل نسبيّ ووراثيّ، ولم تكن تعرف ما هو الإمام، وما هي قيمته، وما هي شروطه.

وهذا الإفتراض أيضاً يكذّبه واقع التراث المتواتر المستفيض من أميرالمؤمنين إلى الإمام الرضا (عليهما السلام) عن شروط الإمام، ومحصول الإمام، وعلامات الإمام.

فالتشيّع قام أساساً على المفهوم الإلهيّ المعمّق للإمامة، وهذا هو أوضح وأبده وأوّل مفهوم من مفاهيم التشيّع، وهو: أنّ الإمام إنسان فذّ فريد في معارفه وأخلاقه وقوله وعمله، وقد بشّرت بهذا المفهوم آلاف النصوص من عهد أميرالمؤمنين (عليه السلام) إلى عهد الرضا (عليه السلام) ، وكلّ الخصوصيّات وكلّ التفاصيل أصبحت بالتدريج واضحة في ارتكاز الطائفة وذهنيّتها حتّى بعض التفاصيل الثانويّة.

يقول الراوي في مناسبة قصّة الإمام الجواد (عليه السلام) : دخلت المدينة بعد

(1) اُنظر بحار الأنوار 50، ب 3 و4 و5 من حياة الإمام الجواد (عليه السلام) ، الصفحة: 37 وما بعدها.
الصفحة 108

وفاة الرضا (عليه السلام) أسأل عن الخليفة بعد الإمام الرضا (عليه السلام) ، فقيل: إنّ الخليفة في قرية قريبة من المدينة، فخرجت إلى تلك القرية ودخلت داخل القرية ـ وكان فيها بيت للإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) انتقل بالوراثة إلى أولاده وأحفاده ـ فرأيت البيت غاصّاً بالناس، ورأيت أحد إخوة الإمام الرضا (عليه السلام) كان جالساً يتصدّر المجلس إلاّ أنّ الناس يقولون فيما بينهم: إنّ هذا ليس هو الإمام بعد الإمام الرضا; لأنّنا سمعنا من الأئمّة (عليهم السلام) أنّ الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين(1)، فكلّ التفاصيل وكلّ الخصوصيّات النسبيّة والمعنويّة كانت واضحة ومحدّدة عندهم.

والرابع: أن يفترض أن يكون هذا تبانياً على الزور والباطل من قبل هذه الطائفة.

وهذا أيضاً ممّا لا يكذّبه إيماننا الشخصيّ فحسب بورع هذه الطائفة وقدسيّتها، بل يكذّبه ـ إضافةً إلى ذلك ـ الظرف الموضوعيّ لهذه الطائفة، إذ لم يكن التشيّع في يوم من الأيّام في حياة هذه الطائفة طريقاً إلى الأمجاد والمال والجاه والسلطان والمقامات العالية.

إنّ التشيّع طيلة هذه المدّة كان طريقاً إلى التعذيب، وإلى السجون والحرمان، وإلى الويل والدمار، وكان طريقاً إلى أن يعيش الإنسان

(1) اُنظر بحار الأنوار 25، كتاب الإمامة، ب 8: ص 250 ـ 252.
الصفحة 109

 

حياة الخوف والذلّ والتقيّة في كلّ حركاته وسكناته، فلا معنى للتباني من قبل هذه الطائفة على إمامة كاذبة في سبيل مطمع من المطامع.

ولو أنّ هؤلاء الوجهاء والعلماء والأعلام تركوا هذه الطريقة واتّبعوا الطريق الرسميّ المكشوف وقتئذ والمتّبع من قبل سائر المسلمين لكانوا في طليعة سائر المسلمين.

فالظروف الموضوعيّة بنفسها تشهد على أنّ هذا التباني لا يمكن أن يكون ناشئاً إلاّ عن اعتقاد حقّ بهذه الإمامة.

فلم تبق فرضيّة معقولة إلاّ الفرض الوحيد المطابق للواقع، وهو: أن يكون الإمام الجواد (عليه السلام) إماماً حقّاً.

الصفحة 110

لمحة عن الإمام عليّ بن محمّد الهادي (عليه السلام)

يا أيّهذا الرائحُ الغادي *** عرّجْ على سيّدِنا الهادي

واخلعْ إذا شارفتَ ذاك الثرى *** فعل كليم الله في الوادي

وقبّلِ الأرضَ وسُف(1) تربةً *** فيها العلى والشرفُ العادي(2)

وقلْ سلامُ اللهِ وقفٌ على *** مستخرَج من صلبِ أجوادِ

* * *

يا آلَ طه أنتمُ عُدَّتي *** ووصفكم بين الورى عادي(3)

وشكركم دأبي وذكري لكم *** همّي وتسبيحي وأورادي

* * *

(1) من ساف بمعنى اشتمّ. (2) أي: القديم. (3) أي: قديم.
الصفحة 111

ولي أمانٌ فيكمُ جمّةٌ(1) *** تقضي بإقبالي وإسعادي

وواجبٌ في شرعِ إحسانكم *** إنالتي الخيرَ وإمدادي

لا زال قلبي لكمُ مسكناً *** في حالتي قُرب وإبعادي(2)

يُروى أنّ الإمام عليّ بن محمّد الهادي (عليه السلام) كان في سني إمامته بقيّة ملك المعتصم ثمّ الواثق والمتوكّل والمنتصر والمستعين والمعتزّ، وفي آخر مُلك المعتمد استشهد مسموماً، وقال ابن بابويه: «وسمّه المعتمد»(3).

وقال عادل الأديب (حفظه الله) في كتابه (الأئمّة الاثنا عشر)(4): عاش الإمام الهادي (عليه السلام) بعد استشهاد أبيه ظروفاً صعبة وقاسية، وقد عاصر حكم المتوكّل الذي عرف بحقده على الإمام (عليه السلام) وملاحقته لأصحابه وقواعده التي كانت تتّسع يوماً بعد يوم، هذا التوسّع الذي

(1) الجمّة: الكثرة. (2) كشف الغمّة 3:195 ـ 196. (3) بحار الأنوار 50:114 نقلاً عن مناقب آل أبي طالب. (4) ص 226.
الصفحة 112

انعكس على واقع الجهاز الحاكم حتّى شعر المتوكّل بخطورة الموقف وحرجه، فحاول تفادي المضاعفات بطريقتين متلازمتين في آن واحد معاً:

1 ـ شنّ حملة مطاردة واضطهاد لقواعد الإمام (عليه السلام) وأصحابه وتدمير كلّ أثر شيعيّ لهم، زيادةً في إرهابهم، وإمعاناً في إذلالهم «حتّى أنّه كرب قبر الحسين وعفى آثاره»(1).

2 ـ عزل الإمام (عليه السلام) عن قواعده، تمهيداً لشرذمتها، وتمييع قضيّتها، وتأييسها من الانتصار.

أقول: وإنّني أقتصر هنا على ذكر عدد من الروايات من البحار ممّا توضّح هيبة الإمام عليّ الهادي (عليه السلام) وعظمته الاجتماعيّة:

1 ـ روى في البحار(2) عن مروج الذهب للمسعودي، عن يحيى بن هرثمة قال: «وجّهني المتوكّل إلى المدينة لإشخاص عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى (عليه السلام) لشيء بلغه عنه، فلمّا صرت إليها ضجّ أهلها، وعجّوا ضجيجاً وعجيجاً ما سمعت مثله، فجعلت اُسكّنهم وأحلف أنّي لم اُؤمَر فيه بمكروه، وفتّشت منزله فلم اُصب فيه إلاّ مصاحف ودعاء وما أشبه ذلك، فأشخصته وتولّيت خدمته وأحسنت عشرته...».

(1) اُنظر مقاتل الطالبيّين: 395. (2) بحار الأنوار 50:207.
الصفحة 113

فانظُر إلى قوّته (عليه السلام) الاجتماعيّة التي أوجبت هذا الضجيج والعجيج في المدينة والتي أجبرت يحيى بن هرثمة على ذاك التسكين والحلف.

ولا تنافي بين ما ورد في هذا الحديث من تفتيش منزله (عليه السلام) وما سننقله الآن ـ إن شاء الله ـ من الرواية الثانية التي تقول: إنّ إشخاصه (عليه السلام) إلى سامرّاء كان بطلب من نفس الإمام (عليه السلام) من المتوكّل أو ـ على الأقلّ ـ بتفاهم بينهما.

2 ـ ورد في البحار(1) نقلاً عن كتاب الإرشاد ما يلي:

«كان سبب شخوص أبي الحسن (عليه السلام) من المدينة إلى سرّ من رأى أنّ عبدالله بن محمّد كان يتولّى الحرب والصلاة في مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) ، فسعى بأبي الحسن إلى المتوكّل وكان يقصده بالأذى، وبلغ أبا الحسن (عليه السلام) سعايته به، فكتب إلى المتوكّل يذكر تحامل عبد الله بن محمّد عليه وكذبه فيما يسعى به، فتقدّم المتوكّل بإجابته عن كتابه ودعائه فيه إلى حضور العسكر(2) على جميل من الفعل والقول، فخرجت نسخة الكتاب، وهي:

بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد: فإنّ أميرالمؤمنين عارف بقدرك، راع لقرابتك، موجب لحقّك، مؤثر من الاُمور فيك وفي أهل بيتك ما

(1) بحار الأنوار 50:200 ـ 203. (2) يعني: سرّ من رأى.
الصفحة 114

يصلح الله به حالك وحالهم، ويثبّت به عزّك وعزّهم، ويدخل الأمن عليك وعليهم، يبتغي بذلك رضا ربّه وأداء ما فرض عليه فيك وفيهم، فقد رأى أميرالمؤمنين صرف عبدالله بن محمّد عمّا كان يتولّى من الحرب والصلاة بمدينة الرسول إذ كان على ما ذكرت من جهالته بحقّك، واستخفافه بقدرك، وعند ما قرفك(1) به ونسبك إليه من الأمر الذي قد علم أميرالمؤمنين براءتك منه، وصدق نيّتك في برّك وقولك، وأنّك لم تؤهّل نفسك لما قُرِفت(2) بطلبه.

وقد ولّى أميرالمؤمنين ما كان يلي من ذلك محمّد بن الفضل، وأمره بإكرامك وتبجيلك، والانتهاء إلى أمرك ورأيك، والتقرّب إلى الله وإلى أميرالمؤمنين بذلك، وأميرالمؤمنين مشتاق إليك يحبّ إحداث العهد بك والنظر إلى وجهك.

فإن نشطت لزيارته والمقام قبله ما أحببت شخصت ومن اخترت من أهل بيتك ومواليك وحشمك على مهلة وطمأنينة، ترحل إذا شئت، وتنزل إذا شئت، وتسير كيف شئت، فإن أحببت أن يكون يحيى بن هرثمة مولى أميرالمؤمنين ومن معه من الجند يرحلون برحيلك ويسيرون بمسيرك فالأمر في ذلك إليك، وقد تقدّمنا إليه بطاعتك.

(1) أي: اتّهمك. (2) أي: اتّهمتَ.
الصفحة 115

فاستخر الله(1) حتّى توافي أميرالمؤمنين، فما أحد من إخوته ووُلده وأهل بيته وخاصّته ألطف منه منزلة، ولا أحمد له إثرة(2)، ولا هو لهم أنظر، وعليهم أشفق، وبهم أبرّ، وإليهم أسكن منه إليك».

أقول: إنّ هذا الاُسلوب من الكلام يبدو أنّه هو نفس ما مضى من سياسة مأمون في تبجيله للرضا والجواد (عليهما السلام) ، وهذا يؤيّد ما يقوله اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) : من أنّ الإمام الهادي هو ثالث أئمّة الدور الثالث.

ومع ذلك حاول المتوكّل إهانة الإمام (عليه السلام) ليوم واحد قبل لقائه به، وذلك بجعله في خان الصعاليك بحسب ما يبدو من تتمّة الرواية، وهي ما يلي:

«فلمّا وصل الكتاب إلى أبي الحسن (عليه السلام) تجهّز للرحيل وخرج معه يحيى بن هرثمة حتّى وصل سرّ من رأى، فلمّا وصل إليها تقدّم المتوكّل بأن يحجب عنه في يومه، فنزل في خان يقال له خان الصعاليك، وأقام به يومه، ثمّ تقدَّم المتوكّل بإفراد دار له فانتقل إليها».

وروي عن صالح بن سعيد قال: «دخلت على أبي الحسن (عليه السلام) يوم وروده، فقلت له: جعلت فداك في كلّ الاُمور أرادوا إطفاء نورك والتقصير بك حتّى أنزلوك هذا المكان الأشنع خان الصعاليك.

(1) أي: اطلُب الخير من الله. (2) أي: إكراماً.
الصفحة 116

فقال: هاهنا أنت يا ابن سعيد! ثمّ أومأ بيده فإذا أنا بروضات أنيقات، وأنهار جاريات، وجنّات فيها خيرات عطرات وولدان كأنّهنّ اللؤلؤ المكنون، فحار بصري وكثر عجبي. فقال (عليه السلام) : حيث كنّا فهذا لنا، يا ابن سعيد لسنا في خان الصعاليك.

وأقام أبو الحسن (عليه السلام) مدّة مقامه بسرّ من رأى مكرّماً في ظاهر حاله، يجتهد المتوكّل في إيقاع حيلة به، فلا يتمكّن من ذلك...».

3 ـ روى في البحار(1) عن الخرائج عن أبي هاشم الجعفري: «قال: ظهرت في أيّام المتوكّل امرأة تدّعي أنّها زينب بنت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فقال المتوكّل: أنت امرأة شابّة وقد مضى من وقت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما مضى من السنين. فقالت: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسح عليّ وسأل الله أن يردّ عليّ شبابي في كلّ أربعين سنة، ولم أظهر للناس إلى هذه الغاية، فلحقتني الحاجة فصرت إليهم.

فدعا المتوكّل مشايخ آل أبي طالب وولد العبّاس وقريش وعرّفهم حالها، فروى جماعة وفاة زينب في سنة كذا. فقال لها: ما تقولين في هذه الرواية؟

فقالت: كذبٌ وزور، فإنّ أمري كان مستوراً عن الناس، فلم يعرف لي حياة ولا موت.

(1) بحار الأنوار 50:149 ـ 150.
الصفحة 117

فقال لهم المتوكّل: هل عندكم حجّة على هذه المرأة غير هذه الرواية؟ فقالوا: لا. فقال:(1) هو بريء من العبّاس إن لا أنزلها عمّا ادّعت إلاّ بحجّة.

قالوا: فأحضِر ابن الرضا(2) فلعلّ عنده شيئاً من الحجّة غير ما عندنا، فبعث إليه فحضر، فأخبره بخبر المرأة. فقال (عليه السلام) : كذبت، فإنّ زينب توفّيت في سنة كذا، في شهر كذا، في يوم كذا.

قال: فإنّ هؤلاء قد رووا مثل هذه وقد حلفتُ أن لا اُنزلها إلاّ بحجّة تلزمها.

قال (عليه السلام) : ولا عليك فهاهنا حجّة تلزمها وتلزم غيرها قال: وما هي؟ قال: لحوم بني فاطمة محرّمة على السباع(3)، فأنزِلها إلى السباع، فإن كانت من ولد فاطمة فلا تضرّها.

فقال لها: ما تقولين؟ قالت: إنّه يريد قتلي. قال: فهاهنا جماعة من ولد الحسن والحسين (عليهما السلام) فأنزل من شئت منهم. قال: فوالله لقد تغيّرت وجوه الجميع. فقال بعض المبغضين: هو يحيل على غيره لِمَ لا يكون هو؟

(1) أي: المتوكّل. (2) أي: الهادي (عليه السلام) . (3) يُحمل ذلك على أولادها المباشرين وعلى المعصومين (عليهم السلام) وعلى من يريد المعصوم بشأنه ذلك.
الصفحة 118

فمال المتوكّل إلى ذلك رجاء أن يذهب من غير أن يكون له في أمره صنع، فقال: يا أبا الحسن، لِمَ لا تكون أنت ذلك؟ قال: ذاك إليك. قال: فافعل. قال: أفعل. فاُتي بسلّم وفتح عن السباع وكانت ستّة من الاُسد، فنزل أبو الحسن إليها، فلمّا دخل وجلس صارت الاُسود إليه، فرمت بأنفسها بين يديه ومدّت بأيديها ووضعت رؤوسها بين يديه، فجعل يمسح على رأس كلّ واحد منها، ثمّ يشير إليه بيده إلى الاعتزال، فتعتزل ناحية حتّى اعتزلت كلّها وأقامت بإزائه.

فقال له الوزير: ما هذا صواباً. فبادر بإخراجه من هناك قبل أن ينتشر خبره، فقال له: يا أبا الحسن، ما أردنا بك سوءاً وإنّما أردنا أن نكون على يقين ممّا قلت، فاُحبّ أن تصعد، فقام وصار إلى السلّم وهي حوله تتمسّح بثيابه.

فلمّا وضع رجله على أوّل درجة التفت إليها وأشار بيده أن ترجع، فرجعت وصعد.

فقال (عليه السلام) : كلّ من زعم أنّه من ولد فاطمة فليجلس في ذلك المجلس.

فقال لها المتوكّل: انزلي. قالت: الله الله ادّعيت الباطل، وأنا بنت فلان، حملني الضرّ على ما قلت. قال المتوكّل: ألقوها إلى السباع، فاستوهبتها والدته(1)».

(1) أي: والدة المتوكّل.
الصفحة 119

4 ـ روى في البحار(1) عن المسعودي في مروج الذهب ما يلي:

«سُعي إلى المتوكّل بعليّ بن محمّد الجواد (عليه السلام) أنّ في منزله كُتباً وسلاحاً من شيعته من أهل قم، وأنّه عازم على الوثوب بالدولة. فبعث إليه جماعةً من الأتراك فهجموا داره ليلاً، فلم يجدوا فيها شيئاً، ووجدوه في بيت مغلق عليه، وعليه مدرعة من صوف وهو جالس على الرمل والحصى، وهو متوجّه إلى الله تعالى يتلو آيات من القرآن.

فحُمل على حاله تلك إلى المتوكّل وقالوا له: لم نجد في بيته شيئاً ووجدناه يقرأ القرآن مستقبل القبلة، وكان المتوكّل جالساً في مجلس الشرب، فدخل عليه والكأس في يد المتوكّل.

فلمّا رآه هابه وعظّمه وأجلسه إلى جانبه وناوله الكأس التي كانت في يده، فقال: والله ما يخامر لحمي ودمي قطّ فاعفني، فأعفاه، فقال: أنشدني شعراً. فقال (عليه السلام) : إنّي قليل الرواية للشعر. فقال: لابدّ، فأنشده (عليه السلام) وهو جالس عنده:

باتوا على قللِ الأجبالِ تحرسُهم *** غلبُ الرجالِ فلم تنفعهُم القللُ

واستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم *** واُسكنوا حفراً يا بئسَ ما نزلوا

(1) بحار الأنوار 50 : 211 ـ 212.
الصفحة 120

ناداهمُ صارخٌ من بعدِ دفنهمُ *** أينَ الأساورُ والتيجانُ والحللُ

أينَ الوجوهُ التي كانت منعّمةً *** من دونها تضربُ الأستارُ والكللُ

فأفصَح القبرُ عنهم حين ساءلهم *** تلك الوجوهُ عليها الدودُ تقتتلُ

قد طال ما أكلوا دهراً وقد شربوا *** وأصبحوا اليومَ بعدَ الأكلِ قد اُكِلوا

قال: فبكى المتوكّل حتّى بلّت لحيته دموع عينيه، وبكى الحاضرون، ودفع إلى عليّ (عليه السلام) أربعة آلاف دينار، ثمّ ردّه إلى منزله مكرَّماً».

5 ـ روى في البحار(1) عن المناقب، عن سلمة الكاتب قال: «قال خطيب يلقّب بالهريسة للمتوكّل: ما يعمل أحد بك ما تعمله بنفسك في عليّ بن محمّد، فلا في الدار إلاّ من يخدمه، ولا يتعبونه بشيل الستر لنفسه. فأمر المتوكّل بذلك. فرفع صاحب الخبر أنّ عليّ بن محمّد دخل الدار فلم يُخدم ولم يشل أحد بين يديه الستر، فهبّ هواء فرفع الستر حتّى دخل وخرج، فقال: شيلوا له الستر بعد ذلك فلا نريد أن يشيل له الهواء».

قال المجلسي (رحمه الله) : «وفي تخريج أبي سعيد العامري رواية عن صالح

(1) بحار الأنوار 50: 203 ـ 204.
الصفحة 121

بن الحكم بيّاع السابريّ قال: كنت واقفيّاً، فلمّا أخبرني حاجب
المتوكّل بذلك أقبلت أستهزئ به إذ خرج أبوالحسن فتبسّم في وجهي من غير معرفة بيني وبينه، وقال: يا صالح، إنّ الله تعالى قال في سليمان: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ)(1)، ونبيّك وأوصياء نبيّك أكرم على الله تعالى من سليمان. قال: وكأنّما انسلّ من قلبي الضلالة، فتركت الوقف».

6 ـ روى في البحار(2) عن المناقب، عن أبي محمّد الفحّام قال: سأل المتوكّل ابنَ الجهم: مَن أشعر الناس؟ فذكر شعراء الجاهليّة والإسلام، ثمّ إنّه سأل أبا الحسن (عليه السلام) فقال: الحِمّاني(3) حيث يقول:

لقد فاخرتنا من قريش عصابةٌ *** بمطّ(4) خدود وامتدادِ أصابعِ

فلمّا تنازعنا المقالَ قضى لنا *** عليهم بما يهوى نداءُ الصوامعِ

(1) سورة 38 ص، الآية: 36. (2) بحار الأنوار 50: 190 ـ 191. (3) في الصفحة: 129 من البحار، ج 50: «قال: فلان بن فلان العلويّ. قال ابن الفحّام: وأخوه الحمّاني». وهذه النسخة أصحّ; لأنّ الحِمّاني تميميّ لا علويّ. (4) المطّ: المدّ. ومطّ خدّه: أي: تكبر.
الصفحة 122

ترانا سكوتاً والشهيدُ بفضلِنا *** عليهم جهير الصوتِ في كلّ جامعِ

فإنّ رسولَ اللهِ أحمدَ جدُّنا *** ونحنُ بنوه كالنجومِ الطوالعِ

قال: وما نداء الصوامع يا أبا الحسن؟ قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله جدّي أم جدّك؟! فضحك المتوكّل، ثمّ قال: هو جدّك لا ندفعك عنه.

7 ـ وممّا يشهد لتوجّس المتوكّل خيفة من عظمة أبي الحسن الهادي (عليه السلام) تكرّر كبسه لدار الإمام (عليه السلام) وهو (عليه السلام) يظهر بمظهر اللا مبالاة والهدوء التامّ والشخص الواثق من براءته، وكان يعين الشرطة المتجسّسين على مهمّتهم فيسرج لهم الضياء ويدلّهم على غرف الدار توخّياً في الإيحاء للدولة بأنّه لا يملك أيّ نشاط غريب، فقد روي في البحار(1) عن إعلام الورى وعن الإرشاد، عن ابن قولويه، عن الكليني، عن عليّ بن محمّد، عن إبراهيم بن محمّد الطاهري: «قال: مرض المتوكّل من خُراج(2) خرج به، فأشرف منه على التلف، فلم يجسر أحد أن يمسّه بحديدة، فنذرت اُمّه إن عوفي أن يحمل إلى

(1) بحار الأنوار 50: 198 ـ 200. (2) الخراج كغراب: القروح والدماميل العظيمة.
الصفحة 123

أبي الحسن عليّ بن محمّد (عليه السلام) مالاً جليلاً من مالها.

وقال له الفتح بن خاقان: لو بعثت إلى هذا الرجل ـ يعني أبا الحسن ـ فسألته فإنّه ربّما يكون عنده صفة شيء يفرّج الله به عنك. قال: ابعثوا إليه. فمضى الرسول ورجع فقال: خذوا كُسب(1) الغنم فديّفوه بماء ورد وضعوه على الخُراج، فإنّه نافع بإذن الله.

فجعل من بحضرة المتوكّل يهزأ من قوله، فقال لهم الفتح: وما يضرّ من تجربة ما قال، فوالله إنّي لأرجو الصلاح به. فاُحضر الكُسب ودُيّف بماء الورد ووُضع على الخُراج فانفتح وخرج ما كان فيه، وبُشّرت اُمّ المتوكّل بعافيته، فحملت إلى أبي الحسن (عليه السلام) عشرة آلاف دينار تحت ختمها، فاستقلّ(2)المتوكّل من علّته.

فلمّا كان بعد أيّام سعى البطحائي بأبي الحسن (عليه السلام) إلى المتوكّل فقال: عنده سلاح وأموال. فتقدّم المتوكّل إلى سعيد الحاجب أن يهجم ليلاً عليه، ويأخذ ما يجد عنده من الأموال والسلاح، ويحمل إليه.

فقال إبراهيم بن محمّد: قال لي سعيد الحاجب: صرت إلى دار أبي الحسن (عليه السلام) بالليل ومعي سلّم، فصعدت منه إلى السطح، ونزلت من الدرجة إلى بعضها في الظلمة، فلم أدر كيف أصل إلى الدار، فناداني

(1) الكُسب ثفل الدهن. (2) أي: ارتفع.
الصفحة 124

أبو الحسن (عليه السلام) من الدار: يا سعيد، مكانك حتّى يأتوك بشمعة، فلم ألبث أن أتوني بشمعة، فنزلت، فوجدت عليه جبّة من صوف وقلنسوة منها وسجّادته على حصير بين يديه هو مُقبل على القبلة، فقال لي: دونك البيوت.

فدخلتها وفتّشتها فلم أجد فيها شيئاً ووجدت البدرة مختومة بخاتم اُمّ المتوكّل وكيساً مختوماً معها، فقال أبو الحسن (عليه السلام) : دونك المصلّى، فرفعت فوجدت سيفاً في جفن غير ملبوس فأخذت ذلك وصرت إليه.

فلمّا نظر إلى خاتم اُمّه على البدرة بعث إليها فخرجت إليه، فسألها عن البدرة، فأخبرني بعض خدم الخاصّة أنّها قالت له: كنت نذرت في علّتك إن عوفيت أن أحمل إليه من مالي عشرة آلاف دينار، فحملتها إليه، وهذا خاتمك على الكيس ما حرّكها.

وفتح الكيس الآخر وكان فيه أربع مئة دينار، فأمر أن يضمّ إلى البدرة بدرة اُخرى وقال لي: احمل ذلك إلى أبي الحسن، واردد عليه السيف والكيس بما فيه، فحملت ذلك إليه واستحييت منه وقلت: يا سيّدي، عزّ عليّ بدخول دارك بغير إذنك، ولكنّي مأمور به. فقال لي: (سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَب يَنقَلِبُون)(1)».

(1) سورة 26 الشعراء، الآية: 227.
الصفحة 125

لمحة عن الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)

قال الله عزّ وجلّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)(1).

روي في كنز الدقائق عن اُصول الكافي، عن بريد بن معاوية العجليّ قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: (اتَّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) قال: إيّانا عنى»(2).

وروى أيضاً عن اُصول الكافي، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عن قول الله عزّ وجلّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)قال: الصادقون هم الأئمّة، والصدّيقون بطاعتهم»(3).

وروى عن كتاب (كمال الدين وتمام النعمة) بإسناده إلى سليم بن قيس الهلاليّ، عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) أنّه قال في أثناء كلام له في جمع من المهاجرين والأنصار في المسجد أيّام خلافة عثمان: «أسألكم بالله

(1) سورة 9 التوبة، الآية: 119. (2) كنز الدقائق 5: 568. (3) المصدر السابق: 569.
الصفحة 126

أتعلمون أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لمّا أنزل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) فقال سلمان: يا رسول الله، عامّة هذه الآية أم خاصّة؟ فقال (صلى الله عليه وآله) : أمّا المأمورون فعامّة المؤمنين اُمروا بذلك، وأمّا الصادقون فخاصّة لأخي عليّ وأوصيائه من بعده إلى يوم القيامة، قالوا: اللّهمّ نعم»(1).

وروى عن أمالي شيخ الطائفة (قدس سره) بإسناده إلى جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) قال: «مع عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) »(2).

يا راكباً يسري على جَسْرَة(3) *** قد غبّرت في أوجُه الضُمَّر(4)

عرّجْ بسامرّاءَ والثم ثرى *** أرضِ الإمامِ الحسنِ العسكريّ

عرّجْ على من جدُّه صاعدٌ *** ومجدُه عال على المشتري

(1) المصدر السابق. (2) المصدر السابق. (3) أي: على جَسارة وجرأة. (4) الفرس: الضامر، أي: الهزيل.
الصفحة 127

على الإمامِ الطاهرِ المجتبى *** على الكريمِ الطيّبِ العنصرِ

على وليّ الله في عصرِه *** وابنِ خيارِ اللهِ في الأعصُرِ

على كريم صوب معروفهِ *** يربى على صوب الحيا(1) المُمطِر

على إمام عدلُ أحكامهِ *** يسلّطُ العُرفَ على المُنكَرِ

وبلِّغَن عن عبدِ آلائه *** تحيّةً أزكى من العنبرِ

وقلْ سلامُ اللهِ وقفٌ على *** ذاكَ الجنابِ المُمرِع(2) الأخضرِ

دار بحمدِ الله قِد اُسّست *** على التقى والشرفِ الأطهرِ

من جنّة الخلد ثرى أرضِها *** وماؤها من نَهَرِ الكوثرِ

(1) المطر. (2) أمرع المكان: أخصب.
الصفحة 128

حلّ بها شخصانِ من دوحة *** أغصانُها طيّبة المَكسرِ(1)

العسكريّانِ هما ما هما *** فطوِّلِ التقريضَ أو قَصّرِ

غُصنا علاء قمرا سُدفة(2) *** شمسا نهار فارسا مِنبَرِ

من معشر فاقوا جميع الورى *** جلالةً ناهيكَ من معشرِ

هُم الاُولى شادوا بناءَ العُلى *** بالأبيضِ الباترِ والأسمرِ(3)

همُ الاُولى لولاهُمُ في الورى *** لم يُعرَفِ الحقُّ ولم يُنكَرِ

همُ الاُولى لولاهمُ في الورى *** لم يؤمنِ العبدُ ولم يكفُر

(1) المَكْسر: موضع الكسر. (2) السدفة: الظلمة. (3) يعني: بالسيف القاطع الأبيض وبالرُمح الأسمر.
الصفحة 129

همُ الاُولى سنّوا لنا منهجاً *** بواضح من سعيهم نَيّرِ

همُ الاُولى دلّوا على مذهب *** مثلِ الصباحِ الواضحِ المُسفِرِ

فاتّضَح الحقُّ لروّادهِ *** ولاح قصدُ الطالبِ المُبصِرِ

أخلاقُهم أنّى أتى سائلٌ *** مثلُ الربيعِ اليانعِ المُزهِرِ

يا سادتي إنّ ولائي لكم *** من خيرِ ما قدّمتُ للمحشرِ(1)

أرجو بكم نيلَ الأماني غداً *** في مَبْعَثي والأمنَ في مَقبَري

فأنتمُ قصدي وحبّي لكم *** تجارتي والربحُ في مَتْجَري

والحمدُ للهِ على إنّه *** وفّقني للغرضِ الأكبرِ(2)

(1) هو الذي أرجوه في محشري (نسخة بدل). (2) قصيدة للأربليّ في كشف الغُمّة 3: 231 ـ 232.
الصفحة 130

عدّ الحاج عادل الأديب (حفظه الله) في كتابه (الأئمّة الاثنا عشر)(1) عدّة مواقف هامّة للإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) تجاه أحداث زمانه وأوضاعه:

الموقف الأوّل: موقفه من الحكم والحكّام.

والموقف الثاني: موقفه من الحركة العلميّة والتثقيف العقائديّ.

والموقف الثالث: موقفه في مجال الإشراف على قواعده الشعبيّة وحماية وجودها وتنمية وعيها وحدّها بكلّ أساليب الصمود والارتفاع إلى مستوى الطليعة المؤمنة.

والموقف الرابع: موقفه (عليه السلام) من التمهيد للغيبة.

أمّا الموقف الأوّل ـ وهو موقفه من الحكم والحكّام ـ : فقد كانت سياسة العبّاسيّين تجاه الأئمّة (عليهم السلام) واضحة من أيّام الإمام الرضا (عليه السلام) ، وتلخّصت بالحرص على دمج إمام أهل البيت وصَهره في الجهاز الحاكم، وضمان مراقبتهم الدائمة له ومن ثمّ فصله عن قواعده ومواليه.

وهذه السياسة المخادعة كانت نافذة تجاه الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) ; لمزاياها الكثيرة بالنسبة للحكم، فكان العسكريّ (عليه السلام) كوالده مُجبراً على الإقامة في سامرّاء مكرهاً على الذهاب والحضور إلى بلاد الخليفة.

(1) ص 236 ـ 246.
الصفحة 131

فكان الإمام (عليه السلام) كآبائه في موقفه من الحكّام قد وقف موقفاً حذراً. ومحترساً في علاقته بالحكم دون أن يثير أيّ اهتمام أو أن يلقي بنفسه في أضواء الحكم وجهازه، بل كانت علاقته بالحكم روتينيّة رتيبة، تمسّكاً بخطّ آبائه تجاه السلطة العبّاسيّة، فكان (عليه السلام) يركب إلى دار الخلافة في كلّ اثنين وخميس على ما رواه في المناقب(1) نقلاً عن غيبة الطوسي، عن أبي عليّ بن همام، عن شاكري(2) أبي محمّد: «قال: كان اُستاذي صالحاً من العلويّين لم أرَ مثله قطّ، وكان يركب إلى دار الخلافة في كلّ اثنين وخميس، وكان يوم النوبة يحضر من الناس شيء عظيم، ويغصّ الشارع بالدوابّ والبغال والحمير والضجّة، لا يكون لأحد موضع يمشي ولا يدخل بينهم، وإذا جاء اُستاذي سكنت الضجّة، وهدأ صهيل الخيل ونهاق الحمير، وتفرّقت البهائم، حتّى يصير الطريق واسعاً ثمّ يدخل، وإذا أراد الخروج وصاح البوّابون: هاتوا دابّة أبي محمّد، سكن صياح الناس وصهيل الخيل، وتفرّقت الدوابّ، حتّى يركب ويمضي».

فموقف الإمام السلبيّ هذا أكسبه أمام الحكّام احتراماً ومنزلة رفيعة من قبيل الوزير عبيد الله بن خاقان.

(1) ج 3: 533. (2) معرّب چاكر، أي: الأجير والمستخدم لأبي محمّد (عليه السلام) .
الصفحة 132

ومن أطرف ما يروى بهذا الصدد ما رواه المجلسيّ (رحمه الله) في البحار(1)عن (كمال الدين) للصدوق (رحمه الله) ، عن أبيه وابن الوليد معاً عن سعد بن عبد الله قال: «حدّثنا من حضر موت الحسن بن عليّ بن محمّد العسكريّ (عليه السلام) ودفنه: ممّن لا يوقف على إحصاء عددهم ولا يجوز على مثلهم التواطؤ بالكذب:

وبعد: فقد حضرنا في شعبان سنة ثمان وسبعين ومئتين، وذلك بعد مضيّ أبي محمّد الحسن بن عليّ العسكريّ (عليهما السلام) بثما نية عشر سنة أو أكثر مجلس أحمد(2) بن عبيد الله بن خاقان، وهو عامل السلطان يومئذ على الخراج والضياع بكورة قم، وكان من أنصب خلق الله وأشدّهم عداوة لهم، فجرى ذكر المقيمين من آل أبي طالب بسرّ من رأى ومذاهبهم وصلاحهم وأقدارهم عند السلطان، فقال أحمد(3) بن عبيد الله: ما رأيت ولا عرفت بسرّ من رأى رجلاً من العلويّة مثل الحسن بن عليّ بن محمّد بن الرضا، ولا سمعت به في هديه وسكونه وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته والسلطان وجميع بني هاشم وتقديمهم إيّاه على ذوي السنّ منهم والخطر، وكذلك القوّاد والوزراء والكتّاب وعوام الناس.

(1) بحار الأنوار 50: 325 ـ 329. (2) و(3) وهو ابن هذا الوزير الخبيث.
الصفحة 133

وإنّي كنت قائماً ذات يوم على رأس أبي وهو يوم مجلسه للناس إذ دخل عليه حجّابه فقالوا له: ابن الرضا على الباب. فقال بصوت عال: ائذنوا له. فدخل رجل أسمر أعين، حسن القامة، جميل الوجه، جيّد البدن، حدث السنّ، له جلالة وهيبة.

فلمّا نظر إليه أبي قام فمشى إليه خطوات ولا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم ولا بالقوّاد ولا بأولياء العهد، فلمّا دنا منه عانقه وقبّل وجهه ومنكبيه، وأخذ بيده وأجلسه على مصلاّه الذي كان عليه وجلس إلى جنبه مقبلاً عليه بوجهه، وجعل يكلّمه ويكنّيه ويُفديه بنفسه وأبويه، وأنا متعجّب ممّا أرى منه إذ دخل عليه الحجّاب فقالوا الموفّق(1) قد جاء.

وكان الموفّق إذا جاء ودخل على أبي تقدّم حجّابه وخاصّة قوّاده فقاموا بين مجلس أبي وبين باب الدار سماطين إلى أن يدخل ويخرج، فلم يزل أبي مقبلاً عليه يحدّثه حتّى نظر إلى غلمان الخاصّة فقال حينئذ: إذا شئت فقم جعلني الله فداك يا أبا محمّد. ثمّ قال لغلمانه: خذوا به خلف السماطين لئلاّ يراه الأمير ـ يعني الموفّق ـ وقام أبي فعانقه وقبّل وجهه ومضى.

(1) وهو أخو الخليفة المعتمد على الله العبّاسي: أحمد بن المتوكّل، وكان صاحب جيشه، أي: قائد القوّات المسلّحة.
الصفحة 134

فقلت لحجّاب أبي وغلمانه: ويلكم من هذا الذي فعل به أبي هذا الذي فعل؟ فقالوا: هذا رجل من العلويّة يقال له: الحسن بن عليّ يعرف بابن الرضا. فازددت تعجّباً، فلم أزل يومي ذلك قلقاً متفكّراً في أمره وأمر أبي وما رأيت منه حتّى كان الليل، وكانت عادته أن يصلّي العتمة ثمّ يجلس فينظر فيما يحتاج من المؤامرة وما يرفعه إلى السلطان.

فلمّا نظر وجلس جئت فجلست بين يديه، فقال: يا أحمد، ألك حاجة؟ قلت: نعم يا أبة، إن أذنت سألتك عنها. فقال: قد أذنت لك يا بنيّ فقل ما أحببت. فقلت: يا أبة، من الرجل الذي رأيتك الغداة فعلت به ما فعلت من الإجلال والإكرام والتبجيل وفدّيته بنفسك وأبويك؟ فقال: يا بنيّ، ذلك ابن الرضا، ذاك إمام الرافضة. فسكت ساعة فقال: يا بنيّ، لو زالت الخلافة عن خلفاء بني العبّاس ما استحقّها أحد من بني هاشم غير هذا، فإنّ هذا يستحقّها في فضله وعفافه وهديه وصيانة نفسه وزهده وعبادته وجميع أخلاقه وصلاحه، ولو رأيت أباه لرأيت رجلاً جليلاً نبيلاً خيّراً فاضلاً(1).

فازددتُ قلقاً وتفكّراً وغيظاً على أبي ممّا سمعت منه فيه، ولم يكن لي همّة بعد ذلك إلاّ السؤال عن خبره والبحث عن أمره، فما سألت

(1) انظر إلى اعتراف من هو في معسكر الأعداء بفضلهم (عليهم السلام) .
الصفحة 135

عنه أحداً من بني هاشم والقوّاد والكتّاب والقضاة والفقهاء وسائر الناس إلاّ وجدته عندهم في غاية الإجلال والإعظام، والمحلّ الرفيع، والقول الجميل، والتقديم له على أهل بيته ومشايخه وغيرهم، وكلٌّ يقول: هو إمام الرافضة. فعظم قدره عندي; إذ لم أرَ له وليّاً ولا عدوّاً إلاّ وهو يحسن القول فيه والثناء عليه.

فقال له بعض أهل المجلس من الأشعريّين: يا بابكر، فما حال أخيه جعفر؟(1)، فقال: ومن جعفر فيُسأل عن خبره أو يُقرن به؟! إنّ جعفراً معلن بالفسق ماجنٌ شرّيب للخمور، أقلّ من رأيت من الرجال، وأهتكهم لستره بنفسه، فذمٌ(2) خمّار(3)، قليل في نفسه، خفيف.

والله لقد ورد على السلطان وأصحابه في وقت وفاة الحسن بن عليّ ما تعجّبت منه وما ظننت أنّه يكون.

وذلك أنّه لمّا اعتلّ بعث إلى أبي: أنّ ابن الرضا قد اعتلّ، فركب من ساعته مبادراً إلى دار الخلافة، ثمّ رجع مستعجلاً ومعه خمسة نفر من خدم أميرالمؤمنين كلّهم من ثقاته وخاصّته، فمنهم نحرير(4)، وأمرهم

(1) يعني: جعفر الكذّاب. (2) أي: أبكم. (3) وفي بعض النسخ: حمار. (4) وهو كان رائضاً للسباع.
الصفحة 136

بلزوم دار الحسن بن عليّ وتعرّف خبره وحاله، وبعث إلى نفر من
المتطبّبين فأمرهم بالاختلاف إليه وتعاهده في صباح ومساء.

فلمّا كان بعد ذلك بيومين جاءه من أخبره أنّه قد ضعف، فركب حتّى بكّر إليه ثمّ أمر المتطبّبين بلزومه، وبعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلسه وأمره أن يختار من أصحابه عشرة ممّن يوثق به في دينه وأمانته وورعه، فأحضرهم فبعث بهم إلى دار الحسن وأمرهم بلزومه ليلاً ونهاراً.

فلم يزالوا هناك حتّى تُوفّي لأيّام مضت من شهر ربيع الأوّل من سنة ستّين ومئتين، فصارت سرّ من رأى ضجّة واحدة: مات ابن الرضا.

وبعث السلطان إلى داره من يفتّشها ويفتّش حجرها، وختم على جميع ما فيها، وطلبوا أثر ولده، وجاؤوا بنساء يعرفن الحبل، فدخلن على جواريه فنظرن إليهنّ، فذكر بعضهنّ أنّ هناك جارية بها حبل، فأمر بها فجعلت في حجرة ووكّل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم، ثمّ أخذوا بعد ذلك في تهيئته، وعطّلت الأسواق، وركب أبي وبنو هاشم والقوّاد والكتّاب وسائر الناس إلى جنازته، فكانت سرّ من رأى يومئذ شبيهاً بالقيامة.

فلمّا فرغوا من تهيئته بعث السلطان إلى أبي عيسى بن المتوكّل فأمره بالصلاة عليه، فلمّا وضعت الجنازة للصلاة دنا أبو عيسى منها

الصفحة 137

فكشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم: من العلويّة والعبّاسيّة، والقوّاد والكتّاب والقضاة والفقهاء والمعدِّلين، وقال: هذا الحسن بن عليّ بن محمّد بن الرضا مات حتف أنفه على فراشه، حضره مِن خدم أميرالمؤمنين وثقاته فلان وفلان، ومن المتطبّبين فلان وفلان، ومن القضاة فلان وفلان.

ثمّ غطّى وجهه وقام فصلّى عليه وكبّر عليه خمساً وأمر بحمله، وحُمِلَ من وسط داره ودُفن في البيت الذي دفن فيه أبوه.

فلمّا دفن وتفرّق الناس اضطرب السلطان وأصحابه في طلب ولده، وكثر التفتيش في المنازل والدور وتوقّفوا عن قسمة ميراثه، ولم يزل الذين وُكّلوا بحفظ الجارية التي توهّموا عليها الحبل ملازمين لها سنتين وأكثر حتّى تبيّن لهم بطلان الحبل، فقسّم ميراثه بين اُمّه وأخيه جعفر، وادّعت اُمّه وصيّته وثبت ذلك عند القاضي، والسلطان على ذلك يطلب أثر ولده.

فجاء جعفر بعد قسمة الميراث إلى أبي وقال له: اجعل لي مرتبة أبي وأخي واُوصل إليك في كلّ سنة عشرين ألف دينار. فزبره أبي وأسمعه(1) وقال له: يا أحمق، إنّ السلطان ـ أعزّه الله ـ جرّد سيفه وسوطه في الذين زعموا أنّ أباك وأخاك أئمّة ليردّهم عن ذلك، فلم

(1) أي: شتمه.
الصفحة 138

يقدر عليه ولم يتهيّأ له صرفهم عن هذا القول فيهما، وجهد أن يُزيل
أباك وأخاك عن تلك المرتبة فلم يتهيّأ له ذلك، فإن كنت عند شيعة أبيك وأخيك إماماً فلا حاجة بك إلى سلطان يرتّبك مراتبهم ولا غير سلطان، وإن لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها بها.

واستقلّه عند ذلك واستضعفه وأمر أن يُحجب عنه، فلم يأذن له بالدخول عليه حتّى مات أبي وخرجنا، والأمر على تلك الحال، والسلطان يطلب أثر ولد الحسن بن عليّ حتّى اليوم».

أقول: ما ورد في هذا النقل من صلاة أبي عيسى بن المتوكّل على الإمام العسكريّ (عليه السلام) كان هو الموقف الرسميّ الحكوميّ، وهذا لا ينافي الحديث الآخر الذي يحدّثنا عن صلاة الإمام الحجّة (عجّل الله فرجه) على أبيه، فقد روى في البحار(1) عن (كمال الدين) حديثاً عن أبي الأديان: «قال: كنت أخدم الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) وأحمل كتبه إلى الأمصار، فدخلت إليه في علّته التي توفّي فيها (صلوات الله عليه)، فكتب معي كتباً وقال: تمضي بها إلى المدائن(2)، فإنّك ستغيب خمسة عشر يوماً فتدخل إلى سرّ من رأى يوم الخامس عشر وتسمع الواعية في داري وتجدني على المغتسل.

(1) بحار الأنوار 50: 332 ـ 333. (2) يعني فتأخذ جواباتها.
الصفحة 139

قال أبو الأديان: فقلت: يا سيّدي، فإذا كان ذلك فمن؟ قال: من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم بعدي. قال: زدني. فقال: من يصلّي عليّ فهو القائم بعدي. فقلت: زدني. فقال: من أخبر بما في الهميان فهو القائم بعدي.

ثمّ منعتني هيبته أن أسأله ما في الهميان؟ وخرجت بالكتب إلى المدائن، وأخذت جواباتها، ودخلت سرّ من رأى يوم الخامس عشر كما قال لي (عليه السلام) فإذا أنا بالواعية في داره، وإذا أنا بجعفر بن عليّ أخيه بباب الدار والشيعة حوله يعزّونه ويهنّؤونه.

فقلت في نفسي: إن يكن هذا الإمام فقد حالت الإمامة; لأنّي كنت أعرفه بشرب النبيذ ويقامر في الجوسق(1)، ويلعب بالطنبور، فتقدّمت فعزّيت وهنّيت، فلم يسألني عن شيء، ثمّ خرج عقيد فقال: يا سيّدي، قد كُفّن أخوك فقم للصلاة عليه. فدخل جعفر بن عليّ والشيعة من حوله يقدمهم السمّـان والحسن بن عليّ قتيل المعتصم المعروف بسلمة، فلمّا صرنا بالدار إذا نحن بالحسن بن عليّ (عليه السلام) على نعشه مكفّناً، فتقدّم جعفر بن عليّ ليصلّي على أخيه، فلمّا همّ بالتكبير خرج صبيّ بوجهه سمرة، بشعره قطط(2)، بأسنانه

(1) أي: القصر. (2) قطّ الشعر قططاً: كان قصيراً مجعّداً.
الصفحة 140

تفليج(1)، فجبذ(2) رداء جعفر بن عليّ وقال: تأخّر يا عمّ، فأنا أحقّ
بالصلاة على أبي، فتأخّر جعفر وقد اربدّ(3) وجهه، فتقدّم الصبيّ فصلّى عليه، ودفن إلى جانب قبر أبيه.

ثمّ قال: يا بصريّ، هات جوابات الكتب التي معك، فدفعتها إليه وقلت في نفسي: هذه اثنتان، بقي الهميان، ثمّ خرجت إلى جعفر بن عليّ وهو يزفر، فقال له حاجز الوشّاء: يا سيّدي، من الصبيّ؟ ليقيم عليه الحجّة(4)، فقال: والله ما رأيت قطّ ولا عرفته.

فنحن جلوس إذ قدم نفر من قم، فسألوا عن الحسن بن عليّ فعرفوا موته، فقالوا: فمن؟ فأشار الناس إلى جعفر بن عليّ، فسلّموا عليه وعزّوه وهنّؤوه وقالوا: معنا كتب ومال فتقول ممّن الكتب؟ وكم المال؟ فقام ينفض أثوابه ويقول: يريدون منّا أن نعلم الغيب.

قال: فخرج الخادم فقال: معكم كتب فلان وفلان وهميان فيه ألف دينار عشرة دنانير منها مطلية(5)، فدفعوا الكتب والمال وقالوا: الذي

(1) أي: انفراج. (2) أي: جذب. (3) أي: تغيّر إلى الغبرة. وقيل: الربدة لون بين السواد والغبرة. (4) أي: كان هدفه من هذا السؤال أخذ الاعتراف منه بواقع الأمر وإتمام الحجّة عليه. (5) الظاهر أنّ الصحيح (مطلّسة)، والدينار المطلّس: الذي انمحى أثر نقشه.
الصفحة 141

وجّه بك لأجل ذلك هو الإمام.

فدخل جعفر بن عليّ على المعتمد وكشف له ذلك، فوجّه المعتمد خدمه، فقبضوا على صَقِيل الجارية وطالبوها بالصبيّ، فأنكرته وادّعت حملاً بها لتغطّي على حال الصبيّ، فسُلّمت إلى أبي الشوارب القاضي، وبغتهم موت عبيدالله بن يحيى بن خاقان فجاءةً، وخروج صاحب الزنج بالبصرة، فشُغلوا بذلك عن الجارية، فخرجت عن أيديهم، والحمد لله ربّ العالمين لا شريك له».

وأمّا الموقف الثاني ـ وهو موقفه من الحركة العلميّة والتثقيف العقائدي ـ : فإنّي أذكر من ذلك عدداً من الروايات:

1 ـ ما رواه في المناقب(1) نقلاً عن أبي القاسم الكوفي في كتاب التبديل: من قصّة إبطاله (عليه السلام) لتأليف إسحاق الكندي كتاباً في تناقض القرآن، والقصّة ما يلي:

«إنّ إسحاق الكندي كان فيلسوف العراق في زمانه أخذ في تأليف تناقض القرآن، وشغل نفسه بذلك وتفرّد به في منزله، وإنّ بعض تلامذته دخل يوماً على الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) فقال له أبو محمّد (عليه السلام) : أما فيكم رجل رشيد يردع اُستاذكم الكندي عمّا أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟ فقال التلميذ: نحن من تلامذته كيف يجوز

(1) ج 3: 525 ـ 526.
الصفحة 142

منّا الاعتراض عليه في هذا أو في غيره؟ فقال له أبو محمّد: أتؤدّي إليه
ما اُلقيه إليك؟ قال: نعم. قال: فصر إليه وتلطّف في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله، فإذا وقعت الاُنسة في ذلك فقل: قد حضرتني مسألة أسألك عنها، فإنّه يستدعي ذلك منك فقل له: إن أتاك هذا المتكلّم بهذا القرآن هل يجوز أن يكون مراده بما تكلّم منه غير المعاني التي قد ظننتها أنّك ذهبت إليها؟ فإنّه سيقول لك: إنّه من الجائز; لأنّه رجل يفهم إذا سمع. فإذا أوجب ذلك فقل له: فما يُدريك لعلّه قد أراد غير الذي ذهبت أنت إليه، فتكون واضعاً لغير معانيه(1)، فصار

(1) فمثلاً قد يقال: يوجد لدينا قوله تعالى: (يُدَبِّرُ الاْمْرَ مِنَ السَّماء إِلَى الْاَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَة مِّمَّا تَعُدُّونَ) . سورة 32 السجدة، الآية: 5. ويوجد لدينا أيضاً قوله تعالى: (تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة) . سورة 70 المعارج، الآية: 4. وهذا يعني بيان مقدارين متخالفين ليوم القيامة، فإن جاء صاحب هذا الكلام وأبدى معنىً آخر لكلامه، فانظر هل أنّ كلامه يتحمّل هذا المعنى الآخر أو لا، فإن كان لا يتحمّل معنىً آخر فلك الحقّ في فرض ذلك تناقضاً للقرآن، أمّا إن كان يتحمّل معنىً آخر كأن يقول: إنّ في القيامة خمسين موقفاً، وكلّ واحد منه مقدار ألف سنة، والمجموع خمسون ألف سنة، فليس لك هذا الحقّ.-->
الصفحة 143

 

الرجل إلى الكندي وتلطّف إلى أن ألقى عليه هذه المسألة، فقال له: أعِد عليّ. فأعاد عليه، فتفكّر في نفسه ورأى ذلك محتملاً في اللغة وسائغاً في النظر، فقال: أقسمت عليك ألا أخبرتني من أين لك؟ فقال: إنّه شيء عرض على قلبي فأوردته عليك. فقال: كلاّ ما مثلك من اهتدى إلى هذا ولا من بلغ هذه المنزلة، فعرّفني من أين لك هذا؟ فقال: أمرني به أبو محمّد. فقال: الآن جئت به، وما كان ليخرج مثل هذا إلاّ من ذاك البيت. ثمّ إنّه دعا بالنار وأحرق جميع ما كان ألّفه».

2 ـ ما رواه البحار(1) عن المناقب(2) في مسألة خلق القرآن: «قال أبو هاشم: خطر ببالي أنّ القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟ فقال

الصفحة 144

أبو محمّد (عليه السلام) : يا أبا هاشم، الله خالق كلّ شيء، وما سواه مخلوق».

3 ـ ما رواه في البحار(1) عن المناقب ومختار الخرائج وكشف الغمّة في الجواب على مشكلة إرث الامرأة: «قال أبو هاشم: سأله الفهفكي: ما بال المرأة المسكينة الضعيفة تأخذ سهماً واحداً ويأخذ الرجل سهمين؟! قال: لأنّ المرأة ليس لها جهاد ولا نفقة ولا عليها معقلة(2)، إنّما ذلك على الرجال. فقلت في نفسي: قد كان قيل لي: إنّ ابن أبي العوجاء سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن هذه المسألة: فأجابه بمثل هذا الجواب. فأقبل (عليه السلام) عليّ فقال: نعم، هذه مسألة ابن أبي العوجاء والجواب منّا واحد، إذا كان معنى المسألة واحداً جرى لآخرنا ما جرى لأوّلنا، وأوّلنا وآخرنا في العلم والأمر سواء، ولرسول الله وأميرالمؤمنين فضلهما».

4 ـ قصّة منعه (عليه السلام) الراهب عن إضلال المسلمين وارتدادهم إلى النصرانيّة، فقد روى المجلسي(3) عن المناقب ومختار الخرائج(4)، عن عليّ بن الحسن بن سابور قال: «قحط الناس بسرّ من رأى في زمن

(1) ج 50: 255 ـ 256. (2) أي: ليست عليها الدية التي تكون على العاقلة. (3) في بحار الأنوار 50: 270 ـ 271. (4) ووردت القصّة أيضاً في كشف الغمّة 3:225.
الصفحة 145

الحسن الأخير (عليه السلام) ، فأمر الخليفة(1) الحاجب وأهل المملكة أن يخرجوا إلى الاستسقاء، فخرجوا ثلاثة أيّام متوالية إلى المصلّى ويدعون فما سقوا.

فخرج الجاثليق في اليوم الرابع إلى الصحراء ومعه النصارى والرهبان، وكان فيهم راهب فلمّا مدّ يده هطلت السماء بالمطر، فشكّ أكثر الناس وتعجّبوا وصبوا(2) إلى دين النصرانيّة، فأنفذ الخليفة إلى الحسن (عليه السلام) وكان محبوساً، فاستخرجه من محبسه وقال: الحق اُمّة جدّك فقد هلكت. فقال: إنّي خارج في الغد ومزيل الشكّ إن شاء الله تعالى.

فخرج الجاثليق في اليوم الثالث والرهبان معه وخرج الحسن (عليه السلام) في نفر من أصحابه، فلمّا بصر بالراهب وقد مدّ يده أمر بعض مماليكه أن يقبض على يده اليمنى ويأخذ ما بين إصبعيه ففعل وأخذ من بين سبّابتيه عظماً أسود، فأخذه الحسن (عليه السلام) بيده ثمّ قال له: استسق الآن. فاستسقى وكان السماء متغيّماً فتقشّعت وطلعت الشمس بيضاء.

فقال الخليفة: ما هذا العظم يا أبا محمّد؟ قال (عليه السلام) : هذا رجل مرّ بقبر نبيّ من الأنبياء فوقع إلى يده هذا العظم، وما كشف من عظم نبيّ إلاّ وهطلت السماء بالمطر».

(1) يعني: المعتمد. (2) أي: مالوا.
الصفحة 146

 

وأمّا الموقف الثالث ـ وهو إشرافه على قواعده الشعبيّة وحماية وجودها وتنمية وعيها ومدّها بكلّ أساليب الصمود والارتفاع إلى مستوى الطليعة المؤمنة ـ : فإنّي اُشير إلى روايتين تشهدان لذلك:

الرواية الاُولى: روى في البحار(1) عن المناقب ومختار الخرائج قصّة إرشاده (عليه السلام) للمساجين ـ حينما اُدخل (عليه السلام) السجن ـ بالحذر من جاسوس موكَّل بهم من قبل السلطة وهم لا يعلمون.

والقصّة ما يلي: «قال أبو هاشم الجعفري: كنت في الحبس مع جماعة فحُبس أبو محمّد وأخوه جعفر(2)، فخفّفنا له(3) وقبّلتُ وجه الحسن وأجلسته على مضربّة(4) كانت عندي، وجلس جعفر قريباً منه فقال جعفر: (وا شيطناه) بأعلى صوته، يعني: جاريةً له، فضجره أبو محمّد (عليه السلام) وقال له: اسكت. وإنّهم رأوا فيه أثر السكر، وكان المتولّي حبسه صالح بن وصيف، وكان معنا في الحبس رجل جمحيّ(5) يدّعي أنّه علويّ، فالتفت أبو محمّد (عليه السلام) وقال: لولا أنّ فيكم من ليس منكم

(1) بحار الأنوار 50: 254. (2) يعني: جعفر الكذّاب. (3) أي: أسرعنا إلى خدمته. وفي بعض النسخ: «فحففنا به». (4) المُضربّة: كساء ذو طاقين بينهما قطن. (5) يحتمل كونه منسوباً إلى الجَمح تشبيهاً له بالفرس الجَموح، وبالفارسيّة: چموش.
الصفحة 147

لأعلمتكم متى يفرّج الله عنكم، وأومأ إلى الجمحيّ فخرج، فقال
أبو محمّد: هذا الرجل ليس منكم فاحذروه، فإنّ في ثيابه قصّة قد كتبها إلى السلطان يخبره بما تقولون فيه، فقام بعضهم وفتّش ثيابه فوجد فيها القصّة يذكرنا فيها بكلّ عظيمة، ويعلمه أنّا نريد أن ننقب الحبس ونهرب».

والرواية الثانية: ما رواه في البحار(1) عن المناقب، عن أبي هاشم الجعفري، عن داود بن الأسود قال: «دعاني سيّدي أبو محمّد (عليه السلام) ، فدفع إليّ خشبة كأنّها رجل باب مدوّرة(2) طويلة ملء الكفّ، فقال: صر بهذه الخشبة إلى العمري فمضيت، فلمّا صرت في بعض الطريق عرض لي سقّاء معه بغل فزاحمني البغل على الطريق، فناداني السقّاء ضحّ على البغل(3) فرفعت الخشبة التي كانت معي فضربت بها البغل فانشقّت(4)، فنظرتُ إلى كسرها فإذا فيها كَتْبٌ، فبادرتُ سريعاً فرددت الخشبة إلى كُمّي، فجعل السقّاء يناديني ويشتمني ويشتم صاحبي(5).

(1) بحار الأنوار 50: 283. (2) بالفارسي «پاشنه در». (3) أي: أرفِق به وخلِّ له السبيل. (4) أي: انشقّت الخشبة. (5) يعني: يشتم الإمام (عليه السلام) .
الصفحة 148

فلمّا دنوت من الدار راجعاً استقبلني عيسى الخادم عند الباب الثاني فقال: يقول لك مولاي ـ أعزّه الله ـ : لِمَ ضربت البغل وكسرت رجل الباب؟! فقلت له: يا سيّدي، لم أعلم ما في رجل الباب. فقال: ولِمَ احتجت أن تعمل عملاً تحتاج أن تعتذر منه، إيّاك بعدها أن تعود إلى مثلها، وإذا سمعت لنا شاتماً فامض لسبيلك التي اُمرت بها، وإيّاك أن تُجاوب من يشتمنا(1) أو تعرّفه من أنت، فإنّا ببلد سوء ومصر سوء، وامضِ في طريقك، فإنّ أخبارك وأحوالك تردّ إلينا، فاعلم ذلك».

وأمّا الموقف الرابع ـ وهو موقفه (عليه السلام) من التمهيد للغيبة ـ : فلولا أنّه (سلام الله عليه) قد مهّد تمهيداً كبيراً لغيبة ولده وترويض الشيعة على ذلك لتفطّرت قلوب الشيعة بغيبته، ولولا تقسيم حالة الغيبة إلى الصغرى والكبرى لما كانت للشيعة قدرة تحمّل الغيبة الكبرى، وبرغم تواتر النصوص على غيبة الإمام المهدي ـ عجّل الله فرجه ـ من زمن آبائه (عليهم السلام) لم يكن ذلك كافياً لتهيّؤ الشيعة نفسيّاً لتحمّل ذلك، إلاّ إنّه (عليه السلام) قد أحكم التمهيد لذلك بما يلي:

فأوّلاً: حجب الإمام المهديّ (عليه السلام) عن أعين الناس مع إظهاره لبعض خاصّته فحسب قليلاً.

(1) أي: إيّاك أن تشاتمه.
الصفحة 149

وثانياً: قد احتجب هو (عليه السلام) كثيراً عن الشيعة حتّى تعوّدوا ـ كما ما هو المعروف ـ على الاتّصال به عن طريق المكاتبات والمراسلات الكتبيّة كما هو الحال مع الإمام المهديّ (سلام الله عليه) في أيّام الغيبة الصغرى، بل ذكر الحاجّ عادل الأديب (حفظه الله)(1) نقلاً عن كتاب (إثبات الوصيّة): أنّه قد بدأ الإمام الهادي (عليه السلام) بشكل بسيط بهذا الاُسلوب عندما احتجب عن كثير من مواليه، وأخذ يراسلهم عن طريق الكتب والتوقيعات ليعوّد شيعته على هذا المسلك بشكل متدرّج بطيء.

ومن الطَريف أنّ الإمام العسكريّ (عليه السلام) كان بابه هو عثمان بن سعيد العمري(2)، أي: أوّل نائب من النوّاب الأربعة لولده المهدي ـ عجّل الله تعالى فرجه ـ في أيّام الغيبة الصغرى، فهكذا تعمّد التشابه بين طريقته في التعامل مع الشيعة في زمانه وطريقة الإمام المهدي (عليه السلام) في التعامل معهم، كي لا يستوحشوا ويمشوا على نفس المنهج الذي أنسوا به.

وثالثاً: بدأ (عليه السلام) بتثقيف الشيعة بثقافة الغيبة، وأطرف ما رأيته بهذا

(1) في كتابه (الأئمّة الاثناعشر): 245. (2) راجع بحار الأنوار 50: 238، آخر الصفحة، بل وكان أيضاً باباً لعليّ الهادي (عليه السلام) . راجع البحار 51 : 344.
الصفحة 150

الصدد ما كتبه (عليه السلام) إلى عليّ بن الحسين بن بابويه القمّيّ (رحمه الله) من قوله:

«عليك بالصبر وانتظار الفرج، فإنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: أفضل أعمال اُمّتي انتظار الفرج، ولا تزال شيعتنا في حزن حتّى يظهر ولدي الذي بشّر به النبيّ (صلى الله عليه وآله) يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، فاصبر يا شيخي يا أبا الحسن عليّ، آمرُ جميع شيعتي بالصبر، فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتّقين. والسلام عليك وعلى جميع شيعتنا ورحمة الله وبركاته، وصلّى الله على محمّد وآله»(1).

(1) راجع بحار الأنوار 50: 318.
الصفحة 151

لمحة عن الإمام الحجّة بن الحسن عجّل الله فرجه

تحيّةُ اللهِ ورضوانُه *** على الإمام الحجّةِ القائمِ

على إمام حكمُه نافذٌ *** إذا أراد الحكمَ في العالمِ

خليفةُ الله على خلقهِ *** والآخذُ الحقّ من الظالمِ

العادلُ العالِم أكرمْ بهِ *** من عادل في حكمهِ عالِم

مطهّرُ الأرضِ ومحيي الورى *** العلويُّ الطاهرُ الفاطميّ

ناصرُ دينِ اللهِ كهفُ الورى *** محيي الندى(1) خيرُ بني آدمِ

الصاحبُ الأعظمُ والماجدُ *** الأكرمُ المولى أبوالقاسمِ

وصاحبُ الدولةِ يُحيى بها *** ممتحن في الزمنِ الغاشمِ

والنافذ الحكمِ فَرَعْياً له(2) *** وجادَه الوابل(3) من حاكمِ

مَن حاتَمٌ حتّى يوازى به *** عبيدُه أكرمُ من حاتمِ

(1) الظاهر أنّ المقصود: الأرض المبتلّة. (2) أي: حفظاً له. (3) الوابل: المطر الشديد. والجود: المطر الغزير، أي: أكرِم به من حاكم نسأل الله أن يوفّر عليه النعم بالمطر الغزير.
الصفحة 152

لو أ نّني شاهدتُه مقبِلاً *** في جحفل ذي عِثيَر قاتمِ(1)

لقلتُ من فرطِ سروري بهِ *** أهلاً وسهلاً بك من قادمِ(2)

ورد في البحار(3) عن (كمال الدين وتمام النعمة) بسند له عن حكيمة بنت محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) : «قالت: بعث إليّ أبو محمّد الحسن بن عليّ (عليهما السلام) فقال: يا عمّة، اجعلي إفطارك الليلة عندنا، فإنّها ليلة النصف من شعبان، فإنّ الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجّة وهو حجّته في أرضه. قالت: فقلت له: ومن اُمّه؟ قال لي: نرجس. قلت له: والله ـ جعلني الله فداك ـ ما بها أثر. فقال: هو ما أقول لك. قالت: فجئت فلمّا سلّمت وجلست جاءت تنزع خفّي وقالت لي: يا سيّدتي، كيف أمسيت؟ فقلت: بل أنتِ سيّدتي وسيّدة أهلي. قالت: فأنكرت قولي وقالت: ما هذا يا عمّة؟ قالت: فقلت لها: يا بنيّة، إنّ الله تبارك وتعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلاماً سيّداً في الدنيا والآخرة. قالت: فجلست واستحيت، فلمّا أن فرغتُ من صلاة العشاء الآخرة

(1) الجحفل: الجيش الكثير. والعِثيَر: الغبار. والقاتم يقصد به الغبار الغليظ. والأبيات للأربليّ صاحب كتاب كشف الغمّة (رحمه الله) . (2) كشف الغمّة 3: 358 ـ 359. (3) بحار الأنوار 51: 2 ـ 4.
الصفحة 153

وأفطرتُ وأخذت مضجعي فرقدتُ، فلمّا أن كان في جوف الليل قمت إلى الصلاة ففرغت من صلاتي وهي نائمة ليس بها حادث، ثمّ جلستُ معقّبةً، ثمّ اضطجعتُ، ثمّ انتبهتُ فزِعةً وهي راقدة، ثمّ قامت فصلّت.

قالت حكيمة: فدخلتني الشكوك، فصاح بي أبو محمّد (عليه السلام) من المجلس فقال: لا تعجلي يا عمّة، فإنّ الأمر قد قرب. قالت: فقرأت الم السجدة و يس، فبينما أنا كذلك إذا انتهبت فزعةً، فوثبت إليها فقلت: اسم الله عليك، ثمّ قلت لها: تحسّين شيئاً؟ قالت: نعم يا عمّة. فقلت لها: اجمعي نفسك واجمعي قلبك فهو ما قلت لك.

قالت حكيمة: ثمّ أخذتني فترة وأخذتها فطرة(1)، فانتبهت بحسّ سيّدي (عليه السلام) فكشفت الثوب عنه فإذا أنا بِه (عليه السلام) ساجداً يتلقّى الأرض بمساجده، فضممته إليّ فإذا أنا بِه نظيف منظّف، فصاح بي أبو محمّد (عليه السلام) هلمّي إليّ ابني يا عمّة، فجئت به إليه، فوضع يديه تحت إليتيه وظهره ووضع قدميه على صدره، ثمّ أدلى لسانه في فيه وأمرّ يده على عينيه وسمعه ومفاصله، ثمّ قال: تكلّم يا بنيّ، فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ثمّ صلّى على

(1) المراد بالفترة سكون المفاصل وهدوؤها قبل غلبة النوم، والمراد بالفطرة انشقاق البطن بالمولود وطلوعه منه.
الصفحة 154

أميرالمؤمنين وعلى الأئمّة إلى أن وقف على أبيه، ثمّ أحجم.

قال أبو محمّد (عليه السلام) يا عمّة، اذهبي به إلى اُمّه ليسلّم عليها وائتيني به، فذهبت به فسلّم عليها، ورددته ووضعته في المجلس، ثمّ قال: يا عمّة، إذا كان يوم السابع فأتينا.

قالت حكيمة: فلمّا أصبحت جئت لاُسلّم على أبي محمّد (عليه السلام) فكشفت الستر لأفتقد سيّدي (عليه السلام) فلم أرَه، فقلت له: جعلت فداك ما فعل سيّدي؟ فقال: يا عمّة، استودعناه الذي استودعته اُمّ موسى (عليه السلام) .

قالت حكيمة: فلمّا كان في اليوم السابع جئت وسلّمت وجلست، فقال: هلمّي إليّ ابني. فجئت بسيّدي في الخرقة ففعل به كفعلته الاُولى، ثمّ أدلى لسانه في فيه كأنّه يغذّيه لبناً وعسلاً، ثمّ قال: تكلّم يا بنيّ. فقال (عليه السلام) : أشهد أن لا إله إلاّ الله، وثنّى بالصلاة على محمّد وعلى أميرالمؤمنين والأئمّة (صلوات الله عليهم أجمعين) حتّى وقف على أبيه (عليه السلام) ، ثمّ تلا هذه الآية: بسم الله الرحمن الرحيم (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الاَْرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (1)».

(1) سورة 28 القصص، الآية: 5 ـ 6.
الصفحة 155

الغيبة الصغرى:

روى في البحار(1) عن غيبة الشيخ الطوسي وعن الخرائج، عن رشيق صاحب المادراي قال: «بعث إلينا المعتضد ونحن ثلاثة نفر، فأمرنا أن يركب كلّ واحد منّا فرساً ويجنب آخر(2) ونخرج مخفَّفين لا يكون معنا قليل ولا كثير إلاّ على السرج مصلّى، وقال لنا: الحقوا بسامرّة ووصف لنا محلّةً وداراً، وقال: إذا أتيتموها تجدوا على الباب خادماً أسود، فاكبسوا الدار ومن رأيتم فيها فائتوني برأسه، فوافينا سامرّة، فوجدنا الأمر كما وصفه وفي الدهليز خادم أسود وفي يده تكّة(3) ينسجها، فسألناه عن الدار ومن فيها. فقال: صاحبها. فوالله ما التفت إلينا وقلّ اكتراثه بنا، فكبسنا الدار كما أمرنا، فوجدنا داراً سرّية(4)، ومقابل الدار سترٌ ما نظرتُ قطّ إلى أنبل منه كأنّ الأيدي رفعت عنه في ذلك الوقت(5)، ولم يكن في الدار أحد.

(1) بحار الأنوار 52: 51 ـ 52. (2) لعلّ الصحيح: وبجنب آخر، أي: يكون بعضنا بجنب بعض. (3) التكّة: رباط السروال. (4) أي: مستورة. (5) أي: سترٌ نبيلٌ جديد كأنّ الناسجين رفعوا يدهم عن نسجه في ذلك الوقت.
الصفحة 156

فرفعنا الستر فإذا بيتٌ كبير كأنّ بحراً فيه، وفي أقصى البيت حصير قد علمنا أنّه على الماء وفوقه رجل من أحسن الناس هيئةً قائمٌ يصلّي(1)، فلم يلتفت إلينا ولا إلى شيء من أسبابنا، فسبق أحمد بن عبد الله(2) ليتخطّى البيت فغرق في الماء، وما زال يضطرب حتّى مددتُ يدي إليه فخلّصته وأخرجتُه، وغشي عليه وبقي ساعة، وعاد صاحبي الثاني إلى فعل ذلك الفعل فناله مثل ذلك، وبقيتُ مبهوتاً.

فقلت لصاحب البيت: المعذرة إلى الله وإليك، فوالله ما علمتُ كيف الخبر ولا إلى من أجيء، وأنا تائب إلى الله، فما التفت إلى شيء ممّا قلنا، وما انفتل عمّا كان فيه(3)، فهالنا ذلك وانصرفنا عنه وقد كان المعتضد ينتظرنا وقد تقدّم إلى الحجّاب إذا وافيناه أن ندخل عليه في أيّ وقت كان(4).

(1) أقول: إنّ الرجل الذي كان يصلّي على الحصير المفروش على الماء: إن كان هو الحجّة (عجّل الله فرجه) فإمّا أن تفسّر كلمة «الرجل» بمعنى الذكر في مقابل الاُنثى، أو يحمل على أ نّه (عليه السلام) تراءى بالإعجاز بهيئة الرجل كما أنّ أصل فرش الحصير على ما يُرى بحراً كان إعجازاً. (2) وهو أحد الثلاثة، أو قل أحد رفيقي رشيق صاحب المادراي. (3) أي: لم يترك (عليه السلام) صلاته. (4) أي: كان قد أمر الحجّاب أن لا يمنعونا من الدخول عليه في أيّ وقت وصلْنا إليه.
الصفحة 157

فوافيناه في بعض الليل، فاُدخِلنا عليه فسألنا عن الخبر، فحكينا له ما رأينا، فقال: ويحكم، لقيكم أحدٌ قبلي، وجرى منكم إلى أحد سبب أو قول؟ قلنا: لا.

فقال: أنا نفيٌ من جدّي(1) وحَلَفَ بأشدّ أيمان له أنّه إن بلغ هذا الخبر رجلاً ليضربنّ أعناقنا، فما جسرنا أن نحدّث به إلاّ بعد موته».

ثمّ روى صاحب البحار(2) تكملة القصّة عن كتاب الخرائج، وهي ما يلي:

ثمّ بعثوا عسكراً أكثر، فلمّا دخلوا الدار سمعوا من السرداب قراءة القرآن، فاجتمعوا على بابه وحفظوه حتّى لا يصعد ولا يخرج، وأميرهم قائم حتّى يصل العسكر كلّهم، فخرج من السكّة التي على باب السرداب ومرّ عليهم، فلمّا غاب قال الأمير: انزلوا عليه، فقالوا: أليس هو مرّ عليك؟ فقال: ما رأيت، قال: ولِمَ تركتموه؟! قالوا: إنّا حسبنا أ نّك تراه.

وقال الحاجّ عادل الأديب (حفظ الله)(3) معلّقاً على هذا المقطع من

(1) أي: لستُ منتسباً إلى جدّي العباس إن لم أقتلكم لو أخبرتم أحداً بهذه القصّة. (2) بحار الأنوار 52: 52 ـ 53. (3) في كتابه (الأئمّة الاثنا عشر): 256.
الصفحة 158

الحديث: «ومن طريف حال هؤلاء الجلاوزة أنّهم لم يبادروا للقبض
عليه، بل وقفوا على باب السرداب يحافظون عليه، فهم يخافون مواجهته (عليه السلام) ويحتاجون إلى مدد أكثر، وعدد أكثر فهم منتظرون لوصول المدد من بغداد إلى سامراء، وفي هذه الأثناء من الترقّب استغلّ الإمام (عليه السلام) لحظة من لحظات ذلك الحصار لحظة اقترنت بالدقّة والتوقيت والضبط في التدبير والعناية الإلهيّة، إنّها لحظة غفلة قائد الحملة عن الترصّد والانتباه لحظة لم يأت فيه المدد ولم تصدر الأوامر بعدُ لاقتحام المكان، ولو كان الإمام (عليه السلام) قد تأخّر لحظات اُخرى لقبضوا عليه لا محالة».

 

النوّاب الأربعة:

النائب الأوّل: من نُصب من قبل عليّ الهادي (عليه السلام) باباً له، ثمّ نصبه الحسن بن عليّ (عليه السلام) باباً له، وهو أبو عمرو عثمان بن سعيد العمريّ رضوان الله عليه، وكان أسديّاً ينسب إلى جدّه فقيل: «العمريّ»، ويقال له: «العسكريّ» أيضاً; لأ نّه كان من عسكر سرّ من رأى، «السمّـان»; لأ نّه كان يتّجر في السمن تغطيةً على الأمر، وكان الشيعة إذا حملوا إلى أبي محمّد (عليه السلام) ما يجب عليهم حمله من الأموال أوصلوها إلى أبي عمرو عثمان بن سعيد، فكان يجعله في جراب السمن وزقاقه ويحمله إلى أبي محمّد (عليه السلام) تقيّةً وخوفاً(1).

(1) راجع بحار الأنوار 51: 344.
الصفحة 159

وكانت توقيعات صاحب الأمر (عليه السلام) تخرج على يدي عثمان بن سعيد وابنه أبي جعفر محمّد بن عثمان إلى شيعته وخواصّ أبيه أبي محمّد (عليه السلام) بالأمر والنهي والأجوبة عمّا تسأل الشيعة عنه إذا احتاجت إلى السؤال فيه، بالخطّ الذي كان يخرج في حياة الحسن (عليه السلام) (1)، فلم تزل الشيعة مقيمةً على عدالتهما إلى أن توفّي عثمان بن سعيد (رحمه الله) (2).

وأيضاً روي عن جمع من الشيعة قالوا: «اجتمعنا إلى أبي محمّد الحسن بن عليّ (عليه السلام) نسأله عن الحجّة من بعده وفي مجلسه أربعون رجلاً، فقام إليه عثمان بن سعيد بن عمرو العمريّ فقال له: يا ابن رسول الله، اُريد أن أسألك عن أمر أنت أعلم به منّي(3)، فقال له: اجلس يا عثمان. فقام مغضباً ليخرج(4)، فقال: لا يخرجنّ أحد. فلم يخرج منّا أحد إلى أن كان بعد ساعة فصاح (عليه السلام) بعثمان فقام على قدميه

(1) وهذا أيضاً من ألطاف الله سبحانه الذي جعل خطّ الإمام الحجّة (عجّل الله فرجه) في توقيعاته المباركة عين خطّ أبيه (عليه السلام) ، كي لا تحسّ الشيعة باختلاف الوضع من بعد الغيبة إلى أن يألفوا الوضع بهدوء وسكون القلب وعدم الانفطار. (2) المصدر السابق: 346. (3) أي: أنت أعلم بما في نفوسنا من سؤال. (4) كأنّه (رحمه الله) فهم من قول الإمام «اجلس يا عثمان» الردّ على ما طلبه، فيئس وأراد الخروج، فقال الإمام (عليه السلام) : لا يخرجنّ أحد.
الصفحة 160

فقال: اُخبركم بما جئتم؟ قالوا: نعم يا ابن رسول الله. قال: جئتم
تسألوني عن الحجّة من بعدي. قالوا: نعم، فإذا غلام كأنّه قطعة
قمر أشبه الناس بأبي محمّد
 (عليه السلام) . فقال: هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرّقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم، وإنّكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتّى يتمّ له عُمْر(1)، فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره، واقبلوا قوله، فهو خليفة إمامكم والأمر إليه»(2).

النائب الثاني: أبوجعفر محمّد بن عثمان بن سعيد العمريّ.

قال المجلسيّ في البحار(3): «فلمّا مضى أبو عمرو عثمان بن سعيد قام ابنه أبوجعفر محمّد بن عثمان مقامه بنصّ أبي محمّد (عليه السلام) (4) ونصّ أبيه عثمان عليه بأمر القائم (عليه السلام) ».

النائب الثالث: أبو القاسم الحسين بن روح.

(1) أي: حتّى يطول عُمره. (2) بحار الأنوار 51: 346 ـ 347. (3) المصدر السابق: 347. (4) يقصد به ما رواه في المصدر نفسه: 345 ـ 346 من كلام الإمام العسكريّ (عليه السلام) : «واشهدوا على أنّ عثمان بن سعيد العمريّ وكيلي، وأنّ ابنه محمّداً وكيل ابني مهديّكم».
الصفحة 161

 

روى في البحار(1) عن غيبة الشيخ الطوسي (رحمه الله) بسند له عن جعفر
بن محمّد المدائني قال: كان من رسمي إذا حملت المال الذي في يدي إلى الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمريّ (قدّس الله روحه) أن أقول له ما لم يكن أحد يستقبله بمثله(2): «هذا المال مبلغه كذا وكذا للإمام (عليه السلام) »، فيقول لي: «نعم دعه»، فاُراجعه فأقول له: «تقول لي: إنّه للإمام (عليه السلام) ؟»، فيقول «نعم للإمام (عليه السلام) »، فيقبضه.

فصرت إليه آخر عهدي به (قدّس الله روحه) ومعي أربع مئة دينار فقلت له على رسمي. فقال لي: «امض بها إلى الحسين بن روح». فتوقّفت فقلت: «تقبضها أنت منّي على الرسم». فردّ عليّ كالمنكر لقولي قال: «قم عافاك الله فادفعها إلى الحسين بن روح».

فلمّا رأيت في وجهه غضباً خرجت وركبت دابّتي، فلمّا بلغت بعض الطريق رجعت كالشاكّ(3)، فدققت الباب، فخرج إليّ الخادم فقال: «من هذا؟» فقلت: «أنا فلان فاستأذِن لي»، فراجعني وهو منكر لقولي

(1) بحار الأنوار 51: 352 ـ 353، وراجع أيضاً تكملة الحديث إلى صفحة 354. (2) أي: كانت العلامة بيننا ما لم يكن يقع بينه وبين الآخرين، فكان يفهم من ذلك أنّ هذا المال للإمام. (3) أي: قلت في نفسي: ما معنى إرجاعي إلى الحسين بن روح مع إنّه هو الباب؟!
الصفحة 162

ورجوعي(1)، فقلت له: «ادخل فاستأذن لي، فإنّه لابدّ من لقائه»، فدخل وعرّفه خبر رجوعي وكان قد دخل إلى دار النساء، فخرج وجلس على سرير... فقال لي: «ما الذي جرّأك على الرجوع ولِمَ لم تمتثل ما قلته لك؟» فقلت: «لم أجسر على ما رسمته لي»(2)، فقال لي وهو مغضب: «قم عافاك الله فقد أقمتُ الحسين بن روح مقامي ونصبته منصبي». فقلت: «بأمر الإمام؟» قال: «قم عافاك الله كما أقول لك». فلم يكن عندي غير المبادرة.

فصرتُ إلى أبي القاسم بن روح وهو في دار ضيّقة، فعرّفته ما جرى فسُرّ به(3) وشكر الله ـ عزّ وجلّ ـ ودفعتُ إليه الدنانير، وما زلتُ أحمل إليه ما يحصل في يدي بعد ذلك...

النائب الرابع: عليّ بن محمّد السمريّ.

روى المجلسيّ في البحار(4) بسند له: «...وكيله(5) عثمان بن سعيد، فلمّا مات عثمان بن سعيد أوصى إلى أبي جعفر محمّد بن عثمان، وأوصى

(1) أي: أنّ الخادم استنكر قولي ورجوعي. (2) أي: لم أطمئن بما رستمه لي من الرجوع إلى الحسين بن روح وأنا أعرفك أنت بعنوان الباب. (3) أي: فرح بانتخاب الإمام (عليه السلام) إيّاه من بين المخلصين. (4) بحار الأنوار 51: 360. (5) يعني وكيل الحجّة عجّل الله فرجه.
الصفحة 163

أبو جعفر إلى أبي القاسم الحسين بن روح، وأوصى أبوالقاسم إلى أبي الحسن عليّ بن محمّد السمريّ(رضي الله عنه)...».

 

الغيبة الكبرى:

مضى أبو الحسن السمريّ (قدس سره) في النصف من شعبان سنة تسع وعشرين وثلاث مئة(1).

وقد روى في البحار(2) عن غيبة الشيخ الطوسي بسند له، عن أبي محمّد الحسن بن أحمد المكتّب: «قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفيّ فيها الشيخ أبو الحسن عليّ بن محمّد السمريّ (قدّس الله روحه) فحضرته قبل وفاته بأيّام فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته:

بسم الله الرحمن الرحيم يا عليّ بن محمّد السمريّ، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنّك ميّت ما بينك وبين ستّة أيّام، فاجمع أمرك، ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة، فلا ظهور إلاّ بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب

(1) راجع بحار الأنوار 51: 360. (2) المصدر السابق: 361.
الصفحة 164

مفتر، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.

قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلمّا كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: مَن وصيّك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه. وقضى، فهذا آخر كلام سمع منه رضي الله عنه وأرضاه».

وروى صاحب البحار أيضاً(1) هذا الحديث نفسه عن (كمال الدين وتمام النعمة) عن الحسن بن أحمد المكتّب.

أقول: إنّ انقطاع النيابة الخاصّة بوفاة السمريّ (رضوان الله عليه) لا يعني انقطاع النيابة على الإطلاق، بل وصلت النوبة إلى النيابة العامّة المتمثّلة في كلّ فقيه عادل كفوء جامع للشرائط. وقد بحثنا في عدد من كتبنا السابقة بكلّ تفصيل عن ذلك، من قبيل: كتابنا (أساس الحكومة الإسلاميّة)، وكتابنا (ولاية الأمر في عصر الغيبة)، وكتابنا (المرجعيّة والقيادة)، وآخرها حتّى اليوم كتابنا (كتاب البيع).

وقد اتّضح بما سردناه كيف أنّ الإمامين الهادي والعسكريّ (عليهما السلام) ثمّ الإمام المهديّ (عجّل الله فرجه) تدرّجوا في الاحتجاب عن الناس حتّى هيّأوا نفوس الشيعة للغيبة الكبرى، وثقّفوهم بالتدريج لمتطلّبات أيّام الغيبة الكبرى وتثبيت الفكرة التي رسخت منذ زمن الأئمّة

(1) المصدر السابق.
الصفحة 165

الأوائل (سلام الله عليهم)، وهي فكرة «مجاري الاُمور والأحكام بيد العلماء بالله الاُمناء على حلاله وحرامه»(1)، ولولا ذلك لكانت تنتهي الغيبة الكبرى إلى ضياع الشيعة ودمارهم، وبالتالي إلى ضياع الإسلام ودماره.

وأخيراً بودّي أن اُنبّه على أنّ علائم الظهور القريبة من قبيل: الصيحة والسفيانيّ لم يقع شيء منها حتّى الآن، وعلائم الظهور العامّة على قسمين:

القسم الأوّل: ما ثبت لنا بالتواتر، من قبيل: امتلاء الدنيا ظلماً وجوراً، وهذا ما حصل حتّى الآن يقيناً.

والقسم الثاني: بعض الاُمور الثابتة بأخبار الآحاد، وهذه ليست متيقّنة، والأخبار فيها متضاربة.

إلاّ أنّ الذي آمله هو أن تكون العلامة الحقيقيّة هي التي بدأنا في زماننا نشاهد إرهاصاتها، فإنّا نعلم أنّ الإمام الحجّة يقوم بعد الظهور إلى السفر إلى فلسطين وينزل عيسى (عليه السلام) كي يصلّي خلفه، وفلسفة ذلك واضحة لدينا، وهي: أنّ مقاتلة الكفّار ومنهم القاطنون في فلسطين المحتلّة غير شرعيّة وغير معقولة من قبل إمام الرحمة (عجّل الله فرجه) من دون البدء بإتمام حجّة واضحة عليهم حتّى يهتدي الكثيرون منهم،

(1) هذه رواية مرويّة عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) في تحف العقول: 238.
الصفحة 166

وهذا لا يكون إلاّ بنزول المسيح (عليه السلام) وصلاته خلف الحجّة (عجّل الله فرجه)، وإرهاصات ذلك واضحة اليوم، وهي تصاعد التصادم الكبير بين المسلمين والصهاينة في فلسطين المحتلّة: فمن جانب نرى الصهاينة مصرّين على إنهاء قدرة الإسلام، ومن جانب آخر نرى المسلمين السنّة متّفقين مع المسلمين الشيعة الذين يعملون في لبنان تحت مظلّة (حزب الله) على معارضتهم، وشعلة الخلاف تتصاعد يوماً بعد يوم بين الطرفين، ولا يوجود حلّ حاسم لذلك عدا ظهور المسيح وصلاته خلف الحجّة (عليهما السلام) . هذا من ناحية.

ومن ناحية اُخرى نرى انتشار الإسلام بشكل واسع في شتّى أرجاء العالم حتّى في بطن بلاد الكفر ممّا أرهب الأعداء الكفرة وهم يحاولون إطفاء نور الإسلام (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)(1)، (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)(2).

ومن ناحية ثالثة نرى أنّ الإمام (عجّل الله فرجه) حينما يظهر فهو بحاجة ـ بغضّ النظر عن الإعجاز ـ إلى قدرة إسلاميّة تعضده، وها هي قد تمثّلت بما رأيناه في زماننا من إقامة حكومة إسلاميّة مباركة في

(1) سورة 9 التوبة، الآية: 32. (2) سورة 61 الصفّ، الآية: 8.
الصفحة 167

إيران. وأرجو أن لا يطول الأمر أكثر من ذلك، فإنّ صبرنا قد نفد.

اللّهمّ عجّل فرج مولانا صاحب الزمان، واجعلنا من أنصاره وأعوانه ومن المستشهدين بين يديه بحقّ محمّد وآله صلّى الله عليه وعليهم أجمعين.

أختم كتاب الإمامة وقيادة المجتمع بأبيات من مقطع شعريّ أنشأه المرحوم الأربليّ (قدس سره) في مدح أئمّتنا في كتابه كشف الغمّة(1):

أيّها السادةُ الأئمّةُ أنتم *** خيرةُ الله أوّلاً وأخيرا

قد سموتم إلى العلى فافترعتم(2) *** بمزاياكمُ المحلَّ الخطيرا

أنزل اللهُ فيكمُ هل أتى *** نصّاً جليّاً في فضلكم مسطورا

مَن يُجاريكمُ وقد طهّر اللهُ *** تعالى أخلاقكم تطهيرا

إن جرى البرقُ في مداكم كبا *** مِن دون غاياتكم كليلاً حسيرا

(1) كشف الغمّة 3: 361 ـ 363. (2) أي: صعدتم.
الصفحة 168

بسطوا للندى اُكفّاً سباطاً(1) *** ووجوهاً تحكي الصباحَ المنيرا

وأفاضوا على البرايا عطايا *** خلّفت فيهمُ السحابَ المطيرا

فتراهم عند الأعادي ليوثاً *** وتراهم عند العفاة(2) بحورا

يمنحونَ الوليَّ جنّةَ عدن *** والعدوُّ الشقيّ يَصلى سعيرا

يطعمونَ الطعامَ في العسرِ واليسرِ *** يتيماً وبائساً وأسيرا

لا يُريدونَ بالعطاءِ جزاءً *** مُحبطاً أجرَ برّهم أو شكورا

فكفاهم يوماً عبوساً وأعطا *** هُم على البرّ نضرةً وسُرورا

وجزاهم بصبرهِم وهو أولى *** من جزى الخيرَ جنّةً وحريرا

(1) أي: مبسوطة. (2) أي: الطالبين فضلهم ومعروفهم سلام الله عليهم.
الصفحة 169

وإذا ما ابتدوا لفصل خطاب *** شَرَّفوا مِنبراً وزانوا سريرا

بخّلوا الغيثَ نائلاً وعطاءً *** واستَخَفُّوا يَلَمْلَماً(1) وثَبيرا(2)

يَخلُفون(3) الشموس نوراً وإشراقاً *** وفي الليلِ يُخجلون البدورا

أنا عبدٌ لكم اُدين بحبّي *** لكم الله ذا الجلال الكبيرا

عالمٌ أ نّني أصبت وأنّ *** اللهَ يولي لطفاً وطرفاً(4) قريرا

مال قلبي إليكم في الصبى الغَضِّ *** وأحببتُكُم وكنتُ صغيرا

أظهَرَ اللهُ نورَكم فأضاء *** الاُفقُ لمّا بدا وكنتُ بصيرا

(1) جبل. (2) الثبير: الأرض السهلة، أي: استخفّوا الجبال والسُهول. (3) أي، يجعلون الشموس خلفهم ومتأخّراً عنهم في درجة النور والإشراق. (4) أي: نظراً وإبصاراً.
الصفحة 170

فهداني إليكم الله لطفاً *** بي وما زال لي وليّاً نصيرا

كم أياد أولى وكم نعمة *** أسدى فلي أن أكون عبداً شكورا

أمطرتني منه سحائبُ جود *** عاد حالي بهنّ غضّاً نضيرا

وحماني من حادثات عظام *** عدتُ فيها مؤيّداً منصورا

لو قطعتُ الزمان في شكرِ أدنى *** ما حباني به لكنتُ جديرا

فلهُ الحمدُ دائماً مستمرّاً *** وله الشكرُ أوّلاً وأخيرا

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

1 / رمضان المبارك / 1429