الصفحة 55

 

 

 

 

 

ذكريات
عن حياة شهيدنا الصدر

 

 
الصفحة 56

 

 

 

 

 
الصفحة 57

 

 

1 ـ حدّثني ذات يوم: أنّه حينما كتب كتاب (فلسفتنا) أراد طبعه باسم جماعة العلماء في النجف الأشرف بعد عرضه عليهم متنازلاً عن حقّه في وضع اسمه الشريف على هذا الكتاب، إلاّ أنّ الذي منعه عن ذلك أنّ جماعة العلماء أرادوا إجراء بعض التعديلات في الكتاب، وكانت تلك التعديلات غير صحيحة في رأي اُستاذنا الشهيد ، ولم يكن يقبل بإجرائها فيه، فاضطرّ أن يطبعه باسمه. قال : إنّي حينما طبعت هذا الكتاب لم أكن أعرف أ نّه سيكون له هذا الصيت العظيم في العالم، والدوىّ الكبير في المجتمعات البشريّة ممّا يؤدّي إلى اشتهار من ينسب إليه الكتاب. وها أنا ذا اُفكّر فيما إذا كنت مطّلعاً على ذلك، وعلى مدى تأثيره في إعلاء شأن مؤلّفه لدى الناس، فهل كنت مستعدّاً لطبعه باسم جماعة العلماء، وليس باسمي ـ كما كنت مستعدّاً لذلك ـ أو لا؟ وأكاد أبكي خشية أ نّي لو كنت مطّلعاً على ذلك لم أكن أستعدّ لطبعه بغير اسمي.

رحمك الله يا أبا جعفر، وهنيئاً لك على هذه الروح الطاهرة، والمعنويّات العالية العظيمة، في حين كنت تعيش في مجتمع يتكالب أكثر أبنائه على سفاسف الدنيا، أو زعاماتها، أو كسب مديح الناس وثنائهم، أو جمع ما يمكنهم من حطام الدنيا ونعيمها من حلال أو حرام.

 

 
الصفحة 58

 

 

2 ـ انفصل أحد طلاّبه عن درسه، وعن خطه الفكريّ الإسلاميّ، ثُمَّ بدأ يشتمه، وينال منه في غيابه إزاء الناس، وكان كثير من كلماته تصل إلى مسامع اُستاذنا العظيم ، وكنت ذات يوم جالساً بحضرته الشريفة، فجرى الكلام عن هذا الطالب الذي ذكرناه، فقال : أنا ما زلت أعتقد بعدالة هذا الشخص، وأنّ ما يصدر عنه ناتج من خطاً في اعتقاده، وليس ناتجاً من عدم مبالاته بالدين.

3 ـ ذكر ذات يوم لصفوة طلاّبه: أنّ ما تعارفت عليه الحوزة من الاقتصار على الفقه والاُصول غير صحيح، ويجب عليكم أن تتثقّفوا بمختلف الدراسات الإسلاميّة، وأمرهم بمباحثة كتاب (فلسفتنا) فيما بينهم، فعقدوا بحثاً في بيتي الواقع ـ وقتئذ ـ في النجف الأشرف في الشارع الثاني ممّا كان يسمى بــ (الجُديدة). وفي أوّل يوم شرعوا في المباحثة وجدنا طارقاً يطرق الباب، ففتحت له الباب وإذا باُستاذنا الشهيد قد دخل، وحضر المجلس، وقال: إنّني إنّما حضرت الآن هذا المجلس; لأ نّي أعتقد أ نّه لايوجد الآن مجلس أفضل عند الله من مجلسكم هذا الذي تتباحثون فيه في المعارف الإسلاميّة، فأحببت أن أحضر هذا المجلس الذي هو أفضل المجالس عند الله.

هكذا كان يشوّق طلاّبه، ويرغِّبهم في تكميل أنفسهم في فهم المعارف الإسلاميّة، وهو الأب الرؤوف والعطوف الحنون على طلاّبه. فوالله إنّنا قد اُيتمنا بفقد هذا الأب الكبير، فلعن الله من أيتمنا، وفجع الاُمّة الإسلاميّة بقتل هذا الرجل العظيم. اللّهمّ، مزّق الذين

 
الصفحة 59

شاركوا في دمه الطاهر تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، وأرِنا ذلَّهم في الدنيا قبل الآخرة، وزدهم عذاباً فوق العذاب، إنّك أنت السميع المجيب.

4 ـ حضرت بحثه في أوائل أيّام تعرّفي به في بحث الترتّب، ولم يكن ذلك منّي بنيّة الاستمرار، وبعد إنهائه لبحث الترتّب صمّمت على ترك الحضور; لبعض المشاكل الحياتيّة والصحّيّة التي كانت تمنعني من الاستمرار. فاطّلع على تصميمي هذا، فطلب منّي أن أعدل عن هذا التصميم، وأستمرّ في الحضور في بحثه الشريف، وقال: أنا أضمن لك أ نّك لو بقيت مستمرّاً في هذا البحث مدّة خمس سنين ستكون مجتهداً، فشرحت له بعض المشاكل التي كانت تحيط بي، والتي تمنعني عن الحضور. فتركت الحضور برهةً من الزمن إلى أن انتهت تلك المشاكل المانعة، فاستأنفت مرّةً اُخرى الحضور في بحثه الشريف، وحينما مضى على حضوري في بحثه الشريف خمس سنين أو أكثر تشرّفت بالحضور لدى الاُستاذ ذات يوم، وقلت له: أنت وعدتني بأ نّي لو حضرت البحث خمس سنين سأكون مجتهداً، وها هو الحضور بهذا المقدار قد حصل، ولم يحصل الاجتهاد؟ فأجابني بأنّ مفهوم الاجتهاد قد تغيّر عندك، فالاجتهاد بالمستوى المتعارف عليه في الحوزة العلميّة قد حصل، ولكنّك تريد الاجتهاد على مستوى هذا البحث. وبقيت مستمرّاً في بحثه الشريف إلى أن قدّر الله لي الهجرة إلى إيران.

 
الصفحة 60

 

5 ـ رأيت ذات ليلة في عالم الرؤيا أنّ نبيّاً من الأنبياء قد حضر بحث اُستاذنا ، وتشرّفت بعد هذا ذات يوم بلقاء اُستاذنا الشهيد في بيته الذي كان واقعاً ـ وقتئذ ـ في شارع الخَوَرنق، وحكيت له الرؤيا، فقال لي: إنّ تعبير هذه الرؤيا هو أ نّني لن اُوفّق لتطبيق رسالتي التي نذرت نفسي لأجلها، وسيأتي تلميذ من تلاميذي يكمل الشوط من بعدي. ذكر هذا الكلام في وقت لم يكن يخطر بالبال أ نّه ستأتي ظروف تؤدّي إلى استشهاده.

6 ـ كان يقول : إنّني في أيّام طلبي للعلم كنت أعمل في ذلك كلّ يوم بقدر عمل خمسة أشخاص مجدّين.

7 ـ وقال ـ أيضاً ـ : إنّني كنت أعيش في منتهى الفقر والفاقة، ولكنّني كنت أشتغل منذ استيقاظي من النوم في كلّ يوم بطلب العلم، ناسياً كلّ شيء، وكلّ حاجة معيشيّة إلى أن كنت اُفاجأ من قبل العائلة بمطالبتي بغذاء يقتاتون به فأحتار ـ عندئذ ـ في أمري.

8 ـ أدركت الاُستاذ الشهيد فيما بعد أيّام فقره وفاقته حينما كان مدرّساً معروفاً في الحوزة العلميّة في النجف الأشرف، ومع ذلك كان يعاني الضيق المالي، وكان يدرّسنا في مقبرة آل ياسين في حرِّ الصيف، ولم تكن وسيلة تبريد في تلك المقبرة، ولم يمتلكها في بيته أيضاً. وكان المتعارف ـ وقتئذ ـ في النجف الأشرف عدم وجود عطلة صيفيّة لطلاّب الحوزة العلميّة، فالطلبة كانوا يدرسون حتّى في قلب الحرّ الشديد.

 
الصفحة 61

ولا أنسى أنّ المرحوم السيّد عبدالغنيّ الأردبيليّ تشرّف ذات يوم بخدمته في بيته الواقع في محلّة العمارة فيما بعد الزقاق المسمّى بــ (عقد الإسلام)، وقال له: إنّ الحرّ شديد، وطلاّبك يعانون الحرّ في ساعة الدرس في مقبرة آل ياسين، فأذن لنا بشراء مبرّدة نضعها في المقبرة; لتبريد الجوّ، ولي صديق من التركمان في شمال العراق من بيّاعي المبرّدات، وهو مستعد لتزويدكم بمبرّدة بسعر التكْلِفَة، وهو سعر يسير، ويقسّط السعر عليكم أشهراً عديدة، ولايأخذ منكم في كلّ شهر عدا دينارين، فسكت اُستاذنا الشهيد خجلاً وحياءً من أن يقول: إنّ وضعي الاقتصاديّ لايسمح بهذا. ولكن المرحوم السيّد عبدالغنيّ اعتقد أنّ السكوت من الرضا، فاستورد مبرّدة، ووضعها في المقبرة، ثُمَّ أخبر اُستاذنا الشهيد بما فعل، فرأيت وجه اُستاذنا قد تغيّر حيرة في كيفية دفع هذا المبلغ اليسير، إلاّ أنّ المرحوم السيّد عبدالغنيّ لم ينتبه إلى ذلك، وعلى أىّ حال، فقد التزم اُستاذنا الشهيد بدفع المبلغ. ولاأعرف كيف كان يؤمّن ما عليه، إلاّ أ نّني كنت أعلم أ نّه كان يدفع كلّ شهر دينارين إلى السيّد عبدالغنيّ ; كي يدفعهما إلى صاحبه أداءً للدين.

9 ـ تربيته لأطفاله، كان يقول : إنّ تربية الطفل بحاجة إلى شيء من الحزم والخشونة من ناحية، وإلى اللين والنعومة وإبراز العواطف من ناحية اُخرى. وقد تعارف عندنا في العوائل أنّ الأب يقوم بالدور الأوّل، والاُمّ تقوم بالدور الثاني. قال : ولكنّني اتّفقت مع (اُمِّ  مرام) على عكس ذلك، فطلبت منها أن تقوم بدور الحزم

 
الصفحة 62

والخشونة مع الأطفال لدى الحاجة; كي أتمحّض أنا معهم في اُسلوب العواطف، واللّين، وإبراز الحبّ والحنان; والسبب في ذلك أ نّه كان يرى نفسه أقدر على تربية أطفاله على العادات والمفاهيم الإسلاميّة، فكان يريد للأطفال أن لايروا فيه عدا ظاهرة الحبّ والحنان; كي يقوى تأثير ما يبثّه في نفوسهم من القيم والأفكار، فلابدّ للتربية من خشونة وصلابة عن طريق الاُمّ حيث تقتضي ذلك.

كان يقول : إنّي نفثت في نفس ابنتي مرام ـ وكانت وقتئذ طفلة صغيرة ـ الحقد على الصهاينة، قال: قد صادف أن حدّثتها ذات يوم عن ظلمهم للمسلمين من قتل، أو قصف، فبان عليها انكسار الخاطر، وتكدّر العيش، فأردفت ذلك بذكر قِصّة اُخرى من حكايات قصف المسلمين لإسرائيل، فاهتزّت فرحاً، وضحكت، واستبشرت لتلك القِصّة.

وكثيراً ما كان يصل إليه من الحقوق الشرعيّة ما يصل عادة إلى يد المراجع، ولكنّه قال: إنّي فهّمت ابنتي مرام أنّ هذه الأموال الموجودة لدينا ليست ملكاً لنا، فكانت هذه الطفلة البريئة تقول أحياناً: إنّ لدى والدي الأموال الكثيرة، ولكنّها ليست له; ذلك لكي لاتتربّى على توقّع الصرف الكثير في البيت، بل تتربّى على القناعة، وعدم النظر إلى هذه الأموال كأملاك شخصيّة.

10 ـ في الفترة التي عيّنت حكومة البعث الغاشم ستّة أيّام لتسفير الإيرانيين بما فيهم طلاّب الحوزة العلميّة من النجف إلى إيران رأيت أحد طلبة العلوم الدينيّة في النجف الأشرف مودّعاً لاُستاذنا

 
الصفحة 63

الشهيد ، فرأيت الاُستاذ يبكي في حالة وداعه إيّاه بكاء الثكلى على رغم من أ نّه كان يعرف أن هذا الرجل يعدّ في صفوف المناوئين له.

11 ـ وبعد تلك الأيّام حدّثني الاُستاذ ذات يوم، فقال: إنّني أتصوّر أنّ الاُمّة مبتلاة اليوم بالمرض الذي كانت مبتلاة به في زمن الحسين ، وهو مرض فقدان الإرادة، فالاُمّة تعرف حزب البعث والرجال الحاكمين في العراق، ولاتشكّ في فسقهم، وفجورهم، وطغيانهم، وكفرهم، وظلمهم للعباد، ولكنّها فقدت قوّة الإرادة التي بها يجب أن تصول وتجاهد في سبيل الله إلى أن تسقط هذه الزمرة الكافرة عن منصب الحكم، وترفع جاثوم هذا الظلم عن نفسها. وعلينا أن نعالج هذا المرض; كي تدبَّ حياة الإرادة في عروق هذه الاُمّة الميّتة; وذلك بما عالج به الإمام الحسين مرض فقدان الإرادة في نفوس الاُمّة وقتئذ، وهو التضحية الكبيرة التي هزّ بها المشاعر، وأعاد بها الحياة إلى الاُمّة إلى أن انتهى الأمر بهذا السبب إلى سقوط دولة بني اُميّة.

فعلينا أن نضحّي بنفوسنا في سبيل الله، ونبذل دماءنا بكلّ سخاء في سبيل نصرة الدين الحنيف، والخطّة التي أرى ضرورة تطبيقها اليوم هي: أن أجمع ثلّة من طلاّبي ومن صفوة أصحابي الذين يؤمنون بما أقول، ويستعدّون للفداء، ونذهب جميعاً إلى الصحن الشريف متحالفين فيما بيننا على أن لانخرج من الصحن أحياء، وأنا أقوم خطيباً فيما بينهم ضدّ الحكم القائم، ويدعمني الثلّة الطيّبة الملتفّة حولي، ونثور بوجه الظلم والطغيان، فسيجابهنا جمع من

 
الصفحة 64

الزمرة الطاغية، ونحن نعارضهم (ولعلّه قال: ونحمل السلاح) إلى أن يضطرّوا إلى قتلنا جميعاً في الصحن الشريف. وسأستثني ثلّة من أصحابي عن الاشتراك في هذه المعركة; كي يبقوا أحياءً من بعدي، ويستثمروا الجوّ الذي سيحصل نتيجة هذه التضحية والفداء.

قال : إنّ هذا العمل مشروط في رأيي بشرطين:

الشرط الأوّل : أن يوجد في الحوزة العلميّة مستوىً من التقبّل لعمل من هذا القبيل. أمّا لو أطبقت الحوزة العلميّة على بطلان هذا العمل، وكونه عملاً جنونيّاً، أو مخالفاً لتقيّة واجبة، فسوف يفقد هذا العمل أثره في نفوس الاُمّة، ولايعطي ثماره المطلوبة.

والشرط الثاني : أن يوافق أحد المراجع الكبار مسبقاً على هذا العمل; كي يكتسب العمل في ذهن الاُمّة الشرعيّة الكاملة.

فلابدّ من الفحص عن مدى تواجد هذين الشرطين:

أمّا عن الشرط الأوّل، فصمَّم الاُستاذ على أن يبعث رسولاً إلى أحد علماء الحوزة العلميّة; لجسّ النبض، ليعرض عليه هذه الفكرة، ويستفسره عن مدى صحّتها، وبهذا الاُسلوب سيعرف رأي عالم من العلماء كنموذج لرأي يوجد في الحوزة العلميّة. وقد اختار بهذا الصدد إرسال سماحة الشيخ محمّد مهدي الآصفي ـ حفظه الله ـ إلى أحد العلماء، وأرسله بالفعل إلى أحدهم; كي يعرض الفكرة عليه، ويعرف رأيه، ثُمَّ عاد الشيخ إلى بيت اُستاذنا الشهيد، وأخبر الاُستاذ بأ نّه ذهب إلى ذاك العالم في مجلسه، ولكنّه لم  يعرض عليه الفكرة; وكان السبب في ذلك أ نّه حينما دخل المجلس رأى أنّ هذا الشخص

 
الصفحة 65

مع الملتفّين حوله قد سادهم جوّ من الرعب والانهيار الكامل نتيجة قيام الحكومة البعثيّة بتسفير طلبة الحوزة العلميّة، ولاتوجد أرضيّة لعرض مثل هذه الفكرة عليه إطلاقاً.

وأمّا عن الشرط الثاني، فرأى اُستاذنا الشهيد أنّ المرجع الوحيد الذي يترقّب بشأنه أن يوافق على فكرة من هذا القبيل هو الإمام الخمينيّ  الذي كان يعيش ـ  وقتئذ  ـ في النجف الأشرف، فلايصحّ أن يكون هذا العمل من دون استشارته، فذهب هو إلى بيت السيّد الإمام، وعرض عليه الفكرة مستفسراً عن مدى صحّتها، فبدا على وجه الإمام ـ ـ التألّم، وأجاب عن السؤال بكلمة (لا أدري). وكانت هذه الكلمة تعني: أنّ السيّد الإمام ـ ـ كان يحتمل أن تكون الخسارة التي ستوجّه إلى الاُمّة من جرّاء فَقْدِ هذا الوجود العظيم أكبر ممّا قد يترتّب على هذا العمل من فائدة.

وبهذا وذاك تبيّن أنّ الشرطين مفقودان، فعدل اُستاذنا الشهيد عن فكرته، وكان تأريخ هذه القِصّة بحدود سنة (1390 أو 1391 هـ ).

12 ـ كان الاُستاذ الشهيد يصلّي في الحسينيّة الشوشتريّة صلاة الجماعة إماماً، فاتّفق ذات يوم أ نّه غاب عن صلاة الجماعة; لعذر له، فطلب جمع من المؤمنين من السيّد محمّد الصدر ابن المرحوم السيّد محمّد صادق الصدر أن يؤمّ الناس في ذاك اليوم بدلاً عن الاُستاذ، فاستجاب السيّد محمّد الصدر لطلب المؤمنين (وهو من حفدة عمّ الشهيد الصدر ومن تلامذته، وكان معروفاً بالزهد، والورع، والتقوى)، فصلّى الناس خلفه جماعة، ثُمَّ اطّلع اُستاذنا

 
الصفحة 66

الشهيد على ذلك، فبان عليه الأذى، ومنع السيّد محمّد الصدر عن أن يتكرّر منه هذا العمل. وكان السبب في ذلك ـ على رغم علمه بأنّ حفيد عمّه أهلٌ، ومحلّ لإمامة الجماعة ـ أ نّه تعارف لدى قسم من أئمّة الجماعة الاستعانة في غيابهم بنائب عنهم يختار من أقربائهم أو أصحابهم، لالنكتة موضوعيّة، بل لأ نّه من أقربائه أو أصحابه، فقد يُحمل ما وقع من صلاة حفيد العمّ في نظر الناس غير المطّلعين على حقيقة الأمر على هذا المحمل، في حين أ نّه لابدّ من كسر هذه العادة، وحصر إمامة الجماعة في إطار موضوعىّ صحيح، وتحت مقياس دقيق تلحظ فيه مصالح الإسلام والمسلمين، زائداً على الشرائط الأوّليّة الفقهيّة لإمامة الجماعة، فلهذا منع حفيد العمّ عن هذا العمل مادام قابلاً في نظر الناس لتفسير غير صحيح على رغم علمه بتحقيق الشرائط والمصالح  فيه.

13 ـ حدّثني الاُستاذ أ نّه كان في فترة من الزمن أيّام طلبه للعلم يتشرّف بالذهاب يوميّاً ساعة في اليوم إلى الحرم الشريف بغرض أن يفكّر في تلك الساعة في المطالب العلميّة، ويستلهم من بركات الإمام أمير المؤمنين ، ثُمَّ قطع هذه العادة، ولم يكن أحد مطّلعاً عليها، وإذا بامرأة في بيت الاُستاذ، ولعلّها والدته الكريمة ـ  والشكّ والترديد منّي، وليس من الاُستاذ ـ رأت في عالم الرؤيا أمير  المؤمنين يقول لها ما مضمونه: قولي لباقر: لماذا ترك درسه الذي كان يتتلمذ به لدينا؟!

14 ـ رأى أحد طلاّبه ذات يوم في عالم الرؤيا أ نّه يمشي هو

 
الصفحة 67

وزميل آخر له من طلاّب السيّد الشهيد بخدمة الاُستاذ في طريقهم إلى مقصد ما، وإذا بحيوانات مفترسة هجمت على السيّد الشهيد كي تفترسه، ففرّ الزميلان من بين يديه، وجاء ناس آخرون التفّوا حول الاُستاذ; كي يحموه من تلك السباع. فحدّث هذا الطالب بعد ذلك اُستاذنا الشهيد برؤياه، فقال له الاُستاذ : إنّ تعبير رؤياك أ نّكما ستنفصلان، وتبتعدان عنّي، ويأتي ناس آخرون يلتفّون حولي، ويكونون رفاقي في الطريق. وكان هذا الكلام غريباً على مسامع ذاك الطالب; لأ نّه وزميله كانا آنذاك من أشدّ المعتقدين بالاُستاذ وأكثر صحبة له، ولكن ما مضت الأيّام والليالي إلاّ وابتعدا عن الاُستاذ: (أحدهما بالسفر، والآخر بترك الدرس على رغم وجوده في النجف).

15 ـ سألت الاُستاذ ذات يوم عن أ نّه هل قلّد في حياته عالماً من العلماء، أو لا؟ فأجاب بأ نّي قلّدت قبل بلوغي سنّ التكليف المرحوم الشيخ محمّدرضا آل ياسين، أمّا من حين البلوغ فلم اُقلّد أحداً. ولاأذكر أ نّه قال: كنت من حين البلوغ أعمل برأيي، أو قال: كنت بين العمل بالاحتياط والعمل بالرأي.

16 ـ حدّثني بعد رجوع المرحوم آية الله العظمى السيّد الحكيم من لندن، إذ كان ذاهباً إلى لندن في أواخر حياته للعلاج: أ نّه رأى ذات يوم آية الله الحكيم قبل مرضه في حرم الإمام أمير  المؤمنين ، فاُلهِم اُستاذُنا أنّ هذه آخر رؤية له للسيّد الحكيم، ولن يتوفّق لرؤيته مرّة اُخرى إلى أن يُتوفّى السيّد

 
الصفحة 68

الحكيم . وبعد ذلك بأيّام قلائل تمرّض السيّد ، واستمرّ به المرض إلى أن ذهبوا به إلى لندن للعلاج، ولم يشف من مرضه، وحينما رجع السيّد من لندن إلى مطار بغداد، وفي أثناء نزوله من سلّم الطائرة حاول اُستاذنا أن يلقي نظرةً على السيّد الحكيم; ليثبت بذلك أنّ ما اُلهم به كان وهماً لاقيمة له، فيأمل أن يشفى السيّد من مرضه، ويعيش صحيحاً سالماً، إلاّ أ نّه لم يوفّق الاُستاذ لرؤية السيّد إلى أن توفّي بنفس المرض، قدّس الله روحه الزكيّة.

17 ـ زار (زيد حيدر) عضو القيادة القوميّة في حزب البعث السيّد الشهيد ذات يوم بصحبة (عبدالرزّاق الحبّوبيّ)(1)، وتكلّم الاُستاذ الشهيد معه في جملة من المؤاخذات على الدولة بالقدر الذي كانت الظروف تسمح بالكلام معه فيها، وكان يعتبر هذا في تلك الأحوال موقفاً جريئاً من الاُستاذ ، وقد حضر المجلس ثلّة من طلاّب السيّد الشهيد وأصحابه، وكنت أنا أحد الحضّار، ولكن بما أنّ طول الزمان أنساني أكثر مضامين ما دار في تلك الجلسة أكتب هنا ما كتبه أبو محمّد(الشيخ عبد الحليم) حفظه الله، ولم يكن ـ  وقتئذ  ـ حاضراً في المجلس، ولكنّ الاُستاذ الشهيد قصّ عليه القِصّة. قال الشيخ عبد  الحليم:

«تحدّث السيّد الشهيد قبالي عن طبيعة الحديث الذي دار بينه وبين زيد حيدر وكان الحبّوبيّ حاضراً، قال : دخلت الغرفة وكان


(1) كان عبدالرزّاق الحبّوبىّ ـ وقتئذ ـ محافظ كربلاء، أو قائمّقام النجف.

 

الصفحة 69

فيها زيد حيدر، وبعد دقائق دخل الحبّوبيّ الغرفة، فسلّم علىّ، وابتسم كأ نّه كان مستحياً; لأ نّه كان يصلّي في الغرفة الثانية، ويتظاهر بالخجل من تأخيرها إلى ذلك الوقت عصراً. وبدأت الحديث مع زيد بحضور الحبّوبيّ، وشرحت دور الحوزة العلميّة والعلماء في تحريك الاُمّة، وفي تربية الاُمّة، فعلماء الدين الشيعة يختلفون عن علماء المسيحيّة مثلاً; إذ إنّ الاُمّة مرتبطة بالعالم الشيعيّ، وبدأتُ بسرد الأحداث التأريخيّة التي تدلّ على دور العلماء، فثورة العشرين اختلط فيها دم العالم بدم العامل والفلاّح ودم الاُمّة والشعب حيث قاد العلماء الثورة. والسيّد شرف الدين قاوم الاستعمار الفرنسيّ في لبنان، وبعد ذلك تعرّض لحرق مكتبته وكتبه المخطوطة وغيرها، وكانت عصارة جهده، وعصارة حياته، وأعزّ شيء عنده (وكذلك على ما أتذكر أ نّه ذكر قِصّة التنباك)، ثُمَّ عرَّجت على دور الحوزة العلميّة في الوقت الحاضر، وذكرت له أنّ كثيراً من أبناء الشعب يراجعونني في جواز أو حرمة التأخّر عن الدوام الرسمىّ، فإذا أفتيت لهم بالجواز أو الحرمة، فإنّه يؤثّر بالدولة، وكذلك يسألني الكثير من المقلّدين في مسألة جواز سرقة أموال الدولة؟ فإذا أفتيت بالجواز، فسوف يؤثّر بالدولة، و... ثُمَّ بيّنت أنّ الدولة حاليّاً لا  تتعاون مع العلماء حتّى في المسائل الشرعيّة; فإنّ مذبحاً كبيراً في بغداد غير موجّه إلى القبلة، وماذا يضرّ الدولة إذا كان المذبح على القبلة؟! في حين أ نّه إذا كان الذبح غير شرعيّ فلن يشترى كثيرٌ من اللحوم.

 

 
الصفحة 70

 

يقول الشهيد : وفي هذا المقطع من الحديث التفت الحبّوبيّ قائلاً: إنّي أتعجّب أن يكون الذبح هنا غير شرعيّ! علماً بأ نّي عند ما اُسافر إلى الخارج اُحاول الحصول على لحم مذبوح على الطريقة الإسلاميّة، فكيف يكون ذبح العراق غير شرعيّ؟! وبعد ذلك تحدّثت عن محاولة الدولة لشقّ طريق يقتضي بموجبه أو اقتضى تهديم مقام عليّ بن محمّد السمريّ أحد نواب الإمام المهدي ، وللشيعة ارتباط تأريخي بهذا المكان، والآن بعض أجزاء مقامه محلاّت ودكاكين.

هذا مضمون ما أتذكّر، والله العالم».

انتهى ما كتبه الشيخ عبدالحليم ـ حفظه الله ـ مع تغيير يسير في العبارة.

ومن جملة ما قاله الاُستاذ الشهيد في حديثه مع زيد حيدر: إنّ الدولة لو أرادت أن تعرف آراء الشعب ونظريّاته، يجب أن تراجع العلماء; فإنّهم هم معدن أسرار الاُمّة، ومحطّ ثقتهم، وهم لسان الاُمّة.

وفي نهاية المجلس خاطب الحبّوبيّ زيد حيدر، وقال له: انظر إلى هذا الرجل (يشير إلى السيّد الشهيد الصدر ) كيف يتكلّم بكلام لطيف، فلنجعله عالماً للبعثيّين. وهنا ضحك الحضّار، فقال لهم الحبّوبيّ: لماذا تضحكون؟ فقال الاُستاذ الشهيد : أنا عالم المسلمين، ولست عالم البعثيّين.


 
˜™

 

 
الصفحة 71

 

 

 

 

 

المقام العلميّ الشامخ لاُستاذنا الشهيد

 

 
الصفحة 72

 

 

 

 
الصفحة 73

 

 

 

تتميّز الأبحاث العلميّة لاُستاذنا الشهيد من سائر الأبحاث العلميّة المألوفة بالدقّة الفائقة، والعمق الذي يقلّ نظيره من ناحية، وبالسعة والشمول لكلّ جوانب المسألة المبحوث عنها من ناحية اُخرى، حتّى إنّ الباحث الجديد لها قلّما يحصل على مَنفذ للتوسيع أوالتعميق الزائدين على ما أتى به الاُستاذ.

إضافةً إلى كلّ هذا نرى من مميّزات اُستاذنا العلميّة أنّ أبحاثه لم تقتصر على ما تعارفت عليه أبحاث العلماء في النجف الأشرف ـ  وقتئذ ـ من الفقه والاُصول، بل شملت سائر المرافق الفكريّة الإسلاميّة: كالفلسفة، والاقتصاد، والمنطق، والأخلاق، والتفسير، والتأريخ، وفي كلّ مجال من هذه المجالات ترى بحثه مشتملاً على نفس الامتيازين الملحوظين في أبحاثه الاُصوليّة والفقهيّة: من العمق والشمول.

ففي علم الاُصول نستطيع أن نعتبر المرحلة التي وصل إليها مستوى البحث الاُصوليّ على يد الاُستاذ عصراً رابعاً من العلم وتطوّراته التي مرّ بها علم الاُصول على وفق مصطلحات اُستاذنا في كتاب (المعالم الجديدة للاُصول) حيث قسّم الأعصر التي مرّ بها علم الاُصول من المراحل التي بلغ التمايز

 
الصفحة 74

النوعيّ فيما بينها إلى ما ينبغي جعله حدّاً فاصلاً بين عصرين، قسّمها إلى ثلاثة أعصر:

الأوّل : ما أسماه بالعصر التمهيديّ، قال: «وهو عصر وضع البذور الأساسيّة لعلم الاُصول، ويبدأ هذا العصر بابن أبي عقيل، وابن الجنيد، وينتهي بظهور الشيخ ».

والثاني : ما أسماه بعصر العلم، قال: «وهو العصر الذي اختمرت فيه تلك البذور وأثمرت، وتحدّدت معالم الفكر الاُصوليّ، وانعكست على مجالات البحث الفقهيّ في نطاق واسع. ورائد هذا العصر: هو الشيخ الطوسيّ، ومن رجالاته الكبار: ابن إدريس، والمحقّق الحلّي، والعلاّمة، والشهيد الأوّل، وغيرهم من النوابغ».

والثالث : ما أسماه بعصر الكمال العلميّ، قال: «وهو العصر الذي افتتحته في تأريخ العلم المدرسة الجديدة التي ظهرت في أواخر القرن الثاني عشر على يد الاُستاذ الوحيد البهبهانيّ، وبدأت تبني للعلم عصره الثالث بما قدّمته من جهود متظافرة في الميدانين: الاُصوليّ والفقهيّ».

ثُمَّ قسّم العصر الثالث من عصور علم الاُصول إلى ثلاث مراحل، بإمكانك أن تراجع تفصيل ذلك في المعالم الجديدة، قال : «ولا يمنع تقسيمنا هذا لتأريخ العلم إلى عصور ثلاثة إمكانيّة تقسيم العصر الواحد من هذه العصور إلى مراحل من النمو، ولكلّ مرحلة رائدها وموجّهها، وعلى هذا الأساس نعتبر الشيخ الأنصاريّ ـ  المتوفّى سنة (1281 هـ ق)  ـ

 
الصفحة 75

رائداً لأرقى مرحلة من مراحل العصر الثالث، وهي المرحلة التي يتمثّل فيها الفكر العلميّ منذ أكثر من مئة سنة حتّى اليوم».

وقد بيّن كلّ هذا بعد توضيح أنّ بذرة التفكير الاُصوليّ وجدت لدى فقهاء أصحاب الأئمّة منذ أيّام الصادقين .

أقول: إنْ كان الفارق الكيفيّ بين بعض المراحل وبعض حينما يعتبر طفرة وامتيازاً نوعيّاً في هويّة البحث يجعلنا نصطلح على ذلك بالأعصر المختلفة للعلم، فالحقّ إنّ علم الاُصول قد مرّ على يد اُستاذنا الشهيد بعصر جديد، فلو أضفناه إلى الأعصر التي قسّم إليها فترات العلم في المعالم الجديدة، لكان هذا عصراً رابعاً هو عصر ذروة الكمال، ترى فيه من الأبحاث القيّمة والجواهر الثمينة والدرر المضيئة ما يبهر العقول، وهي تشتمل على مباحث فريدة في نوعها، وفيها ما تكون تارةً جديدة على الفكر الاُصوليّ تماماً، أي: إنّها لم تبحث من قبل.

واُخرى تكون مغيّرة لما اختاره الأصحاب في أبحاثهم السابقة ببرهان قاطع واُسلوب فائق.

وثالثة تكون معدّلةً لنفس ما اختاره الأصحاب، ومُصلحةً له ببيان لم يسبق له نظير.

فمن القسم الأوّل : ما جاء به من البحث الرائع لسيرة العقلاء، وسيرة المتشرّعة، فقد تكرّر لدى أصحابنا المتأخّرين ـ م ـ التمسّك بالسيرة لإثبات حكم ما، ولكن لم يسبق أحد اُستاذنا ـ فيما أعلم ـ في بحثه للسيرة، وإبراز أسس كشفها،

 
الصفحة 76

والقوانين التي تتحكّم فيها، والنكات التي ينبني الاستدلال بها على أساسها، باُسلوب بديع، ومنهج رفيع، وبيان متين.

ومن هذا القسم ـ أيضاً ـ بحثه القيّم عمّا أسماه بنظريّة التعويض، وقد بحثه في ضمن مباحث حجّيّة خبر الواحد وإن كان أقرب إلى فن البحوث الرجاليّة منه إلى الاُصول، ووضّح فيه كيف أ نّنا نعوّض أحياناً المقطع السنديّ المشتمل على الضعف البارز في سند الحديث بمقطع آخر غير بارز لدى الناظر بالنظرة الأوّليّة. وهذا الأمر وإن وجدت بذوره لدى من تقدّم على الاُستاذ لم أر أحداً قبله يتعرّض له على مستوى البحث العلميّ، ويدقّق في اُسس هذا التعويض وأقسامه.

ومن القسم الثاني : بحثه البديع في حجّيّة القطع الذي أثبت فيه أنّ رأس الخيط في البحث إنّما هو مولويّة المولى وحدودها، وانحدر من هذا المبدأ إلى الآثار التي تترتّب على ذلك، وانتهى إلى إبطال ما بنى عليه المحقّقون جيلاً بعد جيل من (قاعدة قبح العقاب بلا بيان)، وآمن بمنجزيّة الاحتمال، وأنّ البراءة التي نؤمن بها هي البراءة الشرعيّة، أمّا البراءة العقليّة، فلا.

ومن هذا القبيل إبطاله لحكومة الاُصول بعضها على بعض حينما تكون متوافقة في النتيجة، كحكومة استصحاب الطهارة على قاعدة الطهارة، أو الأصل السببيّ على الأصل المسبّبيّ الموافق له، وكذلك إبطاله لحكومة الأمارة على الأصل لدى توافقهما في النتيجة.

ومنه ـ أيضاً ـ إبطاله لما اشتهر من جريان أصالة الطهارة في

 
الصفحة 77

ملاقي بعض أطراف الشبهة المحصورة على تفصيل يأتي في محلّه إن شاء الله.

ومنه ـ أيضاً ـ بحثه البديع في الوضع، وإبرازه لنظريّة القرن الأكيد.

ومن القسم الثالث : بحثه الرائع عن حقيقة المعاني الحرفيّة، حيث يوافق فيه على أصل ما اختاره المحقّقون المتأخّرون: من كون المعاني الحرفيّة هي المعاني النسبيّة، والمغايرة هويّة للمعاني الاسميّة، ولكن مع إدخال تعديل وإصلاح جوهريّين على ما أفاده الأصحاب رضوان الله عليهم.

ومن هذا القبيل بحثه الذي لم يسبق له نظير في الجمع بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة، حيث اختار نفس ما أثبته المحقّقون من إمكانيّة الجمع بينهما، وعدم التنافي والتعارض فيما بينهما، ولكن مع التعديل الجوهريّ لطريقة الاستدلال، وكيفيّة الجمع.

وقبل أن أترك هذه النقطة لايفوتني أن اُشير إلى أنّ من أبحاثه البديعة ـ أيضاً ـ أبحاثه عن الترتّب، وعن التزاحم، وعن قاعدة لاضرر التي تعارف البحث عنها في الاُصول على رغم أ نّها قاعدة فقهيّة.

وهو إضافة إلى ما لديه من تحقيقات جديدة، ومطالب فريدة في نوعها في علم الاُصول من أوّله إلى آخره، كانت له محاولتان جديدتان في اُسلوب عرض علم الاُصول على الحوزة العلميّة، وتربية الطلاّب عليها:

 

 
الصفحة 78

 

 

الاُولى : التغيير في ترتيب مباحث الاُصول، وتبويبها، والتقديم والتأخير فيما بينها، وطريقة تقسيم الأبحاث، وهذا ما انعكس عملاً في كتبه الموسومة بــ (دروس في علم الاُصول)، وفيما كتبه تلميذه السيّد محمود الهاشميّ تقريراً لبحث الاُستاذ، وهو الكتاب المسمّى بــ (تعارض الأدلّة الشرعيّة)، وذلك إيماناً منه بأنّ الترتيب الذي تعارف لدى السابقين لمباحث علم الاُصول ليس ترتيباً فنّياً قائماً على أساس نكات طبيعيّة لتقديم وتأخير الأبحاث، فانتهج هو منهجاً جديداً في ترتيب علم الاُصول راعى فيه نكات فنيّةً للتقديم والتأخير.

والثانية : صياغة علم الاُصول فيما يسمّى بالسطح العالي في حلقات مترتّبة على وفق المراحل التي ينبغي أن يمرّ بها الطالب; إذ كان يعتقد أنّ ما درجت عليه الحوزات العلميّة من دراسة عدّة من الكتب الاُصوليّة كتمهيد للوصول إلى ما يسمّى ببحث الخارج كان صحيحاً، ولكن ما تعارفوا عليه من انتخاب كتب متعدّدة تمثّل مراحل مختلفة من العصور الماضية لعلم الاُصول ليس على ما ينبغي، والطريقة الفضلى هي: أن يصاغ آخر التطوّرات العلميّة في ضمن مراحل متدرّجة; لتنمية الطالب وتعليمه، كما هو الاُسلوب المتعارف في المناهج الحديثة لسائر العلوم، وهذا ما جسّده في كتبه المسمّاة بــ (دروس في علم الاُصول) الممنهجة على ثلاث مراحل تحت عنوان الحلقات.

وفي علم الفقه ترى إبداعاته لاتقلّ عن

 
الصفحة 79

إبداعاته في علم الاُصول، وقد طبع من أبحاثه الفقهيّة أربعة مجلّدات باسم (بحوث في شرح العروة الوثقى) فيها من التحقيقات الرشيقة ما لاتحصى ممّا لم يسبقه بها أحد، واُشير هنا كمثال إلى بحثين من أبحاثه التي ينبهر بها الفقيه الألمعيّ:

أحدهما : بحثه الرائع في تحقيق نكات قاعدة الطهارة الوارد في المجلّد الثاني من البحوث المشتمل على عمق وشمول لاتراهما في أبحاث اُخرى عن تلك القاعدة.

والثاني : بحثه القيّم في مسألة اعتصام ماء البئر عن كيفيّة التخلّص من الروايات الدالّة على الانفعال. وهو وارد ـ أيضاً ـ في المجلّد الثاني من البحوث، حيث ساق البحث باُسلوب فائق لم أره لدى باحثي المسألة قبله.

ولم يوفّق لكتابة الكثير عن الفقه المستدلِّ ما عدا المجلّدات الأربعة في الطهارة، وما درّسه من الفقه المستدلِّ أكثر ممّا كتبه، كما قد درّس قسماً من أبحاث الخمس وغير ذلك.

والذي كان يصبو إليه هو تطوير بحث الفقه من عدّة جوانب، وفّق لبعضها بمقدار ما كتب أو درّس، ولم يوفّق للبعض الآخر. وتلك الجوانب هي ما يلي:

1 ـ تعميق دراسته بنحو لم يسبق له مثيل، وقد وفّق لذلك بمقدار ما كتب أو درّس.

2 ـ تبديل النزعة الفرديّة والنظرة الموضعيّة إلى النزعة الاجتماعيّة والنظرة العالميّة في البحوث التي تتطلّب ذلك. وهاتان

 
الصفحة 80

النظرتان أو  النزعتان لهما الأثر البالغ في كيفيّة فهم القضايا الفقهيّة.

فمثلاً: أخبار التقيّة والجهاد تُفهم بإحدى النظرتين بشكل، وبالنظرة الاُخرى بشكل آخر، وأدلّة حرمة الربا قد تفهم بإحدى النظرتين بشكل يمكن معه تحليل نتيجة الربا ببعض الحيل، وتفهم بالنظرة الاُخرى بشكل آخر لايؤدّي إلى هذه النتيجة. وما إلى ذلك من الأمثلة الواسعة في الفقه.

3 ـ توسيع اُفق البحث الفقهيّ لشتّى أبواب الحياة بالشكل الملائم لمتطلّبات اليوم، وباُسلوب يتجلّى به أنّ الفقه يعالج كلّ مناحي الحياة، ويواكب الوضع البشريّ الفرديّ والاجتماعيّ حتّى النهاية، وبشكل يتّضح أنّ البحث الفقهيّ متحرّك يواكب حركة الحياة. وقد شرع في رسالته العمليّة المسمّاة بــ (الفتاوى الواضحة) لتجسيد هذا الجانب، إلاّ أنّ استشهاده قد حال بينه وبين إكمال الكتاب.

4 ـ تطوير منهجة عرض المسائل، وتبويبها بالشكل المنعكس في مقدّمة الفتاوى الواضحة.

5 ـ وكان عازماً على أن يبحث فقه المعاملات بشكل مقارن بين فقه الإسلام والفقه الوضعيّ; كي يتجلّى أنّ الفقه الإسلاميّ هو الجدير بإدارة الحياة، وإسعادها دون غيره، وقد حالت جريمة البعث الكبرى بينه وبين إتحافنا بهذا البحث القيّم.

وفي الفلسفة ألّف الاُستاذ الشهيد كتاب (فلسفتنا) الذي قارع فيه الفلسفات المادّيّة والمدارس الفلسفيّة الحديثة الملحدة، بالأخصّ الديالكتيكيّة الماركسيّة، باُسلوب بديع، وببراهين قويمة،

 
الصفحة 81

ومناهج رائعة، وهذا الكتاب قد أصدره بجهود تظافرت مدّة عشرة أشهر فحسب.

والرأي الذي اعتنقه في (فلسفتنا) في نظريّة المعرفة قد عدل عنه إلى رأي آخر في كتابه المسمّى بــ (الاُسس المنطقيّة للاستقراء) يختلف عن رأيه الأوّل في عدد مهمٍّ من أقسام المعرفة البشريّة.

وقد بدأ أخيراً بتأليف كتاب فلسفيّ معمّق، ومقارن بين آراء الفلاسفة القدامى والفلاسفة الجدد، وبدأ ببحث تحليل الذهن البشريّ، ولم يوفّق لإتمامه، ولانعلم مصير ما كتبه في ذلك، ولعلّه صودر من قبل البعث العميل الكافر مع ما صودر من كتبه وممتلكاته.

وفي المنطق قد تعرّض الاُستاذ الشهيد في ضمن أبحاثه الاُصوليّة لدى مناقشته للأخباريِّين في مدى حجّيّة البراهين العقليّة لنمط التفكير المنطقيّ الأرسطيّ، ونقده بما لم  يسبقه به أحد، وبعد ذلك طوّر تلك الأبحاث وأكملها، وأضاف إليها ما لم يكن يناسب ذكره في ضمن الأبحاث الاُصوليّة، فأخرجها بأروع صياغة باسم كتاب (الاُسس المنطقيّة للاستقراء). ومن جملة ما أوضحه في هذا الكتاب: عدم بداهة قسم من العلوم التي يقول المنطق الأرسطيّ ببداهتها، كالمحسوسات بالحسِّ الظاهريّ، والمتواترات، والتجريبيّات، والحدسيّات، وأنّ هذه العلوم إنّما تبتني على أساس حساب الاحتمالات، وليس على أساس البداهة والضرورة.

وفي الأخلاق تعرّض الاُستاذ الشهيد لأرقى بحث أخلاقيّ علمىّ في ضمن أبحاثه الاُصوليّة لدى البحث عن الحسن والقبح

 
الصفحة 82

العقليّين بمنهج لم يسبق له نظير.

وفي التفسير تعرّض في أواخر حياته لأبحاث تفسيريّة قيّمة تختلف في اُسلوبها عن نمط التفاسير التجزيئيّة المتعارفة، أعطاها عنوان (التفسير الموضوعيّ)، وتلك أبحاث ألقاها في محفل عام للبحث، ولم يكن الحضور فيه خاصّاً بفضلاء طلاّبه أو المحقّقين العلماء; ولذا لم يكن من المتوقّع أن يلقي هذه الأبحاث بما هو المأمول منه من مستوى العمق والدقّة; إذ ذلك يناسب الحضور الخاصّ، وليس الحضور العامّ، ومع ذلك ترى في تلك الأبحاث من العمق والتحليل الدقيق ما يبهر العقول، ويدلّ على مدى شموخ المستوى الفكريّ لهذا المفكّر العظيم.

وفي الاقتصاد ألّف اُستاذنا الشهيد كتاب (اقتصادنا); لنقد المذاهب الاقتصاديّة الماركسيّة والرأسماليّة، وتوضيح خطوط تفصيليّة عن الاقتصاد الإسلاميّ. ولاأقول: إنّه لم يوجد قبله كتاب في الاقتصاد الإسلاميّ بهذا المستوى فحسب، بل أقول: لم يوجد حتّى يومنا هذا الذي مضى على تأليف كتاب (اقتصادنا) نحو ربع قرن مَنْ كتب بمستواه.

وفي التأريخ كتب تأريخاً تحليليّاً عن قِصّة (فدك)، وكان عمره ـ  وقتئذ  ـ نحو سبع عشرة سنة، وترى في هذا الكتاب ـ  الذي يمثّل السنين الاُولى من بلوغه سنّ التكليف  ـ ما يعجبك من روعة التأليف، وعمق التحقيق والتدقيق، وممّا يزيدك إعجاباً بهذا الكتاب أ نّه جاء فيه بالمناسبة بعض المناقشات الفقهيّة الدقيقة لما ورد في

 
الصفحة 83

كلمات أكابر الفقهاء، وهذا ما لا  يصدر عادة إلاّ عن العلماء المحقّقين الكبار في سنين متأخّرة من أعمارهم الشريفة.

فلقد ناقش في كتاب (فدك) ما وقع من بعض أكابر العلماء كصاحب الجواهر من الاستدلال على نفوذ علم القاضي بكون العلم أقوى من البيّنة المعلوم إرادة الكشف منها، ناقش ذلك بقوله:

«واُلاحظ أنّ في هذا الدليل ضعفاً ماديّاً; لأنّ المقارنة لم تقم فيه بين البيّنة وعلم الحاكم بالإضافة إلى صلب الواقع، وإنّما لوحظ مدى تأثير كلٍّ منهما في نفس الحاكم، وكانت النتيجة ـ  حينئذ  ـ أنّ العلم أقوى من البيّنة; لأنّ اليقين أشدّ من الظنّ، وكان من حقّ المقارنة أن يلاحظ الأقرب منهما إلى الحقيقة المطلوب مبدئيّاً الأخذ بها في كلّ مخاصمة، ولايفضّل علم الحاكم في هذا الطور من المقايسة على البينة; لأنّ الحاكم قد يخطأ كما أنّ البيّنة قد تخطأ، فهما في شرع الواقع سواء، كلاهما مظنّة للزلل والاشتباه».

وأيضاً ذكر المرحوم الشيخ آقا ضياء العراقيّ ـ الذي يعتبر من أكابر المحقّقين في العصر المتأخر  ـ ذكر في كتابه ردّاً على من استدلّ لنفوذ علم القاضي بأدلّة القضاء بالحقّ والعدل: «أ نّه قد يكون المراد بالحقّ والعدل هو الحقّ والعدل وفق مقاييس القضاء، لاالحقّ والعدل وفق الواقع، وكون علم القاضي من مقاييس القضاء أوّل الكلام» واستشهد على ذلك بالرواية الدالّة على عقاب رجل قضى بالحقّ وهو لايعلم، ببيان: أ نّه لو كان موضوع القضاء هو الحقّ

 
الصفحة 84

الواقعيّ لاالحقّ وفق مقاييس القضاء، لكان قضاء من قضى بالحقّ ـ  وهو لايعلم  ـ صحيحاً وضعاً وتكليفاً، ولاعقاب عليه إلاّ بملاك التجرّي.

وأورد عليه اُستاذنا الشهيد في كتاب (فدك) أنّ هذه الرواية لاتدلّ على عدم موضوعيّة الواقع للحكم، غاية ما هناك أن نقيّد الأدلّة التي ظاهرها كون موضوع الحكم هو الحقّ والعدل الواقعيين بالعلم، بمقتضى دلالة هذه الرواية على عقاب من قضى من دون علم، فيصبح الواقع جزءَ موضوع، والعلم به جزءاً آخر للموضوع، ولابأس بذلك.

وعلى أيّة حال، فهذا كتاب تاريخيّ تحليليّ بديع عن قِصّة واحدة من التأريخ، وهي قِصّة  (فدك).

هذا، وبعد رَدح من الزمن جاءت لاُستاذنا الشهيد أبحاث في منتهى الروعة في تحليل تأريخ حياة أئمّتنا الأطهار من زاوية عملهم لإعلاء كلمة الله على وجه الأرض، كان يلقيها على طلاّبه في أيّام وفيات الأئمّة كاُطروحة شاملة متناسقة لكلِّ أئمّة أهل  البيت في المنهج الذي نهجوه لخدمة الإسلام الحنيف.

وجميع أبحاثه ترى فيها إضافةً إلى الدقّة والعمق مع السعة والشمول منهجيّةً فنيّةً رائعةً في طريقة العرض.



 
˜™

 

 
الصفحة 85

 

 

 

 

 

مؤلّفاته

 

 
الصفحة 86

 

 

 

 
الصفحة 87

 

 

 

يحضرني الآن من مؤلّفاته ما يلي:

1 ـ فدك في التأريخ، طبع في سنة (1374 هـ ).

2 ـ غاية الفكر في علم الاُصول، طبع منها جزء واحد في سنة ( 1374  هـ ).

وقد ذكر السيّد الشهيد في أوّل هذا الجزء أ نّه شرع في تأليف هذا الكتاب قبل ثلاث سنين تقريباً.

3 ـ فلسفتنا، طبع في سنة (1379 هـ ).

4 ـ اقتصادنا، طبع في سنة (1381 هـ ) في مجلّدين.

5 ـ المعالم الجديدة للاُصول، طبعت في (سنة 1385 هـ ) لكلّية اُصول الدين.

6 ـ الاُسس المنطقيّة للاستقراء، طبعت بتأريخ (1391 هـ ).

7 ـ البنك اللاربوي في الإسلام، طبع قبل الاُسس المنطقيّة للاستقراء.

8 ـ المدرسة الإسلاميّة، ألّف منها جزءين:

   أ ـ الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعيّة.

   ب ـ ماذا تعرف عن الاقتصاد الإسلاميّ؟

9 ـ بحوث في شرح العروة الوثقى، ألّف منها أربعة أجزاء، وكان

 
الصفحة 88

تأريخ الطبعة الاُولى لأوّل جزء منها سنة (1391 هـ ).

10 ـ دروس في علم الاُصول، في ثلاث حلقات، والحلقة الثالثة منها في مجلّدين، طبعت في سنة (1397 هـ ).

11 ـ بحث حول المهدي .

12 ـ بحث حول الولاية.

13 ـ الإسلام يقود الحياة، ألّف منه ستّ حلقات في سنة ( 1399 هـ ) بمناسبة نجاح الثورة الإسلاميّة في إيران:

   أ ـ لمحة فقهيّة تمهيديّة عن مشروع دستور الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران.

   ب ـ صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلاميّ.

   ج ـ خطوط تفصيليّة عن اقتصاد المجتمع الإسلاميّ.

   د ـ خلافة الإنسان، وشهادة الأنبياء.

   ه ـ منابع القدرة في الدولة الإسلاميّة.

   وـ الاُسس العامّة للبنك في المجتمع الإسلاميّ.

14 ـ بحث في المرجعيّة الصالحة والمرجعيّة الموضوعيّة، وسيأتي نصّ ذلك ـ إن شاء الله ـ في ضمن هذه الترجمة.

15 ـ الفتاوى الواضحة: رسالة عمليّة ألّف منها جزءاً واحداً، ثُمَّ أضاف إليها في الطبعة الثانية مقدّمة بعنوان (موجز في اُصول الدين) بحث فيها بحثاً مختصراً رائعاً عن المرسل، والرسول، والرسالة، كما يوجد في آخر الكتاب بحث بديع وممتع بعنوان (نظرة عامّة في العبادات).

 

 
الصفحة 89

 

16 ـ تعليقة على رسالة عمليّة للمرحوم آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم ، وهي الرسالة المسمّاة بــ (منهاج الصالحين).

ومن طرائف الاُمور: أنّ الاُستاذ الشهيد مضت عليه برهة من الزمان كان له مقلِّدون كثيرون في شتّى المدن العراقيّة، ولعلّه في خارج العراق أيضاً، وكان يمتنع عن طبع رسالة عمليّة; لأ نّه كان شابّاً آنذاك، ولعلّ قسماً من المجتمع لم يكن يستسيغ طبع رسالة عمليّة لعالم شابّ مع وجود مراجع كبار متقدّمين في السنّ، فكان بعض مقلّديه يضطرون إلى استنساخ تعليقته على الجزء الأوّل من منهاج الصالحين بخط اليد، وما زلت أنا محتفظاً في مكتبتي بنسخة منها استنسختها بيدي.

وبعد فترة من الزمن اقتنع بأ نّه حان وقت الطبع، فطبع تعليقته على الجزء الأوّل من منهاج الصالحين، وأكملها في الطبعة الثالثة بإضافة التعليق على الجزء الثاني من المنهاج.

17 ـ تعليقة على صلاة الجمعة من الشرائع، ما زالت غير مطبوعة، ولدىّ نسخة استنسختها بيدي.

18 ـ تعليقة على الرسالة العمليّة للمرحوم آية الله العظمى الشيخ محمّدرضا آل ياسين المسمّاة بــ (بلغة الراغبين) علّق عليها في وقت كان عمره الشريف نحو سبع عشرة سنة، وما زالت التعليقة غير مطبوعة.

19 ـ تعليقة على مناسك الحجّ لاُستاذه آية الله العظمى السيّد الخوئيّ، وهي غير مطبوعة، وما زلت محتفظاً بنسخة خطيّة منها. وقد

 
الصفحة 90

كتب هذه التعليقة عند ما أراد التشرّف بالذهاب إلى الحجّ.

20 ـ موجز أحكام الحجّ: وهو رسالة عمليّة في الحجّ.

وهناك كتاب باسم (المدرسة القرآنيّة) ليس بقلمه الشريف، ولكنّه استنساخ لمحاضراته الممتعة التي أفادها في التفسير الموضوعيّ للقرآن الكريم، وهي عبارة عن أربع عشرة محاضرة، والمحاضرة الأخيرة ليست في التفسير، وإنّما هي في الوعظ والإرشاد، وقد ألقى هذه المحاضرات في أواخر عمره المبارك، وأنا ـ  وقتئذ ـ كنت في قم المقدّسة، فلم أحظ بشرف درك هذه المحاضرات القيّمة، لكنّني ما زلت محتفظاً بنسخة صوتيّة منها، وقد ضجّ الناس في المحاضرة الأخيرة منها بالبكاء.

وهناك محاضرات اُخرى له في حياة الأئمّة كُتِبَ قسم منها استنساخاً من الشريط الصوتيّ لأبحاثه.

وهناك كتب اُخرى لتلامذته بعنوان تقرير أبحاثه الشريفة.

وهناك كتابات متفرّقة له من قبيل بعض افتتاحيّات مجلّة (الأضواء) التي طبعت بعد ذلك باسم (رسالتنا) وغيرها.

وقبل أن أنتقل إلى موضوع آخر أودّ أن أقول: إنّ مطالعة تأليفاته القيّمة كافية في معرفة مدى مواكبة هذا الرجل العظيم لأحوال الوقت ومشاكله ووضعه للحلول الشافية لها، فحقّاً إنّ اُستاذنا الشهيد لم يكن من اُولئك المفكّرين التقليديّين الذين لايفكّرون إلاّ فيما تعارف بحثه في الأزمنة السالفة، بل كان عالماً بزمانه، طبيباً روحيّاً

 
الصفحة 91

يعالج في كتبه أمراض المجتمع الحاضر، مواكباً لمشاكل الاُمّة الإسلاميّة وآلامها وآمالها، يقارع الفلسفات المادّية الحديثة بكتاب (فلسفتنا)، ويثبّت التلازم بين الإيمان بالعلم الحديث والتجربة وبين الإيمان بالله تعالى، بما له من منطق رصين في كتاب (الاُسس المنطقيّة للاستقراء)، ويعارض الاُصول الاقتصاديّة الكافرة الحديثة مع إعطاء البديل الإسلاميّ في كتاب (اقتصادنا) وفي كتيّبات اقتصاديّة، وحينما يُستفتى من قبل بعض المؤمنين في الكويت عن طريقة تأسيس البنك بلا ربا يؤلّف في الجواب كتاباً في البنك اللاربوي، وحينما يتحقّق انتصار الإسلام في إيران يكتب ستّ حلقات لتغطية الحاجات الفكريّة الإسلاميّة المستجدّة في إيران على أساس الانتصار، وما إلى ذلك ممّا يدلّ على مواكبته للحياة ولحاجات المسلمين بحكمة وحنكة فائقتين.




 
˜™

 

 
الصفحة 92

 

 

 

 
الصفحة 93

 

 

 

 

 

 

 

رعايته لمشاريع إسلاميّة

?1 ـ مدرسة العلوم الإسلاميّة.
?2 ـ جماعة العلماء في النجف الأشرف.
?3 ـ كلّيّة اُصول الدين.

 

 
الصفحة 94

 

 

 

 
الصفحة 95

 

 

 

لم تكن رعاية اُستاذنا الشهيد تختصّ بالمشاريع الإسلاميّة التي تكون من تأسيسه أو تنسب إليه في عرف المجتمع، بل كان لايبخل عن بذل الرعاية لكلِّ مشروع إسلامىّ حتّى غير المنتسب إليه ما لم يأبَ أصحابه عن ذلك، ومن أمثلة ذلك مايلي:

1 ـ مدرسة العلوم الإسلاميّة :

كانت هذه مدرسة علميّة مؤسّسة من قبل المرجع المرحوم آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم تغمّده الله برحمته، وهي مدرسة ذات صفوف منظّمة لطلاّب العلوم الدينيّة، وكانت لاُستاذنا الشهيد رعاية أبويّة خاصّة لهذه المدرسة عن طريق عدد من طلاّبه الأفاضل الذين كانوا يشرفون على هذه المدرسة أو يدرّسون فيها.

2 ـ جماعة العلماء في النجف الأشرف :

كان هذا مشروعاً إسلاميّاً قام به ثلّة من العلماء الأكابر في النجف الأشرف في عهد عبد الكريم قاسم، وكان اُستاذنا الشهيد آنذاك في عنفوان شبابه، ولم يكن عضواً في جماعة العلماء، وعلى رغم

 
الصفحة 96

ذلك كان يرعى باُبوّته هذا المشروع المبارك، وكان يرتبط بشكل وآخر بعقليّته المتميّزة الجبّارة، وهنا أترك الحديث لسماحة السيّد محمّدباقر الحكيم حفظه  الله; لكي يحدّثنا بعض الكلام عن جماعة العلماء، فإليك بعض المقاطع من مقاله الذي نشر في مجلّة الجهاد العدد الرابع عشر الصادر بتأريخ جمادى الآخرة من سنة (  1401 هـ  )، قال حفظه  الله:

«لابدّ من أجل أن نفهم عمق الأحداث التي سوف أتناولها، والمواجهة التي وقعت بين الإمام الشهيد الصدر وحزب البعث في العراق من أن نرجع إلى بدايات سنة (1378)، أي: بعد التغيير في الحكم الذي حصل في العراق بعد انقلاب الرابع عشر من تموز عام (1958 م).

فقد ظهرت على سطح المسرح السياسيّ في العراق مجموعة من التيّارات السياسيّة والفكريّة بعد أن حصل الشعب العراقيّ نتيجة الانقلاب على بعض المكاسب السياسيّة والاجتماعيّة.

وقد احتدم الصراع في المرحلة الاُولى بين التيّار الماركسيّ ـ  الذي كان يقوده الحزب الشيوعيّ العراقيّ، والذي كان يحصل على الدعم المعنوىّ من قائد الانقلاب عبد الكريم قاسم  ـ من جانب، ومجموعة التيّارات السياسيّة الاُخرى من جانب آخر، كالتيّار القوميّ الذي كان يجمع بين الناصريّين والبعثيّين وغيرهم، والذي كان له وجود سياسيّ في الحكم وفي الشارع بسبب الدعم الذي كان يحصل عليه من الجمهوريّة العربيّة المتحدة حينذاك بقيادة

 
الصفحة 97

جمال عبد الناصر، وكالتيار الإسلاميّ الذي كانت تتعاطف معه جماهير واسعة من الشعب العراقيّ المسلم دون أن يكون له وجود سياسيّ قويّ عدا بعض الأحزاب السياسيّة الإسلاميّة الصغيرة.

وقد وجد علماء النجف الأشرف أنّ من الضروريّ أن يُطرح الإسلام كقوّة فكريّة وسياسيّة أصيلة تنتمي إلى السماء، وتمتدّ جذورها في الشعب المسلم.

وولدت من أجل ذاك اُطروحة (جماعة العلماء) التي يمكن أن نقول بحقٍّ: إنّ وجودها يرتبط بشكل رئيسيّ بعقليّة السيّد الشهيد الصدر، واهتمامات المرجعيّة الدينيّة وطموحاتها الكبيرة التي كانت تتمثّل بالمرحوم الإمام السيّد محسن الحكيم إضافة إلى الشعور بالحاجة الملحّة إلى مثل هذه الأطروحة لدى قطّاع واسع من الاُمّة. وعلى الرغم من أنّ السيّد الشهيد لم يكن أحد أعضاء جماعة العلماء; لصغر عمره، إلاّ أ نّه كان له دور رئيسيّ في تحريكها وتوجيهها كما ذكرت ذلك في مذكّراتي عن جماعة العلماء في النجف الأشرف.

ومن خلال ذلك تمكّن علماء النجف الأشرف أن يطرحوا الخطّ الإسلاميّ الصحيح، ويعملوا على إيجاد القوّة السياسيّة الإسلاميّة المتميّزة.

وقد باشرت جماعة العلماء ـ بالرغم من قوّة الأحداث، وعدم توفّر الخبرة السياسيّة الكافية، وتخلّف الوعي الإسلاميّ السياسىّ في الاُمّة  ـ عملها من أجل إرساء قواعد هذا الخطّ الأصيل، وذلك

 
الصفحة 98

من خلال بعض المنشورات، والاحتفالات الجماهيريّة، والاتّصالات ببعض قطّاعات الشباب، وإصدارها لمجلّة الأضواء الإسلاميّة التي كانت تشرف عليها لجنة توجيهيّة مكوّنة من شباب العلماء كان لها اتّصال وثيق بالسيّد الشهيد الصدر ... بعد مضيِّ أقلّ من عامّ تمكّنت جماعة العلماء من بناء قاعدة إسلاميّة شابّة; ولذا قرّرت هذه الجماعة إصدار نشرة الأضواء الإسلاميّة كأداة للتعبير عن وجودها من ناحية، ولمواصلة السير في الطريق الذي رسمته من ناحية اُخرى ... وقد بعثت مجلّة الأضواء من خلال خطّها الفكرىّ والسياسىّ، ومن خلال ما رسمته من معالم الطريق الإسلاميّ وخطوطه العريضة وبالأخصِّ الخطوط التي كانت ترسم في ضمن موضوع (رسالتنا) الذي كان يكتبه السيّد الشهيد الصدر باسم جماعة العلماء وبإذنها طبعاً، بعثت الروح الإسلاميّة في قطّاعات واسعة من الجماهير... وسافرت إلى لبنان في سنة (  1380 هـ  ) إذ كانت طموحاتنا أن ننقل أفكارنا إلى ذلك البلد، وودّعت السيّد الاُستاذ الشهيد حيث كان في الكاظميّة حينذاك بعد أن عشت معه أيّاماً، وكنت اُراسله باستمرار في رسائل طويلة، وكان يجيبني باُخرى يتحدّث فيها عن عواطفه الفيّاضة، وهمومه الإسلاميّة. هذه الرسائل التي أرى فيها أ نّها أعزّ ما أحتفظ به من ذكريات تلك الأيّام.

وفي هذه الرسائل بدأ السيّد الاُستاذ الشهيد يحدّثني عن هجمة قاسية شرسة قام بها حزب البعث، تستّرت ببعض أهل العلم من

 
الصفحة 99

أعضاء جماعة العلماء وغيرهم الذين انكشف لهم حقيقة هذا الحزب، كما تكشّفت لنا حقيقته نتيجة الوعي الإسلاميّ الذي بعثه السيّد الشهيد فينا... فلقد كانت الواجهة في هذه الهجمة بعض مَنْ ينتسب إلى أهل العلم، ولكن كانت يد حزب البعث وراءها; إذ يطرح السيّد الاُستاذ في بعض رسائله أنّ المحامي (حسين الصافي) الذي كان معمّماً من قبل، ومن عائلة علميّة، وله صلات شخصيّة وطيدة ببعض أهل العلم، ومسؤول حزب البعث العربي في النجف الأشرف كان وراء هذه الحملة، وتحدّث إلى بعض الأشخاص لإثارتهم.

فقد كتب السيّد الشهيد في صفر من سنة (1380 هـ ) يقول:

«... لقد كان بعدك أنباء وهنبثة، وكلام وضجيج، وحملات متعدّدة جنّدت كلّها ضد صاحبك بغية تحطيمه... ابتدأت تلك الحملات في أوساط الجماعة التوجيهيّة المشرفة على الأضواء، أو بالأحرى لدى بعضهم، ومن يدور في فلكهم، فأخذوا يتكلّمون، وينتقدون، ثُمَّ تضاعفت الحملة وإذا بجماعة تنبري من أمثال حسين الصافي ـ  ولاأدري ما إذا كانت هناك علاقة سببيّة وارتباط بين الحملتين أو  لا  ـ تنبري هذه الجماعة... فتذكر عنّي وعن جماعة ممّن تعرفهم شيئاً كثيراً من التهم من الاُمور العجيبة...».

ومن الملاحظ أ نّه استعمل البعثيّون في هذه الحملة اُسلوبين رئيسيين:

الأوّل : اُسلوب الاتّهام بأنّ هذه المجلّة لاتعبّر عن رأي جماعة العلماء، وإنّما هي تعبّر عن رأي تنظيم سياسىّ دينيّ سرىّ، ويستغل

 
الصفحة 100

اسم جماعة العلماء. وقد كان الاتّهام بالتنظيم السياسيّ في تلك الفترة الزمنيّة يعتبر تهمة شنيعة بسبب التخلّف السياسيّ الدينيّ في أوساط المتديّنين، وبالأخصّ أهل العلم منهم.

الثاني : موضوع (رسالتنا) الذي يكتب باسم جماعة العلماء، وكان يكتبه السيّد الشهيد الصدر دون أن يعرضه على أحد منهم; فقد كتب السيّد الشهيد في نفس الفترة يقول:

«كما أنّ هناك زحمة من الإشكالات والاعتراضات لدى جملة من الناس، أو الآخونديّة في النجف على النشرة، وخاصّة (رسالتنا) باعتبار أ نّها كيف تنسب إلى جماعة العلماء مع أ نّها لم توضع من قبلهم، ولم يطّلعوا عليها سلفاً؟! وأنّ في ذلك هدراً لكرامة العلماء، هذا في الوقت الذي يقول الأخ... : إنّ الكلمة في بغداد متّفقة على أنّ (رسالتنا) كتابة تجديد وابتكار تمتاز بمستواها الخاصّ من بقيّة الأضواء».

وقد كتب في ( 6 / ربيع الأوّل / 1380 ) : «لا أستطيع أن أذكر تفصيلات الأسماء في مسألة جماعة العلماء وحملتها على الأضواء... ولكن أكتفي بالقول إنّ بعض الجماعة كان نشيطاً في زيارة أعضاء جماعة العلماء; لإثارتهم على الأضواء وعلى (رسالتنا)، حتّى لقد قيل: إنّ الشيخ الهمدانيّ الطيِّب القول قد شوّهت فكرته عن الموضوع... وهذا الذي حصل بالنسبة إلى الشيخ الهمدانيّ حصل بالنسبة إلى جملة من الطلبة مع الاختلاف في بعض الجهات...».

 

 
الصفحة 101

 

وقد كتب أيضاً: «فإنّني اُجيبك عن سؤالك فيما يخصّ من موقف الخال، فإنّ الشيخ الخال كان في الكاظميّة بعيداً عن الأحداث نسبيّاً، ولم يطّلع إلاّ على سطحها الظاهرىّ، وهو ماض في تأييده للأضواء ومساندته لها، وقد طلب... أن يكتب إلى بعض جماعة العلماء; لتطييب خاطرهم، وجلب رضاهم عن الأضواء... فكتب إلى... وأخبره بأنّ الأضواء لم تكن تصدر إلاّ بعد مراقبته وإشرافه، وأ نّها تُناط الآن... وأخبره بأنّ كاتب (رسالتنا) سوف ينقطع عن الكتابة...»(1).

وأيضاً كتب السيّد الشهيد: «فقد حدّثني شخص في الكاظميّة أ نّه اجتمع به في النجف الأشرف، فأخذ يذكر عنّي له سنخ التّهم التي كالها حسين الصافي من دون مناسبة مسوِّغة. وعلى كلّ حال عسى أن يكون له وجه صحّة في عمله إن شاء الله».

وقد كانت لهذه الإثارة دور كبير في تحريك جماعة العلماء بالخصوص ضدّ السيّد الشهيد والمجلّة، بخلاف الاُسلوب الأوّل; فإنّ دوره الأساسىّ كان في أوساط المتشدّدين من أهل العلم البعيدين عن التيّار الإسلاميّ وهمومه ومشاكل الاُمّة وانحرافاتها الفكريّة والسياسيّة; ولذا كان تأثيره في جماعة العلماء محدوداً... وقد أحسن السيّد الاُستاذ الشهيد الصدر في معالجة الموقف بهدوء; إذ تمكّن أن يثبت ـ حينذاك ـ أ نّه لاينتمي إلى تنظيم سياسيّ معيّن،


(1) وبالفعل انقطع الاُستاذ الشهيد عن كتابة رسالتنا; ولهذا ليس جميع الأعداد لرسالتنا صادراً عن الاُستاذ الشهيد.

 

الصفحة 102

وأ نّه مُنحِت اللجنةُ التوجيهيّةُ لجماعة العلماء الإشرافَ الفعليَّ على المجلّة، وعلى موضوع (رسالتنا)، وتمسّك بالصبر والسكوت; فقد كتب يقول: «وأمّا واقع الأضواء هنا، فهو واقع المجلّة المجاهدة في سبيل الله، وقد هدأت ـ والحمد لله ـ حملة جماعة العلماء عليها بعد أن تمّ إشعارهم بأ نّهم المشرفون عليها، غير أنّ حملة هائلة ـ  على ما أسمع  ـ يشنّها جملة من الطلبة، ومن يسمّى بأهل العلم، أو يحسب عليهم، وهي حملة مخيفة، وقد أدّت ـ على ما قيل ـ إلى تشويه سمعة الأضواء في نظر بعض أكابر الحوزة، حتّى كان جملة ممّن يسمّيهم المجتمع الآخونديّ مقدّسين أو وجهاء لايتورّعون عن إلصاق التّهم بالأضواء، وكلّ من يكتب فيها...».

ومن الجدير بالذكر: أ نّه كان الإخوان في اللجنة التوجيهيّة يتسامحون في تقديم ما يكتبونه إلى الجماعة للإشراف المباشر عليه خوفاً من ملاحظات تبديها الجماعة تمسّ الصيغ الجديدة التي كانوا يقدّمونها للأفكار الإسلاميّة التي كانت تمدّ التيّار الإسلاميّ الواعي بالوقود والعطاء.

ولكنّ التجربة التي مارسوها بعد الضجّة دلّت على أنّ جماعة العلماء كانت على درجة من الوعي تجعلها لاتعارض مثل هذه الأفكار، بل تمنحها التأييد والقبول; لأ نّه يشهد بعد ذلك في تاريخ (18  ربيع الأوّل) بأنّ: «اُسرة الأضواء التي لاغبار عليها بوجه من الوجوه مورد للاطمئنان الكامل، وهم

 
الصفحة 103

يعرضون مقالاتهم على الثلاثة(1)، ولم يصادفوا لحدّ الآن مشكلة مبدئيّة في هذا المقام، والحمد لله ربّ العالمين».

«حدسي أنّ الأضواء سوف تستمرّ إن شاء الله تعالى; لأ نّها تتمتّع الآن برصيد قوىّ من الداخل والخارج، فمن الخارج بلغت عدد الاشتراكات... ومن الداخل تتمتّع برضا جماعة العلماء».

وهكذا تمكّن السيّد الشهيد بحكمته وصموده وصبره أن يواصل طريقه مع إخوانه وتلامذته في الجهاد، وأن يقفوا جميعاً في وجه هذه الهجمة الشرسة التي استغلّت أخسّ المشاعر في الإنسان، واستعملت أخبث الأساليب. وتمكّن بسبب ذلك الخطّ الإسلاميّ الأصيل أن يستمرّ في تفاعله مع الاُمّة والتأثير فيها».

انتهى ما أردت نقله من مقاطع من مقال سماحة السيّد الحكيم حفظه الله.

3 ـ كلّية اُصول الدين :

وكانت كلّية اُصول الدين هي الاُخرى من المشاريع التي لم تكن تنسب في عرف المجتمع ـ وقتئذ ـ إلى اُستاذنا الشهيد ، ولكنّها كانت تحظى برعايته الأبويّة البارّة، وقد كتب الاُستاذ كتاب (المعالم الجديدة في علم الاُصول); لأجل هذه الكلّية كي يدرّس فيها.

وقد جاء في كتاب الجهاد السياسيّ ما نصّه: «كان السيّد الشهيد مشاركاً في مشروع تأسيسها وافتتاحها، ثُمَّ كان مساهماً بالقسط


(1) الظاهر أنّ المقصود هم: آية الله الشيخ مرتضى آل ياسين، وآية الله الشيخ حسين الهمدانىّ، وآية الله الشيخ خضر الدجيلىّ تغمّدهم الله برحمته.

 

الصفحة 104

الأوفر في منهجها، وطريقة عملها، وشؤونها المهمّة والثقافيّة بالخصوص. وفيما عدا ذلك فإنّ السيّد الشهيد قد كتب مادّة (علوم القرآن) للسنة الاُولى ونصف السنة الثانية، وظلّت هذه المادّة تدرّس مدّة الأربع سنوات الاُولى، وكتب مادّة الاقتصاد الإسلاميّ والذي كان يدرّس في الكلّية أيضاً، كما أنّ مساهمة السيّد الشهيد في مجلّة رسالة الإسلام التي تصدرها الكلّية كانت مساهمة فعّالة».




 
˜™

 

 
الصفحة 105

 

 

 

 

 

 

 

طـلاّبـه

 

 
الصفحة 106

 

 

 

 
الصفحة 107

 

 

 

ربّـى جيلين من العلماء النوابغ:

الجيل الأوّل: نخبة من الفضلاء الأذكياء التحقوا بدرسه في أوّل أوأوائل الدورة الاُولى لأبحاثه الاُصوليّة، وبعضهم كان متشرِّفاً بالتلمذة لديه من قبل ذلك، حيث كان يحضر درس اُستاذنا الشهيد في (كفاية الاُصول) للآخوند الخراسانيّ قبل شروعه في تدريس ما يسمّى ببحث الخارج، فتخرّجوا على يده على مستوى الاجتهاد، أو ما يقرب من الاجتهاد.

والجيل الثاني: نخبة ثانية من الفضلاء الأذكياء التحقوا بدرسه في أواخر الدورة الاُولى لأبحاثه الاُصوليّة، واستمرّوا معه في الدورة الثانية إلى أن تخرّجوا على يده على مستوى الاجتهاد، أو ما يقرب منه.

وهناك طلاّب آخرون استفادوا ـ أيضاً ـ من منهله العذب، بالخصوص في الدورة الثانية التي أصبح الحضور فيها عامّاً تقريباً.

وله صفوة من الطلاّب من الجيلين اللذين أشرنا إليهما، ومن غيرهما، وصل مستوى تبادل العواطف بينهم وبين اُستاذهم إلى ما قد يصعب تصوّره على غيرهم الذين لم يعيشوا تلك الحالة التي لاتوصف، فاُولئك الصفوة كانوا مخلصين لاُستاذهم،

 
الصفحة 108

ومحبّين إيّاه بأشدّ من حبّهم لآبائهم وأولادهم، وكانوا يفدونه بأنفسهم.

كان يتشرّف بعضهم بخدمة الاُستاذ في بيته الواقع في سوق العمارة قريباً من مدرسة السيّد البروجرديّ الصغرى، في البُرْهة التي كانوا يحسّون فيها بأنّ النهار مظلم أمامهم كالليل أو أشدّ ظلاماً على أثر طغيان البعث الكافر وعتوّه، وعلى رغم هذا حينما كانوا يجلسون بحضور الاُستاذ في بيته، ويصغون إلى دُرر الكلام التي ينثرها عليهم، كانوا ينسون كلّ شيء، غارقين في الالتذاذ بصحبته بما يفوق الوصف، كأ نّهم في دار الخلد.

أمّا الاُستاذ فكان يغمر اُولئك الصفوة بحنانه ورأفته، وعواطفه النبيلة، وحسّه المرهف العظيم، لم يعرف نظيره من الآباء والاُمّهات تجاه أولادهم.

وأكتفي هنا بتسجيل مثال واحد يجسّد لك مدى عواطفه الشفّافة الرقيقة تجاه تلاميذه البررة، ألا وهي الرسالة الصوتيّة التي أرسلها إلى مَنْ هاجر من طلاّبه إلى إيران ـ وقتئذ ـ فراراً من البعث الكافر، وإليكم نصّ الرسالة:

بسم الله الرحمن الرحيم

«السلام عليكم أيّها الأحبّة من أبيكم البعيد عنكم بجسمه، القريب منكم بقلبه، الذي يعيشكم في أعماق نفسه، وفي كلّ ذكرياته; لأ نّكم تعبير حىّ حاضر عن تأريخه وماضيه، وامتداد نابض بواقعه وحاضره، وأمل كبير لمستقبل هذه الاُمّة.

 

 
الصفحة 109

 

يا صفوة الأحبّة نبلاً ووفاءً وإخلاصاً وحبّاً، يا من افتقدتهم، أو افتقدت قربهم ـ على الأصحّ ـ وأنا أحوج ما أكون إليهم، وأشدّ ما أكون طلباً لعونهم. يا من بنيتهم ذرّة فذرّة، وواكبت نموّهم الطاهر قطرة فقطرة، وعشت معهم السرّاء والضرّاء، واليسر والبلاء، ولم  ينفصلوا عنّي في أيّ لحظة من لحظات الليل العبوس، أو النهار المشرق، يا من أجدهم رغم ابتعادهم، وأجدهم في كلّ ما حولي رغم خلوّ الديار منهم، وكيف لا أجدكم يا أولادي معي وكلّ شيء في نفسي أو خارج نفسي يذكّر بكم، ويشير إليكم، وينبّه إلى أيّامكم؟! وهل هناك أقوى دلالةً وأعمق إشارة في هذا المجال من الفراغ الذي خلّفتموه في هذه الرحاب، في هذه الديار؟! هذا الفراغ الذي يصرخ بأسمائكم باستمرار; لأ نّه فراغ رهيب عاطفيّاً ومنطقيّاً. إنّ بصمات أصابعكم على كلّ حياتي أينما التفتُ، أينما توجّهت وجدت لهذا أو ذاك منكم، فأين الطيّبون البررة؟ وأين اُولئك الذين كان هذا الإنسان الذي رعاهم يجد في قربه منهم معنىً من معاني حياته، وامتداداً من امتدادات أمله؟ أين الأوّلون الذين سبقوا إخوانهم بالهجرة قبل سنين؟ وأين الباقون واللاّحقون الذين تتابعوا خلال سنين جماعات ووحداناً؟ إنّ مثلَ أبيكم ـ كما كتبت إلى أحدكم(1) ـ مثلُ الشجرة تنمو أغصانها وتُورِق، وتمتدّ في الفضاء عالياً، ولكن تتمزّق من داخلها، جذورها وأعصابها الممتدّة في الأرض.

 


(1) كان هذا المضمون مكتوباً فى رسالة منه (رحمه الله) إلىّ.

 

الصفحة 110

 

إنّ لحظات سوف تبقى خالدات، وكلّ لحظاتكم خالدات في نفس أبيكم. إنّ لحظة وقوفك أيّها السعيد(1) في فوهة السلّم وأنت تودّعني وتبكي، إنّ تلك اللحظة ما نسيتها، ولن أنساها أبداً; لأ نّها اللحظة التي تصوّر البنوّة البارّة. إنّ تلك اللحظة التي ودّعتني فيها يا آقاي أخلاقيّ(2) وأنت تعيش لحظة من أحرج لحظاتك، ودّعتني وكنتُ أحسّ بأ نّك تنتزع انتزاعاً، وأ نّك تتمزّق تمزّقاً، إنّ تلك اللحظة لايمكن أن أنساها.

إنّ تلك اللحظة التي لم تستطع فيها يا أبا أحمد(3) أن تودّعني، أو أن اُلقي نظرةً أخيرةً عليك، إنّ تلك اللحظة تمزّقني أنا تمزّقاً وتمزيقاً. ولئن كنت أعيش مأساة فراقكم أيّها الأحبّة فأنا ـ  في الوقت نفسه ـ أشعر من خلال هذه المأساة بانتصاركم; لأ نّكم أثبتّم من خلالها كلّ ما يودّ الأب أن يراه في أبنائه من ثبات، ونبل، وشهامة، وإخلاص، ووفاء، وهذا أقصى ما يسعد الأب، وما يشعره بامتداده في أبنائه، فأنتم معي على الرغم من الزمان، وعلى الرغم من المكان، ولتكن هذه المعيّة في الله، ومن أجل الله، تعبيراً حيّاً عن لقائنا باستمرار إلى أن يجتمع الشمل، وتعود الأغصان إلى الشجرة الاُمّ.

 


(1) المقصود هو الشيخ سعيد النعمانىّ أحد مخلصيه الأعزّاء، وهو يعيش اليوم فى طهران.

 

(2) هو الشيخ عبّاس الأخلاقى أحد طلاّبه البررة، وهو اليوم يعيش فى قم المقدّسة.

 

(3) هو السيّد عبدالهادي الشاهروديّ أحد طلاّبه المخلصين، وهو يعيش في(علي آباد كتول)، ويقيم صلاة الجمعة هناك.

 

الصفحة 111

 

إنّ مقوّمات الصمود والثبات والاستمرار في الحياة هي الحبّ، والأمل، والثقة، ونحن جميعاً نملك هذه العناصر الثلاثة، نسأل الله ـ  سبحانه وتعالى  ـ أن يقرّ عيني بكم، ويرعاكم بعينه التي لاتنام، ويجعل منكم دائماً وأبداً المستوى الأمثل في سلوكه، وورعه، وإيمانه، ودرسه وعلمه; لكي تكونوا المَثَل والقدوة والامتداد والأمل الكبير في حياة المسلمين. والسلام عليكم من قلب لايملّ الحديث معكم، ورحمة الله وبركاته».

وكان الاُستاذ حينما سجّل هذه الرسالة في شريط تسجيل لإرسالها إلى طلاّبه كانت الدموع تجري من عينيه على ما قاله الشيخ محمّدرضا النعمانيّ: وهو أحد طلاّبه الأعزّاء، قال حفظه  الله: «لو تراه وهو يتحدّث ـ  وأنا الوحيد الذي رأيته يتحدّث ـ والدموع تجري من عينيه، وأراه يعصر بيديه، ولو لاوجودي معه في الغرفة، فلست أدري ماذا سيصنع، وماذا سيقول؟ فهو حياءً منّي تماسك، وصبر حتّى خرجت هذه الكلمة».

ولست أنا بصدد سرد أسماء طلاّبه الأعزاء، وقد وردت أسماء بعضهم في ثنايا كتابنا هذا، ولو كنت بصدد ذلك لصعب على ذاكرتي حصرهم، وهم كثيرون ومنتشرون في بلاد الله العريضة، ولكنّي أذكر هنا اسمين ممّن تتلمذوا على يده في درس الكفاية، واستمرّوا معه فيما اصطلح عليه في الحوزات العلميّة ببحث الخارج، وأذكر اسماً واحداً من الجيل الثاني الذين التحقوا ببحثه الشريف في أواخر الدورة الاُولى:

 

 
الصفحة 112

 

 

1 ـ السيّد محمّد باقر الحكيم :

ابن المرحوم آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم تتلمذ على يد الاُستاذ الشهيد في درس الكفاية، واستمرّ معه في بحث الخارج، وحضر قسماً كبيراً من البحث فقهاً واُصولاً، واعتقل من قبل البعث الكافر المسيطر على العراق الجريح مرّتين، وحكم عليه في المرّة الثانية بالسجن المؤبّد، وبعد مضىّ سنة ونصف تقريباً على سجنه شمله ما يسمّى بالعفو العامّ من قبل الدولة، وبعد فترة من الزمن خرج من العراق إلى سورية، واليوم يعيش في إيران الإسلام، ويمارس دوره السياسي رئيساً للمجلس الأعلى للثورة الإسلاميّة في العراق.

 

2 ـ السيّد نورالدين الإشكوريّ :

ابن المرحوم حجّة الإسلام السيّد علي الإشكوريّ ، تتلمذ على يد الاُستاذ الشهيد في الكفاية، واستمرّ معه في بحث الخارج فقهاً واُصولاً إلى أن ذهب كعالم دين إلى (ذي الكفل)، ثُمَّ انتقل كعالم ـ أيضاً ـ إلى الكاظميّة، كان يمارس نشاطه الدينيّ مع الناس، ويدرّس في نفس الوقت ثلّة من علماء الكاظميّة وبغداد، ثُمَّ انتقل مرّة اُخرى إلى (ذي الكفل)، وبعده انتقل إلى الحلّة، واستمرّ في نشاطه الدينيّ مع الناس في الحلّة، والإشراف على وضع عدد من علماء الحلّة إلى أن سفّرته الحكومة الجائرة في العراق إلى إيران، وعندئذ مارس فترة من الزمن نشاطه العلميّ في قم المقدّسة، ثُمَّ انتقل كعالم دين إلى قزوين، ثُمَّ نفته حكومة الشاه المقبور من مقرّ

 
الصفحة 113

عمله إلى بلد من البلاد الواقعة في الجانب الشمالي لخراسان يسمّى (درّ گز) قريباً من الحدود الروسيّة، ثُمَّ اُفرج عنه في أواخر أيّام الشاه التي اُفرج فيها عن باقي العلماء المبعّدين أيضاً; نتيجة الضعف الذي اُصيبت به الحكومة في مقابل الثورة الإسلاميّة. وهو اليوم يعيش في كرج، ويمارس عمله كعالم دين في تلك المنطقة.

 

3 ـ السيّد محمود الهاشميّ :

ابن المرحوم الحجّة السيّد علي الحسينيّ صاحب كتاب الدراسات ، التحق ببحث الاُستاذ في أواخر الدورة الاُولى، واستمرّ معه في الدورة الثانية إلى قسم ممّا يسمّى بالمباحث العقليّة إلى أن هاجر إلى إيران، وحضر في تلك المدّة أبحاثه الفقهيّة أيضاً. اعتقل من قبل حزب البعث في العراق، وعذّب تعذيباً لايطاق بتهمة انتمائه إلى حزب الدعوة الإسلاميّة، ثُمَّ اُفرج عنه بعنوان البراءة من التهمة، وحظي أخيراً بإجازة الاجتهاد من قبل اُستاذنا الشهيد في (27 / ربيع الآخر / 1399 هـ ).

وهو اليوم يمارس نشاطه العلميّ في قم المقدّسة، ويمارس نشاطه السياسيّ ناطقاً رسميّاً للمجلس الأعلى للثورة الإسلاميّة في العراق.



 
˜™

 

 
السابق | التالي | فهرس الكتاب