الصفحة 5

 

 

 

 

كلمة المكتب

 

عندما نقف على أعتاب شخصيّة فذّة كالشهيد السعيد سماحة آية الله العظمى الإمام السيّد محمّدباقر الصدر تزدحم المشاعر وتتسابق الكلمات بكلّ ما فيها من زخم للتعبير عن معاني العظمة فيه ووصف ما قدّم من عطاء ثرّ.

إنّنا نجد أنفسنا أمام ظاهرة بعيدة المدى في آفاق فكريّة وحضاريّة، ولسنا أمام فرد ولد في يوم معيّن وارتحل في يوم آخر، بل نواجه منظومة مشاريع كبيرة تجاوزت الحدود الزمانيّة والمكانيّة، وارتبطت طرّاً بغاية مقدّسة وهي خدمة الرسالة الحنيفة، فلم تأت إنجازاته الفكريّة والعلميّة كنتيجة طبيعيّة لما حباه الله من نبوغ وتفوّق عقليّ وروحيّ فحسب، بل كانت فعلاً مقصوداً له أملاه الواقع الرساليّ واقتضاءاته حتّى أ نّه اختار لنفسه العاقبة التي أراد، وودّع الدنيا كما شاء، فلم يتحرّك بصدفة ولم يسكن بصدفة.

والواقع أنّ كلّ الإنجازات العلميّة والفكريّة للشهيد الصدر هي معلولة للعمق المعرفيّ التخصّصيّ الذي توفّر عليه، فهو الحقل الأوّل

 
الصفحة 6

الذي نمت وسطه بنيتُه العلميّة، واستحكمت فيه خلفيّته الاجتهاديّة، َففَقِهَ علومَ الشريعة وأباحتْه سرَّها، ففلق بفكره الثاقب بحر الاستنباط، وانبجست له عين المعرفة، فنهل منها علاًّ، وطفق يُفيض من عذبها على روّاد العلم وطلاّبه، فكان صدر الشريعة ومليكها.

إنّه رجل المشاريع الكبرى راح ينظّمها عقداً فعقداً حتّى إذا قرّت عينه بما أنجز، شرع برسم مشروعه الأخير، وهو المشروع الجهاديّ والاستشهاديّ، إنّه خطّط لرحيله وصاغ منه منهجاً للثائرين، فأقدم على الشهادة في زمن قلّ فيه الناصر، وتحدّى جلاّد العراق وعصابته المتوحّشة غير آبه بطغيانهم وغطرستهم فدخل الخلود من أوسع أبوابه، فكان رائداً للفكر، ومؤسّساً ومنظّراً، وقائداً جديراً محنّكاً، وبطلاً جسوراً، وشهيداً وشاهداً.

فليس بدعاً أن يتلهّف أبناء الاُمّة إلى معرفة هذه الشخصّية، كيف عاشت للرسالة وكيف أعطت للاُمّة.

ولقد كُتبت دراسات عديدة في ترجمته بيد أنّ الذي ميّز هذه الدراسة عن غيرها كونها بقلم أحد أكبر تلامذة السيّد الشهيد علماً وأقربهم منزلة لديه، ألا وهو سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحسينيّ الحائري دام ظلّه الوارف ممّا يضفي على هذه الترجمة قيمة مهمّة من حيث الدقّة والاستيعاب، والأمانة والموضوعيّة، فسجّل ما رأى وبيّن ما وعى، وباعتبار مواكبته للأحداث التي حفلت بها المرحلة التي عاشها السيّد الشهيد وما اكتنفتها من ملابسات، هي بحقّ أوثق مصدر في ترجمة السيّد الشهيد الصدر .

 

 
الصفحة 7

 

 

هذا، وقد جاءت هذه الترجمة في ضمن الكتاب الاُصوليّ القيّم الموسوم بـ « مباحث الاُصول »، ولمّا كان هذا الكتاب قد وضع لاُولي العلم والاختصاص ولم يطبع داخل العراق إبّان حكومة البعث البغيض لم يتسنّ لكثير من القرّاء والمثقّفين من أبناء الاُمّة الإسلاميّة الاطّلاع عليها، فحرموا من معرفة هذه الشخصيّة الفذّة وسيرتها العطرة، ولذا تلقّينا طلبات متكرّرة تقترح علينا طباعة ترجمة حياة الشهيد السعيد الإمام السيّد محمّدباقر الصدر مستقلّة عن الكتاب الاُصوليّ المذكور آنفاً، ومن أجل ذلك ارتأى مكتب سماحة آية الله العظمى السيّد الحائريّ أن يعيد طباعتها تحت عنوان: ( الشهيد الصدر سموّ الذات وسموّ الموقف ) عسى أن تكون مصدر إشعاع ومنبع إلهام للسائرين في طريق الله.

ولا يفوتنا أن نقدّم وابل شكرنا إلى كلّ من ساهم في إعداد وتنظيم وتحقيق هذا الإصدار، سيّما الاُستاذ ماجد حمد الطائي حفظه الله.

 

 
الصفحة 8

 

 

 

 
الصفحة 9

 

 

 

 

 

 

الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللّهُ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ الطيِّبِينَ الطاهِرِين.

﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون    صدق الله العليّ العظيم.

أرى لزاماً لي في مقدّمة هذا الكتاب الذي هو تقرير لبحث الاُصول لاُستاذنا الشهيد آية الله العظمى السيّد محمّدباقر الصدر أن أكتب ترجمة متواضعة عن حياة هذا الشهيد العظيم الذي أنار درب العلم للعلماء، ودرب الشهادة للشهداء، وشقّ السبيل أمام العاملين للإسلام. فبأبي هو وأمّي ونفسي من قائد فذّ لايجارى، ومرجع كبير لايضاهى، وسلام عليه يوم ولد ويوم استُشهد ويوم يبعث حيّاً.

أفتتح ترجمتي لحياة اُستاذي الشهيد بحديث مختصر عن اُسرته الكريمة استللت عمدة ما فيه من رسالة بعثها إليّ المرحوم العلاّمة المجاهد السيّد عبدالغنيّ الأردبيليّ ، وكانت هذه الرسالة مشتملة على ترجمة حياة الاُستاذ واُسرته كتبها في النجف الأشرف

 
الصفحة 10

بقرب المترجم له. وهو تلميذ من تلامذة هذا الاُستاذ قد تُوفيَّ قبل استشهاد اُستاذنا، وذلك بتأريخ ( 28 / رجب / 1397 هـ )، وقد رثاه اُستاذنا في ضمن ما رثاه بقوله:

« ... إذا كان القدر الذي لارادّ له قد أطفأ في لحظة أملي في أن أمتدّ بعد وفاتي، وأعيش في قلوب بارّة كقلبه، وفي حياة نابضة بالخير كحياته، فإنّي أتوسّل إليك يا ربّي بعد حمدك في كلّ يسر وعسر أن تتلقّاه بعظيم لطفك، وتحشره مع الصدّيقين من عبادك الصالحين وحسن اُولئك رفيقاً، وأن لاتحرمه قربي، ولاتحرمني رؤيته بعد وفاته ووفاتي بعد أن حُرِمتُ ذلك في حياته، وأرجو أن لايكون انتظاري طويلاً للاجتماع به في مستقرّ رحمتك»(1).

سبحانك ياربّ ما أسرعك في استجابة هذا الدعاء النابع من قلب مفجوع بوفاة تلميذه العزيز عليه، فألحقته به في مستقرّ رحمتك، وفجع بذلك المسلمون جميعاً بالخصوص العارفون بالله العاملون في سبيل الله، وهم لايملكون شيئاً إزاء هذه الفاجعة المؤلمة عدا أن يقولوا: «اللّهمّ تقبّل منّا هذا القربان».

 


(1) دروس في علم الاُصول، الحلقة الاُولى: .

 

الصفحة 11

 

 

 

 

الاُسرة الكريمة العريقة

?1 ـ السيّد صدرالدين  .
?2 ـ السيّد إسماعيل الصدر  .
?3 ـ السيّد حيدر الصدر  .
?والدة الشهيد الصدر رحمة الله عليها .

 

 
الصفحة 12

 

 

 

 
الصفحة 13

 

 

اُسرة الشهيد الصدر معروفة بالفضل، والتقى، والعلم، والعمل، ومكارم الأخلاق. وقد كانت مشعلاً للهداية والنور، ومركزاً للزعامة والمرجعيّة الدينيّة، ومداراً للإفادة والإفاضة في مختلف الأجيال. وقد انحدرت من شجرة الرسالة والسلالة العلويّة من أهل بيت أراد الله ليذهب عنهم الرجس ويطهّرهم تطهيراً. وهذه الاُسرة العريقة قد اتّخذت ألقاباً مختلفة باختلاف العصور طيلة ما يزيد على قرنين، فكانت تلقّب:

تارةً بآل أبي سبحة.

واُخرى بآل حسين القطعيّ.

وثالثةً بآل عبد الله.

ورابعةً بآل أبي الحسن.

وخامسةً بآل شرف الدين.

وأخيراً بآل الصدر.

وها نحن نشير إلى عدد من الفحول العظام من سلالة هذه الشجرة الطيّبة التي أنجبت أخيراً قائداً فذّاً، ومرجعاً عبقريّاً لم ترَ عين الزمان مثله، ألا وهو شهيدنا الغالي السيّد محمّدباقر الصدر :

 

 
الصفحة 14

 

 

1 ـ السيّد صدرالدين

السيّد صدرالدين محمّد بن السيّد صالح بن السيّد محمّد بن السيّد إبراهيم شرف الدين بن زين العابدين بن السيّد نورالدين الموسوىّ العامليّ.

هو فخر من مفاخر الشيعة، وعالم فذّ من كبار علماء المسلمين، ومن نوابغ العلم والأدب قلّ من يضاهيه في الفضيلة والتقوى.

ولد في قرية (معركة) من قرى جبل عامل، ونشأ ونما علميّاً في النجف الأشرف، ثُمَّ هاجر إلى الكاظميّة، ومنها إلى إصفهان، ثُمَّ عاد إلى النجف الأشرف، وتُوفِّي ودفن في النجف  الأشرف.

والده : السيّد صالح من أكابر العلماء، كان مرجعاً للتقليد، وزعيم الطائفة الإماميّة في بلاد الشام، هاجر من جبل عامل إلى النجف الأشرف فراراً من الحاكم الظالم في جبل عامل وقتئذ (أحمد الجزّار)، وتُوفّي في سنة ( 1217 هـ ).

والدته رحمها الله : بنت الشيخ علي بن الشيخ محيي الدين من أسباط الشهيد الثاني.

ولد السيّد صدرالدين في (21 من ذي القعدة من سنة 1193 هـ ) في جبل عامل، وهاجر في سنة (1197 هـ ) مع والده إلى العراق، وسكن النجف الأشرف، واهتمّ بتحصيل العلوم الإسلاميّة والمعارف الإلهيّة في صغر سنّه، حتّى إنّه كتب تعليقة على كتاب قطر الندى وهو ابن سبع سنين، وقد قال هو: إنّي حضرت بحث الاُستاذ الوحيد

 
الصفحة 15

البهبهانيّ في سنة ( 1205  هـ )، وكنت أبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة، وكان الاُستاذ معتقداً بحجّيّة مطلق الظنّ ومصرّاً على ذلك، وحضرت في نفس السنة بحث العلاّمة الطباطبائيّ السيّد بحر العلوم .

وقد قالوا: إنّ السيّد بحر العلوم كان ينظم آنئذ ما أسماه بــ (الدرّة)، وكان يعرضها على السيّد صدرالدين لما لاحظه فيه من كماله في فنّ الشعر والأدب.

وقد ذكر السيّد حسن الصدر في تكملة أمل الآمل: أنّ الشيخ الشاعر جابر الكاظميّ ـ مخمّس القصيدة الهائيّة الأزريّة ـ قال: إنّ السيّد الرضيّأشعر شعراء قريش، والسيّد صدرالدين أشعر من السيّد الرضىّ.

بلغ السيّد صدرالدين مرتبة الاجتهاد قبل بلوغه سنّ التكليف، وقد أجاز له الاجتهاد صاحب الرياض في سنة ( 1210  هـ )، وصرّح بأ نّه كان مجتهداً قبل أربع سنين. وهذا يعني أ نّه قد بلغ الاجتهاد في السنة الثالثة عشرة من عمره الشريف، وهذا ما لم يسمع نظيره إلاّ بشأن العلاّمة الحلّيّ والفاضل الهنديّ ، على أ نّه كان يفوقهما في فنّ الشعر والأدب.

وقد ذكر السيّد حسن الصدر ـ أيضاً ـ في تكملة أمل الآمل: أنّ الشيخ محمّدحسن صاحب الجواهر والشيخ حسن بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء ـ وهما من أكابر أساتذة النجف الأشرف ـ كانا يَدِينان بالفضل للسيّد صدرالدين عند رجوعه من إصفهان إلى النجف  الأشرف، وكانا يجلسان لديه جلسة التلميذ لدى اُستاذه.

 

 
الصفحة 16

 

دخل يوماً السيّد صدرالدين على المحقّق صاحب الجواهر ، فأقبل صاحب الجواهر إليه آخذاً بعضده، وأجلسه محلّه، وجلس قبالته، وتذاكرا في العلم والفقه، وانجرّ الكلام إلى اختلاف الفقهاء في مسألة ما، فبيّن السيّد ببيان فائق اختلاف الآراء الفقهيّة في تلك المسألة مع اختلاف طبقاتهم من العصر الأوّل إلى زمانه، وفرّع الخلاف في ذلك على اختلافهم في المباني والمسالك، وشرح تلك المباني والفروق التي بينها، فتعجّب الشيخ صاحب الجواهر من تبحّر السيّد، وقال بعد ذهاب السيّد: «ياسبحان الله! السيّد جالسَ جميع العلماء، وبحث معهم، ووقف على أذواقهم ومسالكهم. هذا والله العجب العجاب، ونحن نعدّ أنفسنا من الفقهاء. هذا الفقيه المتبحّر».

وقد رُوِي في تكملة أمل الآمل عن الشيخ الجليل عبدالعليّ النجفيّ الإصفهانيّ : أنّه دخل السيّد صدرالدين في ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك حرم الإمام أمير المؤمنين ، وبعد أن أنهى زيارته للإمام جلس خلف الضريح المقدّس; لكي يقرأ دعاء أبي حمزة، وحينما قرأ الجملة الاُولى: «إلهي لاتؤدّبني بعقوبتك» أخذه البكاء، وكرّر الجملة مراراً وهو يبكي إلى أن غشي عليه، فحملوه من الحرم الشريف إلى بيته.

وكانت للسيّد كلمات ومقاطع خاصّة لدى مناجاته لله تعالى، منها قوله:

رضاك رضاك لا جنّات عدن    و هل عدن تطيب بلا رضاكا

تزوّج السيّد صدرالدين بنت الشيخ الأكبر صاحب كشف

 
الصفحة 17

الغطاء، وولدا ابناً اسمه السيّد محمّد علي المعروف بــ ( آقا مجتهد )، وكان من أعلام عصره ونوادره.

وقد اُبتلي السيّد في أواخر حياته في إصفهان باسترخاء في بدنه شبه الفالج. ورأى ذات يوم في عالم الرؤيا الإمام أمير المؤمنين قائلاً له: « أنت ضيفنا في النجف الأشرف »، وعرف بهذه الرؤيا أنّ وفاته قد اقتربت، فهاجر إلى النجف الأشرف، وتُوفّي في ليلة الجمعة أوّل شهر صفر من سنة ( 1264  هـ )، ودفن في حجرة في الزاوية الغربيّة من الصحن الشريف قريباً من الباب السلطانيّ .

مؤلّفات السيّد صدرالدين :

1 ـ اُسرة العترة: كتاب فقهيّ استدلاليّ.

2 ـ القسطاس المستقيم في اُصول الفقه.

3 ـ المستطرفات في فروع لم يتعرّض لها الفقهاء.

4 ـ شرح منظومة الرضاع: وهي ما نظم بها هو كتاب الرضاع باُسلوب رائع، ثُمَّ شرحها، كما شرحها ـ أيضاً ـ آية الله الميرزا محمّدتقي الشيرازيّ .

5 ـ التعليقة على رجال أبي علي.

6 ـ قرّة العين: كتاب في علم العربيّة كتبه لبعض أولاده، وقد ذكر تلميذه في أوّل معدن الفوائد: أنّ كتاب قرّة العين على صغره يفوق المغني لابن هشام على طوله.

 

 
الصفحة 18

 

7 ـ شرح مقبولة عمر بن حنظلة.

8 ـ رسالة في حجّيّة الظنّ.

9 ـ رسالة في مسائل ذي الرئاستين.

10 ـ قوت لايموت: رسالة عمليّة باللغة الفارسيّة.

مشايخه :

روى السيّد صدرالدين عن أكثر من أربعين عالماً نشير إلى بعضهم:

1 ـ روى عن والده واُستاذه السيّد صالح، عن جدّه السيّد محمّد، عن اُستاذه الشيخ محمّد بن الحسن الحُر العامليّ بجميع طرقه المذكورة في آخر الوسائل.

وروى ـ أيضاً ـ عن والده، عن الشيخ يوسف البحرانيّ صاحب الحدائق، عن المولى محمّد رفيع، عن العلاّمة المجلسيّ .

2 ـ روى عن العلاّمة الطباطبائيّ بحر العلوم المتوفّى سنة ( 1212  هـ )، وكان يعبّر عنه بالاُستاذ الشريف.

3 ـ روى عن العلاّمة المير علي صاحب الرياض المتوفّى سنة ( 1231  هـ )، وكان السيّد معجباً بصاحب الرياض، وكان يعتقد أ نّه يفوق المحقّق القمّيّ صاحب القوانين في الفقه وقوّة النظر.

4 ـ روى عن المحقّق السيّد محسن الأعرجيّ صاحب المحصول ، وكان السيّد معجباً بزهده وتحقيقاته، تُوفّي في سنة ( 1228 هـ ).

 

 
الصفحة 19

 

5 ـ روى عن شيخ الطائفة الشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفّى سنة ( 1228 هـ ).

6 ـ روى عن السيّد الجليل المتبحّر الميرزامهدي الشهرستانيّ الموسويّ الحائريّ المتوفّى سنة ( 1218 هـ ).

7 ـ روى عن الشيخ الجليل الفقيه الشيخ سليمان معتوق العامليّ المتوفّى سنة  ( 1228  هـ ).

طـلاّبـه :

قد ربّى السيّد صدرالدين علماء تخرّجوا على يده منهم:

1 ـ السيّد ميرزا محمّد هاشم ، صاحب كتاب اُصول آل الرسول.

2 ـ السيّد محمّدباقر الموسويّ ، صاحب كتاب روضات الجنّات.

3 ـ شيخ الفقهاء والمجتهدين الشيخ مرتضى الأنصاريّ ، صاحب كتاب المكاسب والرسائل.

4 ـ حجّة الإسلام السيّد محمّدحسن المجدّد الشيرازيّ .

5 ـ الشيخ شريف العلماء .

2 ـ السيّد إسماعيل الصدر

رئيس الاُمّة، وزعيم الملّة، مربّي الفقهاء، وصدر العلماء، اُستاذ المجتهدين والمحقّقين، نائب  الإمام، سيّد الأنام، حامي الشريعة،

 
الصفحة 20

وفخر الشيعة، حسنة دهره، وجوهرة عصره، الإمام الزاهد، الورع التقىّ، آية الله العظمى، والحجّة الكبرى السيّد إسماعيل الصدر الإصفهانيّ .

سيّد جليل، وعالم كامل، وخبير ماهر، فقيه اُصولىّ، محقّق عبقرىّ، واحد زمانه في الزهد، ونادرة دهره في التقوى، كان أحد مراجع الشيعة في التقليد، ولد في إصفهان في سنة  ( 1258  هـ ).

والده السيّد صدرالدين العامليّ الإصفهانيّ الذي مضت ترجمته.

حينما تُوفّي والده في سنة (1264 هـ ) تربّى في كنف أخيه السيّد محمّدعلي المعروف بــ (آقا  مجتهد)، وكان متمتّعاً بالذكاء الخارق حتّى عدّ في أوائل بلوغه سنّ التكليف من الفضلاء والعلماء.

هاجر في سنة (1280 هـ ) من إصفهان إلى النجف الأشرف; لغرض التتلمذ على يد الشيخ الأنصاريّ ، ولكن حينما وصل إلى كربلاء تُوفّي الشيخ ، فلم ينثن السيّد عن عزمه على الهجرة إلى النجف الأشرف، فسافر إلى النجف، فتتلمذ على يد الفقهاء والعلماء آنئذ، واشتغل بالتدريس وتربية الطلاّب أيضاً.

اكتسب السيّد في فترة بقائه في النجف الأشرف إضافة إلى الفقه والاُصول والحديث معلومات اُخرى عقليّة: كعلم الكلام والفلسفة، والرياضيات كالهندسة والهيئة والنجوم على النسق القديم، مع الاطّلاع على آراء جديدة، ولم نعرف أ نّه من أين أخذ هذه العلوم، وعلى من تتلمذ فيها، ولم يكن يُعرَف أ نّه مطّلع على هذه

 
الصفحة 21

العلوم إلاّ حينما كان يتعرّض لها بالمناسبة في ضمن أبحاثه الاُصوليّة والفقهيّة.

وأخيراً أصبح من خواصّ تلاميذ وأصحاب المجدّد الشيرازيّ .

ثُمَّ هاجر اُستاذه المجدّد الشيرازىّ إلى سامرّاء، وبقي السيّد الصدر يمارس نشاطه العلميّ في النجف الأشرف.

ثُمَّ سافر في النصف من شعبان من سنة (1309 هـ ) إلى كربلاء لزيارة الحسين ، ووصلته رسالة في كربلاء من اُستاذه الشيرازيّ يطالبه فيها بالسفر إلى سامرّاء بلا توان أو تأخّر، فاستجاب لدعوة اُستاذه، وذهب إلى سامرّاء، وكان عازماً على الرجوع إلى دار هجرته النجف الأشرف، لكنّه حينما وصل إلى سامرّاء ألزمه اُستاذه على الإقامة فيها، وكان السبب في ذلك أنّ السيّد المجدّد الشيرازيّ كان قد ترك التدريس من سنة (1300  هـ ) تقريباً; لكثرة الاشغال والمراجعين وضعف المزاج، فأحلّ السيّد الصدر في سنة (1309  هـ ) محلّه في التدريس، فأصبح محوراً للتدريس في حوزة سامرّاء، وكانت محاور التدريس آنئذ في حوزة سامرّاء ثلاثة:

1 ـ السيّد إسماعيل الصدر الإصفهانيّ .

2 ـ الميرزا محمّد تقي الشيرازيّ .

3 ـ السيّد محمّد الفشاركيّ .

وكان اجتماع أهل الفضل والعلم في درس السيّد الصدر أكثر من غيره.

 

 
الصفحة 22

 

وهكذا استمرّت سامرّاء محوراً لإشعاع العلم، وكعبة لآمال العلماء، ومحطّ أنظار الفضلاء في التعليم والتعلّم وتربية الأخلاق وتهذيب النفس إلى أن فُجِعَ العالم الإسلاميُّ والمسلمون بوفاة السيّد المجدّد الشيرازيّ .

وانتقلت المرجعيّة والزعامة الشيعيّة من بعد المجدّد الشيرازيّ إلى السيّد الصدر، وسلّم أولاد المجدّد الشيرازيّ ما بقي من أموال وحقوق شرعيّة بحوزة السيّد الشيرازيّ إلى السيّد  الصدر.

وكان السيّد الصدر زاهداً في الزعامة والمرجعيّة; ولهذا عزم بعد وفاة اُستاذه المجدّد الشيرازيّ بسنتين على ترك بلد مرجعيّته وقتئذ، وهو سامرّاء، فترك سامرّاء مهاجراً إلى النجف الأشرف، وطلب من العلماء والأكابر أن لايتركوا سامرّاء، وحينما وصل في سفره إلى كربلاء استخار الله تعالى في الإقامة بالنجف الأشرف، فكانت الاستخارة تدلّ على النهي، فاتّخذ من كربلاء مقرّاً له، وقد هاجر من سامرّاء عدد من العلماء والفطاحل على رغم طلبه منهم عدم المهاجرة، والتحق بهم بعد ذلك آخرون، وأصبحت كربلاء كعبة آمال العلماء والفضلاء إلى أن تمرّض السيّد الصدر في سنة (1334  هـ )، فسافر إلى الكاظميّة للعلاج، وتحسّن حاله في أوّل الأمر، ولكن تدهورت صحّته بعد ذلك على أثر كبر السنّ وضعف المزاج وحوادث الدهر، وتوفّى بتأريخ (12 / جمادى الاُولى / 1338  هـ )، ودفن بجوار جدّه موسى بن جعفر في مقبرة عائليّة لآل الصدر. ورثاه الشعراء والأدباء والفضلاء بقصائد وأبيات كثيرة، وقال

 
الصفحة 23

المرحوم آية الله الشيخ مرتضى آل  ياسين :

لئِن يكُ أخفى اللّهُ شخصَك في الثرى *** فهيـهاتَ  ما  أخفى   فضائلَكَ   القبرُ
لـقد  كنـتَ  سـرَّ  اللَّـهِ  بـيـن   عبـادِه *** ومـن  سنن  العادات  أن  يُكتَمَ  السرُّ
فطـوبى   لقـبـر   أنـت  فـيه  مغـيـّبٌ *** فقد غاب في [أحشاء] (1) تربتِه البدرُ

سيرته وأخلاقه :

كان آية في العفّة وعلوّ الهمّة، والاعتماد على النفس، والتوكّل على الله، وحسن الأخلاق، والزهد في الزعامة والرئاسة، كان مروّجاً للدين، مربّياً للعلماء، مساعداً للمشتغلين بالعلم، عوناً للفقراء والمساكين يوصل الأموال إلى مستحقيها بلا منٍّ أو شرط، وأحياناً لم يكن يُعرَف أنّ المال من قبله.

كان يتتلمذ على يد السيّد المجدّد الشيرازيّ الذي هو تلميذ لأبيه السيّد صدرالدين ولأخيه السيّد محمّد علي المعروف بــ (آقا مجتهد)، ولكن لم يكن يعرّف نفسه لدى السيّد المجدّد، فهو لم يكن يعلم أ نّه ابن اُستاذه; ذلك لأ نّه حينما هاجر من إصفهان إلى النجف الأشرف عزم على أن لايعرّف نفسه إلى أحد حتّى إلى أولاد عمّه واُسرته في بغداد والكاظميّة; كي يبقى مجهولاً، ويكون أكثر قدرة على التكامل.

إلى أن صادف أ نّه تشرّف بالذهاب إلى الحج، ثُمَّ رجع إلى


(1) هذه الكلمة غير موجودة فى النسخة التى أرسلها إلىّ المرحوم السيّد عبدالغنىّ الأردبيلىّ (رحمه الله)، ولعلّها ساقطة من القلم; إذ من دونها لايستقيم البيت.

 

الصفحة 24

النجف الأشرف، فأخبر السيّدَ الشيرازيّ بعضُ تلامذته ممّن كان يعرف السيّد الصدر بأ نّه قد قدم من الحجّ السيّد إسماعيل بن السيّد صدرالدين الإصفهانيّ، فعزم السيّد الشيرازيّ على زيارة ابن اُستاذه وهو لايعلم أ نّه تلميذه المحبوب لديه، فحينما زاره في بيته فوجئ بأنّ هذا هو ذاك التلميذ الذي كان مورداً لإعجاب الاُستاذ، فوقف متعجّباً قائلاً: أنت السيّد إسماعيل الصدر ابن السيّد صدرالدين الإصفهانيّ؟! قال : نعم، فيزداد الاُستاذ إعجاباً بهذا التلميذ وبمكارم أخلاقه.

وقد روي أنّ السيّد إسماعيل الصدر كان عازماً على أن لايقترض من أحد مالاً مدى العمر، وكان وفيّاً بعهده على رغم معاناته في أيّام دراسته في النجف الأشرف من الفقر والفاقة إلى أن صادف ذات يوم أن أصبحت والدته البالغة حدّ الشيخوخة في حالة لاتطاق، فخاف السيّد على سلامتها، وذهب إلى الصحن الشريف وهو حائر بين أمرين: بين التكليف الشرعيّ الذي يطالبه بالمحافظة على اُمّه والذي قد يكون متوقّفاً على الاقتراض، وبين عهده الذي عاهد نفسه عليه من عدم الاقتراض مدى العمر، فجلس جلسة المتحيّر المتفكّر في أمره أمام حجرة من حجرات الشمال الغربيّ، وإذا برجل غير معروف لديه يتمثّل قبال السيّد، ويسأله: هل أنت سيّد موسوىّ النسب؟ قال: نعم، فأعطاه خمسة توامين، وقال: هذا نذر للسيّد الموسويّ النسب، فأخذها السيّد، وبقي وفيّاً بعهده مدى العمر.

وكان السيّد الصدر يحدّث أولاده أحياناً بأمثال هذه القصص

 
الصفحة 25

والحكايات بهدف تهذيب نفوسهم وتربيتهم على مكارم الأخلاق.

أساتذته :

1 ـ أخوه السيّد محمّد علي المعروف بــ (آقا مجتهد) كان من نوادر دهره، درس على يده السطح العالي وبعض الكتب العربيّة والرياضيّة.

2 ـ حجّة الإسلام الشيخ محمّدباقر الإصفهانيّ ، درس على يده بحث الخارج مدّة عشر سنين.

3 ـ الفقيه المتبحّر الشيخ راضي النجفيّ .

4 ـ الشيخ الفقيه اُستاذ العلماء والمحقّقين الشيخ مهدي بن الشيخ عليّ بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء .

5 ـ الاُستاذ الأكبر المجدّد الشيرازيّ .

طـلاّبـه :

قد ربّى السيّد إسماعيل الصدر تلاميذ وعلماء كثيرين تخرّجوا على يده في النجف وسامرّاء وكربلاء والكاظميّة، نكتفي بالإشارة إلى أكابر طلاّبه:

1 ـ حجّة الإسلام الحاجّ السيّد أبوالقاسم الدهكوريّ الإصفهانيّ ، تتلمذ على يد السيّد الصدر في سامرّاء، ثُمَّ هاجر إلى إصفهان، وأصبح مرجعاً للعوامّ والخواصّ في تلك الديار.

2 ـ حجّة الإسلام الحاجّ السيّد حسين الفشاركيّ الإصفهانيّ

 
الصفحة 26

الحائريّ ، تتلمذ على يد السيّد الصدر في كربلاء.

3 ـ حجّة الإسلام والمسلمين آية الله في العالمين الشيخ عبدالحسين آل  ياسين الكاظميّ ، تتلمذ على يد السيّد الصدر في سامرّاء وكربلاء والكاظميّة، وبعد وفاة اُستاذه أصبح أحد المراجع الكبار في الكاظميّة.

4 ـ حجّة الإسلام والمسلمين الميرزا علي آقا الشيرازيّ ابن المجدّد ، تتلمذ على يده في سامرّاء.

5 ـ حجّة الإسلام والمسلمين الحاجّ السيّد عليّ السيستانيّ ، تتلمذ على يده في سامرّاء وكربلاء، وهاجر أخيراً إلى مشهد الرضا ، وأصبح أحد المراجع العظام في تلك الديار، كان عالماً فاضلاً مطّلعاً على أقوال العلماء، محيطاً بالأحاديث الفقهيّة إحاطة كاملة.

6 ـ حجّة الإسلام والمسلمين اُستاذ الفقهاء والمجتهدين آية الله العظمى الميرزا محمّدحسين النائينيّ ، تتلمذ على يده في سامرّاء وكربلاء، وتتلمذ ـ أيضاً ـ على يد المجدّد الشيرازيّ ، وهاجر بعد ذلك إلى النجف الأشرف، فصار محطّاً لأنظار العلماء والفضلاء إلى أن ربّى جيلاً من الفقهاء والمجتهدين، وأصبح مرجعاً للتقليد في النجف الأشرف.

7 ـ حجّة الإسلام الميرزا محمّد حسين الطبسيّ ، تتلمذ على يده في سامرّاء، ثُمَّ عاد إلى بلاده، وأصبح أحد العلماء والأعلام المدرّسين في تلك الديار.

 

 
الصفحة 27

 

8 ـ حجّة الإسلام والمسلمين السيّد محمّدرضا الكاشانيّ ، تتلمذ على يده في سامرّاء وكربلاء، ثُمَّ عاد إلى بلاده.

9 ـ حجّة الإسلام والمسلمين الميرزا محمّدعلي الهرويّ الخراسانيّ ، تتلمذ على يده في سامرّاء وكربلاء، ثُمَّ ذهب إلى مشهد الرضا ، وأصبح أحد المدرّسين والمراجع في تلك الديار.

10 ـ حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمّد هادي البيرجنديّ ، عالم فاضل، ومدقّق ماهر، تتلمذ على يد السيّد الصدر في سامرّاء وكربلاء، ثُمَّ عاد إلى بلاده، وكان أحد العلماء الأعلام في تلك الديار.

11 ـ آية الله الشيخ محمّدرضا آل ياسين ، تتلمذ على يد السيّد الصدر في كربلاء، وكان صهراً له، وكان يستفيد من فيض علومه ليل نهار، ولم يكن يكتفي في الاستفادة منه بمجلس الدرس، ثُمَّ أصبح بعد ذلك أحد علماء الشيعة الكبار والمراجع العظام في النجف الأشرف.

12 ـ آية الله المجاهد السيّد عبدالحسين شرف الدين ، تتلمذ على يد السيّد الصدر في كربلاء والكاظميّة، ودرس ـ أيضاً ـ على يد صاحب الكفاية وشيخ الشريعة في النجف  الأشرف، ثُمَّ أصبح أحد علماء ومراجع الشيعة في لبنان إلى أن تُوفّي في جمادى  الآخرة ( 1377 هـ )، وحمل جثمانه الطاهر إلى النجف الأشرف، ودفن في حجرة في الشمال الغربيّ للصحن الحيدرىّ الشريف.

 

 
الصفحة 28

 

 

أولاده :

خلّف من بعده أولاداً أربعة كانوا جميعاً آية في العلم، ومحاسن الأخلاق، والتقوى، وهم:

1 ـ حجّة الإسلام والمسلمين آية الله السيّد محمّد مهدي الصدر .

2 ـ حجّة الإسلام والمسلمين آية الله السيّد صدرالدين الصدر .

3 ـ حجّة الإسلام والمسلمين وعماد الأعلام السيّد محمّد جواد الصدر .

4 ـ حجّة الإسلام والمسلمين آية الله السيّد حيدر الصدر .

3 ـ السيّد حيدر الصدر

سيّد جليل القدر، عظيم المنزلة، حامل لواء التحقيق، نابغة دهره، ونادرة عصره، عابد، زاهد، عالم، عامل، ابن السيّد إسماعيل الصدر الذي سبقت ترجمته، ولد في سامرّاء في جمادى الآخرة سنة (1309 هـ)، وقال بعض العلماء العامليين في تأريخ ولادته:

فحيدرٌ واليمن قد جاءا معاً     فنادِ بالتأريخ يمنٌ قد ظهر

هاجر بصحبة والده إلى كربلاء في سنة (1314 هـ)، ودرس المقدّمات والعلوم العربيّة على يد عدّة من الفضلاء، ثُمَّ درس بحث الخارج على يد أبيه السيّد إسماعيل الصدر ، وعلى يد السيّد حسين الفشاركيّ ، والمرحوم آية الله الحائريّ اليزديّ في

 
الصفحة 29

كربلاء، وأصبح في عنفوان شبابه من العلماء المرموقين المشار إليهم بالبنان.

قال صاحب الذريعة في أعلام الشيعة:

«وقد رأيته مراراً سواء في أيّام والده أو بعدها، فوقفت على غزارة علمه، وكثرة فضله، وكان دائم الاشتغال كثير المذاكرة، قلّما دخل مجلساً لأهل الفضل ولم يفتح باباً للمذاكرة والبحث العلميّ، وكان محمود السيرة، حسن الأخلاق، محبوباً عند الجميع».

وقال آية الله السيّد عبدالحسين شرف الدين فيما نشر عنه في مجلة (النجف) السنة الاُولى، العدد الثالث (15 / جمادى الآخرة / 1376 هـ  ـ 20 / كانون  الأوّل / 1956 م):

«... عرفته طفلاً، فكان من ذوي العقول الوافرة، والأحلام الراجحة، والأذهان الصافية، وكان وهو مراهق أو في أوائل بلوغه لايسبر غوره، ولاتفتح العين على مثله في سنّه، تدور على لسانه مطالب الشيخ الأنصاريّ ومن تأخّر عنه من أئمّة الفقهاء والاُصوليّين، وله دَلْؤ بين دلائهم، وقد ملأه إلى عقد الكرب، يقبل على العلم بقلبه ولبّه وفراسته، فينمو في اليوم ما لا  ينمو غيره في الاُسبوع، ما رأت عيني مثله في هذه الخصيصة، وقد رأيته قبل وفاته بفترة يسيرة وقد استقرّ من جولته في غاية الفضل لاتبلغها همم العلماء، ولاتدركها عزائم المجتهدين...».

وقال حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمّدتقي آل صادق العامليّ فيما نشر عنه في مجلّة (الغري):

 

 
الصفحة 30

 

« ... لقد كان آية بليغة في الأخلاق الفاضلة والصفات الكريمة تلقاه ـ  وهو بتلك المكانة العلميّة السامية، وبذلك الرداء الجميل من الشرف والمجد ـ طلِق المحيّا، باسم الثغر، رقيق الحواشي، ندىّ الحديث، طريّ الاُسلوب، ليّن العريكة، يتواضع للصغير حتّى كأ نّه بعض سُمرائه، ويتصاغر للكبير حتّى كأ نّه دون نظرائه...».

كان المرحوم آية الله الصدر آية في الزهد والتقوى والعفّة، وعدم الاكتراث للدنيا، والشوق إلى العلم والتحقيق.

روي عن المرحوم حجّة الإسلام السيّد علي الخلخاليّ أ نّه قال:

«إنّ السيّد حيدر الصدر كان يُدرّس أثناء إقامته في الكاظميّة الكفاية، فاتّفق أنّ أحد أكابر الحوزة العلميّة في النجف الأشرف ورد الكاظميّة، وطلب منه السيّد الصدر عقد مباحثة معه في الكفاية خلال الأيّام التي سيبقى في هذا البلد المبارك، فأبى، فطلب منه التتلمذ لديه في أيّام إقامته في الكاظميّة بتدريسه للكفاية فوافق على ذلك، فكان السيّد الصدر يلقي بتدريسه هو للكفاية على جمع غفير من الطلاّب، ثُمَّ كان يحضر باسم التلميذ لدى هذا العالم في درس الكفاية».

قال السيّد علي الخلخاليّ : «إنّي سألت السيّد الصدر : ماذا صنعت بفلان الذي لم يكن يقبل عقد المباحثة معك في الكفاية؟ فأجاب : أ نّي وصلت إلى ما كنت أروم من الإفادة والاستفادة; ذلك أ نّي أحضر لديه بعنوان التلمذة، فيقرأ علىّ مقطعاً من الكفاية،

 
الصفحة 31

فينفتح باب المناقشة، فنبقى نتباحث ونناقش في الأمر، وكان هذا هو المطلوب لنا».

وفاتـه :

تُوفّي في الكاظميّة في ليلة الخميس (27 / جمادى الآخرة / 1356 هـ)، ودفن في مقبرة آل الصدر. وقد روي عن بعض الثقات أ نّه حدّثته زوج المرحوم الصدر ـ وهي العابدة الزاهدة التقيّة النقيّة بنت المرحوم آية الله الشيخ عبدالحسين آل ياسين ـ بأنّ العائلة إلى ما بعد مضىّ شهر من وفاة المرحوم الصدر تقريباً كانت حائرة في الحصول على لقمة العيش، علماً بأنّ المرحوم الصدر كان مرجعاً من مراجع الشيعة. وهذا يلقي ضوءاً على مدى زهده وعدم اكتراثه للدنيا، وعدم تجميع المال. طوبى له وحسن مآب.

مؤلّفاته :

1 ـ رسالة في مباحث وضع الألفاظ.

2 ـ تعليقة على الكفاية.

3 ـ رسالة في المعنى الحرفيّ.

4 ـ رسالة في تبعيض الأحكام لتبعيض الأسباب.

5 ـ الشبهة الحيدريّة في تلاقي أحد أطراف العلم الإجماليّ.

6 ـ تعليقة على العروة الوثقى.

وعدّة رسائل اُخرى.

 

 
الصفحة 32

 

وممّا يؤسفنا أنّ هذه الكتب والرسائل كلّها مفقودة اليوم، إلاّ أنّ الشبهة الحيدريّة تعرّض لها آية الله الشيخ آقا ضياء العراقيّ في مجلس درسه، فكُتبت بقلم بعض طلاّبه في تقرير بحثه.

أولاده :

خلّف السيّد حيدر الصدر من بعده ابنين وبنتاً يعتبر كلّ واحد منهم جوهرة ثمينة يقلّ نظيرها في العلم والتقى، وهم:

1 ـ حجّة الإسلام والمسلمين السيّد إسماعيل الصدر ، ولد في الكاظميّة في شهر رمضان المبارك سنة (1340 هـ). درس المقدّمات والسطح العالي على يد علماء الكاظميّة، وهاجر إلى النجف الأشرف بتأريخ (1365 هـ ) فتتلمذ على يد:

1 ـ آية الله العظمى الشيخ محمّدرضا آل ياسين .

2 ـ آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم .

3 ـ آية الله العظمى السيّد عبدالهادي الشيرازيّ . وقد أجاز له بالاجتهاد.

4 ـ آية الله العظمى السيّد أبوالقاسم الخوئيّ الذي يعيش الآن في النجف الأشرف.

ثُمَّ عاد بطلب عدد من المؤمنين في الكاظميّة إلى بلده، واشتغل بالتدريس وترويج الدين، وكان آية في الإخلاص، والدفاع عن حقوق المظلومين، وفخراً للشيعة.

ألّف كتباً في الفقه، والاُصول، والتفسير، والرجال لم يطبع منها

 
الصفحة 33

عدا مجلّد واحد في التعليق على التشريع الجنائيّ الإسلاميّ، كما طبعت له محاضرات في التفسير الجزء الأوّل.

تُوفّي في ذي الحجة من سنة (1388 هـ )، ودفن في النجف الأشرف في مقبرة المرحوم آية الله السيّد عبدالحسين شرف الدين .

2 ـ آية الله العظمى مفجّر الثورة الإسلاميّة في العراق الشهيد السيّد محمّدباقر الصدر .

3 ـ العلويّة الفاضلة آمنة المعروفة ببنت الهدى ـ قدّس سرّها  ـ كانت سيّدة جليلة، عالمة، فاضلة، عارفة، عابدة، مهذّبة، تقيّة. ولدت في الكاظميّة في سنة (1356 هـ )، ونمت في كنف العلم والتقى والفضيلة. درست علوم العربيّة ومبادئ علم الكلام والفقه والاُصول على يد أخيها الشهيد إلى أن أصبحت من مفاخر الكاتبات الإسلاميّات، وكانت تشرف خلال سبع سنين على أربع مدارس دينيّة للبنات في الكاظميّة، والنجف، والكوت. وقد ربّت المئات من البنات الفاضلات العالمات المؤمنات، وقد ألّفت:

1 ـ صراع من واقع الحياة.

2 ـ الخالة الضائعة.

3 ـ الفضيلة تنتصر.

4 ـ ذكريات على تلال مكّة.

5 ـ المرأة مع النبيّ .

6 ـ كلمة ودعوة.

 

 
الصفحة 34

 

7 ـ ليتني كنت أعلم.

8 ـ امرأتان ورجل.

9 ـ لقاء في المستشفى.

10 ـ الباحثة عن الحقيقة.

11 ـ بطولة المرأة المسلمة.

وقد اعتقلها حزب البعث الغاشم العميل بُعيد آخر اعتقال لأخيها الشهيد ، واغتالوها بأيد خبيثة خائنة. أسأل الله تعالى أن يسلّطنا على هذه الزمرة الكافرة; كي نروي الأرض بدمائهم، ونأخذ بثاراتنا، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. و والله لو سقيت الأرض بدمائهم جميعاً لَما ساوى ذلك قلامة من ظفر إبهام شهيدنا الصدر أو اُخته العلويّة المظلومة.

كانت هذه ترجمة مختصرة لاُسرة آل الصدر اشتملت على ترجمة آباء شهيدنا الغالي لثلاث طبقات.

والدة الشهيد الصدر رحمة الله عليها

أمّا والدته المحترمة، فهي السيّدة العابدة، الصالحة، التقيّة، الزاهدة، بنت المرحوم آية  الله الشيخ عبدالحسين آل ياسين ، وكان أبوها وإخوتها جميعاً من الآيات العظام، ومن أكابر العلماء الأعلام رضوان الله عليهم أجمعين.

فأبوها هو آية الله الشيخ عبدالحسين آل ياسين أحد أعاظم

 
الصفحة 35

فقهاء عصره، المعروف بالزهد والعبادة والتقوى. ولد في الكاظميّة، وتربّى في كنف جدّه المرحوم آية الله الشيخ محمّدحسن آل ياسين الذي كان من مفاخر علماء الشيعة، والذي أمضى الإمام صاحب الزمان نيابته عنه على ما ورد في قِصّة المرحوم الحاجّ علي البغداديّ المذكورة في مفاتيح الجنان.

وقد قال السيّد حسن الصدر في تكملة أمل الآمل عن الشيخ محمّد حسن آل ياسين:

« اُنموذج السلف، حسن التقرير، مضطلع في الفقه والاُصول، خبير بالحديث والرجال، انتهت إليه الرئاسة الدينيّة في العراق بعد وفاة الشيخ العلاّمة الأنصاريّ، كان المرجع العامّ لأهل بغداد ونواحيها وأكثر البلاد في التقليد، وكان المعروف بالفضل، له رسالة وكتب...».

والمرحوم الشيخ عبدالحسين آل ياسين قد هاجر من الكاظميّة إلى سامرّاء، وتتلمذ على يد المجدّد الشيرازيّ ، وبعد أن تُوفّي جدّه الشيخ محمّدحسن انتقلت إليه زعامة الشيعة في بغداد والكاظميّة، ثُمَّ هاجر إلى كربلاء، وتتلمذ على يد المرحوم السيّد إسماعيل الصدر، ووصل إلى مرتبة عالية من الاجتهاد، وعاد إلى الكاظميّة، وأصبح من مراجع الشيعة في التقليد، وتُوفّي في (18 / صفر / 1351 هـ) في الكاظميّة، ودفن في النجف الأشرف في مقبرة آل ياسين.

أمّا إخوتها فهم:

1 ـ آية الله العظمى شيخ الفقهاء والمجتهدين الشيخ محمّدرضا

 
الصفحة 36

آل ياسين ، كان اُستاذاً ومرجعاً في عصره في النجف الأشرف، تُوفّي في سنة (1370 هـ )، ودفن في مقبرة آل ياسين.

2 ـ المرحوم الإمام المجاهد الشيخ راضي آل ياسين ، كان من أكابر علماء الإماميّة في الكاظميّة، وهو صاحب تأليفات كثيرة منها كتاب ( صلح الحسن ).

3 ـ المرحوم آية الله الورع التقي الشيخ مرتضى آل ياسين ، كان من أكابر علماء الإماميّة، ومرجعاً للتقليد في النجف الأشرف.




 
˜™

 

 
الصفحة 37

 

 

 

 

 

آية الله العظمى
الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر

 

 
الصفحة 38

 

 

 

 
الصفحة 39

 

 

هو العَلَم الفَذّ، مفخرة عصره، واُعجوبة دهره، نابغة الزمان، ومعجزة القرن، حامي بيضة الدين، وماحي آثار المفسدين، فقيه اُصوليّ، فيلسوف إسلاميّ، كان مرجعاً من مراجع المسلمين في النجف الأشرف، فجّر الثورة الإسلاميّة في العراق، وقادها حتّى استشهد.

ولد في (25 / ذي القعدة / 1353 هـ) في الكاظميّة، وتربّى من بعد وفاة والده في كنف والدته وأخيه السيّد إسماعيل الصدر .

كانت تبدو عليه من أوائل الصبا علائم النبوغ وآثار الذكاء.

وممّا يُحكَى عن أيّام طفولته وصباه في المدرسة الابتدائيّة ما كتبه محمّدعلي الخليليّ حاكياً قِصّته مع شهيدنا أيّام كانا طالبين في مدرسة منتدى النشر الابتدائيّة، وإليك نصّه الذي لم ينشر حتّى الآن:

«كانت تجمعنا به مدرسة واحدة، ويفرّقنا فارق السنّ والمرحلة الدراسيّة; إذ كان حينها في الصفّ الثالث الابتدائيّ، أمّا أنا فكنت في السنة النهائيّة من هذه المرحلة الدراسيّة.

وطبيعىّ ـ وللأمرين المذكورين ـ أن لايكون اتّصال مباشر، وعلى الرغم من ذلك فقد كان موضوع اهتمامنا، ومحطّ أنظارنا نحن تلاميذ المدرسة صغاراً وكباراً، كما كان موضوع تقدير واحترام

 
الصفحة 40

معلّميه، وأكثر ما كان يلفت نظرنا هو اهتمام المعلّمين به دون استثناء، فقد كانت له شخصيّة تفرض وجودها، وسلوك يحملك على احترامه، والنظر إليه نظرة تختلف عن نظرتك لبقيّة زملائه.

كنّا نعرف عنه أ نّه مفرط في الذكاء، ومتقدّم في دروسه تقدّماً يبزّ فيه زملاءه كثيراً، أو ندر نظيره، وما طرق أسماعنا أنّ هناك تلميذاً في المدارس الاُخرى يبلغ بعض ما يبلغه من فطنة وذكاء; لذا اتّخذه معلّموه نموذجاً للطالب المجدّ والمؤدّب والمطيع، فما من درس يمرّ بنا إلاّ وكان حديث المعلّم عنه يطغى على ما يلقّننا من مادّة، وكان ذلك يزيدنا احتراماً له وإعجاباً به، حتّى أخذ بعض الطلبة يجهد نفسه في تقليده في مشيته وفي حديثه وفي جلوسه في الصف; لينال ما يناله من احترام وإعجاب، وقد بلغ احترامُ زملائه له وجميعُ تلاميذ المدرسة احترامهم لمعلّميهم إن لم يتعدّه أحياناً، فهم يتهيّبون التحدّث إليه، إلاّ إذا شعروا برغبة منه في الحديث، وإلاّ أن يكون هو البادئ في الحديث.

وقد تجاوز هذا الإعجاب به والحديثُ عنه جدران المدرسة إلى الشارع والسوق والمدارس الاُخرى وفي كلّ مكان، حتّى إنّني فوجئت يوماً أنّ أبي يدعوني إلى أن أقتدي به في سلوكي وفي حديثي مع الناس، وقد كان هذا شأن كثير من الآباء مع أبنائهم لو أرادوا لهم النصح.

وممّا زاد تعرّف الناس عليه هو قيامه بإلقاء الخطب والقصائد التي كان يهيّئها له معلّموه المتمكّنون من اللغة العربيّة في المواكب

 
الصفحة 41

الحسينيّة التي تنظّمها المدرسة كلّ عام في يوم عاشوراء، أو في وفيات بعض الأئمّة الأطهار، حيث كان يرتقي المنبر المعدّ له في الصحن الكاظميّ; ليلقي القصيدة أو الكلمة في المناسبة عن ظهر القلب، ويبدو وكأ نّه يرتجل مسترسلاً دون توقف أو تلكّؤ، وقد تعجب أيّها القارئ أنّ فترة حفظه لها لاتتجاوز مسيرة الموكب من المدرسة إلى الصحن الشريف، وكثيراً ما كنت أسمع أنا وغيري من الطلاّب كلمات الاستحسان والتعجّب والتشجيع من قبل الناس المحتشدين حول موكب مدرستنا (مدرسة منتدى النشر في الكاظميّة)، وقد أعطى ـ وهو في هذه السنّ ـ لموكبنا منزلة قد تفوق منازل المواكب الاُخرى، فقد كان الناس يرافقون الموكب منذ لحظة انطلاقه من المدرسة إلى الصحن الشريف حيث نجد عدداً كبيراً من الناس ينتظرون الموكب بشوق ولهفة، وكان تحشّدهم يزداد إذا كان هو الخطيب في ذلك اليوم، وأمّا إذا كان غيره ينفضّ عن الموكب الكثيرون منهم، فقد كان لإلقائه حلاوة وتأثير غريب في نفوس الجماهير يزيده روعة صغر سنّه.

في تلك السنين القليلة عرفنا باقر الصدر وليتها كانت تطول، وعرفه الناس الذين يقصدون الكاظميّة من بغداد وضواحيها; لحضور المواكب والمجالس الحسينيّة.

وإنّنا زملاءه في المدرسة عرفناه أكثر في مواقفه هذه، وعرفناه طالباً مثاليّاً في سلوكه وفي جميع تصرّفاته. وما أتذكر أ نّه كان له حسّد من الطلاّب، بل كان حبّهم له يطغى على كلّ شيء يتودّدون

 
الصفحة 42

ويتقرّبون منه; وذلك بسبب سلوكه العقلانيّ معهم، وإضفاء حبّه وحنانه على من هو أصغر منه، واحترامه لمن هو أكبر منه، وكنّا نشعر ـ  وإن كبرناه سنوات  ـ لقد كان والله معجزة، وآية من آيات خلق الله، ولاأجدني مبالغاً مهما قلت عنه، وأطنبت في امتداحه، والثناء عليه، وتعداد حسناته وصفاته التي لم نجد نظيراً لها في سموّها لدى غيره من كلّ تلامذة المدارس.

كان ينتحي زاوية من زوايا المدرسة انفرد هو بها، ولم يقربها غيره احتراماً له، وذلك في كلّ استراحة بعد كلّ محاضرة في الصفّ، وكان يلتفّ حوله في تلك الزاوية عدد من أترابه التلاميذ ورفاق صفّه، أو من الصفوف العليا. كنّا نراقب هذا الاجتماع، ونرقبه وهو يتحدّث إلى المحيطين وكلّهم إصغاء له، يتحدّث إليهم بهدوء، ويلفّه هدوء، ويغطّيه سكون، والكلّ صاغون إلى حديثه، ساهمون مسحورون، وقد أثارت فضولنا هذه الحالة وهذا الاجتماع، فهممنا عدّة مرّات لأن ننضمّ إليهم، ولكنّ فارق السنّ ـ كما قلنا ـ كان يحول بين رغبتنا وبين تحقيقها.

وجاء ذلك الذي لم أنسه ولن أنساه، كان يوماً جديداً لم يمرَّ بنا مثله حين طغت علينا غريزة حبّ الاطّلاع، فاندفعنا ـ وكأ نّنا مقادون ـ إلى حيث يعقد اجتماعه، وانضممنا إلى الثلّة التي كانت تحيط به، وقد كانت خطواتنا هذه مفاجأة له، سكت عندها قليلاً عن الحديث، وبعد أن ألقى علينا نظرات فاحصة كأ نّه كان يريد أن يقول لنا: هل أستمرُّ في الحديث؟، وبعدها راح يواصل حديثه، حديث لم

 
الصفحة 43

نألفه من قبل، فلاهو توضيح ولاهو شرح لما نأخذ من دروس عن أساتذتنا; فقد كان حديثاً تتخلّله عبارات هي بالنسبة لنا غير مفهومة، أوصعب فهمها، ولأوّل مرّة سمعنا فيها كلمة الماركسيّة، والامبرياليّة، والديالكتيكيّة، والانتهازيّة، وكلمات اُخرى أظنّها كانت تعني أسماء لفلاسفة وعلماء وشخصيّات لم يحضرني منها سوى اسم (فيكتورهوغو) و(غوته)، وغابت عني أكثرها; إذ مرَّ عليها زمن طويل قارب الأربعين عاماً، ولأ نّها كلمات كانت في حينها يصعب علينا نطقها وتلفّظها، كانت غريبة علينا جدّاً، ولم نسمع بها أو بمثلها من الأسماء في كتبنا المدرسيّة، ولم نقرأ فيها إلاّ (إديسون) و (نيوتن) وغيرهما ممّن درسنا عنهم وعن اكتشافاتهم واختراعاتهم.

لقد كان يهيم في حديثه، ويسبح في بحر من الخيال والتسامي، أويغوص في بحر لجّيٍّ يلتقط منه العبارات والمعاني والأفكار.

لقد حملنا شوقنا إلى المعرفة أن نكرّر انضمامنا إلى مجموعته التي أطلق عليها اسم (الحوزة)، وكلّنا نرغب رغبة ملحّة في أن نفهم ما يتحدّث به. ونحن لاندري هل أنّ هؤلاء الصبية والأطفال المحيطين به يعون ويدركون ما يتحدّث به إليهم، ويتفهّمون ذلك؟. وهذا ما كان يثير اهتمامنا بقدر ما كنّا نرغب في التزوّد من معارفه آنذاك والتي كنا نراها أشياء جديدة علينا، ولكن فيها متعة ولذة وإن لم ندرك أكثرها، وكنّا نستزيده فيزيد، ونطلب منه أن يعيد علينا ماحدّثنا به قبل يوم، فيجيب دون أن يلتمس لنفسه عذراً، أو يقابلنا برفض.

 

 
الصفحة 44

 

فقد كان همّه كلّ همّه أن نفهم، وأن نعي ما يحدّثنا وكأ نّه نذر ساعات لعبه وسهوه ـ وهو بهذا السنّ ـ ليكون معلّماً ومفقّهاً، واصلنا حضورنا حوزته هذه حتّى كانت نهاية العام، وبدأت العطلة، فافترقنا حيث التحقنا نحن في المدرسة المتوسطة، وبقي هو في مدرسته قليلاً حتّى علمنا أ نّه تركها; لينصرف إلى الدرس.

كانت أيّاماً مضيئة وجميلة، وكانت حلماً حلواً مؤنساً أخذنا فيها عنه أشياء كثيرة ساعدتنا على أن نتفهّم ما نقرأ من كتب غير كتبنا المدرسيّة، كتب كان يزوّدنا بها هو أحياناً كلّما التقى واحداً منّا، وقليلاً ما كنّا نلتقيه إلاّ في داره حيث كنّا نجده مكبّاً على قراءة كتب لانعرف حتّى أسماءها، وكتب كنّا نقتنيها من المكتبات، أو نستعيرها من الأصدقاء زملاء المدرسة، أو من المكتبات العامّة بإشارة وتوجيه منه. وكنّا نهتمّ بكلّ كتاب ينصحنا بقراءته، وإن غمض علينا شيء منه، كان يعيننا على فهمه بكلّ سرور ورحابة صدر وهو ممتن غير مانّ.

كانت لنا معه أيّام حلوة سعيدة عادت علينا بعد ذلك بمرارة لانتجرّعها، ولانتحمّل مرارتها، فقد رحل عنّا شهيدنا، اغتالته فئة ضالّة باغية، وتركنا إلى حيث يرتع في نعيم دائم وسعادة أبديّة، وبقينا بعده غرقى في شقاء ما مثله شقاء، وحياة مليئة بالقسوة والظلم والإرهاب، وصارت سنوات تلك الطفولة البريئة المرحة أيّاماً قاسية، إلاّ أ نّه ترك فينا وعياً ومعرفة أعانتنا على أن نزيدها، ونبلغ بها حدّاً نتفهّم فيه كلّ شيء في الحياة.

 

 
الصفحة 45

 

تلك كانت أيّام طفولتنا وصبانا مع ذلك المعلّم (الصدر) المليء بالعلم وهو طفل، وقد تغذّينا في حوزته ونحن أطفال».

انتهى ما كتبه محمّدعلي الخليليّ عن أيّام طفولة الاُستاذ الشهيد في المدرسة الابتدائيّة.

أمّا ما جاء فيه من (أ نّه كان يحفظ الخطب التي كان يهيّئها له معلّموه، فيلقي الكلمة في المناسبة عن ظهر قلب، ويبدو وكأ نّه يرتجل مسترسلاً دون توقّف أو تلكّؤ)، فهذا قد يكون صحيحاً، ولكنّ الذي حدّثني به الاُستاذ الشهيد أ نّه كان في أيّام صباه يرتجل خطباً للناس في المناسبات، ولاتنافي بين هذا وذاك; فلعلّه كان أحياناً كهذا وأحياناً اُخرى كذاك.

وقبل أن نمضي في درس حياة اُستاذنا الشهيد ; لكي نرى ماذا كان بعد خروجه من المدرسة، نقرأ مقطعاً آخر من الحديث عن حياته في داخل المدرسة الابتدائيّة منقولاً عن أحد أساتذة المدرسة فقد نُشِرَ في مجلّة صوت الاُمّة العدد (13) للسنة الثانية (رجب  /  1401 هـ) مقالٌ لشخص تحت اسم (أبو براء)، وهذا نصّه:

«شاءت الصدف أن أتّخذ لي مكاناً إلى جانبه في أحد المجالس التأبينيّة التي اُقيمت تخليداً لذكرى الشهيد الصدر، وفي التفاتة منّي إليه غير مقصودة وجدت عليه أمارات الألم والحزن الشديدين، أمارات لم أجدها ترتسم على وجوه الآخرين، بل لااُغالي إذا قلت: كانت عليه سيماء الثكل، ولم ينتبه إلى التفاتتي، فقد كان ساهياً منصرفاً عن كلّ ما هو حوله، ومثبتاً عينيه على صورة للشهيد الصدر

 
الصفحة 46

كانت معلّقة أمامه، وهو يصدر الآهة إثر الآهة، ويجذب الحسرة تلو الحسرة، وبين كلّ لحظة واُخرى تنحدر من عينيه دمعتان كان يكفكفهما بمنديل يحمله بيده، كان يبكي ويتألّم بصمت، وقد لفت نظري كثيراً رغم أنّ كلّ من كانوا في الحفل أغرقتهم فاجعة الذكرى بآلامها وأشجانها، وربّما علا صوت نحيب من هنا أو هناك لبيت شعر من قصيدة شاعر، أو لعبارة من كلمة خطيب تثير في النفوس شجاها، وتحرّك عواطفها وأحاسيسها، إلاّ هذا، فما سمعت منه إلاّ الآهات، والتنهّدات، والأ نّات الخفيّة.

إنّ كلّ الذين كانوا في الحفل أو جلّهم يعرفون الصدر، إمّا عن كثب، أو من خلال جهاده في سبيل إعلاء كلمة الحقّ، إذن لابدّ أن يكون لهذا شأن آخر، هكذا قدّرت، وقد أصاب تقديري، فسألته، وقطعت عليه وجومه، وشرود فكره، وقد جاء سؤالي كمتنفّس له وداع إلى بثّ ما في جنبيه من ألم دفين، وحزن كمين، ويبدو أ نّه عرفني، واطمأنّ إلىّ، فراح يحدّثني وبنبرات تقطّعها الآهات والحسرات.

قال بعد تنهُّدة عميقة: إنّ علاقتي بالفقيد علاقة الأخ الكبير بأخيه الصغير الوحيد، كان ذلك في السنوات الأخيرة من الأربعينات يوم كان طالباً في المراحل الاُولى من الدراسة الابتدائيّة، وكنت معلّماً في المدرسة التي كان يتعلّم بها، وهي مدرسة منتدى النشر الدينيّة الابتدائيّة في الكاظميّة، وقد رأيت أنّ هذا التلميذ يوليه المدير عناية خاصّة، ويرعاه رعاية يشوبها الاحترام والتقدير، فعحبت في بادئ

 
الصفحة 47

الأمر لذلك، وأخيراً اتّضح لي بأنّ هذه العناية لم يكن مبعثها لأ نّه ينتمي لعائلة كريمة الحسب عرف كثير من أفرادها، واشتهروا بالعلم، والتقى، والورع، أو لأ نّه يتيم فقد أباه وهو بعد صغير لم يبلغ الحلم، ولكنّ عنايته كانت موجهة إليه لأسباب اُخرى. فأحببت أن أتعرّف أكثر على هذا الطفل سيّما وأ نّني حديث عهد بالعلم في المدرسة المذكورة. وشاءت الصدف أن أنفرد بالسيّد المدير، فأستوضح منه عمّا كان يشغل تفكيري بشأن هذا الطفل، فأجابني: أرجو أن ترعاه كما يرعاه زملاؤك من الهيئة التدريسيّة، فقد سبق وأوصيتهم به خيراً; لأ نّني أتوسّم فيه أن يكون له مستقبل كبير باعث على التفاخر والاعتزاز بما يقوم به وبالدرجة العلميّة التي أترقّب أ نّه سيصلها ويبلغها، فرحت أرقب هذا الطفل عن كثب، فأقرّبه إليّ، وأتحدّث معه كلّما سنحت الفرصة مظهراً إليه حبّي وودّي اللذين نميا مع الأيّام، بل الساعات، فصار محبّاً لي متعلّقاً بي لايفارقني في الصفّ أثناء الدرس أو بعده أثناء فترة الاستراحة.

وقد كان طفلاً يحمل أحلام الرجال، ويتحلّى بوقار الشيوخ، وجدت فيه نبوغاً عجيباً، وذكاءً مفرطاً يدفعانك على الاعتزاز به، ويرغمانك على احترامه وتقديره، كما شهدت كلّ المدرّسين ـ أيضاً ـ يكنّون له هذا الاحترام وهذا التقدير.

لقد كان كلّ ما يُدرَس في هذه المدرسة من كافّة العلوم دون مستواه العقلىّ والفكرىّ، كان شغوفاً بالقراءة، محبّاً لتوسيع دائرة معرفته، ساعياً بجدٍّ إلى تنمية مداركه ومواهبه الفذة، لا تقع عيناه

 
الصفحة 48

على كتاب إلاّ وقرأه، وفقه ما يحتويه في حين يعزّ فهمه على كثير ممّن أنهوا المرحلة الثانويّة. ما طرق سمعه اسم كتاب في أدب، أو علم، أو اقتصاد، أو تأريخ، إلاّ وسعى إلى طلبه. كان يقرأ كلّ شيء.

وقد حدّثني أحد الزملاء ممّن كان لديهم إلمام بالماركسيّة، واطّلاع على كثير من الكتب التي كتبت فيها قائلاً لي: لقد جاءني يوماً مبدياً رغبته في أن يقرأ بعض الكتب الماركسيّة ونظريّاتها; ليطّلع على مكنونات هذه النظريّة، تردّدت في بادئ الأمر عن إرشاده إلى ذلك; لأ نّه طفل، وخشيت أن تتشبّع أفكاره بالماركسيّة ونظرياتها، وبعد إلحاح منه شديد، ولمّا كنت لااُحبّ ردّ طلبه أرشدته إلى بعض المجلاّت والكتب المبسّطة في كتابتها عن الماركسيّة وفي عرضها لها. وقد أخذت على عاتقي تهيئة ما تيسّر لي من هذه المجلاّت والكتب، وهي نادرة وعزيزة; لأ نّها كانت آنذاك من الكتب المحرّم بيعها في المكتبات.

وبعد أن تسلّمها منّي تهلّل وجهه فرحاً، ثُمَّ أعادها إلىّ بعد أن قرأها مكرّراً طلبه أن أجد له كتباً أكثر موضوعيّة، وأعمق شرحاً وعرضاً لآراء الماركسيّة، فهيّأت له ما طلب، وكنت أظنّ أ نّه سوف لايفقه منها شيئاً; لأ نّني أنا نفسي رغم مطالعاتي الكثيرة في هذا الموضوع أجد أحياناً صعوبة في فهمها. وبعد مدّة اُسبوع واحد أعادها إلىّ، وطلب غيرها، وأضاف المدرّس قائلاً: أحببت أن أعرف ما الذي استفاده هذا الطفل من قراءته لهذه الكتب، وإذا به يدخل في شرح الماركسيّة طولاً وعرضاً، فأخذت عن شرحه لها كلّ ما غمض علىّ معناه عند قراءتي لها، فعجبت لهذا الطفل المعجزة،

 
الصفحة 49

وهو لمّا يزل في المرحلة الثالثة من الدراسة الابتدائيّة. وقد زاد في اطمئناني عند ما راح يشرح لي أ نّه كان يأتي على مناقشة كلّ رأي على حدة مناقشة العالم المتبحِّر في العلم، فاطمأننت بأ نّه لم يتأثّر بالماركسيّة مطلقاً، وأ نّه كان يقرؤها كناقد لاكدارس لها.

وحدّثني عنه مدرّس اللّغة فقال: والله لو لاالأنظمة والقوانين ولو كانت هناك حكومة تقدّر النبوغ والكفاءة، لمنحته الشهادة الثانويّة بأعلى الدرجات، وفتحت له أبواب الكلّيات، ليختار منها ما يشاء، وكفيته أمر الذهاب إلى المدرسة والعودة منها إلى البيت. إنّ إلمامه بعلوم اللّغة العربيّة يفوق حدّ التصوّر لطفل في سنّه، وكم من مرّة جعلني أقف أمامه محرجاً لاأحير جواباً، فأضطر أن اُؤجّل الجواب على سؤاله إلى يوم آخر; لئلاّ أكون في موضع العاجز عن الجواب أمام تلامذتي. وقال هذا الشيء عينه مدرّس الدين وأضاف: أ نّه يصلح أن يكون مدرّساً للدين واُصوله.

وقال كذلك مدرّسو العلوم الاُخرى، مُبدِين دهشتهم وحيرتهم في نبوغ هذا الطفل ومستواه خائفين أن يقتله ذكاؤه.

كان أوّل من يدخل الصفّ، وآخر من يخرج منه، وكان كلّه إصغاءً وانتباهاً إلى ما يقوله المدرّس، وكأنّ ما يتلى شيء جديد بالنسبة له، وكأ نّه لم يحفظ في ذاكرته أضعاف ما يتلى عليه في الصفّ. وما وجدته يوماً وقد ركبه الغرور، أو طغى عليه العجب بنفسه، أو تعالى على زملائه التلاميذ ممّا عنده من علم ومعرفة. كان مؤدّباً جدّاً يحترم معلّميه وزملاءه، ويفرض احترامه على الجميع، وكثيراً ما كنّا نفتقده متغيّباً لشهر أو حواليه من المدرسة، ثُمَّ إذا به

 
الصفحة 50

يحضر عند الامتحان، فيؤدّيه، فينال الدرجة العليا، ولو كانت هناك درجة أعلى، لاستحقها بجدارة. وكنّا عند تغيّبه نستفهم من الإدارة عن السبب، فيكون الجواب الذي اعتدناه: أ نّه يحضر دروساً خاصّة تشغله عن حضور المدرسة. كنّا نختاره وخاصّةً مدرّس الدروس الدينيّة في درس الصلاة إماماً يؤمّ زملاءه في الصلاة، فكان واللّهِ جديراً بها يؤدّيها بخشوع العابد الزاهد المتوجّه إلى ربّه العليّ الكريم. وكان يختار من بين طلاّب كلّ المدرسة; لإلقاء القصائد والكلمات في الصحن الكاظميّ الشريف منذ كان في الصفّ الثاني الابتدائيّ، وذلك في موكب العزاء الذي اعتادت المدرسة أن تنظّمه كلّ عام.

وليس عجيباً على مثل هذا الطفل أن يستظهر قصيدة تضمّ ثلاثين بيتاً أو أكثر، أو كلمة عن ظهر قلب خلال ربع ساعة بعدها يتلوها علينا بكلّ فصاحة متجنّباً اللّحن حتّى إذا قرئت له ملحونة.

كان شعلة ذكاء، وقدوة أدب، ومثال خلق قويم، ونفس مستقيمة. ما فاه والله بحياته في المدرسة بكلمة إلاّ وبعثت في نفس سامعها النشوة والحُبُور، وما التقت عيناه لفرط خجله مرّة عيني أحد مدرّسيه، فهو لايحدّث إلاّ ورأسه منحن، وعيناه مسبلتان. أحببته طفلاً صغيراً بريئاً، وأجللت فيه شيخاً كبيراً، لما ألمّ به من علم ومعرفة، حتّى إنّني قلت له ذات يوم: إنّني أتوقّع أن يأتي يوم ننهل فيه من علمك ومعرفتك، ونهتدي بأفكارك وآرائك، فكان جوابه بكلّ أدب واحترام، وقد علت وجهه حمرة الخجل: عفواً اُستاذ، فأنا لاأزال وسأبقى تلميذكم وتلميذ كلّ من أدّبني وعلّمني في هذه

 
الصفحة 51

المدرسة، وسأبقى تلميذكم المَدين إليكم بتعليمي وتثقيفي.

ثُمَّ ختم الرجل حديثه بقوله: أتريدني بعد كلّ هذا أن لاأحزن عليه حزن الثاكل. ولكنّ الذي يبعث لنا السلوى، ويمكّننا من الصبر، ويسري عن نفوسنا أ نّه ترك لنا أسفاراً يحدّثنا فيها. فهو اليوم في كلّ بيت من بيوتنا مقيم بين صفحات كتبه ومؤلّفاته نحدّثه ويحدّثنا عن آرائه وأفكاره العلميّة الخالدة وصوره المطبوعة في قلوبنا. فرحمه الله، ويا ليتنا كنّا أو سنكون بركبه سائرين. وأنهى الحديث بآهة ودمعة انحدرت من عينيه».

الآن حان لنا أن نمضي مع حياة هذا الطالب; كي نرى ماذا جرى بعد خروجه من المدرسة الابتدائيّة.

ونعود هنا مرّة اُخرى إلى ما استفدناه من رسالة المرحوم السيّد عبدالغني الأردبيليّ :

قرأ في الحادية عشرة من عمره المنطق، وكتب رسالة في المنطق يعترض فيها باعتراضات على بعض الكتب المنطقيّة.

وقد قرأ أكثر الأبحاث المسمّـاة بالسطح العالي بلا اُستاذ.

وفي أوائل الثانية عشرة من عمره درس معالم الاُصول على يد أخيه المرحوم السيّد إسماعيل ، وكان من شدّة ذكائه يعترض على صاحب المعالم بإيرادات وردت في الكفاية.

منها: أ نّه ورد في بحث الضد في كتاب المعالم الاستدلال على حرمة الضدّ بأنّ ترك أحدهما مقدّمة للآخر، فاعترض عليه شهيدنا الصدر بقوله: «إذن يلزم الدور».

فقال له المرحوم السيّد إسماعيل: هذا ما اعترض به صاحب

 
الصفحة 52

الكفاية على صاحب المعالم.

هاجر الاُستاذ الشهيد في سنة (1365 هـ ) من الكاظميّة إلى النجف الأشرف وتتلمذ على يدي علمين من أعلام النجف:

1 ـ آية الله الشيخ محمّدرضا آل ياسين .

2 ـ آية الله السيّد أبو القاسم الخوئي الذي مازال يعيش الآن في النجف الأشرف.

وكان يحضر معه درس المرحوم آل ياسين ثلّة من العلماء الأكابر أمثال:

1 ـ آية الله الشيخ صدرا البادكوبيّ.

2 ـ وآية الله الشيخ عباس الرميثيّ.

3 ـ وآية الله الشيخ طاهر آل راضي.

4 ـ وحجّة الإسلام والمسلمين السيّد عبدالكريم علي خان.

5 ـ وحجّة الإسلام والمسلمين السيّد محمّدباقر الشخص.

6 ـ وحجّة الإسلام والمسلمين السيّد إسماعيل الصدر.

وآخرين من أهل الفضل والعلم.

وقد انتهى بحث الشيخ آل ياسين يوماً إلى مسألة أنّ الحيوان هل يتنجّس بعين النجس، ويطهر بزوال العين، أو لايتنجّس بعين النجس؟ فذكر الشيخ آل ياسين : أنّ الشيخ الأنصاريّ ذكر في كتاب الطهارة: أنّ هنا ثمرةً في الفرق بين القولين تظهر بالتأمّل. وقال الشيخ آل ياسين : إنّ اُستاذنا المرحوم السيّد إسماعيل الصدر حينما انتهى بحثه إلى هذه المسألة، طلب من تلاميذه أن يبيّنوا ثمرة الفرق بين القولين، فبيّنّا له ثمرة في ذلك. وأنا الآن أطلب منكم أن

 
الصفحة 53

تأتوا إليّ غداً بعد التفكير والتأمّل بثمرة القولين.

فحضر شهيدنا الصدر في اليوم التالي قبل الآخرين لدى اُستاذه، وقال: إنّي جئت بثمرة للقولين، فتعجّب الشيخ آل ياسين من ذلك; لأنّ صغر سنّه ـ وقتئذ ـ كان يوحي إلى الشيخ آل ياسين أنّ حضوره مجلس الدرس ليس حضوراً اكتسابيّاً بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإنّما هو حضور ترفيهيّ. فذكر شهيدنا الصدر ما لديه من الثمرة ممّا أدهش الاُستاذ آل  ياسين; لفرط ذكاء هذا التلميذ الصغير، ونبوغه، وقال له: أعد بيان الثمرة لدى حضور باقي الطلاّب.

وحينما حضر الطلاّب الآخرون، طالبهم الشيخ الاُستاذ بالثمرة، فلم يتكلّم منهم أحد، فقال الشيخ: إنّ السيّد محمّدباقر الصدر أتى بثمرة للخلاف غير الثمرة التي نحن أتينا بها إلى اُستاذنا. وهنا يبيّن شهيدنا الصدر ما لديه من الثمرة، ويثير إعجاب الحاضرين، ويعرف من ذلك الحين لدى أكابر الحوزة العلميّة بالذكاء، والنبوغ العلميّ.

قال أخوه المرحوم السيّد إسماعيل الصدر : «سيّدنا الأخ بلغ ما بلغ في أوان بلوغه».

وفي سنة (1370 هـ ) تُوفّي الشيخ آل ياسين . وعلّق المرحوم الشيخ عبّاس الرميثيّ بتعليقته على رسالة الشيخ آل ياسين المسمّـاة ببلغة الراغبين; ولفرط اعتقاده، وشدّة إيمانه بذكاء شهيدنا الصدر ونبوغه طلب منه أن يحضر مجلس التحشية، فلبّى الشهيد دعوة اُستاذه، واشترك في مجلس التحشية. وقد كتب شهيدنا الصدر ـ وقتئذ ـ تعليقة على بلغة الراغبين أيضاً. وكان يقول له الشيخ عبّاس الرميثيّ في ذاك التأريخ: إنّ التقليد عليك حرام.

 

 
الصفحة 54

 

وقد حضر شهيدنا الغالي من سنة (1365 هـ ) درس اُستاذه آية الله الخوئيّ فقهاً واُصولاً، وأنهى تحصيلاته الاُصوليّة في سنة (1378 هـ )، والفقهيّة في سنة (1379 هـ ).

وكانت مدّة تحصيلاته العلميّة من البداية إلى النهاية نحو سبع عشرة سنة، أو ثماني  عشرة سنة. ولكنّ هذه المدّة على رغم قصرها زمناً كانت في واقعها مدّة واسعة; إذ إنّ شهيدنا الصدر كان يستثمر من كلّ يوم ست عشرة ساعة; لتحصيل العلم، فمن حين استيقاظه من النوم في اليوم السابق إلى ساعة النوم في اليوم اللاّحق كان يلاحق المطالعة والتفكير عند قيامه وقعوده ومشيه.

بدأ شهيدنا الصدر بتدريس خارج الاُصول في سنة (1378 في يوم الثلاثاء 12 / جمادى  الآخرة)، وأنهى الدورة الاُولى في يوم الثلاثاء (12  / ربيع الآخر / 1391 هـ)، وكانت آخر كلماته في البحث ما يلي:

«وبهذا انتهى الكلام في هذا التنبيه، وبه انتهى الكلام في مبحث التعادل والتراجيح، وبه انتهت هذه الدورة من علم الاُصول».

وبدأ الشهيد بتدريس خارج الفقه على نهج العروة الوثقى في سنة (1381 هـ ).

إلى هنا انتهى ما استفدناه من رسالة المرحوم السيّد عبدالغني الأردبيليّ .


 
˜™

 

 
السابق | التالي | فهرس الكتاب