صفحه 452  

 

الأصل عند الشكّ في النفسيّة والغيريّة

الجهة الثانية: في أنّه إذا علمنا بوجوب شيء كالوضوء، وشككنا في كونه نفسيّاً أو غيريّاً، فما هو مقتضى الأصل؟

والكلام تارةً يكون في الأصل اللفظيّ، واُخرى في الأصل العمليّ:

أمّا الأصل اللفظيّ: فهو يقتضي النفسيّة، ولذلك خمسة تقريبات، بعضها صحيح، وبعضها غير صحيح، مضت في مبحث دلالة الأمر على النفسيّة، وعناوين تلك التقريبات هي هذه:

1 ـ التمسّك بإطلاق الأمر بالوضوء لغير حالات وجوب ما يفترض كونه مقدّمة له كالصلاة.

2 ـ التمسّك بإطلاق مادّة ما يفترض الوضوء مقدّمة له، وشمولها لما لا يكون مع الوضوء.

3 ـ دعوى: أنّ النفسيّة قيد عدميّ، والغيريّة قيد وجوديّ، والإطلاق يعيّن القيد العدميّ في مقابل القيد الوجوديّ.

4 ـ أصالة التطابق بين عالم الإثبات وعالم الثبوت، حيث إنّه ذكر وجوب الوضوء ذكراً مستقلاًّ غير تبعيّ، فظاهره: أنّه بحسب الثبوت يكون وجوبه وجوباً مستقلاًّ غير تبعيّ.

5 ـ التمسّك بإطلاق المادّة التي تعلّق بها الأمر ـ وهو الوضوء مثلا ـ للحصّة غير الموصلة بناءً على ما هو الصحيح: من أنّ الواجب المقدّميّ إنّما هي الحصّة الموصلة.

وتفصيل الكلام في هذا البحث موكول إلى ما مضى من بحث دلالة الأمر على النفسيّة في مقابل الغيريّة.

 
  صفحه 453  

وأمّا الأصل العمليّ: فنتكلّم فيه بلحاظ عدّة صور:

الصورة الاُولى: أن يكون الوضوء على تقدير كونه واجباً غيريّاً مقدّمة لواجب نفسيّ غير الفعليّ، كأن يكون مقدّمة للصلاة، ولكن المكلّف عبارة عن إمرأة حائض فعلا، وهذا معناه: أنّ الوجوب الغيريّ للوضوء غير فعليّ حتماً، والوجوب النفسيّ له مشكوك تجري عنه البراءة بلا إشكال.

الصورة الثانية: أن يعلم إجمالا: إمّا بوجوب الوضوء نفسيّاً، أو بوجوبه غيريّاً مقدمةً لشيء نحن لا نعلم بوجوبه بالفعل، أي: لا نعلم بكونه واجباً حتّى على تقدير نفسيّة وجوب الوضوء، وإنّما نعلم بوجوبه على تقدير كون وجوب الوضوء غيريّاً، وذلك كما لو علمنا إجمالا بأنّه: إمّا يجب الوضوء وجوباً نفسيّاً، أو تجب الزيارة مثلا المقيّدة بكونها مع وضوء، فيكون الوضوء واجباً غيريّاً من دون العلم الفعليّ بوجوب الزيارة.

وفي هذه الصورة يتشكّل علم إجماليّ: إمّا بوجوب الوضوء نفسيّاً، أو بوجوب الزيارة مثلا نفسيّاً.

وهناك تقريبان لدعوى انحلال هذا العلم الإجماليّ، والرجوع إلى الأصل المؤمّن:

التقريب الأوّل: دعوى الانحلال الحقيقيّ; لكون أحد طرفي العلم الإجماليّ ـ وهو الوضوء ـ معلوم الوجوب تفصيلا، فيكون الطرف الآخر ـ وهو الزيارة ـ مشكوك الوجوب بدواً، ونفي وجوبه بالبراءة.

وهذا التقريب غير صحيح; إذ الانحلال الحقيقيّ غير معقول إذا لم يكن متعلّق العلم التفصيليّ من سنخ متعلّق العلم الإجماليّ، وهنا متعلّق العلم الإجماليّ إنّما هو الوجوب النفسيّ: إمّا للوضوء، أو للزيارة، في حين أنّ متعلّق العلم التفصيليّ ليس هو الوجوب النفسيّ، بل الجامع بين الوجوب النفسيّ والغيريّ للوضوء.

 
  صفحه 454  

التقريب الثاني: الانحلال الحكميّ بإجراء البراءة عن وجوب الزيارة بلا معارضة بالبراءة عن الوجوب النفسيّ للوضوء; لأنّ نفي وجوبه النفسيّ إن قصد به التوصّل إلى نفي العقاب بلحاظ ترك الوضوء الذي هو مخالفة قطعيّة، فهذا خارج عن عهدة البراءة، ويكون ذلك غير قابل للرفع عقلا أو عقلائيّاً، فإنّه لو ترك الوضوء فقد خالف حتماً: إمّا الوجوب النفسيّ للوضوء، أو الوجوب النفسيّ للزيارة المقيّدة بالوضوء، وهو يستحقّ العقاب يقيناً، وإن قصد به التأمين عن عقاب آخر، فلا يحتمل عقاب آخر حتّى يؤمّن من ناحيته; فإنّ المفروض: أنّه لا يوجد إلاّ وجوب نفسيّ واحد، فلا يوجد إلاّ عقاب واحد، وهذا بخلاف البراءة عن وجوب الزيارة، فإنّ ترك الزيارة لا يستلزم المخالفة القطعيّة; إذ بإمكانه أن يتوضّأ ولا يزور، وحينئذ يشكّ في العقاب، ويكون نفي العقاب بإجراء البراءة عن وجوب الزيارة.

الصورة الثالثة: أن نفترض: أنّنا عرفنا فقط أنّ المولى أمر بالوضوء، ولا ندري: هل هو واجب نفسيّ، أو غيريّ، وعلى تقدير كونه غيريّاً الأمر يدور في واجبه النفسيّ الذي يكون هذا مقدّمة له بين اُمور غير محصورة، فيتشكّل علم إجماليّ بوجوب نفسيّ مردّد بين اُمور غير محصورة إمّا الوضوء، أو أحد اُمور كثيرة. وقد حقّقنا في محلّه: أنّ العلم الإجماليّ في الشبهة غير المحصورة لا ينجّز حتّى حرمة المخالفة القطعيّة، وأنّه تجري البراءة في كلّ الأطراف، فتجري البراءة حتّى عن الوجوب النفسيّ للوضوء.

ولا يقال: إنّ ترك الوضوء بالأخرة يؤدّي إلى المخالفة القطعيّة; فإنّه لا بأس بذلك.

الصورة الرابعة: أن نعلم إجمالا أنّ الوضوء: إمّا واجب نفسيّ، أو واجب غيريّ لما هو معلوم الوجوب على كلّ حال كالصلاة مثلا.

 
  صفحه 455  

وقد ذكر المحقّق النائينيّ في ذلك: أنّ أصل وجوب الصلاة، وكذلك وجوب الوضوء معلوم، ويقع الشكّ في تقيّد الصلاة بالوضوء، فتجري البراءة عن هذا التقيّد، ونتيجة ذلك نتيجة النفسيّة، فبإمكانه أن يتوضّأ ويصلّي كيفما اتّفق، سواء توضّأ قبل الصلاة أو بعدها(1).

وناقش السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ في ذلك بأنّه يعلم إجمالا: إمّا بالوجوب النفسيّ للوضوء، أو الوجوب النفسيّ الضمنيّ لتقيّد الصلاة بالوضوء، وهذا علم إجماليّ منجّز. ودعوى: أنّ الوضوء معلوم الوجوب على كلّ حال غير مفيدة; إذ هو معلوم الوجوب بالجامع بين الوجوب النفسيّ والوجوب الغيريّ، والوجوب الغيريّ غير قابل للتنجّز، والعلم بالجامع بين ما لا يقبل التنجّز وما يقبل التنجّز لا يكون منجّزاً، إذن فالبراءة عن الوجوب النفسيّ الضمنيّ للتقيّد مع البراءة عن الوجوب النفسيّ للوضوء تتعارضان وتتساقطان، فيجب الاحتياط بإيقاع الوضوء قبل الصلاة(2).

أقول: إنّ هذا الإشكال قابل للدفع في صورة وحدة الواقعة، بناءً على مبنى المحقّق النائينيّ في باب تنجيز العلم الإجماليّ المختار عندنا.

وتوضيح تسلسل التفكير في المقام:


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 170 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ ، وفوائد الاُصول، ج 1، ص 222 ـ 223 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

(2) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 170، تحت الخطّ بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ ، والمحاضرات، ج 2، ص 392 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

  صفحه 456  

أنّه قد يقال: إنّه أيّ فرق بين الصورة الثانية والصورة الرابعة، فكما علمنا إجمالا في الصورة الرابعة بالوجوب النفسيّ للوضوء، أو الوجوب النفسيّ لتقيّد الصلاة بالوضوء، كذلك علمنا إجمالا في الصورة الثانية بالوجوب النفسيّ للوضوء، أو الوجوب النفسيّ للزيارة، وغاية الفرق بينهما: أنّ طرفي العلم الإجماليّ في الصورة الثانية كانا عبارة عن وجوب نفسيّ مستقلّ، ولكن في هذه الصورة أصبح أحد طرفيه عبارة عن وجوب نفسيّ ضمنيّ، وهو وجوب التقيّد وهذا الفرق ليس فارقاً; فإنّه كما كنّا نقول في الصورة الثانية: إنّ البراءة عن وجوب الزيارة لا تعارضها البراءة عن الوجوب النفسيّ للوضوء; لأنّ ترك الوضوء يستلزم المخالفة القطعيّة، والتأمين عن العقاب مع المخالفة القطعيّة غير معقول، كذلك نقول في المقام: إنّ البراءة عن وجوب التقيّد لا تعارضها البراءة عن الوجوب النفسيّ للوضوء; لأنّ ترك الوضوء يستلزم المخالفة القطعيّة، والتأمين عن العقاب مع المخالفة القطعيّة غير معقول.

إلاّ أنّ هذا الإشكال بهذا المقدار لو اُلقي على السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ أمكنه أن يجيب ببيان الفرق بين الصورتين، فإنّه في الصورة الثانية البراءة عن الوجوب النفسيّ للوضوء لا تفيد، لا لنفي أصل العقاب; للقطع بالمخالفة، ولا لنفي عقاب ثان; للقطع بعدم عقاب ثان; لعدم وجود وجوبين نفسيّين، وأمّا في الصورة الرابعة، فالبراءة عن الوجوب النفسيّ للوضوء تفيد، لا لنفي أصل العقاب حتّى يقال: إنّ ترك الوضوء يستلزم المخالفة القطعيّة، بل لنفي عقاب ثان فيمن ترك الصلاة والوضوء معاً; فإنّ الوضوء لو كان مقدّمة للصلاة لم يعاقب إلاّ بعقاب واحد على ترك الصلاة، ولو كان واجباً نفسيّاً كان عليه عقاب آخر لترك الوضوء، فهذا هو الفرق بين الصورتين.

إلاّ أنّ التحقيق: أنّ هذا الفرق ليس فارقاً عند فرض وحدة الواقعة، وذلك بناءً

 
  صفحه 457  

على ما بنى عليه المحقّق النائينيّ ـ  وهو الصحيح  ـ من جريان الاُصول الترخيصيّة في أطراف العلم الإجماليّ إذا لم يمكن عقلا للمكلّف الاستناد إليها جميعاً في عرض واحد الذي ينجرّ إلى المخالفة القطعيّة، ومثال ذلك الشبهة غير المحصورة التي لا يمكن للمكلّف ارتكاب جميع أطرافها; حيث ذكر المحقّق النائينيّ : أنّه إذن لا بأس بجريان الاُصول في تمام أطرافها، وما نحن فيه عند فرض عدم تعدّد الواقعة من هذا القبيل، فإنّ المكلّف لا يمكنه أن يستفيد في واقعة واحدة من الأصل في كلا طرفي العلم الإجماليّ، أي: من أصل البراءة عن الوجوب النفسيّ للوضوء، وأصل البراءة عن التقيّد في وقت واحد; وذلك لأنّه لا يخلو أمره في واقعة واحدة من أنّه يصلّي أو يترك الصلاة، فإن ترك الصلاة فالبراءة عن التقيّد لا تفيده; فإنّ عقاب ترك الصلاة مسجّل عليه لا محالة، وليس هناك عقاب آخر ينتفي بالبراءة عن التقيّد، وإن أتى بالصلاة فالبراءة عن الوجوب النفسيّ للوضوء لا تفيده; إذ لا يمكن أن ينفي بهذه البراءة أصل العقاب، ولا عقاب ثان. أمّا الأوّل فلأنّ ترك الوضوء يستلزم المخالفة القطعيّة للمعلوم بالإجمال على كلّ تقدير، ولا تأمين عن العقاب على المخالفة القطعيّة. وأمّا الثاني فلأنّه في فرض الإتيان بالصلاة يقطع بعدم عقاب ثان; إذ لا يحتمل في الوضوء أن يكون واجباً نفسيّاً وقيداً للصلاة في وقت واحد، وليس الواجب النفسيّ الذي يترك عند ترك الوضوء إلاّ واجباً واحداً وهو الوضوء، أو تقيّد الصلاة بالوضوء; لأنّ المفروض إتيانه بأصل الصلاة، وعليه فلا يقع التعارض بين البراءتين.

نعم، لو تعدّدت الواقعة، أمكنه أن يصلّي في إحداهما، ويترك في الاُخرى، فيستفيد من كلتا البراءتين.

وقد تحصّل من استعراضنا لهذه الصور الأربع، والكلام فيها: أنّ ملاك الانحلال الحكميّ موجود في الصورة الثانية، بل والرابعة أيضاً على تفصيل عرفت، وهذا

 
  صفحه 458  

الملاك ـ بحسب الحقيقة ـ قانون كلّيّ للانحلال يسري في مقامات عديدة، والضابط الكلّيّ له: أنّه كلّما تشكّل علم إجماليّ بأحد تكليفين، وكانت مخالفة أحدهما مستلزمة لمخالفة الآخر، دون العكس، ففي مثل ذلك لا تجري البراءة عن هذا التكليف; لأنّ مخالفته مساوقة للمخالفة القطعيّة، وتجري البراءة عن الآخر بلا معارض.

وهذا الضابط للانحلال ينطبق في عدّة مقامات، نذكرها هنا على سبيل الإجمال:

الأوّل: ما نحن فيه، وهو ما لو علم إجمالا بوجوب نفسيّ لشيء، أو لشيء آخر يفرض الأوّل مقدّمة وقيداً له، فمخالفة الأوّل تستلزم مخالفة الثاني، دون العكس، فيثبت الانحلال الحكميّ كما عرفت الكلام فيه.

الثاني: إذا علم إجمالا بوجوب أحد ضدّين لهما ثالث، أو حرمة الآخر، كما لو علم إجمالا بوجوب استقبال القبلة، أو حرمة استدبارها، فمخالفة حرمة الاستدبار تستلزم مخالفة وجوب الاستقبال، دون العكس، فتجري البراءة عن وجوب الاستقبال بلا معارض.

الثالث: لو علم إجمالا بوجوب أحد أمرين وجوديّين متغايرين، وكان أحدهما أخصّ مورداً من الآخر، فترك الأعمّ مورداً يستلزم ترك الأخصّ، دون العكس، كما لو علم إجمالا بوجوب استقبال منارة في الصحن عن قرب، أو استدبار حائط الصحن، فترك استدبار حائط الصحن يساوق ترك استقبال المنارة عن قرب، دون العكس، فتجري البراءة عن وجوب الأخصّ.

الرابع: موارد الأقلّ والأكثر الارتباطيّين بالمعنى الأعمّ الشامل للشكّ في الجزء والشرط، ولدوران الأمر بين التعيّين والتخيير، كدوران الأمر بين وجوب إكرام حيوان، أو خصوص الإنسان، فمخالفة وجوب الأقلّ تستلزم مخالفة الأكثر، دون العكس.

نعم، موارد الأقلّ والأكثر بالمعنى الأخصّ، وهو الشكّ في الجزء والشرط

 
  صفحه 459  

تمتاز ببيان الانحلال ببرهان آخر أيضاً; ولذا كان الانحلال فيه أوضح، وهو: أنّ البراءة عن المطلق لا تجري بقطع النظر عن البيان السابق; وذلك لأنّ وجوب المطلق ينحلّ إلى وجوب ذات المطلق وإلى إطلاقه: أمّا وجوب ذات المطلق، فمعلوم ولو في ضمن المقيّد، وأمّا إطلاقه، فليس ثقيلا وضيّقاً حتّى يشمله دليل البراءة، فإنّ مفاد دليل البراءة هو التوسيع.

وبهذا يتّضح: أنّه عندنا قانونان للانحلال الحكميّ، أحدهما يشمل المقامات الأربعة، وهو كون مخالفة أحدهما مستلزمة لمخالفة الآخر، والثاني يختصّ بقسم من المقام الرابع، وهو الأقلّ والأكثر بالمعنى الأخصّ، وهو: أنّه لا معنى لشمول البراءة لوجوب المطلق; إذ ذات المطلق معلوم الوجوب، وإطلاقه ليس ثقيلا حتّى يرفع.

ثُمّ إنّك عرفت: أنّ ملاك الانحلال فيما نحن فيه هو: أنّ ترك محتمل المقدّميّة مخالفة لكلا الواجبين النفسيّين المحتملين، بخلاف ترك الآخر، فمتى ما ثبتت هذه النكتة ثبت الانحلال، ومتى ما لم تثبت لم يثبت الانحلال.

وعليه فنقول: إنّ محتمل المقدّميّة ـ وهو الوضوء مثلا ـ تارةً يفرض: أنّ وقته على تقدير كونه واجباً نفسيّاً، ووقته على تقدير كونه واجباً غيريّاً متّحد، أو أنّ الأوّل أوسع من حيث الابتداء، أو الانتهاء، أو من كلا الجانبين، وعندئذ تنطبق عليه هذه النكتة للانحلال بلا إشكال; فإنّه لو ترك الوضوء فقد ترك الواجب الآخر، وهو الزيارة المقيّدة بالوضوء، أو تقيّد الزيارة بالوضوء، في حين أنّه يمكنه أن يترك الواجب الآخر، بأن يترك الزيارة المقيّدة بالوضوء في الصورة الثانية من الصور الأربع التي أشرنا إليها آنفاً في أوّل البحث، أو يزور قبل الوضوء في الصورة الرابعة من تلك الصور من دون أن يترك الوضوء.

واُخرى يفرض: أنّ الوقتين متباينان، أو أنّ الثاني أوسع، وعندئذ تختلّ النكتة، فهناك فرضان لاختلال النكتة:

 
  صفحه 460  

الفرض الأوّل: فرض تباين الزمانين(1)، كما لو علمنا إجمالا: إمّا بوجوب إيقاع الوضوء قبل الزوال نفسيّاً، أو وجوب الزيارة المقيّدة بالوضوء الواقع بعد الزوال، وفي هذا الفرض لا تتمّ نكتة الانحلال، من دون فرق بين الصورة الثانية والصورة الرابعة، ففي الصورة الثانية نقول: يمكنه أن يخالف الوجوب النفسيّ للوضوء من دون مخالفة وجوب الزيارة المقيّدة بالوضوء بعد الزوال، وذلك بأن لا يتوضّأ قبل الزوال، ويتوضّأ بعد الزوال ويزور، كما يمكنه أن يخالف الوجوب النفسيّ للزيارة المقيّدة بالوضوء بعد الزوال دون الوجوب النفسيّ للوضوء، وذلك بأن يتوضّأ قبل الزوال من دون أن يأتي بعد الزوال بزيارة مقيّدة بالوضوء بعد الزوال. وفي الصورة الرابعة، وهي ما لو قطعنا بالوجوب النفسيّ للزيارة، وإنّما تردّدنا بين تقيّدها بالوضوء، أو الوجوب النفسيّ للوضوء، نقول: أيضاً يمكنه مخالفة الوجوب النفسيّ الاستقلاليّ للوضوء من دون مخالفة الوجوب الضمنيّ له، وذلك بأن لا يتوضّأ قبل الزوال، ويتوضّأ بعده ويزور، ويمكنه مخالفة الوجوب الضمنيّ للوضوء من دون مخالفة الوجوب النفسيّ له، وذلك بأن يتوضّأ قبل الزوال، ولا يتوضّأ بعد الزوال ويزور.

الفرض الثاني: أن تكون دائرة الشرط أوسع ـ ولو نتيجةً(2)ـ من دائرة


(1) ولو تبايناً جزئيّاً، بأن كان أحدهما أوسع من حيث الابتداء، والآخر أوسع من حيث الانتهاء، فكانت النسبة بينهما عموماً من وجه.

(2) توضيح المقصود من كلمة (ولو نتيجةً): أنّه إذا وجبت احتمالا بعد الزوال الزيارة المقيّدة بمطلق الوضوء، أي: سواء كان الوضوء قبل الزوال، أو بعد الزوال، ولكن الوضوء المحتمل وجوبه نفسيّاً كان هو وضوء ما قبل الزوال، فهنا ـ بحسب الدقّة ـ إنّما تكون دائرة الشرط أوسع نتيجةً لا حقيقةً; إذ الوجوب الضمنيّ للتقيّد بالوضوء يستحيل أن يشمل

  صفحه 461  

الوجوب النفسيّ، بأن نفترض: أنّ الوضوء إذا كان واجباً نفسيّاً، فلابدّ من إيقاعه قبل الزوال، وإذا كان شرطاً للزيارة، فالشرط يتحقّق بالوضوء قبل الزوال، ويتحقّق بالوضوء بعد الزوال.

وعليه، ففي الصورة الثانية، وهي ما لو لم نعلم بالوجوب النفسيّ للزيارة من غير هذه الناحية لا تنطبق نكتة الانحلال; فإنّه يمكنه أن يخالف الوجوب النفسيّ للوضوء، دون الوجوب النفسيّ للزيارة المقيّدة بالوضوء، وذلك بأن يترك الوضوء


الوضوء قبل الزوال; لأنّ وجوب الزيارة المقيّدة به إنّما يحدث بعد الزوال، فواقع المطلب: أنّه لو توضّأ قبل الزوال، لم يتّجه إليه أمر ضمنيّ بالوضوء بعد الزوال، ولو لم يتوضّأ قبل الزوال، توجّه إليه ذلك، فكأنّه ـ بحسب النتيجة ـ دائرة الشرط أوسع.

هذا. وكأنّ هذا التعبير إنّما جاء في الكلام بلحاظ أنّ نظره كان إلى الوجوب الضمنيّ للتقيّد بالوضوء، لا الوجوب الغيريّ للوضوء، وإلاّ فالوجوب الغيريّ للوضوء حقيقةً أوسع، لا أنّه أوسع نتيجةً; إذ وجوب المقدّمة يمكن أن يسبق وجوب ذيها، كما في المقدّمات المفوّتة، وكأنّ نكتة التفاته إلى الوجوب الضمنيّ للوضوء، لا الوجوب الغيريّ له أنّه فيما سيقرّره من الانحلال العكسيّ تكون البراءة عن الوجوب الضمنيّ للوضوء هي التي تستلزم الترخيص في المخالفة القطعيّة، فلا تجري، أمّا الوجوب الغيريّ، فلا معنى أصلا للبراءة عنه. أو قل: إنّ طرف العلم الإجماليّ الذي نتكلّم عن تنجيزه وعدم تنجيزه في الصورة الرابعة إنّما هو الوجوب الضمنيّ للوضوء، لا الوجوب النفسيّ للزيارة; لأنّ المفروض العلم به، ولا الوجوب الغيريّ للوضوء; لأنّه لا عقاب على مخالفته، فالمناسب هو صرف النظر إلى الوجوب الضمنيّ للوضوء.

وعلى أيّة حال، فلو قسنا الزمان إلى الوجوب النفسيّ للوضوء والوجوب الغيريّ له، أو إلى ذات الواجبين، لا الوجوبين، استغنينا عن عبارة: (ولو نتيجةً).

  صفحه 462  

قبل الزوال، ويتوضّأ بعد الزوال ويزور، ويمكنه العكس، وذلك بأن يتوضّأ قبل الزوال ولا يزور.

وفي الصورة الرابعة، وهي ما لو علمنا بالوجوب النفسيّ للزيارة وشككنا في كون الوضوء قيداً لها، أو واجباً نفسيّاً يتمّ الانحلال عكسيّاً إذا كانت الزيارة مقيّدة بما بعد الزوال، فمخالفة الوجوب النفسيّ الاستقلاليّ للوضوء لا تستلزم مخالفة الوجوب الضمنيّ له; إذ بإمكانه أن يترك الوضوء قبل الزوال، ويتوضّأ ويزور بعد الزوال، ولكن مخالفة الوجوب الضمنيّ للوضوء ـ  في فرض الإتيان بالزيارة الذي هو فرض تصوّر فائدة للبراءة عن الوجوب الضمنيّ، وفرض مخالفة الوجوب بمقدار الوجوب الضمنيّ  ـ تستلزم مخالفة الوجوب النفسيّ للوضوء; إذ لو لم يتوضّأ أصلا قبل الزيارة التي فرض وقتها بعد الزوال، فقد ترك الوضوء قبل الزوال، وعليه فتجري البراءة عن الوجوب النفسيّ للوضوء بلا معارض.

 

 

 
  صفحه 463  

 

استحقاق الجزاء على الأوامر الغيريّة

الجهة الثالثة: في استحقاق العقاب والثواب على الأوامر الغيريّة مخالفة وموافقة.

أمّا العقاب: فلا إشكال في أنّ مخالفة الأوامر النفسيّة توجب استحقاق العقاب; لأنّها تضييع لحقّ الطاعة للمولى، وتضييع الحقّ يصحّح العقاب من قبل من له الحقّ على من عليه الحقّ، وأمّا مخالفة الأمر الغيريّ، فتوضيح الحال فيها: أنّ العقاب على نحوين:

الأوّل: العقاب بالملاك الانفعاليّ.

والثاني: العقاب بالملاك المولويّ.

ومقصودنا بالعقاب بملاك الانفعال العقاب الناشئ من غضب المولى وتحسّره وتألّمه، فالمولى يضرب العبد عقاباً له على ما سبّبه له من انفعال، وهذا قد يتحقّق من غير المولى أيضاً على من خالف أوامره وتحكّماته، ولا إشكال في أنّ هذا العقاب إنّما يكون بسبب فوات الغرض النفسيّ، لا الغيريّ، بداهة أنّ المولى لو طلب مثلا ماءً بارداً من العبد، فلم يأتِ به، لم يحصل عند المولى إلاّ انفعال واحد ولو فرض للفعل ألف مقدّمة، ولا يشتدّ انفعاله ويضعف بكثرة المقدّمات وقلّتها.

وبكلمة اُخرى: إنّ ضمّ ترك المقدّمة إلى ترك ذي المقدّمة كضمّ الحجر إلى جنب الإنسان، فالمولى لا يهمّه أن يأتي العبد بالمقدّمة، أو لا بعد فرض تركه لذي المقدّمة.

ومقصودنا بالعقاب المولويّ: العقاب الناشئ من حكم العقل بالمولويّة ولزوم الطاعة، ولابدّ في تشخيص موضوعه من الرجوع إلى العقل الذي أدرك حقّ الطاعة، والذي يدركه عقولنا أنّ موضوعه أيضاً هو ذاك الانفعال، فإنّ العقل يرى

 
  صفحه 464  

أنّ العبد يجب أن يكون بوجوده وعضلاته امتداداً لعضلات المولى، ويهتمّ بعدم انفعاله كما هو يهتمّ به ـ  أو ما يقوم مقام الانفعال في المولى الحقيقيّ، فإنّنا إنّما نعبّر بالانفعال ونحوه في باب المولويّة والعبوديّة بلغة البشر وإن كان لا ينطبق عليه تعالى، فالقصور في العبارة  ـ فالعقل يقول: إنّ موضوع العقاب المولويّ هو موضوع العقاب الانفعاليّ، فالعقاب الانفعاليّ حينما يصدر من المولى يكون قد صدر من أهله، ووقع في محلّه، وحينما يصدر من غير المولى يكون ظلماً وعدواناً، فالعقاب سواء كان انفعاليّاً أو مولويّاً إنّما هو على مخالفة الأمر النفسيّ.

نعم، قد يكون من حين مخالفة الأمر الغيريّ بالرغم من عدم انتهاء وقت الواجب النفسيّ(1)، وذلك كما لو ترك المقدّمة في أوّل الزوال، في حين أنّه يصبح بذلك عاجزاً إلى آخر الوقت.

والخلاصة: أنّ العقاب سواء كان انفعاليّاً أو مولويّاً يكون على الغرض النفسيّ، لا على المقدّمة، نعم الغرض النفسيّ للمولى بما هو مولىً قد يختلف من الغرض النفسيّ له لا بما هو مولىً، أعني بذلك: أنّ غرض الإنسان بما هو هو عبارة عن الملاك الذي هو محبوب ذاتيّ له، وقد يعاقب شخصاً ولو عدواناً على أنّه لم يحصّل له ذلك الملاك، وفوّته عليه، ولكن حينما يأمر إنساناً بشيء باعتباره مولىً فقد يدخّل في عهدته عملا من الأعمال التي هي مقدّمة للوصول إلى ذلك الملاك، من دون أن يأمر بنفس ذلك الملاك، كما هو الحال في أمر المولى بالصلاة والصوم ونحو ذلك، وعندئذ فالعقل يرى أنّ النقطة التي صبّ المولى مولويّته عليها ـ  وهي الصلاة والصوم مثلا ـ هي كأنّها الغرض النفسيّ للمولى، فيثبت العقاب على مخالفة هذه النقطة.


(1) وقد يكون قبل حلول وقت الواجب النفسيّ أيضاً، كما في ترك المقدّمات المفوّتة الواجبة.

  صفحه 465  

وأمّا الثواب: فأيضاً يوجد عندنا ثواب انفعاليّ وثواب مولويّ.

أمّا الثواب الانفعاليّ، فهو الثواب الثابت على أساس الحافز الانفعاليّ للتعويض، إلاّ أنّ الانفعال هنا انفعال موافق، وفي طرف العذاب كان انفعالا معاكساً، وهذا الحافز الانفعاليّ يحصل للشخص بأزاء قضاء حاجته، ومهما كانت لقضاء حاجته مقدّمات فسوف لن يكون له إلاّ انفعال واحد وفرح واحد، باعتبار أنّه استوفي له غرض واحد، وحيث إنّ الانفعال هو الحافز للمثوبة، فلا يثيبه بهذا الملاك إلاّ بثواب واحد، فلا ثواب على المقدّمات.

نعم، هذا السبب الواحد والحافز الواحد للثواب يحفّزه نحو ثواب متناسب في حجمه من حيث الصغر والكبر مع ما بذله الفاعل من الجهد في سبيل تحصيل غرض هذا الإنسان، فبكثرة المقدّمات يكبر حجم الثواب، لا بمعنى زيادة في السبب وأنّه يتعدّد الثواب بتعدّد أسبابه، بل بمعنى زيادة في المسبّب، من قبيل الثواب على واجب ارتباطيّ مركّب من أجزاء، فإنّ الواجب الارتباطيّ كلّما كثر أجزاؤه زاد ثوابه، مع وضوح: أنّه ليس كلّ جزء من أجزائه سبباً مستقلاًّ لثواب مستقلّ.

وأمّا الثواب المولويّ، فهو تعويض بحكم العقل، في حين أنّ الثواب الانفعاليّ كان تعويضاً بمقتضى الطبع، فالثواب المولويّ ثواب بلحاظ استحقاق الفاعل على من فعل لأجله بمرتبة من مراتب الاستحقاق التي قد تكون استحبابيّة، وقد تكون وجوبيّه، فإثابة المولى الحقيقيّ لعبده عند إطاعة أوامره استحبابيّة وإثابة غير المولى لمن خدمه وأحسن إليه قد تكون وجوبيّة، وهذا أيضاً يتقدّر موضوعه بموضوع الثواب الانفعاليّ، فالعقل ينظر إلى الإثابات الطبيعيّة، ويقول في باب المولويّة: إنّها صدرت من أهلها، ووقعت في محلّها، من دون أن يضيف العقل إثابات جديدة، فهنا أيضاً لا يوجد إلاّ سبب واحد للثواب، ولا يوجد إلاّ ثواب واحد.

 
  صفحه 466  

نعم، هذا الثواب يتناسب طرديّاً في حجمه مع مقدار التعب، وبذل الجهد، ودرجة الصعوبة في فعل العبد، فكثرة المقدّمات توجب ـ لا محالة ـ ازدياد الثواب، من قبيل: أنّ كثرة أجزاء الواجب الارتباطيّ توجب ازدياد الثواب، مع وضوح عدم كون كلّ جزء من أجزائه سبباً مستقلاًّ للثواب.

نعم، هناك فارقان بين الثواب الانفعاليّ والثواب المولويّ:

الأوّل: أنّ موضوع الثواب الانفعاليّ هو واقع خدمة الشخص، وإيصال الفائدة إليه، وتحصيل غرضه، في حين أنّ موضوع الثواب المولويّ هو أن يفعل العبد شيئاً بداعي خدمة المولى، وإيصاله إلى غرضه ولو لم يكن واقعاً خدمة للمولى وموصلا له إلى غرضه، وكذلك أيّ مخدوم آخر، فيكفي في استحقاق الثواب المولويّ على الفعل أن يكون خدمة بالوجود الواصل من الخدمة على اختلاف درجات الوصول: من قطع، أو ظنّ، أو احتمال وإن كان مخطئاً في ذلك.

بل وحتّى لو عرف العبد بعد ذلك أنّ هذا الفعل لم يؤدِّ إلى غرض المولى، كان مثاباً مادام أنّ داعيه كان هو خدمة المولى، إلاّ إذا كان عدم أدائه إلى غرض المولى من باب تعمّده لقطع الفعل، أي: أتى ببعض المقدّمات، ثُمّ حصل له البداء من خدمة المولى، فقطعها قبل الوصول إلى النتيجة من دون انكشاف عذر له.

نعم، لو قطع العمل بانكشاف عذر له، من قبيل العجز عن الإيصال إلى النتيجة، لم يضرّ ذلك باستحقاق الثواب، ومن قبيل ما لو ظهر له مثلا أنّ في الفعل مشقّة أكثر ممّا استعدّ نفسيّاً لتحمّلها، فترك تكميل الفعل، فهذا أيضاً درجة من العذر، يختلف معه حال هذا الشخص عن حال من قطع الفعل في الأثناء متعمّداً، ومن دون أيّ عذر من هذا القبيل.

والثاني: أنّه في الثواب الانفعاليّ لا يترتّب الثواب بمجرّد الشروع في المقدّمة، بل يكون الثواب عند الوصول إلى الغرض، أمّا في الثواب المولويّ، فبقدر ما يأتي

 
  صفحه 467  

بالمقدّمة بقصد التوصّل يستحقّ الثواب مشروطاً بشرط متأخّر، وهو أن يأتي أخيراً بالنتيجة، أو يكون تركه لها عن عجز، أو عن صعوبة أكثر ممّا كان يتوقّع.

وعلى أيّ حال، فموضوع الثواب المولويّ إنما هو خدمة المولى بتحصيل غرضه بوجودها الواصل إلى العبد، وهذه الخدمة أو تحصيل الغرض لا تتعدّد بتعدّد المقدّمات، وليس الثواب على المقدّمات بنحو الاستقلال وإن كانت كثرة المقدّمات دخيلة في كثرة الثواب من باب: أنّ أفضل الأعمال أحمزها.

وبهذا صحّ كلام المشهور القائل بأنّه لا عقاب ولا ثواب على الأمر المقدّميّ.

غير أنّ السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ خالف(1) المشهور في الثواب، وقال: كلّما كثرت المقدّمات كثرت أسباب الثواب، فمن أتى بمقدّمة وذيها، استحقّ ثوابين، ومن أتى بالواجب بلا حاجة إلى مقدّمة، استحقّ ثواباً واحداً.

وهذا الكلام تارةً يستشهد له بشهادة الوجدان بالفرق في الثواب بين من طوى مقدّمات كثيرة جدّاً حتّى استطاع أن يصل إلى تحصيل الماء للمولى مثلا، وبين من كان الماء إلى جنبه، فأخذه وقدّمه للمولى.

وهذا الاستشهاد في غير محلّه; فإنّه لا كلام في أنّ الثواب يزداد بازدياد المقدّمة، ولم ينكر المشهور ذلك، وإنّما الكلام في أنّه: هل هناك أسباب متعدّدة للثواب، أو سبب واحد، وهو ذو المقدّمة، إذا صعب تحصيله ازداد ثوابه؟ وهذا الشاهد لا يشهد لأكثر من ازدياد حجم الثواب، وازدياد حجم الثواب ليس ملازماً لتعدّد أسباب الثواب، وإلاّ فماذا تقول في أجزاء الواجب الارتباطيّ


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 174، تحت الخطّ بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ ، والمحاضرات، ج 2، ص 397 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

  صفحه 468  

الواحد الذي لا كلام في أنّه ليس إلاّ سبباً واحداً لثواب واحد يختلف حجمه باختلاف مقدار الأجزاء.

واُخرى يستدلّ له بأنّ الثواب المولويّ يكون بملاك تعظيم المولى، والإتيان بالمقدّمة بقصد التوصّل إلى ذي المقدّمة تعظيم للمولى، وبعد هذا إذا أتى بذي المقدّمة كان تعظيماً آخر، فيتعدّد الثواب.

وهذا الوجه أيضاً غير تامّ، وجوابه: أنّ هذين الفردين وإن كانا تعظيمين للمولى، لكن الثواب المولويّ الذي يدركه العقل لا يتكثّر بتكثّر التعظيمات، بل يتكثّر بتكثّر موضوعات الثواب الانفعاليّ، فمجموع تعظيمات عديدة إذا كانت موضوعاً واحداً للثواب الانفعاليّ، كان الثواب المولويّ أيضاً مترتّباً على ذاك الموضوع، وإلاّ لنقضنا أيضاً بالواجب الارتباطيّ; فإنّ الإتيان بكلّ جزء تعظيم، مع أنّه لا إشكال في أنّه ليس موضوعاً مستقلاًّ لثواب مستقلّ(1)، وهل يمكن أن


(1) إمّا أن نقول: إنّ موضوع حكم العقل بالثواب هو نفس موضوع الثواب الانفعاليّ، ونقصد بذلك رضا المولى الناشئ من حصول هدفه واقعاً، وهذا يعني اختصاص استحقاق الثواب بالمطيع إطاعة واقعيّة، دون المنقاد الخاطئ في إصابة الواقع. وإمّا أن نقول: إنّ موضوع حكمه بالثواب خضوع العبد وانقياده لمولاه، والذي لا فرق في ذلك بين المطيع والمنقاد الذي لم يصب الواقع، أو قل: هو رضا المولى الناشئ من الانقياد، أو الخضوع والتعظيم، لا من خصوص الإطاعة الواقعيّة. وإمّا أن نقول: إنّ كلّ واحد منهما موضوع للثواب.

أمّا الثواب المفترض ترتّبه على موضوع رضا المولى الناشئ من حصول هدفه، فوحدته برغم كثرة المقدّمات أو الأجزاء واضحة، فإن موضوع الثواب الانفعاليّ أي: الرضا الناشئ من حصول الهدف لا يتعدّد بتعدّد المقدّمات أو الأجزاء بلا إشكال.

  صفحه 469  


وأمّا الثواب المفترض ترتّبه على مطلق الانقياد، أو الخضوع والتعظيم، فأيضاً لا يتعدّد بتعدّد المقدّمات أو الأجزاء، لكن لا ببيان: أنّ التعظيم والانقياد برغم تعدّده لا يكثّر عدد الثواب; لأنّ الجميع ناتج من موضوع واحد للثواب الانفعاليّ، وهو رضا المولى وانشراحه الذي ينشأ من حصول الهدف، بل ببيان: أنّ هذا الخضوع والانقياد من حين البدء بالمقدّمة الاُولى وإلى حين الانتهاء من ذي المقدّمة، أو من حين البدء بالجزء الأوّل إلى حين إنهاء الجزء الأخير ليس منحلاًّ إلى عدّة خضوعات وتعظيمات بعدد الأجزاء، أو المقدّمات وذي المقدّمة، بل هو تعظيم وخضوع واحد مستمرّ مادام موضوع الثواب الانفعاليّ ـ  أو قل: الهدف النفسيّ  ـ للمولى واحداً، إلاّ أنّ هذا الخضوع يطول ويقصر بكثرة الأجزاء وقلّتها، أو بكثرة المقدّمات وقلّتها، وبذلك يزداد أو ينقص حجم الثواب الواحد. هذا.

وقد يستشهد لتعدّد الثواب بأنّه لو أتى بالمقدّمة بقصد التوصّل إلى ذيها، ثُمّ لم يتمكّن من الإتيان بذي المقدّمة لمانع، استحقّ الثواب على ما جاء به.

وهذا الاستشهاد أيضاً غير صحيح، وإلاّ لاتى مثل ذلك في أجزاء المركّب الارتباطيّ، فإنّ من أتى ببعضها بداعي الإتيان بالكلّ، ثُمّ عجز عن الباقي، كان مستحقّاً للثواب، مع أنّه لا إشكال هنا في وحدة الثواب.

والواقع: أنّه لو أتى بالمقدّمة أو بالجزء بقصد إطاعته سبحانه، ثُمّ عجز عن ذي المقدّمة، أو عن الكلّ، فهذا يستحقّ الثواب، لكن لا من باب تعدّد الأسباب، بل من باب: أنّ ذاك السبب الواحد ـ وهو ذلك الخضوع والانقياد ـ وجد على أيّ حال، إلاّ أنّه لم يستمرّ بقاءً، فبقدر ما كان موجوداً يوجب استحقاق الثواب، فإنّا وإن قلنا بأنّ السبب الموجود للثواب من حين الشروع في المقدّمة إلى الانتهاء من ذي المقدّمة واحد، ولكن هذا ليس بمعنى:

  صفحه 470  

يفترض: أنّ المقدّمة أحسن حالا من الجزء، بحيث لو فرض الوضوء مقدّمة، كان تعظيماً، ولو صار جزءاً، لم يكن تعظيماً؟! طبعاً هذا لا معنى له.

وتظهر الثمرة بين ما نقوله من وحدة الثواب ووحدة سببه وإن زاد حجمه بكثرة المقدّمات، وما يقال من تعدّد الثواب وتعدّد سببه: أنّه بناءً على ما نقوله، يصحّ أن ندّعي ما هو مطابق للوجدان: من أنّ من أتى بمقدّمات كثيرة بداعي خدمة شخص، ثُمّ أحجم عن إيصالها إلى النتيجة، لا لأجل العجز أو تلاقي الصعوبة، بل لمجرّد حصول البداء، وتغيّر حالته النفسيّة، لم يكن مستحقّاً للثواب، فمن أخذ مالاً، وطوى مقدّمات إلى أن وصل إلى باب دار زيد، لكي يوصله إلى زيد فبدا له حين وصوله إلى باب داره أن لا يطرق الباب، ولا يوصله إليه، فرجع إلى بيته، أفهل يوجد هناك عاقل يقول بأنّ هذا يستحقّ الثواب من قبل زيد؟!

في حين أنّه لو قلنا بأنّ كلّ مقدّمة من المقدّمات سبب مستقلّ للثواب، فلا معنى لعدم استحقاقه للثواب على تلك المقدّمات لمجرّد ترك سبب آخر مستقلّ للثواب حتّى بناءً على القول بالمقدّمة الموصلة، فإنّه قد أتى بتلك المقدّمات بقصد التوصّل، فيدخل في باب الانقياد، وحصول البداء له بعد ذلك لا يضرّ بكون ما أتى به سابقاً من المقدّمات بقصد التوصّل تعظيماً للمولى، أمّا لو لم نبنِ على المقدّمة


أنّ كلّ الأجزاء الطوليّة لهذا السبب الواحد دخيلة في أصل الثواب، بحيث إذا انتفى الجزء البقائيّ انتفى الثواب، وبمعنى: أنّه ما لم يتأتَّ الجزء الأخير، لم يتأتَّ السبب الكامل، بل وحدة السبب هنا من قبيل وحدة وجود زيد الثابت في اليوم الأوّل، وفي اليوم الثاني; حيث إنّ زيداً بكامله موجود في اليوم الأوّل، وبكامله موجود في اليوم الثاني، فالسبب كان موجوداً بكامله، ولذا استحقّ الثواب. وهذا السبب الواحد بطوله وقصره يؤثّر في مقدار الثواب من باب: أنّ أفضل الأعمال أحمزها.

  صفحه 471  

الموصلة، فيلزم استحقاق الثواب على المقدّمة حتّى لو أتى بها قاصداً من أوّل الأمر لترك ذي المقدّمة.

وقد تحصّل: أنّ حجم العوض يختلف سعةً وضيقاً بكثرة المقدّمات وقلّتها، لكن لا من باب تعدّد أسباب الثواب، بل من باب: أنّ أفضل الأعمال أحمزها.

وعندئذ نقول: إنّه تارةً يفرض: أنّ المكلف يأتي بالمقدّمة بقصد التوصّل إلى ذي المقدّمة لأمتثال أمره، أي: أنّ المحرّك له إلى المقدّمة هو الأمر بذي المقدّمة، وهذا لا إشكال في أنّه دخيل في حجم العوض وسعة الثواب.

واُخرى يفرض: أنّه يأتي بالمقدّمة لغرض دنيويّ لا يمتّ إلى المولى بصلة، ثُمّ يبدو له الإتيان بذي المقدّمة، وهذا لا إشكال في أنّه ليس دخيلا في حجم العوض، ولا يوجب سعة الثواب، ولكن الكلام يقع في أنّه: هل يمكن التقرّب بالأمر الغيريّ المتعلّق بالمقدّمة، فهو لا يتقرّب بالأمر النفسيّ المتعلّق بذي المقدّمة، ولا يكون إتيانه بالمقدّمة لمجرّد داع دنيويّ بعيد عن المولى، ولكن يتقرّب إليه بالإتيان بداعي الأمر الغيريّ المتعلّق بالمقدّمة، وإن فرضنا أنّ الثواب المترتّب عليه ليس ثواباً مستقلاًّ، بل هو توسيع لحجم ثواب ذي المقدّمة؟

المشهور: أنّ هكذا تقرّب غير معقول في ذاته، ويمكن أن يقرّب ذلك بعدّة وجوه:

الوجه الأوّل: مبنيّ على المقدّمة الموصلة، حيث يقال: إنّ الأمر الغيريّ متعلّق بالمقدّمة الموصلة، فقصد امتثال الأمر الغيريّ معناه: قصد الإتيان بالمقدّمة مع الإيصال إلى ذي المقدّمة، وذلك بالإتيان بذي المقدّمة، فقصد امتثاله ملازم دائماً لقصد التوصّل; لأنّ التوصّل قيد أو جزء في متعلّق الأمر الغيريّ.

وهذا الوجه مغالطة; فإنّ قصد الإتيان بمتعلّق الأمر الغيريّ وإن فرض استبطانه لقصد التوصّل إلى ذي المقدّمة، لكن الكلام في أنّ قصد هذا التوصّل هل كان

 
  صفحه 472  

بمحرّكيّة الأمر الغيريّ من باب: أنّ هذا التوصّل قيد أو جزء في متعلّقة، أو كان بمحرّكيّة الأمر النفسيّ، فنحن بحاجة إلى برهان على أنّ الانبعاث عن الأمر الغيريّ لا يمكن أن ينفكّ عن الانبعاث عن الأمر النفسيّ، وهذا البيان لا يكون برهاناً على ذلك.

الوجه الثاني: مبنيّ أيضاً على المقدّمة الموصلة، وحاصله: أنّه لو كان الوجوب لمطلق المقدّمة، لأمكن فرض تحريك الأمر الغيريّ دون النفسيّ، فيفرض: أنّ الأمر بالصلاة لا يحرّكه نحو الصلاة المقيّدة بالوضوء، وبالتالي لا يحرّكه نحو الوضوء، لكن الأمر الغيريّ بالوضوء يحرّكه نحو الوضوء; وذلك لأنّ الصلاة أشدّ مؤونة عليه من الوضوء; لتوقّفها على الوضوء، فهي تستبطن مؤونة الوضوء وزيادة، وأمّا على المقدّمة الموصلة، فالمؤونة التي يستبطنها امتثال الأمر النفسيّ مع المؤونة التي يستبطنها الأمر الغيريّ متّحدتان دائماً; إذ لا يحصل امتثال الأمر الغيريّ إلاّ بأن يتوضّأ ويصلّي، حتّى يكون آتياً بالحصّة الموصلة، كما لا يحصل امتثال الأمر النفسيّ إلاّ بأن يأتي بالصلاة المقيّدة بالوضوء، ومحرّكيّة الأمر إنّما هي بلحاظ ما يترتّب عليه من آثار: من الثواب والتجنّب عن العقاب، ولا توجد مزيّة في الآثار في الأمر الغيريّ مرغّبة في العدول عن التحرّك من الأمر النفسيّ إلى التحرّك من الأمر الغيريّ، وكلاهما يحرّك نحو الوضوء، أمّا الغيريّ فلتعلّقه به، وأمّا النفسيّ فلأنّه يقتضي سدّ أبواب عدم تحقّق ذي المقدّمة، ومنها عدم المقيّد بعدم الوضوء، فلا يعقل اختصاص التحريك بالغيريّ، وهذا تقريب صحيح بناءً على المقدّمة الموصلة.

الوجه الثالث: ما ذكره جملة من الأصحاب، كالمحقّق الإصفهانيّ (1): من أنّ


(1) نهاية الدراية، ج 2، ص 113 ـ 114 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.

  صفحه 473  

الأمر الغيريّ غير مستقلّ في الوجود، بل هو تابع في الوجود للأمر النفسيّ، فكذلك يتبعه في التحريك، ولا يمكن أن يكون له تحريك مستقلّ، فالمحرّك حقيقة هو الأمر النفسيّ.

وكأنّ هذه الاصطلاحات مأخوذة من الحكماء، حيث قالوا: إنّ كلّ ممكن غير مستقلّ في الوجود، بل يتبع في وجوده واجب الوجود، فلا يستقلّ في الإيجاد والفاعليّة أيضاً، ومن هنا صحّ القول بأنّه لا فاعل حقيقة إلاّ الله، فكأنّ هذا المطلب اُريد تطبيقه هنا، فالأمر الغيريّ حيث إنّه غير مستقلّ في الوجود في مقابل الأمر النفسيّ فلا يكون مستقلاًّ في المحرّكيّة والفاعليّة، بل فاعليّته من شؤون فاعليّة الأمر النفسيّ، في حين أنّ إسراء هذا البيان من مورد كلام الحكماء إلى ما نحن فيه غير صحيح; لأنّ الفاعل والموجد للوضوء خارجاً إنّما هو الإنسان، لا الأمر الغيريّ، وتعبيرنا بفاعليّة الأمر الغيريّ مسامحة، وإنّما الأمر بالوضوء يوجب فوائد مترتّبة على الوضوء: من استحقاق ثواب والتجنّب عن عقاب، فيكون هذا علّة غائيّة للفعل، فلابدّ من النظر إلى أنّ تلك الفوائد هل تترتّب على قصد الأمر الغيريّ مستقلاًّ، أو لا.

الوجه الرابع: أنّك قد عرفت: أنّ الأمر الغيريّ لا يترتّب على موافقته ثواب، ولا على مخالفته عقاب، إذن فلا أثر ولا تقرّب يترتّب على الفعل الذي يكون بتحريك هذا الأمر، فكيف يعقل تحريك هذا الأمر وحده، والتقرّب بالإتيان بالفعل بداعويّة هذا الأمر وحده؟!

فإن قلت: إنّ امتثال الأمر الغيريّ وإن لم يكن مقرّباً وموجباً للثواب بلحاظ الأمر الغيريّ، ولكن قد مضى: أنّ الإتيان بالمقدّمة يزيد في حجم ثواب العمل على وفق الأمر النفسيّ، فيقع الكلام في أنّ الذي يزيد في حجم ثواب العمل بالأمر النفسيّ هل هو خصوص الإتيان بالمقدّمة بداعي الأمر النفسيّ لذي

 
  صفحه 474  

المقدّمة، أو يكفي في زيادة حجم الثواب في العمل بالأمر النفسيّ الإتيان بالمقدّمة بداعي الأمر الغيريّ، وهذا الوجه لا يبرهن على الأوّل.

قلت: إنّ هذا الذي يأتي بالمقدّمة لا يخلو الأمر من أنّه: إمّا كان متحرّكاً بالأمر النفسيّ إلى الإتيان بذي المقدّمة، أو لا:

فعلى الأوّل، فلا محالة يكون هذا الأمر النفسيّ المحرّك له نحو ذي المقدّمة محرّكاً له نحو المقدّمة، فلم يكن الإتيان بالمقدّمة بتحريك الأمر الغيريّ وحده، وعلى الثاني لا ثواب على العمل وفق الأمر النفسيّ حتّى يتكلّم في أنّ الإتيان بالمقدّمة بداعي الأمر الغيريّ هل يزيد في حجم الثواب، أو لا.

إذن، فتبرهن بذلك: أنّه لا يمكن التقرّب بقصد الأمر الغيريّ وحده، ولا يكون الأمر الغيريّ كافياً للتحريك.

وهذا الوجه أيضاً يمكن المناقشة فيه بأنّه إذا فرض مثلا أنّ شخصاً أتى بالمقدّمة بتحريك الأمر الغيريّ دون الأمر النفسيّ، لكنّه يعلم بأنّه سوف يحدث له بعد الإتيان بالمقدّمة داع إلى امتثال الأمر النفسيّ، فيأتي بذي المقدّمة بتحريك الأمر النفسيّ، ففي مثل هذا المورد يمكن البحث عن أنّه: هل هذه المقدّمة تؤثّر في حجم ثواب امتثال أمر ذي المقدّمة، أو لا.

الوجه الخامس: أنّ العبد إنّما يكون مورداً للمجازات بحكم العقل إذا جعل نفسه كأنّه هو المولى امتداداً وتنزيلا، وهذه الحالة تستدعي التطابق بين إرادة العبد وإرادة المولى لو كان هو المباشر، وطبعاً لو كان المولى هو المباشر، لكانت إرادته للوضوء غيريّة لا نفسيّة، فالعبد إنّما يستحقّ الجزاء لو تعلّقت إرادته بالوضوء غيريّة، وكان مراده النفسيّ الصلاة، دون ما لو كانت إرادته المتعلّقة بالوضوء نفسيّة.

وبكلمة اُخرى: إنّك قد عرفت أنّ موضوع الثواب المولويّ هو العمل بداعي

 
  صفحه 475  

تحقيق ما هو موضوع الثواب الانفعاليّ، وموضوع الثواب الانفعاليّ إنّما هو تحقيق الفائدة للشخص، وتحصيل غرضه وتفريحه، ومن الواضح: أنّ الإتيان بالمقدّمة بداعي الأمر المقدّميّ ليس إتياناً بها بداعي تحقيق الفائدة للمولى وتفريحه، وهذا بخلاف الإتيان بالمقدّمة بداعي امتثال الأمر النفسيّ المتعلّق بذي المقدّمة.

وهذا هو أحسن الوجوه وألطفها في مقام بيان هذا التلازم، وهو لا يختصّ بفرض القول بالمقدّمة الموصلة(1)، بخلاف بعض الوجوه السابقة.

ولا يعترض على هذا الوجه بما اعترض به المحقّق العراقيّ (2)، حيث قال بأنّ هذا منقوض بأنّ إرادة المولى للصلاة غيريّة; لأنّه إنّما يريدها باعتبار ما فيها من مصالح وفوائد، في حين أنّ إرادة العبد للصلاة نفسيّة، فلو اشترطنا تطابق الإرادتين في استحقاق الثواب، لزم عدم الاستحقاق هنا.

وهذا النقض غير وارد; لأنّ المدّعى في الصيغة المطروحة لهذا التقريب يمكن أن يبيّن ببيان لا يرد عليه هذا النقض، بأن نقول: إنّ اللازم هو التطابق بين الإرادتين من تلك النقطة التي يبدأ بها المولى مولىً.

وتوضيح ذلك: أنّه عندنا ثلاث نقاط: الوضوء، والصلاة، وفائدة الصلاة.


(1) كما أنّ هذا الوجه يمتاز بأنّه يثبت ابتداءً عدم إمكانيّة التقرّب بالأمر الغيريّ، وعدم إمكان محرّكيّته، لا وحده، ولا مع تحريك الأمر النفسيّ والتقرّب به، في حين أنّ ما كان صحيحاً من الوجوه السابقة كان يثبت ابتداءً أنّ الأمر الغيريّ وحده لا يفيد في التحرّك والمقرّبيّة، وأمّا إثبات عدم صلاحيّته لذلك مع ضمّه إلى الأمر النفسيّ بذي المقدّمة، فيحتاج إلى إضافة، بداهة عدم زيادة التقرّب عند قصد كلا الأمرين عليه عند قصد الأمر النفسيّ فقط، فيكون ضمّ الأمر الغيريّ إلى الأمر النفسيّ في فرض الوجه الأوّل أو الثاني كضمّ الحجر إلى جنب الإنسان.

(2) المقالات، ج 1، ص 326 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ بقم.

  صفحه 476  

والمولى وإن كان مراده بما هو كائن عاقل هو الفائدة، ولكن أوّل إرادة ثابتة له بما هو مولىً إنّما هي الصلاة، حيث إنّه سجّل على العبد الصلاة، لا تلك الفائدة، فبدأ مولويّته من النقطة الثانية، فإرادته بما هو كائن عاقل تبدأ من الفائدة، وبما هو مولىً تبدأ من الصلاة، واللازم تطابق كيفيّة الإرادتين من حين تبدأ الإرادة المولويّة للمولى وبدأ المولى كمولىً.

فهذه دعوى صحيحة مقبولة وجداناً، ولا نقض عليها، وتفسّر لنا كيف لا يعقل قصد الأمر الغيريّ من دون الأمر النفسيّ(1).


(1) لا يخفى: أنّه لو ادّعينا وجدانيّة أنّه لا يأتي استحقاق الثواب، أو قل: التقرّب إلى المولى، أو حجم ذلك من قبل كلّ أمر، إلاّ بمحرّكيّة ذاك الأمر، وضممنا إلى ذلك الوجه الرابع، وهو: أنّ الأمر الغيريّ لا ثواب على موافقته، أصبح ذلك دليلا على المدّعى: من عدم معقوليّة قصد الأمر الغيريّ، وصيرورة ذلك سبباً في زيادة حجم الثواب.

وبكلمة اُخرى: إنّ اُستاذنا الشهيد ذكر هنا بحثين تباعاً، فبحث أوّلا: أنّ كثرة المقدّمات لا تعدّد الثواب، بل الثواب واحد وإن كان يزيد حجمه بقدر ما يحتاجه الواجب النفسيّ من المقدّمات، وبحث ثانياً: أنّ التقرّب بالأمر الغيريّ ومن دون الانبعاث من الأمر النفسيّ في حين الإتيان بالمقدّمة غير معقول، وبرهن على كلّ واحد من المطلبين برهاناً مستقلاًّ عن الآخر، في حين أنّه بعد الالتفات إلى وضوح: أنّ كلّ أمر يكون منشأً للثواب والتقرّب، أو لحجمهما إنّما يكون كذلك بقصده ومحرّكيّته، ولو كان أمران كلّ واحد منهما كذلك، لأصبحا ثوابين مستقلّين، لا ثواباً واحداً كبير الحجم، إذن يكون المدّعيان متلازمين، وهما: وحدة الثواب والتقرّب في المقام من ناحية، وعدم إمكان التقرّب بقصد الأمر الغيريّ من ناحية اُخرى، وكلّ برهان على أحدهما برهان على الآخر.

فلو دلّ دليل على عدم تعدّد الثواب ـ  وهو يعني عدم تعدّد سبب الثواب; لأنّ تعدّد/p>
  صفحه 477  


الثواب يكون بمعنى تعدّد سببه  ـ فقد دلّ ذلك الدليل على عدم الثواب، أو التقرّب بالأمر الغيريّ; لأنّ الأمر النفسيّ لا يمكن إنكار كونه سبباً للثواب، فلو كان الأمر الغيريّ أيضاً سبباً له، لزم تعدّد الثواب وقد فرضنا الدليل على عدمه، ولو كان الأمر الغيريّ سبباً لتضخّم ثواب الأمر النفسيّ، كان ذلك خلف ما فرضناه: من أنّ تضخّم الثواب على أمر ما أيضاً لا يكون إلاّ بمحرّكيّة ذلك الأمر لعمل أضخم، وأكثر زحمةً ومؤونةً.

ولو دلّ دليل على عدم الثواب والتقرّب بالأمر الغيريّ، ثبتت وحدة الثواب; لأنّه بعد استثناء الأمر الغيريّ عن السببيّة للثواب لم يبقَ إلاّ سبب واحد له، وهو الأمر النفسيّ.

نعم، لو دلّ دليل على مجرّد أنّ محرّكيّة الأمر الغيريّ لا يمكن أن تنفكّ عن محرّكيّة الأمر النفسيّ; لأنّ ما يحرّك إليه ليس أقلّ ممّا يحرّك إليه الأمر النفسيّ، بل هما متّحدان مثلا، فهذا لا يدلّ على وحدة الثواب إلاّ بعد إضافة وجدانيّة عدم الفرق في مقدار التقرّب بين من تحرّك من الأمر النفسيّ فحسب إلى ذي المقدّمة ومقدّماته، ومن تحرّك منه ومن الأمر الغيريّ إلى نفس تلك المقدّمات وذيها.

  صفحه 478  

 

إشكال الطهارات الثلاث

الجهة الرابعة: في إشكال الطهارات الثلاث، حيث يقال: إنّها واجبات غيريّة، مع أنّها لا تتمتّع بصفات الواجبات الغيريّة.

والإشكال يمكن أن يقرّب بتقريبات:

التقريب الأوّل: أنّه لو توضّأ لا على وجه التقرّب، لم يخرج عن عهدة المقدّميّة، وبطل وضوؤه، فيقال: إنّ التقرّب غير مقدور للمكلّف; لأنّ الأمر المقدّميّ لا يمكن أن يكون امتثاله مقرّباً وموجباً لاستحقاق الثواب، ولا تركه مبعّداً وموجباً لاستحقاق العقاب، فكيف يتأتّى له الوضوء القربيّ مع أنّ التقرّب يتوقّف على تعلّق أمر بالفعل صالح للمقرّبيّة نحو المولى، والأمر بالوضوء ليس كذلك، فالإتيان به على وجه عباديّ غير مقدور له.

هذه هي الصياغة الساذجة للإشكال.

ويكفي في مقام الجواب عليه أن يقال: إنّ التقرّب بالوضوء من ناحية الأمر الغيريّ وإن كان غير ممكن، لكن التقرّب به من ناحية الأمر النفسيّ بذي المقدّمة أمر ممكن، وهو الذي نسمّيه بقصد التوصّل باعتبار أنّ الأمر بذي المقدّمة يحرّك نحو سدّ تمام أبواب عدمه، ومنها عدمه بعدم الوضوء، فالمقدّمة بهذا القصد محسوبة على المولى، وتدخل في حصول الغرض.

التقريب الثاني: كأنّه تعميق للتقريب الأوّل، فيسلّم: أنّ الإتيان بالوضوء قربيّاً ممكن، ولكن يقال: إنّ الأمر الغيريّ لا يمكن أن يكون سقوطه متوقّفاً على قصد القربة، فإنّ الغرض من الأمر الغيريّ إنّما هو التوصّل إلى الواجب لا التعبّد، وذلك يتحقّق بمجرّد الإتيان بذات المقدّمة، كما أنّ الكون على السطح يتوقّف على نصب السلّم، فنصب السلّم يكفي للتوصّل إلى المطلوب بلا حاجة إلى قصد القربة.

 
  صفحه 479  

والجواب: أنّه صحيح: أنّ الأمر الغيريّ الغرض منه هو التوصّل إلى الواجب النفسيّ، وذلك يتحقّق بمجرّد الإتيان بالمقدّمة، لكن نفترض: أنّ عباديّة الوضوء دخيلة في وقوعه مقدّمة، أي: أنّ الصلاة تتوقّف على الوضوء العباديّ، ولكن الكون على السطح لم يكن متوقّفاً على نصب السلم عباديّاً.

وكون العباديّة دخيلة في مقدّميّة المقدّمة له بيانان:

البيان الأوّل: هو البيان الواضح والعرفيّ الذي يتبادر إلى الذهن، وهو كون العباديّة بنفسها ممّا تتوقّف عليه الصلاة، فالصلاة تتوقّف على مجموع العمل الخارجيّ وكون الإتيان به عباديّاً.

والبيان الثاني: بيان ملتو نقله في الكفاية عن تقريرات الشيخ الأعظم ، حيث افترض: أنّ العباديّة بعنوانها ليست دخيلة في المقدّمة كما كنّا نفترض في البيان الواضح، وإنّما النكتة في الحاجة إلى قصد القربة أنّه مقدّمة للمقدّمة، بتقريب: أنّ المقدّمة ـ في الحقيقة ـ ليست هي الوضوء بما هو غسل ومسح، بل هي الوضوء المعنون بعنوان لاهوتيّ لا نعرفه، وهو عنوان قصديّ، من قبيل عنوان التعظيم الذي لا ينطبق على مصداقه إلاّ إذا قصد ذلك العنوان، واُشير إليه في عالم النفس(1)، وحيث إنّ ذلك العنوان لا نعرفه حتّى نقصده، إذن نقصده بالمعرّف والمشير، وهو الأمر، فنأتي بذلك الوضوء بالعنوان الذي تعلّق به الأمر، فلو لم يأتِ به بقصد الامتثال، فهو لم يقصد ذلك العنوان، لا تفصيلا ولا إجمالا(2).

وهذا البيان من كيفيّة عمل الاُصوليّين في تبعيد المسافات للوصول إلى النتائج، فيعدل عن ذلك البيان الأوّل العرفيّ الواضح إلى هذا البيان، على أنّ هذا


(1) مع فارق بين ما نحن فيه والتعظيم، وهو: أنّ التعظيم لا يتحقّق إلاّ بقصد عنوانه، والمفروض في المقام أن يكفي قصد العنوان إجمالا.

(2) راجع الكفاية، الطبعة المشتملة في الحواشي على تعليقات المشكينيّ، ص 178.

  صفحه 480  

البيان غير صحيح في نفسه كما نبّه عليه في الكفاية(1); إذ هذا البيان ينتج كفاية قصد الأمر الغيريّ وصفاً لا غاية وإن كان قصده غايةً كافياً في المقام من باب أنّه يشتمل ـ لا محالة ـ على قصده وصفاً; إذ هو ـ لا محالة ـ قصد العنوان المأمور به، ولو فرض خطأه في التطبيق، وتخيّله: أنّ ذلك العنوان ليس إلاّ عبارة عن عنوان الوضوء، فإنّ هذا الخطأ في التطبيق لا ينافي قصد عنوان المأمور به على إجماله، إلاّ على فرض التقييد في القصد.

وعلى أيّ حال، فمفاد هذا البيان إنّما هو ضرورة كون المتوضّي قاصداً إجمالا ذلك العنوان الذي اُمر به، بأن يكون عنوان الأمر مشيراً إلى ذلك، أمّا أنّ محرّكه نحو هذا الوضوء هل هو ذلك الأمر، أو شيء آخر غيره، فهذا شيء لا يعيّنه هذا البيان، فالصحيح هو البيان الأوّل.

التقريب الثالث: تعميق أكثر للإشكال، وهو: أنّنا بعد أن فرضنا: أنّ العباديّة داخلة في حاقّ المقدّمة، فالمقدّمة ليست هي ذات الوضوء، بل الوضوء العباديّ، فالأمر الغيريّ يتعلّق بالوضوء العباديّ، نقول: إنّ العباديّة: إن فرضت بلحاظ قصد امتثال الأمر الغيريّ، لزم الدور(2) الذي تقدّم في بحث التعبّديّ والتوصّليّ; لأنّ


(1) نفس المصدر.

(2) إشكال الدور في هذا الشقّ قد يأتي عليه بعض التخلّصات عن الدور في تصوّر عباديّة العبادة لو تمّ هناك، وبالإمكان تبديل إشكال الدور في هذا الشقّ بإشكال آخر، وهو: أنّ قصد الأمر الغيريّ لا يكون مقرّباً إلى المولى أو مؤثّراً في ازدياد مقرّبيّة قصد الأمر النفسيّ مثلا; لما مضى: من أنّ العبد يجب أن يكون بمنزلة أعضاء المولى، والمولى لو كان هو المباشر لكانت إرادته للمقدّمة غيريّة لا نفسيّة، وما ثبت في الفقه: من عباديّة الطهارات الثلاث ليس فقط بمعنى لزوم قصد الأمر فيها ولو بنحو لا يصلح للمقرّبيّة، وإنّما الثابت طبعاً هو عباديّتها بالمعنى الذي يصلح للمقرّبيّة.

  صفحه 481  

هذه العباديّة اُخذت في متعلّق الأمر، فكيف يفرض نظرها إلى نفس هذا الأمر؟ وإن فرضت بلحاظ قصد التوصّل إلى ذي المقدّمة، فهذا أيضاً دور; لأنّ قصد التوصّل بالوضوء إلى الصلاة فرع كونه مقدّمة; إذ لا يعقل قصد التوصّل بشيء إلى شيء لا يكون مقدّمة له، وكونه مقدّمة له فرع قصد التوصّل; لأنّنا فرضنا: أنّ العباديّة دخيلة في مقدّميّة المقدّمة، وهو معنى الدور.

وهذا التقريب جوابه الواضح الساذج: أنّه لو سلّم بطلان الشقّ الأوّل بالدور، لا نسلّم بطلان الشقّ الثاني; إذ لا دور فيه; فإنّنا لا نفترض كون المقدّمة مجرّد انقداح حالة التقرّب في النفس، وإنّما المفروض: أنّ المقدّمة عبارة عن مجموع الأمرين: من الفعل الخارجيّ والتقرّب، ومعه يكون الفعل الخارجيّ مقدّمة أيضاً; لأنّ جزء المقدّمة مقدّمة، فيعقل قصد التوصّل به إلى ذيه; إذ لا يتوقّف ذلك إلاّ على دخله ضمناً في تحقّق ذي المقدّمة، وهو حاصل. ومن حسن الصدفة: أنّ نفس قصد التوصّل هو الجزء الآخر، وبذلك تتحقّق المقدّمة كاملة، بلا لزوم دور.

إلاّ أنّ صاحب الكفاية ذكر في مقام الجواب على هذا الإشكال: أنّنا نختار شقّاً ثالثاً، وهو كون العباديّة من ناحية الاستحباب النفسيّ، فإنّ الطهارات الثلاث مضافاً إلى مقدّميّتها للصلاة الواجبة تتّصف بالأمر النفسيّ الاستحبابيّ، فيؤتى بالوضوء بقصد امتثال هذا الأمر الاستحبابيّ، ولا يلزم دور.

وهذا الجواب يوجد هناك اعتراضان واردان عليه، وبعض الاعتراضات غير الواردة عليه.

أمّا الاعتراضان الواردان:

فأحدهما: ما أشار إليه نفسه، وصار بصدد الجواب عنه، وهو: أنّه إذا كان المصحّح لعباديّة الوضوء هو قصد الأمر النفسيّ الاستحبابيّ المتعلّق بالوضوء، لزم أنّه في حالة الاعتقاد بعدم الاستحباب النفسيّ، أو حالة عدم الالتفات إليه، وتوجّه

 
  صفحه 482  

المكلّف بتمام نظره نحو الأمر الغيريّ، وقصد التوصّل غافلا عن أمر نفسيّ استحبابيّ متعلّق بالوضوء، يقع الوضوء باطلا، مع أنّ الضرورة قاضية بأنّ الوضوء يصحّ من المتشرّع حتّى لو كان غافلا عن الاستحباب النفسيّ.

وقد حاول صاحب الكفاية الجواب على هذا الاعتراض بتصوير الداعي، على الداعي، بدعوى: أنّ من توضّأ بداعي الأمر الغيريّ وداعي التوصّل إلى الصلاة، فهو قاصد للإتيان بمتعلّق الأمر الغيريّ، ومتعلّق الأمر الغيريّ هو الإتيان بالفعل على الوجه العباديّ، وهو إنّما يكون عباديّاً بقصد الأمر النفسيّ، إذن فهو قاصد لبّاً وإجمالا الأمر النفسيّ، فيكون عنده داعيان طوليّان، أحدهما الأمر الغيريّ، وهو يبعث نحو داعويّة الداعي الآخر، وهو الأمر النفسيّ.

ومن الواضح: أنّ هذا الجواب لا محصّل له; لأنّ تعدّد الداعي بنحو يكون أحدهما مولّداً للآخر وإن كان معقولا، ولكنّه إنّما يكون معقولا مع الالتفات إلى الداعي الطوليّ الثاني; إذ الانبعاث عن جهة وغاية يتوقّف على الالتفات إلى تلك الجهة، فالأمر الغيريّ إنّما يبعث إلى داعويّة الأمر النفسيّ لمن يكون ملتفتاً إلى كلّ منهما في مرتبته، وإلاّ فالداعي الأوّل يكون عاجزاً عن إيجاد الداعي الثاني; إذ فرض داعويّة الداعي الثاني فرض محرّكيّته له، وفرض محرّكيّته له هو فرض التفاته إليه، وإلاّ فكيف يحرّكه؟!

وثانيهما: أنّه قد ينطبق عنوان استحبابيّ راجح على ترك الوضوء، بحيث لولا وجوب الصلاة لكان فعل الوضوء وتركه سيّان، كما لو كان مؤمن تستحبّ إطاعته يحبّ ترك هذا الوضوء ويتأذّى منه حرصاً على وجود هذا الماء لغرض أهمّ، فالترك يشتمل على قضاء حاجة المؤمن، فالاستحباب النفسيّ للوضوء مزاحم باستحباب نقيضه على حدّ استحباب الفعل، فيكون الاستحبابان اقتضائيّين، وإذا صار الفعل والترك عند المولى على حدّ سواء لتزاحم الملاكين، لا يعقل التقرّب به

 
  صفحه 483  

إلى المولى، وإنّما التقرّب يعقل إذا كان الفعل أرجح عند المولى من الترك، وإنّما يكون أرجح بضمّ ملاك مقدّميّته للصلاة، والمفروض: أنّ قصد التوصّل إلى الصلاة ليس مصحّحاً للعباديّة، بل يمكن أن يفرض وجوب الترك لولا مقدّميّته للصلاة الواجبة، كما لو أمر الوالد بترك الوضوء وكانت إطاعته واجبة، ولكن وجوب الصلاة أهمّ من إطاعة الوالد(1)، فلابدّ أن يعترف صاحب الكفاية بأنّ قربيّة الوضوء وعباديّته غير منحصرة بقصد الأمر النفسيّ.


(1) فإن قلت: إنّ استحباب ترك الوضوء لأجل قضاء حاجة المؤمن، أو وجوبه لأجل إطاعة الوالد قد سقط بالمزاحم الأهمّ، وهو الوجوب المقدّميّ للصلاة، أو قل: وجوب الصلاة، ومع سقوط الأمر لا كاشف عن الملاك، فيبقى الأمر الاستحبابيّ بالوضوء بلا مزاحم، ويتمسّك بإطلاقه.

قلت: أوّلا: إنّ صاحب الكفاية لا يقول بتبعيّة الدلالة الالتزاميّة للمطابقيّة في السقوط، وعدم إمكانيّة كشف الملاك، فالإشكال مسجّل على صاحب الكفاية.

وثانياً: إنّه بالإمكان أن يقال: إنّ المتفاهم عرفاً ـ بمناسبات الحكم والموضوع من مثل دليل قضاء حاجة المؤمن، أو وجوب إطاعة الوالد، أو نحو ذلك ممّا له نكات عرفيّة وليس تعبّديّاً صرفاً ـ أنّ قضاء حاجة المؤمن، أو طاعة الوالد، أو نحوهما في ذاته أمر حسن ومطلوب وإن فرضت مزاحمته أحياناً بما هو أهمّ منه، فعند المزاحمة بالأهمّ إنّما يرفع اليد عنه لتقدّم الأهمّ، لا لعدم المقتضي.

وثالثاً: إنّه بالإمكان أن يفرض ـ  تسجيلا للنقض  ـ وجود فردين للمقدّمة، أصبح ترك أحدهما مطلوباً استحبابيّاً، كما لو كان ماءان: أحدهما عذب حلو، والآخر مجّ مالح، وكان طلب المؤمن منصبّاً على عدم الوضوء بالماء الأوّل، فتوضّأ به برغم فرض أهمّيّة استجابة طلب المؤمن من استحباب الوضوء، أو تساويها معه، فهنا استحباب الترك غير ساقط بالتزاحم مع الوجوب المقدّميّ; لأنّ الوجوب المقدّميّ ثابت على الجامع، فلا تزاحم بينهما.

  صفحه 484  

وأمّا الاعتراضات غير الواردة:

فأهمّها ما اُورد عليه: من أنّ الاستحباب النفسيّ الذي نريد تصحيح العباديّة به يرتفع عند تحقّق الوجوب; لاستحالة اجتماعه معه، ومع زواله وارتفاعه لا معنى لمحرّكيّته.

وقد يجاب عن ذلك بأنّ الاستحباب لا يزول بذاته، بل يزول بحدّه، ويندمج مع الوجوب، وتتحصّل منهما إرادة شديدة ممثّلة للوجوب والاستحباب معاً، فيمكن التقرّب بهذا الاستحباب.

ولكن يمكن للمعترض التخلّص عن ذلك بأن يقول: لو فرضنا اندماجهما في إرادة واحدة قويّة شديدة، لم يتمّ الجواب; لأنّ هذه الإرادة الشديدة قد اُخذ في موضوعها العباديّة، والمفروض: أنّ العباديّة تكون نتاجاً لبعض مراتب هذه الإرادة الشديدة، فلزم أخذ قصد الأمر في متعلّق ذلك الأمر.

وعليه; فينبغي أن يجاب بأنّ الوجوب والاستحباب محفوظان بحدّهما; لتعدّد متعلّقهما; لأنّ الاستحباب متعلّق بذات الوضوء، والوجوب متعلّق بالوضوء العباديّ، أي: الوضوء بقصد الاستحباب النفسيّ، فيمكنه التقرّب بلحاظ الأمر النفسيّ.

وملاك دعوى الانحفاظ بحدّه تغاير موضوعهما لا طوليّتهما كما ذكر المحقّق النائينيّ ، حيث ذكر: أنّ الأمر الغيريّ تعلّق بالوضوء المقيّد بقصد الأمر النفسيّ، فهو في طوله، فينحفظان بحدّهما(1).

ويرد عليه: أن لو اتّحد موضوعهما، استحال اجتماعهما بناءً على تضادّهما،


(1) هذا ما يستفاد من فوائد الاُصول، ج 1، ص 230 ـ 231 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، ولكن ما في أجود التقريرات، ج 1، ص 178 ـ 179 بحسب الطبعة المشتملة على تعاليق السيّد الخوئيّ أظهر في إرادة تعدّد المتعلّق بالنحو الذي اختاره اُستاذنا منه في إرادة الطوليّة برغم أنّ التعبير بالطوليّة موجود في عبارته.

  صفحه 485  

ومجرّد فرض الطوليّة بين المتضادّين لا يرفع التضادّ والتنافي كما هو واضح.

ومن الاعتراضات على كلام صاحب الكفاية أن يفرض: أنّ المستحبّ النفسيّ ليس هو عنواناً منطبقاً على نفس الغسلات والمسحات، بل المستحبّ أمر معنويّ مسبّب عن الوضوء، سمّي بالطهارة، فبالأخرة أصبح الوضوء مطلوباً مقدّميّاً لا نفسيّاً، فيعود الإشكال في قصد القربة في المقدّمة.

إلاّ أنّ صاحب الكفاية لا يقول بهذا المبنى، فهذا الاعتراض غير وارد عليه بناءً على مسلكه، بل حتّى لو بنينا على هذا المبنى، لا يرد عليه هذا الإشكال; إذ بالإمكان أن يقال ـ  بناءً على أنّ المستحبّ النفسيّ هو الطهارة التي هي أمر مسبّب عن هذه الأفعال، لا نفس هذه الأفعال  ـ : إنّ مقدّمة الصلاة وشرطها أيضاً هي هذه الطهارة، لا تلك الأفعال، وإنّ هذه الطهارة لابدّ فيها من قصد أمرها من أوّل الشروع في هذه الأفعال.

ومنها: أنّ التيمّم ليس مستحبّاً.

ويمكن الجواب على ذلك باستفادة استحبابه بضمّ ما ورد: من أنّ التراب أحد الطهورين(1)، إلى ما دلّ على أنّ الله يحبّ المتطهّرين(2).


(1) يحضرني فعلا نقل الصدوق بإسناده عن محمّد بن حمران، وجميل بن درّاج، أنّهما سألا أبا عبدالله عن إمام قوم أصابته جنابة في السفر وليس معه من الماء ما يكفيه للغسل: أيتوضّأ بعضهم ويصلّي بهم؟ فقال: «لا، ولكن يتيمّم الجنب ويصلّي بهم، فإنّ الله عزّوجلّ جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً» وسائل الشيعة، ج 3 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب 24، من التيمّم، ح 2، ص 387.

(2) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، السورة 2، البقرة، الآية: 222، وقال الله عزّوجلّ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ، السورة 9، التوبة، الآية: 108.

  صفحه 486  

 

كيفيّة صياغة الوجوب الغيريّ إطلاقاً وتقييداً

الجهة الخامسة: في كيفيّة صياغة الوجوب الغيريّ إطلاقاً وتقييداً على القول به، فإنّ هناك احتمالات عديدة:

 

إطلاق الوجوب والواجب

الاحتمال الأوّل: ما هو المشهور بينهم: من القول بالإطلاق في الوجوب والواجب، وعدم تقييدهما بقيد زائداً على شرائط الوجوب النفسيّ السارية إلى الوجوب المقدّميّ بالتبع.

 

اشتراط وجوب المقدّمة بإرادة ذيها

الاحتمال الثاني: ما يظهر من عبائر المعالم(1): من تقييد وجوب المقدّمة بشرط إرادة ذيها، فلا تجب بدون ذلك.

وقد أشكل المحقّقون المتأخّرون في معقوليّة هذا الاحتمال، وادّعوا استحالته. وما يستخلص من كلماتهم في وجه الاستحالة أحد وجهين:

الأوّل: ما يظهر من المحقّق العراقيّ : من أنّه شبيه بطلب الحاصل، وهو مستحيل; إذ إرادة ذي المقدّمة مستلزمة ومستبطنة لإرادة المقدّمة لا محالة، فاشتراط وجوب المقدّمة بإرادة ذيها يساوق اشتراط وجوبها بإرادتها، وهو شبيه بطلب الحاصل، ويكون مستحيلا(2).


(1) في آخر بحث الضدّ.

(2) راجع نهاية الأفكار، ج 1، ص 333 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، ولكن كلامه في فرض شرط إرادة التوصّل بالمقدّمة إلى ذيها.

  صفحه 487  

وهذا الوجه غير تامّ; ذلك أنّ اشتراط الوجوب الغيريّ بإرادة الواجب النفسيّ يتصوّر بأحد أنحاء:

الأوّل: أن يكون الشرط إرادة الواجب النفسيّ، وسدّ أبواب عدمه من غير جهة هذه المقدّمة.

ومن الواضح: أنّه على هذا يرتفع المحذور موضوعاً.

الثاني: أن يكون الشرط صدق القضيّة الشرطيّة القائلة: إنّه لو أوجد هذه المقدّمة لأراد ذا المقدّمة، فكلّ من يريد الصلاة على تقدير الوضوء يجب عليه الوضوء.

وهذا في الروح وإن كان راجعاً إلى الأوّل، غير أنّه يختلف عنه صياغة، فالشرط هنا صدق القضيّة الشرطيّة نفسها، والذي لا يستلزم صدق طرفيها، فلا يكون الاشتراط به في قوّة الاشتراط بإرادة المقدّمة.

الثالث: أن يكون الشرط هو إرادة ذي المقدّمة من كلّ الجهات.

وهذا هو الذي يستلزم المحذور الذي أفاده المحقّق العراقيّ ، غير أنّ الصحيح: عدم المحذور في هذا الفرض أيضاً; لأنّ محذور تحصيل الحاصل: إمّا أن يكون بنكتة التهافت، باعتبار كون طلب الشيء مساوقاً لفقده، فكونه حاصلا تهافت وتناقض، وإمّا بنكتة اللغويّة; إذ الأمر من أجل قدح الداعي نحو المطلوب لتحصيله، فلو فرض حصوله، كان من اللغو طلبه.

وكلتا النكتتين غير موجودة في المقام: أمّا التهافت، فلأنّ الشرط إنّما هو إرادة الواجب لا حصوله، والتهافت إنّما يكون في فرض شرط حصوله، وأمّا اللغويّة بملاك عدم الداعويّة، فلأنّ الوجوب الغيريّ ـ  عند القائلين به  ـ لا يكون استقلاليّاً في الجعل، وإنّما هو وجوب تبعيّ قهريّ، فلا تكون اللغويّة محذوراً مانعاً عن وجوده، بل قد تقدّم: أنّ الوجوب الغيريّ لا داعويّة مستقلّة له، وإنّما الداعويّة للواجب النفسيّ دائماً، فإشكال اللغويّة لا موضوع له في الواجبات الغيريّة.

 
  صفحه 488  

وهكذا يتّضح عدم تماميّة الوجه المذكور في البرهنة على الاستحالة.

الثاني: ما أفاده المحقّق النائينيّ (1)، وهو ـ بتنقيح منّا ـ : أنّ الوجوب الغيريّ لو كان مشروطاً بإرادة ذي المقدّمة، فمع عدمها لا يكون ثابتاً لا محالة، وحينئذ لو كان الوجوب النفسيّ ثابتاً، لزم من ذلك التفكيك بين الوجوبين: النفسيّ والغيريّ، مع أنّ قانون الملازمة ـ على القول به ـ لا يفرّق فيه بين مورد ومورد، ولو كان الوجوب النفسيّ مرتفعاً أيضاً، كان معنى ذلك اشتراطه بالإرادة أيضاً، والاشتراط المذكور إن كان بالصياغة الثالثة من الصياغات المتقدّمة، ففيه المحذور الثبوتيّ المتقدّم: من طلب الحاصل واللغويّة، حيث إنّه تامّ في التكاليف النفسيّة، وإن كان بالصياغة الاُولى أو الثانية، فهو وإن لم يكن ذا محذور ثبوتيّ، ولكنّه باطل إثباتاً; لوضوح عدم كون سدّ بعض أبواب عدم الواجب شرطاً في وجوب الباقي، بل الوجوب الثابت للواجب من أوّل الأمر يتطلّب سدّ كلّ أبواب عدمه.

وهذا الوجه في إبطال هذا الاحتمال صحيح لا غبار عليه.

 

اشتراط وجوب المقدّمة بقصد التوصّل بها إلى ذيها

الاحتمال الثالث: ما ينسب إلى الشيخ الأعظم على ما في تقرير بحثه: من أنّ الواجب الغيريّ هو المقدّمة مع قصد التوصّل بها إلى ذيها على نحو يكون قصد التوصّل من قيود الواجب(2).


(1) راجع فوائد الاُصول، ج 1، ص 286 ـ 287 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وأجود التقريرات، ج 1، ص 232 ـ 233 بحسب الطبعة المشتملة على تعاليق السيّد الخوئيّ .

(2) مطارح الأنظار، ص 70.

  صفحه 489  

وقد أفاد السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ : أنّ هذا التقييد هو نفس التقييد السابق الذي اختاره صاحب المعالم ، غير أنّه جعله من قيود الوجوب، والشيخ جعله من قيود الواجب(1)، ولكن الصحيح هو الفرق بينهما من ناحية القيد أيضاً، فإنّه عند صاحب المعالم هو إرادة ذي المقدّمة، وهي غير قصد التوصّل، ولذلك ربما يكون الإنسان مريداً تحقيق ذي المقدّمة، ولكنّه مع ذلك يأتي بالمقدّمة بغير قصد التوصّل بها فعلا إلى ذي المقدّمة، فإرادة ذي المقدّمة بمعناها الحقيقيّ لا تساوق قصد التوصّل بالمقدّمة.

وأيّاً ما كان، فهذا الاحتمال وإن نسب إلى الشيخ ، إلاّ أنّ عبارة التقرير مشوّشة، ولذلك يحتمل فيه عدّة تفسيرات:

الأوّل: ما ذكر من أخذ قصد التوصّل قيداً في الواجب الغيريّ.

الثاني: أن يكون المقصود: أنّ وقوع المقدّمة امتثالا وعبادة موقوف على قصد التوصّل بها إلى امتثال ذي المقدّمة.

وهذا المعنى لو كان هو المقصود، فهو معنىً صحيح; لما تقدّم: من أنّ الوجوب الغيريّ بنفسه لا يكون قربيّاً، وإنّما قربيّة المقدّمة تكون بقصد التوصّل إلى امتثال ذيها.

الثالث: أن يكون المقصود: أخذ قصد التوصّل في الواجب نفسه كما في الاحتمال الأوّل، غير أنّه في خصوص المقدّمات المحرّمة التي يتوقّف عليها الواجب الأهمّ فهي تقع محرّمة، إلاّ إذا جيء بها بقصد التوصّل، فتكون واجبة، وأمّا المقدّمة المباحة، فهي مصداق للواجب مطلقاً.

وهذا المعنى سوف يقع الحديث عنه لدى التعرّض لثمرة البحث في وجوب المقدّمة على اختلاف صيغه.


(1) راجع المحاضرات للفيّاض، ج 2، ص 404 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

  صفحه 490  

فموضوع البحث هنا هو المعنى الأوّل، وهو القول باختصاص الوجوب بالمقدّمة التي يقصد معها التوصّل.

وهذا الاحتمال يواجه بدواً استغراباً; إذ لا نكتة ولا ملاك في تقييد الواجب الغيريّ بقصد التوصّل; لأنّ ملاك الوجوب الغيريّ للمقدّمة: إمّا أن يكون حيثيّة توقّف الواجب النفسيّ عليها، وهو يقتضي وجوب مطلق المقدّمة، وإمّا أن يكون حيثيّة حصول الواجب النفسيّ به، وهو يقتضي وجوب المقدّمة الموصلة بالخصوص، فاعتبار قصد التوصّل لا موجب له.

وقد حاول المحقّق الإصفهانيّ توجيه ذلك بتقريب مؤلّف من مقدّمتين:

الاُولى: أنّ الحيثيّات التعليليّة في الأحكام العقليّة العمليّة أو النظريّة كلّها تقييديّة، بحيث تكون هي موضوع ذلك الحكم العقليّ، فالحكم بجواز ضرب اليتيم للتأديب موضوعه الضرب التأديبي، والحكم باستحالة الدور للتناقض مثلا موضوعه استحالة التناقض، لا الدور بما هو دور، وعليه يكون وجوب المقدّمة الثابت بحكم العقل بالملازمة موضوعها الموصل; لأنّ الموصّليّة هي الحيثيّة التعليليّة للحكم المذكور.

الثانية: أنّ التكليف لا يتعلّق إلاّ بالحصّة الاختياريّة من المتعلّق; إذ يستحيل البعث نحو غير الاختياريّ، فالحصّة غير الاختياريّة لا تقع مصداقاً للواجب وإن كانت محصّلة للغرض، والعنوان الواجب لا يقع اختياريّاً إلاّ إذا صدر عن قصد وإرادة واختيار له، فإذا كان التوصّل بعنوانه هو الواجب الغيريّ فلا يقع مصداقاً للواجب ما لم يصدر هذا العنوان عن قصد(1).

وقد اعترف السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ بما ذكر في هذا التقريب: من كون


(1) راجع نهاية الدراية، ج 2، ص 133 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.

  صفحه 491  

الحيثيّات في الأحكام العقليّة تقييديّة دائماً حتّى في أحكام العقل النظريّ، ولكنّه اعترض بخروج المقام عن ذلك; لأنّ وجوب المقدّمة المبحوث عنه هو الوجوب الشرعيّ لا العقليّ، والعقل مجرّد كاشف عنه(1).

مع أنّ هذا تهافت; إذ بعد تسليم رجوع الحيثيّات إلى التقييديّة في الأحكام العقليّة العمليّة والنظريّة معاً لا وجه لدعوى خروج محلّ الكلام عن تلك القاعدة; إذ ليس دور العقل في الأحكام العقليّة سوى الكشف والإحراز، وهو واضح، خصوصاً في أحكام العقل النظريّ، فالتسليم بتلك المقدّمة مناقض للاعتراض المذكور.

والتحقيق في الجواب على هذا الكلام أن يقال:

أوّلا: إنّ رجوع الحيثيّات التعليليّة في الأحكام العقليّة كلام موروث يراد به الأحكام العقليّة العمليّة، دون النظريّة، والتي منها وجوب المقدّمة شرعاً(2).

توضيح ذلك: أنّ الأحكام العقليّة العمليّة إدراكات لاُمور واقعيّة نفس الأمريّة، هي الحسن والقبح في الأفعال، وكونها ممّا ينبغي أو لا ينبغي، وكلّ فعل عرض عليه عنوان حسن أو قبيح سرى إليه عقلا الحسن والقبح على أساس الواسطة في العروض لا غير، وليست كالأحكام الشرعيّة جعولا وانشاءات بيد الجاعل، فإذا كانت حيثيّة التأديب هي الواسطة في عروض الحسن للضرب، فلا معنى لافتراض: أنّ موضوع هذا الحكم النفس الأمريّ هو الضرب دون التأديب، وذلك


(1) راجع المحاضرات، ج 2، ص 407 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

(2) قد التفت الشيخ الإصفهانيّ إلى هذا الجواب في تعليقه على نهاية الدراية. راجع نهاية الدراية، ج 2، ص 134، تحت الخطّ بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.

  صفحه 492  

ببرهان: أنّه إمّا أن يكون الموضوع هو الضرب فقط، أو هو مع التأديب، أو التأديب فقط. والأوّل غير معقول; إذ التأديب بعد أن كان هو ملاك الحسن كان أولى به من فاقده، فإنّ واجد الشيء يعطيه لا فاقده، والثاني خلف المفروض; إذ معناه: أنّ هناك حكمين عقليّين على موضوعين وحيثيّتين، تقييديّتين، فينحصر الأمر بالثالث، وهو أن تكون حيثيّة التأديب هي موضوع الحكم العقليّ.

وهذا بخلاف الأحكام الشرعيّة المجعولة; فإنّها ربما تجعل لا على حيثيّاتها التعليليّة، كجعل الوجوب على الصلاة; لكونها ناهية عن الفحشاء، باعتبار عدم كون تلك الحيثيّة عرفيّة، أو عدم كون مصداقها متعيّناً لدى العبد، أو غير ذلك من الموجبات التي تقدّمت الإشارة إليها في بحث الفرق بين الواجب النفسيّ والغيريّ.

وبخلاف القضايا العقليّة النظريّة في غير التشريعيّات; فإنّ الحيثيّات التعليليّة التي على أساسها أدرك العقل تلك القضايا ربما تكون واسطة في الثبوت فقط، وربما تكون واسطة في العروض وحيثيّة تقييديّة، ومن الواضح: أنّ وجوب المقدّمة شرعاً ـ على القول به ـ من مدركات العقل النظريّ دون العمليّ، فلا تشمله القاعدة الموروثة في حيثيّات أحكام العقل العمليّ.

وثانياً: قد تقدّم في أبحاث التعبّديّ والتوصّليّ: أنّه لا يشترط تعلّق الوجوب بالحصّة الاختياريّة من الفعل خاصّة، بل يمكن تعلّقه بالجامع بينها وبين الاختياريّة.

ثُمّ لو سلّم لزوم الاختصاص، وأنّ الباعثيّة لا تكون إلاّ إلى الحصّة الاختياريّة من الفعل، فذلك إنّما يمكن تسليمه في الواجبات النفسيّة التي تجعل بفرض الداعويّة، لا الواجبات الغيريّة التي لا تجعل ـ على القول بها ـ من أجل الداعويّة، وإنّما هي واجبات قهريّة تبعيّة.

 
  صفحه 493  

وثالثاً: لو سلّم ذلك أيضاً، وافترضنا الواجب الغيريّ كالواجب النفسيّ، مع ذلك نقول: يكفي في اختياريّة الفعل ـ  بنحو يكون هو الشرط في التكليف والبعث إليه  ـ أن يكون صادراً عن قدرة العبد والتفاته، بمعنى: عدم غفلته، ولا جهله المركّب، فلو ضرب المكلّف شخصاً وهو ملتفت إلى أنّه يؤدّي إلى قتله، كان القتل الصادر اختياريّاً ولو فرض عدم قصده له، بل كان قصده عنواناً آخر، فلا يشترط قصد المسبّب في اختياريّته.

ورابعاً: لو سلّم اشتراط قصد الفعل وإرادته في وقوعه اختياريّاً، قلنا: يكفي في انطباق التكليف وكون الفعل مصداقاً للواجب أن يكون المعنون صادراً عن اختيار المكلف وقصده وإن لم يقصد العنوان ولم يختره(1)، ما لم يكن العنوان الواجب من العناوين القصديّة كالاحترام والتعظيم، وكان عنواناً ينطبق على الفعل قهراً، فلو صدرت المقدّمة من المكلّف لا بقصد الإيصال، ولكنّها كانت موصلة واقعاً، كانت مصداقاً للواجب; لكونها مصداقاً للموصل ـ لا محالة ـ ولو لم يكن عنوان الموصل باختياره وقصده، ولذلك لا يستشكل أحد في وقوع الواجب التوصّليّ لو جيء به بغير العنوان الذي به وجب إذا لم يكن من العناوين القصديّة، كما إذا أزال النجاسة بعنوان التجميل لا التطهير.

وخامساً: لو سلّمنا جميع ما يتوقّف عليه التقريب المذكور، فمع ذلك لا تثبت مقالة الشيخ الأعظم ، وإنّما تثبت مقالة اُخرى، هي القول باختصاص الوجوب الغيريّ بالمقدّمة الموصلة مع قصد التوصّل بها، وهذا جمع بين مقالتي الشيخ الأعظم وصاحب الفصول ، وليس هو مدّعى الشيخ من وجوب المقدّمة التي قصد بها التوصّل ولو لم تكن موصلة.


(1) التفت الشيخ الإصفهانيّ إلى هذا الجواب في تعليقه على نهاية الدراية. راجع نهاية الدراية، ج 2، ص 134، تحت الخطّ بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.

  صفحه 494  

وهذا ظاهر فيما لو أراد بالموصليّة الموصليّة الفعليّة، وأمّا لو أراد الموصليّة الشأنيّة، فهي غير التوصّل الذي يدّعى اشتراط قصده في هذا الاحتمال.

 

اشتراط وجوب المقدّمة بكونها موصلة

الاحتمال الرابع: ما اختاره صاحب الفصول : من اختصاص الوجوب بالمقدّمة الموصلة إلى ذيها(1).

والكلام في ذلك يقع في مقامين:

الأوّل: في البراهين التي احتجّ بها على بطلان القول بالمقدّمة الموصلة.

والثاني: في البرهان على إثبات القول بالمقدّمة الموصلة.

وبمجموع البحثين يتّضح الموقف تجاه هذا الاحتمال:

أمّا المقام الأوّل: فبراهين بطلان المقدّمة الموصلة يرجع بعضها إلى بيان عدم المقتضي للتقييد بالموصلة، وبعضها إلى إبداء محذور ثبوتيّ في التقييد.

وهذه البراهين وجوه عديدة:

الوجه الأوّل: دعوى استلزام ذلك للتسلسل.

ويمكن تقريب ذلك بوجهين:

الأوّل: ما هو ظاهر كلام المحقّق النائينيّ (2)، وحاصله: أنّ الوجوب إذا كان متعلّقاً بالموصلة، فالواجب هو ذات المقدّمة مع التقيّد بالإيصال، فذات المقدّمة مقدّمة للمقدّمة الموصلة; لمقوّميّتها لها، والوجوب كما يترشّح على مقدّمة الواجب


(1) الفصول، ص 87.

(2) راجع فوائد الاُصول، ج 1، ص 290 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وأجود التقريرات، ج 1، ص 238 بحسب الطبعة المشتملة على تعاليق السيّد الخوئيّ .

  صفحه 495  

النفسيّ كذلك يترشّح على مقدّمات المقدّمة، فنقول: هل يترشّح الوجوب على ذات المقدّمة التي هي مقدّمة للمقدّمة الموصلة، أو يترشّح الوجوب عليها بقيد إيصالها إلى المقدّمة الموصلة؟

فإن قلنا بالثاني، حصّلنا أيضاً مركباً من الذات وقيد الإيصال، فيكون الذات مقدّمة للمقدّمة الموصلة، فننقل الكلام إليها، وهكذا إلى أن يتسلسل، وإن انتهينا أخيراً إلى وجوب متعلّق بالذات بلا قيد الإيصال، فلنقل بذلك من أوّل الأمر.

وهذا التقريب جوابه واضح; إذ لو سلّم كلّ الاُصول الموضوعيّة لهذا التقريب، قلنا: إنّ ذات الوضوء ليس مقدّمة للوضوء الموصل، فإنّ المقدّمات الداخليّة ليس فيها ملاك الوجوب; لعدم التوقّف والمقدّميّة في عالم الوجود، وذات الوضوء جزء ومقدّمة داخليّة للوضوء الموصل(1).

الثاني: أن يقال بأنّ وجوب الصلاة يترشّح منه وجوب غيريّ على الوضوء، وهو يتعلّق ـ  على القول بالموصلة  ـ بالوضوء، لا على الإطلاق، بل الوضوء المقيّد


(1) ولو سلّمنا: أنّ المقدّمة الداخليّة كالخارجيّة، قلنا: إنّ مقدّمة المقدّمة إنما يترشّح عليها الوجوب بقيد الإيصال إلى ذي المقدّمة، لا بقيد الإيصال إلى المقدّمة; إذ لو فرض محالا إيصالها إلى المقدّمة الموصلة من دون إيصالها إلى ذي المقدّمة، لم تكن فيها فائدة، ومن حسن الحظّ في المقام: أنّ المقدّمة الثانية بقيد الإيصال إلى ذي المقدّمة عين الواجب الغيريّ الأوّل، ووجوبها عين الوجوب الأوّل. على أنّ المقدّمات مهما تفترض كثرتها أو طوليّتها لا يتعلّق بها جميعاً إلاّ وجوب واحد.

أمّا لو فرض: أنّ الإشكال في نفس تكثّر المقدّمات إلى ما لا نهاية له، وأنّ هذا بنفسه تسلسل محال، فهذا ليس إشكالاً على وجوب المقدّمة الموصلة، بل هو إشكال في نفسه كاشف عن خطأ مّا في الحساب، فإمّا أنّ تكثّر المقدّمات لم يكن إلاّ وهماً لا واقع له (كما هو كذلك)، وإمّا أنّ هذا النمط من التسلسل لم يكن محالا.

  صفحه 496  

بالإيصال إلى الصلاة، فالواجب الغيريّ مقيّد بالصلاة، فتكون الصلاة قيداً في الواجب الغيريّ، فصارت مقدّمة المقدّمة، فيتعلّق بها الوجوب الغيريّ، ويصبح الوضوء ذا المقدّمة بالنسبة للصلاة، ويكون قيداً في هذا الوجوب الغيريّ، فيترشّح إليه وجوب مقدّميّ جديد، وهو أيضاً متعلّق بالموصل منه، وهكذا إلى أن يتسلسل.

وهذا التقريب أيضاً غير صحيح لعدّة وجوه:

الأوّل: ما سوف يأتي ـ  إن شاء الله  ـ : من أنّ المقدّمة الموصلة ـ على القول بها ـ لا ينحصر معناها في أخذ التوصّل إلى ذي المقدّمة قيداً للمقدّمة، بل لذلك معنىً آخر لا يستبطن أخذ التوصّل قيداً.

وهذا يصلح أن يكون جواباً للوجه الأوّل أيضاً.

الثاني: أنّه لو سلّمنا: أنّ معنى المقدّمة الموصلة تعلّق الوجوب الغيريّ بالوضوء المقيّد بحيثيّة الإيصال، لم يلزم مع هذا ترشّح الوجوب الغيريّ على الصلاة نفسها.

وتوضيح النكتة في ذلك: أنّ مقدّمة المقدّمة كلّيّةً فيها توقّفان: أحدهما توقّف المقدّمة الاُولى على الثانية، والآخر توقّف ذي المقدّمة الأصليّ على المقدّمة الثانية بسبب توقّف المقدّمة الاُولى، والتوقّف الأوّل لو لوحظ وحده، وفرض محالا: أنّه لا توقّف ثان، لم يترشّح وجوب على المقدّمة الثانية; إذ من الواضح: أنّ الشوق الغيريّ لا يمكن أن يصنع شيئاً سوى تقريب الإنسان نحو المطلوب النفسيّ، فإذا لم يكن المطلوب النفسيّ متوقّفاً عليه، فأيّ شوق يترشّح عليه؟!

فالسبب في الوجوب إنّما هو التوقّف الثاني، فالملاك دائماً في الوجوب الغيريّ سواء كانت المقدّمة أوّليّة، أو ثانويّة، أو ثالثيّة، إنّما هو مقدّميّتها لأصل الواجب النفسيّ.

إذا عرفت ذلك، قلنا: إنّ المقدّمة الثانية إن كانت مغايرة للواجب النفسيّ، كما

 
  صفحه 497  

في إخراج الماء من البئر مثلا الذي هو مقدّمة للوضوء الذي هو مقدّمة للصلاة، ترشّح عليه الوجوب الغيريّ; لأنّ ملاك ذلك هو المقدّميّة في عالم الوجود، وهو ثابت، أمّا إذا أصبحت المقدّمة الثانية ـ بسحر ساحر ـ نفس ذي المقدّمة، كما هو المفروض في المقام، فلا معنى لترشّح الوجوب الغيريّ عليها; إذ لو فرض ترشّحه من المقدّمة الاُولى، فهذا خلف ما وضّحناه: من أنّ المقدّمات الثانويّة إنّما تكسب وجوبها من ذي المقدّمة الأصليّ، لا من المقدّمة الأوّليّة، ولو فرض ترشّحه من ذي المقدّمة الأصليّ، فملاكه إنّما هو التوقّف والمقدّميّة، ومن المعلوم: أنّ التوقّف والمقدّميّة فرع الاثنينيّة المفقودة في المقام.

الثالث: أنّه لو غضّ النظر عن كلا الجوابين، وافترض التسلسل، فهذا التسلسل ليس أمراً مستحيلا; لأنّه ينقطع بانقطاع الاعتبار والملاحظة.

وتوضيح ذلك: أنّ التسلسل ـ  على ما ذكر الحكماء  ـ على قسمين:

1 ـ التسلسل الذي يمشي ويصعد بلا نهاية، بلا حاجة إلى ملاحظة الملاحظ، وتدخّل متدخّل فيه، كَأن يكونَ هذا له علّة، وعلّته لها علّة، وهكذا، وهذا هو المحال.

2 - التسلسل بمعنى: أنّه لا يتوقّف كلّما مشى الإنسان والملاحظ في ملاحظته، ومتى توقّف عن الملاحظة توقّف التسلسل، وهذا ليس محالا.

والمقام من هذا القبيل، فإنّ هذه الوجوبات كلّها أشواق نفسيّة، تتوقّف على الالتفاتات، وليس معنى هذه الوجوبات وجود أشواق لا متناهية بالفعل.

وهذا الجواب الثالث يتمّ على كلا تقريبي التسلسل.

الوجه الثاني: لزوم اجتماع المثلين; إذ يلزم كون الصلاة قيداً للواجب الغيريّ ومقدّمة له; لأنّ الواجب هو الوضوء الموصل إلى الصلاة، فيتّصف نفس الواجب النفسيّ بالوجوب الغيريّ، ويكون محطّاً لوجوبين.

 
  صفحه 498  

وهذا البيان يعترض عليه بوجوه:

الأوّل: ما أشرنا إليه في ردّ البرهان السابق: من أنّه مبنيّ على تخيّل أنّ المقدّمة الموصلة معناها تعلّق الوجوب بالحصّة المقيّدة بانضمام ذي المقدّمة إليها، وسوف يأتي ـ إن شاء الله ـ : أنّ لتصوير المقدّمة الموصلة صيغة اُخرى.

الثاني: ما بيّنّاه أيضاً في ردّ الوجه السابق. وحاصله: أنّ الصلاة وإن أصبحت مقدّمة المقدّمة، لكن لا يترشّح عليها الوجوب الغيريّ; لأنّ ترشّح الوجوب على مقدّمة المقدّمة إنّما يكون بلحاظ كونه مقدّمة لذي المقدّمة الأصليّ، وهنا لا تكون الصلاة مقدّمة لذي المقدّمة الأصليّ; فان المقدّميّة والتوقّف فرع الاثنينيّة، وأمّا وجوب المقدّمة فلا يترشّح إلى مقدّمتها.

هذان هما الوجهان الصحيحان في الردّ على هذا البرهان.

ولكن قد يظهر من كلمات السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ وجه آخر في مقام الجواب، وهو ما نذكره الآن بعنوان الثالث:

الثالث: الالتزام بالتأكّد والاشتداد المساوق للتوحّد، كما هو الحال في سائر الموارد، كمورد تعلّق النذر بالواجب(1).

وفيه: أنّ هذا إنّما يعقل في شوقين متولّدين من ملاكين لا من ملاك واحد. وتوضيحه: أنّ معنى تأكّد الشوقين ليس هو وجود شوقين في جانبي النفس، وأنّ النفس تضيق بهما، فيتّحدان، بل معناه وجود ملاكين يقتضيان الشوق، ولكن يستحيل تأثير كلّ منهما بحدّه; لاستحالة اجتماع شوقين، فيؤثّران تأثيراً واحداً.

أمّا في المقام، فمقتضي الشوقين واحد، وهو مصلحة الصلاة، وفي مثل ذلك


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 238، تحت الخطّ بحسب الطبعة المشتملة على تعاليق السيّد الخوئيّ .

  صفحه 499  

لا معنى لتأكّد الشوق; لعدم ازدياد في الملاك.

وبكلمة اُخرى: إنّ اشتداد الشوق لا يكون جزافاً، بل يكون باعتبار اشتداد الملاك، كما أنّ الشوق لا يكون جزافاً، بل يكون باعتبار الملاك، والوجدان حاكم بأنّ الشوق إلى الصلاة لا يزيد نفسه ما لم تضمّ إليه نكتة من الخارج.

الوجه الثالث: دعوى استلزام ذلك للدور.

وهذا له تقريبان في كلماتهم:

الأوّل: أن يقال بلزوم الدور في عالم الوجود، فيقال: إنّ الصلاة متوقّفة على مقدّمتها وهو الوضوء، وقد أصبحت مقدّمة لمقدّمتها; لأنّنا قلنا بالمقدّمة الموصلة التي هي مقيّدة بلحوق ذي المقدّمة، وهي الصلاة مثلا، إذن، فمقدّمة الصلاة وهي الوضوء متوقّفة على الصلاة(1).

وهذا التقريب جوابه واضح، فإنّ المدّعى إنّما هو كون متعلّق الوجوب الغيريّ هو الحصّة الموصلة، لا كون الموقوف عليه الصلاة الحصّة الموصلة، بل الصلاة متوقّفة على ذات الوضوء، والموقوف على الصلاة هو الوضوء الموصل بما هو موصل، فلا دور.

الثاني: أن يقال بلزوم الدور في عالم الوجوب، حيث إنّه ينشأ من وجوب الوضوء وجوب غيريّ آخر على الصلاة، فيقال: إنّ وجوب الصلاة نشأ من وجوب الوضوء، ووجوب الوضوء نشأ من وجوب الصلاة، وهو الدور(2).

وقد أجاب السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ على هذا الإشكال بأنّ الوجوب


(1) راجع فوائد الاُصول، ج 1، ص 290 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

(2) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 238 بحسب الطبعة المشتملة على تعاليق السيّد الخوئيّ .

  صفحه 500  

الذي تولّد من وجوب الوضوء هو وجوب غيريّ(1).

وهذا الجواب في غاية الوضوح، ولكن لعلّ مقصود المستشكل في الدور النظر إلى ما قالوه من فرض التأكّد. وتوضيح ذلك: أنّنا لو التزمنا بشوقين: أحدهما نفسيّ والآخر غيريّ، فاندفاع الدور واضح، لكن لو فرضنا: أنّنا أردنا أن نتجاوز عن محذور اجتماع المثلين بالتأكّد، فعندئذ ليس إلاّ وجود واحد للشوق، فيلزم الدور. وإن شئتم قلتم: إنّ التأكّد بين أمرين موجودين في مرتبتين أمر غير معقول.

وبكلمة اُخرى نقول: يوجد عندنا وجوب نفسيّ للصلاة واقع في المرتبة الاُولى، ووجوب غيريّ للوضوء واقع في المرتبة الثانية، ووجوب غيريّ للصلاة واقع في المرتبة الثالثة، فإن بقي الأوّل والثالث على حدّهما، لزم اجتماع المثلين، وإن اتّحدا لزم تقديم المتأخّر وتأخير المتقدّم.

إلاّ أنّك عرفت: أنّ الاُصول الموضوعيّة لهذا الإشكال غير صحيحة; لما تقدّم من الجواب الأوّل والثاني عن الوجه الثاني.

الوجه الرابع: ما ذكره المحقّق العراقيّ : من أنّ تقييد شيء بما هو أخصّ مطلقاً منه مساوق لتقييده بوجود نفسه; لأنّ وجود الأخصّ المطلق مساوق لوجود الأعمّ، فكما يستحيل تقييد الشيء بنفسه كذلك يستحيل تقييده بما هو أخصّ مطلقاً منه، والحصّة الموصلة أخصّ مطلقاً من ذات المقدّمة.

هذا بيان وقع في تقرير المحقّق العراقيّ (2)، ولعلّه وقع فيه نوع من الالتباس من المقرِّر; إذ من الواضح: أنّ الميزان في صحّة التقييد كون المقيَّد أعمّ ولو من


(1) راجع المصدر السابق، تحت الخطّ، والمحاضرات، ج 2، ص 414 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

(2) بدائع الأفكار، ج 1، ص 388 بحسب طبعة المطبعة العلميّة في النجف.

  صفحه 501  

وجه من القيد، لا كون القيد أعمّ ولو من وجه من المقيَّد، فإكرام الفقيه مثلا لا يعقل تقييده بكونه عالماً; لأنّ العالم أعمّ من الفقيه، والتقييد تخصيص، فلابدّ أن يكون المقيّد واجداً لحصّتين: حصّة واجدة للقيد، وحصّة فاقدة له، فالتقييد يتوقّف على أن لا يكون القيد أعمّ مطلقاً من المقيّد، أو مساوياً له، أمّا لو كان أخصّ مطلقاً منه، فلا بأس بالتقييد، فيقيّد الإنسان بالعالم; لأنّه قابل للتحصيص إلى العالم وغيره.

الوجه الخامس: ما ذكره صاحب الكفاية : من أنّه لو أتى بالمقدّمة، فهل يسقط الأمر الغيريّ قبل إتيانه بذي المقدّمة، أو لا؟ فإن فرض عدم السقوط، فهو تحصيل للحاصل، ولا شيء يحرّك نحوه; فإنّه لم يبقَ شيء يتحرّك نحوه غير ذي المقدّمة، وإن فرض السقوط، فسقوط الأمر لا يكون إلاّ بالامتثال، أو العصيان، أو ارتفاع الموضوع، أو بحصول الغرض بفرد لا يعقل انبساط الأمر عليه; لخروجه عن القدرة، أو حرمته. أمّا فرض العصيان، فواضح البطلان; فإنّه في طريق الامتثال لا العصيان، ولو مات الآن لم يكن عاصياً، وأمّا ارتفاع الموضوع، فهو أيضاً باطل; إذ لا يزال لم يأتِ بذي المقدّمة، وأمّا عدم إمكان انبساط الأمر عليه، فأيضاً غير صحيح; إذ لا هو أمر غير مقدور، ولا هو فرد محرّم، فالمتعيّن هو فرض حصول الامتثال، وهو المطلوب(1).


(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 186 بحسب الطبعة المشتملة في الحاشية على تعليقات المشكينيّ.

ويمكن الجواب على هذا الوجه بأنّنا نسأل: ما هو المقصود من سقوط الأمر بالمقدّمة بعد الإتيان بها، وقبل الإتيان بذي المقدّمة؟

إن كان المقصود سقوط فعليّة الأمر، فهذا ما لا نقول به حتّى بعد امتثال ذي المقدّمة; لأنّنا نرى: أنّ الامتثال يسقط فاعليّة الأمر لا فعليّته، وإن كان المقصود سقوط فاعليّة الأمر ومحرّكيّته، فقد مضى: أنّ الأمر الغيريّ لا محرّكيّة ولا فاعليّة له منذ البدء.

  صفحه 502  

والجواب: أ نّا نختار عدم سقوط الأمر الغيريّ بالإتيان بالمقدّمة، ومحذور تحصيل الحاصل عليه نقض وحلّ:

أمّا النقض، فهناك نقض خاصّ على صاحب الكفاية بلحاظ مبانيه، ونقض عامّ بلحاظ المباني المشتركة بين صاحب الكفاية وغيره:

أمّا النقض الأوّل: فيمكن إيراده بلحاظ ما أفاده صاحب الكفاية في عدّة موارد: منها في بحث الإجزاء(1)، ومنها في بحث التعبّديّ والتوصّليّ(2).

ففي الأوّل ذكر في بحث تبديل الامتثال: أنّه يمكن بقاء الأمر حتّى بعد الامتثال إذا كان الواجب مقدّمة إعداديّة لغرض أقصى لم يستوفَ، فيبقى الأمر ببقاء الغرض الأقصى، ومن هنا يجوز تبديل الامتثال، فلو أمره المولى مثلا بالإتيان بماء، فأتى له بماء، جاز له قبل أن يشربه المولى ويرتفع العطش أن يبدّله بماء آخر، وكان هذا تبديلا في الامتثال، بينما هذا يرد عليه نفس إشكال المقام، فيقال: كيف يأمر بإتيان الماء وهو تحصيل للحاصل؟!

وفي بحث التعبّديّ والتوصّلي ذكر: أنّ الأمر تعلّق في التعبّديّ بذات الفعل، ومع ذلك لو أتى بذات الفعل بلا قصد القربة لم يسقط الأمر، مع أنّه يرد أيضاً نفس محذور تحصيل الحاصل، بل في هذين الموردين لا نملك جواباً على هذا المحذور، وفي موردنا نملك جواباً عليه.

وأمّا النقض الثاني: وهو النقض العامّ، فهو النقض بالأمر الضمنيّ، فالأمر الضمنيّ بتكبيرة الإحرام مثلا إن فرض عدم سقوطه بعد التكبير، فهو تحصيل للحاصل، وإن فرض السقوط، فله أحد مناشئ أربعة لا سبيل إلى الثلاثة الأخيرة


(1) المصدر السابق، ص 127.

(2) المصدر السابق، ص 107.

  صفحه 503  

منها، فيتعيّن الامتثال، مع أنّه لا إشكال في أنّ الواجب الضمنيّ لا يمتثل إلاّ في ضمن امتثال الواجب النفسيّ، وبالإتيان بالواجب النفسيّ.

وهذا نقض على مستوى محلّ الكلام، أي: أنّ الجواب الحلّيّ حلّ للإشكال في محلّ الكلام وفي مورد النقض معاً.

وأمّا الحلّ، فيكون بالجواب على إشكال تحصيل الحاصل، وقد يجاب عليه بصيغة بدويّة، وهي: أنّ الأمر لم يتعلّق بالتكبيرة ذاتها، بل بالتكبيرة المقيّدة بانضمام باقي الأجزاء، فمتعلّق الأمر لم يحصل، وما حصل إنّما هو ذات التكبير، وهو ليس متعلّقاً للأمر، وكذلك في المقدّمة إنّما تعلّق الأمر بالوضوء المقيّد بترتّب ذي المقدّمة عليه، أو بمجموع المقدّمات مثلا، فذات الوضوء ليس متعلّقاً للأمر، وما هو متعلّق الأمر لم يحصل بعدُ.

وهذا الجواب قد يُرى صحيحاً في بادئ الأمر، إلاّ أنّه لا يثبت أمام التحليل، فإنّ الأمر الضمنيّ بالتكبير المقيّد بانضمام غيره ينحلّ إلى أمرين ضمنيّين: أمر ضمنيّ بذات التكبير، وأمر ضمنيّ بتقيّده بانضمام غيره، فينقل الكلام إلى الأمر بذات التكبير، وهو ليس متعلّقاً بالمقيّد، وإلاّ جاء التحليل أيضاً، ولزم التسلسل، فلابدّ من الانتهاء إلى أمر بذات التكبير.

وروح المطلب، وحقّ المطلب أن يقال: إنّه لا يلزم تحصيل الحاصل; لأنّ الأمر إذا كان ضمنيّاً فتحصيله أيضاً ضمنيّ، أي: كما أنّ الأمر الضمنيّ يكون في ضمن الأمر النفسيّ الاستقلاليّ كذلك محصّليّته ومحرّكيّته في ضمن محصّليّة ومحرّكيّة الأمر الاستقلاليّ، فهناك أمر واحد له محصّليّة واحدة بالتحليل ينحلّ إلى أوامر عديدة، وتحصيلات عديدة، فبعد فرض: أنّ هذه المحصّليّة ضمنيّة، أي: أنّ هذا جزء التحصيل، وأمّا التحصيل الحقيقيّ، فهو تحصيل المركّب، يصبح من الواضح: أنّ هذا ليس تحصيلا للحاصل; لأنّ المركّب لم يحصل، فتحصيل الحاصل إنّما يطبّق على التحصيل المستقلّ، أمّا الأمر الضمنيّ، فلو طبّق عليه الإشكال مع فرزه

 
  صفحه 504  

عن باقي الأوامر الضمنيّة، كان خلف كونه ضمنيّاً(1).


(1) السيّد الخوئيّ ذكر الجواب الحلّيّ بتقريب آخر، وهو الالتزام بسقوط التكليف عن الجزء مراعى بإتيان جميع الأجزاء، دون ما إذا استقلّ الجزء في الوجود; لأنّ الأمر بالمركّب أمر بكلّ جزء بشرط انضمام الباقي، والجزء المجرّد عن باقي الأجزاء لا أمر به من أوّل الأمر ليسأل عن سقوطه وعدم سقوطه(1).

وفيه: أنّ السقوط المراعى هنا لا معنى له; لما عرفت: من أنّ الوجوب الضمنيّ سقوطه أيضاً ضمنيّ كوجوده وكتحريكه، فلا معنى لسقوطه قبل سقوط باقي الأجزاء مراعى بإتيان باقي الأجزاء في المستقبل، على أنّنا لو فرضنا إمكان سقوط الأمر الضمنيّ مستقلاًّ، فأيضاً لا معنى للسقوط المراعى; إذ حينئذ يتعيّن سقوط الأمر بهذا الجزء; إذ لا مبرّر لتوقّف سقوطه على الإتيان بباقي الأجزاء بعد أن لم يكن مرتبطاً في سقوطه بسقوط باقي الأجزاء، والقول بأنّ الإتيان بباقي الأجزاء شرط في كون هذا الجزء هو الجزء المتّصف بالوجوب، والجزء المجرّد لا وجوب له حتّى يسقط، أو لا يسقط عبارة اُخرى عن أنّ هنا وجوباً واحداً تعلّق بالمجموع، والمفروض انحلال هذا الوجوب إلى وجوبات متعدّدة غير مترابطة في السقوط، وذات كلّ جزء متعلّق لأمر ضمنيّ، وليس متعلّق هذا الأمر الضمنيّ عبارة عن هذا الجزء مع الجزء الآخر، أو مع الاقتران بالجزء الآخر، وإلاّ لانحلّ أيضاً، فالأمر بهذا الذات يجب أن يسقط، وافتراض كون اقتران هذا الجزء بباقي الأجزاء عنواناً مشيراً إلى تلك الحصّة من الجزء المقترن غير صحيح; لما حقّقناه في محلّه: من أنّ فرض مشيريّة العنوان بنحو لا يرجع إلى التقييد لا يصحّ في مفاهيم الألفاظ التي يطرأ عليها الحكم، وإنّما يعقل في الاُمور الخارجيّة، وعليه فلابدّ ـ  بناءً على سقوط الأمر الضمنيّ  ـ من سقوط الأمر بذات الجزء حتّى مع فرض: أنّه سوف لن يأتي بباقي الأجزاء، وهذا خلاف الوجدان، فالصحيح إذن هو عدم السقوط; لأنّ السقوط في الأمر الضمنيّ أيضاً يجب أن يكون ضمنيّاً.


(1) راجع المحاضرات، ج 2، ص 417 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

  صفحه 505  

وهذا هو الفرق بين محلّ الكلام وموردي النقض على صاحب الكفاية، فإنّ الأمر في المقام ضمنيّ، وتحصيله ضمنيّ، أي: ليس تحصيلا، وإنّما هو جزء التحصيل، بخلاف الأمر في ذينك الموردين.

وهذا البيان يجري في الأوامر الغيريّة أيضاً بناءً على المقدّمة الموصلة، وأنّ الأمر بالمقدّمة أمر بها مع انضمام سائر المقدّمات أو القيود إليها.

الوجه السادس: ما ذكره صاحب الكفاية(1) أيضاً، وهو: أنّ دخل قيد في الواجب لا يكون جزافاً، بل يكون بلحاظ دخله في ملاك ذلك الوجوب، وقيد التوصّل ليس دخيلا في ملاك الوجوب.

وهذا البرهان يختلف عن البراهين السابقة بأنّ البراهين السابقة كانت تبيّن المانع عن أخذ قيد التوصّل، وهذا البرهان يقول: لا مقتضي لأخذه. وتوضيحه يكون بأن نعرف ما هو ملاك وجوب الواجب الغيريّ، ويستخلص من كلمات صاحب الكفاية عدّة صيغ لهذا الملاك:

1 ـ إنّ الملاك هو جعل ذي المقدّمة ممكناً لا وجوده مباشرة; لوضوح: أنّ وجوده ليس من الفوائد المترتّبة على وجود المقدّمة دائماً، إلاّ في المقدّمات السببيّة التي لا تنفكّ عن ذيها، وأمّا في غير ذلك، فما يحصل ببركة المقدّمة إنّما هو إمكان ذي المقدّمة الذي قد يوجد وقد لا يوجد، ومن الواضح: أنّ التوصّل ليس له دخل في إمكان ذي المقدّمة(2).

وهذه الصيغة لها مناقشة عامّة تطّرد في كلّ الصيغ التي سوف نذكرها، نؤجّلها


(1) الكفاية، ج 1، ص 184 ـ 186 بحسب الطبعة المشتملة في حاشيتها على تعليقات الشيخ المشكينيّ.

(2) نفس المصدر، ص 184 ـ 185.

  صفحه 506  

إلى آخر الصيغ، ولها مناقشة خاصّة، وهي: أنّه هل المراد بإمكان ذي المقدّمة ما يقابل الامتناع الذاتيّ، أو ما يقابل الامتناع الوقوعيّ، أو ما يقابل الامتناع بالغير؟

فإن اُريد به ما يقابل الامتناع الذاتيّ، يرد عليه: أنّ الإمكان في مقابل الامتناع الذاتيّ ثابت بذاته، فإنّ فرض كونه ممتنعاً ذاتيّاً يناقض فرض توقّفه على المقدّمة.

وإن اُريد به ما يقابل الامتناع الوقوعيّ، أي: ما يكون مستلزماً للمحال، لا هو محال، أي: ما تكون علّته محالا ذاتيّاً، لا هو محال ذاتيّ، يرد عليه: أنّه يكفي في دفع الامتناع الوقوعيّ إمكان المقدّمة، ولا أثر لوجودها في ذلك.

وإن اُريد به ما يقابل الامتناع بالغير، فالامتناع بالغير مقابله الوجوب بالغير، فإنّ كلّ ممكن إن كانت علّته موجودة، فهو واجب بالغير، وإن كانت غير موجودة، فهو ممتنع بالغير، فمقابل الامتناع بالغير هو الوجوب بالغير المساوق لوجود ذي المقدّمة، وهو خلف مقصوده.

2 ـ ما يقارب الصيغة الاُولى مع اختلاف في الصياغة، وهو: أنّ الملاك القدرة على ذي المقدّمة، وهي تحصل بذات المقدّمة بلا دخل قيد التوصّل(1).

وهذا أيضاً له جواب عامّ نذكره في آخر الصيغ، وجواب خاصّ، وهو: أنّ القدرة على ذي المقدّمة تتوقّف على القدرة على المقدّمة، لا على ذات المقدّمة، ولو كانت ذات المقدّمة دخيلة في القدرة، لأصبحت مقدّمة الوجوب، لا مقدّمة الواجب.

3 ـ إنّ الملاك حصول ما لولاه لم يحصل ذو المقدّمة.

وهذا المطلب يمكن أن يبيّن بعدّة تعبيرات:


(1) نفس المصدر، ص 191. والتعبير هكذا: الغاية إنّما هو حصول ما لولاه لما تمكّن من التوصّل إلى المطلوب النفسيّ.

  صفحه 507  

أحدها: هذا التعبير الذي ذكرناه، وهو حصول ما لولاه لم يحصل ذو المقدّمة، وهذا تعبير جاء في بعض فقرات كلام صاحب الكفاية(1).

والثاني: تعبير المحقّق العراقيّ ، وهو: أنّ الملاك في الواجب الغيريّ هو سدّ باب عدم ذي المقدّمة من هذه الجهة; فإنّ عدم كلّ مقدّمة من مقدّماته يصلح أن يكون علّة لعدم ذي المقدّمة، ويكون باباً من أبواب عدمه(2).

وهذا عبارة اُخرى عن المطلب الأوّل، وهو: أنّ الغرض من المقدّمة حصول ما لولاه لم يحصل ذو المقدّمة.

والثالث: أنّ الغرض من المقدّمة التهيّؤ والاقتراب نحو الإتيان بذي المقدّمة.

وهذا أيضاً تعبير آخر عن سابقه; فإنّه كلّما سدّ باب من أبواب عدمه قيل عنه: إنّه اقترب إليه، فهذه تعبيرات عن روح واحدة، ولا شكّ في أنّ هذه الروح مطلب يترتّب على المقدّمة، ولا يكون موجوداً قبلها، كما لا شكّ أنّه يحصل بذات المقدّمة بلا قيد الإيصال، فإن كان هذا هو الملاك في وجوب المقدّمة، فقيد التوصّل، أو ما يساوقه ليس دخيلا في الواجب الغيريّ.

ولكن الصحيح: أنّ هذا ليس هو الملاك الأساس في الواجب الغيريّ، بل لابدّ من الاعتراف بعبارة صريحة بأنّ الغرض الحقيقيّ من الواجب الغيريّ هو وجود الواجب النفسيّ، لا التهيّؤ، ولا الاقتراب، ولا سدّ باب من أبواب العدم، ولا تحصيل القدرة، ولا الإمكان، ولا حصول ما لولاه لم يحصل ذو المقدّمة، أو


(1) نفس المصدر، ص 184. إلاّ أنّه ورد فيه التعبير بــ «لما أمكن حصول ذي المقدّمة».

(2) المقالات، ج 1، المقالة 19، ص 330 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ بقم، ونهاية الأفكار، ج 1، ص 340 و 342 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  صفحه 508  

نحو ذلك، فإنّ أيّ غرض آخر نفترضه هو الملاك في الواجب الغيريّ غير نفس وجود ذي المقدّمة، فهذا الغرض لا يخلو حاله من أحد شقوق أربعة:

1 ـ كون هذا الغرض في نفسه محبوباً نفسيّاً، أي: أنّ المولى يحبّ نفس إيجاد القدرة، أو الإمكان، أو غير ذلك من تلك الاُمور بذاته.

وهذا خلف; لأنّ المفروض: أنّه لا يوجد مطلوب نفسيّ إلاّ ذو المقدّمة، وهو الصلاة مثلا. أمّا لو كانت نفس القدرة مثلا مطلوبة نفساً، فالوضوء يصبح مقدّمة توليديّة وموصلة دائماً، وهذا كلّه خلف المفروض، إذن، فلابدّ أن يكون حبّ المولى لتحصيل القدرة، أو الإمكان، أو التهيّؤ، أو سدّ باب العدم، أو نحو ذلك حبّاً غيريّاً، فلابدّ أن يكون وراءه غرض أيضاً، فما هو الغرض الذي من ورائه؟

2 ـ أن يفرض: أنّ هذا الغرض محبوب غيريّ، وأنّ الغرض الذي يكون من وراء هذا الغرض عبارة عن نفس الواجب النفسيّ، فغرض الغرض هو الواجب النفسيّ.

وهذا حاله حال ما لو قيل ابتداءً: إنّ الغرض من المقدّمة هو الواجب النفسيّ، أي: أنّه في صالح القول بالمقدّمة الموصلة، فإنّ غرضاً من هذا القبيل لا يدعو إلى الشوق إلى المقدّمة في دائرة أوسع من دائرة المقدّمة الموصلة.

3 ـ أن يكون هذا الغرض الغيريّ ناشئاً من غرض غيريّ آخر، وهكذا حتّى يتسلسل بلا وصول إلى غرض نفسيّ.

وهذا واضح البطلان; لبطلان التسلسل.

4 ـ أن يكون منتهياً إلى غرض نفسيّ غير الصلاة.

وهذا باطل; لأنّ المفروض عدم وجود غرض نفسيّ آخر.

وخلاصة ما يتبرهن بهذا البيان: أنّ الغرض من الواجب الغيريّ يجب: إمّا أن يكون هو الواجب النفسيّ، أو أن ينتهي إليه; إذ لا يمكن أن يكون الغرض منه شيئاً

 
  صفحه 509  

آخر بنحو المحبوبيّة النفسيّة، أو منتهياً إلى محبوب نفسيّ غير الصلاة، فإنّه خلف، ولا يمكن التسلسل، فالغرض الحقيقيّ من الواجب الغيريّ إنّما هو وجود الواجب النفسيّ.

وأمّا المقام الثاني: فالبرهان الصحيح على المقدّمة الموصلة هو ما اتّضح بما ذكرناه أخيراً في إبطال الوجه السادس من وجوه البرهنة على بطلان المقدّمة الموصلة القائل بأنّ ملاك الوجوب لا يختصّ بالمقدّمة الموصلة، فقد وضّحنا: أنّ الغرض الحقيقيّ من الواجب الغيريّ إنّما هو وجود الواجب النفسيّ، وإلاّ لزم الخلف، أو التسلسل على ما مضى شرحه آنفاً.

فهذا ـ بحسب الحقيقة ـ ليس فقط دفعاً للبرهان المذكور على نفي المقدّمة الموصلة، بل برهان على المقدّمة الموصلة; لأنّ الغرض من الواجب الغيريّ إن كان هو وجود الواجب النفسيّ، أو منتهياً إليه، فهو ضيّق، لا يترتّب إلاّ على المقدّمة الموصلة.

نعم، يبقى علينا أن نعرف الصيغة المعقولة للمقدّمة الموصلة، أي: ماذا يؤخذ في الواجب بحيث تصير مقدّمةً موصلة؟

وهذا بحث تصوّريّ لما تمّ عليه البرهان.

فنقول: هناك عدّة تصوّرات لاختصاص الوجوب بالمقدّمة الموصلة:

التصوّر الأوّل: أن يتقيّد الواجب بما يترتّب عليه الصلاة.

وهذا هو الذي كان ملحوظاً في نظرهم حينما أشكلوا بلزوم الدور والتسلسل.

وهذا التصوير غير صحيح، لا للدور والتسلسل، فإنّه تقدّم الجواب عليهما، بل لنكتة اُخرى، وهي: أنّ ملاك الوجوب الغيريّ هو المقدّميّة، ووجود الواجب النفسيّ، وما لا يقع في طريق الواجب النفسيّ ليس مقدّمة، ولا معنى لانبساط الوجوب الغيريّ عليه، وقيد الترتّب أمر منتزع عن وجود الواجب النفسيّ، فليس

 
  صفحه 510  

واقعاً في طريق تحقّق الواجب النفسيّ، وأخذ هذا القيد في الواجب الغيريّ معناه انبساط الوجوب الغيريّ عليه، وهو غير معقول; فإنّ الوجوب الغيريّ يعني الوجوب لأجل الغير، فكيف ينبسط على ما لا يتوقّف عليه الغير؟!

التصوّر الثاني: أن يقال: إنّ المأخوذ في الواجب الغيريّ ليس هو عنوان ترتّب الواجب النفسيّ، بل عنوان التوصّل إلى الواجب النفسيّ.

وتوضيحه: أنّه حينما يتحقّق ذو المقدّمة فعندنا عنوانان منتزعان: أحدهما ترتّب الصلاة على الوضوء، وهذا في طول وجود ذي المقدّمة، والآخر عنوان التوصّل إلى الصلاة، وهو عنوان ينتزع من الوضوء في عرض ترتّب الصلاة، فكأنّ الوضوء له معلولان: معلول خارجيّ، وهو الصلاة، ومعلول انتزاعيّ، وهو التوصّل إلى الصلاة، والموصليّة والعلّيّة ونحو ذلك من العناوين التي تنتزع من الوضوء وتكون في عرض الصلاة، فالمقدّمة تقيّد في هذا التصوير بهذا العنوان الذي هو في عرض ترتّب الصلاة بدلا عن تقييدها بترتّب الصلاة، وهذا التبديل هو الذي صنعه المحقّق الإصفهانيّ في تفسير المقدّمة الموصلة(1) لكي يدفع إشكالات الدور والتسلسل(2).

لكن هذا الكلام لو تمّ لا يدفع نكتة إشكالنا على التصوير السابق، فإنّ هذا العنوان، أو التقيّد به ليس واقعاً في طريق تحقّق الصلاة، وغاية ما يفرض: أنّه ملازم له وفي عرضه، فانبساط الوجوب الغيريّ على التوصّل بهذا المعنى ـ لو تعقّلناه ـ


(1) راجع نهاية الدراية، ج 2، ص 142 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.

(2) راجع نهاية الدراية، ج 2، ص 142 ـ 143 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت. وقد ذكر تحت الخطّ بعنوان التعليق على نهاية الدراية بطلان إشكال الدور، بقطع النظر عن تفسيره للموصلة، وذكر أيضاً كون هذا الفهم للموصلة مبطلا آخر لإشكال الدور.

  صفحه 511  

غير معقول أيضاً، كانبساطه على قيد ترتّب الصلاة، وإلاّ لزم ترشّح الوجوب الغيريّ على كلّ ما يلازم الواجب النفسيّ، مع أنّه لا يترشّح إلاّ على ما هو واقع
في طريقه.

التصوّر الثالث: فرض المقدّمة الموصلة بنحو الحصّة التوأم على النحو الذي ذكره المحقّق العراقيّ (1).

وتوضيحه ببيان أمرين:

الأوّل: أنّ الأمر بشيء تارةً يتعلّق بالمطلق، كالأمر بالصلاة المطلقة من ناحية إيقاعها في المسجد وعدمه، واُخرى يتعلّق بالمقيّد، بأن يدخل التقيّد تحت الأمر مع خروج القيد، فيقال مثلا: «صلِّ إلى القبلة»، فالأمر متعلّق بذات الفعل وبالتقيّد، مع خروج القيد، وثالثة يتعلّق الأمر بذات المقيّد على نحو يكون القيد والتقيّد معاً خارجين عن متعلّق الأمر، ويكون متعلّق الأمر ذات الحصّة، فلا هو مطلق بحيث يسري الأمر إلى تمام الحصص، ولا هو مقيّد بأن يكون التقيّد داخلا تحت الأمر، فمن ناحية يشبه المقيّد; لوقوف الأمر على الحصّة، ومن ناحية اُخرى يشبه المطلق; لعدم دخول التقيّد تحت الأمر، ويكون القيد مجرّد مشير إلى ذات الحصّة التوأم، كما في قولنا: «إمامي خاصف النعل»، فخاصف النعل مجرّد عنوان مشير من دون دخل للقيد، أو للتقيّد به في استحقاق الذات الشريفة للإمامة.

الثاني: أنّ الأمر المقدّميّ في المقام لا يمكن تعلّقه بالمطلق، ولا بالمقيّد، فيتعيّن الشقّ الثالث، وهو تعلّقه بالحصّة التوأم بالإيصال; لما عرفت: من أنّ الشقوق ثلاثة.

أمّا امتناع الإطلاق، فلأنّه خلف برهان المقدّمة الموصلة بحسب الفرض، وأمّا


(1) راجع المقالات، ج 1، ص 331، ونهاية الأفكار، ج 1، ص 340 ـ 343.

  صفحه 512  

امتناع التقييد، فلأنّ القيد المتصوّر أحد قيدين، وكلاهما ممتنع:

أحدهما: التقيّد بترتّب الواجب وانضمامه، وهو غير معقول; لبعض البراهين الذي نسبناه(1) إلى المحقّق العراقيّ على ما تقدّم.

والثاني: تعلّق الأمر بالوضوء المقيّد بانضمام سائر المقدّمات إليه، كما أنّ الأمر بتطهير الثوب أيضاً كذلك، وهكذا الحال في الأمر بكلّ مقدّمة، سنخ ما يدّعى في باب الأجزاء في المركّب الارتباطيّ: من أنّ الأمر بكلّ جزء متعلّق بالجزء المقيّد بباقي الأجزاء.

وهذا أيضاً مستحيل; لأنّ كلّ واحد من المقدّمات أو الأجزاء إذا تقيّد بانضمام المقدّمات الاُخرى، أو الأجزاء الاُخرى، لزم الدور، فإذا كان الركوع قيداً في التكبير وبالعكس، أو كان الوضوء قيداً في تطهير الثوب وبالعكس، كان كلّ منهما مقيّداً بالآخر، وبالتالي كان كلّ منهما مقدّمة للآخر، وهذا دور باطل.

وكلّ من الأمرين اللذين حلّلنا إليهما كلام المحقّق العراقيّ غير صحيح:

أمّا الأمر الأوّل: فلأنّ فكرة الحصّة التوأم ـ وهي أن يكون القيد والتقيّد كلاهما خارجاً، ومع هذا يقف الوجوب على الحصّة ـ غير معقولة عندنا، وقد تقدّم في بحث التعبّديّ والتوصّليّ: أنّ هذا المطلب لا يعقل في باب المفاهيم، وإنّما يعقل في الأفراد الخارجيّة، أي: أنّ الحصّة الخاصّة تارةً يفرض: أنّ لها نحو تعيّن خارجيّ، وامتياز وجوديّ بقطع النظر عن القيد والتقيّد، كتعيّن ذات أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بقطع النظر عن خصف النعل، فهنا يعقل كون موضوع الحكم ذات


(1) الدليل الموجود في المقالات، ص 330 بحسب الطبعة الماضية، وفي نهاية الأفكار، ص 340 ـ 341 بحسب الطبعة الماضية على عدم التقييد هو: أنّ الملاك والغرض المترتّب على كلّ مقدّمة إنّما هو سدّ باب عدم ذي المقدّمة من ناحية تلك المقدّمة.

  صفحه 513  

الحصّة، وكون خصف النعل مجرّد عنوان مشير. واُخرى يفرض: أنّها حصّة مفهوميّة، فلا تعيّن لها في مقابل باقي الحصص بقطع النظر عن التقيّد، كالعالم العادل في مقابل العالم غير العادل، فإنّه لا تعيّن لهذه الحصّة بقطع النظر عن التقييد بالعدالة; لأنّنا نتكلّم في المفاهيم، فهذا التقييد: إن أخذناه في مصبّ الحكم، دخل التقيّد تحت الأمر، وإن أخرجناه، سرى الحكم ـ لا محالة ـ إلى باقي الحصص; إذ بعد إخراجه لم يبقَ تباين بين العالم العادل والعالم غير العادل.

وأمّا الأمر الثاني: وهو أنّه يلزم أن تكون كلّ مقدّمة قيداً في الاُخرى، أي: مقدّمةً للاُخرى ـ  وطبّق ذلك على الأجزاء أيضاً  ـ فهذا من غرائب(1) مدرسة المحقّق العراقيّ ، فإنّه لم تصبح كلّ مقدّمة مقدّمة لذات الاُخرى، بل أصبحت مقدّمة للمقيّد من المقدّمة الاُخرى، وما هي مقدّمة لها ذات المقدّمة الاُخرى، فالموقوف عليه غير الموقوف عليه، فلا دور، وكأنّه قاس المقدّمة الشرعيّة بالمقدّمة العقليّة، فإنّ المقدّميّة هنا شرعيّة، نشأت من أخذ التقيّد في الواجب، والمقدّمة الشرعيّة مقدّمة للمقيّد، لا لذات الشيء، بخلاف المقدّمة العقليّة، فنصب السلّم مقدّمة لذات الكون على السطح، ولكن الوضوء مقدّمة للصلاة المقيّدة بالوضوء، والمقدّميّة المدّعاة في باب المقدّمات المتعدّدة، وكذلك الأجزاء شرعيّة، لا عقليّة.


(1) لم أجد هذا الشيء الغريب في المقالات، ولا في نهاية الأفكار، ولكن وجدته في بدائع الأفكار، ج 1، ص 392 بحسب طبعة المطبعة العلميّة في النجف، أمّا تطبيق ذلك على الأجزاء فلم أجده.

نعم، وردت في المقالات، ج 1، ص 330 بحسب الطبعة التي أشرنا إليها، وكذلك في نهاية الأفكار، ج 1، ص 340 ـ 341 البرهنة على عدم تقيّد كلّ مقدّمة بالانضمام إلى مقدّمة اُخرى بما مضى منه: من دعوى: أنّ الملاك والغرض من وجوب كلّ مقدّمة إنّما هو سدّ باب عدم ذي المقدّمة من زاوية تلك المقدّمة.

  صفحه 514  

التصوّر الرابع: أنّ الأمر الغيريّ يتعلّق بمجموع المقدّمات التي لا تنفكّ عن ذي المقدّمة، لا بمعنى: أنّ عنوان (لا ينفكّ عن ذي المقدّمة) مأخوذ في متعلّق الأمر، بل الأمر تعلّق بواقع ما لا ينفكّ عن ذلك، فلنفرض: أنّ مجموع المقدّمات التي لو وجدت لوجد ذو المقدّمة اُمور عشرة، فالأمر متعلّق بمجموع تلك الاُمور، وعنوان (ما لا ينفكّ) عنوان مشير لا أكثر، والأمر بكلّ واحد من تلك الاُمور العشرة أمر ضمني.

وهذا هو التصوير الصحيح للقول بالمقدّمة الموصلة.

إلاّ أنّه قد اعترض عليه، أو يمكن الاعتراض عليه بعدّة اعتراضات، وكلّها مدفوعة:

الأوّل: أن يقال: إنّ هذه المجموعة لا تتصوّر إلاّ في المقدّمات السببيّة، كما في الإحراق الذي مقدّمته الإلقاء في النار، فيقال: إنّ الوجوب المقدّمي متعلّق بمجموع المقدّمات التي آخرها الإلقاء في النار، وهو لا ينفكّ عن الإحراق، ولكن في الواجبات التي ليست لها مقدّمة سببيّة من هذا القبيل كالصلاة التي يمكن تركها بعد الإتيان بكلّ المقدّمات لا يتمّ ذلك(1).

والجواب: أنّه في ذلك نُدخِل في مجموع المقدّمات الإرادة والجزم والعزم، فإذا دخلت الإرادة لم ينفكّ عن ذي المقدّمة، ومن هنا قد يصعّد الإشكال إلى الاعتراض الثاني:

الثاني: أنّه إذا اُدخلت الإرادة في المقدّمات، لزم التكليف بأمر غير اختياريّ; لأنّ الإرادة ليست إراديّة، وإلاّ لتسلسل(2).


(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 185 بحسب الطبعة المشتملة في حاشيتها على تعليقات المشكينيّ.

(2) نفس المصدر، ص 186.

  صفحه 515  

وهذا الإشكال لا يرد على مسلك المحقّق النائينيّ القائل بأنّ الاختيار عبارة عن هجمة النفس، وإعمال القدرة الذي هو عمل نفسانيّ، فإنّه يقال: إنّ نفس هجمة النفس وإعمال القدرة عمل اختياريّ بذاته، واختياريّة باقي الأعمال به.

نعم، يوجد لهذا الإشكال مجال على مسلك صاحب الكفاية القائل بأنّ الاختيار عبارة عن الإرادة والشوق، فيقال: إنّ الإرادة ليست إراديّة، وإلاّ لتسلسل(1).

وقد يجاب على هذا المسلك أيضاً بأنّ الإرادة يمكن نشوؤها من الإرادة بالتفكير في فوائد الشيء ونحو ذلك. نعم، لابدّ من الانتهاء إلى إرادة غير اختياريّة، لكن تكفي اختياريّة الإرادة الاُولى.

وهذا الجواب قد ذكره المحقّق الإصفهانيّ (2).

ولكنّه يرد عليه: أنّه في الحالات الاعتياديّة لا يعقل تعلّق الإرادة بأن يريد، والنكتة في ذلك: أنّ تعلّق الإرادة بشيء لا يكون جزافاً، بل يكون بلحاظ المصلحة في المتعلّق، فلو فرض: أنّ شخصاً يريد أن يريد الصلاة من دون أن يكون بالفعل مريداً للصلاة، فهذه الإرادة الفعليّة المتعلّقة بالإرادة لابدّ أن تكون ناشئة من مصلحة في المتعلّق، وهي إرادة الصلاة، وفي الحالات الاعتياديّة لا توجد مصلحة في إرادة الصلاة، أو إرادة أيّ فعل آخر، إلاّ المصلحة الطريقيّة


(1) الفرق بين المسلكين الموجب لعدم ورود هذا الإشكال على مسلك المحقّق النائينيّ ، واختصاصه بمسلك صاحب الكفاية هو: أنّ هجمة النفس لم تفترض في مسلك المحقّق النائينيّ مقهورة لشيء سابق، ولكنّ الإرادة بمعنى الشوق المؤكّد تفترض في مسلك صاحب الكفاية مقهورة لمقدّمات الشوق.

(2) نهاية الدراية، ج 2، ص 141 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.

  صفحه 516  

التي مرجعها إلى المصلحة النفسيّة القائمة بذات المراد، وإلاّ فالإرادة بما هي إرادة، أيّ مصلحة فيها ما لم نفرض فروضاً استثنائيّة؟!

وعندئذ نقول: إنّ تلك المصلحة النفسيّة القائمة بذات الفعل: إمّا أن تكون كافية في محرّكيّة المكلّف نحو الفعل، وقدح شوقه نحوه، إذن توجد في نفسه إرادة الصلاة ابتداءً، وإن لم تكن كافية لذلك، فكيف يعقل أن تكون المصلحة الطريقيّة القائمة بإرادة الفعل محرّكة نحو إرادة الإرادة؟

إذن، ففرضيّة: أنّه يريد أن يريد الصلاة من دون أن يريد الصلاة بالفعل فرضيّة غير معقولة عادةً، فهذا الجواب غير صحيح.

والصحيح في الجواب: أنّ الوجوب الغيريّ لا محذور في تعلّقه بالإرادة وإن فرض كونها أمراً غير اختياريّ; وذلك; لأنّ التكليف بغير الاختياريّ إنّما نقول باستحالته لمحذورين:

1 ـ إنّ التكليف يكون بداعي الباعثيّة والمحرّكيّة التي هي غير معقولة في غير الاختياريّ.

2 ـ إنّ التكليف بغير المقدور إحراج للمكلّف، وإلجاء له إلى الوقوع في المعصيّة والعقاب، وهو قبيح.

وكلا هذين المحذورين غير موجود في المقام:

أمّا الأوّل، فلأنّ الوجوب الغيريّ وجوب تبعيّ قهريّ، وليس وجوباً مجعولا من قبل المولى بداعي البعث والتحريك.

وأمّا الثاني، فلأنّه لا يلزم في المقام إحراج: إمّا لأنّ الوجوب الغيريّ لا ثواب ولا عقاب عليه بما هو هو على ما مضى، وإمّا لأنّ الوجدان قاض بأنّ التكليف بإرادة الصلاة ليس فيه أيّ إحراج زائد على التكليف بالصلاة.

الثالث: أنّ مجموع المقدّمات حتّى مع ضمّ الإرادة ليس مقدّمة موصلة على

 
  صفحه 517  

ما ذكرناه في بحث الجبر والاختيار: من أنّ الفعل الاختياريّ لا يخرج بالإرادة والشوق الأكيد من الإمكان إلى الوجوب، والوجدان قاض بأنّه برغم هذا الشوق يمكنه أن يعاكس شوقه، ولا يأتي بما اشتاق إليه، وقد مضى: أنّ قاعدة: (أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد) لا تنطبق على الأفعال الاختياريّة للإنسان.

والجواب: أنّه لو قصدنا بالمقدّمة الموصلة ما يستحيل انفكاك ذي المقدّمة عنه، جاء هذا الإشكال، لكن ليس هذا هو المقصود، فإنّ الاستحالة ليست دخيلة في برهان المقدّمة الموصلة، وإنّما المقصود: المقدّمة التي يضمن معها ترتّب الغرض ـ أعني: ذا المقدّمة ـ عليه، ولا يحتمل أحد من الموالي أنّ العبد إذا تمّت في حقّه كلّ المقدّمات مع الشوق الأكيد، والإرادة نحو شيء، وله قدرة تامّة عليه، ولا مزاحم له في إعمال قدرته، ولا يوجد أيّ محذور في إقدامه عليه، فمع ذلك لا يفعل ذلك الفعل.

الرابع: أن يقال: إنّ الإرادة لا يمكن أن يجعل عليها الوجوب الغيريّ وإن كانت مقدّمة; لأنّ فيها نكتة تميّزها عن باقي المقدّمات، وهي: أنّ الأمر بذي المقدّمة الذي معناه: إيجاد الباعث والمحرّك نحو الصلاة لو حلّلناه، لوجدنا أنّه بالمباشرة دعوة نحو إرادة الصلاة; لأنّ الأمر بالصلاة مرجعه إلى الباعثيّة والتحريك نحو الصلاة، ومعنى ذلك: إيجاد الداعي في نفس المكلّف، وهذا معناه: إيجاد الإرادة، فكلّ تكليف نفسيّ بشيء يحرّك في الواقع مباشرة نحو إرادة ذلك الفعل، ولكنّه لا يحرّك مباشرة نحو سائر المقدّمات، فمن هنا أمكن إيجاد محرّك آخر نحو سائر المقدّمات كالوضوء، بخلاف الإرادة.

وجواب ذلك اتّضح ممّا مضى، فإنّ الوجوب الغيريّ ليس وجوباً مجعولا بداعي المحرّكيّة والباعثيّة حتّى يقال: لم يبقَ مجال لذلك، بل لو كان مجعولاً

 
  صفحه 518  

بداعي المحرّكيّة والباعثيّة، لأشكل الأمر في باقي المقدّمات أيضاً; لأنّ الأمر النفسيّ بالفعل وإن لم يكن محرّكاً نحوها بالمباشرة، لكنّه محرّك نحوها تسبيباً، والوجوب الغيريّ لا يوجد له أيّ تحريك جديد، وتأكيد للمحرّكيّة السابقة.

الخامس: أنّ إيجاب الإرادة معناه: إيجاد المحرّك نحو الإرادة، وإيجاد المحرّك نحو الإرادة معناه: إيجاد الإرادة للإرادة، فكما أنّ الوجوب النفسيّ المتعلّق بأصل الصلاة يقتضي إرادة الصلاة، كذلك الوجوب الغيريّ المتعلّق بإرادة الصلاة يقتضي إرادة إرادة الصلاة، مع أنّ إرادة إرادة الصلاة ليس لها أيّ مقدّميّة نحو الصلاة، فليس كلّ من يصلّي يريد أن يريد، ثمّ يريد، ثمّ يصلّي، بل أكثر المصلّين عادةً يريد الصلاة ابتداءً.

وهذا الكلام ـ بغضّ النظر عن المناقشة التي مضت: من أنّ الوجوب الغيريّ ليس للتحريك، وإنّما هو وجوب قهريّ ـ يرد عليه: أنّ هذا الكلام بنفسه يجري في سائر المقدّمات، فإنّ الأمر بنصب السلّم معناه: إيجاد إرادة نصب السلّم، مع أنّه كثيراً ما يتحقّق نصب السلّم من دون إرادة.

وحلّ المطلب: أنّ إرادة الإرادة مثلا، أو إرادة نصب السلّم مقدّمة للتحصيل لا للحصول، فقد يتّفق أنّ المقصود يوجد صدفة بلا إرادة، فحصول الواجب النفسيّ لا يتوقّف على إرادته فضلا عن إرادة إرادته، ولكن تحصيله من قبل المولى يكون طريقه منحصراً بقدح الإرادة في نفس العبد عن طريق الأمر، لا أن يجلس المولى في بيته ويقول: لعلّه يتحقّق نصب السلّم صدفة، فهذا كأنّه خلط بين التحصيل الذي يكون بالإرادة التشريعيّة للمولى والحصول الذي يكون بالإرادة التكوينيّة، وانتظار الصدفة خلف التحصيل، فلو لم يكلّف المولى العبد بإرادة شيء معناه: أنّه لم يحصّل ذلك الشيء.

وقد تحصّل من كلّ ما ذكرناه: أنّ الحقّ هو كون الوجوب مخصوصاً بالمقدّمة

 
  صفحه 519  

الموصلة، حيث أقمنا البرهان على ذلك، وصوّرنا المقدّمة الموصلة بتصوير لا يرد
عليه إشكال.

وقد نقل عن صاحب الفصول وجوه لإثبات القول بالمقدّمة الموصلة:

الأوّل: دعوى الوجدان القاضي بأنّ من يريد شيئاً يريد مقدّمته الموصلة دون مطلق المقدّمة ولو كانت غير موصلة(1).

وهذا الوجدان وإن كان صحيحاً عندنا لكنّه لا يفيد في مقابل المنكرين للمقدّمة الموصلة الذين ادّعوا أيضاً شهادة الوجدان والبداهة على مختارهم، وهذه من المسائل التي تقابل فيها دعوى الوجدان من الخصمين ممّا ينبغي أن نعتبر به في عدم التسرّع في دعوى البداهة والوجدان.

الثاني: دعوى الوجدان على أنّ المولى لو صرّح بأ نّي لا اُريد المقدّمة التي لا توصل إلى مقصودي، وإنّما اُريد خصوص الحصّة التي يترتّب عليها المقصود، كان هذا الكلام مسموعاً منه، مقبولا عند العقلاء، وصحيحاً، ولا يعدّ مجازفاً(2).

وهذا ـ في الحقيقة ـ يرجع روحه إلى الوجه الأوّل، ولا فرق بينهما، عدا أنّه في الوجه الأوّل لوحظ في الوجدان المدّعى مقام الثبوت، وفي هذا الوجه لوحظ مقام الإثبات والإخبار، فهذان الوجهان لا يؤكّد أحدهما الآخر. نعم، قد يكون أحدهما منبّهاً للآخر.

الثالث: شهادة الوجدان بإمكان تحريم غير الموصل من المقدّمة، كما لو قال صاحب الأرض الواقعة على ساحل البحر الذي غرق فيه مؤمن: انقذوا الغريق، ولا تمرّوا على أرضي مروراً غير موصل إلى الإنقاذ.


(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 188 بحسب الطبعة المشتملة في حواشيها على تعليقات المشكينيّ.

(2) راجع نفس المصدر، ص 187.

  صفحه 520  

وهذا وجه نسبه المحقّق النائينيّ ـ  على ما في تقرير بحثه(1)  ـ إلى صاحب الفصول، لكنّه حُكي: أنّ هذا غير موجود في كلام صاحب الفصول، وقد نسبه في تقرير بحث السيّد الاُستاذ إلى صاحب العروة(2).

وعلى أيّ حال، فهذا الكلام: إن اُريد به البرهنة على اختصاص الوجوب بالحصّة الموصلة، فلا يكون برهاناً على ذلك; إذ لعلّ صحّة تحريم الحصّة غير الموصلة، واختصاص الوجوب بالموصلة عندئذ يكون لأجل أنّ الوجوب المقدّميّ لا يشمل الحصّة المحرّمة، ولذا ترى أنّ الوجوب المقدّميّ لا يشمل الفرد الحرام من الموصلة أيضاً، فلو وجب الحجّ، لم يشمل وجوب ركوب الدابّة الذي هو مقدّمة للحجّ ركوب دابّة مغصوبة ولو فرض موصلا إلى الحجّ، والمدّعى في المقام اختصاص الوجوب بالموصل، وعدم شموله لغير الموصل; لأنّه غير موصل، لا لأنّه حرام، وهذا لا يتبرهن بشهادة الوجدان بإمكان تحريم غير الموصل.

نعم، إن اُريد به الردّ على اُولئك الذين قالوا: إنّ اختصاص الوجوب بالموصل غير معقول للدور، أو التسلسل، أو نحو ذلك، كان لهذا الكلام وجاهة، حيث يقال: إذن، ماذا تصنعون في مورد تحريم الحصّة غير الموصلة مع شهادة الوجدان بصحّة ذلك؟ فإن قلتم: إنّ الوجوب شامل لها، فهو غير معقول; لأنّ المفروض حرمتها، والوجوب المقدّميّ لا يمتدّ إلى الحصّة المحرّمة، وإن قلتم: إنّ الوجوب غير شامل لها، وإنّه مختصّ بالموصل، وقعتم فيما تزعمونه: من لزوم الدور، أو التسلسل، أو نحو ذلك.


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 238 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ ، وفوائد الاُصول، ج 1، ص 292 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

(2) ورد في المحاضرات للشيخ الفيّاض، ج 2، ص 420 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف قوله: وهذا الاستدلال منسوب إلى السيّد الطباطبائيّ صاحب العروة .

  صفحه 521  

إلاّ أنّ صاحب الكفاية علّق على هذا الوجه بإنكار شهادة الوجدان على صحّة تحريم الحصّة غير الموصلة، بل ادّعى البرهان على امتناع ذلك، بتقريب: أنّ هذا يستلزم تحصيل الحاصل في طرف الأمر بذي المقدّمة; لأنّ الأمر بإنقاذ الغريق مثلا مشروط بالقدرة عقلا وشرعاً. ويقصد بالقدرة العقليّة فاعليّة العضلات، وبالقدرة الشرعيّة عدم حرمة الشيء، أو مقدّمته، وإذا كان المولى قد حرّم غير الموصل، إذن فإباحة المقدّمة مشروطة بالإيصال، وعليه فوجوب ذي المقدّمة مشروط بالقدرة الشرعيّة المتوقّفة على إباحة المقدّمة المتوقّفة على الإيصال الذي معناه: الإتيان بذي المقدّمة، وهذا معناه: كون وجوب ذي المقدّمة موقوفاً على الإتيان به، وهذا ما قلناه من لزوم تحصيل الحاصل(1).

وقد أبرز المحقّق النائينيّ نقطة الاشتباه في ذلك، ببيان: أنّ قيد التوصّل ليس قيداً للإباحة، بأن يفرض: أنّه مع عدم التوصّل لا إباحة للمقدّمة، وإنّما هو قيد للمباح، فحتّى مع عدم التوصّل تكون الإباحة ثابتة على الحصّة الموصلة، أي: أنّ قيد الإيصال من قبيل قيد الواجب، لا من قبيل قيد الوجوب، إذن فوجوب ذي المقدّمة وإن كان موقوفاً على القدرة الشرعيّة الموقوفة على إباحة المقدّمة، لكن إباحة المقدّمة ليست موقوفة على الإيصال، فلا يلزم تحصيل الحاصل(2).

وهذا الكلام في غاية المتانة، إلاّ أنّنا نضيف إليه: أنّه لو كان التوصّل قيداً للإباحة، لم يلزم المحذور أيضاً، فإنّ وجوب الإنقاذ لا يتوقّف على إباحة الاجتياز، وإنّما يتوقّف على أن لا تكون مقدّمته محرّمة بحرمة مطلقة; إذ لو كانت


(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 189 ـ 190 بحسب الطبعة المشتملة في حواشيها على تعليقات المشكينيّ.

(2) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 240 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ .

  صفحه 522  

محرّمة بحرمة مقيّدة بعدم الإنقاذ، كان الإنقاذ رافعاً لموضوعها، فيعقل اجتماع
وجوب الإنقاذ مع حرمة الاجتياز المقيّدة بعدم الإنقاذ، ولا يقع تعارض أو تزاحم بينهما، بينما لا يعقل اجتماع وجوب الإنقاذ مع الحرمة المطلقة للاجتياز.

وبتعبير آخر: أنّ وجوب الإنقاذ موقوف على القدرة الشرعيّة على المقدّمة، والقدرة الشرعيّة عليها ليست موقوفة على إباحة المقدّمة بالفعل، بل يكفي فيها القدرة على الإتيان بذي المقدّمة من دون أن يقع في حرام من ناحيتها، أو من ناحية مقدّمتها، وهو قادر على ذلك; إذ بإمكانه أن يأتي بالمقدّمة مع ذيها، وعندئذ لم يقع في محرّم; لتحقّق شرط إباحة المقدّمة.

الرابع: أنّ الغرض من الواجب الغيريّ إنّما هو التوصّل إلى الواجب النفسيّ، فلا محالة يختصّ الوجوب بالموصل; لأنّ الغرض بهذا المقدار(1).

وهذا برهان متين بعد إدخال التشقيقات السابقة; لأجل إبطال سائر الشقوق المتصوّرة في المقام، وبذلك يرجع إلى البرهان الذي اخترناه.

 

تنبيهان:

بقي في المقام تنبيهان:

 

حرمة المقدّمة وفرض تقديم وجوب ذيها:

التنبيه الأوّل: لو كانت المقدّمة محرّمة، ولكن فرض تقديم جانب وجوب ذي المقدّمة، فطبعاً لابدّ من ارتفاع الحرمة عن المقدّمة في الجملة; إذ لا يمكن امتثال


(1) ورد نقل ذلك عن الفصول في الكفاية، ج 1، ص 187 ـ 188 بحسب الطبعة المشتملة في حواشيها على تعليقات الشيخ المشكينيّ .

  صفحه 523  

أمر ذي المقدّمة مع فرض ترك المقدّمة لحرمتها، وهذا واضح، إلاّ أنّه يقع الكلام في مقامين:

أحدهما: أنّه هل الحرمة ترتفع عن خصوص الحصّة الموصلة، أو عن كلتا الحصّتين: الموصلة وغيرها؟

والثاني: أنّه على تقدير اختصاص ارتفاع الحرمة بالموصلة، فهل يختصّ بالموصلة التي أتى بها بقصد التوصّل إلى ذي المقدّمة، أو لا؟

أمّا المقام الأوّل: فتحقيق الكلام في ذلك: أنّ حرمة المقدّمة يوجد في مقابلها أمران متنافيان لها:

أحدهما: وجوب ذي المقدّمة.

وهذه المنافاة ـ بغضّ النظر عن المنافاة الثانية ـ بابها باب التزاحم; لأنّهما حكمان على موضوعين تعذّر على العبد امتثالهما معاً.

والآخر: وجوب المقدّمة بناءً على الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته:

وهذه المنافاة بابها باب التعارض; لأنّهما حكمان على موضوع واحد.

فلو بقينا نحن والمنافاة الاُولى، فهي لا تقتضي إلاّ ارتفاع الحرمة من الحصّة الموصلة; إذ بذلك يرتفع التزاحم; لأنّ العبد يصبح قادراً على امتثال حرمة المقدّمة ووجوب ذي المقدّمة معاً; إذ حرمة المقدّمة اختصّت بغير الموصلة، وبإمكانه أن يأتي بالموصلة، فيكون قد اجتنب بذلك عن الحصّة المحرّمة وأتى بذي المقدّمة الواجب، إذن، فالحصّة غير الموصلة تبقى على حرمتها; لوجود المقتضي، وهو إطلاق دليل حرمة المقدّمة، وعدم المانع; لارتفاع التزاحم بإمكان امتثال كلا الحكمين.

وأمّا المنافاة الثانية، فلو اخترنا اختصاص وجوب المقدّمة بالحصّة الموصلة،

 
  صفحه 524  

فمن الواضح: أنّ هذه المنافاة أيضاً لا توجب ارتفاع الحرمة إلاّ من المقدّمة الموصلة(1).

أمّا لو اخترنا كون وجوب المقدّمة ثابتاً على الجامع بين الحصّتين، فإن كان اختيار ذلك لمجرّد أنّه لا مقتضي لاختصاص الوجوب بإحدى الحصّتين، فقد وجد المقتضي لذلك في المقام، وهو التحفّظ على حرمة المقدّمة بقدر الإمكان، فيقتصر في مقام رفع اليد عن حرمة المقدّمة على رفع اليد عنها في المقدّمة الموصلة(2) التي تكون حرمتها مزاحمةً بوجوب ذي المقدّمة، وأمّا إن ادّعي: أنّه مضافاً إلى ذلك يكون اختصاص الوجوب بالمقدّمة الموصلة مستحيلا; للزوم الدور، أو التسلسل، أو نحو ذلك، فيكون الوجوب ثابتاً على الجامع، فالنتيجة: أنّه يكون وجوب الجامع طرفاً للمعارضة مع حرمة المقدّمة، ولا يمكن حلّ المعارضة بتخصيص الوجوب بخصوص الحصّة الموصلة، والالتزام بالحرمة في خصوص غير الموصلة; لأنّ اختصاص الوجوب بالموصلة مستحيل بحسب الفرض، فإذا استحكم التعارض بهذا الترتيب بين وجوب المقدّمة وحرمتها، سرى هذا التعارض ـ لا محالة ـ إلى وجوب ذي المقدّمة; لأنّ المفروض كونه مستلزماً لوجوب جامع المقدّمة المتعارض مع حرمتها، ووجوب المقدّمة ـ على تقدير وجوب ذيها ـ دليله قطعيّ لا يمكن أن يعارض بدليل حرمة المقدّمة، فما يقع طرفاً


(1) ويرجع ذلك ـ في الحقيقة ـ إلى التزاحم، لا التعارض بلحاظ عالم الجعل; وذلك لأنّه كما يقال في المتزاحمين بتقيّد المهمّ ارتكازاً بعدم صرف القدرة في الأهمّ، وبهذا يخرج عن التعارض، كذلك يقال في المقام: إنّ حرمة المقدّمة منصرفة عن فرض صرف قدرته في الحصّة الموصلة إلى الأهمّ.

(2) وأيضاً رجع الأمر إلى التزاحم، لا التعارض.

  صفحه 525  

للمعارضة مع دليل حرمة المقدّمة إنّما هو دليل وجوب ذي المقدّمة، ولو قدّم وجوب ذي المقدّمة، ارتفعت حرمة المقدّمة حتّى عن الحصّة غير الموصلة، وهذه نتيجة غريبة تثبت على القول بعدم اختصاص الوجوب بالموصلة من باب استحالة اختصاصه بها; إذ من الواضح: أنّ العقلاء يستنكرون على من يجتاز مثلا الأرض المغصوبة من دون أن يأتي بذي المقدّمة، وهو إنقاذ الغريق، ويرونه قد ارتكب محرّمين: ترك الإنقاذ، واجتياز الأرض المغصوبة، ويرون أنّ حاله أشدّ ممّن لا يجتازها، ولا ينقذه.

وأمّا المقام الثاني: فبعد فرض اختصاص ارتفاع الحرمة بالحصّة الموصلة يقع الكلام في أنّه: هل يختصّ بالموصلة التي قصد بها التوصّل، أو لا؟

والكلام في ذلك بلحاظ المنافاة الاُولى يكون كما يلي:

قد يقال: إنّ نفس البيان السابق في تخصيص ارتفاع الحرمة بالموصلة يجري في هذا المقام أيضاً; إذ المزاحمة توجب رفع اليد عن الحرمة بمقدار ترتفع به المزاحمة، والحرمة إذا ثبتت على ما قصد به التوصّل، بقي التزاحم; إذ خطاب (انقذ الغريق) مثلا لا يمكنه حينئذ أن يحرّك نحو المقدّمة; إذ لو حرّك نحوها لزم الإتيان بالمقدّمة بقصد التوصّل، وأمّا غير ما يقصد به التوصّل، فالمقتضي لحرمته موجود، وهو إطلاق دليل حرمة الغصب، والمانع مفقود لارتفاع المزاحمة; لأنّ مقصودنا بارتفاع المزاحمة قدرة المكلّف على امتثالهما معاً، والمكلّف قادر على امتثالهما بأن يأتي بالمقدّمة الموصلة بقصد التوصّل.

إلاّ أنّ هذا البيان هنا غير خال من الإشكال، وذلك; لأنّ تحريم الحصّة الموصلة التي لا يقصد بها التوصّل ليس له أيّ دخل في تقريب المولى نحو أغراضه المولويّة; إذ لو كان المقصود بذلك هو الجمع بين الغرضين، أعني: اجتناب مفسدة الغصب، وتحقيق مصلحة الإنقاذ، فالمفروض: أنّه غير معقول; إذ الإنقاذ

 
  صفحه 526  

موقوف على الاجتياز من هذا المكان المغصوب، ولو كان المقصود: أن لا يفوت
كلا الغرضين معاً، فهذا حاصل من دون حاجة إلى تحريم الحصّة التي لا يقصد بها التوصّل، فإنّ فرض الحصّة الموصلة دائماً هو فرض حصول أحد الغرضين، بل أقواهما; إذ معنى كونها موصلة: أنّه يحصل الإنقاذ، فلا يبقى لتحريم تلك الحصّة أثر إلاّ إلزام المكلّف بقصد التوصّل، مع أنّ من الواضح: أنّ هذا ليس واجباً شرعاً، وليس فيه غرض لزوميّ، ولذا لم يلتزم بوجوبه في غير المقام، وإنّما الغرض هو إيجاد مصلحة الإنقاذ، واجتناب مفسدة الغصب، وبلحاظهما لا أثر لهذا التحريم، وهذا بخلاف تحريم الحصّة غير الموصولة في المقام الأوّل، فإنّ ذاك التحريم كان يصون المولى من أن يخسر كلا الغرضين في بعض الأوقات، وذلك كما لو كان العبد بانياً على عدم إنقاذ الغريق، فإنّه حينئذ لولا تحريم الحصّة غير الموصلة قد يتمشّى في الأرض بلا إنقاذ.

وقد ظهر من خلال كلامنا اندفاع توهّم آخر في المقام; إذ قد يخطر بالبال لتوجيه حرمة ما لا يقصد به التوصّل: أنّ هذا له دخل في أغراض المولى، فإنّ الغصب الموصل إذا أتى به لا بقصد التوصّل خسر أحد الغرضين بتمامه وإن تمّ الإنقاذ، ولكن حصل الغصب، وأمّا إذا أتى به بقصد التوصّل، فحيث إنّ قصد التوصّل حسن، فبهذا الحسن تتدارك مفسدة الغصب، أو شيء منها، فكأنّ غرض عدم الغصب لم يفت، أو فات بعضه، لا تمامه.

والجواب: أنّ هذا البيان إنّما يكون صحيحاً لو كان حسن قصد التوصّل وملاكه بمرتبة لزوميّة في نفسه، فيقع الكسر والانكسار بينه وبين مفسده الغصب، فمثلا لا يبقى حسن ولا مفسدة، ولكن بعد فرض عدم حسن لزوميّ في نفسه ـ  وإلاّ لوجب في سائر الموارد  ـ لا يتمّ هذا البيان; إذ ليس تدارك مفسدة الغصب بقصد

 
  صفحه 527  

التوصّل بمقدار لزوميّ(1)، حتّى يجب قصد التوصّل، ويحرم ـ بكلمة اُخرى ـ الإتيان بالمقدّمة بلا قصد التوصّل.

فإن قلت: إنّ تحريم ما لا يقصد به التوصّل بعد فرض اختصاص ارتفاع الحرمة بالحصّة الموصلة وإن كان لا معنى له; إذ لا يقرّب المولى إلى مقاصده المولويّة، ولكن يبقى احتمال أن يخصّص ارتفاع الحرمة بما يقصد به التوصّل بدلا عن تخصيصه بالموصلة.

وتوضيح ذلك: أنّ المولى لو لم يحرّم المقدّمة التي توقّف عليها الواجب أصلا، كان ذلك إخلالا بغرضه; إذ بإمكان المولى التحفّظ على غرض ترك الغصب بمقدار لا يضرّ بغرض إنقاذ الغريق، وذلك عن طريق تحريم المقدّمة في الجملة، وعليه فلابدّ من تحريم المقدّمة تحريماً مقيّداً طبعاً; إذ التحريم المطلق لا ينسجم مع وجوب الواجب المتوقّف عليها، وهذا التحريم المقيّد يتصوّر بشكلين:

أحدهما: تحريم الحصّة غير الموصلة، وفائدة ذلك: أنّ من لا يريد الإتيان بذي المقدّمة، قد يمتثل هذا التحريم، فيترك المقدّمة المحرّمة.

والآخر: تحريم الحصّة التي لم يرد بها التوصّل إلى ذي المقدّمة، وهذا أيضاً يفيد نفس الفائدة.

نعم، لو فرغنا عن تحريم الحصّة غير الموصلة، يبقى تحريم ما لم يرد بها التوصّل غير مؤثّر في تقريب المولى نحو المقصود، وكذلك العكس، إذن فما هو المعيّن لكون التحريم بالنحو الأوّل، لا بالنحو الثاني؟!


(1) أو قل: لا يوجد غرض لزوميّ آخر إلاّ مسألة قبح التجرّي وحسن الانقياد، والمفروض: أنّ نفس النهي عن الغصب والأمر بالانقياد يدعوان إلى الانقياد وعدم التجرّي، ولم يكن أمر إلزاميّ آخر بالانقياد أو نهي عن التجرّي.

  صفحه 528  

قلت:

أوّلا: إنّه بعد أن كان خروج الحصّة الموصلة التي قصد بها التوصّل عن التحريم متيقّناً، ودار الأمر بين أن تكون الموصلة التي لم يقصد بها التوصّل أيضاً غير حرام، ويكون غير الموصل الذي قصد به التوصّل حراماً، أو بالعكس، فالترجيح للأوّل على الثاني; لأنّ الثاني يستبطن الإلزام بقصد التوصّل دون الأوّل، وقد قلنا: إنّ المولى لا يريد الإلزام بقصد التوصّل(1).

وثانياً: إنّه لو فرض: أنّ المولى حرّم المقدّمة التي لم يقصد بها التوصّل دون المقدّمة غير الموصلة، لزم من ذلك أنّه لو علم العبد بأنّه بعد إتيانه بهذه المقدّمة سوف يأتي بذي المقدّمة، لكنّه لم يقصد التوصّل بهذه المقدّمة، كان إتيانه بهذه المقدّمة حراماً، مع أنّ هذا التحريم لا يقرّب المولى إلى أغراضه عدا أنّه يوجب إلزام العبد بقصد التوصّل الذي قلنا: إنّه لا يريده المولى(2).

وثالثاً: إنّ هناك قرينة ارتكازيّة متّصلة تقيّد كلّ تكليف بعدم الاشتغال بمزاحم مساو أو أهمّ، وهذا ـ لا محالة ـ يقيّد حرمة المقدّمة بعدم الاشتغال بذي المقدّمة الأهمّ حسب الفرض، وهذا يعني اختصاص الحرمة بغير الموصل، فليست القضيّة قضيّة تخصيص مردّد أمره بين تخصيصين: فإمّا أن يخرج الموصل أو يخرج ما


(1) المولى وإن كان لا يريد الإلزام بقصد التوصّل، لكنّه لا يضرّه ذلك أيضاً، فالمهمّ: أنّه لمّا كان لا يريد الإلزام بقصد التوصّل، كان تحريم المقدّمة التي لم يقصد بها التوصّل في فرض علم العبد بأنّه بعد إتيانه بالمقدّمة سيأتي بذي المقدّمة تحريماً بلا غرض; لأنّه لا يقرّب المولى إلى أغراضه عدا هذا الإلزام الذي لا يريده، وهذا رجوع إلى الوجه الثاني.

(2) بل إنّ هذا التحريم قد يكون دعوة للعبد إلى ما يضرّ المولى، وذلك حينما يكون الإنقاذ أهمّ، فتكون مصلحة المولى في فرض الموصليّة ـ برغم عدم قصد التوصّل حين الاجتياز ـ مقتضية للاجتياز، لا لعدم الاجتياز.

  صفحه 529  

قصد به التوصّل، حتّى يقال: إنّه ليس الأوّل أولى من الثاني.

فتحصّل: أنّ المتعيّن اختصاص الحرمة بغير الموصل.

نعم، يبقى كلام آخر، وهو: أنّه هل يخرج من تحت الحكم بالحرمة مطلق الموصل، أو خصوص الموصل الذي علم بإيصاله من أوّل الأمر، حتّى يحرم عليه الإتيان بالمقدّمة عندما يشكّ في أنّه: هل سوف ينقدح عنده الداعي إلى الإتيان بذي المقدّمة بعدها، أو لا؟

والصحيح هو الثاني; لكفاية هذا المقدار من التخصيص في رفع التزاحم(1)، وهو بحث سيّال في جميع موارد باب التزاحم.

وقد تحصّل بكلّ ما ذكرناه: أنّ المنافاة الاُولى توجب سقوط الحرمة من الحصّة الموصلة ولو لم يقصد بها التوصّل، وبهذا لم يبقَ مجال للكلام في المنافاة الثانية.

 

ثمرة بحث المقدّمة الموصلة:

التنبيه الثاني: في ثمرة بحث المقدّمة الموصلة زائداً على ما يظهر ممّا مضى في التنبيه الأوّل، ويأتي توضيحه في ثمرة بحث المقدّمة:

قد يقال: إنّه تظهر ثمرة القول بالمقدّمة الموصلة وإنكارها فيما لو توقّف


(1) بل الصحيح هو الأوّل; لأنّ تحريم الموصل الذي لم يعلم بإيصاله منذ البدء لا يقرّب المولى إلى غرضه; لأنّ أحد الغرضين ـ وهو الأهمّ ـ حاصل في علم الله; لأنّ المفروض: أنّه سيوصل المقدّمة إلى ذيها، وحصول كلا الغرضين غير ممكن، بل إنّ هذا التحريم قد يكون دعوة للعبد إلى ما يضرّ المولى، وذلك حينما يكون الإنقاذ أهمّ، فتكون مصلحة المولى في فرض الموصليّة من دون العلم بها في وقت الاجتياز مقتضية للاجتياز، لا لعدمه.

  صفحه 530  

الواجب على ترك عبادة بناءً على توقّف أحد الضدّين على ترك الآخر، فترك ذلك الواجب وأتى بتلك العبادة، فيمكن أن يقال: إنّه بناءً على المقدّمة الموصلة لا تبطل عبادته، وبناءً على وجوب مطلق المقدّمة تبطل عبادته على القول بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العامّ، وأنّ النهي في العبادات يوجب الفساد.

وهذه الثمرة قد بيّنها في الكفاية بعبارة تحتمل أحد تفسيرين(1):

التفسير الأوّل: أن يقال: إنّ أيّ قيد اُخذ في أحد النقيضين ينبغي أخذه في النقيض الآخر حفظاً للتناقض، فمثلا نقيض الصوم في يوم الجمعة هو ترك الصوم في يوم الجمعة، وعليه فالواجب إذا كان هو ترك الصلاة مثلاً مطلقاً، ففعلها حرام، فتبطل، وأمّا إذا كان الواجب هو ترك الصلاة المقيّد بترتّب الإزالة مثلا، فنقيضه هو الصلاة المقيّدة أيضاً بترتّب الإزالة، ومن الواضح: أنّه لو صلّى لم تترتّب الإزالة لفرض التضادّ بينهما، فلا تكون هذه الصلاة محرّمة، فلا تكون باطلة.

وهذا التقريب للثمرة واضح البطلان، بداهة أنّ أخذ قيد ترتّب الإزالة في طرف ترك الصلاة لا يوجب أخذه في طرف الصلاة، فإنّه ليس القيد المأخوذ في أحد النقيضين يؤخذ في عدمه، بمعنى كون نقيضه عدمه المقيّد بذلك القيد، وإنّما القيد المأخوذ في أحد النقيضين يؤخذ فيما يضاف إليه عدمه، أي: أنّ الوجود المقيّد بقيد يكون نقيضه هو عدم المقيّد، لا العدم المقيّد، وكم فرق بينهما.

التفسير الثاني: أن يقال: إنّه إذا قلنا بوجوب مطلق المقدّمة، فترك الصلاة يجب على الإطلاق، ففعلها يحرم على الإطلاق، فيقع باطلا. أمّا إذا قلنا بوجوب خصوص الموصلة، فمعنى ذلك: أنّ الوجوب مشروط بترتّب الإزالة، إذن فكلّ


(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 192 بحسب الطبعة المشتملة في حواشيها على تعليقات المشكينيّ.

  صفحه 531  

ترك لو فرضناه الآن واقعاً لكان موصلا يكون هو الواجب، وأمّا الترك الذي لو فرضناه الآن واقعاً لما كان موصلا، فهو غير واجب، وحيث إنّ هذا الشخص الذي اشتغل بالصلاة يوجد له صارف نفسانيّ عن الإزالة استثقالا للإزالة مثلا، فصلاته غير محرّمة عليه; لأنّ تركه للصلاة غير واجب عليه; لأنّ هذا الترك لو فرض واقعاً الآن لما كان موصلا، إذن فصلاته صحيحة.

وهذا التقريب للثمرة أيضاً واضح البطلان; بداهة أنّ معنى اختصاص الوجوب بالموصلة ليس هو أخذ الإيصال قيداً في الوجوب، وإنّما معناه: أخذه قيداً في الواجب، فهذا بالفعل يجب عليه الترك، أي: الترك الموصل بالرغم من أنّه لو صدر منه الترك الآن لما كان موصلا، فالصلاة التي يأتي بها يكون من المطلوب تركها تركاً موصلا، فيقال مثلا: إنّ هذه الصلاة أصبحت محرّمة فتبطل.

وهناك تقريب ثالث للثمرة هو الذي ينبغي أن يقع موضعاً للبحث إثباتاً ونفياً(1)، ولعلّه هو المراد الحقيقيّ لصاحب الكفاية بالرغم من أنّ عبارته لا تساعد على ذلك، وهو أن يقال: إنّه إذا فرض أنّ فعل أحد الضدّين متوقّف على ترك الضدّ الآخر، وكان ضدّ الواجب عبادة، فقد أصبح فعل الواجب ـ وهو الإزالة مثلا ـ موقوفاً على ترك الضدّ وهو الصلاة، فإذا كان الواجب مطلق المقدّمة، فقد وجب ترك الصلاة، وبناءً على أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العامّ، تصبح الصلاة منهيّاً عنها، فبناءً على فساد العبادة بالنهي عنها تبطل الصلاة، وأمّا إذا كان الواجب خصوص الموصل، فالواجب هو ترك الصلاة الموصل إلى الإزالة، و هذا ليس نقيضه فعل الصلاة; إذ قد يرتفعان، بأن يأتي بترك غير موصل، والنقيضان


(1) وهو الذي فسّر به الشيخ الإصفهانيّ كلام اُستاذه الأخوند. راجع نهاية الدراية، ج 2 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ص 150.

  صفحه 532  

لا يمكن ارتفاعهما، وإنّما نقيضه رفع الترك الموصل الذي قد يقترن بالصلاة، واُخرى بالترك غير الموصل، ولا موجب لسراية الحرمة من رفع الترك الموصل إلى ما قد يقترن معه وهو الصلاة، إذن فتقع الصلاة صحيحة.

ويمكن المناقشة في هذه الثمرة بالرغم من بيانها بهذا التقريب بوجوه:

الوجه الأوّل: أنّنا لو سلّمنا كلّ الاُصول الموضوعيّة لهذه الثمرة: من أنّ الضدّ موقوف على ترك ضدّه، وأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العامّ، وأنّ هذا النهي يوجب الفساد في العبادة، قلنا: إنّ هذه الاُصول الموضوعيّة بنفسها تستبطن: أنّ فعل أحد الضدّين أيضاً مقدّمة لترك الآخر، فإنّ منشأ مقدّميّة ترك أحدهما لفعل الآخر هو التمانع، وإذا صحّ التمانع، فكما أنّ عدم أحدهما مقدّمة لوجود الآخر من باب مقدّميّة عدم المانع لوجود الشيء، كذلك وجود أحدهما مقدّمة لعدم الآخر من باب: أنّ وجود المانع أحد أسباب انتفاء الشيء، وحينئذ نقول: إنّ الإزالة واجبة، فتركها حرام; لما فرض: من أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، وفعل الصلاة مقدّمة موصلة لهذا الحرام، فهي حرام; لأنّ فعل الصلاة لا ينفكّ أبداً عن ترك الإزالة، فهو مقدّمة تستتبع فعل الحرام، وإذا كانت مقدّمة الواجب واجبة، فمقدّمة الحرام التي تكون علّة تامّة لتحقّق الحرام أيضاً تكون محرّمة، فالصلاة إذن حرام حتّى ولو قلنا بالمقدّمة الموصلة، غاية الأمر: أنّه إن قلنا بوجوب مطلق المقدّمة لا المقدّمة الموصلة، اتّصفت الصلاة بالحرمة الغيريّة باعتبارها نقيض الواجب، وإن قلنا بالمقدّمة الموصلة، لم تتّصف الصلاة بالحرمة الغيريّة باعتبارها نقيض الواجب، ولكنّها تتّصف بالحرمة الغيريّة باعتبارها مقدّمة مستتبعة حتماً للحرام، فمن حيث النتيجة لا يبقي فرق بين القولين.

الوجه الثاني: أنّه حتّى على القول بالمقدّمة الموصلة تثبت حرمة الصلاة باعتبارها نقيضاً للواجب، وتوضيحه ببيان أمرين:

 
  صفحه 533  

الأوّل: أنّ وجوب المقدّمة ـ بناءً على القول بالمقدّمة الموصلة ـ وجوب غيريّ تعلّق بمركّب ارتباطيّ، أحد أجزائه ذات المقدّمة، والجزء الآخر الإيصال، أو إرادة ذي المقدّمة، أو سائر المقدّمات مثلا.

الثاني: أنّه كما أنّ الحبّ النفسيّ الاستقلاليّ يلازم بغض نقيضه، كذلك الحبّ الضمنيّ المتعلّق بالجزء يلازم بغض نقيضه; إذ نحن نرى بالوجدان عدم الفرق بين الحبّ الضمنيّ والحبّ الاستقلاليّ في أنّه يسبّب بغض نقيضه، والحبّ الضمنيّ يتعلّق بذات الجزء لا الجزء المقيّد، وإلاّ لتركّب الواجب أيضاً من جزء وتقيّد، فبالأخرة ننتهي إلى حبّ ضمنيّ متعلّق بذات الجزء، وهو يستلزم بغض النقيض، ولكن بغض النقيض ليس ضمنيّاً; لأنّ حبّ الجزء إنّما صار ضمنيّاً لأجل أنّ ملاكه ترتّب الفائدة، وهي لا تترتّب إلاّ على المجموع، فيكون الحبّ ضمنيّاً، وأمّا بغض النقيض، فملاكه فوات الفائدة، وهو يترتّب على ترك كلّ جزء مستقلاًّ، فلا محالة يصبح البغض استقلاليّاً، وبهذا تثبت حرمة الصلاة حتّى على المقدّمة الموصلة; لأنّ الواجب الاستقلاليّ ـ على القول بالمقدّمة الموصلة ـ وإن كان هو الترك الموصل، لكن الترك يصبح محبوباً ضمنيّاً، فنقيضه ـ وهو الصلاة ـ يصبح مبغوضاً بالبغض الاستقلاليّ.

الوجه الثالث: ما جاء في تقرير بحث الشيخ الأعظم . والعبارة التي يذكرها في الكفاية لا تخلو من تشويش، ولم نراجع تقرير الشيخ لنرى ما هو المستظهر منه.

وعلى أيّ حال، فيمكن بيان هذا الإشكال ببيانين:

البيان الأوّل: أنّ نقيض كلّ شيء رفعه، فالفعل ليس هو النقيض، سواء قلنا بالمقدّمة الموصلة أو لا، فالوجوب المتعلّق بالترك يستدعي حرمة نقيضه الذي هو رفع الترك، وحرمة رفع الترك تستدعي حرمة ملازمه، وهو الفعل بناءً على وجوب مطلق المقدّمة، وأمّا بناءً على وجوب المقدّمة الموصلة، فوجوب الترك الموصل

 
  صفحه 534  

يستدعي حرمة رفع الترك الموصل، وهذه حرمة ثابتة لرفع الترك الموصل بنحو مطلق الوجود والانحلال، أي: أنّه تحرم ـ لا محالة ـ كلتا حصّتي هذا الرفع، وهما: الرفع الذي يتحقّق في ضمن الفعل، والرفع الذي يتحقّق في ضمن الترك غير الموصل، وإذا حرمت كلتا الحصّتين، حرم ما يلازم كلّ واحدة منهما، فالفعل الذي هو ملازم لإحدى الحصّتين أصبح حراماً.

فتحصّل: أنّ الصلاة تحرم على كلا الرأيين، لا لكونها نقيض الواجب، بل لكونها ملازم النقيض، إذن فالثمرة منتفية.

وبهذا التقريب لا يرد عليه إشكال صاحب الكفاية بأنّه لا ملازمة بين نقيض الموصل والصلاة; لإمكان أن يثبت النقيض في ضمن الترك غير الموصل، فهذا الكلام ـ كما ترى ـ كأنّه ينظر إلى جامع رفع الترك الموصل، بينما هذا الجامع حرام بحرمة انحلاليّة على تمام الحصص، فملازم كلّ من الحصّتين حرام.

نعم، يرد عليه: أنّ الحرمة لا تسري إلى الملازم، لكن فرض عدم السراية إلى الملازم فرض عدم الثمرة أيضاً.

فإلى هنا استحكم الإشكال على هذه الثمرة، بأن يقال: إنّ الفعل ليس نقيضاً للترك، وإنّما هو ملازم للنقيض، أو لإحدى حصّتي النقيض، فإن قلنا بحرمة ملازم الحرام، حرمت الصلاة على كلا الرأيين، وإلاّ لم تحرم على كلا الرأيين.

البيان الثاني: لكلام الشيخ أن يقال: إنّ نقيض كلّ شيء رفعه، ويدّعى: أنّ الفعل مصداق للنقيض وإن لم يكن هو النقيض، ولا إشكال في سراية الحرمة من الطبيعة إلى المصاديق وإن أنكرنا السراية إلى الملازم، وفعل الصلاة هو المصداق الوحيد للنقيض بناءً على وجوب مطلق المقدّمة; إذ مطلق الترك نقيضه هو رفع الترك الذي لا يتمثّل إلاّ في الفعل، وهوأحد المصداقين للنقيض بناءً على وجوب المقدّمة الموصلة; لأنّ الترك الموصل نقيضه رفع الترك الموصل المتمثّل: تارةً في الفعل،

 
  صفحه 535  

واُخرى في الترك غير الموصل، فعلى كلا الرأيين ليس الفعل بعنوانه هو النقيض،
وعلى كليهما يكون الفعل مصداقاً للنقيض، وحراماً.

ويتلخّص من كلام صاحب الكفاية الجواب على ذلك بالتفصيل، بأنّ الفعل هو مصداق لرفع الترك المطلق، وليس مصداقاً لرفع الترك الموصل.

فإن كان مراده هو هذا، فليس له وجه مفهوم لدينا; لأنّ نكتة دعوى المصداقيّة واحدة فيهما، وهي دعوى الحمل، فيقال: هذا الفعل رفع للترك أو رفع للترك الموصل، فإن صحّ الحمل، وكانت صحّة الحمل بالحمل الشايع دليلا على المصداقيّة، ثبتت المصداقيّة على كلا القولين، وإلاّ لم تثبت على كليهما، فكأنّ هذا الإشكال إلى هنا مستحكم.

وكلا هذين البيانين للإشكال لهما أصل موضوعيّ مشترك، وهو دعوى: أنّ الفعل ليس هو النقيض، وهذا كأنّه مأخوذ من المصطلح المشهور، وهو أنّ نقيض كلّ شيء رفعه.

والمحقّق الإصفهانيّ ناقش في هذا الأصل الموضوعيّ، وفسّر المصطلح بأنّ المقصود من الرفع ما يعمّ الرفع الفاعليّ والرفع المفعوليّ، أي: الرافعيّة والمرفوعيّة، والفعل مرفوع بالترك، فهو نقيض للترك(1).


(1) راجع نهاية الدراية، ج 2 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ص 154 ـ 155.

والشيخ الإصفهانيّ ـ برغم ذكره لهذا الكلام ـ لم يصل إلى نتيجة صحّة ثمرة الآخوند ، بل انتهى إلى عدم صحّة تلك الثمرة; وذلك لالتفاته إلى ما مضى من اُستاذنا في الوجه الثاني من وجوه الإشكالات على ثمرة الآخوند : من أنّ كلاًّ من جزئي المقدّمة الموصلة له نقيض، وذات المقدّمة ـ وهو الترك ـ نقيضه الفعل، فيحرم، إلاّ أنّه غفل عمّا أفاده اُستاذنا الشهيد من كون هذه الحرمة حرمة استقلاليّة لا ضمنيّة، ففرض: أنّ الحرمة الاستقلاليّة هي حرمة مجموع نقيضي الجزئين، وانتهى إلى نتيجة

  صفحه 536  

وتحقيق الكلام في هذا المقام; أنّه لا ينبغي أن نرجع إلى معنى هذا المصطلح، أو تفسير النقيض، وإنّما يجب أن نرجع إلى مسألة: أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن الضدّ العامّ الذي هو منشأ القول بالثمرة; لنرى: أنّه ما هي حدود ما يقتضي الأمر بالشيء النهي عنه، فلعلّه يكون أوسع من مصطلح النقيض، أو أضيق، فيجب أن نلاحظ النكتة التي فُصّل بها بين الضدّ العامّ والخاصّ; لنرى: أنّه بلحاظ تلك النكتة هل يدخل الفعل في الضدّ العامّ للترك المطلق، أو للترك الموصل، أو لا؟

وعليه نقول: يمكن أن يعبّر عن الضدّ العامّ بتعبيرين، كلاهما يمكن أن يطابق الوجدان القائل بالتفصيل بين الضدّ العامّ والضدّ الخاصّ.

الأوّل: أنّ الضدّ العامّ هو المعاند للشيء تعانداً ذاتيّاً، أي: لا يحتاج في تعانده إلى تعاند أسبق، كما هو الحال في تعاند الوجود لعدمه، والعدم لمعدومه، فإنّهما متعاندان ذاتيّاً، وبلا افتراض أيّ تعاند آخر سابق، والضدّ الخاصّ هو الذي ليس تعانده للشيء تعانداً ذاتيّاً، أي: أنّ تعانده يكون على أساس تعاند آخر، وذلك كالوجودين المتضادّين، ولا نقصد بعدم التعاند الذاتيّ عدم التمانع الذاتيّ، وإنّما نقصد: أنّه ـ بالرغم من وجود التمانع بينهما ـ يمكن أن يوجدا معاً لو أمكن اجتماع الوجود مع العدم، فإنّ أحد الوجودين لو كان بالإمكان عدمه في نفس الوقت، لأمكن تحقّق الوجود الآخر في نفس الوقت، فمثلا المتّجه إلى الشرق لو أمكن أن


حرمة الفعل، وهي الصلاة مثلا، باعتبار أنّه إذا صلّى فقد تحقّق مجموع نقيضي الترك وإرادة ذي المقدّمة، فإنّ من أتى بالصلاة فقد أفنى الترك، وإرادة ذي المقدّمة، فصارت الصلاة جزء الحرام المستقلّ. راجع نهاية الدراية، ج 2، ص 150 ـ 151 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.

  صفحه 537  

يكون في نفس الوقت غير متّجه إليه، لأمكن اتّجاهه نحو الغرب أيضاً; إذ لا يزاحم ذلك اتّجاهه نحو الشرق; لأنّه قد فرض عدمه في نفس الوقت. فإنّ غاية ما تتطلّبه المنافرة بين شيئين أن لا يوجد أحدهما إلاّ إذا اُعدم الآخر ولم يوجد، والمفروض في المقام ـ بالرغم من وجود الآخر ـ أنّه قد اُعدم الآخر ولم يوجد.

الثاني: أنّ الضدّ العامّ للشيء هو ما يوجد ضيق ذاتيّ في عالم النفس عن اجتماع حبّه مع حبّ ذلك الشيء ذاتاً، بخلاف الضدّ الخاصّ، فالوجودان المتضادّان لا يوجد في عالم النفس بما هو ضيق عن اجتماع حبّهما ذاتاً، بل بالإمكان أن يحبّ كلاًّ منهما بعنوانه، إلاّ أنّه عاجز عن الجمع بينهما، ولكن الوجود مع عدمه، أو العدم مع معدومه ليسا كذلك، فإنّ اُفق النفس بما هو أضيق من أن يجتمع فيه حبّ كلّ من الوجود والعدم بعنوانه.

نعم، قد يجتمع حبّ أحدهما مع حبّ الآخر بعنوان آخر، كأن يكون هذا الشيء وجوده محبوباً لنا، وعدمه موجباً لسرور صديقنا، فيكون أيضاً محبوباً لدينا، لكن بعنوان: أنّه يسرّ صديقنا، لا بعنوانه الأوّليّ.

وهذا التعبير الثاني عن الضدّ العامّ هو التعبير الأقرب إلى الذوق الاُصوليّ، بل التعبير الأوّل لا يوضّح ابتداءً نكتة حكم الوجدان بالتفصيل بين الضدّ العامّ والضدّ الخاصّ باقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن الأوّل دون الثاني، وإنّما يصلح أن يكون التعاند الذاتيّ وعدمه نكتةً لما فرض في التعبير الثاني من ضيق اُفق النفس عن حبّهما معاً ذاتاً، وعدمه الذي هو بدوره يصلح أن يكون نكتةً لتفصيل الوجدان بين الضدّ العامّ والضدّ الخاصّ.

وعلى أيّ حال، فكلا هذين التعبيرين متساويان في التصادق، وكلاهما ينتج: أنّ الفعل يدخل في الضدّ العامّ للترك المطلق وللترك الموصل; إذ هما متعاندان تعانداً ذاتيّاً، ويضيق اُفق النفس عن حبّهما معاً ذاتاً، فبهذا البيان تبطل الثمرة للقول

 
  صفحه 538  

بالمقدّمة الموصلة وعدمه، فإنّ نكتة الوجدان الاُصوليّ القائل بالفرق بين الضدّ العامّ والضدّ الخاصّ ليست هي: أنّ الضدّ العامّ لا يمكن أن يرتفع مع المأمور به، والخاصّ يمكن أن يرتفع معه، حتّى يقال: إنّ الفعل مع الترك المطلق لا يرتفعان، لكن الفعل مع الترك الموصل يرتفعان. ولو كانت نكتة الفرق الوجدانيّ بين الضدّين ذلك، لحرمت الأضداد الخاصّة، بتقريب: أنّ الفعل مع جامع نقائضه لا يمكن ارتفاعهما، فإذا وجب الفعل، حرم جامع النقائض، وبالتالي حرم كلّ مصاديق ذلك الجامع، وإنّما نكتة ذلك الوجدان ما عرفته: من ضيق اُفق النفس عن حبّهما ذاتاً وعدمه، وهذه النكتة تقتضي جعل الفعل ضدّاً عامّاً للترك، سواء اُريد به الترك المطلق أو الترك الموصل.

 

 
  صفحه 539  

 

ثمرة القول بوجوب المقدّمة وعدمه

الجهة السادسة: في ثمرة القول بوجوب المقدّمة وعدمه.

إنّ الثمرة قد تكون عبارة عن إثبات أصل الجعل، كما في بحث حجّيّة خبر الواحد، وقد تكون عبارة عن انطباق جعل، كما في البحث عن وجوب شيء; لكي يدخل في كبرى عدم جواز أخذ الاُجرة على الواجبات.

والثمرة التي تتطلّب من المسألة الاُصوليّة إنّما هي من القسم الأوّل، فالبحث الواقع في طريق تطبيقات الجعل المفروغ عنه ليس بحثاً ذا ثمرة اُصوليّة. ومبنيّاً عليه قد يقال: إنّ بحث المقدّمة ليست له ثمرة اُصوليّة; لأنّ الثمرة قد يتصوّر أنّها نفس الوجوب الغيريّ للمقدّمة، وهذا من القسم الأوّل، وهذا هو ظاهر عبارة الكفاية، لكن اعترض عليه المتأخّرون بأنّ مقصود الاُصوليّ إنّما هو إثبات حكم يكون موضوعاً للثواب والعقاب، والوجوب الغيريّ ليس كذلك، وقد يتصوّر أنّها تطبيق بعض الأحكام، كحرمة أخذ الاُجرة على الواجبات، أو غير ذلك، على نقاش وبحث في بعضها، ولكن كلّ ما تمّ منها فهو أجنبيّ عن ثمرة المسألة الاُصوليّة، وأيّ نزاع في العالم يتصوّر له ثمرة من هذا القبيل، فيقال مثلا: إنّ البحث عن مجيء زيد وعدمه له ثمرة، وذلك لأنّه على تقدير مجيئه يكون الإخبار بمجيئه جائزاً، وعلى تقدير عدمه يكون ذلك الإخبار حراماً; لكونه داخلا في كبرى حرمة الكذب.

وعلى أيّ حال، فهذا الكلام لو تمّ فطبعاً معناه عدم ترتّب الثمرة على أصل مبحث المقدّمة، أعني: بحث وجوب المقدّمة غيريّاً، لا على أبحاث ذكرت ونقّحت تحت عنوان (مبحث المقدّمة)، من قبيل بحث الشرط المتأخّر، والواجب المعلّق ممّا له ثمرات واضحة في الفقه.

 
  صفحه 540  

والصحيح: ترتّب الثمرة بالنحو المطلوب من المسألة الاُصوليّة على بحث وجوب المقدّمة بلحاظ بعض أقسامها.

وتوضيح ذلك: أنّ المقدّمة: تارةً تكون بطبعها مباحة، واُخرى محرّمة، وثالثة مشتملة على فرد مباح وفرد حرام:

أمّا في القسم الأوّل، فلا ثمرة للبحث.

وأمّا في القسم الثاني: من قبيل ما لو توقّف إنقاذ الغريق على اجتياز الأرض المغصوبة، فإن قلنا بعدم وجوب المقدّمة، فلا تعارض بين دليل وجوب ذي المقدّمة ودليل حرمة المقدّمة، وإنّما هما حكمان متزاحمان، كلّ منهما مقيّد ـ  كسائر الأحكام  ـ بالقدرة، وعدم الانشغال بما هو مساو أو أهمّ، فيطبّق عليهما حكم باب التزاحم.

وإن قلنا بوجوب المقدّمة وكانت حرمة المقدّمة أهمّ، أو مساوية، فأيضاً لا تعارض في المقام; لأنّ وجوب ذي المقدّمة ـ  باعتباره كسائر الواجبات مشروطاً بعدم الانشغال بالمساوي أو الأهمّ  ـ يصبح مشروطاً بالإتيان بالمقدّمة، فتنقلب المقدّمة إلى المقدّمة الوجوبيّة. ومن الواضح: أنّه لا تعارض بين حرمة المقدّمة الوجوبيّة ووجوب ذي المقدّمة على تقدير تحقّق تلك المقدّمة.

وإن قلنا بوجوب المقدّمة وكان ذو المقدّمة أهمّ، فإن وجبت الموصلة فقط، فلا تعارض أيضاً; لأنّ وجوب ترك المقدّمة مشروط بعدم الانشغال بالأهمّ، إذن فالمقدّمة الموصلة ليست محرّمة، وغير الموصلة وإن كانت محرّمة، لكن حرمتها لا تنافي وجوب ذي المقدّمة، وإن وجبت المقدّمة مطلقاً من باب عدم المقتضي للتقييد بالموصلة، فهنا تقيّد بالموصلة بناءً على ما هو المشهور: من أنّ ذا المقدّمة إذا كانت لمقدّمته حصّتان: إحداهما محرّمة، والاُخرى محلّلة، اختصّ الوجوب بالمحلّلة، ففي ما نحن فيه نقول: إنّ الموصلة حصّة محلّلة; لارتفاع حرمتها بسبب

 
  صفحه 541  

أهمّيّة ذي المقدّمة، وغير الموصلة حصّة محرّمة، ويختصّ الوجوب بالموصلة; لأنّ عدم اختصاصه بها إنّما كان لأجل أنّه لا مقتضي للاختصاص، وهنا وجد المقتضي، وعليه فأيضاً لا تعارض في المقام.

وأمّا إن قلنا باستحالة تقييد وجوب المقدّمة بالموصلة; للزوم مثل الدور والتسلسل، فهنا يستحكم التعارض بين دليل وجوب ذي المقدّمة ودليل حرمة المقدّمة(1).

فهذه هي الثمرة في المقام، وقد اتّضحت بهذا أيضاً ثمرة بحث المقدّمة الموصلة.

وأمّا في القسم الثالث، فإن بنينا على عدم وجوب المقدّمة، فلا تعارض ولا تزاحم بين الدليلين، وإن بنينا على وجوبها: فتارةً نبني ـ كما هو المشهور ـ على اختصاص الوجوب بالحصّة المباحة، فأيضاً لا تعارض ولا تزاحم بينهما، واُخرى نبني على أنّ الوجوب يتعلّق بالجامع بين المباح والحرام، فيدخل المقام في باب اجتماع الأمر والنهي بالمعنى الأعمّ من الاجتماع; لأنّ الجامع يجب، وبعض حصصه يحرم، فإن قيل بأنّ الوجوب الغيريّ يتعلّق بعنوان المقدّمة، أصبح المقام دائماً من باب تعدّد العنوان، ودخل في اجتماع الأمر والنهي بالمعنى المصطلح; لأنّ عنوان الواجب أصبح دائماً غير عنوان الحرام، فإن قلنا بجواز الاجتماع لدى تعدّد العنوانين، فلا تعارض في المقام، وإن قلنا بالامتناع، حصل التعارض بين الدليلين.

هذا بناءً على افتراض: أنّ وجوب المقدّمة بمعنى وجوب الجامع بين المباح


(1) وهذا أيضاً بناءً على المشهور: من عدم إمكان وجوب الجامع بين الحلال والحرام، ولزوم اختصاص الوجوب بالحصّة المحلّلة.

  صفحه 542  

والحرام مستفاد بدلالة التزاميّة لفظيّة من دليل وجوب ذي المقدّمة، أمّا لو كان وجوب المقدّمة مستفاداً من دليل عقليّ فحسب من دون دعوى دلالة التزاميّة عرفيّة للفظ(1)، فطبعاً إن قلنا بامتناع اجتماع الأمر والنهي، اختصّ الوجوب ـ لا محالة ـ بالحصّة المباحة; لأنّ كون الوجوب على الجامع دون بعض الحصص إنّما هو لعدم المقتضي للاختصاص، والآن قد وجد المقتضي، إذن فهذا رجوع إلى ما مضى من فرض اختصاص الوجوب بالحصّة المباحة، وقد قلنا: إنّه عندئذ لا يوجد تعارض ولا تزاحم.

وإن قيل بأنّ عنوان المقدّمة حيثيّة، تعليليّة، وإنّ الوجوب يتعلّق بعنوان المشي إلى النهر في الإنقاذ، أو نصب السلّم في الصعود على السطح مثلا، فعندئذ قد يتّفق أنّ الحرمة أيضاً متعلّقة بنفس العنوان، وقد يتّفق أنّها متعلّقة بعنوان آخر كالغصب، فعلى الثاني دخل في الاجتماع المصطلح، والكلام الكلام، وعلى الأوّل يتعيّن الامتناع على كلّ حال حتّى عند القائلين بجواز الاجتماع، فإنّه إن جاز، فإنّما يجوز عند تعدّد العنوان، أمّا مع وحدة العنوان فيمتنع الاجتماع ويحصل التعارض.

فتحصّل: أنّ القسم الثالث ـ على بعض تقاديره ـ يدخل في الاجتماع دون بعض، ولعلّ هذا هو المراد ممّا نسب إلى الوحيد البهبهانيّ في الكفاية(2): من أنّ


(1) أو كان أصل وجوب المقدّمة في الجملة مستفاداً بدلالة لفظيّة التزاميّة، ولكن كان إطلاقه يثبت بواسطة عدم المقتضي للاختصاص، أي: أنّ الدلالة الالتزاميّة كانت تدلّ على وجوب يكون مطلقاً لولا ظهور مقتض للاختصاص.

(2) نقل في الكفاية، ج 1، ص 198 بحسب الطبعة المشتملة في الحواشي على تعليقات الشيخ المشكينيّ عن الوحيد البهبهانيّ : أنّه جعل الثمرة اجتماع الوجوب والحرمة إذا قيل بالملازمة فيما إذا كانت المقدّمة محرّمة، فيبتني على جواز اجتماع الأمر والنهي وعدمه، بخلاف ما لو قيل بعدمها.

  صفحه 543  


واُورد على ذلك في الكفاية بوجوه:

أوّلا: أنّ المسألة لا علاقة لها بباب الاجتماع; لأنّ موضوع الوجوب ليس هو عنوان المقدّمة كي يختلف عن عنوان الغصب مثلا، فيدخل مجمع العنوانين في موارد اجتماع الأمر والنهي، فإنّ الواجب إنّما هو ما يكون بالحمل الشائع مقدّمة.

وثانياً: أنّ المورد لا علاقة له بباب الاجتماع حتّى لو فرضنا: أنّ الوجوب يثبت على عنوان المقدّمة; وذلك لأنّ المقدّمة إن كانت غير منحصرة بالمصداق الحرام، اختصّ الوجوب بالمصداق الحلال، وإن كانت منحصرة بالمصداق الحرام، استحال بقاء المقدّمة على الحرمة، وبقاء ذي المقدّمة والمقدّمة على الوجوب لفرض عدم المندوحة، فإمّا أنّ الوجوب يرتفع عن ذي المقدّمة، وعن المقدّمة لو قلنا بالملازمة، أو أنّ الحرمة ترتفع عن المقدّمة، فلا مورد ـ على كلّ حال ـ لاجتماع الأمر والنهي.

وثالثاً: أنّ أثر الدخول في صغرى اجتماع الأمر والنهي هو: أنّه بناءً على امتناع الاجتماع تبطل العبادة، وبناءً على جوازه تصحّ العبادة، في حين أنّ هذا الأثر لا يترتّب في المقام; لأنّ المقدّمة إن كانت توصّليّة، صحّ التوصّل بها إلى ذي المقدّمة، سواء قلنا بجواز الاجتماع، أو قلنا بامتناعه، وإن كانت عباديّة، فصحيح: أنّه على القول بالامتناع تبطل العبادة، وعلى القول بالجواز تصحّ، ولكن بطلان العبادة في فرض الامتناع ثابت، سواء قلنا بوجوب المقدّمة أو لم نقل، فلم يرتبط ذلك بثمرة وجوب المقدّمة وعدمه، وصحّة العبادة في فرض جواز الاجتماع ثابتة أيضاً، سواء قلنا بوجوب المقدّمة أو لا، فلم يرتبط ذلك أيضاً بثمرة وجوب المقدّمة وعدمه.

أقول: قد اتّضح من البيان الذي أسلفناه من اُستاذنا الشهيد : أنّه يمكن تفسير كلام الوحيد البهبهانيّ بما لا يرد عليه شيء من هذه الإشكالات:

  صفحه 544  

ثمرة المسألة هي الدخول في باب الاجتماع، وعليه لا ترد الإشكالات الثلاثة المذكورة في الكفاية، كما يظهر بالمراجعة والتأمّل.

بقي هنا شيء، وهو: أنّ ما ذكرناه في القسم الثالث من دخوله في اجتماع الأمر والنهي المصطلح أحياناً هل يأتي أيضاً في القسم الثاني إذا كان ذو المقدّمة أهمّ، وقلنا بوجوب مطلق المقدّمة، أي: الأعمّ من الموصلة، أو لا؟

والتحقيق: أنّه لو فرض الوجوب على عنوان المقدّمة، دخل ذلك أيضاً في باب الاجتماع; لأنّه أصبح عنوان مقدّمة الواجب واجباً، وعنوان الغصب غير الموصل


أمّا الإشكال الأوّل: فلإمكان الجواب عنه بأنّ فرض كون الواجب ما هو بالحمل الشايع مقدّمة، لا عنوان المقدّمة لا يبرهن على وحدة عنوان الواجب والحرام; لأنّه يبقى عندئذ أن نرى العنوان الذي به صارت المقدّمة مقدّمة، هل هو عين العنوان الذي به صارت حراماً، أو لا؟ فإن اتّحدا، خرج المورد عن مورد الاجتماع المصطلح، وإن اختلفا، دخل في مورد الاجتماع.

وأمّا الإشكال الثاني: فلإمكان الجواب عنه باختيار فرض كون المقدّمة ذات حصّة محلّلة وحصّة محرّمة، فالمندوحة موجودة، يبقى إشكال اختصاص الوجوب بالحلال، ولكن وجه الاجتماع يمكن أن يكون مبنيّاً على فرض إمكان وجوب الجامع بين الحلال والحرام بعنوان غير العنوان المحرّم، مع فرض: أنّ وجوب الجامع هذا يثبت بدلالة لفظية التزاميّة لدليل وجوب ذي المقدّمة، لا بالدليل العقليّ فحسب.

وأمّا الإشكال الثالث: فلإمكان فرض كون الثمرة المقصودة الانتهاء إلى التعارض بناءً على عدم إمكان الاجتماع، وعدم التعارض بناءً على جواز الاجتماع، في حين أنّه لولا وجوب المقدّمة لم يكن هناك اجتماع، فلم يكن تعارض، لا الانتهاء إلى بطلان العبادة وعدم بطلانها.

  صفحه 545  

مثلا حراماً، واجتمع العنوانان في الحصّة غير الموصلة من المقدّمة.

أمّا لو قلنا بأنّ المقدّمة حيثيّة تعليليّة للوجوب، وكانت الحرمة متعلّقة بعنوان غير العنوان الذي يكون الشيء بذلك العنوان مقدّمة للواجب، فقد يتخيّل: أنّ الفرض يدخل هنا أيضاً في باب الاجتماع، فيقال مثلا: لو فرضنا أنّ إنقاذ الغريق يتوقّف على اجتياز الأرض المغصوبة، وأنّ الحرام هو الغصب، وفرض: أنّ عنوان الاجتياز غير عنوان الغصب، فهذا يدخل في باب الاجتماع; لتعدّد عنواني الواجب والحرام مع وجود المندوحة; إذ لو أتى بالمقدّمة الموصلة، فقد فعل الواجب وترك الحرام; لأنّ الحصّة الموصلة حرمتها مرتفعة بالمزاحمة مع وجوب ذي المقدّمة الأهمّ، فلا يقال: إنّه لا يمكن الاجتماع لعدم المندوحة.

إلاّ أنّ الواقع: أنّ هذا الكلام غير صحيح; وذلك لأنّه وإن كان الاجتياز المتوقّف عليه الواجب مع الغصب الحرام مثلا عنوانين متباينين حسب الفرض، إلاّ أنّنا ننقل الكلام إلى مقدّمة المقدّمة، أعني: إرادة الاجتياز، فنقول: إنّ إرادة الاجتياز واجبة ولو لم توصل إلى الإنقاذ; لأنّ المفروض عدم إمكان اختصاص الوجوب بالموصل، ومن ناحية اُخرى تكون إرادة الاجتياز مع عدم إرادة الإنقاذ بمجموعهما محرّماً; لأنّهما بمجموعهما علّة تامّة للحرام، وهو الغصب غير الموصل، فإنّه ليست علّة الغصب منحصرة في إرادة عنوان الغصب، بل إرادة أيّ عنوان آخر ينطبق على معنون الغصب تكون علّة للغصب، إذن فإرادة الاجتياز حرام ضمنيّ، وهي في نفس الوقت واجبة بالوجوب المقدّميّ، فلزم اجتماع الوجوب والحرمة على عنوان واحد، وهذا غير معقول، فيقع التعارض بين دليل وجوب ذي المقدّمة ودليل حرمة المقدّمة، بينما هذا البيان لا يأتي في القسم الثالث، وهو ما لو كان للمقدّمة فردان: أحدهما حرام، والآخر مباح، كما لو كان هناك طريقان: أحدهما مغصوب، والآخر غير مغصوب، فإنّه هنا حتّى لو نقلنا

 
  صفحه 546  

الكلام إلى مقدّمة المقدّمة ـ وهي الإرادة ـ لا يلزم توارد الوجوب والحرمة على عنوان واحد، بل يبقى عنوان الواجب غير عنوان الحرام; وذلك لأنّ الحرام هنا عبارة عن إرادة اجتياز الطريق المغصوب، بينما عنوان الواجب هو إرادة جامع الاجتيازين، فإنّ الإنقاذ موقوف على جامع الاجتيازين، لا على كلّ واحد من الاجتيازين بخصوصه(1).


(1) فإن قلت: إنّ مجموع إرادة جامع الاجتيازين مع عدم إرادة اجتياز الطريق المباح علّة تامّة للحرام وهو الغصب كما قلتم في القسم السابق: إنّ إرادة الاجتياز مع عدم إرادة الإنقاذ علّة تامّة للحرام، فلا فرق بين القسمين.

قلت: الفرق واضح; وذلك لأنّ إرادة جامع الاجتيازين مع عدم إرادة الطريق المباح ليس هو العلّة لسلوك الطريق المغصوب، وإنّما هو ملازم لإرادة سلوك الطريق المغصوب التي هي العلّة للحرام، بينما في القسم الثاني تكون إرادة الاجتياز مع عدم إرادة الإنقاذ علّة للحرام وهو الغصب. والسرّ في ذلك: أنّ إرادة الحصّة غير الموصلة التي هي علّة للحرام دائماً تنحلّ إلى إرادة ذات المقدّمة مع إرادة عدم الإيصال، أو عدم إرادة الإيصال، في حين أنّ إرادة اجتياز الطريق المغصوب التي هي العلّة للحرام لا تنحلّ إلى إرادة جامع الاجتيازين مع عدم إرادة اجتياز المباح، والنكتة في الانحلال هناك وعدم الانحلال هنا: أنّ ذات الحصّة الموصلة هي عين ذات الحصّة غير الموصلة، والإيصال وعدم الإيصال لا يؤثّران في جعل الفرد فرداً آخر، وإنّما التحصيص هنا يكون بإضافة قيد في عالم الذهن، وهو قيد الإيصال وعدمه، إذن فإرادة ذات المقدّمة مع عدم إرادة ذي المقدّمة عبارة اُخرى عن إرادة الحصّة غير الموصلة، وأمّا في القسم الثالث فيوجد فردان من الاجتياز، أحدهما بذاته مباين للآخر، فليست إرادة الجامع مع عدم إرادة أحد الفردين عبارة اُخرى عن إرادة الفرد الآخر وإن كان ملازماً لها. نعم، تصدق في مورد إرادة الفرد إرادة الجامع من باب تصادق عنوانين على معنون واحد.

  صفحه 547  

 

الأصل في المسألة

الجهة السابعة: في تأسيس الأصل في المسألة.

والأصل الذي يتكلّم عنه تارةً يراد إجراؤه في الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، واُخرى يراد إجراؤه في وجوب المقدّمة.

والصحيح: أنّه لا يمكن الرجوع إلى الأصل في كلّ من المرحلتين، إلاّ نادراً.

وتوضيح ذلك: أنّه إن جعل مصبّ الأصل هو الوجوب الغيريّ للمقدّمة، فهذا غير صحيح، فإنّ الأصل العمليّ يجب أن ينتهي إلى الأثر العمليّ في مقام التنجيز والتعذير، وإلاّ لغى; لوضوح: أنّ الأحكام الظاهريّة إنّما جعلت لأجل تنجيز الواقع والتعذير عنه، وفي المقام لا يتصوّر تنجيز وتعذير للوجوب الغيريّ حتّى تجري أصالة البراءة أو استصحاب عدم الوجوب; لما تقدّم: من أنّ الوجوب الغيريّ لا يقبل التنجيز والتعذير مستقلاًّ.

نعم، لو فرض: أنّ هذا الوجوب وقع موضوعاً لحكم نفسيّ، فلا بأس بنفيه بالاستصحاب لينتفي ذلك الحكم، إلاّ أنّ هذا في الغالب مجرّد فرض; إذ ما يذكر له عادةً من مصاديق أكثره قابل للمناقشة، فمثلا قد يقال: إنّ الدليل دلّ على حرمة أخذ الاُجرة على الواجب، وهذا حكم نفسيّ تكليفيّ، أو وضعيّ، وقد اُخذ في موضوعه عنوان الواجب، وهو يشمل بإطلاقه الواجب الغيريّ، فيستصحب عدم وجوب المقدّمة لينتفي بذلك حرمة أخذ الاُجرة.

وهذا لا بأس به لو تمّت كبرى عدم جواز أخذ الاُجرة على الواجب بهذا العنوان، لكن الصحيح: أنّه لم يدلّ دليل على هذا الحكم بهذا العنوان، وإنّما يرتبط عدم جواز أخذ الاُجرة على الواجب بإحدى نكتتين: إحداهما غير موجودة في المقدّمة على كلّ حال، والاُخرى موجودة فيها على كلّ حال، فالنكتة الاُولى هي

 
  صفحه 548  

دعوى: استظهاريّة المجّانيّة من دليل الوجوب، وهذه النكتة غير موجودة في
المقدّمة حتّى لو قيل بوجوبها الغيريّ; لأنّ مجرّد وجوبها الغيريّ لا يقتضي الإلزام بها مجّاناً، وإنّما المجّانيّة أمر زائد وراء دليل الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، وليس وجوب المقدّمة وجوباً مستفاداً من دليل لفظيّ يأمر بها، ويستظهر منه: أنّ المولى يريد هذا العمل مجاناً، والنكتة الثانية هي دعوى: أنّ أخذ الاُجرة إنّما هو في عمل يكون للعامل سلطان عليه، أي: له أن يفعل وله أن لا يفعل، فيبذل له المال حتّى يفعل. وأمّا إذا كان ملزماً على العمل بعبوديّته، فكأنّه لا سلطان له على عمله، والعقلاء يرون أنّ هذا العمل لهذا الشخص ليست له ماليّة; إذ لابدّ أن يأتي به على كلّ حال.

وهذه النكتة إن تمّت فهي ثابتة في المقدّمة مطلقاً، فإنّه ـ على أيّ حال ـ مضطرّ من ناحية العبوديّة والامتثال إلى الإتيان بالمقدّمة، سواء فرضناها واجبة، أم لا.

وقد تذكر كبرى اُخرى للانتهاء إلى أثر عمليّ، وهي كبرى: أنّ الفاسق لا يجوز الائتمام به. ولا يخفى: أنّه ـ بناءً على ما هو الصحيح من كفاية مخالفة واحدة في تحقّق الفسق ـ لا موضوع لهذه الثمرة; إذ لو ترك المقدّمة، فعلى كلّ حال قد ترك ذا المقدّمة.

نعم، تذكر هذه الثمرة بناءً على أنّ الفسق يكون بارتكاب الكبيرة والإصرار على الصغائر، فإذا كان ذو المقدّمة من الصغائر، فقد يقال: إنّه لو بنى على عدم وجوب المقدّمات، فلم تصدر منه إلاّ صغيرة واحدة، ولو بنى على وجوبها، فقد صدرت منه صغائر متعدّدة.

إلاّ أنّ هذا أيضاً غير صحيح لو سلّم مبناه:

أمّا أوّلا: فلأنّ عنوان الإصرار على الصغائر ـ على تقدير دخله في الفسق ـ

 
  صفحه 549  

لا تقصد به صغائر لا توجد عند العقل قبح بعددها، ولا يثبت استحقاق العقاب في
مقابلها، ووجوب المقدّمة ـ  على ما مضى  ـ لا يستوجب تنجيزاً ولا عقاباً; فإنّ دليل اشتراط الإصرار ندّعي ظهوره في إرادة تعدّد المعصية بشكل يوجب تعدّد القبح العقليّ والعقاب.

وأمّا ثانياً: فلو سلّم تعميم عنوان الإصرار لذلك، فهو حالة نفسانيّة ملازمة لتعدّد المخالفة، ولا يثبت انتفاؤه باستصحاب عدم الوجوب، وذلك بناءً على أنّ موضوع الحكم هو الإصرار على الذنب بنحو التقييد، لا الإصرار على الشيء، وكون ذلك الشيء ذنباً بنحو التركيب، وإلاّ فالإصرار هنا متحقّق بتعدّد ما تركه، وكون ذلك ذنباً منفيّ باستصحاب العدم، فيثبت بذلك انتفاء الموضوع، والظاهر هو التقييد; فإنّ الظاهر: أنّه إنّما اُخذ الإصرار على الذنب موضوعاً لحكم الفسق بما هو إصرار في مقابل المولى.

وقد تذكر كبرى ثالثة للانتهاء إلى أثر عمليّ، وهي كبرى: براءة ذمّة الناذر لو نذر أن يأتي بواجب، فبناءً على وجوب المقدّمة تفرغ ذمّته بمجرّد الإتيان بها، بخلاف ما لو بنينا على عدم وجوبها، فيجري استصحاب عدم وجوب المقدّمة.

وهذا المطلب أيضاً مربوط بنكتة، وهي تحقيق: أنّ وجوب الوفاء بالنذر هل موضوعه عنوان الوفاء بالنذر، أو العنوان الذي وقع عليه النذر، والتزم به الناذر كصلاة ركعتين مثلا، وإنّما اُخذ عنوان الوفاء بالنذر في الدليل طريقاً ومشيراً إلى ذلك العمل؟

فعلى الأوّل يكون الاستصحاب مثبتاً; إذ لا ينفي عنوان الوفاء إلاّ بالملازمة العقليّة; لأنّ عنوان الوفاء لازم عقليّ لوجوب المقدّمة، وعلى الثاني لا بأس بإجراء الاستصحاب، فإنّ الحكم الشرعيّ عبارة عن وجوب الإتيان بشيء مشروطاً بأن يكون ذلك الشيء فرداً من الواجبات، فإذا نفينا هذا الشرط بالاستصحاب، لم ينطبق

 
  صفحه 550  

الوجوب على هذا الشيء، وكان عليه أن يأتي بواجب آخر(1).

وقد تحصّل: أنّه غالباً لا تترتّب ثمرة على الأصل العمليّ في المقام. هذا إذا جعل مصبّ الأصل هو الوجوب الغيريّ.

وكذلك الحال إذا جعل مصبّ الأصل هو الملازمة، فإنّه إذا كان الوجوب الغيريّ لا أثر له، فكذلك الملازمة، فلنفترض: أنّه بنفي الملازمة نفينا الوجوب، ولكن قد قلنا: إنّ نفي هذا الوجوب لا أثر له، بل لو سلّم الأثر للوجوب الغيريّ، فترتّبه على الملازمة ليس شرعيّاً، بل بنحو الملازمة العقليّة; لأنّ الترتّب الشرعيّ عبارة عن ترتّب الحكم المجعول على موضوعه المقدّر الوجود، وأمّا ترتّب نفس الجعل على أسبابه، فهذا ترتّب تكوينيّ; إذ ليس بجعل آخر للشارع، بما هو شارع فلا يمكن إثبات الملازمة أو نفيها بالاستصحاب; إذ الملازمة هي التي دفعت المولى إلى إنشاء هذا الجعل، لا أنّه جعل الوجوب على هذه الملازمة.

هذا هو الذي ينبغي أن يقال في بيان عدم جريان الأصل.

إلاّ أنّ صاحب الكفاية قد بحث وجوهاً اُخرى لنفي جريان الأصل:

الوجه الأوّل: ما أورده على إجراء الاستصحاب بالقياس إلى الملازمة دون الوجوب، وهو: أنّ الملازمة أزليّة وجوداً أو عدماً، فلا مجال للاستصحاب.

وهذا البيان لا يأتي بالنسبة للوجوب; لأنّ المقدّمة مسبوقة ـ لا محالة ـ بعدم


(1) كما يمكن أيضاً تصوير الثمرة بأن ينذر مثلا التصدّق بدرهم مشروطاً بما إذا وجبت عليه هذه المقدّمة.

وهذه الثمرة يمكن تصويرها في الملازمة، كما إذا نذر التصدّق مشروطاً بتحقّق الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، فهذا الأثر يصحّح استصحاب عدم الوجوب، أو عدم الملازمة، إلاّ أنّه أيضاً أثر نادر، ولعلّه لا يتحقّق في العالم أبداً.

  صفحه 551  

الوجوب، فالوضوء مثلا غير واجب قبل الزوال، فيمكن استصحاب عدم وجوبه(1).

وتحقيق الحال: أنّ الملازمة لها معنيان:

1 ـ الملازمة بمعنى القضيّة الشرطيّة، أي: لو وجد هذا لوجد ذاك، وهي ـ على فرض صدقها ـ صادقة قبل وجود طرفيها في العالم، وهي أزليّة وجوداً أو عدماً، فلا معنى للاستصحاب فيها.

2 ـ الملازمة بنحو القضيّة الفعليّة، أي: كون هذا بالفعل قد أوجد ذاك، وهذا أمر حادث، فإنّ علّيّة كلّ شيء بهذا المعنى فرع وجوده، وما لم يوجد لم يكن موجداً، فلاستصحاب عدم العلّيّة بهذا المعنى مجال.

الوجه الثاني: ما لا يختصّ بالاستصحاب بلحاظ الملازمة، بل يشمل الاستصحاب بلحاظ الوجوب أيضاً، وهو: أنّنا نريد طبعاً بهذا الاستصحاب أن ننفي الوجوب الغيريّ للمقدّمة مع علمنا بالوجوب النفسيّ لذي المقدّمة، وهذا يؤدّي إلى احتمال ارتكاب المحال; لأنّنا نحتمل الملازمة بين الوجوبين، فنفي وجوب المقدّمة من المحتمل كونه تفكيكاً بين المتلازمين، وهو محال، وهذا بخلاف استصحاب عدم الوجوب في سائر الموارد، فمثلا حينما نستصحب عدم وجوب الدعاء عند رؤية الهلال لسنا نحتمل ارتكاب المحال، أمّا هنا فنحن نحتمل استحالة الانفكاك بين الوجوبين، فكيف نرتكبه بالاستصحاب؟

وقد ذكر صاحب الكفاية في مقام الجواب على هذا الإشكال: أنّ هذا الاستصحاب لا ينفي الوجوب الغيريّ واقعاً، وإنّما ينفي فعليّته كما هو الحال في


(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 199 بحسب الطبعة المشتملة في حواشيها على تعليقات المشكينيّ .

  صفحه 552  

كلّ استصحاب، فإنّه لا ينفي الحكم الواقعيّ، وإنّما ينفي الفعليّة، فإن كانت الملازمة بين الوجوبين محتملة في مرحلة الواقع فقط، فإنّنا لم نفتِ بما تحتمل استحالته.

نعم، لو احتملنا الملازمة في مرحلة الفعليّة أيضاً، تمّ الإشكال; إذ أوجدنا بالأصل تفكيكاً بين الفعليّتين مع أنّنا نحتمل ـ بحسب الفرض ـ استحالة ذلك(1).

وهذا الكلام ينحلّ إلى مطلبين:

الأوّل: أنّ هذا الإشكال غير وارد لو كانت الملازمة محتملة في مرحلة الواقع فقط.

والثاني: أنّ هذا الإشكال وارد لو كانت الملازمة محتملة في كلتا المرحلتين.

أمّا المطلب الأوّل: وهو عدم ورود الإشكال في فرض احتمال الملازمة في مرحلة الواقع فحسب، فكأنّ صاحب الكفاية يظهر من عبارته الميل إلى هذا الفرض، واعتناقه كجواب عن الإشكال.

وهنا يجب أن نعرف: أنّه ماذا يريد من الفعليّة والواقع، حيث إنّ هذه الكلمة أصبح معناها غير خال من التشويش، حيث إنّه طرأ عليها معان مختلفة عند الأصحاب، فنقول:

هناك معان ثلاثة للفعليّة في مقابل الواقع:

المعنى الأوّل: ما يناسب لصاحب الكفاية أن يكون هو المراد له، حيث إنّه يقول في مقام الجمع بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة: إنّ الحكم له مرتبة إنشاء ومرتبة فعليّة، ويقصد بذلك: أنّ الحكم تارةً يكون قد اُنشِئ ولكن ليست على طبقه مرتبة تامّة من الإرادة، وقد تكون على طبقه مرتبة ناقصة من ذلك، واُخرى تكون على طبقه إرادة تامّة، ويكون فيه روح الحكم وحقيقة الحكم. وهذا هو معنى


(1) نفس المصدر، ص 199 ـ 200.

  صفحه 553  

الفعليّة. ويقول : إنّ الاُصول إنّما تنفي مرتبة الفعليّة دون أصل الحكم بوجوده الإنشائي، وبذلك يجيب على شبهة ابن قبة.

فلو أردنا تنزيل عبارته في المقام على هذا المصطلح، وهذه المباني، كان معنى ذلك: أنّ الملازمة محتملة بين الوجوبين الإنشائيّين، دون الحقيقيّين الفعليّين، وهذا واضح البطلان; فإنّ الأمر بالعكس تماماً، فإنّ مجرّد إنشاء أحد الحكمين لا يستلزم إنشاء الحكم الآخر، بينما الطلب الحقيقيّ لذي المقدّمة يستلزم الطلب الحقيقيّ للمقدّمة لو تمّ القول بوجوب مقدّمة الواجب.

المعنى الثاني: ما هو مصطلح المحقّق النائينيّ ، وهو: أنّه يريد بالإنشاء الجعل، وبالفعليّة المجعول الذي يتحقّق عند تحقّق الموضوع.

فلو اُريد هذا المعنى، فأيضاً هذا واضح البطلان; إذ من الواضح: أنّ جعل الوجوب لذي المقدّمة إذا استلزم جعله للمقدّمة، فمجعوله أيضاً يستلزم مجعوله، كما أنّه من الواضح أيضاً: أنّ الاستصحاب لا يخلّ بالمجعول ولا يخلّ بالجعل، فأيّ معنىً لافتراض أنّ الاستصحاب يهدم الفعليّة؟ وأيّ معنىً لافتراض أنّ الملازمة ليست بين المجعولين، وإنّما بين الجعلين؟ ولا يحتمل عادةً نظر المحقّق الخراسانيّ إلى هذا المعنى الذي هو مصطلح المحقّق النائينيّ .

المعنى الثالث: أن يحمل ذلك على مصطلح نأخذه من المحقّق الإصفهانيّ ، بأن يقصد الفعليّة بمعنى الباعثيّة والمحرّكيّة التي تكون بالوصول، ولذا يرى المحقّق الإصفهانيّ : أنّ الفعليّة فرع الوصول.

وهذا أشبه شيء بالمنجّزيّة بحسب المصطلح العامّ، وعلى هذا فلا بأس بالتفكيك بين الوجوبين في مرحلة الفعليّة، بأن يصل وجوب ذي المقدّمة دون وجوب المقدّمة، ولا بأس بالقول بأنّ الاستصحاب يهدم الفعليّة، ويكون هذا هو الجواب الصحيح على الإشكال.

 
  صفحه 554  

وأمّا المطلب الثاني: وهو ورود الإشكال لو كانت الملازمة في المرحلتين، فلو التزمنا: أنّ الاستصحاب يرفع الحكم الفعليّ، بأن اخترنا مصطلح صاحب الكفاية، والتزمنا: أنّ الملازمة أيضاً محتملة بين الفعليّتين، فبناءً على هذا يعترف المحقّق الخراسانيّ بورود الإشكال، إلاّ أنّ المحقّق الإصفهانيّ في حاشيته على الكفاية لا يقبل ذلك، ويقول: إنّ فرض أداء الاستصحاب إلى احتمال وقوع المحال لا يمنع عن جريانه، فإنّه إذا قام الدليل من قبل المولى على هذا الاستصحاب، لم يصحّ طرحه لمجرّد احتمال الاستحالة; إذ لا يجوز رفع اليد عن دليل إلاّ مع القطع ببطلانه، واحتمال الاستحالة لا يساوق القطع بالبطلان، وإنّما يساوق احتمال البطلان(1).

أقول: صحيحٌ: أنّ احتمال استحالة شيء لا يمنع عن التعبّد بوقوع ذلك الشيء، وحجّيّة الدليل الذي دلّ عليه، فلو شككنا في استحالة تكلّم الميّت، وقامت بيّنة عادلة على أنّه تكلّم الميّت، كانت تلك البيّنة حجّة، ولو شككنا في إمكان حجّيّة خبر الواحد بعد الفراغ عن إمكان التعبّد بظنون اُخرى كالظهور، ودلّ ظهور آية أو سنّة متواترة على حجّيّة خبر الواحد، تعبّدنا بحجّيّة خبر الواحد، ولا يمنعنا عن ذلك احتمال استحالة حجّيّة خبر الواحد، إلاّ أنّ هذا الكلام فيما نحن فيه لا يجري وإن كان متيناً في مثل هذين المثالين; وذلك لأنّ ما نحتمل استحالته في مورد هذين المثالين وشبههما هو ما دلّ عليه الدليل الذي تعبّدنا به من تكلّم الميّت، أو حجّيّة خبر الواحد، أو نحو ذلك، وأمّا نفس التعبّد بهذه الاُمور الذي هو ثابت بالوجدان لا بالتعبّد، فلم نكن نحتمل استحالته، وأمّا في المقام، فنفس التعبّد بعدم وجوب المقدّمة الراجع ـ  بناءً على مباني صاحب الكفاية  ـ إلى عدم فعليّة وجوبها


(1) راجع نهاية الدراية، ج 2، ص 169 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.

  صفحه 555  

قد فرض احتمال استحالته، وهذا التعبّد ليس المفروض: أنّه شيء نتعبّد به، وإنّما المفروض: أنّه شيء ثابت بالوجدان، وليس كالتعبّد بتكلّم الميّت، أو حجّيّة خبر الواحد في المثالين السابقين، وما تحتمل استحالته لا يعقل ثبوته بالوجدان ولو قام دليل قطعيّ في المقام على الاستصحاب أوجب ذلك القطع بعدم الاستحالة، وعدم الملازمة بين الفعليّتين، ولم نحتج إلى نفي الفعليّة تعبّداً بالأصل.

الوجه الثالث: مبنيّ على مقدّمتين:

الاُولى: أنّ الاستصحاب باعتباره تصرّفاً شرعيّاً لا يقع إلاّ على مجعولات الشارع، وما يكون تحت تصرّفه جعلا ورفعاً، ومن هنا يشترط كون المستصحب مجعولا شرعيّاً، أو موضوعاً لمجعول شرعيّ حتّى ينتهي الاستصحاب إلى التصرّف في الجعل الشرعيّ.

الثانية: أنّ وجوب المقدّمة ليس مجعولا شرعيّاً; لأنّ وجوب المقدّمة من لوازم ماهيّة وجوب ذي المقدّمة، ولوازم الماهيّة غير مجعولة لا بسيطاً ولا تأليفيّاً.

وقد أجاب عن ذلك صاحب الكفاية بأنّ وجوب المقدّمة وإن لم يكن مجعولا بالأصالة، لكنّه مجعول بالعرض باعتبار مجعوليّة ملزومه، وكونه مجعولا بالعرض يكفي في إجراء الاستصحاب(1).

وتحقيق الحال في ذلك يتمّ بالكلام في ثلاث نقاط:

النقطة الاُولى: في المقدّمة الاُولى.

والنقطة الثانية: في المقدّمة الثانية.

والنقطة الثالثة: في أنّه لو تمّت المقدّمتان، فهل يتمّ الإشكال، أو لا؟


(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 199 بحسب الطبعة المشتملة في حواشيها على تعليقات المشكينيّ .

  صفحه 556  

أمّا النقطة الاُولى: فمربوطة بأبحاث الاستصحاب، وهناك ذكرنا: أنّه لا يشترط كون المستصحب مجعولا للشارع، أو موضوعاً لجعله، وإنّما الشرط هو الانتهاء إلى الأثر العمليّ في مقام التنجيز والتعذير، أمّا اشتراط الانتهاء إلى الأثر العمليّ فلأنّ هذا هو حقيقة الحكم الظاهريّ على ما حقّق في محلّه، وأمّا عدم اشتراط كون المستصحب تحت الجعل، فلأنّ نكتة توهّم اشتراط ذلك هي دعوى: أنّ الاستصحاب تصرّف شرعيّ، فيحتاج إلى محلّ قابل، وهو عبارة عن مجعولات الشارع ومرفوعاته، وهذا لا يعدو أن يكون كلاماً صوريّاً; لأنّ الاستصحاب تصرّف شرعيّ ظاهريّ لا واقعيّ، ومرجع ذلك إلى التعبّد بثبوت شيء أو عدمه، وكما يمكن أن يعبّد المولى بمجعولاته كذلك يمكن أن يعبّد بغيرها لو انتهى إلى أثر عمليّ، وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى بحث الاستصحاب.

فتحصّل: أنّ المقدّمة الاُولى باطلة، وهذا كاف في بطلان هذا الإشكال.

ثمّ على تقدير صحّة هذه المقدّمة ننتقل إلى النقطة الثانية، فنقول:

وأمّا النقطة الثانية: فنتكلّم فيها أوّلا فيما هو الفارق بين لوازم الماهيّة ولوازم الوجود، حيث تقسّم اللوازم عادةً إلى قسمين: لوازم الماهيّة، كالإمكان بالنسبة للإنسان، والزوجيّة بالنسبة للأربعة، ولوازم الوجود، كالحرارة بالنسبة للنار.

وقالوا في الفرق بينهما: إنّ الأوّل يكفي في ثبوته وتحقّقه وواقعيّته نفس الماهيّة بلا حاجة إلى وجودها الخارجيّ أو الذهنيّ، فالإنسان مثلا حتّى لو لم يوجد خارجاً ولا ذهناً يكون ممكناً، والثاني عبارة عن اللازم الذي يحتاج في ثبوته وتحقّقه إلى كون الماهيّة موجودة، كالحرارة، فإنّ ماهيّة النار بما هي لا تترتّب عليها الحرارة ما لم توجد.

وقد اعترض على هذا الضابط جملة منهم، كالمحقّق الإصفهانيّ بأنّ جعل الضابط في لازم الماهيّة كفاية نفس الماهيّة في تحقّقه غير معقول بناءً على أصالة

 
  صفحه 557  

الوجود واعتباريّة الماهيّة، فإنّ الماهيّة ـ بغضّ النظر عن الوجود ـ أمر اعتباريّ صرف، لا يمكن أن تكون مؤثّرة في شيء، وعلّةً للازم، فاللازم دائماً هو لازم الوجود، غاية الأمر: أنّه تارةً يكون لازماً لكلا نحوي الوجود، أي: الذهنيّ والخارجيّ، وهذا يسمّى لازم الماهيّة، من قبيل الزوجيّة للأربعة، واُخرى يكون لازماً للوجود الخارجيّ فقط، وهذا يسمّى لازم الوجود، من قبيل الحرارة التي لا تثبت إلاّ للنار الموجودة خارجاً، دون النار الموجودة في الذهن(1).

وهذا الاعتراض غير صحيح; إذ إنّنا ندرك بالضرورة أنّ الماهيّة يثبت لها بعض اللوازم ولو قيّدت بعدم الوجود الخارجيّ والذهني معاً، فيصدق قولنا: إنّ الأربعة المعدومة بقول مطلق زوج، وإنّ الإنسان المعدوم بقول مطلق ممكن، ونحن حينما نحضر في ذهننا الأربعة المعدومة، أو الإنسان المعدوم، فبهذا وإن أصبحت الأربعة أو الإنسان موجوداً في الذهن بالحمل الشايع، لكنّه بالحمل الأوّليّ أربعة معدومة، أو إنسان معدوم، ويصحّ حمل الزوجيّة أو الإمكان عليه حتّى مع لحاظه بالحمل الأوّليّ، وهذا آية: أنّ الزوجيّة أو الإمكان لا تحتاج إلى الوجود أصلا، وأمّا ما اُثيرت من الشبهة وهي: أنّ الماهيّة أمر اعتباريّ بناءً على أصالة الوجود، فلا يمكن أن تؤثّر، ففي غير محلّها، فإنّ لازم الماهيّة نسبته إلى الماهيّة نسبة الصفة إلى الموضوع، لا نسبة المعلول إلى العلّة(2)، فإمكان الإنسان موضوعه الإنسان،


(1) راجع نهاية الدراية، ج 2، ص 166، تحت الخطّ بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.

(2) لا يخفى: أنّ الشيخ الإصفهانيّ لم يدّعِ أنّ لازم الماهيّة لو كان، لكان معلولا للماهيّة، في حين أنّ الماهيّة أمر اعتباريّ محض، ولا يمكن لها التأثير، بل ادّعى: أنّ لازم الماهيّة لو كان، فهو منتزع من الماهيّة، في حين أنّه لا يمكن انتزاع ماهيّة من ماهيّة اُخرى، وإلاّ لكان الاستلزام والاستتباع جزء ذات الماهيّة.

  صفحه 558  

وزوجيّة الأربعة موضوعها الأربعة، لا أنّ الأربعة علّة للزوجيّة، والإنسان علّة للإمكان; لأنّ لوازم الماهيّة ليس لها وجود أصلا، بل هي واقعيّة بنفسها، لا بوجودها، ولوح الواقع أوسع من لوح الوجود، فهناك أشياء واقعيّة بنفسها، و هناك أشياء واقعيّة بوجودها، فإمكان الإنسان مثلا له واقعيّة بنفسه بلا وجود، ولا علّة له، فهو كالواجب بالذات، إلاّ أنّه ليس موجوداً، فلم يلزم تعدّد واجب الوجود بالذات.

فتحصّل: أنّه صحيح ما يقال: من أنّ لوازم الماهيّة ما تكفي نفس الماهيّة في ثبوتها، ولوازم الوجود ما لا يكون ثابتاً إلاّ بعد الوجود، ومن هنا ينقدح: أنّ لوازم الماهيّة ليست مجعولة أصلا، بخلاف لوازم الوجود، أمّا مجعوليّة لوازم الوجود، فلأنّها معلولة للوجود، فهي مجعولة بالمباشرة للوجود، ومجعولة بالتبع من قبل خالق هذا الوجود، وأمّا عدم مجعوليّة لوازم الماهيّة فلأنّها ذاتيّة للماهيّة بلا علّة أصلا، فصحّ أن يقال: إنّ لوازم الماهيّة مجعولة بالعرض، أي: أنّ من يجعل ويوجد ماهيّة الأربعة، يكون هذا الجعل من قبله جعلا لماهيّة الأربعة حقيقة، وللزوجيّة مسامحة وعناية وبالعرض، وهذا غير مصطلح الجعل بالتبع، فإنّ الجعل بالتبع يقال بالنسبة للوازم الوجود، فالحرارة إذا قيست إلى النار، فهي مجعولة مباشرة، وإذا قيست إلى خالق النار، فهي مجعولة بالتبع، فالجعل بالتبع جعل حقيقيّ، والجعل بالعرض جعل عنائيّ.

إذا عرفت كلّ هذا، جئنا إلى المقام; لنرى: أنّ وجوب المقدّمة هل هو من لوازم الماهيّة، أو من لوازم الوجود؟

ظاهر تعبير المحقّق الخراسانيّ ـ  إن كان جارياً على المصطلحات بالدقّة  ـ : أنّه من لوازم الماهيّة; إذ عبّر بأنّه مجعول بالعرض، ولم يعبّر بأنّه مجعول بالتبع(1)،


(1) بل صرّح في ضمن ذكر الإشكال على الاستصحاب بأنّ وجوب المقدّمة من لوازم ماهيّة وجوب ذيها.

  صفحه 559  

بينما من الواضح: أنّه من لوازم الوجود، لا الماهيّة، فإنّ الشوق الغيريّ فرد من الشوق مغاير وجوداً وحقيقةً مع الشوق النفسيّ ومترشّح منه، لا أنّ هناك شوقاً واحداً يسند إلى ذي المقدّمة حقيقة، وإلى المقدّمة مجازاً، فالتعبير بأنّه مجعول بالعرض إمّا مسامحة، أو خطأ.

وأمّا النقطة الثالثة: فيكفي في تماميّة الاستشكال في الاستصحاب الإيمان بالمقدّمة الاُولى، مع الإيمان بأنّ وجوب المقدّمة ليس مجعولا بالأصالة، ومستقلاًّ عن وجوب ذي المقدّمة، فإنّنا لو سلّمنا: أنّه يشترط في الاستصحاب كون المستصحب مجعولا، وسلّمنا: أنّ وجوب المقدّمة من لوازم الماهيّة، فهو مجعول بالعرض، أو فسّرنا المجعول بالعرض بالمجعول بالتبع، فكونه مجعولا بالعرض، أو بالتبع لا يكفي في جريان الاستصحاب; لأنّنا في الكبرى التي اشترطنا فيها كون المستصحب حكماً مجعولا، أو موضوعاً لحكم مجعول قد بيّنّا هذا الاشتراط، بأنّ الاستصحاب تصرّف شرعيّ يحتاج إلى قابليّة المحلّ للرفع والوضع الشرعيّ، والمجعول بالعرض، أو بالتبع لا يقبل الرفع إلاّ بالعرض، أو بالتبع، أي: برفع وجوب ذي المقدّمة الذي هو خلف، وإن أردتم بالاستصحاب رفعه بالذات بدعوى: أنّ الرفع بالذات إذا كان ظاهريّاً صحيح وإن لم يكن المحلّ قابلا للرفع بالذات، فهذا إنكار لكبرى الاشتراط.

 

 
  صفحه 560  

 

استدعاء وجوب ذي المقدّمة وجوب المقدّمة وعدمه

الجهة الثامنة: في تحقيق أصل المطلب، وهو: أنّ وجوب ذي المقدّمة هل يستدعي وجوب المقدّمة، أو لا؟

فنقول: إنّ الحكم بمعنى الجعل والإنشاء الثابت على ذي المقدّمة له مبدءان: الشوق والملاك. أمّا في مرحلة الملاك، فلا ينبغي الخلاف في مسألة ثبوت الملازمة بين ذي المقدّمة والمقدّمة فيه، بداهة: أنّه إن اُريد كون ثبوت الملاك النفسيّ في ذي المقدّمة مستلزماً لثبوت الملاك النفسيّ في المقدّمة، فهو واضح البطلان، وإن اُريد كونه مستلزماً لثبوت الملاك الغيريّ في المقدّمة، فهو بديهيّ الصحّة، فيجب أن يرجع الخلاف والنزاع: إمّا إلى مرحلة الجعل والإنشاء، أو إلى مرحلة الشوق والبغض، فنقول:

أمّا مرحلة الجعل والإنشاء، فدعوى الملازمة فيها باطلة، وتوضيح ذلك: أنّ الملازمة بين شيئين: إمّا أن يقصد بها: كون أحدهما مستتبعاً للآخر قهراً وبلا اختيار، أو يقصد بها: أنّ أحدهما يوجد المناسبة والداعي في نفس الفاعل بالاختيار لإيجاد الشيء الثاني.

فإن قصد في المقام الأوّل، فهو واضح البطلان، فإنّ كلا الجعلين والإنشاءين من الأفعال الاختياريّة للمولى، تصدر عن قصد وإرادة، والملازمة بهذا المعنى غير معقولة بين فعلين اختياريّين، وتكون خلف كون اللازم فعلا اختياريّاً صادراً عن قصد وإرادة، وإن قصد الثاني، بمعنى: أنّ وجوب ذي المقدّمة يستوجب مناسبة وداعياً في نفس المولى لجعل الوجوب وإنشائه على المقدّمة، فهذا أيضاً باطل، فإنّ جعل الحكم وإنشاءه عادةً يكون له أحد داعيين:

الأوّل: داعي إبراز ما في نفس الجاعل من شوق وبغض.

 
  صفحه 561  

والثاني: تعيين مركز المسؤوليّة، فقد يتّفق أنّ الشوق النفسيّ للمولى يكمن في شيء، لكنّه يدخل شيئاً آخر تحت المسؤوليّة، فمثلا قد يحبّ المولى أن يصون العبد نفسه عن الفحشاء والمنكر، لكنّه لا يأمره بذلك ابتداءً; إذ لو أمره به ابتداءً أساء العبد التصرّف; إذ لا يعرف كيف يصنع حتّى تحصل هذه الصيانة، فيُدخل في عهدته مقدّمة من مقدّمات ذلك، وهي الصلاة مثلا.

وشيء من الداعيين غير موجود في وجوب المقدّمة: أمّا الداعي الأوّل، وهو إبراز الشوق، فلأنّ الشوق إلى المقدّمة ـ بناءً على الملازمة بين الوجوبين ـ غيريّ، ويكفي في إبرازه نفس جعل وجوب ذي المقدّمة وإنشائه، وأمّا الداعي الثاني، وهو تعيين مركز المسؤوليّة، فلأنّ الوجوب الغيريّ لا يدخل الشيء في العهدة، على ما مضى: من أنّ الوجوب الغيريّ لا يقبل التنجيز، ولا يستتبع حكم العقل بوجوب الإطاعة أو حرمة المعصية، ولا استحقاق ثواب أو عقاب على الفعل أو الترك.

وأمّا مرحلة الشوق والحبّ، فدعوى الملازمة بين الشوق والحبّ لذي المقدّمة والشوق والحبّ للمقدّمة ليست إلاّ دعوى ملازمة بين أمرين تكوينيّين، حالها حال دعوى الملازمة بين أيّ أمرين تكوينيّين آخرين خارجيّين أو نفسيّين، لا يمكن إثباتها ببراهين عقليّة وأدلّة فكريّة، بل لابدّ فيها من التجربة، وكما أنّ الإنسان لا يعرف أنّ النار هل هي تلازم الإحراق أو لا، إلاّ بأن يجرّب بإدخال يده فيها، أو إلقاء قرطاس فيها ونحو ذلك، وليست الملازمة بينهما ممّا يمكنه أن يتوصّل إليها بمجرّد التفكير، كذلك الملازمة بين الشوق إلى الشيء والشوق إلى مقدّمته لم يكن الإنسان لكي يتوصّل إليها لو لم يكن هو يمتلك أشواقاً إلى أشياء لها مقدّمات، فيجرّب نفسه ليرى هل يلازمه شوقه للشيء الشوق إلى مقدّمته أو لا، وحيث إنّ القضيّة نفسيّة وليست خارجيّة، فتجربتها ليست إلاّ عبارة عن مراجعة

 
  صفحه 562  

الوجدان، لنرى: أنّه هل يحكم بالملازمة بين الشوق إلى الشيء والشوق إلى مقدّمته، أو لا، فلو أنّ أحداً لم يدرك بوجدانه هذه الملازمة، لم يكن له بالإمكان أن يصل إلى هذه الملازمة ببرهان عقليّ صحيح، وبمجرّد التفكير والتأمّل.

والصحيح عندي هو شهادة الوجدان بهذه الملازمة، بل كأنّ المنكرين للملازمة كالسيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ بين وجوب ذي المقدّمة ووجوب المقدّمة لا ينكرون الملازمة بين الشوقين، فقد اعترف السيّد الاُستاذ بثبوت الملازمة بين الشوقين، إلاّ أنّه قال: إنّ هذا ليس قولا بوجوب المقدّمة; لأنّ الوجوب حكم شرعيّ، والحبّ والشوق ليس حكماً شرعيّاً.

إلاّ أنّ الصحيح: أنّ هذا هو قول بوجوب المقدّمة، فإنّنا لا نبحث إلاّ بمقدار الثمرة، ولا نقصد مجرّد بحث في عالم الألفاظ، وقد كانت الثمرة عبارة عن لزوم التعارض بين دليل وجوب ذي المقدّمة ودليل حرمة المقدّمة إذا كان وجوب ذي المقدّمة مستلزماً لوجوب المقدّمة، وهذه الثمرة ـ كماترى ـ يكفي فيها مجرّد سراية الشوق والحبّ إلى المقدّمة، فإنّه يلزم من ذلك كون مصبّ الحبّ والبغض شيئاً واحداً، وهو مستحيل، وموجب للتعارض، ولا فرق في ذلك بين فرض القول بجعل الوجوب وإنشائه للمقدّمة وعدمه.

هذا ما ينبغي أن يقال في المقام.

وقد يستدلّ على وجوب المقدّمة بوجوه اُخرى:

الوجه الأوّل: أن تدّعى صغرويّاً الملازمة في باب الإرادات التكوينيّة، ويدّعى كبرويّاً: أنّ ما يصدق في الإرادات التكوينيّة يصدق ما يوازيه في الإرادات التشريعيّة.

وتوضّح الصغرى في المقام بأحد بيانين:

البيان الأوّل: أنّنا نرى: أنّ من يشتاق إلى شيء ويريده بالإرادة التكوينيّة،

 
  صفحه 563  

يشتاق إلى مقدّمته أيضاً، ببرهان: أنّه يأتي بالمقدّمة، فإنّ إتيانه بالمقدّمة برهان إنّيّ على اشتياقه إليها، وحيث إنّنا لا نملك هذا البرهان الإنّيّ في الإرادات التشريعيّة، ولهذا اضطررنا إلى التمسّك بكبرى: أنّ ما يصدق في الإرادات التكوينيّة يصدق في الإرادات التشريعيّة، فكما أنّ الشوق التكوينيّ إلى شيء وإرادته يستلزم الشوق التكوينيّ إلى مقدّمته، كذلك الشوق التشريعيّ إلى شيء وإرادته يستلزم الشوق التشريعيّ إلى مقدّمته.

إلاّ أنّ هذا البيان يمكن النقاش فيه ـ إن سلّمت الكبرى ـ بأنّ من يشكّك في الملازمة بين الشوق إلى ذي المقدّمة والشوق إلى المقدّمة في الإرادة التشريعيّة، ولا يحسّ بوجدانه بهذه الملازمة، يمكنه أن يشكّك في ذلك في الإرادة التكوينيّة أيضاً، ويُبدي احتمال كون انبعاث المريد التكوينيّ لشيء إلى مقدّمته ناشئاً راسأ من شوقه إلى ذي المقدّمة، لا من شوقه إلى المقدّمة.

البيان الثاني: أنّنا نرى: أنّ من يريد شيئاً بالإرادة التكوينيّة، يستلزم ذلك التصدّي لحفظ المقدّمة، فكذلك الحال في الإرادة التشريعيّة، إلاّ أنّ حفظ المقدّمة في الإرادة التكوينيّة يكون من سنخها، أي: أنّه حفظ تكوينيّ، وحفظها في الإرادة التشريعيّة يكون من سنخها، أي: أنّه حفظ تشريعيّ، وذلك بأن يأمر العبد بالإتيان بها.

وهذا البيان لا يمكن دفعه بالنقاش في الصغرى; فإنّه من أوضح الواضحات أنّ من يريد شيئاً يأتي بمقدّمته، إلاّ أنّه يمكن النقاش فيه ـ إن سلّمت الكبرى ـ بأنّه وإن سلّم: أنّ من يريد شيئاً بالإرادة التشريعيّة يحفظ مقدّمته تشريعاً، لكن لم يثبت بذلك أنّ طريقة حفظه للمقدّمة عبارة عن الأمر بها، بل لعلّه يحفظها بنفس الأمر بذي المقدّمة الذي يسبّب حكم العقل بوجوب الإتيان بالمقدّمة، فحكم العقل بضرورة الإتيان بالمقدّمة وليد لفعل المولى بما هو مولىً، وهو كاف في حفظ

 
  صفحه 564  

المقدّمة، فلعلّ المولى اكتفى بذلك، بل إنّ أمر المولى بالمقدّمة ليس له أيّ دخل في حفظ المقدّمة، على ما مضى: من أنّ الوجوب الغيريّ لا يستتبع ثواباً ولا عقاباً، ولا يتنجّز على العبد، وليست له إطاعة ولا معصية.

الوجه الثاني: ما يقال: من أنّه إن لم تجب المقدّمة، لجاز تركها، وحينئذ فإن بقي الواجب على وجوبه، لزم التكليف بما لا يطاق، وإلاّ خرج الواجب المطلق عن كونه واجباً مطلقاً.

وقد حاول صاحب الكفاية(1) إصلاح هذا الوجه بحمل جواز الترك على عدم المنع، وإلاّ فمن الواضح عدم الملازمة بين عدم الوجوب والإباحة الشرعيّة، وبحمل لزوم التكليف بما لا يطاق عندئذ على لزوم ذلك إذا ترك المقدّمة، لا على لزومه بمجرّد جواز ترك المقدّمة; بداهة: أنّ مجرّد جواز ترك المقدّمة لا يسلب القدرة.

ثمّ أورد عليه بأنّه مع ترك المقدّمة يسقط الوجوب، لا بكونه مشروطاً بالإتيان بالمقدّمة، بل بالعصيان.

أقول: ويمكن تعديل الدليل بصياغة اُخرى، وهي أن يقال: لو لم تجب المقدّمة، لجاز تركها، ومع جواز الترك: إن كان يترتّب من تبعة الترك عقاب على العبد، كان ذلك خلف الجواز، وإن لم يكن يترتّب عليه من تبعة الترك أيّ عقاب، كان معنى ذلك انقلاب الواجب المطلق إلى الواجب المشروط.

والجواب: أنّ الترك وإن كان يستتبع عقاباً، ولكن ليس هذا عقاباً على ذات ترك المقدّمة حتّى ينافي جوازه، بل عقاب على ما استتبعه الترك من ترك ذي


(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 201 بحسب الطبعة المشتملة في الحواشي على تعليقات المشكينيّ . وأصل الوجه منسوب في الكفاية إلى أبي الحسن البصريّ.

  صفحه 565  

المقدّمة، وهذا لا ينافي جوازه. نعم، ينافي ظاهر تصريح المولى بالجواز، حيث إنّ ظاهر ذلك عرفاً هو: أنّ الترك لا يستتبع عقاباً ولو بلوازمه، إلاّ أنّ كلامنا ليس في فرضيّة تصريح المولى بالجواز، والظهور العرفيّ لهذا التصريح.

الوجه الثالث: أنّ صدور الأوامر العرفيّة أو الشرعيّة أحياناً بالمقدّمة دليل على المقصود، فإنّ تلك الأوامر ليس لها إلاّ الملاك الغيريّ، أعني: ملاك توقّف المطلوب النفسيّ عليه، فإن تمّ ذلك ملاكاً لوجوب المقدّمة، تمّ في كلّ الموارد; لأنّ الملازمة لا تتبعّض، وإن لم يتمّ، لم يصحّ الأمر في تلك الموارد.

ويرد عليه: أنّ تلك الأوامر يمكن حملها على الإرشاد إلى المقدّميّة والشرطيّة، فإن اُريد التمسّك بظهور الأمر في كونه تكليفاً وإيجاباً، لا إرشاداً إلى المقدّميّة والشرطيّة، فيصبح الدليل دليلا تعبّديّاً لا وجدانيّاً، ورد عليه إنكار هذا الظهور في الأوامر الواردة في المقدّمات والشرائط، بل ظاهرها أنّها لتحقيق الواجب النفسيّ وتحصيله، لا للتكليف المستقلّ بالمقدّمة والشرط.

على أنّنا نقول: من الذي يتمسّك بهذا الظهور؟! هل هو الذي يجد في وجدانه حبّ المقدّمة عندما يحبّ ذا المقدّمة، أو الذي لا يجد في وجدانه ذلك؟!

أمّا الأوّل، فهو يعرف بالقطع واليقين وجوب المقدّمة مطلقاً; لأنّ المفروض: أنّ الملازمة لا تتبعّض، ولا تختلف من شخص إلى شخص، أو من مورد إلى مورد. وأمّا الثاني فهو يعرف بالقطع واليقين عدم وجوب المقدّمة مطلقاً; لأنّ المفروض: أنّ الملازمة لا تتبعّض، وأمّا لو فرضنا تطرّق احتمال التبعّض من شخص إلى شخص، ومورد إلى مورد، فهذا الدليل ينهار من أساسه; إذ لا يكون حينئذ ورود الأوامر العرفيّة، أو الشرعيّة في بعض الموارد دليلا على وجوب المقدّمة مطلقاً.

نعم، على فرض الشكّ في الوجدانات قد يتمّ الاستدلال بهذا الوجه.

فالصحيح في تحقيق المطلب هو ما مضى منّا.

 
  صفحه 566  

 

ردّ تفصيلين ذكرا في الكفاية:

بقي الكلام في تفصيلين ذكرا في الكفاية مع ردّهما.

الأوّل: التفصيل بين الشرط الشرعيّ وغيره، بدعوى: أنّ الشرط الشرعيّ يفرض سابقاً وجوب الشرط; لأنّه إنّما انتزع عنوان الشرطيّة له من أمر المولى به، وإلاّ فهو بذاته ليس شرطاً ومقدّمةً، وهذا بخلاف الشروط والمقدّمات العقليّة والتكوينيّة.

وقد أجاب على ذلك صاحب الكفاية وغيره بأنّ الشرطيّة ليست منتزعة من الوجوب الغيريّ، وإنّما الوجوب الغيريّ يكون في طول الشرطيّة والمقدّميّة، وإنّما تنتزع الشرطيّة من الأمر بالعمل المقيّد بذلك الشرط، وتلك الشرطيّة في حقيقتها شرطيّة عقليّة وتكوينيّة، حيث إنّ حصول المقيّد متوقّف عقلا وتكويناً على تحقّق القيد(1).

الثاني: التفصيل بين السبب التوليديّ وغيره، بتقريب: أنّ متعلّق الأمر يجب أن يكون مقدوراً، ففي غير السبب التوليديّ يكون المسبّب بنفسه مقدوراً; إذ بعد الإتيان بسبب يكون بإمكان العبد أن يأتي بالمسبّب، وبإمكانه أن لا يأتي به، ولكن في فرض السبب التوليديّ لا يدخل تحت القدرة إلاّ نفس السبب، وأمّا المسبّب فيترتّب قهراً، إذن فالتكليف متعلّق بالسبب(2).

وهذا في واقعه ليس تفصيلا في الوجوب الغيريّ، وإنّما يكون مرجعه إلى دعوى تعلّق الوجوب النفسيّ في باب الأسباب التوليديّة بنفس السبب دون المسبّب; لعدم القدرة على المسبّب.


(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 203 بحسب الطبعة الماضية.

(2) المصدر السابق، ص 202.

  صفحه 567  

ويرد عليه: ما ذكره صاحب الكفاية وغيره: من أنّ القدرة على المسبّب التوليديّ حاصلة بواسطة السبب، فإنّ القدرة المشروطة عقلاً في التكليف ليست عبارة عن كون الشيء عملا لنفس القوى الجسميّة، أو النفسيّة مباشرة حتّى يقال: إنّ المسبّب التوليديّ كاحتراق الورقة بالنار ليس عملا لتلك القوى، وإنّما عمل تلك القوى هو الإلقاء في النار، وإنّما هي عبارة عن أن لا يكون الفعل بنحو يوجب التكليف به الضيق على المكلّف وإحراجه. وبتعبير آخر: أن يكون الفعل بنحو: إن شاء المكلّف تحقّق، وإن لم يشأ، لم يتحقّق، وهذا صادق في المسبّب التوليديّ الذي يكون سببه تحت القدرة(1).

هذا تمام الكلام في مقدّمة الواجب، ومنه يظهر الكلام في مقدّمة المستحبّ.


(1) المصدر السابق، ص 203.

  صفحه 568  

 

 
  صفحه 569  

 

 

 

 

 

مقدّمة الحرام

وأمّا مقدّمة الحرام، فحيث إنّ المطلوب في الحرام هو الترك، والترك ليس موقوفاً على ترك كلّ المقدّمات، فلم يجب كلّ التروك، ولم تحرم كلّ المقدّمات، بينما كان المطلوب في الواجب هو الفعل الموقوف على تمام المقدّمات، ولذا وجب تمام المقدّمات، إذن فماذا يحرم من مقدّمات الحرام؟

تفصيل ذلك: أنّ مقدّمات الحرام: تارةً يفرض: أنّ إحداها بينها هي التي تقع الجزء الأخير من العلّة، أي: لابدّ أن تقع في نهاية سلسلة المقدّمات، واُخرى يفرض: أنّ تلك المقدّمات في عرض واحد، فكما يمكن أن تتقدّم هذه وتتأخّر تلك، كذلك يمكن العكس.

ففي القسم الأوّل يحرم الجزء الأخير من العلّة، ويجب تركه; إذ بتركه يُترك الحرام، ومع تركه لا حاجة إلى ترك الباقي، وترك الباقي من دون ترك هذا الجزء غير معقول، ومن هذا القسم كلّ الأفعال الداخلة تحت الإرادة المباشرة، فإنّ إرادتها بمنزلة الجزء الأخير من العلّة، فهي التي تحرم دون سائر المقدّمات، ففي كلّ الأفعال الداخلة تحت الإرادة مباشرة لا يحرم شيء من مقدّماتها غير الإرادة حرمة غيريّة.

نعم، قد يقال فقهيّاً بحرمة الإتيان بمقدّمة من مقدّمات الحرام بقصد التوصّل إلى الحرام، إلاّ أنّ هذه حرمة نفسيّة مرتبطة بمسألة حرمة التجرّي وعدمها، وليست حرمة غيريّة.

 
  صفحه 570  

كما قد يقال أيضاً بحرمة مقدّمة الحرام على من يعلم أنّه لو أتى بها، فبعد ذلك سوف ينهار أمام إغراء الحرام، ويرتكب الحرام اختياراً، وهذه أيضاً حرمة نفسيّة(1)، قد يدلّ عليها قوله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً(2)، فإنّ الوقاية ليس معناها عرفاً مجرّد عدم الإلقاء المباشر فيما يوجب استحقاق النار، بل معناها التحرّز عن كلّ ما يعلم أو يحتمل انتهاؤه ـ ولو بالاختيار ـ إلى ما يوجب استحقاق النار.

وعلى أيّ حال، فإن ثبتت هذه الحرمة، فليست هي الحرمة الغيريّة المبحوث عنها في المقام، وإنّما هي حرمة نفسيّة.

وفي القسم الثاني يحرم مجموع المقدّمات، أي: يجب ترك أحدها على سبيل التخيير، فإذا أتى بكلّ المقدّمات ما عدا واحدة، وجب تركها من باب تعيّن أحد أفراد التخيير بعد تعذّر باقي الأفراد.

هذا حال مقدّمة الحرام، وتلحق بها مقدّمة المكروه، كما تلحق مقدّمة المستحبّ بمقدّمة الواجب.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.


(1) يمكن تخريج هذه الحرمة النفسيّة على أساس حرمة التجرّي كما في المسألة السابقة، كما يمكن تخريجها على أساس آية: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ، إلاّ أنّه يقوى في النظر كون الأمر في الآية بوقاية النفس إرشاديّاً بحتاً.

(2) السورة 66، التحريم، الآية: 6.

السابق | فهرس الكتاب