صفحه 367  

وجوب مقدّمة الواجب


البحث الثاني

 

 

 

تقسيمات الواجب

 

?المطلق والمشروط.
?المعلّق والمنجّز.
?النفسيّ والغيريّ.

 

 
  صفحه 368  

 

 
  صفحه 369  

 

 

 

 

 

الواجب المطلق والمشروط

من تقسيمات الواجب: تقسيمه إلى مطلق ومشروط، فالحجّ مثلا مشروط بالاستطاعة، ومطلق بلحاظ زوال الشمس، وصلاة الظهر بالعكس.

وقد وقع النزاع في إمكان الواجب المشروط عقلا: تارةً بلحاظ عالم الثبوت، أي: بلحاظ الوجوب، وهو في ذهن المولى بقطع النظر عن كيفيّة
إبرازه وإنشائه، واُخرى بلحاظ عالم الإثبات، أي: بلحاظ إبراز الحكم وإنشائه، حيث يقال: إنّه لا يمكن رجوع القيد إلى الهيئة، بل لابدّ من رجوعه إلى المادّة.

فيقع الكلام في مقامين:

 

الإشكال بلحاظ عالم الثبوت:

المقام الأوّل: في تتبّع الوجوب في عالم نفس المولى قبل أن يحرّك به لسانه; لنرى أنّه هل يعقل الواجب المشروط في هذا المقام، أو لا؟

وفي هذا المقام توجد عندنا ثلاث مراحل:

1 ـ مرحلة الملاك.

2 ـ مرحلة الإرادة والشوق القائم في نفس المولى.

3 ـ مرحلة الجعل والتشريع.

 
  صفحه 370  

فلنتتبّع كلّ مرحلة من هذه المراحل; لنرى في أيّ واحدة منها أنّ المشروطيّة أمرٌ معقول، أو لا؟

أمّا المرحلة الاُولى: وهي مرحلة الملاك، فلا إشكال في معقوليّة كونه مشروطاً; فإنّ الملاك عبارة اُخرى عن الاحتياج، ومن الواضح: أنّ الإنسان قد يكون محتاجاً إلى شيء مطلقاً من ناحية شيء آخر،أي: غير منوط به، كاحتياجه إلى الهواء مطلقاً من ناحية الشتاء أو الصيف مثلا، أي: غير منوط بمجيء الشتاء أو الصيف، وقد يكون محتاجاً إليه منوطاً بشيء آخر ومقيّداً به، كاحتياجه إلى النار منوطاً بالشتاء وبرودة الهواء، فالأوّل هو المطلق، والثاني هو المشروط.

وأمّا المرحلة الثانية: وهي الإرادة والشوق، فلا إشكال ولا ريب في الجملة في أنّ إرادة الشيء قد تكون منوطة بشيء آخر، وقد لا تكون منوطة به، فمثلا إرادة الطعام والماء غير منوطة بالمرض، بينما إرادة الدواء منوطة بالمرض، وإنّما الكلام والنزاع في تكييف هذه الإرادة المنوطة بعد الفراغ عن أصل وجودها، فهناك نظريّات وتخريجات لتفسير ذلك:

النظريّة الاُولى: هي النظريّة المنسوبة إلى تقرير الشيخ الأعظم (1)، وتظهر من المحقّق الخراسانيّ (2) والسيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ(3) متابعته، وهي: أنّ الإرادتين كلتاهما فعليّة، وإنّما الفرق في متعلّق الإرادة، فالقيد راجع إلى المراد، فالإنسان يريد الطعام مطلقاً لكنّه يريد الدواء المقيّد بكونه في حال المرض، ولا يريد الدواء المطلق.


(1) رأيتها في كتاب المحاضرات للفيّاض، ج 2، ص 324 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف، وفي غيره أيضاً.

(2) لم أرها في الكفاية.

(3) راجع المحاضرات للفيّاض، المصدر السابق الذكر، ص 325، وراجع أيضاً أجود التقريرات، ج 1، الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ ، ص 325، تحت الخطّ.

  صفحه 371  

وهنا يأتي إشكال وهو: أنّه لو كان القيد راجعاً إلى المراد للزم تحصيله، كما هو الحال في كلّ قيود الواجب، فإرادة الشيء سواء كانت تكوينيّة أو تشريعيّة تسري ـ لا محالة ـ إلى كلّ قيود ذلك المراد، فلابدّ للإنسان أن تسري إرادته التكوينيّة إلى تمريض نفسه لكي يشرب الدواء في حال المرض، ولابدّ أن تسري الإرادة التشريعيّة للكفّارة إلى الإفطار لكي يكفّر العبد.

فيجاب على هذا الإشكال بأنّ هذا القيد قد اُخذ على نحو لا يعقل الإلزام به من قبل تلك الإرادة، بخلاف سائر قيود الواجب; وذلك لأنّ القيد إنّما هو الوجود الاتّفاقي للمرض أو الاستطاعة، أي: الوجود غير المحرّك إليه من قبل نفس هذه الإرادة، وحينئذ تستحيل محرّكيّة هذه الإرادة نحوه; إذ بمجرّد تحريكها نحوه تخرج عن كونه مصداقاً للقيد الدخيل في الواجب.

وهذه النظريّة ـ  كما ترى  ـ خلاف الإلهام الفطريّ للإنسان في المسألة الحاكم بأنّ إرادة شرب الماء فعليّة، وإرادة شرب الدواء غير فعليّة، ومشروطة بنحو من الأنحاء الغامضة التي نريد أن نحلّلها في هذا البحث.

وبكلمة اُخرى: إنّ الإلهام الفطريّ يرى إجمالا رجوع القيد إلى الإرادة، فما هو السبب لصاحب هذه النظريّة في صرفه كلّ القيود من طرف الإرادة إلى المراد والمتعلّق؟!

الذي يتحصّل من كلماتهم الاستناد في ذلك إلى وجدان، وإلى برهان.

أمّا الوجدان، فيفترض أنّ هذا المطلب العجيب مطابق للوجدان، بتقريب: أنّ المولى إذا التفت إلى نفسه بالنسبة لشيء: فإمّا أن يريده، أو لا يريده، فإن لم يرده خرج عن محلّ البحث طبعاً; فإنّنا نتكلّم فيما يريده المولى; لنرى أنّ الإرادة مشروطة أو مطلقة، وأمّا ما لا يريده، فلا نتكلّم عنه، وإن أراده فقد افترضنا منذ البدء أنّ الإرادة وجدت، فمن الخلف كونها مشروطة، وإنّما هي متعلّقة تارةً بشيء

 
  صفحه 372  

على الإطلاق، واُخرى بشيء على تقدير وجود شيء اتّفاقاً، ومن غير ناحية هذه الإرادة.

وهذا البيان لو تمّ فالأولى تسميته بالبرهان، لا الوجدان، وإن عبّروا عنه بالوجدان(1).

وعلى أيّ حال، فهذا البيان ليس إلاّ تلاعباً بالألفاظ; فإنّه إن اُريد بكلمة الإرادة الإرادة المطلقة وغير المنوطة، فافتراض كون صورة عدم الإرادة خارجةً


(1) لم أجد تعارف تسمية هذا الوجه بالوجه الوجدانيّ. وكأنّ مقصودهم من الوجه الذي سمّوه بالوجدان ـ وإن فرض قصور تعبيرهم عن أداء المقصود ـ هو: أنّه هل تفرض وجود إرادة ولو مشروطة ومعلّقة، أو لا؟

فإن فرض عدم الإرادة نهائيّاً، فهذا خروج عن محلّ البحث، ولا يبقى معه موضوع للبحث، وإن فرض وجود إرادة في الجملة، قلنا: هل الإرادة فعليّة قبل تحقّق الشرط، أو لا؟ فإن قيل: إنّها فعليّة قبل تحقّق الشرط، كان معنى ذلك رجوع الشرط إلى المراد، لا الإرادة; إذ لو كانت الإرادة مشروطة بشرط، فلا معنى لفعليّتها قبل فعليّة شرطها، وإن قيل: إنّها ليست فعليّة قبل تحقّق الشرط، فهذا خلاف الوجدان القاضي بوجود فرق نفسيّ قبل المرض بين من يبني على شرب الدواء إذا تمرّض، ومن يبني على ترك الدواء إذا تمرّض، أو على الأقلّ لا يبني على شربه إذا تمرّض.

وتسمية هذا البيان بالوجدان أنسب من البيان الذي نقل في المتن عن كلماتهم.

والواقع: أنّه يوجد في مقابل هذا الوجدان وجدان آخر حاكم بمعلّقيّة نفس إرادة شرب الدواء على المرض بوجه من الوجوه، أو قل: حاكم بوجود فارق نفسيّ في من يبني على شرب الدواء إذا تمرّض بين ما لو لم يتمرّض، وما لو تمرّض، وهذا الوجه وهو افتراض كون الشرط راجعاً للمراد لا الإرادة قد يشبع الوجدان الأوّل، ولكن الوجدان الثاني يبقى فارغاً وبلا تفسير، بينما الوجه المختار الذي يأتي في المتن يجمع بين الوجدانين.

  صفحه 373  

عن محلّ البحث أوّل الكلام، بل البحث يكون في هذه الصورة لنرى: أنّه عند عدم الإرادة المطلقة هل يتعقّل إرادة منوطة ومقيّدة، أو لا؟ وإن اُريد بكلمة الإرادة ما يشمل الإرادة المنوطة، فمن الصحيح ما ذكر: من أنّ صورة عدم الإرادة خارجة عن محلّ الكلام، لكنّنا نريد أن نفهم ما هي حقيقة الإرادة المنوطة، فهل هي ترجع إلى الإرادة المطلقة المتعلّقة بمراد مقيّد، أو أنّ القيد والإناطة راجع إلى نفس الإرادة؟

وأمّا البرهان، فهو: أنّنا نرى أنّ إرادة الواجب تترشّح على مقدّمات وجوده قبل تحقّق ذلك الشرط، فالمولى قد خاطب بالحجّ المشروط بالاستطاعة قبل الاستطاعة، وهذا الخطاب بنفسه من مقدّمات وجود الحجّ; إذ على أساسه يتحرّك العبد ويحجّ، فالمولى قد ترشّحت من إرادته للحجّ إرادة لإيجاد الخطاب بالحجّ، وذلك قبل الاستطاعة. فهذا برهان على فعليّة إرادة الحجّ قبل الاستطاعة; إذ لولا فعليّتها ووجودها، فكيف ترشّحت منها الإرادة إلى إيجاد الخطاب؟!

والجواب: أنّه وإن كان لا إشكال بحسب لحاظ الموارد العرفيّة للواجب المشروط في أنّ المولى قد يأمر بالعمل مشروطاً، ويوجّه الأمر والخطاب قبل تحقّق الشرط حتّى لو لم يكن في ذات توجيه الخطاب الآن ملاك نفسيّ، فيقول مثلا من الآن: «إن مرضتُ فهيّئ لي الطبيب» حتّى لو لم يكن ملاك في نفس هذا الخطاب، لكن هذا لا ينحصر تفسيره في تعلّق الإرادة الفعليّة الآن بالجزاء، وهو تهيئة الطبيب، بل يمكن تفسيره على أساس تفسير المقدّمات المفوّتة الذي سيأتي شرحه في محلّه إن شاء الله.

فتحصّل: أنّه لا الوجدان تامّ في المقام، ولا البرهان.

بل هناك برهان على خلاف هذا المدّعى، ذلك: أنّه قد مضى الإشكال على هذا

 
  صفحه 374  

الوجه بلزوم ترشّح الإرادة إلى القيد، فكان جواب صاحب هذا الوجه عن ذلك
بأنّنا نأخذ القيد عبارة عن الشرط بوجوده الاتّفاقيّ، وهذا الجواب ـ كماترى ـ إنّما يقتضي أن لا يبرز المولى شوقه إلى هذا الشرط، ولا يقتضي عدم شوقه في نفسه إليه; فإنّه غاية ما يفرض هي: أنّ هذا الشرط إنّما يكون بوجوده غير الناشئ من محرّكيّة هذا الشوق، وهذا إنّما يمنع من إبراز الشوق، وأمّا أصل الشوق، فهو موجود في نفس المولى ما دمنا نؤمن بأنّ الشوق إلى شيء يستتبع الشوق إلى مقدّمته، ولا يستطيع المولى أن يكبس نفسه.

هذا في الإرادة التشريعيّة، وأمّا في الإرادة التكوينيّة، فأيضاً نقول: إنّ غاية ما تقتضيه شرطيّة الوجود الاتّفاقيّ للقيد أن لا يكون شوقه إلى القيد محرّكاً له نحوه، لا أن لا يتحقّق الشوق إليه، اللّهم إلاّ أن يفرض: أنّ الشرط إنّما هو خصوص ذلك الوجود من القيد الذي لم يتعلّق به الشوق التكوينيّ، أو التشريعيّ، إلاّ أنّ هذا معناه شرطيّة مستحيلة; لأنّ انفكاك الاشتياق إلى الشيء من الاشتياق إلى مقدّمته محال.

فقد تحصّل: أنّ هذه النظريّة الاُولى غير صحيحة.

النظريّة الثانية: نظريّة المحقّق العراقيّ (1)، وهي: أنّ الإرادة المشروطة كالإرادة المطلقة فعليّة من أوّل الأمر، كما هو الحال على النظريّة الاُولى، ولكنّها تختلف عن النظريّة الاُولى في أنّ النظريّة الاُولى كانت تفترض: أنّ الإرادة مطلقة دائماً، ولهذا تكون فعليّة، غاية ما هناك أنّها: تارةً تتعلّق بشيء مطلق، واُخرى


(1) راجع المقالات، ج 1، ص 310 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ، ونهاية الأفكار ج 1، ص 298 ـ 299 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  صفحه 375  

تتعلّق بشيء منوط ومقيّد بوجود شيء اتّفاقيّ، لكن هذه النظريّة تفترض: أنّ الإرادة المشروطة ليست مطلقة، وأنّ الشرط راجع إلى نفس الإرادة، ولكن إنّما تصبح الإرادة فعليّة لأنّ شرطها فعليّ; وذلك لأنّ الشرط ليس هو الوجود الخارجيّ للشيء، وإنّما هو الوجود الذهنيّ للشيء، فالمولى يريد أن يشرب عبده الماء إذا عطش، وهذا معناه: أنّ إرادة الشرب مشروطة بالعطش، لكن لا بالوجود الخارجيّ للعطش، بل بالوجود اللحاظيّ له، والوجود اللحاظيّ ثابت قبل العطش، ولذا تكون الإرادة فعليّة من أوّل الأمر، وإنّما لا تترشّح هذه الإرادة إلى القيد وهو العطش; لأنّ من النتائج التكوينيّة لإناطة الإرادة بلحاظ شيء كون فاعليّة تلك الإرادة منوطة بتحقّق ذلك الشيء خارجاً، فلا يجب إيجاد ذلك الشيء من قبل تلك الإرادة.

والبرهان على كون الشرط بوجوده اللحاظيّ دخيلا في الإرادة، لا بوجوده الخارجيّ: أنّ الإرادة من موجودات عالم النفس المجرّدة، فيستحيل أن يؤثّر فيه الوجود الخارجيّ، وإنّما الذي يؤثّر فيه هو الوجود اللحاظيّ الذي هو أيضاً من موجودات عالم النفس.

وكأنّه اُريد بهذه النظريّة أن يُشبع ضمناً الوجدان القائل بارتباط نفس الإرادة بالشرط بوجه من الوجوه، ففرض: أنّه مرتبط بوجوده اللحاظيّ.

أقول: إنّ البرهان الذي ذكر على هذه النظريّة غير صحيح; إذ كأ نّما فرض فيه: أنّ الأمر دائر بين كون الشيء بوجوده الخارجيّ دخيلا في الإرادة، أو كونه بوجوده اللحاظيّ دخيلا، وحيث إنّ الأوّل محال، فتعيّن الثاني، في حين أنّ هناك شقّاً ثالثاً، وهو أن يكون الدخيل هو التصديق بوجوده الخارجيّ الذي هو أيضاً من موجودات عالم النفس، كاللحاظ والتصوّر.

وأصل هذه النظريّة خلاف الوجدان; لأنّ الوجدان قاض بأنّ مجرّد لحاظ

 
  صفحه 376  

العطش من المرتوي لا يحدث في نفسه شوقاً إلى الماء فعلا; لأنّ الشوق ـ بحسب تركيب الإنسان ـ إنّما ينشأ من ملائمة قوّة من قواه، وحاجة من حاجاته النفسيّة لشيء يكمّله، ويجبر نقصه الذي يحسّ به، والمرتوي بالفعل لا يناسب قواه شرب الماء، بل قد يكون مضرّاً بحاله، والشوق فرع الملائمة حقيقة، لا تصوّر الملائمة(1).

النظريّة الثالثة: نظريّة المحقّق النائينيّ ، وهي: أنّ وجود الإرادة المشروطة كالمطلقة فعليّ من أوّل الأمر، كما هو الحال على النظريّتين السابقتين، إلاّ أنّ وجود الإرادة المشروطة عبارة عن وجود إرادة معلّقة، بينما وجود الإرادة


(1) وبكلمة اُخرى: هل يقصد المحقّق العراقيّ دخل مجرّد الوجود اللحاظيّ التصوّريّ للمرض مثلا في الشوق إلى ذات شرب الدواء، فبمجرّده يصبح الشوق إلى الدواء فعليّاً، ولكن فاعليّته بتحريكه نحو الشرب تتأخّر لحين التصديق بالمرض، أو يقصد دخل مجرّد الوجود اللحاظيّ التصوّريّ للمرض في الشوق، لا إلى ذات شرب الدواء، بل إلى شربه على تقدير المرض، أو يقصد دخل الوجود اللحاظيّ التصديقيّ للمرض بالعلم الحصوليّ أو الحضوريّ في الشوق إلى شرب الدواء؟

فإن قصد الأوّل، فهو خلاف الوجدان القاضي بأنّ مجرّد لحاظ الشرط تصوّراً كالمرض أو العطش لا يخلق الشوق إلى الجزاء من شرب الدواء أو الماء، وأنّ التفكيك بين فعليّة الشوق وفاعليّته مع القدرة على تحصيل المشتاق إليه أمر غير معقول.

وإن قصد الثاني، رجع إلى إرجاع القيد إلى المراد الذي فرغنا وفرغ هو عن بطلانه.

وإن قصد الثالث كما هو المفهوم من نهاية الأفكار، بل والمقالات، كان هذا المقدار من البيان عاجزاً عن تفسير الوجدان الحاكم بالفرق النفسيّ بين من لم يتمرّض ويعلم أنّه لا يتمرّض أبداً، أو يحتمل ذلك، ولكنّه بان على شرب الدواء لو تمرّض، ومن لم يتمرّض ويعلم أنّه لا يتمرّض، أو يحتمل ذلك، ولكنّه بان على عدم شرب الدواء حتّى على تقدير المرض، أو غير بان على أحد الطرفين.

  صفحه 377  

المطلقة عبارة عن وجود إرادة فعليّة وغير معلّقة، فالوجود فعليّ في كليهما، لكن الموجود بهذا الوجود في المشروطة معلّق ومنوط، وفي المطلقة غير معلّق وغير منوط(1)، وهذا نظير الاعتباريّات والوجودات الذهنيّة، فالإنسان قد يتصوّر الآن نزول مطر في هذا الآن، وقد يتصوّر الآن نزول مطر على تقدير برد الهواء، فوجود المطر الذهنيّ في كليهما فعليّ، لكن الموجود بهذا الوجود في الأوّل مطر فعليّ، وفي الثاني مطر معلّق على تقدير برد الهواء(2).


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 137 ـ 140 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ ، وفوائد الاُصول، ج 1، ص 189 ـ 191 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

وقد حمل الشيخ النائينيّ ـ  على ما في التقريرين  ـ كلام الشيخ الأنصاريّ و غيره على ما يقوله هو .

(2) التنظير بالاعتباريّات لم يرد لا في أجود التقريرات، ولا في فوائد الاُصول، وكأنّ هذا توجيه وتفسير من قبل اُستاذنا الشهيد لتوضيح أو تقريب كلام الشيخ النائينيّ .

وكأنّ حاصل كلام الشيخ النائينيّ التفكيك بين وجود الإرادة وذات الإرادة، أو الماهيّة الموجودة بهذا الوجود، فوجودها فعليّ، لكن هويّة الإرادة الموجودة بهذا الوجود تارةً هي إرادة مطلقة، واُخرى هي إرادة مقيّدة ومعلّقة.

والجواب: أنّ الإطلاق والتقييد، أو قل: إنّ الفعليّة والتعليق بلحاظ كلّ ماهيّة إنّما هما بيان لحال وجودها، أمّا ذات الماهيّة فليست هي إلاّ حدّاً عدميّاً للوجود، لا يتصوّر فيه إطلاق أو فعليّة تارةً، وتقييد أو تعليق اُخرى.

وبكلمة اُخرى: إنّ فعليّة الماهيّة عبارة اُخرى عن وجودها، فلا معنى لتقسيم الماهيّة الموجودة إلى فعليّة ومعلّقة، وإنّما الماهيّة تارةً تكون موجودة، واُخرى لا تكون موجودة.

  صفحه 378  

أقول: إنّ هذه النظريّة أيضاً غير صحيحة، فإنّ الوجود عين الموجود، فلا معنى لافتراضه فعليّاً، وافتراض الموجود تعليقيّاً، وقياسه بالوجود الاعتباريّ والذهنيّ قياس مع الفارق، وتوضيحه: أنّ الوجود تارةً يكون حقيقيّاً كوجود المطر خارجاً، واُخرى اعتباريّاً وعنوانيّاً ومسامحيّاً كوجود المطر في الذهن، فإنّ هذا ليس وجوداً حقيقيّاً للمطر، وقد يكون وجود واحد بالقياس إلى شيء حقيقيّاً، وبالقياس إلى شيء آخر اعتباريّاً ومسامحيّاً، فوجود المطر في ذهننا وجود حقيقيّ، وبالحمل الشائع لأمر ذهنيّ، ووجود مسامحيّ وعنوانيّ للمطر. والوجود الحقيقيّ لكلّ شيء هو عين الموجود بذلك الوجود، فيستحيل أن يكون أحدهما معلّقاً والآخر فعليّاً، فمثلا لا يمكن أن يكون الوجود الحقيقيّ للمطر فعليّاً والموجود تعليقيّاً.

نعم، الوجود المسامحيّ للشيء ليس عين الشيء، فيمكن فيه ذلك، ولذا أمكن كون وجود المطر الذهنيّ فعليّاً في حين أنّ المطر الذي فرض هذا وجوداً مسامحيّاً له مطر تعليقيّ.

وأمّا فيما نحن فيه، فحيث إنّنا نتكلّم عن واقع انقداح الشوق في عالم النفس الذي هو الوجود الحقيقيّ للإرادة، فيستحيل أن يكون الوجود الحقيقيّ لها فعليّاً والإرادة معلّقة.

والصحيح في جميع موارد الإرادة المشروطة: أنّه توجد عندنا ـ في الحقيقة ـ إرادتان:

الاُولى: إرادة نفس ذلك الفعل المفروض وجود شرط بالنسبة له، وهو شرب الماء مثلا المشروط بالعطش، وهذه الإرادة ليست فعليّة قبل وجود الشرط في وجدان الشخص، وإنّما تتحقّق بوجود الشرط في وجدانه، وذلك: إمّا بأن يحضر نفس الشرط لديه إن كان من الموجودات الحضوريّة لدى نفس المريد، أو بأن

 
  صفحه 379  

يحضر التصديق بوجوده لديه، وهذه الإرادة يستحيل أن تكون موجودة قبل ذلك; لما قلنا: من أنّ الشوق إلى شيء إنّما يحصل عند ملائمة قوّة من قواه إلى ذلك الشيء، والإحساس بالحاجة إليه.

الثانية: إرادة مطلقة وفعليّة قبل وجود الشرط، أو التصديق به، وهذه الإرادة غير متعلّقة بنفس ذلك الفعل كشرب الماء. وأظنّ أنّ إحساسهم الوجدانيّ إلى أنّ هناك شيئاً ما قبل وجود الشرط، وعدم التفاتهم إلى إرادة اُخرى غير إرادة شرب الماء جعلهم يتخيّلون أنّ تلك الإرادة فعليّة، بينما الإرادة الفعليّة إنّما تعلّقت بعدم تحقّق المجموع من شرط الوجوب وعدم الواجب، أي: العطش وعدم شرب الماء، فهذا الاجتماع مبغوض لديه بالفعل; لمنافرته لقواه، والمنافرة فعليّة، فينقدح في نفسه شوق فعليّ نحو أن لا يقع هذا المجموع المركّب، وهذه الإرادة الفعليّة غير إرادة شرب الماء، ولا تبعث نحو شرب الماء، وإنّما تبعث نحو أن لا يعطش عطشاً لا يشرب معه الماء، ولذا لو علم أنّه لو صعد على السطح عطش عطشاً لا يمكنه شرب الماء معه، كان ذلك داعياً له لعدم الصعود، في حين أنّ إرادة شرب الماء لا دور لها في عدم الصعود، فإنّها إنّما تبعث نحو الشرب عند العطش، فلولا هذه الإرادة الاُخرى التي بيّنّاها فما الذي يدعوه ويبعثه نحو عدم الصعود؟!

وبنظرة أكثر تحليليّة يمكن أن يقال: إنّ إرادة الشرب ـ في الحقيقة ـ تطوّر للإرادة المطلقة، وهي إرادة عدم المجموع، أو قل: إرادة الجامع بين الشرب وعدم العطش، فإنّ إرادة هذا الجامع يمكن إشباعها: إمّا بأن لا يحدث عطش، أو يحدث ويشرب الماء، فهي ذات اقتضاء تخييريّ أوّلا، وبعد أن تحقّق العطش اقتضت شرب الماء، فتحوّلت عن إرادة تخييريّة إلى إرادة تعيينيّة لا يمكن إشباعها إلاّ بالماء; لفرض فعليّة العطش.

وبانكشاف الإرادتين بهذا الشكل ينحلّ الإشكال الذي جعله أصحاب النظريّة

 
  صفحه 380  

الاُولى برهاناً على كون إرادة الواجب مطلقة، وهو: أنّه لو لم تكن مطلقة وثابتة قبل الشرط فكيف تبعث نحو الخطاب قبل الشرط؟

وقد أجبنا عن ذلك بجواب إجماليّ، وهو: أنّه من باب المقدّمات المفوّتة، وهنا يظهر تفصيله، حيث نقول: إنّ الخطاب إنّما هو بمحرّكيّة الإرادة الثانية، وهي إرادة مطلقة وفعليّة، فالتحريك نحو بعض المقدّمات وإن كان برهاناً على فعليّة الإرادة وإطلاقها، لكن ليست هي إرادة الجزاء كما تخيّل، بل إرادة الجامع بين عدم الشرط ووجود الجزاء، فحيث إنّه يبغض عطشاً لا ماء معه، ويرى أنّه لو لم يوجد الخطاب الآن، فسوف يوجد عطش لا ماء معه، فلذا يوجد الخطاب الآن.

هذا تمام ما ينبغي أن يقال في المرحلة الثانية، وهي مرحلة الإرادة والشوق.

وحينئذ فإن قلنا: إنّ الحكم في عالم الثبوت ليس له عدا مرحلتين: مرحلة الملاك، ومرحلة الإرادة والشوق، وبعد تماميّتهما يبرز المولى هذه الإرادة والشوق: إمّا بصياغة إخباريّة كقوله: (اُريد كذا)، أو إنشائيّة، كقوله: (افعل كذا) لم يبقَ بحث آخر بلحاظ عالم الثبوت ونفس المولى، وهذا الإبراز الذي لا يكون الاختلاف فيه من ناحية الإنشائيّة أو الإخباريّة إلاّ مجرّد تفنّنات في التعبير يكشف بالدلالة المطابقيّة عن الإرادة المشروطة لنفس الفعل، وبالالتزام عن الإرادة المطلقة للجامع بين الفعل وعدم الشرط، وحيث إنّ العقل ينتزع من الخطاب الباعثيّة والمحركيّة لأجل كشفه عن إرادة المولى، وقد فرضنا هنا إرادتين: مطلقة ومشروطة، فالعقل ينتزع هنا باعثيّتين: مطلقة ومشروطة(1).


(1) قد يقال: لو فرض في الواجب المشروط تعلّق الإرادة بالجامع بين عدم الشرط ووجود المشروط، إذن لا يمكن إجراء البراءة عن الواجب عند الشكّ في تحقّق الشرط

  صفحه 381  


خارجاً; للقطع بالتكليف بالجامع والشكّ في حصوله; لأجل الشكّ في حصول أحد فرديه، وهو عدم الشرط، فينحصر المؤمّن في استصحاب عدم الشرط عندما يكون جارياً. إلاّ أنّ هذا الإشكال ينحلّ لو آمنّاً بمرحلة ثالثة للحكم، وهي مرحلة الجعل والاعتبار، فيمكن إجراء البراءة الشرعيّة بلحاظ هذه المرحلة. أمّا إذا لم نؤمن بمرحلة الجعل، فنقول: إنّ الإشكال إنّما يتّجه إذا كان الشرط مقدوراً للمكلّف، أمّا إذا كان غير مقدور، فحتماً لا يكون العبد فيه ملزماً بالجامع بحدّه الجامعيّ في مقابل إلزامه بالجزاء على تقدير تحقّق الشرط; إذ لا محصّل لهذا الإلزام مع وجود ذاك الإلزام لو تحقّق الشرط مع عدم القدرة على الشرط، فتجري البراءة عند الشكّ في تحقّق الشرط بلا إشكال، فيبقى علينا حلّ الإشكال في الواجبات المشروطة في موارد القدرة على الشرط، وعندئذ نقول: إن الإشكال ينحلّ فيما لو احتملنا أحد اُمور:

الأوّل: أن يحتمل: أنّه بالرغم من تعلّق الشوق الكامل بالجامع بين عدم الشرط ووجود الجزاء، لعلّ المولى يشتاق إلى عدم كون العبد ملزماً عقلا بهذا الجامع، وكونه فقط ملزماً بالجزاء لو تحقّق الشرط، فهذا الاحتمال يكفي في إجراء البراءة عند الشكّ في تحقّق الشرط، وهذا احتمال عقلائيّ لو كانت مُلزميّة الشخص بالجامع مشتملة على مؤونة زائدة على ملزميّته بالجزاء حينما يتحقّق الشرط، وهذا يكون فيما لو أمكن تحقّق الشرط الذي يوجب اشتياق المولى إلى الجزاء مع عدم قدرة العبد على الجزاء بأن لم تكن القدرة على الجزاء دخيلة في شوق المولى إليه، فإنّه في مثل هذا الفرض تُنتج مُلزَميّة العبد بالجامع إلزامه بالمنع عن حصول الشرط حينما يكون عاجزاً عن الجزاء على تقدير تحقّق الشرط.

وهذا الوجه مبنيّ على أنّ اشتياق المولى إلى عدم مُلزَميّة العبد عقلا بما يشتاق إليه

  صفحه 382  


المولى شوقاً لزوميّاً يُسقط حقّ المولى على العبد في لزوم تحصيل ذلك لو اطّلع على هذا الشوق اللزوميّ.

الثاني: أن يحتمل: أنّ الشوق إنّما هو إلى الجزاء مطلقاً، أي: حتّى مع عدم تحقّق الشرط، لا إلى الجامع بين الجزاء وعدم الشرط، فليس الشرط بحسب عالم الملاك والشوق شرطاً للوجوب، كما ليس شرطاً للواجب، إلاّ أنّ المولى إنّما استثنى فرض عدم الشرط شوقاً منه إلى عدم سعة دائرة مُلزميّة العبد، فمع هذا الاحتمال لا مانع من إجراء البراءة، وهذا أيضاً مبنيّ على ما بنينا عليه الوجه الأوّل.

الثالث: أن يحتمل: أنّ الشرط بحسب عالم الملاك والشوق شرط الواجب، لا شرط الوجوب، وإنّما جعله المولى بحسب عالم الإثبات شرطاً للوجوب شوقاً منه إلى أن لا يكون العبد ملزَماً بإيجاد الشرط، وهذا أيضاً مبنيّ على ما بنينا عليه الوجهين الأوّلين.

الرابع: أن يحتمل: أنّ الشوق إنّما هو إلى الجزاء مطلقاً، وليس الشرط بحسب عالم الملاك والشوق شرطاً للوجوب، ولا شرطاً للواجب، إلاّ أنّ المولى إنّما استثنى بحسب عالم الإثبات فرض عدم الشرط; لأنّ المشتاق إليه في فرض عدم الشرط إنّما كان هو الوجود الاتّفاقيّ للجزاء، أي: غير الناشئ من شوق المولى وإرادته.

الخامس: أن يحتمل: أنّ الشرط بحسب عالم الملاك والشوق شرط الواجب، لا شرط الوجوب، وإنّما جعله المولى بحسب عالم الإثبات شرط الوجوب لأنّ الشرط كان هو الوجود الاتّفاقيّ، أي: غير الناشئ من شوق المولى وإرادته.

السادس: أن يفرض: أنّ الشرط ـ  حتّى بحسب عالم الملاك والشوق ـ شرط للوجوب، فالمولى يشتاق إلى الجامع بين الجزاء وعدم الشرط، إلاّ أنّه يحتمل أن لا يكون أحد فردي الجامع هو مطلق عدم الشرط، بل العدم الاتّفاقيّ، أي: غير الناشئ من شوق المولى وإرادته.

  صفحه 383  

هذا تمام تصوير المطلب بناءً على عدم تصوّر مرحلة ثالثة في مقام الثبوت.

وأمّا المرحلة الثالثة: وهي مرحلة الجعل والاعتبار لو قلنا بوجود مرحلة من هذا القبيل، بدعوى: أنّه وإن لم يكن لها أثر; لأنّ تمام الأثر إنّما هو لعالم الملاك والإرادة مع تصدّي المولى لتحصيلهما وإبرازهما، إلاّ أنّ هذه المرحلة تكون وفق الصياغات العقلائيّة للعلاقات بين الموالي والمكلّفين، فإذا افترضنا مثل هذه المرحلة كما هو كذلك عرفاً في القضايا المجعولة بنحو تقنين القوانين والقضايا الحقيقيّة، فهل القيد يكون قيداً لنفس الإلزام، أو للواجب؟


فلو افترضنا الجزم بعدم كلّ هذه الاحتمالات الستّة، فلا محيص عن عدم جريان البراءة، إلاّ أنّه فرض لا واقع له.

وخلاصة الكلام في حلّ الإشكال في الشروط المقدورة بناءً على إنكار مرحلة الجعل هي: أنّ الإشكال ينحلّ بإحدى نكتتين:

1 ـ افتراض: أنّ رغبة المولى إلى عدم مُلزميّة العبد توجب سقوط الإلزام العقليّ حقيقةً.

وهذا عندنا صحيح، ونرى: أنّ هذا هو روح تفسير جواز الارتكاب في المكروهات، والترك في المستحبّات.

2 ـ افتراض: كون المشتاق إليه الفرد الاتّفاقيّ.

وهاتان النكتتان: تارةً نحلّ بإحداهما إشكال البراءة مباشرة، واُخرى نحلّ إشكال البراءة بسلخ الشرط بحسب عالم الملاك والشوق عن كونه شرطاً للوجوب، وجعله شرطاً للواجب، أو إسقاطه عن الشرطيّة رأساً، فيأتي إشكال آخر وهو: أنّه إذن لماذا صار الوجوب بحسب عالم الإثبات ومقدار مطالبة المولى مشروطاً؟! ويكون دور هاتين النكتتين حلّ هذا الإشكال.

 
  صفحه 384  

الصحيح هو الأوّل. والبرهان على ذلك يتمّ على أساس الالتفات إلى أمر، وهو: أنّ ما يكون قيداً في الواجب ولا يكون قيداً للوجوب لابدّ من كونه محرَّكاً نحوه بذاك الوجوب; لأنّ فرض كونه قيداً للواجب لا للوجوب هو فرض كون الوجوب فعليّاً قبل ذاك القيد، وفرض فعليّة الوجوب هو فرض فاعليّته، فهو يحرّك قبل تحقّق القيد نحو المقيّد، فبالتالي يحرّك نحو القيد لا محالة، حيث إنّ المقيّد لا يتحقّق إلاّ بتحقّق القيد، وافتراض التحريك نحو المقيّد من دون كون ذلك تحريكاً نحو قيده أمر غير معقول; إذ المقيّد لا يتقوّم ولا يوجد خارجاً إلاّ بقيده، فينبغي افتراض استحالة ذلك أصلا موضوعيّاً، والكلام على ضوئه في بيان الضابط في القيود التي يمكن سحبها من الوجوب إلى الواجب، والقيود التي لا يمكن فيها ذلك، فنقول بعد افتراض ذلك الأصل الموضوعيّ:

إنّ القيود ـ كما عرفنا في ما سبق ـ على قسمين:

الأوّل: ما يكون دخيلا في فعليّة اتّصاف الشيء بالمصلحة، كدخل برودة الهواء في اتّصاف إشعال النار بالمصلحة.

والثاني: ما يكون دخيلا في ترتّب المصلحة على الشيء خارجاً بعد فرض فعليّة الاتّصاف سابقاً، كدخل سدّ الأبواب والمنافذ في ترتّب الدفء على إشعال النار:

أمّا القسم الأوّل: فهي تارةً تكون اختياريّة، وأقصد بذلك ما يعقل الإلزام بها من قبل المولى، واُخرى تكون غير اختياريّة، وأقصد بذلك ما لا يعقل الإلزام بها من قبل المولى، سواء كان ذلك لأجل خروجه عن قدرة المكلّف، أو لأجل كون الدخيل خصوص الحصّة التي تتحقّق صدفةً واتّفاقاً:

أمّا ما يكون اختياريّاً، فلا يعقل سحب القيد فيه من الوجوب إلى الواجب; إذ بذلك يصبح الوجوب محرّكاً نحوه على ما أسّسناه من الأصل الموضوعيّ، بينما

 
  صفحه 385  

لا مقتضي للتحريك نحوه; لأنّ هذا القيد ليس محصّلا للمصلحة الفعليّة، وموجباً لترتّبها خارجاً حتّى يحرَّك نحوه، وإنّما هو دخيل في اتّصاف الفعل بالمصلحة، وأيّ اهتمام للمولى باتّصاف الفعل بالمصلحة وعدمه؟!

وأمّا ما لا يكون اختياريّاً، فأيضاً لا يعقل سحب التقييد به من الوجوب إلى الواجب; إذ بذلك يصبح الوجوب محرّكاً نحوه بحسب ما مضى، بينما لا يصحّ هنا التحريك نحوه لعدم المقتضي بنفس البيان الذي عرفت في الاختياريّ، ولوجود المانع، وهو لزوم التحريك نحو غير الاختياريّ.

فتحصّل: أنّ قيود الاتّصاف مطلقاً يجب أن تؤخذ قيوداً في الوجوب.

نعم، بعد فرض أخذها قيوداً في الوجوب لا مانع من أخذها قيداً في الواجب أيضاً لو كانت دخيلة في ترتّب المصلحة أيضاً، فمثلا قد يفرض: أنّ الاستطاعة التي هي قيد الوجوب يكون لاقتران الحجّ بها دخل في ترتّب المصلحة، بحيث لو استطاع وترك الحجّ إلى أن فاتت الاستطاعة، فحجّ متسكّعاً، لم يقبل حجّه، فيوجب المولى على المستطيع الحجّ المقترن بالاستطاعة، ولا بأس بجعل ذلك قيداً في الواجب; لوجود المقتضي لذلك وعدم المانع، أمّا المقتضي، فلما فرضنا من عدم ترتّب المصلحة، إلاّ على الحصّة المقرونة، وأمّا عدم المانع، فلأنّه حتّى فيما إذا كان القيد أمراً غير اختياريّ لا يلزم من أخذه في الواجب بعد أن كان المفروض أخذه في الوجوب التحريك نحو غير المقدور; لأنّ فرض فعليّة الوجوب فرض فعليّة القيد خارجاً وإن كان غير مقدور، ومعه لا تحريك نحوه، فإنّ التحريك نحو المقيّد الذي وجد قيده خارجاً إنّما هو تحريك نحو ذات المقيّد والتقيّد، لا القيد، وذات المقيّد والتقيّد كلاهما اختياريّ في المقام.

وأمّا القسم الثاني: وهي قيود ترتّب المصلحة، فهي أيضاً: إمّا اختياريّة، أو غير اختياريّة.

 
  صفحه 386  

أمّا الاختياريّ منها فيؤخذ قيداً في الواجب، ويطلق الوجوب من ناحيته; لأنّ المقتضي موجود، وهو الدخل في وجود المصلحة بعد فرض فعليّتها، والمانع مفقود، وهو لزوم التحريك نحو أمر غير اختياريّ، لأنّنا فرضنا: أنّه اختياريّ.

وأمّا غير الاختياريّ منها، كما لو كان طلوع الفجر قيداً في ترتّب المصلحة على الصوم، لا في اتّصاف الصوم بالمصلحة، فلا يعقل سحبه من دائرة الوجوب، وأخذه محضاً في دائرة الواجب، بل لابدّ مضافاً إلى أخذه في دائرة الواجب من أخذه في دائرة الوجوب، ولا يعقل إطلاق الوجوب، لا لعدم المقتضي، فلو أمكن للمولى جعل الوجوب المطلق لجعله; لكون القيد دخيلا في ترتّب المصلحة الفعليّة،بل لوجود المانع، وهو أنّ الوجوب لو كان مطلقاً، كان محرّكاً بالفعل نحو المقيّد حتّى في حالات عدم وجود القيد، وهذا تحريك نحو أمر غير اختياريّ.

فتحصّل: أنّ قيد الاتّصاف مطلقاً، وقيد الترتّب إذا كان غير اختياريّ لابدّ من أخذه قيداً في الوجوب.

نعم، نستثني من ذلك من قيود الاتّصاف حالة واحدة، وهي ما لو أحرز المولى بنفسه تحقّق القيد بنحو القضيّة الخارجيّة في حقّ كلّ المكلّفين بهذا التكليف، فعلم مثلا أنّ الفلك يتحرّك، وأنّ الفجر سوف يطلع قبل أن تقوم القيامة، فحينئذ لا بأس بعدم تقييد الوجوب بهذا القيد، فإنّه مع ضمان وجود القيد يكون المقيّد به اختياريّاً حتّى لو كان القيد غير اختياريّ، فلا يلزم التحريك نحو غير المقدور.

بقيت الإشارة إلى شيء، وهي: أنّ ما تعقّلناه في المرحلة الثالثة من الوجوب المشروط لا يعني المقايسة التامّة لباب الأحكام بباب القضايا الحقيقيّة التكوينيّة، من قبيل (النار محرقة) كما يفهم من كلمات المحقّق النائينيّ ، حيث إنّه بعد أن تعقّل الواجب المشروط ذكر: أنّ الحكم في الواجب المشروط قضيّة شرطيّة حالها حال القضايا الحقيقيّة التكوينيّة، من قبيل (النار محرقة) التي مرجعها إلى قضيّة

 
  صفحه 387  

شرطيّة، وهي (إن وجدت النار، فهي تحرق)، وكما أنّ تلك القضايا الحقيقيّة لها مرحلتان: مرحلة القضايا الشرطيّة، ومرحلة فعليّة الجزاء عند فعليّة الشرط، كذلك الحكم الشرعيّ له مرحلتان: مرحلة الجعل التي ترجع إلى قضيّة شرطيّة، ومرحلة المجعول، وهي مرحلة فعليّة الجزاء عند فعليّة الشرط(1).

وهذه المقايسة بين القضيّة الحكميّة والقضيّة الحقيقيّة التكوينيّة بلحاظ المرحلة الاُولى صحيحة، لكن بلحاظ المرحلة الثانية غير صحيحة، فإنّ قضيّة (النار محرقة) لها مرحلة فعليّة، وهي مرحلة فعليّة الجزاء بفعليّة الشرط، لكن القضيّة الحكميّة ليست كذلك، على ما تقدّمت الإشارة إليه.

وحاصل الكلام في ذلك: أنّ الحاكم بالحكم التشريعيّ وإن كان يقدّر الشرط، ويحكم على تقديره، كما هو الحال أيضاً في الحكم بقضيّة شرطيّة تكوينيّة، لكن مع ذلك حينما يتحقّق الشرط لا تتحقّق للجزاء فعليّة ـ  بالدقّة  ـ وإن كانت تتحقّق الفعليّة في القضايا الشرطيّة التكوينيّة.

والبرهان على ذلك: أنّ ما يفرض تحققّه عند تحقّق الشرط في الحكم الفعليّ هل نسبته إلى الجعل في القضيّة الشرطيّة نسبة المجعول إلى الجعل، بمعنى: أنّ الجعل جعلٌ له، أو نسبة المسبّب إلى السبب؟

فإن فرض: أنّ نسبته إليه نسبة المجعول إلى الجعل، فهذا غير معقول; لأنّ المجعول مع الجعل كالوجود مع الإيجاد، والوجود عين الإيجاد، بينما في المقام الجعل والاعتبار إنّما هو جعل واعتبار للقضيّة الشرطيّة، لا للجزاء الذي فرض القائل بوجود مرحلتين للحكم: أنّ وجوده الفعليّ بعد الجعل، وعند تحقّق الشرط.


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 127 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ ، وفوائد الاُصول، ج 1، ص 175 ـ 177 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  صفحه 388  

وبتعبير أدقّ نقول: إنّ الاعتبار النفسانيّ صفة من الصفات النفسانيّة ذات الإضافة، كالحبّ والبغض والعلم، والإضافة في هذه الصفات داخلة في حاقّ ذاتها، وليست عارضة عليها من قبيل عروض البياض على الجسم، ولذا ترى أنّ الجسم يمكن تصوّره في مرتبة ذاته بغضّ النظر عن أيّ لون من الألوان، بينما هذه الصفات لا يمكن تصوّرها في أيّ مرتبة من المراتب بغضّ النظر عن إضافتها، والإضافة متقوّمة بالمضاف إليه، إذن فالاعتبار والجعل في اُفقه متقوّم بالمضاف إليه، فالمجعول الحقيقيّ موجود بنفس وجود الجعل في اُفق نفس الجاعل، والمعتبر الحقيقيّ موجود بنفس وجود الاعتبار في اُفق نفس المعتبر، كما أنّ المعلوم الحقيقيّ، أو المحبوب، أو المبغوض الحقيقيّ موجود بنفس وجود العلم، أو الحبّ، أو البغض في نفس صاحبه، وهذا هو المسمّى بالمعلوم بالذات، والمحبوب بالذات، والمبغوض بالذات وهكذا، فإن فرض: أنّ المجعول الذي يوجد ويصبح فعليّاً عند تحقّق الشرط هو مجعول بالذات للجعل قد انفصل عنه، فهذا غير معقول، وإن فرض: أنّه المجعول بالعرض، إذن فلو كان أمراً حقيقيّاً فلابدّ من افتراض سببيّة للجعل بالنسبة إليه، وهذا معناه الانتقال إلى الفرض الثاني.

وإن فرض: أنّ نسبته إليه نسبة المسبّب إلى السبب، لكن الجعل ليس سبباً كافياً له، بل هو مع حدوث الشرط خارجاً سبب كاف لتحقّق المجعول وفعليّته، فهذا أيضاً غير صحيح; لأنّ هذا المسبّب: إمّا أن يدّعى كونه موجوداً خارجيّاً، أو يدّعى كونه موجوداً نفسيّاً في نفس المولى، وكلاهما باطل.

أمّا الأوّل، فلوضوح: أنّ الأحكام الشرعيّة ليست من الموجودات الخارجيّة، وأمّا الثاني، فلأنّه لا يعقل وجود شيء في نفس الجاعل تبعاً لوجود الشرط خارجاً وهو الاستطاعة مثلا، بحيث سواء علم المولى بتحقّق هذا الشرط أو لا سيكون نفس تحقّقه خارجاً موجباً لوجود الجزاء في نفسه بالفعل.

 
  صفحه 389  

فتحصّل: أنّ الشقوق كلّها باطلة، إذن فالحكم المجعول والمعتبر ليس له وجود إلاّ نفس وجوده في اُفق النفس والاعتبار عند الجعل على نحو القضيّة الشرطيّة.

نعم، فاعليّة هذا الحكم ومحرّكيّته لا تكون إلاّ عند فعليّة الشرط وانطباقه على شخص معيّن، فوجوب الحجّ على المستطيع يستحيل أن يحرّك الفقراء مثلا ماداموا فقراء.

نعم، لا بأس بأن يقال بوجود مجعول عند تحقّق الشرط مسامحة; حيث إنّ المولى كأنّه يتصوّر عند الجعل مجعولا خارجيّاً في زمان تحقّق الشرط، ويجعله على تقدير تحقّق الشرط، وهذه وإن كانت نظرة غير واقعيّة لكنها تصوير عرفيّ يجري عليه العقلاء، ويتطابق عليه الفهم العرفيّ; حيث إنّ المجعول والمعتبر حينما يرى بالنظرة الفنائيّة كأنّه يرى خارجيّاً، ومع هذه النظرة انساق المحقّق النائينيّ ، فادّعى وجود مرحلتين: مرحلة الجعل، ومرحلة فعليّة المجعول، فنحن لا ننكر تعدّد الجعل والمجعول بالنظرة العرفيّة، وإنّما ننكر ذلك بالنظرة الدقّيّة، ويترتّب على إنكاره بالنظرة الدقّيّة حلّ إشكال الشرط المتأخّر بلحاظ المجعول كما مضى، ويترتّب على قبوله بالنظرة العرفيّة صحّة استصحاب بقاء المجعول في موارد الشكّ في بقاء الحكم كما يأتي ـ إن شاء الله ـ في محلّه.

 

الإشكال بلحاظ عالم الإثبات:

المقام الثاني: في إشكال رجوع القيد إلى الوجوب بلحاظ عالم الإثبات.

وهذا الإشكال إنّما يكون فيما إذا اُفيد الوجوب بمثل صيغة الأمر، لا بمفهوم اسميّ، كما لو قال: «وجوب الحجّ مشروط بالاستطاعة»، فإنّ الإشكال يكون من ناحية أنّ الوجوب مفاد الهيئة التي يعتبر معناها من المعاني الحرفيّة والنسب، وليست المعاني الحرفيّة والنسب قابلة للتقييد، فلابدّ من إرجاع القيد إلى شيء

 
  صفحه 390  

آخر غير الهيئة، ومن هنا تأتي فكرة إرجاع القيد إلى الواجب.

والاستشكال في قابليّة المعنى الحرفيّ للتقييد له تقريبان نذكرهما في المقام منبّهين قبل ذلك إلى أنّ كلامنا هنا إنّما هو في تقييد النسبة التامّة(1)، وأمّا النسبة الناقصة فقد عرفت فيما مضى أنّها نسبة تحليليّة، فلا وجود حقيقيّ لها في الذهن حتّى تقبل التقييد، وإنّما الموجود في الذهن هو المفهوم الاسميّ.

التقريب الأوّل: أنّ المعنى الحرفيّ جزئيّ، ويكون الحرف موضوعاً للنسب الجزئيّة على حدّ الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ، والجزئيّ الحقيقيّ لا يقبل التقييد، وإنّما قبول التقييد شأن المفاهيم الكلّيّة.

وتحقيق حال هذا التقريب مرتبط ـ في الحقيقة ـ بمعرفة ما يُتبنّى من الجزئيّة للمعنى الحرفيّ، ويختلف اُسلوب البحث فيه باختلاف المعاني المختلفة لجزئيّة المعنى الحرفيّ، ونحن هنا نتكلّم على المبنى الذي اخترناه في بحث المعاني الحرفيّة في جزئيّة المعنى الحرفيّ، فقد اخترنا هناك جزئيّة المعنى الحرفيّ بمعنى جزئيّة ما وضع له الحرف من النسبة في مقابل طرفيها، لا الجزئيّة على الإطلاق وفي مقابل كلّ شيء، حيث قلنا: إنّ النسب تختلف وتتباين باختلاف الطرفين في كلّ نسبة; لتقوّم كلّ نسبة بطرفيها، فلا يعقل انتزاع جامع بينها يكون هو المعنى


(1) يقصد بالنسبة التامّة والناقصة في المقام: النسبة التي لا توحّد الطرفين المستقلّين، كما في النسبة الظرفيّة بين زيد والمسجد في قولنا: «زيد في المسجد»، والنسبة التي توحّدهما وتخلق منهما حصّة واحدة لمعنىً استقلاليّ واحد كما في نسبة الإضافة في قولنا: «غلام زيد»، فلا يعترض بأنّ نسبة الظرفيّة في المثال الآتي في المتن، وهو (زيد في المسجد) ليست تامّة، لأنّ صحّة السكوت لم تنشأ منها، بل نشأت من النسبة الخبريّة بين (زيد) و(في المسجد).

  صفحه 391  

الحرفيّ; لأنّه إن انتزعنا الجامع بين النسب بتجريدها عن طرفيها، كان معنى ذلك انتزاع الجامع بينها بتجريدها عن حقيقتها وماهيّتها; لأنّ قوام ماهيّتها وذاتها إنّما هو بطرفيها، وهذا غير معقول، وإن انتزعنا الجامع بينها من دون تجريدها عن طرفيها، فهذا أيضاً غير معقول; إذ هي بمالها من أطراف متباينة فيما بينها، ولا معنى لانتزاع الجامع، فإذن يستحيل انتزاع جامع بين النسب تكون نسبة كلّيّة يوضع لها الحرف.

وهذا كلّه لا يقتضي جزئيّة المعنى الحرفيّ بلحاظ سائر الجهات والقيود بحيث لا ينطبق على مصاديق كثيرة خارجاً.

وكلّ هذا شرحه وبيانه موكول إلى بحث المعنى الحرفيّ، ونأخذه هنا كأصل موضوعيّ، ومبنيّاً عليه لا يبقي مجال للإشكال في إمكانيّة التقييد في المقام كما هو واضح، فإنّ المعنى الحرفيّ لم يصبح جزئيّاً بمعنى عدم انطباقه على حصص عديدة، وعدم قابليّته للصدق على كثيرين حتّى لا يعقل تقييده بشرط من الشروط، وإنّما كان جزئيّاً في مقابل طرفيه فقط.

التقريب الثاني: أنّ الإطلاق والتقييد حكم من قبل المتكلّم، يحتاج إلى التوجّه إلى موضوعه، وهو ما ينصبّ عليه الإطلاق أو التقييد، بينما المعنى الحرفيّ آليّ لا استقلاليّ، فلا يمكن التوجّه إليه والالتفات نحوه تفصيلا.

والجواب: أنّه إن اُريد بالآليّة المرآتيّة، أي: أنّه يُرى به غيره، من قبيل المرآة التي ينظر الرائي فيها إلى وجهه وهو غافل عن نفس الزجاجة وإن أمكنه الالتفات إلى نفس الزجاجة مستقلاًّ، وعندئذ تخرج نظرته عن كونها مرآتيّة، وكذلك في المقام يكون المفروض أن ينظر المتكلّم إلى المعنى الحرفيّ نظرة مرآتيّة، أي: يكون نظره الحقيقيّ إلى غيره، وإنّما ينظر إليه كمرآة إلى غيره لا أكثر، فهو غافل عن المعنى الحرفيّ بما هو معنىً حرفيّ، فهذا باطل; إذ لا برهان على لزوم كون

 
  صفحه 392  

النظر إلى المعنى الحرفيّ نظرة مرآتيّة واستطراقاً إلى النظر إلى شيء آخر، بل قد يكون الهدف متعلّقاً بالنظر إلى نفس المعنى الحرفيّ، كما لو سُئل: «أين زيد؟» فقيل: «زيد في المسجد»، فهنا من الواضح: أنّ النسبة الظرفيّة بذاتها يقصد النظر إليها، لا للاستطراق إلى النظر إلى زيد والمسجد، أو إلى كون زيد والمسجد بناءً على تقدير فعل من أفعال العموم.

وإن اُريد بالآليّة: أنّ المعنى الحرفيّ بطبيعته مندكّ في غيره; لأنّه ليس إلاّ عبارة عن النسبة المتقوّمة بطرفيها، فالنظر إليه ـ لا محالة ـ نظر اندكاكيّ وتبعيّ، لا نظر استقلاليّ.

فحينئذ نقول: لئن سلّمنا أنّ الإطلاق والتقييد لشيء يحتاج إلى توجّه استقلاليّ للنفس نحو ذلك الشيء، وسلّمنا أنّ التوجّه الاستقلاليّ للنفس نحو المعنى الحرفيّ الذي لا يوجد في الذهن إلاّ بوجود اندكاكيّ لا يمكن تعقّله بافتراض: أنّ هذا التوجّه غير ذاك الوجود، وأنّه يمكن تعلّقه به مستقلاًّ وإن كان وجوده اندكاكيّاً، لئن سلّمنا كلّ هذا فبالإمكان أن يجاب عن الإشكال بأنّه يكفي في إمكانيّة الحكم عليه بالإطلاق أو التقييد الالتفات الاستقلاليّ إليه بتوسّط معنىً اسميّ مشير إليه، كما يصنعه الواضع في وضعه للحروف، فإنّ الوضع أيضاً كالإطلاق والتقييد حكم من الأحكام يحتاج إلى تصوّر الموضوع له، فيتصوّره بتصوّر معنىً اسميّ مشير إليه، ويضع اللفظ لواقع النسبة المشار إليها بهذا المفهوم الاسميّ(1) الذي تصوّره، فليكن التقييد أيضاً من هذا القبيل.

وقد تحصّل بكلّ ما ذكرناه: أنّه لا إشكال في تقييد الوجوب، لا في مرحلة الثبوت، ولا في مرحلة الإثبات.


(1) هذا الكلام ناظر إلى مقالة المشهور في الوضع التي ترى أنّ الوضع نوع جعل واعتبار وحكم، لا إلى مقالة اُستاذنا التي ترى أنّ الوضع هو القرن الأكيد.

  صفحه 393  

وهنا كلام مذكور في الكفاية(1): تارةً يقرّب بلحاظ مقام الثبوت، فيقال: إنّ الوجوب المشروط يلزمه التفكيك بين الاعتبار والمعتبر، واُخرى بلحاظ مقام الإثبات بناءً على ما هو المشهور: من أنّ الإنشاء إيجاد للمعنى، فيقال: إنّ الوجوب المشروط يلزمه التفكيك بين الإنشاء والمنشأ.

وعلى أيّ حال، فقد اتّضح ممّا مضى: أنّه لا يرجع إلى محصّل; لما ظهر من عدم لزوم التفكيك بين الاعتبار والمعتبر بالذات، أو بين الإنشاء والمنشأ بالذات. وأمّا التفكيك بين الاعتبار والمعتبر بالعرض أو الإنشاء والمنشأ بالعرض; فلا بأس; لأنّه ليس المُنشأ والمعتبر حقيقةً.

 


(1) وهو قوله: «فإن قلت: على ذلك ينشأ تفكيك الإنشاء من المنشأ...». راجع الكفاية، ج 1، ص 154 بحسب الطبعة المشتملة في الحاشية على تعليقات الشيخ المشكينيّ.

  صفحه 394  

 

 
  صفحه 395  

 

 

 

 

 

الواجب المعلّق والمنجّز

ومنها: تقسيمه إلى معلّق ومنجّز.

والأصل في هذا التقسيم هو صاحب الفصول (1)، حيث يرى: أنّ القيد قد يكون راجعاً إلى الوجوب، فيكون الواجب واجباً مشروطاً، وقد يكون راجعاً إلى الواجب بحيث يترّشح التحريك نحوه، فيكون الواجب واجباً مطلقاً منجّزاً، وقد يكون راجعاً إلى الواجب بحيث لا يترشّح التحريك نحوه: إمّا لكونه غير مقدور، أو لكون الدخيل هو وجوده الاتّفاقيّ والصدفتيّ، فيكون الواجب واجباً معلّقاً، فبرغم أنّه يثبت الوجوب قبل تحقّق الشرط; لأنّ الشرط لم يكن شرطاً للوجوب لا يحرّك نحو الشرط، ففي الحقيقة الواجب المعلّق عند صاحب الفصول هو واجب مشروط عند الشيخ الأعظم ، إلاّ أنّ الشيخ الأعظم افترض قيد اتّصاف الفعل بالملاك قيداً للواجب على ما نسب إليه، لذا يرد عليه: أنّ ذلك يستلزم ترشّح الشوق إلى هذا القيد، مع أنّ قيد الاتّصاف يستحيل ترشح الشوق إليه، بل قد يكون مبغوضاً، ولكن صاحب الفصول يعترف بأنّ قيود الاتّصاف كلّها ترجع إلى الوجوب، وإنّما يقصد: أنّ قيود ترتّب الملاك على الفعل هي التي تؤخذ في


(1) كلامه منقول في الكفاية، ج 1، ص 160 بحسب الطبعة المشتملة في الحاشية على تعليقات الشيخ المشكينيّ.

  صفحه 396  

الواجب: تارةً بنحو يترشّح إليه التحريك، واُخرى بنحو لا يترشّح إليه التحريك; لعدم اختياريّته: إمّا بمعنى خروجه عن القدرة، أو بمعنى أخذ وجوده الاتّفاقيّ.

وهذا التقسيم الثلاثيّ لا إشكال في تعقّله في مرحلة الملاك ومرحلة الإرادة والشوق، فالقيد قد يكون قيداً لاتّصاف الفعل بالملاك، أو الإرادة والشوق على تفسير لتقيّد الإرادة به الذي عرفت رجوعه ـ في الحقيقة ـ إلى إرادتين: مطلقة ومشروطة، وهذا يصبح قيداً في الواجب المشروط، وقد يكون قيداً لترتّب الملاك، فيكون قيداً لذي الملاك، أو المراد والمشتاق إليه، ويكون اختياريّاً تارةً، وغير اختياريّ بأحد المعنيين تارةً اُخرى، فالأوّل في الواجب المنجّز، والثاني في الواجب المعلّق، ولا يرد عليه إشكال لزوم ترشّح الشوق إليه إذا كان قيداً للمراد والمشتاق إليه، وكان أمراً غير اختياريّ; إذ لا بأس بالاشتياق إلى أمر غير اختياريّ، وإنّما الكلام يقع في معقوليّة الواجب المعلّق وعدمها فيما بعد مراحل الملاك والإرادة من مراحل الحكم، حيث قد يقال بعدم معقوليّة الواجب المعلّق لأحد إشكالين:

الإشكال الأوّل: وهو المهمّ: أنّ القيد غير الاختياريّ الذي فرض قيداً للواجب: إن فرض قيداً للوجوب أيضاً ولو بنحو الشرط المتأخّر، ولذا كان الوجوب فعليّاً وإن كان الواجب استقباليّاً، فإنّ هذا نتيجة أخذه شرطاً متأخّراً للوجوب، لا شرطاً مقارناً له، فقد رجع إلى الواجب المشروط، ولم يصبح قسماً آخر في مقابل الواجب المشروط، غاية الأمر: أنّ الواجب المشروط قد يكون مشروطاً بشرط مقارن، وقد يكون مشروطاً بشرط متأخّر، وإن لم يفرض قيداً للوجوب، ولذا كان الوجوب فعليّاً وإن كان الواجب استقباليّاً، لزم ترشّح التحريك نحوه، بينما هو أمر غير اختياريّ، فمثلا لو وجب عليه من أوّل الغروب الصوم المقيّد بطلوع الفجر من دون أن يكون طلوع الفجر شرطاً متأخّراً للوجوب، فهذا

 
  صفحه 397  

معناه التحريك من أوّل الغروب نحو الصوم المقيّد بقيد خارج عن الاختيار، وهذا غير معقول.

والجواب: أنّه يوجد عندنا هنا ـ في الحقيقة ـ قيدان: قيد طلوع الفجر، وقيد الحياة والقدرة على الصوم على تقدير الطلوع، فالقيد الثاني الذي مرجعه إلى قضيّة شرطيّة لابدّ من أخذه قيداً في الوجوب ولو بنحو الشرط المتأخّر; لأنّ المولى لا يمكنه أن يضمن للمكلّفين ثبوت هذا القيد خارجاً. وأمّا القيد الأوّل، فحيث إنّ بإمكان المولى أن يضمن للمكلّفين ثبوته خارجاً ما لم تقم القيامة، فمن الجائز أن يوجب المقيّد من دون أن يأخذ القيد قيداً للوجوب، ولا يلزم من ذلك التحريك نحو غير المقدور، فإنّ الأمر بالمقيّد لو كان ـ في الحقيقة ـ أمراً بذات المقيّد وبالتقيّد وبالقيد، لزم الأمر بغير المقدور; لأنّ القيد غير مقدور، ومجرّد ضمان تحقّقه لا يجعله مقدوراً، ولا يصحّح الأمر به، لكن الأمر بالمقيّد ـ في الحقيقة ـ أمر بذات المقيّد وبالتقيّد، وذات المقيّد مقدور بلا إشكال، والتقيّد يكون مقدوراً في إحدى حالتين: الاُولى: أن يكون القيد مقدوراً، والثانية: أن يكون القيد مضمون التحقّق خارجاً، وقد فرضنا الثانية في المقام، فالواجب بلحاظ قيد القدرة على تقدير طلوع الفجر يرجع إلى الواجب المشروط، وأمّا بلحاظ قيد طلوع الفجر ليس من اللازم رجوعه إلى الواجب المشروط; لأنّ هذا قيد ليس في معرض أن يتحقّق وأن لا يتحقّق كقيد القدرة على تقدير الطلوع، وإنّما هو قيد يمكن ضمان تحقّقه، ومع ضمان تحقّقه لا يلزم التحريك نحو غير المقدور، فإنّه مع ضمان تحقّقه يكون المقيّد مقدوراً، فلا تحريك نحوه، وإنّما التحريك نحو المقيّد المقدور المنحلّ إلى ذات المقيّد وإلى التقيّد، وكلاهما مقدوران.

نعم، لو كان الأمر بالصوم عند الفجر من أوّل الغروب دالاًّ على الفوريّة، صحّ أن يقال: إنّ الصوم عند الفجر غير مقدور الآن، فلا يعقل الأمر به، لكن الأمر إنّما يدلّ

 
  صفحه 398  

على مطلوبيّة متعلّقه في عمود الزمان، لا بنحو الفور، والصوم عند الطلوع في عمود الزمان مقدور مادام الطلوع شيئاً مضمون التحقّق.

نعم، القدرة التي هي غير مضمونة التحقّق لابدّ من تقييد الوجوب بها; إذ لولاه لكان الوجوب شاملا بإطلاقه صورة عدم القدرة، أو الحياة، وهذا تكليف بغير المقدور.

فتحصّل: أنّ فرض الواجب في مقابل مثل قيد الزمان واجباً معلّقاً لا يرد عليه هنا الإشكال الأوّل.

الإشكال الثاني: صيغته الإجماليّة لزوم الانفكاك بين الإرادة التشريعيّة والمراد.

ويمكن توضيح ذلك بأحد تقريبين:

التقريب الأوّل: ما أشار إليه صاحب الكفاية ناسباً له إلى بعض معاصريه(1)، وأوضحه المحقّق الإصفهانيّ (2)، وحاصله عبارة عن مجموع مقدّمتين:

1 ـ إنّ المراد بالإرادة التكوينيّة لا يتخلّف عن الإرادة التكوينيّة، وليس هذا بمعنى: أنّ الإنسان فعّال لما يريد، وليس يعجز عن شيء، بل بمعنى: أنّه حيث يعجز عن شيء ولا يقدر عليه لا يريده، والإرادة لا تأتي إلاّ عند تماميّة تمام ما هو دخيل في تحريك عضلاته.

2 ـ إنّ الإرادة التشريعيّة على وزان الإرادة التكوينيّة، فكما يستحيل انفكاك


(1) راجع الكفاية، ج 2، ص 161 بحسب الطبعة المشتملة في الحاشية على تعليقات المشكينيّ.

(2) راجع نهاية الدراية، ج 1، ص 73 ـ 76 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ففيها توضيح المقدّمة الاُولى.

  صفحه 399  

الإرادة التكوينيّة عن المراد كذلك يستحيل انفكاك الإرادة التشريعيّة عن المراد، فإذن لا يمكن أن تكون الإرادة التشريعيّة مطلقة وثابتة من حين الغروب، ويكون المراد مقيّداً بطلوع الفجر، فتكون الإرادة فعليّة دون المراد.

ولنرجع إلى كلّ واحدة من المقدّمتين لنرى البيان التفصيليّ لها، فنقول:

المقدّمة الاُولى: أنّ الإرادة التكوينيّة لا يمكن أن تنفكّ عن المراد. وتوضيح ذلك: أنّ جسم الإنسان تارة يتحرّك كتحرّك الحجر والماء حركة ناشئة من أسباب خارجيّة بلا ربط للنفس الإنسانيّة المدبّرة بذلك، وهذه هي الحركة غير الاختياريّة، وهي خارجة عن محلّ الكلام، فإنّنا نتكلّم في الحركات الاختياريّة، واُخرى يتحرّك بالتحريك الذي يتميّز به الإنسان عن الجمادات، وهو التحريك الناشئ ممّا أودعه الله سبحانه في جسم الإنسان من قوّة عضليّة منبثّة في الجسم، تثير الجسم وتحرّكه، وهذا التحريك من شؤون النفس البشريّة في مرتبة القوى العضليّة المنبثّة في الجسم، فإنّ للنفس البشريّة مراتب، منها هذه المرتبة. وهذا التحريك لا يكفي في حصوله مطلق الشوق; إذ نرى وجداناً أنّه قد يحصل الشوق بمرتبة ضعيفة مبتلاة بمانع، فلا يؤثّر، كما أنّه لا يمكن أن ينشأ هذا التحريك من الأسباب الخارجيّة، وإلاّ لكان خلف نفسانيّته، وإنّما ينشأ من أسباب نفسيّة، وبهذا اختلف عن تحرّك الجماد، فالمؤثّر والفاعل في ذلك لابدّ أن يكون نفسانيّاً، وليس هو مطلق الشوق كما بيّنّا، فلابدّ أن نلتزم أنّ المقتضي لهذا التحريك الذي هو من شؤون مرتبة القوى العضليّة هو الشوق بدرجة خاصّة يمكننا أن نصطلح عليها لتسهيل العبارة بالشوق الكامل.

والشوق أيضاً يكون من الاُمور النفسانيّة، وهو في مرتبة القوى النفسانيّة التي تكون أعلى من مرتبة القوى العضليّة والجسميّة، فيكون تحريك العضلات بملاك تأثير أمر نفسانيّ في أمر نفسانيّ.

 
  صفحه 400  

والمدّعى: أنّه حينما لا يوجد تحرّك العضلات لم يوجد الشوق الكامل; لأنّه إذا وجد الشوق الكامل ولم يوجد متعلّقه، فهذا لا يخلو من أحد احتمالات كلّها غير معقولة:

1 ـ كون ذلك من باب انفكاك المعلول عن العلّة، وهو مستحيل.

2 ـ كونه من باب عدم تحقّق المقتضي، بأن نفرض المقتضي أمراً خارجيّاً كنزول المطر أو هبوب الرياح مثلا، لا الشوق النفسانيّ.

وهذا أيضاً باطل; لأنّ العضلات لا تأتمر لغير النفس، ولا تتأثّر بغير مؤثّر نفسانيّ، ونزول المطر مثلا أو هبوب الرياح إن حرّك الجسم الإنسانيّ، كان ذلك من قبيل تحريك الحجر، وقد قلنا: إنّ هذا خارج عن محلّ الكلام.

3 ـ أن يقال بأنّ المقتضي للتحريك العضليّ موجود، وهو الشوق الكامل، ولكن الشرط غير موجود; لأنّ الشرط هو طلوع الفجر مثلا، وهو غير موجود.

وهذا أيضاً ساقط; لأنّ الشرط: إمّا متمّم لفاعليّة الفاعل، أو لقابليّة القابل، وكلاهما غير صحيح: أمّا الأوّل، فلأنّ متمّم فاعليّة الفاعل هو الذي يحصّصه، من قبيل أن يقال: إنّ الملاقاة متمّمة لفاعليّة النار; لأنّها من عوارض النار وشؤونها، وتحصّص النار إلى نار ملاقية ونار غير ملاقية، فالنار الملاقية هي التي تحرق، وأمّا في المقام فطلوع الفجر ليس من عوارض الفاعل، وهو الشوق الكامل وشؤونه، وأمّا الثاني، فلأنّ القابل هو القوى العضليّة، وهي بالفعل قابلة لأن تتحرّك، إذن فيستحيل أن لا تتحرّك.

والمقدّمة الثانية: أنّ الإرادة التشريعيّة كالإرادة التكوينيّة، فهي أيضاً لا تنفكّ عن المراد، وليس المقصود بذلك: أنّ كلّ إرادة تشريعيّة لابدّ أن يوجد مرادها، وإلاّ لما وجد عاص في العالم، وما أكثر العصاة، وإنّما المقصود: أنّ الإرادة التشريعيّة نقطة الضعف فيها عن الإرادة التكوينيّة إنّما هي: أنّ الإرادة التكوينيّة

 
  صفحه 401  

محرّكة رأساً لنفس المريد نحو المراد بلا واسطة، بينما الإرادة التشريعيّة تتوجّه إلى تحريك غير المريد نحو المراد، فهذا الواسطة قد يتخلّف في المقام; لعدم كونه منقاداً، وهذا الضعف ينجبر بفرض الكلام في العبد المنقاد تمام الانقياد، ففي هذا الفرض تصبح الإرادة التشريعيّة كالإرادة التكوينيّة لا يعقل انفكاكها عن المراد، وفي الواجب المعلّق تكون الإرادة فعليّة عند الغروب مثلا، والمراد لا يكون فعليّاً إلاّ عند طلوع الفجر في مثال وجوب صوم النهار من أوّل الليل.

وهذا التقريب برغم إصرار المحقّق الإصفهانيّ (1) عليه لا يرجع إلى محصّل; فإنّه يرد عليه: أنّنا نفترض تأخّر المراد عن الإرادة وتخلّفه عنها; لفقدان الشرط الذي هو متمّم لقابليّة القابل، فطلوع الفجر شرط متمّم لقابليّة العضلات للتحريك. وقولك: إنّ قابليّة العضلات للتحرّك تامّة إنّما يكون صحيحاً بلحاظ مطلق التحرّك، ولكنّنا نفترض: أنّ الشوق قد تعلّق بحصّة خاصّة من التحرّك، وهو التحرّك عند الفجر، وقابليّة العضلات لهذه الحصّة من التحرّك غير تامّة عند الغروب.

نعم، لو فرض تعلّق الشوق بالتحرّك العضليّ على الإطلاق، صحّ ما مضى من أنّ قابليّة العضلات للتحرّك تامّة من حين الغروب، فهذا البرهان مجاله هو في طول كون الشوق متعلّقاً بالتحرّك العضليّ على الإطلاق، لا بتحرّك مقيّد بقيد غير مقدور وغير حاصل الآن، فيستحيل أن يكون برهاناً على عدم هذا التقيّد.

وبكلمة أدقّ نقول: إنّ المستحيل ـ كما يعترف به المحقّق الإصفهانيّ نفسه وسائر الفلاسفة  ـ إنّما هو تخلّف الشوق الكامل النفسانيّ عن متعلّق له يكون أيضاً


(1) لعلّ هذا التقريب يمكن استنباطه من بحوث في الاُصول للشيخ الإصفهانيّ ، ص 59 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم. وتفصيل المقدّمة الاُولى والإصرار عليها موجود في نهاية الدراية، ج 2، ص 73 ـ 76 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.

  صفحه 402  

فعلا نفسانيّاً محضاً، دون ما لو لم يكن كذلك، فهذا لا يكون برهاناً على استحالة انفكاك الإرادة التشريعيّة عن المراد، فإنّه إذا كان متعلّق الشوق أمراً طبيعيّاً خارجيّاً، إلاّ أنّه مسبّب توليديّ لحركة العضلات، أو كان مزيجاً من فعل نفسانيّ وغيره، بأن قيّد تحريك العضلات بقيد خارجيّ كطلوع الفجر، فلا استحالة في تخلّف الشوق الكامل عن متعلّقه; لأنّ متعلّقه الخارجيّ أو قيد متعلّقه الخارجيّ يخضع لقوانين طبيعيّة خارجة عن اختيار النفس، فلو تعلّقت الإرادة التشريعيّة بالاحتراق الذي يتأخّر مثلا ـ بحسب العوامل الطبيعيّة ـ عن إلقاء الورقة في النار الذي هو فعل النفس، أو تعلّقت بالصوم المقيّد بطلوع الفجر، وقيده الذي هو طلوع الفجر يخضع لعوامل خارجيّة، وليس تحت اختيار النفس، فأيّ استحالة في تخلّف الشوق عن المشتاق إليه؟!

التقريب الثاني: ما ذكره المحقّق الإصفهانيّ في تعليقته على الكفاية(1)، من أنّ مطلق الشوق ليس هو الإرادة، وإنّما الشوق يكون إرادة إذا وصل إلى درجة تحرّك العضلات، فالإرادة التكوينيّة عبارة عن الشوق الواصل إلى درجة تحرّك عضلات الفاعل نحو الفعل، والإرادة التشريعيّة عبارة عن الشوق الواصل إلى درجة تحرّك عضلات المولى نحو بعث العبد إلى الفعل، وعليه فإيجاد الباعث من قبل المولى شرط أساس للإرادة التشريعيّة، ومادام لم يصل شوقه إلى درجة أن يحرّكه نحو إيجاد الباعث، لم تتمّ الإرادة التشريعيّة، وبما أنّ الباعثيّة مع الانبعاث متضايفان، فالإرادة المولويّة التي لا تنفكّ عن إيجاد الباعث لا تنفكّ أيضاً عن انبعاث العبد، إلاّ أنّ المقصود من إيجاد الباعث ليس هو إيجاد الباعث الفعليّ، وإلاّ


(1) ج 2، ص 76 ـ 79 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، وراجع (بحوث في الاُصول) للشيخ الإصفهانيّ، ص 59 ـ 60 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  صفحه 403  

لما انفكّ عن الانبعاث الفعليّ; لكونهما متضايفين، في حين أنّه يحصل الانفكاك عن الانبعاث الفعليّ في العاصي دائماً، وإنّما المقصود إيجاد ما يمكن أن يكون باعثاً، وإمكان الباعثيّة لا ينفكّ ـ  بحكم التضايف  ـ عن إمكان الانبعاث، إذن فالإرادة المولويّة لا يمكن أن تنفكّ عن إمكان الانبعاث، وفي الواجب المعلّق يكون الانبعاث نحوه قبل تحقّق شرط الواجب الذي هو طلوع الفجر مثلا في الصوم غير ممكن، ولا يمكن الانبعاث إلاّ حين تحقّق الشرط، إذن لا يمكن البعث إلاّ حين تحقّق الشرط، وبالتالي لا يمكن الإرادة المولويّة إلاّ حين تحقّق الشرط.

وهذا البيان غير صحيح حلاًّ ونقضاً:

أمّا الحلّ: فيتّضح بشيء من التحليل والتعمّق فيما ذكره: من أنّ الشوق التشريعيّ لا يكون إرادة تشريعيّة، إلاّ إذا وصل إلى حدّ يحرّك عضلات المولى نحو البعث، فإنّه لا ينبغي أن يكون المراد بذلك تفسير كلمة الإرادة بمعناها اللغويّ، أو العرفيّ، أو الفلسفيّ; إذ لا شغل لنا بذلك، وإنّما ينبغي أن يكون المراد تعيين ما هو موضوع حكم العقل لوجوب الامتثال، فيقال: إنّ موضوع حكم العقل لوجوب الامتثال ليس هو مطلق شوق المولى حتّى ما لم يصل إلى مرتبة تحريك عضلات المولى نحو ما بيده من مقدّمات المطلب، وهو الحكم والخطاب، فإنّ العقل غاية ما يوجب على العبد في مقام العبوديّة أن تكون عضلاته وقواه بمنزلة عضلات المولى وقواه، فالشوق الذي لا يحرّك عضلات المولى نحو إبرازه بداعي تحقيق الغرض لا يجب أن يحرّك العبد نحو تحقيق المطلوب، فالشوق الذي يجب على العبد أن يتحرّك وفقاً له إنّما هو الشوق الذي يحرّك عضلات المولى في مقام إبرازه وطلب مقصوده، فإذا عرفنا أنّ هذه هي نكتة اشتراط وصول الشوق إلى حدّ التحريك في الإرادة التشريعيّة، قلنا: إنّ هذه النكتة لا تقتضي اشتراط أن يصدر من المولى ما يمكن أن يكون باعثاً للعبد بالفعل، بل يكفي بلحاظها أن يصدر منه

 
  صفحه 404  

إنشاء يكون في معرض الباعثيّة للعبد في عمود الزمان، فإنّ هذا المقدار كاف لحكم العقل على العبد بالانبعاث في وقت الواجب، سواء كان باعثاً بالإمكان فعلا، أو لا.

وأمّا النقض: فهو ما التفت إليه المحقّق الإصفهانيّ نفسُه في تعليقته على الكفاية(1)، من إمكان النقض بموارد الواجب المنجّز المقيّد بفعل زمانيّ لابدّ أن يقع قبله، كما لو أمر بالصلاة المقيّدة بوقوع الوضوء قبلها، فالواجب لم يقيّد بالزمان المتأخّر، فهو منجّز، والوجوب فعليّ في أوّل آنات الزمان، مع أنّ الوجوب لا يمكن أن يكون باعثاً فعلا على الصلاة; إذ الانبعاث فعلا نحو الصلاة المقيّدة بالوضوء غير معقول، وإنّما المعقول أن ينبعث أوّلا نحو الوضوء، ثُمّ ينبعث نحو الصلاة.

وأجاب عن هذا النقض بأنّ المقصود من إمكان الانبعاث الذي جعلناه شرطاً في تحقّق الإرادة المولويّة إنّما هو الإمكان الوقوعيّ.

وتوضيح ذلك: أنّ الإمكان عندهم له عدّة أقسام وإطلاقات، فيوجد الإمكان الذاتيّ في مقابل الامتناع الذاتيّ، ويوجد الإمكان الغيريّ، ويوجد الإمكان الوقوعيّ.

والفرق بين الإمكان الوقوعيّ والإمكان الغيريّ هو: أنّ الميزان في الإمكان بالغير والامتناع بالغير هو وجود علّة الشيء وعدمه، فثبوت ولد لزيد الذي لم يتزوّج إلى الآن ممتنع بالغير; لعدم وجود علّته، والميزان في الإمكان الوقوعيّ هو أن لا يلزم من وقوعه أمر محال، أي: أن تكون علّته ممكنة سواء وجدت أو لا، فثبوت ولد لزيد الذي لم يتزوّج ممكن بالإمكان الوقوعيّ; لأنّ علّته وهي الزواج


(1) ج 2، ص 77 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.

  صفحه 405  

مثلا ممكن وإن لم يقع، ولكن ثبوت الولد لله سبحانه ممتنع بالامتناع الوقوعيّ; لاستحالة علّته في حقّه تعالى، لاستحالة أن يتجسّم الباري بنحو من أنحاء التجسّم.

إذا عرفت ذلك قلنا: إنّ المحقّق الإصفهانيّ ذكر: أنّ المراد من إمكان الباعثيّة والانبعاث في المقام هو الإمكان الوقوعيّ، وهو غير ثابت في مثال إيجاب صوم النهار من أوّل الليل; إذ يلزم من وقوع صوم النهار في أوّل الليل أمر مستحيل بالذات; إذ لو وقع الصوم بلا قيده، فليس هو المطلوب، ولو وقع مع قيده، لزم اجتماع الزمانين المتأخّر والمتقدّم دفعة واحدة، ولكن الصلاة في أوّل الوقت بالنسبة لهذا الشخص ليست مستحيلة بالاستحالة الوقوعيّة، وإنّما هي مستحيلة بالغير; لأنّ الوضوء ليس أمراً مستحيلا، إلاّ أنّه بعدُ لم يقع.

ثُمّ التفت في حاشيته على الحاشية(1) إلى أنّ الوضوء وإن كان أمراً ممكناً في عمود الزمان، لكن لا يمكن وقوعه مع الصلاة دفعة واحدة; لكونهما تدريجيّين، فوقوعهما في آن واحد مستحيل استحالة وقوعيّة، ويوجب الخلف والتناقض، فبالتالي وجود الصلاة في آن الوضوء مستحيل استحالة وقوعيّة، فلا يمكن الانبعاث ولا البعث، ومن هنا بَدَّلَ الجواب بجعل الميزان هو الإمكان الوقوعيّ إلى الإتيان بمعنىً جديد للإمكان، وهو الإمكان الاستعداديّ، وفسّره بكون القوى العضليّة تامّة القابليّة للتحرّك نحو الشيء، وتامّة التهيّؤ والاستعداد في مقابل أن تكون قواه مشلولة مثلا، فذَكَر: أنّ الإنسان في أوّل الوقت يمكنه الصلاة المقيّدة بالوضوء بمعنى الإمكان الاستعداديّ، أي: أنّ قوى العضلات لا نقص فيها في مقام التحرّك نحو القيد وهو الوضوء، ولا نحو المقيّد وهو الصلاة، غاية ما


(1) راجع نفس المصدر تحت الخطّ، ص 77 ـ 78.

  صفحه 406  

هناك: أنّ خروج ما بالإمكان وبالقوّة إلى الفعل يكون بالتدريج، فأوّلا يخرج الإمكان والقوّة إلى الفعل في الوضوء، ثُمّ في الصلاة، وأمّا في مثل صوم النهار، فالإمكان الاستعداديّ له في أوّل الليل غير موجود; لأنّ القوى العضليّة ناقصة، وعاجزة عن إيجاد القيد بأن تحرّك الفلك وتُخرِج الفجر، وبالتالي عاجزة عن إيجاد المقيّد بهذا القيد الخارج عن إمكانها واستعدادها.

أقول: إنّ هذا الكلام أيضاً لا يسمن ولا يغني من جوع; إذ لا دخل للإمكان الاستعداديّ في التكليف أصلا، وإلاّ فماذا تقولون في إنسان مشلول لا يقدر على المشي، لكنّه يقدر على علاج نفسه؟ ألا يمكن للمولى أن يأمره بالمشي بأن يصبح علاج نفسه مقدّمة وجوديّه للواجب؟! وهل ترى: أنّ أمره بالمشي يجب أن يكون مشروطاً ببرئه وعلاج نفسه بأن يصبح العلاج مقدّمة وجوبيّة؟!

من الواضح وجداناً إمكانيّة إيجاب المشي عليه بحيث يصبح العلاج مقدّمة وجوديّة للواجب(1).

وقد تحصّل بكلّ ما ذكرناه: إمكان الواجب المعلّق في قيد يمكن للمولى ضمان حصوله، كقيد طلوع الفجر وأمثاله من حركات الزمان.


(1) يمكن للمحقّق الإصفهانيّ أن يغيّر الجواب أيضاً، فيقول: لابدّ أن يكون الانبعاث نحو المتعلّق، أي: باتّجاهه ممكناً، والانبعاث نحو المقدّمة انبعاث نحو ذي المقدّمة، بمعنى الانبعاث باتّجاهه، فإذا توقّفت الصلاة على الوضوء مثلا صحّ الأمر بالصلاة; لأنّ الأمر بالصلاة بعثٌ نحو الصلاة بمعنى إيجاد ما يمكن أن يكون باعثاً باتّجاه الصلاة، والتحرّك نحو مقدّمة الصلاة تحصيلا لإمكانيّة الصلاة كي يصلّي بعد ذلك نوع اتّجاه نحو الصلاة، وهذا بخلاف الواجب المعلّق المقيّد بقيد استقباليّ خارج عن القدرة; فإنّ وجوبه قبل تحقّق قيده لا يمكن أن يحرّك العبد نحو الواجب وباتّجاهه حتّى بالتحرّك نحو القيد; لأنّه غير مقدور بحسب الفرض، فالمهمّ هو الجواب الحلّيّ.

  صفحه 407  

 

تنبيهات

بقي التنبيه على اُمور:

 

المقدّمات المفوّتة:

الأمر الأوّل: في المقدّمات المفوتة التي لأجلها دخلوا في بحث الواجب المشروط والمعلّق، وهي مقدّمات الواجب المشروط قبل تحقّق شرطه، حيث قالوا: لا يمكن ترشّح الوجوب إليها; إذ ترشّح الوجوب إلى المقدّمة فرع وجوب ذي المقدّمة وتابع له، وقبل تحقّق الشرط ليس الوجوب فعليّاً، ومن هنا وقع الإشكال فيما ثبت فقهيّاً، أو قيل بثبوته من الوجوب في بعض المقدّمات المفوّتة من قبيل الغسل قبل الفجر في نهار شهر رمضان، فبحثوا ذلك بحثاً ثبوتيّاً، أي: في كيفيّة تخريجه بعد فرض ثبوت دليل إثباتيّ عليه فقهيّاً.

ولهذه المشكلة أجوبة عديدة نتكلّم فيها واحداً بعد واحد.

الجواب الأوّل: الالتزام بالواجب المعلّق، فهو وجوب فعليّ قبل الشرط متعلّق بالمادّة المقيّدة بالشرط، كوجوب صوم النهار من أوّل الغروب، فلا غرو في ترشّح الوجوب على المقدّمة قبل الشرط; لفعليّته قبله.

وهذا الجواب يتوقّف على اُمور ثلاثة:

1 ـ كون القيد من القيود المعلومة التحقّق عند المولى في حقّ تمام المكلّفين; لما مضى من عدم إمكان الواجب المعلّق في غير هذه الصورة; للزوم التكليف بغير المقدور.

2 ـ كونه من قيود الترتّب محضاً دون الاتّصاف; إذ لو كان من قيود الاتّصاف لم يكن مقتض لإطلاق الوجوب لفرض عدمه، فلابدّ من رجوع القيد إلى الوجوب ولو بنحو الشرط المتأخّر، ويخرج عن الواجب المعلّق.

 
  صفحه 408  

3 ـ إمكان الشرط المتأخّر، فإنّه وإن لم يكن وجوب الصوم مشروطاً بطلوع الفجر مثلا; لأخذه قيداً في الواجب محضاً، لكنّه مشروط بالحياة والقدرة على تقدير الطلوع كما مضى; لأنّ هذا القيد ليس محرزاً للمولى في حقّ المكلّفين، ولا مقدوراً للمكلّف حتّى يمكن أخذه في الواجب دون الوجوب.

وهذه الاُمور الثلاثة كثيراً ما تتمّ، وحينما تتمّ يتمّ هذا الوجه.

الجواب الثاني: ما ذكره صاحب الكفاية من الالتزام بالشرط المتأخّر، فوجوب الصوم فعليّ من حين الغروب مشروط بشرط متأخّر وهو الطلوع(1).

وهذا لا يتوقّف على الأمر الأوّل; لإمكان تقييد الوجوب بقيد لم يحرز المولى تحقّقه، ولا على الأمر الثاني; لإمكان افتراضه قيداً للاتّصاف إلى جنب كونه قيداً للترتّب، لكنّه قيد لاتّصاف صوم النهار بالمصلحة من أوّل الليل، كما أنّه من المعقول أيضاً كونه من قيود الترتّب، أي: ترتّب المصلحة على الفعل محضاً دون أن يكون قيداً لاتّصاف الفعل بالمصلحة، ومع ذلك يؤخذ شرطاً في الوجوب; لكونه غير مقدور مع عدم فرض ضمان حصوله; لما مضى من أنّ أخذ القيد في الوجوب: إمّا أن يكون باعتبار كونه قيداً للاتّصاف، أو باعتبار كونه غير مقدور وإن فرض من قيود الترتّب، لا الاتّصاف.

نعم، تتوقّف فرضيّة الشرط المتأخّر على الأمر الثالث، وهو إمكان الشرط المتأخّر، وعلى عدم مجموع الأمرين الأوّلين; إذ لو كان الشرط غير دخيل في اتّصاف الفعل بالمصلحة، وكان مضمون الحصول، فلا معنى لجعل الوجوب مشروطاً به.

ثُمّ إنّ المحقّق الإصفهانيّ ذكر: أنّ هذين الوجهين، أعني: الجواب بالواجب


(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 166 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات المشكينيّ في حاشيتها.

  صفحه 409  

المعلّق والجواب بالواجب المشروط بالشرط المتأخّر متلازمان في الصحّة والبطلان; لأنّنا إن قلنا باستحالة انفكاك الواجب عن الوجوب بطل الواجب المعلّق، وبطل الشرط المتأخّر أيضاً في المقام; لأنّ المفروض فيه تقدّم الوجوب على الواجب، وإن قلنا بعدم استحالته صحّ كلاهما(1).


(1) هذا التعبير: إمّا لا يخلو من غموض، أو من عدم المطابقة لكلام المحقّق الإصفهانيّ ، ولعلّ الخطأ منّي في التقرير، لا من اُستاذنا الشهيد .

ومفاد كلام المحقّق الإصفهانيّ مايلي: لو آمنّا بإمكان تقدّم الوجوب على زمان الواجب، انحلّت مشكلة وجوب المقدّمة قبل زمان ذيها، فإنّ الوجوب مادام متقدّماً على زمان الواجب يترشّح إلى المقدّمة التي هي متقدّمة على زمان الواجب، وبالإيمان بإمكان تقدّم زمان الوجوب على زمان الواجب صحّ الواجب المعلّق، ولو لم نؤمن بإمكان تقدّم الوجوب على زمان الواجب، فأنكرنا إمكانيّة الواجب المعلّق، فمجرّد فرض كون ذاك القيد المتأخّر شرطاً متأخّراً للوجوب لا يحلّ مشكلة وجوب المقدّمة قبل زمان ذيها; لأنّ المقدّمة التي تكون قبل زمان ذيها تكون قبل زمان الوجوب أيضاً; لافتراض استحالة تقدّم زمان الوجوب على زمان الواجب، فكيف يترشّح الوجوب إليها؟! فمجرّد الإيمان بالشرط المتأخّر لا يغنينا في حلّ مشكلة المقدّمات المفوّتة مع فرض دعوى استحالة الواجب المعلّق(1) .

والواقع: أنّ هذا الكلام إنّما يتمّ فيما لو كان دليلنا على استحالة الواجب المعلّق أنّ تقدّم الوجوب على الواجب يستلزم انفكاك الإرادة عن المراد، أو البعث عن إمكانيّة الانبعاث، وهو مستحيل، أ مّا لو كان دليلنا على استحالته أنّ سحب القيد غير المقدور من الوجوب إلى الواجب يستلزم الأمر بغير المقدور; لأنّ الواجب مقيّد بقيد غير مقدور، فهذا


(1) راجع نهاية الدراية، ج 2 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ص 86 و 89، التعليقةرقم 38، ورقم 42.

  صفحه 410  

وهذا الكلام ينظر إلى بعض براهين استحالة الواجب المعلّق، وهو برهان لزوم انفكاك الواجب عن الوجوب. أمّا لو برهن على استحالة الواجب المعلّق بدعوى لزوم الأمر بغير المقدور، فهذا لا يأتي في الشرط المتأخّر.

وعلى أيّ حال، فقد ظهر: أنّ كلا هذين الوجهين موقوف على إمكان الشرط المتأخّر.

والصحيح على ما مضى: إمكان الشرط المتأخّر، بل يمكن أن يقال: إنّ بعض براهين امتناع الشرط المتأخّر لا يأتي في المقام، وهو برهان استحالة تأثير الشرط المتأخّر في الملاك المتقدّم، فإنّه يمكن دفعه في المقام بافتراض: أنّ طلوع الفجر ليس من قيود الاتّصاف، وإنّما هو من قيود ترتّب المصلحة بنحو القيد المقارن، وإنّما أخذه المولى شرطاً لضيق الخناق حتّى لا يلزم التكليف بغير المقدور.

هذا، وقد يقال في المقام بأنّ الشرط المتأخّر مستحيل حتّى لو قلنا بإمكانه في غير المقام، فيبطل كلا الجوابين.


يعني: أنّنا إنّما اصطلحنا بالواجب المعلّق على الواجب الذي تأخّر قيده الخاصّ بالواجب من دون أن يكون قيداً للوجوب، ويكون علاج المقدّمات المفوّتة عندئذ بعد فرض استحالة الواجب المعلّق بهذا الدليل التسليم بالشرط المتأخّر، كي يكون ذاك القيد قيداً للوجوب أيضاً حتّى يخرج عن كونه تحت الأمر والبعث، فلا يلزم الأمر بغير المقدور.

هذا، ولعلّ النزاع بين الشيخ الإصفهانيّ واُستاذنا الشهيد يدور في مصطلح الواجب المعلّق، فيسمّي الشيخ الإصفهانيّ كلّ واجب تقدّم وجوبه على زمان الواجب بالواجب المعلّق، ولكن اُستاذنا الشهيد يقصد بالواجب المعلّق أن يكون القيد الاستقباليّ قيداً للواجب فحسب، لا للوجوب ولو بنحو الشرط المتأخّر.

  صفحه 411  

وتوضيح ذلك: أنّه في الفروض المتعارفة من الشرط المتأخّر يفرض أنّ زمان الوجوب وزمان الواجب متقارنان، وكلاهما متقدّم على زمان الشرط، فكنّا نحلّ مشكلة تأثير الشرط المتأخّر في توليد الاحتياج في الزمان المتقدّم بافتراض: أنّ الشرط المتأخّر يؤثّر في توليد الاحتياج في وقته، لا في وقت سابق عليه، إلاّ أنّ المحتاج إليه هو سنخ شيء لا يمكن تحصيله في وقت الحاجة، فيأمر المولى بتحصيله قبله، أو أنّ المحتاج إليه عبارة عن الجامع بين الحصّة التي تُحصَّل في وقت الحاجة والحصّة التي تُحصَّل قبله، فالمولى يقدّم الوجوب حتّى يكون المكلّف حرّاً في إيجاد أيّ واحدة من الحصّتين قضاءً لحقّ إطلاق اتّصاف الفعل بالملاك من ناحية الحصص، وأمّا فيما نحن فيه، فالمفروض أنّ زمان الواجب مقارن لزمان الشرط، وإنّما المتقدّم هو زمان الوجوب فحسب، فالمولى قد أوجب من أوّل الغروب مثلا صوم النهار، فلو كان طلوع الفجر شرطاً للوجوب، إذن فهو دخيل في تحقّق الاحتياج إلى الصوم، ولا يمكن فرضه دخيلاً في تحقّق الاحتياج إلى الصوم من أوّل الغروب، وإلاّ لزم تأثير المتأخّر في المتقدّم، فهو إنّما يولّد الاحتياج إلى الصوم من حينه، ولا مبرّر لتقديم الوجوب عليه; إذ المبرّر لذلك كان عبارة عن أنّ المحتاج إليه إنّما هو الحصّة السابقة، أو الجامع بين الحصّة السابقة والحصّة المقارنة، في حين أنّ المحتاج إليه في المقام إنّما هو الحصّة المقارنة للشرط، وهو صوم النهار، فلا معنى لتقديم الوجوب.

والجواب: أوّلا: أنّه في المقام أيضاً نفترض: أنّ طلوع الفجر يولّد في وقته حاجة مقارنة له إلى حصّة لا يمكن للعبد تحصيلها حينه، كالصوم المقيّد بالغُسل من أوّل آناته، فيقدّم المولى الوجوب حتّى يسعى العبد إلى تحصيل تلك الحصّة من قبل الفجر ولو بتحصيل قيدها، وهو الغسل، فتقديم الوجوب في المقام روحه هو نفس روح تقديم الوجوب على الشرط في الموارد التي يكون الواجب أيضاً مقدّماً عليه.

 
  صفحه 412  

وثانياً: أنّه كان لنا افتراض آخر أيضاً لتصوير إمكان الشرط المتأخّر يأتي في المقام، وهو افتراض: أنّ الحاجة ثابتة من أوّل الأمر، ولكن الشرط المتأخّر أثره هو أنّه لولا تحقّقه في وقته تتولّد من إشباع تلك الحاجة مفسدة أهمّ من فائدة الإشباع، ففي المقام أيضاً يفترض: أنّ الاحتياج إلى صوم النهار فعليّ من أوّل آنات الغروب، بحيث لو كان من الممكن إيجاد صوم النهار من أوّل آنات الغروب، لكان المولى يرضى بذلك، إلاّ أنّ إشباع هذه الحاجة بالصوم في النهار مع عدم تحقّق طلوع الفجر في وقته ـ  لو أمكن  ـ يولّد مفسدة أشدّ، ولذا جعل طلوع الفجر شرطاً متأخّراً للوجوب.

الجواب الثالث: يمكن تقديمه لشخص يرى استحالة الواجب المعلّق والمشروط بالشرط المتأخّر كالمحقّق النائينيّ ، وهو أن يقال: إنّ متعلّق الوجوب النفسيّ الثابت من أوّل الغروب هو سدّ بعض أنحاء عدم صوم النهار، فإنّ وجود الصوم واحد لا يتجزّأ، لكن لعدمه حصّص متعدّدة بعدد أسباب العدم، فيلتزم بوجوب فعليّ لسدّ باب العدم من غير ناحية طلوع الفجر، وهو متوقّف على الغُسل مثلا، فيترشّح منه وجوب مقدّميّ على الغُسل، فوجوب سدّ بعض أبواب العدم فعليّ مطلق، لا يحتاج إلى الشرط المتأخّر، وهو طلوع الفجر، ولا إلى القدرة حين طلوع الفجر، كما لا يرد إشكال انفكاك الإرادة عن المراد الذي اُورد على الواجب المعلّق; لأنّ المراد هو نفي لبعض الأعدام معاصر لزمان الوجوب.

وهذا الوجه متوقّف على أن لا يكون طلوع الفجر من قيود الاتّصاف.

الجواب الرابع: بعد الاعتراف بكون طلوع الفجر من قيود الاتّصاف، وبكونه شرطاً للوجوب بنحو الشرط المقارن يقال في مقام الجواب على الإشكال بأنّنا نتصوّر الوجوب المشروط بالنحو الذي مضى عن المحقّق العراقيّ : من أنّ وجود الوجوب فعليّ قبل تحقّق الشرط، ولكن الموجود تقديريّ ومشروط، فقبل

 
  صفحه 413  

تحقّق الشرط قد وجد الوجوب المشروط، والشرط ـ في الحقيقة ـ في نظر المحقّق العراقيّ عبارة عن الوجود اللحاظيّ والتقديريّ الذي هو ثابت من أوّل الأمر، ولهذا يكون الوجوب ثابتاً من أوّل الأمر، فإذا كان وجود الوجوب فعليّاً قبل تحقّق الشرط، فلا بأس بترشّح الوجوب منه إلى المقدّمات المفوّتة.

ويرد عليه: أنّ الوجوب الذي يترشّح من هذا الوجوب المشروط إلى المقدّمات المفوّتة أيضاً يكون مشروطاً ـ لا محالة ـ بطلوع الفجر تبعاً لوجوب ذيها، وكلامنا الآن في أنّ هذا الوجوب المشروط لئن كان لا يحرّك نحو متعلّقه في طرف ذي المقدّمة قبل تحقّق الشرط، فكيف صار يحرّك في طرف المقدّمة نحو المقدّمة قبل تحقّق الشرط؟!

والوجوب المشروط على مذهب المحقّق العراقيّ وإن كان فعليّاً قبل تحقّق الشرط بفعليّة الوجود اللحاظيّ للشرط، لكن فاعليّته منوطة بتحقّق الشرط على ما مضى من المحقّق العراقيّ ، فالوجوب المشروط للمقدّمات المفوّتة لا يحرّك نحو إيجاد المقدّمات المفوّتة.

وسرّ المطلب هو: أنّ وجود الوجوب وإن كان فعليّاً، ولكن الوجوب الموجود ليس وجوباً مطلقاً، وإنّما هو وجوب تقديريّ ومشروط، وإذا كان تقديريّاً، فلا يؤثّر إلى أن يصبح المقدّر عليه موجوداً بالوجود الخارجيّ.

ولا أقصد بذلك: أنّه إذا صار المقدّر عليه موجوداً في الخارج، خرج الوجوب من التقديريّة إلى الفعليّة بأن يكون للوجوب عالمان: عالم التقديريّة، وعالم الفعليّة، وإنّما أقصد بذلك: أنّه إذا صار المقدّر عليه موجوداً في الخارج، تمّت الفاعليّة للوجوب.

وهذه الأجوبة الأربعة كانت تحاول تصحيح المقدّمات المفوّتة عن طريق افتراض فعليّة الوجوب لذي المقدّمة قبل وقت الواجب: إمّا بنحو الواجب المعلّق،

 
  صفحه 414  

أو بنحو الشرط المتأخّر، أو بنحو وجوب سدّ بعض أبواب العدم، أو بدعوى: أنّ للوجوب المشروط نوع فعليّة قبل الشرط.

الجواب الخامس: يفترض فيه عدم إمكان فعليّة وجوب ذي المقدّمة قبل تحقّق الشرط بشكل من الأشكال، ويفترض فيه: أنّ الشرط ليس من قيود اتّصاف الفعل بالمصلحة، وإنّما هو من قيود ترتّب المصلحة على الفعل، إذن فالملاك والإرادة فعليّان قبل تحقّق الشرط وإن لم يمكن توجّه الخطاب; لاستحالة المعلّق والشرط المتأخّر مثلا، ونفترض: أنّ المولى تصدّى لإبراز فعليّة الملاك والإرادة ولو بنحو الإخبار، وحينئذ فالعقل يحكم بوجوب المقدّمات المفوّتة; لأنّ العقل يرى: أنّ الملاك والإرادة اللذين اهتمّ المولى بإبرازهما بالقدر الممكن له من الاهتمام لابدّ من إنجازهما خارجاً، بل بالإمكان أن يقال بترشّح الوجوب الشرعيّ أيضاً إلى المقدّمة بناءً على وجوب مقدّمة الواجب; وذلك لأنّ وجوب المقدّمة ليس ـ في الحقيقة ـ معلولا لوجوب ذيها كما اشتهر على الألسن، وإنّما هما معاً معلولان لفعليّة ملاك ذي المقدّمة، والمفروض: أنّه فعليّ من أوّل الأمر، وإنّما لم يؤثّر في وجوب ذي المقدّمة من أوّل الأمر لمحذور المعلّق والشرط المتأخّر، ولكن هذا المحذور غير موجود بلحاظ المقدّمة.

الجواب السادس: نفرض: أنّه قبل الشرط لا ملاك ولا إرادة ولا خطاب، ولكنّنا نقول: إنّه لو ترك الغسل قبل الفجر إلى أن طلع الفجر، فهو وإن لم يعصِ الخطاب بالصوم; إذ لا خطاب قبل الفجر، وهو عند الفجر عاجز لا يتوجّه إليه الخطاب، لكن بالإمكان افتراض فعليّة الملاك حين الفجر ولو كان عاجزاً عن الصوم لترك الغسل، فإنّ الملاك ليس من الضروريّ اشتراطه بالقدرة كالخطاب، وعليه فإذا ترك الغسل، فقد صدر منه تفويت الملاك، وهو لا يجوز لمجموع مقدّمتين:

 
  صفحه 415  

الاُولى: أنّ هذا تفويت اختياريّ للملاك، فإنّه وإن كان حين طلوع الفجر عاجزاً عن الصوم الصحيح، لكن هذا العجز نشأ بالاختيار، والامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.

والثانية: أنّ التفويت الاختياريّ للملاك الملزم الذي تصدّى المولى لإبرازه بالقدر الممكن قبيح، كالتفويت الاختياريّ للخطاب الملزم.

وهذا الجواب صحيح بعد فرض عدم تمكّن المولى من حفظ هذا الملاك بخطاب آخر معلّق أو مشروط أو غيره، حتّى يكون ملاكاً أبرزه بالقدر الممكن.

وهذا الوجه هو الذي ذهب إليه المحقّق النائينيّ والسيّد الاُستاذ دامت بركاته، على خلاف بينهما في أنّه: هل يمكن أن يستكشف بذلك الوجوب الشرعيّ للمقدّمات المفوّتة أيضاً، أو لا يثبت به إلاّ الوجوب العقليّ؟

فذكر المحقّق النائينيّ : أنّه يستكشف بذلك الوجوب الشرعيّ للمقدّمات المفوّتة(1).

ولكن السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ ذكر: أنّ استكشاف الحكم الشرعيّ بوجوب المقدّمة المفوّتة بهذا الوجه يكون بالنظر إلى قاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، بينما هذه القاعدة إنّما تكون في الأحكام العقليّة التي ليست في طول حكم المولى ومولويّته، فحكم العقل بقبح الظلم مثلا يستكشف منه حكم الشرع بالحرمة، أمّا حكم العقل بقبح معصية المولى، فلا يستكشف منه حرمة المعصية، فإنّ حكم الشرع في هذا المورد لغو صِرف. وما نحن فيه من هذا القبيل،


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 150 ـ 151، و ص 156 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ ، وراجع فوائد الاُصول، ج 1، ص 198، و ص 202 ـ 204.

  صفحه 416  

فإنّ حكم العقل بقبح تفويت الملاك المولويّ يكون على حدّ حكم العقل بقبح معصية المولى(1).

أقول: الظاهر: أنّ مقصود المحقّق النائينيّ ليس هو إثبات الحكم الشرعيّ بوجوب المقدّمات المفوّتة على أساس قاعدة الملازمة بين حكم العقل بقبح تفويت الملاك المولويّ وحكم الشرع، حتّى يورد عليه هذا الإشكال، وإنّما مقصوده استكشاف الحكم الشرعيّ من نفس الملاك المولويّ(2)، فإنّه بعد أن كان للمولى ملاك في صوم النهار، وسوف يصبح فعليّاً عند طلوع الفجر، فلابدّ من حفظه تشريعاً، وحيث إنّ الأمر عند الطلوع بالصوم لا يكفي لحفظه التشريعيّ على كلّ تقدير، لعجزه عنه لو لم يغتسل قبل الفجر، فلابدّ من متمّم للحفظ التشريعيّ بالأمر بالمقدّمة المفوّتة، ومنه يظهر: أنّه لا يرد إشكال اللغويّة، فإنّ حال هذا الخطاب كخطاب (صم)، كلاهما ناشئان من منشأ واحد، وهو الملاك، وكلّ منهما يحفظ حيثيّة من حيثيات الملاك، ولولا الحفظ التشريعيّ لم يجب على العبد التحرّك; لأنّ العبد لا يجب عليه التحرّك إلاّ بمقدار تحركّ المولى للحفظ التشريعيّ.

هذه وجوه ستّة لحلّ مشكلة المقدّمات المفوّتة إذا استثنينا الرابع منها الذي عرفت النقاش فيه، فكلّها صحيحة على وفق منهج البحث عند الأصحاب.

إلاّ أنّه ينبغي تغيير منهج البحث، وطرح منهج آخر، ومبنيّاً عليه نقيّم من جديد


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 151، تحت الخطّ بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ ، وراجع المحاضرات للفيّاض، ج 2 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف، ص 360 ـ 362.

(2) لا يخفى: أنّ عبائر التقريرين في كون المقصود هذا أو ذاك مضطربة ومتضاربة، فراجع.

  صفحه 417  

ما صحّ من هذه الوجوه على منهجهم، أعني: ما عدا الوجه الرابع.

وتوضيح ذلك: أنّ شبهة المقدّمات المفوّتة لا تختصّ بالأغراض التشريعيّة، بل تشمل الأغراض التكوينيّة أيضاً، فكثيراً ما يكون للإنسان محبوب تكوينيّ محدود بزمان، وهو يهيّء مقدّمته قبل الوقت; لعلمه بعجزه عنها حينه، وهذا شأن العاقل في كثير من أطواره وحياته، فيقال: كيف صار الأمر كذلك مع أنّ هذا العاقل قبل الوقت لا يحتاج إلى ذلك المحبوب المتأخّر، ولا يريده، فلماذا يهتمّ بمقدّماته؟!

فإذا فرضنا: أنّ المولى لو كان الغرض التشريعيّ الذي أمر به غرضاً تكوينيّاً له، لم يكن يهتمّ بالإتيان بمقدّماته المفوّتة، يبقى إشكال المقدّمات المفوّتة في هذا الغرض التشريعيّ بلا حلّ; إذ لا معنى للزوم كون العبد أكثر حرارة من المولى في تحصيل غرضه.

وبكلمة اُخرى: إنّ المولى كما لا يهتمّ تكويناً بالمقدّمات المفوّتة لهذا الغرض لو كان تكوينيّاً، كذلك لا يهتمّ تشريعاً بها حينما كان الغرض تشريعيّاً، وإذا فرضنا: أنّ هذا الغرض لو كان تكوينيّاً لكان يهتمّ بمقدّماته المفوّتة تكويناً، فمن الطبيعيّ أنّه حينما كان تشريعيّاً يهتمّ العبد بمقدّماته المفوّتة، ويهتمّ المولى بتحصيلها تشريعاً، فيجب أن ننظر: ما هو السرّ في اهتمام المولى بالمقدّمات المفوّتة لو كان غرضه تكوينيّاً؟

وبناءً على هذا المنهج من البحث نرجع إلى الوجوه الخمسة التي صحّت من الأجوبة على منهج الأصحاب; لنرى ما دورها في المقام؟ فنقول:

أمّا التمسّك بالواجب المعلّق، وبوجوب سدّ بعض حصص العدم، وبدعوى: أنّ الخطاب مقيّد بطلوع الفجر، لكن الإرادة فعليّة قبل طلوع الفجر، فمرجع هذه الوجوه الثلاثة إلى دعوى: أنّ الظرف الاستقباليّ قيد للترتّب، لا الاتّصاف، وإنّ شوقه وحبّه فعليّ من أوّل الأمر، وغير منوط بطلوع الفجر، بحيث لو أمكنه جرّ

 
  صفحه 418  

الفلك وتحقيق الفجر الآن لصنع، وعليه، فالمقدّمات المفوّتة تكون معاصرة للإرادة، وليست مفوّتة بلحاظها، وهذه النكتة المشتركة وهي ثبوت الإرادة بذي المقدّمة سابقاً يمكن إسراؤها إلى الغرض التكوينيّ.

إلاّ أنّ هذا الحلّ لا يكفي; لوضوح وجوب المقدّمات المفوّتة حتّى فيما كان من الواضح كونه قيداً للاتّصاف، ففي مثل الصوم حيث إنّ ملاك تشريعه غامض لدى الفقيه أمكن له افتراض كون الإرادة فعليّة من أوّل الأمر، ولكن تعالوا إلى الملاكات العرفيّة التي ندركها، فهل المسافر الذي يعلم أنّه سيعطش في سفره، فيحمل معه الماء الآن يكون عطشه قيداً للترتّب دون الاتّصاف، بحيث لو أمكنه أن يعطّش نفسه الآن لصنع؟! طبعاً لا، فلماذا يحمل الماء؟

فإذن، هذه النكتة مجرّد افتراض لا يفسّر الواقع.

وأمّا الجواب بالشرط المتأخّر، فأيضاً لا يحلّ المشكلة بعد طرحها بهذا النحو، فمثلا كان تصويرنا للشرط المتأخّر: أنّ الحاجة وإن كانت متأخّرة، ولكن حيث إنّ المولى يعلم أنّ العبد سوف لن يقدر على إشباعها في وقت الحاجة يقدّم الإيجاب، ولكنّنا نقول هنا: إنّ نفس تقديم الإيجاب تحفّظ تكوينيّ من قبل المولى على المقدّمات المفوّتة، ونحن قد نقلنا المشكلة إلى محطّها الأصليّ، ونقلنا الكلام إلى نفس المولى، ونريد أن نرى: لماذا يهتمّ بالمقدّمات المفوّتة تكويناً، فهذا الوجه لا يمسّ روح المشكلة.

بقي الوجه الأخير القائل بأنّ العبد يحكم عليه العقل بالتحفّظ على الملاك الاستقباليّ للمولى، وهذا أيضاً لا يفيد بعد تحويل المشكلة إلى محطّها الأصليّ، فإنّنا نتكلّم في حقّ نفس المولى، وأنّه لماذا يهتمّ بالمقدّمات المفوّتة في غرضه التكوينيّ، وفي هذا الموطن لا يوجد امتثال وعبوديّة حتّى يقال: إنّ العقل يحكم على العبد بوجوب التحفّظ على الملاك الاستقباليّ للمولى، وإنّما نريد أن نرى: أنّه

 
  صفحه 419  

هل هناك نكتة لتحفّظ المولى على المقدّمات المفوّتة لغرضه، أو لا؟ فإن وجدت نكتة لذلك، انحلّت المشكلة من أساسها، وإلاّ فلا مبرّر للزوم اهتمام العبد بالمقدّمات المفوّتة، فهذا الوجه أيضاً لا يمسّ روح المشكلة.

فتحصّل: أنّ هذه الوجوه الخمسة بعضها لا يمسّ روح المشكلة أصلا، وهو الجواب بالشرط المتأخّر، وبحكم العقل بلزوم التحفّظ على الملاكات الاستقباليّة للمولى، وبعضها يمسّ روح المشكلة، لكنّه ليس جواباً وافياً بحلّها، وهو الجواب بالواجب المعلّق وبإيجاب سدّ بعض أبواب العدم، وبدعوى: أنّ الخطاب مقيّد بطلوع الفجر، ولكنّ الإرادة فعليّة قبله، فهذه الوجوه الثلاثة ـ كما عرفت ـ ترجع إلى نكتة مشتركة، وهي كون القيد الاستقباليّ قيداً للترتّب، لا الاتّصاف، وكون إرادة ذي المقدّمة فعليّة من أوّل الأمر، فهذا يبرّر ـ  لا محالة  ـ اهتمام المولى تكويناً بالمقدّمات المفوّتة لغرضه; إذ يفرض: أنّ غرضه فعليّ الآن، فهذا يمسّ أصل المشكلة، لكن ليس جواباً وافياً; إذ نرى وجداناً في الأغراض العقلائيّة أنّه كثيراً ما يكون القيد الاستقباليّ قيداً للاتّصاف، ومع ذلك يهتمّ العاقل في ذلك بالمقدّمات المفوّتة لغرضه.

وهناك مسلكان كلّ منهما يمسّ روح المشكلة، ويفي أيضاً بحلّ الإشكال لو صحّ المسلك في نفسه، إلاّ أنّه في نفسه غير صحيح:

أحدهما: المسلك الذي نسب إلى الشيخ الأعظم في الواجب المشروط من: أنّ قيود الاتّصاف دائماً تكون قيداً في المراد دون الإرادة.

فعلى هذا المسلك تكون الإرادة فعليّة من أوّل الأمر دائماً، فمن الطبيعيّ تحرّك المولى تكويناً نحو المقدّمات المفوّتة، ومن الطبيعيّ حينئذ وجوبها على العبد شرعاً، وتحرّك العبد نحوها، إلاّ أنّ هذا المسلك باطل على ما برهنّا عليه في بحث الواجب المشروط.

 
  صفحه 420  

وثانيهما: مسلك المحقّق العراقيّ الذي يقول: إنّ قيد الاتّصاف قيد للإرادة، ولكن بوجوده اللحاظيّ والتصوّريّ الثابت من أوّل الأمر.

فهذا المسلك يعني: أنّ إرادة شرب الماء مثلا فعليّة قبل العطش; لأنّها دائرة مدار تصوّر العطش، إذن فلا بأس بتحريكها نحو المقدّمات المفوّتة للغرض التكوينيّ.

وهذا البيان تارةً نطبّقه على عالم الجعل والإيجاب، كما صنعناه حينما كنّا نتكلّم وفق منهج الأصحاب، فنقول: إنّ الوجوب مقيّد بلحاظ القيد وتصوّره، فوجوده فعليّ، إلاّ أنّ الموجود هو الوجوب التقديريّ.

وقد مضى أنّ هذا لو تمّ، لا يحلّ المشكلة في المقام; وذلك لأنّ الوجوب تقديريّ قبل تحقّق الشرط خارجاً كتقديريّة الجزاء في القضايا الشرطيّة المشرّعة على نهج القضيّة الحقيقيّة، ويبقى تقديريّاً حتّى بعد وجود الشرط خارجاً، خلافاً للجزاء في القضايا الشرطيّة التكوينيّة الذي يصير فعليّاً عند تحقّق شرطه; وذلك لأنّنا لم نقبل وجود عالمين للحكم الشرعي: عالم التقدير، وعالم الفعليّة، فإذن الذي يتوقّف على تحقّق الشرط خارجاً، ويقابل فعليّة الجزاء في القضايا التكوينيّة إنّما هو فاعليّة الجزاء لا فعليّته، وإذا كانت فاعليّته متوقّفة على تحقّق الشرط، فوجوب المقدّمات المفوّتة الذي هو أيضاً مشروط ـ لا محالة ـ بالشرط المتأخّر الذي اشترط به وجوب ذي المقدّمة ليست له فاعليّة، إلاّ عند تحقّق الشرط خارجاً، فلم تنحلّ المشكلة.

أمّا هنا، فنحن نتكلّم في نفس إرادة المولى التكوينيّة، والإرادة يختلف حالها عن الوجوب، ففي الوجوب يمكن افتراض: أنّ المولى يوجد وجوباً تقديريّاً بحيث يكون الموجود بالوجود الفعليّ هو الوجوب التقديريّ، لا الفعليّ. وأمّا الإرادة، فلا يعقل فيها وجود إرادة تقديريّة، بأن يكون وجودها فعليّاً ونفس

 
  صفحه 421  

الإرادة تقديريّة، بل الإرادة: إمّا فعليّة موجودة أو غير موجودة(1)، وحينئذ نقول:


(1) لا يخفى: أنّ المحقّق العراقيّ لا يؤمن بمرحلة بين عالم الاشتياق والإرادة وعالم الإبراز اسمه عالم الأحكام والجعل، أو الإيجاب والتحريم مثلا، بل يرى: أنّ جعل الأحكام التكليفيّة لا معنى لها، إلاّ مجرّد إبراز الاشتياق كما صرّح بذلك في المقالات،
ج 1، ص 311، وهو يرجع القيد والإناطة في باب الواجب المشروط إلى نفس الشوق والإرادة، فيفترض: أنّ الشوق الفعليّ في الواجب المشروط عبارة عن شوق منوط بذلك الشرط ومقيّد به، كما هو صريح نهاية الأفكار والمقالات، ولكن برغم ذلك يرى أنّ فعليّة هذا الشوق والإرادة قبل تحقّق الشرط هي التي تحلّ مشكلة المقدّمات المفوّتة، ويجمع في نهاية الأفكار بين التصريح بذلك والتصريح بانفكاك فاعليّة الإرادة المنوطة عن فعليّتها، وأنّ فاعليّتها في التحريك نحو المتعلّق تتأجّل لحين تحقّق الوجود الخارجيّ للشرط(1) .

والجمع بين هذين التصريحين غريب، فإنّه متى ما فرض تأخّر فاعليّة الإرادة المنوطة عن فعليّتها بسبب تأخّر المنوط به كيف يفترض: أنّ نفس تلك الإرادة أو ما نشأت منها من إرادة المقدّمة والتي ستكون منوطة بنفس ما اُنيطت به إرادة ذي المقدّمة تكون لها الفاعليّة نحو المقدّمة قبل تحقّق المنوط به؟!

وعلى أيّ حال، فبناءً على الإيمان بمرحلة الجعل كمرحلة وسطيّة بين مرحلة الإرادة والشوق من ناحية، وبين الإبراز من ناحية اُخرى لا مبرّر للتفصيل بين مرحلة الإرادة ومرحلة الوجوب في تعقّل الجمع بين الفعليّة والتقديريّة في الوجوب دون الإرادة، فإنّ المحقّق العراقيّ لا يقصد بالتقديريّة عدا المنوطيّة والتعلّق.

وعلى أيّ حال، فإن فسّرت التقديريّة بمعنىً يقابل الفعليّة، بطل الجمع بينهما في الوجوب وفي الإرادة، وإن فسّرت بمعنى تقييد الإرادة وتحصيصها بإرادة منوطة، وادّعي


(1) راجع نهاية الأفكار، ج 1، ص 298 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  صفحه 422  

إنّ الإرادة مادامت هي فعليّة وموجودة لوجود شرطها الذي هو الوجود اللحاظيّ للشرط تكون محرّكة ـ لا محالة ـ نحو المقدّمات المفوّتة، ففاعليّتها تامّة من سائر الجهات، إلاّ من الجهة التي فرضت الإرادة منوطة بوجودها اللحاظيّ، وهي العطش مثلا، فإرادة الماء المنوطة بالعطش ـ  التي في روحها تكون عند المحقّق العراقيّ منوطة بلحاظ العطش  ـ لا تحرّك نحو إيجاد العطش، فهذا القصور من النتائج التكوينيّة لإناطة الإرادة بلحاظ العطش، أمّا بلحاظ سائر الجهات ففاعليّتها تامّة.

فهذا المسلك لو صحّ يمسّ أيضاً روح البحث، ويعالج النكتة، إلاّ أنّه مسلك غير صحيح كما بيّنا سابقاً; إذ مجرّد تصوّر العطش لا يوجب الشوق إلى شرب الماء، بل لابدّ من العطش حقيقة أو إحرازاً.

أمّا البيان الذي يمسّ روح المشكلة، ويفي بالحلّ، ويكون صحيحاً بناءً ومبنىً، فهو الذي مضى في الواجب المشروط: من انحلال الإرادة المشروطة إلى إرادتين.

وتوضيحه: أنّه تارةً يفرض في قيد الاتّصاف: أنّ القدرة في حين وجود القيد دخيلة أيضاً في الاتّصاف، وحينئذ لا يهتمّ صاحب الغرض بالمقدّمات المفوّتة; إذ غاية الأمر عجزه في الوقت عن العمل المقصود، وهذا لا يضرّه ولا يزعجه; إذ مع عجزه لا حاجة ولا اتّصاف حسب الفرض، واُخرى يفرض عدم دخل القدرة حينه في الاتّصاف، كما في مثال العطش وشرب الماء، وحينئذ توجد ـ لا محالة ـ في نفسه إرادتان:


إمكان ذلك في الإرادة برغم فعليّتها، أمكن في الوجوب، ولو ادّعي عدم إمكان ذلك في الإرادة، لم يمكن أيضاً في الوجوب، فإنّ الوجوب أو الإيجاب ليس إلاّ جعلا واعتباراً يحاكي في طوره طور الإرادة التشريعيّة من تقيّد أو إطلاق، وفعليّة أو عدم فعليّة.

  صفحه 423  

إحداهما: إرادة الجزاء كشرب الماء، وهي إرادة منوطة بالشرط أو بإحرازه، فقبل العطش لا إرادة لشرب الماء; لعدم وجود ملائمة بين مزاجه وشرب الماء، بل قد توجد منافرة تامّة لمزاجه عن شرب الماء.

والثانية: إرادة الجامع بين عدم الشرط ووجود الجزاء، ففي مثال العطش هو يريد من أوّل الأمر الجامع بين أن لا يعطش أو يشرب الماء، فإنّ مزاجه من أوّل الأمر ملائم لهذا الجامع، ولعدم تلك الحصّة من العطش المقترنة مع عدم شرب الماء، فينقدح في نفسه من إرادة هذا الجامع إرادة مقدّماته، وحمل الماء قبل السفر حينما يعلم بالعطش في السفر مقدّمة لذلك; إذ هو يعلم أنّه لو لم يحمل الماء لفقد كلا فردي الجامع في السفر، فهذا هو الذي يحرّكه نحو ادّخار الماء.

هذا في الإرادة التكوينيّة، وإذا اتّضح الأمر فيها، اتّضح في الإرادة التشريعيّة أيضاً، فإنّ العبد في الإرادة التشريعيّة يصبح كأنّه نفس المولى في الإرادة التكوينيّة له، فيتحرّك نحو المقدّمات المفوّتة، وتوجّه إرادة المولى التشريعيّة نحو الجامع تبعثه نحو حفظه للمقدّمات المفوّتة حفظاً تشريعيّاً.

فتحصّل: أنّ جوهر المطلب هو: أنّ الإشكال كان ناشئاً من أنّ إرادة الجزاء قبل الشرط أو إحرازه ليست فعليّة، وهذا غفلة عن إرادة الجامع بين الجزاء وعدم الشرط، فإنّها إرادة فعليّة من أوّل الأمر، وهذه الإرادة الفعليّة تحرّك المولى نحو حفظ المقدّمات المفوّتة في كلّ غرض بالنحو المناسب له، أي: حفظها تكويناً في التكوينيّات، وتشريعاً في التشريعيّات.

وهناك تفنّن في صياغة الحفظ التشريعيّ: فتارةً يكون بجعل وجوب الصوم من أوّل الأمر، لا من الفجر، واُخرى بإيجاب المقدّمات المفوّتة، فهذه كلّها صياغات للحفظ التشريعيّ، وروح المطلب ما عرفت.

هذا هو جوهر المطلب في مقام الجواب، وهذا الجوهر يتعلّق به نكات ثانويّة لابدّ من توضيحها، فنقول:

 
  صفحه 424  

إنّ إرادة الجزاء ـ وهو شرب الماء مثلا ـ التي تتحقّق عند حصول الشرط ـ وهو العطش ـ التي هي إرادة تعيينيّة هل هي عبارة عن تطوّر نفس إرادة الجامع التي هي إرادة تخييريّة، وكانت ثابتة قبل حصول الشرط، أو هما إرادتان مستقلّتان بنكتتين مستقلّتين، وليست إحداهما تطوّراً للاُخرى وامتداداً لها؟

قد يقال بالثاني، وذلك بتقريب:

إنّ الشوق إلى شرب الماء شوق نفسانيّ جسديّ وحياتيّ لا يختلف فيه الإنسان من الحيوان، بينما الشوق إلى الجامع شوق عقلانيّ مبنيّ على التبصّر والتأمّل في حفظ الحياة، لا شوق نفسانيّ حياتيّ جسديّ; ولذا لا يوجد في الحيوان، فهاتان إرادتان مستقلّتان بنكتتين مختلفتين.

إلاّ أنّ هذا الكلام غير صحيح، بل الصحيح: أنّه لا توجد عندنا نكتتان لهاتين الإرادتين والشوقين، بل نكتتهما واحدة.

وتوضيح ذلك: أنّ كلا فردي الجامع، وهما: عدم الابتلاء بالعطش حدوثاً، وشرب الماء عند الابتلاء به ـ في الحقيقة ـ مقدّمة لمحبوب نفسيّ، وهو الارتواء، فالشوق النفسيّ والإرادة النفسيّة متعلّقة بالارتواء، وحيث إنّ ما يتوصّل به عملا إلى هذا المحبوب النفسيّ هو أحد فردي الجامع، فلا محالة يترشّح شوق غيريّ إلى الجامع، وحيث إنّ ما يتوصّل به عملا إلى هذا المحبوب النفسيّ بعد فقد الفرد الأوّل إنّما هو الفرد الثاني، وهو شرب الماء، فلا محالة ينقلب الشوق من الجامع إلى ذلك الفرد، فهذان الشوقان كلاهما بنكتة واحدة، وهي نكتة المقدّميّة إلى المحبوب النفسيّ الواحد، وهو الارتواء، غاية ما هناك: أنّ المقدّمة كانت عبارة عن الجامع، فاشتاق إلى الجامع، ثُمّ تحوّلت المقدّميّة عملا إلى أحد الفردين، فتحوّل الاشتياق إلى ذلك الفرد، ولسيا شوقين بنكتتين مستقلّتين.

وهذا الكلام سيّال في كلّ موارد الإرادة المشروطة، فوراء كلّ إرادة مشروطة

 
  صفحه 425  

إرادة مطلقة متعلّقة بالجامع بين الجزاء وعدم الشرط، ووراء مجموع الإرادتين إرادة نفسيّة متعلّقة بشيء يكون كلّ من الجزاء وعدم الشرط فرداً من فردي مقدّمته، وتكون هاتان الإرادتان غيريّتين، فإنّ عدم الشرط وفعل الجزاء يوصلان إلى شيء واحد، هو المحبوب بالذات.

وقد يقال في مقام الإشكال على ذلك: إنّ الشوق إذا تعلّق بجامع لا يتحوّل من الجامع إلى الفرد بمجرّد فقدان أحد الفردين وخروجه عن قدرته، بل يبقى شوقاً إلى الجامع وتخييريّاً، غاية الأمر: أنّه بحسب العمل الخارجيّ سوف يختار الفرد المقدور طبعاً، وانحصار فرد المطلوب في فرد معيّن شيء، وتحوّل المطلوبيّة من الجامع إلى ذلك الفرد شيء آخر، والأوّل لا يستلزم الثاني، فإذا افترضنا: أنّ الإرادة الثانية تطوّر للإرادة الاُولى، يرد الإشكال بأنّه: لماذا تحوّلت الإرادة من كونها متعلّقة بالجامع وتخييريّة إلى كونها متعلّقة بالفرد وتعيينيّة في حين أنّه لو افترضنا: أنّهما إرادتان مستقلّتان بنكتتين مستقلّتين، لا يرد هذا الإشكال.

والجواب: أنّ الشوق إلى الجامع إن كان شوقاً نفسيّاً، فنكتته تكمن في نفس الجامع، وبخروج أحد فرديه عن القدرة لا يتحوّل الشوق من الجامع إلى ذلك الفرد، كما أنّه باستحالة جميع أفراده لا يزول الشوق نهائيّاً، فمن يشتاق اشتياقاً نفسيّاً إلى زيارة أحد أصدقائه لو استحالت عليه زيارتهم جميعاً، بقى الشوق ثابتاً في نفسه، لا يجد دون الوصول إلى ما يشتاقه سبيلا، ولو استحالت عليه زيارة بعضهم والمفروض: أنّ مصبّ الاشتياق بذاته هو الجامع، لا ينقلب الاشتياق من الجامع إلى الفرد وإن كان يختار خارجاً الفرد الباقي تحت القدرة، ولكن الشوق في موارد الواجبات المشروطة التي نتكلّم عن وجوب مقدّماتها المفوّتة التكوينيّة والتشريعيّة دائماً هو شوق غيريّ لأجل الوصول إلى ملاك معيّن، وهذا الشوق من أوّل الأمر يتعلّق ـ  كما وضّحنا  ـ بالجامع بين الجزاء وعدم الشرط; لأنّ كلاًّ منهما

 
  صفحه 426  

كاف في الوصول إلى ذلك الملاك، وهو الارتواء مثلا في مثال العطش، والنكتة في
ترشّح الشوق الغيريّ إلى المقدّمة من الشوق النفسيّ إلى ذي المقدّمة، إنّما هي كون المقدّمة هي الطريق العمليّ للوصول إلى المحبوب النفسيّ، فلو استحال على الإنسان كلّ أفراد المقدّمة، أصبح الشوق إلى المقدّمة بلا معنى; لأنّها ليست طريقاً عمليّاً للوصول إلى محبوبه، وتمنّي وجود المقدّمة المستحيلة لكي يصل إلى محبوبه النفسيّ لا مبرّر له، بل يكتفي في تمنّي المستحيلات بتمنّي نفس المحبوب ابتداءً، ولو استحال عليه بعض أفراد المقدّمة، تحوّل ـ لا محالة ـ شوقه الغيريّ من الجامع إلى الفرد الآخر; لأنّ النكتة في الاشتياق إلى المقدّمة هي كونها الطريق العمليّ للوصول إلى المحبوب، والآن قد أصبح الطريق العمليّ للوصول إلى المحبوب عبارة عن أحد فردي الجامع بعينه، دون الجامع على سبيل التخيير بين فرديه، فحينما كان الطريق العمليّ للوصول إلى المحبوب هو الجامع بين الجزاء وعدم الشرط في نظره اشتاق إلى الجامع، ولكن حينما رأى أنّ أحد الفردين ـ وهو عدم الشرط ـ لا سبيل إليه تحوّل شوقه إلى الفرد الآخر.

ومن هنا يتّضح: أنّ من يعلم من أوّل الأمر بأنّ الشرط ـ  وهو العطش مثلا ـ سوف يتحقّق في المستقبل، فهو من الآن يتعلّق شوقه بالجزاء في ظرفه الاستقباليّ; لأنّه يعلم أنّ الطريق العمليّ في المستقبل إلى محبوبه إنّما هو الجزاء، دون كلا فردي الجامع على سبيل التخيير، فهو من الآن يشتاق إلى شرب الماء حين العطش، وهذا الشوق يجرّه إلى اقتناء الماء وادّخاره(1).


(1) الواقع: أنّ لمشكلة المقدّمات المفوّتة جوابين كافيين لحلّ روح الإشكال حتّى في الإرادة التكوينيّة:

  صفحه 427  


الجواب الأوّل: ما عرفته عن اُستاذنا الشهيد من فعليّة إرادة الجامع بين عدم الشرط ووجود الجزاء، فترشّحت منها إرادة المقدّمة.

والجواب الثاني: أنّنا حتّى لو غضضنا النظر عن إرادة الجامع، أمكننا أن نقول: إنّ شرط الوجوب: إمّا هو من قيود الاتّصاف، ومن الطبيعيّ أن يكون قيد الاتّصاف شرطاً للوجوب. وإمّا هو من قيود الترتّب، وبرغم كونه من قيود الترتّب جعل شرطاً للوجوب; لخروجه عن القدرة مثلا، أو لكونه قيد الاتّصاف أيضاً، أو لكون وجوده الاتّفاقيّ هو الشرط.

فإن كان من قيود الترتّب محضاً، فلا مورد لإشكال المقدّمات المفوّتة فيه; لأنّ الإرادة والشوق سواء كانت تشريعيّة أو تكوينيّة تترشّح على ما هو قيد الترتّب محضاً بلا إشكال، ولو فرض تأخّر الواجب لعجز عنه قبل وقت قيد الترتّب، فمن الطبيعيّ أن تسري إلى المقدّمة المفوّتة.

وإن كان من قيود الاتّصاف محضاً، أو من قيود الاتّصاف والترتّب: فإمّا أن يعلم الشخص حتّى في إراداتها التكوينيّة بتحقّق هذا القيد في حينه، أو يحتمله، أو يقطع بعدمه. فإن علم به أصبحت الإرادة أو الشوق فعليّة بمجرّد العلم; لما مضى عن الشيخ العراقيّ : من أنّ قيد الشوق الذهنيّ إنّما هو أمر ذهنيّ، وهو الوجود اللحاظيّ للشرط، لا بالمعنى الذي فسّر به اُستاذنا كلام الشيخ العراقيّ ، وهو الوجود اللحاظيّ التصوّريّ، بل بمعنى الوجود اللحاظيّ التصديقيّ، فإنّه المفهوم من كلام الشيخ العراقيّ في المقالات، وفي نهاية الأفكار كما مضى، وهذه الإرادة ليست كما في نهاية الأفكار قاصرة عن الفاعليّة قبل تحقّق ذلك الشرط خارجاً; لكون ذاك الوجود اللحاظيّ بما هو حاك عن الخارج وفان فيه شرطاً، فإنّه يكفي قضاءً لحقّ حكايته وفنائه الوجود الخارجيّ لذاك الشرط في وقته وإن لم يوجد الآن، فعدم فاعليّة هذه الإرادة بالنسبة لذات المراد إنّما

  صفحه 428  

 

وجوب التعلّم:

الأمر الثاني: في حال تعلّم الأحكام الذي قد يصبح من المقدّمات المفوّتة.

والكلام في ذلك يقع في عدّة فروض:

الفرض الأوّل: أن يكون عالماً بتكليف فعليّ ثابت عليه الآن كوجوب الصلاة، أو الحجّ، أو غير ذلك، ولكنّه لا يعرف أحكام هذا الواجب من أجزاء وشرائط،


تستند إلى العجز الفعليّ الآن عن المراد ولو باعتبار أنّ ذاك الشرط كان شرطاً مقارناً للترتّب، فلو فعل الفعل قبله، لم يترتّب الهدف المقصود، فإذا أصبح الشوق فعليّاً برغم تأخّر المشتاق إليه، سرى الشوق إلى المقدّمات المفوّتة بلا إشكال، فعدم فاعليّة هذه الإرادة إنّما اختصّت بذي المقدّمة; دون المقدّمة; لأنّ العجز الموقّت إنّما كان عن ذي المقدّمة دون المقدّمة، بل لو ترك المقدّمة الآن لعجز عنها في وقت ذي المقدّمة كما هو المفروض.

وإن لم يعلم بتحقّق الشرط في وقته، ولكن احتمله، قلنا: إن احتمال طروّ الحاجة في وقت متأخّر يخلق في نفس الإنسان الآن احتمال الحاجة إلى المقدّمات المفوّتة، وهذا يكفي ـ  حينما يكون المحتمل مهمّاً بدرجة معيّنة  ـ في خلق الشوق إلى المقدّمة المفوّتة قبل الوقت; لأنّ احتمال الحاجة وصول ذهنيّ ناقص للحاجة، وحينما نقول: إنّ شرط فعليّة الشوق هو وصول الحاجة ووجوده اللحاظيّ التصديقيّ لا نقصد خصوص العلم الحضوريّ، أو الحصوليّ بها، بل نقصد بذلك ما يشمل الوصول الاحتماليّ في مقابل اللحاظ التصوّريّ البحت الذي لا أثر له في خلق الشوق.

وإن علم بأنّ هذا الشرط سوف لن يتحقّق في وقته، فعندئذ لا يوجد في نفسه شوق إلى المقدّمة المفوّتة، فلا يأتي بها، ولم يقل أحد بوجوب المقدّمات المفوّتة لدى العلم بعدم تحقّق الشرط في وقته.

  صفحه 429  

فهل يجب عليه أن يتعلّم، أو لا؟

يوجد لذلك ثلاث صور:

الصورة الاُولى: أن تكون قدرته على فعل الواجب متوقّفة على التعلّم كما هو الحال في الصلاة مثلا، حيث إنّ من لم يتعلّم القراءة ولا يعرفها بوجه من الوجوه، لا يعدّ قادراً على القراءة في الصلاة: إمّا لكثرة محتملاتها إلى حدّ يقطع بأنّه سوف لن تقع منه القراءة بالشكل الصحيح، فهذا بحكم غير القادر، وإمّا لعدم تعلّمه للهجة العربيّة إن كان إنساناً غير عربيّ، فقد يتّفق أنّه غير قادر حقيقة على الأداء بالشكل الصحيح قبل التعلّم، وفي هذه الصورة لا إشكال في أنّ التعلّم أصبح مقدّمة وجوديّة للواجب الفعليّ الآن، ولا إشكال في وجوبه.

الصورة الثانية: أن يكون إحراز الامتثال القطعيّ للتكليف متوقّفاً عليه، دون القدرة على الإتيان بالواجب، كما لو دار أمر الواجب بين محتملات لم يمكن الجمع بينها احتياطاً، ولكن من المحتمل أن يطابق صدفة عمله الواجب الواقعيّ ولو لم يتعلّم، ولم يعرف الواجب الواقعيّ، وهنا لا إشكال أيضاً في وجوب التعلّم; لوجوب الامتثال القطعيّ عقلا، وتوقّف ذلك عليه.

الصورة الثالثة: أن يكون قادراً على إحراز الامتثال القطعيّ من دون تعلّم، وذلك بالاحتياط بالإتيان بكلّ المحتملات، وهنا لا يجب عليه التعلّم، بل هو مخيّر بين التعلّم والاحتياط إحرازاً لما يوجب عليه العقل من الامتثال القطعيّ.

الفرض الثاني: أن يعلم بتكليف سوف يكون فعليّاً عليه، وعند صيرورته فعليّاً عليه تفوته فرصة تعلّم أحكامه، فهل يجب عليه التعلّم قبل الوقت، أو لا؟

وهذا أيضاً توجد له ثلاث صور:

الاُولى: أن تكون قدرته على الفعل متوقّفة على التعلّم، وهذا يدخل في المقدّمات المفوّتة، فيجب التعلّم من باب وجوب المقدّمات المفوّتة.

 
  صفحه 430  

الثانية: أن يكون إحراز الامتثال القطعيّ متوقّفاً على التعلّم دون أصل قدرته على العمل، وهنا أيضاً يجب التعلّم.

وذكر المحقّق النائينيّ : أنّ وجوب التعلّم هنا غير مرتبط بوجوب المقدّمات المفوّتة; إذ بتركه لا يتحقّق في الوقت العجز المسقط للخطاب، وإنّما يثبت وجوب التعلّم هنا من باب حكم العقل بوجوب إحراز الامتثال القطعيّ(1).

والتحقيق: أنّ التعلّم واجب لمجموع أمرين:

1 ـ وجوب إحراز الامتثال القطعيّ عقلا.

2 ـ إنّ هذا الواجب العقليّ له مقدّمة مفوّتة، وهي التعلّم، فيجب من باب وجوب المقدّمات المفوّتة.

وإن شئنا أن نتكلّم بلغة المحقّق النائينيّ في وجوب المقدّمات المفوّتة، قلنا: إنّ إحراز الامتثال القطعيّ واجب عليه عقلا، وهو وإن كان ممتنعاً عليه في الوقت بعد أن ترك التعلّم قبل الوقت، ولكنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، إذن فيجب عليه التعلّم قبل الوقت.

الثالثة: أن يكون قادراً على الاحتياط من دون تعلّم، فيتخيّر بين التعلّم والاحتياط، وإذا ترك التعلّم خارج الوقت، وجب الاحتياط في داخله كما هو واضح.

الفرض الثالث: الشكّ في كبرى التكليف مع إحراز صغراه، كما لو رأى الهلال ولا يدري هل يجب على من رأى الهلال الدعاء الفلانيّ الوارد في الصحيفة السجّاديّة مثلا، أو لا، فهل يجب عليه تعلّم ذلك الدعاء، أو لا؟

من الواضح: أنّ أصل شكّه في وجوب الدعاء يكون من باب الشبهة الحكميّة


(1) راجع فوائد الاُصول، ج 1، ص 205 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وأجود التقريرات، ج 1، ص 155 ـ 157 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ .

  صفحه 431  

التي لا يجوز عدم الاعتناء بها بلا فحص، فيجب عليه أن يفعل أحد أمرين:

الأوّل: أن يتعلّم احتياطاً ذلك الدعاء ويقرأه.

والثاني: أن يفحص عن وجوب الدعاء عند رؤية الهلال وعدمه، فإن لم يثبت الوجوب بعد الفحص، فلا شيء عليه، وإن ثبت وجوبه، دخل تعلّم الدعاء في فرض سابق تكلّمنا عنه.

الفرض الرابع: أن يشكّ في فعليّة صغرى التكليف بعد العلم بكبراه، أو العلم بتنجّزها ولو بالاحتمال قبل الفحص، فهل يجب عليه تعلّم أحكام ذلك التكليف من أجزاء وشرائط، أو لا؟

وهنا يجري استصحاب عدم تحقّق شرط ذلك التكليف الذي شكّ في حصوله، فلا يتنجّز عليه التكليف، وبالتالي لا يجب عليه التعلّم.

الفرض الخامس: أن يحتمل: أنّه سوف تتحقّق في حقّه صغرى تكليف معلومة كبراه، أو منجّزة ولو بالاحتمال قبل الفحص، كما لو احتمل: أنّه سوف يستطيع وهو يعلم بوجوب الحجّ على المستطيع، أو يحتمله احتمالا منجّزاً، فهل يجب عليه تعلّم أحكام الحجّ إذا كان بنحو سوف يعجز عن التعلّم عند الاستطاعة، أو لا؟

قد يتبادر إلى الذهن بدواً: أنّه يجري استصحاب عدم الاستطاعة; إذ لا فرق في حجّيّة الاستصحاب بين الأمر الحاليّ والأمر الاستقباليّ، ومعه لا يجب تعلّم أحكام الحجّ.

إلاّ أنّه يستشكل في ذلك:

تارةً بما عن السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ : من أنّه يعلم إجمالا بوقوع بعض الوقائع له في المستقبل، فلو ترك تعلّم الأحكام المستقبلة، وقع في المخالفة حتماً(1).


(1) راجع المحاضرات للفيّاض، ج 2، ص 373 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

  صفحه 432  

وفيه: أوّلا: أنّه قد يكون العلم الإجماليّ منحلاًّ بعلم إجماليّ صغير، فإنّ الإنسان عادةً يعرف من أوضاعه الخاصّة أنّه ما هي الوقائع القريبة من حياته التي يقوى احتمال ابتلائه بها، وما هي الوقائع البعيدة عن حياته، فقد يتكوّن له علم إجماليّ صغير في دائرة الوقائع القريبة من حياته يساوي معلومه معلوم العلم الإجماليّ في دائرة مطلق الوقائع، فينحلّ به العلم الكبير.

وثانياً: أنّه يمكن فرض عدم مشكلة التعلّم قبل حصول شرط التكليف في كثير من الوقائع; لإمكانه بعد العلم بالتكليف بحصول شرطه، فلا أثر عمليّ لاستصحاب العدم فيها.

واُخرى بما عن السيّد الاُستاذ أيضاً من أنّ وجوب التعلّم وارد في مورد الاستصحاب، فلو تقدّم عليه الاستصحاب، لم يبقَ له مورد(1).

ويرد عليه: أنّ وجوب التعلّم يشمل موارد العلم بأصل واجب كالحجّ مع عدم معرفة أحكامه وخصوصيّاته، في حين أنّه لا معنى هنا للاستصحاب، وكذلك حينما ينحلّ العلم الكبير بالعلم الصغير بالبيان الذي مضى يكون وجوب التعلّم في دائرة العلم الصغير ثابتاً، بخلاف الاستصحاب المبتلى بالتعارض الداخليّ بلحاظ تلك الدائرة.

وثالثة: بما عن المحقّق النائينيّ : من أنّ وجوب التعلّم أثر للشكّ والاحتمال، وليس أثراً للمشكوك حتّى ينتفي باستصحاب عدمه(2).

وهذا الكلام بظاهره غير صحيح، فإنّه لو فرض ورود دليل بلسان وجوب


(1) نفس المصدر.

(2) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 158 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ .

  صفحه 433  

التعلّم، وكان موضوعه عدم العلم بعدم الابتلاء، فبعد البناء على ما بنى عليه المحقّق النائينيّ : من قيام الاستصحاب مقام العلم الموضوعيّ يكون استصحاب عدم الاستطاعة قائماً مقام العلم بعدم الاستطاعة، فيحكم على وجوب التعلّم.

فإن قلت: إنّ الاستصحاب يجب أن يجري في نفسه بلحاظ الأثر الشرعيّ حتّى يحكم بقيامه مقام العلم الموضوعيّ، ولا يكون نفس قيامه مقام العلم الموضوعيّ مبرّراً لجريانه; إذ مع عدم الأثر الشرعيّ، للمستصحب لا يجري الاستصحاب، لا لمجرّد اللغويّة حتّى يقال: إنّها ترتفع بالقيام مقام العلم الموضوعيّ، بل لأنّ يد الجعل والتعبّد لا يمكن أن تنال ما لا يكون شرعيّاً.

قلت بعد تسليم المبنى: إنّ المفروض: أنّ الاستطاعة لها أثر شرعيّ، فلا إشكال في استصحاب عدمها من ناحية ضرورة كون التعبّد والجعل بلحاظ الأثر الشرعيّ، وأمّا من ناحية اللغويّة، فالمفروض انتفاؤها بقيام الاستصحاب مقام العلم الموضوعيّ.

ورابعة: بما يمكن أن يكون تأويلا للكلام المنقول عن المحقّق النائينيّ ـ وأظنّ أنّه هو مقصوده، لا ما ذكرناه بظاهره ـ وهو أن يقال: إنّ الدليل ـ في الحقيقة ـ دلّ على أنّ كلّ مخالفة نشأت من ترك التعلّم يعاقب عليها، فهذا هو المستفاد من مثل روايات (هلاّ عملت. قال: لم أعلم. قال: هلاّ تعلّمت)(1).

والاستصحاب لا ينفي وقوع هذه المخالفة إلاّ بالملازمة العقليّة، بل حتّى لو استصحب عدم الوقوع في المخالفة لا يفيد، فإنّه بالأخرة يحتمل الوقوع في المخالفة، ولو وقع في المخالفة لعوقب، فيجب دفع الضرر المحتمل بالتعلّم، وهذا بخلاف المخالفة التي قد يقع فيها في الفرض الرابع، فإنّ تلك المخالفة يقع فيها حتّى لو كان متعلّماً لأحكام الحجّ; وذلك استناداً إلى عدم إحراز صغرى التكليف،


(1) قريب من هذا المضمون ما في البحار، ج 1، ص 178، ح 2، و ج 2، ص 180، ح 3.

  صفحه 434  

فليست المخالفة مستندة إلى عدم التعلّم حتّى يشملها الدليل الدالّ على أنّ كلّ مخالفة استندت إلى عدم التعلّم يعاقب عليها.

 

دوران أمر القيد بين الرجوع إلى المادّة أو الهيئة:

الأمر الثالث: إذا دار أمر القيد بين رجوعه إلى المادّة، فيجب تحصيله، ورجوعه إلى الهيئة، فلا يجب تحصيله، فتارةً يكون دليل القيد منفصلا، واُخرى يكون متّصلا.

أمّا إذا كان منفصلا بحيث انعقد للخطاب الإطلاق مادّةً وهيئةً، وإنّما عرفنا التقييد من دليل آخر منفصل، فالذي يبدو للذهن في أوّل وهلة أنّه يقع التعارض بين إطلاق المادّة وإطلاق الهيئة، ويتساقطان، ويرجع إلى الاُصول العمليّة، ومن هنا بذلت عنايات لترجيح إطلاق الهيئة في مقابل إطلاق المادّة، وهذه المرجّحات يمكن صياغتها في ثلاثة تقريبات:

التقريب الأوّل: تقديم إطلاق الهيئة; لكونه شموليّاً; إذ يقتضي توسيع الوجوب وشموله لحالات في عرض واحد، وكون إطلاق المادّة بدليّاً; لأنّ مدلول المادّة صرف الوجود، والإطلاق الشموليّ أقوى من الإطلاق البدليّ.

واعترض على ذلك المحقّق الخراسانيّ بأنّه لا موجب لدعوى أقوائيّة الإطلاق الشموليّ من البدليّ; لأنّهما معاً بمقدّمات الحكمة. نعم، لو كان الشموليّ بالعموم الأداتيّ والبدليّ بمقدّمات الحكمة من قبيل: (لا تكرم أيّ فاسق) و(أكرم عالماً)، قدّم الأوّل; لا لكونه شموليّاً والثاني بدليّاً، بل لكونه أداتيّاً والثاني حكميّاً، ولذا لو عكس كما لو قال: (لا تكرم فاسقاً) و(أكرم عالماً، أيّ عالم شئت)، انعكس الأمر(1).


(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 168 ـ 169 بحسب الطبعة المشتملة في الحاشية على تعليقات المشكينيّ.

  صفحه 435  

وهذا المطلب قد ذكرناه في بحث التعادل والتراجيح، وعمّقناه هناك، وخلاصة الكلام فيه: أنّ مفاد مقدّمات الحكمة في كلّ من الإطلاق الشموليّ والإطلاق البدليّ واحد، وهو كون مدلول كلامه مطابقاً لتمام مرامه، وأمّا الشموليّة والبدليّة، فهي مفاد دليل آخر عقليّ، حيث وضّحنا في بحث المرّة والتكرار: أنّ الأصل في إطلاق الحكم بلحاظ موضوعه هو الشموليّة، وبلحاظ متعلّقه هو البدليّة، والمعارضة ـ بحسب الحقيقة ـ ليست بين الدالّ على البدليّة هنا والدالّ على الشموليّة هناك، وإنّما المعارضة بين الدالّ على الإطلاق هنا والدالّ على الإطلاق هناك، ولا مبرّر لتقدّم أحدهما على الآخر.

التقريب الثاني: أنّ الأمر دائر بين محذور واحد ومحذورين، حيث إنّ تقييد الهيئة يستلزم تقييد المادّة لا محالة، فإنّ الوجوب لو كان مقيّداً بحالة القيام مثلا، فلا معنى لكون الواجب مطلقاً يشمل حالة عدم القيام، في حين أنّ تقييد المادّة لا يستلزم تقييد الهيئة، ومتى ما دار الأمر بين محذور واحد ومحذورين فمقتضى الجمع العرفيّ الالتزام بالمحذور الواحد، ورفع اليد عن المحذور الثاني; وذلك لا من باب انحلال العلم الإجماليّ بأحد القيدين إلى العلم التفصيليّ بأحدهما معيّناً والشكّ البدوي في الآخر، وإلاّ لرجع إلى التقريب الثالث، بل إمّا من باب دعوى: أنّ مجرّد الدوران بين محذور واحد ومحذورين يجعل العرف يقدّم ارتكاب محذور واحد في مقام الجمع على ارتكاب محذورين، أو من باب دعوى: أنّ الظهور الذي يلزم من مخالفته محذوران يصبح أقوى من الظهور الذي لا يلزم من مخالفته إلاّ محذور واحد.

ويرد عليه: مضافاً إلى أنّ كلتا الدعويين ممنوعة أنّ تقييد المادّة على أساس تقييد الهيئة ليس محذوراً; لأنّه ليس تخصيصاً، وإنّما هو تخصّص; وذلك لأنّ إطلاق المادّة دائماً مقيّد بمقيّد لبّيّ كالمتّصل بكلّ قيود الوجوب، فهذا التقييد بهذا

 
  صفحه 436  

النحو الإجماليّ ثابت له بمقيّد كالمتّصل، فإذا قيّدنا الهيئة بالقيام مثلا فقد حقّقنا صغرى ذلك التقييد الإجماليّ كالمتّصل للمادّة، ولم نقيّد المادّة بتقييد جديد.

التقريب الثالث: أن يقال: إنّ التعارض بين إطلاق المادّة وإطلاق الهيئة فرع العلم الإجماليّ بتقييد أحدهما، مع أنّه منحلّ إلى العلم التفصيليّ بتقييد المادّة: إمّا تخصيصاً، أو تخصّصاً والشكّ البدويّ في تقييد الهيئة; لما مضى من أنّ تقييد الهيئة يسري إلى المادّة دون العكس.

وهذا الكلام طبعاً إنّما يكون فيما إذا كان التقييد في طرف الوجوب وفي طرف الواجب على وزان واحد، بأن كان التقييد في كلا الطرفين بمعنى مجرّد عدم الوجوب، أو الواجب قبل ذلك القيد، فلو كان الواجب هو الصدقة مثلا والقيد هو القيام، فلا وجوب للصدقة، أو لا صدقة واجبة قبل القيام، من دون أن يكون القيام قيداً في مرحلة الاستمرار، أو كان التقييد في كلا الطرفين بمعنى الظرفيّة، فلا وجوب، أو لا واجب إلاّ في ظرف القيام مثلا بحيث يكون القيام قيداً حدوثاً واستمراراً، أمّا لو فرض: أنّ القيام على تقدير كونه قيداً للوجوب، فهو قيد بالمعنى الأوّل، بمعنى: أنّه لا وجوب قبل القيام، ولكن لا دخل للقيام في الوجوب استمراراً، وعلى تقدير كونه قيداً للواجب فهو قيد بالمعنى الثاني، بمعنى: أنّه يجب أن يتصدّق في ظرف القيام، فمن الواضح: أنّ هذا البيان لا يأتي في المقام; إذ تقيّد الهيئة بالقيام بالمعنى الأوّل لا يستلزم ضرورة كون الصدقة في ظرف القيام كما لا يخفى(1).


(1) أمّا لو فرض القيام قيداً للوجوب حتّى في مرحلة الاستمرار، فسيكون حتماً قيداً للواجب حتّى في مرحلة الاستمرار; إذ مع عدم الاستمرار يرتفع الوجوب، فيرتفع الواجب; إذ لا واجب من دون وجوب.

  صفحه 437  

وعلى أيّ حال، فقد يستشكل في هذا التقريب بأحد وجهين:

الوجه الأوّل: أنّ تقييد المادّة الذي يتولّد من تقييد الهيئة ليس إلاّ بمعنى: أنّه لا يصحّ وقوع الصدقة امتثالا قبل حدوث القيام من دون أن يلزم إيجاد القيام، بينما لو كان التقييد منصبّاً على المادّة ابتداءً، كان مفاده ـ مضافاً إلى عدم صحّة وقوع الصدقة امتثالا قبل حدوث القيام ـ هو الإلزام بإيجاد القيام، وفي مقابل كلّ من التقييدين إطلاق، فالتقييد المقطوع به على كلّ حال في طرف المادّة إنّما هو التقييد الأوّل، وأمّا التقييد الثاني فليس معلوماً على كلّ حال، فالإطلاق الذي في مقابله يعارض إطلاق الهيئة.

وهذا الوجه غير صحيح; لأنّ تقييد المادّة ليس له إلاّ معنىً واحد، وهو تحصيصها بالقيام، وصيرورة التقيّد به تحت الطلب، فلو تصدّق ثُمّ قام، فقد حصل الوجوب ولم يحصل الواجب، وهذا التقييد مقطوع به على كلّ تقدير، وأمّا عدم صحّة وقوع الفعل امتثالا قبل القيام، أو الإلزام بتحصيل القيام، فإنّما هما من آثار التقييد، لا نفس التقييد، والأثر الأوّل أثر تنجيزيّ لتقييد المادّة، أي: لا يحتاج إلى ضمّ ضميمة، والأثر الثاني وهو الإلزام بتحصيل القيام أثر تعليقيّ، أي: يحتاج إلى ضمّ ضميمة، وهو إطلاق الوجوب من ناحية القيام، فهو أثر لمجموع أمرين: تقييد المادّة وإطلاق الهيئة، والأوّل مقطوع به على كلّ تقدير، والثاني ثابت بأصالة الإطلاق; لعدم معارضتها بأصالة الإطلاق في المادّة; للجزم بتقييدها، فيثبت بذلك الإلزام بتحصيل القيام.

الوجه الثاني: أنّه لا جزم بتقييد الواجب على تقدير انصباب القيد على الوجوب، بل الواجب حينئذ مهمل، لا مطلق ولا مقيّد. أمّا عدم الإطلاق، فلاستحالة إطلاق الواجب لفرض عدم قيد الوجوب، وأمّا عدم التقييد فللغويّة تقييد الواجب بقيد الوجوب; لأنّ تقييد الواجب معناه تعلّق الأمر بالمقيّد، وهو

 
  صفحه 438  

ينحلّ إلى أمر بذات المقيّد وأمر بالتقيّد، في حين أنّ الأمر بالتقيّد بقيد الوجوب غير قابل للتحريك; لأنّه يكفي في حصول التقيّد خارجاً حصول شيئين: القيد، وذات المقيّد. والأوّل مفروض الحصول; لكونه قيد الوجوب، والثاني مطلوب الحصول، فأيّ فائدة في أن يأمر وراء ذلك كلّه بالتقيّد؟!

فإذن التقييد والإطلاق كلاهما مستحيل، ويثبت الإهمال، ولا بأس بالإهمال في المقام، فإنّه ليس إهمالاً بلحاظ تمام وعاء جعل الحكم حتّى يقال بأنّ الإهمال مستحيل، بل إهمال بلحاظ بعض أطراف الحكم، وهو الواجب استغناءً بتقييد الوجوب، فالإهمال في جزء الواقع لا في تمامه، ولا بأس بذلك، وعليه فأصالة عدم تقييد الوجوب معارضة بأصالة عدم تقييد الواجب، فإنّ التقييد ـ ولو في مقابل الإهمال ـ مؤونة زائدة تُنفى.

ويرد عليه: أنّ الإهمال إنّما يعقل لو تصوّرنا واسطة بين الإطلاق والتقييد، بأن كانا ضدّين لهما ثالث.

أمّا بحسب ما نقّحناه في بحث التعبّديّ والتوصّليّ، وبحث المطلق والمقيّد: من أنّ التقابل بينهما تقابل السلب والإيجاب، فالإهمال غير معقول.

وأمّا البرهنة على امتناع التقييد بأنّ التقيّد حاصل على أيّ حال عند حصول القيد وذات المقيّد، فالأمر به لغو، وغير محرّك، فجوابها: أنّه يمكن أن يوجد القيد وهو القيام مثلا، ويوجد ذات المقيّد وهو الصدقة، ولا يوجد التقيّد، وذلك بأن تكون الصدقة موجودة قبل القيام لا بعد القيام، فلو كان الأمر متعلّقاً بجامع الصدقة من دون أخذ القيام قيداً في الواجب، لكان المأمور به الجامع بين الصدقة قبل القيام والصدقة بعده، فلو كان صدفة قد أتى بالصدقة قبل القيام، لم يحرّكه هذا الأمر نحو الصدقة بعد القيام، وإنّما الحافظ لتحريكه هو انصبابه على المقيّد، والإطلاق طبعاً مستحيل، فيتعيّن التقييد.

 
  صفحه 439  

وقد اتّضح بكلّ ما ذكرناه: أنّ هذا التقريب الثالث تامّ في نفسه، وأنّنا نتمسّك بأصالة الإطلاق في الهيئة من دون معارض.

نعم، هذا إذا كان احتمال دخل القيد في الوجوب وفي الواجب على وزان واحد كما مضى بيانه، أمّا إذا كان القيد محتمل الدخل في الوجوب على نحو الحدوث، وفي الواجب على نحو الظرفيّة، فلا محالة يحصل التعارض; لأنّ كلاًّ من التقييدين حينئذ ليس معلوماً، فأصالة عدم هذا التقييد معارضة بأصالة عدم ذاك التقييد.

هذا تمام الكلام في التقييد المنفصل.

وأمّا في المتّصل، فتارةً نفترض: أنّ لسان المقيّد ليس هو لسان تقييد متّجه إلى أحد الأمرين، أي: المادّة أو الهيئة، مع شكّنا في أنّه: هل هو متّجه إلى المادّة أو إلى الهيئة، بل لسانه لسان بيان مطلب مستقلّ ملازم للجامع بين تقيّد المادّة أو الهيئة، كما لو قال: (حجّ، ولا يجزي الحجّ قبل الاستطاعة)، وافترضنا: أنّ قوله: (ولا يجزي الحجّ قبل الاستطاعة) لا يفهم منه عرفاً كونه بصدد تقييد أحد الأمرين، وإنّما هو مطلب مستقلّ ملازم للجامع بين التقييدين.

واُخرى نفترض: أنّ لسانه لسان تقييد أحدهما بالخصوص، ولم نعرف أنّه: هل هو راجع إلى المادّة، أو إلى الهيئة، كما لو قال: (حجّ بعد الاستطاعة)، وافترضنا أنّ كلمة (بعد الاستطاعة) قيد لا نعرف هل يرجع إلى المادّة، أو إلى الهيئة.

أمّا في الفرض الأوّل، فإن أنكرنا ما قرّبناه في التقريب الثالث في المقيّد المنفصل من كون تقييد الهيئة مستلزماً لتقييد المادّة، كما أنكره المحقّقون المتأخّرون، وقع التعارض بين الإطلاقين، حيث إنّ مقتضى الإطلاق في كلّ واحد من المادّة والهيئة تامّ في نفسه، وعبارة (لا تجزي الصدقة قبل القيام)، أو (لا يجزي الحجّ قبل الاستطاعة) مثلا لا تصلح للقرينيّة لتقييد أحدهما بالخصوص بحسب

 
  صفحه 440  

الفرض، فيتعارضان; ولذا لو فرض: أنّه صدفة لم ينعقد الإطلاق في أحد الطرفين لقصور في مقدّمات الحكمة بالنسبة إليه، كان الإطلاق في الطرف الآخر تامّاً محكّماً، وشاهداً على كون القيد راجعاً إلى ذاك الطرف الذي لم تتمّ مقدّمات الحكمة فيه، فلو لم يكن قصور في مقدّمات الحكمة في أحد الطرفين في نفسه، وقع التعارض والإجمال إن لم يكن أحدهما أقوى. أمّا لو بنينا على أنّ الإطلاق الشموليّ أقوى من البدليّ، تقدّم الشموليّ لا محالة، وإن آمنّا بأنّ تقييد الهيئة يستلزم تقييد المادّة، إذن فتقييد المادّة مقطوع به، ومقدّمات الحكمة في طرفها منخرمة; لأنّ إحدى مقدّماتها أن لا يأتي المولى بما يكون دليلا على التقييد، بينما تلك العبارة دليل على تقييد المادّة على كلّ حال. وأمّا مقدّمات الحكمة في جانب الهيئة، فلا موجب لانخرامها; إذ لم يأتِ المولى بما يصلح للتقييد; لأنّ تلك العبارة إنّما تدلّ على اللازم الأعمّ للتقييد.

وأمّا في الفرض الثاني، فإن بنينا على أنّ تقييد الهيئة لا يستلزم تقييد المادّة، ففي الحقيقة يدخل ما نحن فيه في باب اشتباه ما فيه الإطلاق مع ما ليس فيه الإطلاق، لا في باب تعارض الإطلاقين; لأنّ التعارض فرع تماميّة الظهور في كلّ من الطرفين في نفسه لولا المعارض، وفي المقام نعلم بانثلام مقدّمات الحكمة في أحد الطرفين في نفسه، لاتّجاه عبارة (قائماً) مثلا إلى تقييده بالخصوص، فلا تعارض بين الحكمتين، وحينئذ لا أثر لفرض أقوائيّة الإطلاق الشموليّ من الإطلاق البدليّ; لأنّ تقديم أقوى الظهورين على أضعفهما إنّما هو بعد فرض ثبوت كلّ من الظهورين في نفسه لولا المعارض، إذن فلابدّ من المصير إلى الإجمال.

وإن بنينا على أنّ تقييد الهيئة يستلزم تقييد المادّة، فأيضاً لابدّ من المصير إلى الإجمال بالرغم من القطع بتقييد المادّة، فإنّ الحكمة في جانب المادّة منثلمة يقيناً، وفي جانب الهيئة منثلمة احتمالا; لاكتناف الهيئة بما يصلح للقرينيّة، أي: يحتمل

 
  صفحه 441  

قرينيّته بالنسبة إليها، ولا تعارض في المقام، فإنّه فرع استقرار كلّ من الظهورين في حدّ نفسه. وهنا أيضاً أقوائيّة الشموليّ ليس لها أثر; إذ أثرها يظهر لو وجد ظهوران متعارضان.

هذا تمام الكلام في دوران التقييد المنفصل، أو المتّصل بين الرجوع إلى المادّة، أو الهيئة.

 

كلام المحقّق النائيني في المقام:

بقي كلام للمحقّق النائينيّ ذكره، وطبّقه على المقام(1)، وهو في نفسه ـ بغضّ النظر عن تطبيقه على المقام ـ مطلب مهمّ في الجمع العرفيّ في باب التعادل والتراجيح، وهو: أنّ قانون الجمع بين الدليلين بتقديم الأقوى منهما الذي هو نحو جمع عرفيّ إنّما يكون في دليلين متعارضين تعارضاً ذاتيّاً مثل: (لا تكرم أيّ فاسق، وأكرم الهاشميّ) دون ما إذا كان التعارض عرضيّاً للعلم الإجماليّ صدفة بكذب أحدهما، كما لو قال: (لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاثاً: الطعام، والشراب، والنساء)، وقال: (لا تقضي الحائض ما فاتها من الصلاة)، وعلمنا إجمالا: إمّا بخروج صلاة الآيات من الثاني، أو الارتماس من الأوّل.

وقال : إنّ ما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ التعارض بين إطلاق المادة وإطلاق الهيئة إنّما هو تعارض عرضيّ للعلم الإجماليّ صدفة بكذب أحدهما(2).


(1) في خصوص فرض المقيّد المنفصل دون المتّصل.

(2) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 163 ـ 164 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ ، وفوائد الاُصول، ج 1، ص 216 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  صفحه 442  

أقول: إنّ دعوى عدم تقديم أحد الظهورين على الآخر بالأقوائيّة عند فرض التعارض بالعرض ولو فرض أنّ أحدهما في منتهى درجة القوّة، والآخر في منتهى درجة الضعف خلاف ما يبدو للذهن من الارتكاز العرفيّ على الخلاف، مثلا حينما يقول المولى: (لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاثاً)، كان ظهور الكلام في الحصر قويّاً جدّاً، بينما ظهور قوله: (لا تقضي الحائض ما فاتتها من الصلاة) في شموله لصلاة الآيات التي يكون ابتلاء الحائض بها في غاية الندرة، وأوّل ما يتبادر إلى الذهن الصلوات اليوميّة التي تبتلي الحائض بها في كلّ يوم ضعيف جدّاً، فالذي يبدو لنا بحسب الفطرة العرفيّة أنّه ينبغي تقديم الأوّل على الثاني إذا علمنا إجمالا بمخالفة أحد الظهورين للواقع، فينبغي أن نرى: أنّه ما هي الشبهة التي دعت إلى مجافاة هذا الارتكاز، ويمكن تقريبها بعدّة تقريبات:

التقريب الأوّل: ما هو محتمل أجود التقريرات، وظاهر فوائد الاُصول، وهو: قياس العلم الإجماليّ صدفة بكذب أحد الظهورين على العلم الإجماليّ صدفة بكذب أحد الخبرين، فكما أنّ العلم الإجماليّ صدفة بكذب أحد الخبرين في نقله لا يوجب تقديم ما هو الأظهر منهما; لوضوح: أنّ نسبة العلم الإجماليّ بالكذب إليهما على حدّ سواء، وليس الأقوى ظهوراً أبعد عن الكذب، ولا الأضعف ظهوراً أقرب إلى الكذب، فكذلك العلم الإجماليّ صدفة بكذب أحد الظهورين لا يوجب تقديم ما هو الأظهر منهما.

وهذا التقريب مبنيّ على الخلط بين مرحلتين، فإنّه توجد عندنا مرحلتان بلحاظ الكلامين المتعارضين:

إحداهما: أنّ هذين الكلامين هل صدرا من المولى، أو لا؟

والثانية: أنّه بعد فرض صدورهما منه، وكون كلّ منهما كاشفاً عن المراد الجدّيّ هل يكون واقع مراد المولى على طبق هذا الكشف، أو ذاك؟

 
  صفحه 443  

وقواعد الجمع العرفيّ، وتقديم أقوى الظهورين كلّها مرتبطة بالمرحلة الثانية، أي: أنّه بعد الفراغ عن صدورهما معاً يقال: هذا له كشف عن العموم مثلا، وذاك له كشف عن الخصوص، فيقدّم ما هو أشدّ كشفاً، ويصلح أن يكون قرينة على المراد من الآخر. أمّا لو وقع الإشكال والكلام في المرحلة الاُولى، وعلم إجمالا بكذب أحدهما، ففي هذه المرحلة لا معنى لإعمال قواعد الجمع العرفيّ، وتقديم أقوى الظهورين; إذ لم يفرض صدور كلامين منه حتّى يقدم أقواهما كشفاً وظهوراً، بل نعلم: أنّه لم يصدر منه إلاّ كلام واحد، فلا معنى لإعمال قواعد الجمع العرفيّ.

أو قل بكلمة اُخرى: إنّه بلحاظ المرحلة الاُولى ـ أعني: جهة الصدور ـ نسبة احتمال الكذب إلى كلّ من الخبرين على حدّ سواء، وكون أحدهما أقوى ظهوراً، والآخر أضعف لا يوجب أقوائيّة احتمال الكذب وأضعفيّته، ولكن بلحاظ المرحلة الثانية ـ أعني: جهة الظهور ـ يكون احتمال الكذب أقرب ـ لا محالة ـ إلى أحد الظهورين منه إلى الآخر حينما يكون ذاك الظهور أضعف من الظهور الآخر، ويكون هذا نكتة في تقديم العرف للظهور الأقوى، وجعله قرينة على التصرّف في الآخر(1).


(1) لا يخفى: أنّ الشيخ النائينيّ لم يكن بصدد قياس العلم بكذب أحد الظهورين بالعلم بكذب أحد الخبرين في عدم تقديم الظهور الأقوى حتّى يكون ذلك خلطاً بين المرحلتين، وكلامه في فوائد الاُصول واضح في إرادة قياس العلم بكذب أحد الخبرين في كونه داخلا تحت اشتباه الحجّة باللاحجّة وأحكامه، لا تحت التعارض وأحكامه بفرض العلم بكذب أحد الخبرين، فالمقصود هو التقريب الثاني زائداً على النقض بقياس العلم بكذب أحد الظهورين بالعلم بكذب أحد الصدورين، فيقال: كما أنّ العلم بكذب أحد الصدورين لا يخلق التعارض بين السندين، بل يوجب اشتباه الحجّة واللاحجّة بينهما;

  صفحه 444  

التقريب الثاني: أنّ حجّيّة الظهور مشروطة بعدم ورود مقيّد منفصل، ونحن نعلم بأنّ أحدهما المعيّن عند الله ورد عليه المقيّد المنفصل، فهو ساقط عن الحجّيّة، فيكون المقام داخلا في باب اشتباه الحجّة باللاحجّة. وقوانين الجمع العرفي إنّما تجري في موارد تقديم أقوى الحجّتين على أضعفهما، لا في موارد تمييز الحجّة عن اللاحجّة.

والجواب: أنّ حجّيّة الإطلاق ليست مشروطة بعدم واقع المقيّد المنفصل، بل بعدم العلم بالمقيّد المنفصل، وفي المقام لا يوجد علم تفصيليّ بمقيّديّة أحدهما


لأنّه يسقط أحد السندين المعيّن عند الله عن الحجّيّة غير المعيّن عندنا، كذلك العلم بكذب أحد الظهورين يوجب اشتباه الحجّة واللاحجّة بينهما، لا التعارض; لأنّه يسقط أحد الظهورين المعيّن عند الله غير المعيّن عندنا عن الحجّيّة.

والجواب بعد وضوح أنّ الكذب الواقعيّ في الصدورين أو التقييد الواقعي في الظهورين مثلا ليس هو الذي يسقط أحدهما عن الحجّيّة: أنّ العلم الإجماليّ بالكذب أو التقييد إن لم يكن مشتملا على مؤشّر يؤشّر إلى أحدهما المعيّن عند الله المجهول عندنا، كما لو كان العلم بالتضادّ هو الذي ولّد العلم الإجماليّ بالخلاف مثلا، فمن الواضح: أنّ هذا العلم نسبته إلى إسقاط حجّيّة أيّ واحد منهما مع الآخر متساوية، فلا معنى لإسقاط أحدهما المعيّن عند الله عن الحجّيّة، فيرجع الأمر إلى التعارض دون اشتباه الحجّة باللاحجّة، وإن كان مشتملا على مؤشّر من هذا القبيل، كما لو كان العلم بكذب أحدهما ناشئاً من إخبار نبيّ بكذب أحدهما المعيّن مع نسياننا بعد ذلك التعيين، وتذكّرنا لأصل إخبار النبيّ، فالظاهر: أنّ هنا أيضاً لا يؤثّر العلم الإجماليّ إلاّ بقدر سقوط المجموع عن الحجّيّة، لا سقوط أحدهما، فيرجع إلى التعارض دون اشتباه الحجّة باللاحجّة، وآية ذلك أنّه لو كان أحدهما لا أثر له شرعاً ينجو الآخر عن السقوط في الفهم العرفيّ، وهذا إنّما يكون في فرض التعارض، لا في فرض اشتباه الحجّة باللاحجّة.

  صفحه 445  

بالخصوص، وإنّما يوجد علم إجماليّ بالتقييد، ونسبة العلم الإجماليّ إليهما على حدّ سواء، ولا تتعيّن نسبته إلى أحدهما المعيّن عند الله حتّى يقال: إنّه هو الذي سقط عن الحجّيّة، فدخل الأمر في تمييز الحجّة عن اللاحجّة.

التقريب الثالث: أنّ الأقوى ظهوراً في باب التعارض إنّما يتقدّم على الأضعف ظهوراً من باب القرينيّة. وفي باب التعارض العرضيّ لا يكون الأقوى ظهوراً قرينة على الأضعف ظهوراً، بدليل: أنّنا لو جمعنا كلا الدليلين مع الدليل الذي دلّ على تقييد أحدهما في كلام واحد، لأصبح الأقوى ظهوراً مجملا، كما أنّ الأضعف ظهوراً يصبح مجملاً، في حين أنّ القرينة المنفصلة لو جمعت مع ذيها وحوّلت إلى المتّصل، لا تصبح مجملة بواسطة ذيها.

والجواب: أنّ إجمال الأقوى ظهوراً عند فرض الجمع بين الأدلّة الثلاثة في كلام واحد إنّما ينشأ من الدليل الثالث الصالح(1) للقرينيّة عليه، لا من الدليل الثاني الذي يفترض الدليل الأقوى قرينة عليه.

التقريب الرابع: أنّ الأقوى ظهوراً في باب التعارض إنّما يتقدّم على الأضعف ظهوراً من باب القرينيّة، والقرينيّة إنّما تعقل لو كان أحدهما متعرّضاً بمدلوله لحال مدلول الآخر، فالخاصّ مثلا قرينة على العامّ، وهو يتعرّض لنفي مدلول العموم في مورده. وهذا في باب التعارض العرضيّ غير موجود، فإنّ مدلول أحدهما أجنبيّ عن الآخر تماماً(2)، وإنّما وقع التعارض للعلم الإجماليّ صدفة بكذب أحد الظهورين.


(1) إلاّ إذا لم يكن الدليل الثالث دليلا منصبّاً على تقييد أحدهما المعيّن عند الله، فحينما لم يكن كذلك لا نسلّم إجمال الدليل الأقوى لدى فرض الاجتماع في كلام واحد.

(2) الصحيح: أنّ التقديم بالأقوائيّة غير التقديم بالقرينيّة بمعنى التعرّض لحال الآخر.

وهذا جواب على التقريب الرابع والثالث.

  صفحه 446  

وهذا التقريب لعلّه أحسن التقريبات.

والجواب: أنّنا وإن كنّا نسلّم أنّه في باب القرينيّة لابدّ من كون القرينة متعرّضةً لحال مدلول الآخر، لكن هذا التعرّض لا يلزم أن يكون بالمدلول المطابقيّ، بل يكفي أن يكون بالمدلول الالتزاميّ، والتعرّض بالمدلول الالتزاميّ موجود في المقام; وذلك لأنّ كلاًّ من الظهورين: الأقوى والأضعف يدلّ بالالتزام على قضيّة شرطيّة، وهي: أنّه لو كان أحد الظهورين غير مراد، فإنّما هو ذاك الظهور الآخر. وبهذه الدلالة الالتزاميّة يرجع بالدقّة كلّ تعارض عرضيّ إلى تعارض ذاتيّ، فيقدّم الأقوى منهما. وهاتان الدلالتان الالتزاميّتان موجودتان ـ في الحقيقة ـ قبل معرفتنا صدفة بتقيّد أحد الظهورين بنحو العلم الإجماليّ، وبذلك يتمّ التعارض الذاتيّ، وينحلّ التعارض بتقدّم الأقوى ظهوراً; لكونه قرينة للتصرّف في الآخر. ودور العلم الإجماليّ في المقام هو دور إحراز الشرط لهاتين القضيّتين الشرطيّتين الالتزاميّتين.

 

 
  صفحه 447  

 

 

 

 

 

الواجب النفسيّ والغيريّ

ومنها: تقسيمه إلى الواجب النفسيّ والغيريّ.

وفي الحقيقة قد عقد هذا البحث لأجل الواجب الغيريّ، والكلام يقع في ذلك في جهات:

 

تعريف الواجب الغيريّ والنفسيّ

الجهة الاُولى: في تعريف الواجب النفسيّ والغيريّ.

وقد عرّف ذلك بأنّ الواجب النفسيّ هو ما وجب لا لواجب آخر، والواجب الغيريّ هو ما وجب لواجب آخر.

واُورد عليه: أنّ أكثر الواجبات وجبت لمصالح فيها، فإذا فرض: أنّ تلك المصالح لم تكن بدرجة الإلزام، لم تستلزم إيجاب الواجبات، وإذا فرض: أنّها بدرجة الإلزام، إذن يصبح تحصيلها هو الواجب النفسيّ، ويكون أكثر الواجبات الشرعيّة كالصلاة والصوم والحجّ وغير ذلك واجباً غيريّاً، لا واجباً نفسيّاً، اللّهم إلاّ ما يكون من قبيل وجوب معرفة الله التي هي بنفسها كمال ومصلحة بغضّ النظر عمّا يترتّب عليها من أعظم المصالح.

والجواب: أنّ هذا الإشكال إنّما يتمّ لو اُضيفت النفسيّة والغيريّة إلى عالم الملاك، أو عالم الشوق، فالملاك النفسيّ أو الشوق النفسيّ إنّما هو في تلك

 
  صفحه 448  

المصالح، وأمّا الصلاة والصوم ونحوهما، فملاكه وشوقه تبعيّ، ولكنّنا نلحظ النفسيّة والغيريّة بلحاظ عالم تحميل المسؤوليّة التي يضعها المولى بعد أن يحرز الملاك، فإنّ حقّ المطلب هو: أنّ الواجب النفسيّ ما يعاقب على تركه بما هو هو، والواجب الغيريّ ما لا يعاقب على تركه بما هو هو. وميزان ذلك ما ذكرناه: من أنّ ما يجعله المولى على عهدتنا ويشغل به ذمّتنا مستقلاًّ يحكم العقل باستحقاق العقاب على تركه، وأمّا ما لم يجعل في العهدة بذاته، بل بتبع شيء آخر، فلا يحكم العقل باستحقاق العقاب على تركه بما هو هو، فإذا لاحظنا النفسيّة والغيريّة بلحاظ عالم الجعل في العهدة وتحميل المسؤوليّة، قلنا: إنّه إذا جعل نفس المصلحة رأساً في العهدة، وأشغل بها الذمّة، أصبحت هي الواجب النفسيّ، والفعل المحصّل لها الواجب الغيريّ، وأمّا إذا أدخل نفس العمل كالصلاة والصوم في العهدة، وأشغل ذمّته به، وجعله مصبّاً لإعمال مولويّته مستقلاًّ، إذن فيصبح نفس هذا العمل واجباً نفسيّاً.

يبقى في المقام سؤالان:

السؤال الأوّل: أنّه بعد أن كان الملاك النفسيّ، والشوق النفسيّ في نفس المصالح لا في العمل، فلماذا يعدل المولى عن إدخال نفس تلك المصالح في العهدة إلى إدخال هذه الأعمال كالصلاة والصوم في العهدة؟!

والجواب: أنّ ذلك يمكن أن يكون لإحدى نكات:

الاُولى: ما يستفاد من كلمات المحقّق النائينيّ (1): من عدم إمكان إدخال


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 167، و ص 39 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ ، وفوائد الاُصول، ج 1، ص 69 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، والمحاضرات للفيّاض، ج 2، ص 385 ـ 386 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

  صفحه 449  

تلك الأغراض والمصالح في العهدة; لعدم دخولها تحت القدرة; لتوقّفها على مجموعة مقدّمات واُمور بعضها عبارة عن العمل الاختياريّ للمكلف، وبعضها خارج عن الاختيار، فالمولى يجعل نفس الفعل الذي هو إحدى مقدّماتها على العهدة، فيصبح بذلك موضوعاً لحكم العقل بالعقاب على الخلاف، وهذا هو الواجب النفسيّ.

وقد أورد على ذلك السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ بأنّ الغرض الأعلى وهو تلك المصالح وإن لم يكن تحت الاختيار، لكن هناك غرض أدنى تحت الاختيار، وهو التهيّؤ والإعداد لحصول الغرض الأعلى، فلماذا لم يجعله داخلا في العهدة؟!(1).

وهذا الإشكال في غير محلّه بناءً على ما هو الصحيح عنده وعندنا: من أنّ مطلوبيّة المقدّمة مخصوصة بالحصّة الموصلة، فلو اُريد إدخال خصوص الإعداد والتهيّؤ الموصل إلى الغرض الأعلى في العهدة، فأيضاً هو خارج عن تحت القدرة، وإن اُريد إدخال مطلق الإعداد والتهيّؤ في العهدة، فحاله حال الصلاة من حيث إنّه لا هو المطلوب النفسيّ، ولا المطلوب الغيريّ الحقيقيّ، وإنّما هو إعمال مسامحة، فأيّ فرق في مقام إعمال المسامحة بين أن يطلب ذات الإعداد أو ذات الصلاة؟!

الثانية: أنّ المولى قد يتّفق أنّه يجعل ذات المقدّمة في عهدة المكلّف مباشرة، دون ذي المقدّمة حذراً من أن يخطأ العبد صدفة في مورد بتوهّم العجز عن الوصول إلى ذي المقدّمة عن طريق المقدّمة الفلانيّة مثلا، فنتيجة إدخال تلك المقدّمة في العهدة هي شدّة التحفّظ على الغرض، حيث إنّ العبد حتّى لو قطع بأنّ


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 167 تحت الخطّ بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ .

  صفحه 450  

هذه المقدّمة لا توصل إلى الغرض، يجب عليه عقلا الإتيان بها، فيربح المولى في مورد خطأ العبد صدفة، وهذا كثيراً ما يتّفق خصوصاً في مقدّمة غامضة النتائج مجهولة الجوانب، فمثلا يجعل تكاليف معيّنة بقصد حفظ النظام من دون أن يجعل نفس حفظ النظام في العهدة، وإلاّ لزم الاعتماد على عقل العبد وذوقه، والمولى غير واثق بعدم خطأه.

الثالثة: أنّ إدخال الفعل في العهدة قد يكون بنفسه من مقدّمات الوصول إلى المصلحة والغرض النفسيّ، كما لو كانت المصلحة والغرض في نفس عنوان الطاعة والامتثال، دون مجرّد الفعل من دون قصد امتثال، فيجعل الفعل في العهدة حتّى يصبح العبد قادراً على الامتثال.

الرابعة: أنّ المولى قد لا يكون اهتمامه بغرض معيّن إلى حدّ يهتمّ بسدّ جميع أبواب عدمه، بل يكون بدرجة يتطلّب منه سدّ باب معيّن، بأن يهتمّ بغرضه بمقدار مقدّمة واحدة من مقدّماته مثلا، ويجعل حصول غرضه بحصول باقي المقدّمات على عهدة الصدفة والاتّفاق، وعندئذ فقد يجعل في عهدة العبد خصوص تلك المقدّمة، فيكون قد حفظ بهذا غرضه بالمقدار الذي يهتمّ به.

فإن قلت: كان بإمكانه أن يوجب على العبد ذلك الغرض مشروطاً بتحقّق باقي المقدّمات.

قلت: أوّلا: إنّ الهدف هو تحصيل نكتة عرفيّة في العدول عن جعل الغرض في العهدة إلى جعل الفعل الذي هو مقدّمة للغرض في العهدة، وما ذكرناه يكفي نكتة لذلك، فهو يعدل عن جعل الغرض في العهدة إلى جعل مقدّمة من مقدّماته في العهدة بنكتة: أنّ اهتمامه بغرضه ليس بأزيد من سدّ باب العدم بمقدار تلك المقدّمة وإن كان بالإمكان التوصّل إلى نفس النتيجة أيضاً بإيجاب الغرض مشروطاً بتحقّق سائر المقدّمات.

 
  صفحه 451  

وثانياً: أنّه قد يتّفق: أنّ العبد لا يعرف أنّ المقدّمات الاُخرى ـ  ولو فرضت اختياريّة له  ـ هل سوف تحصل، أو لا،   فيعالج المولى الموقف بإدخال تلك المقدّمة في العهدة بدلا عن إدخال أصل الغرض في العهدة.

الخامسة: أنّه قد لا يكون الملاك بنحو يمكن أن يعرّفه المولى بحدوده للعبد، ويطلبه، إلاّ بأن يشير إليه بنفس عنوان الفعل، بأن يقول مثلا: (حصّل الملاك الذي يحصل بالصلاة)، ففي مثل ذلك يكون الاُسلوب العرفيّ هو جعل نفس الصلاة رأساً في العهدة، لا الملاك.

السؤال الثاني: أنّه ما هو معنى جعل الفعل في العهدة مع كون المحبوب النفسيّ هو الملاك؟ أفهل معنى ذلك هو تعلّق جعل الحكم والاعتبار بذلك الفعل، بحيث لو قلنا: إنّ الحكم في عالم الثبوت ليست له عدا مرحلتين: مرحلة الملاك ومرحلة الإرادة، من دون مرحلة ثالثة اسمها مرحلة الجعل والاعتبار، لم يعقل جعل الفعل في العهدة؟ ثُمّ أيّ أثر لمجرّد الاعتبار في باب حكم العقل بوجوب الامتثال؟!

والجواب: أنّ الجعل والاعتبار إنّما هو صياغة عرفيّة لإدخال الشيء في العهدة، وروح المطلب: أنّ حكم العقل بوجوب الامتثال يتدخّل في تعيّن موضوعه ومصبّه بالضبط تعيين المولى له، أي: أنّ ما يريد المولى أن يكون هو الملزم به العبد تكون نفس هذه الإرادة الواصلة إلى حدّ الإبراز من قبل المولى موضوعاً لتعيّن مصبّ وجوب الامتثال عند العقل، فمن الممكن أن يحوّل المولى مصبّ وجوب الامتثال والدخول في العهدة من أصل الغرض إلى مقدّمة من مقدّماته.

 
السابق | التالي | فهرس الكتاب