صفحه 273  

الأوامر


الفصل الثالث

 

 

 

إجزاء الأمر الاضطراريّ والظاهريّ

 إجزاء الأمر الاضطراريّ.
 إجزاء الأمر الظاهريّ.

 
  صفحه 274  

 

 

 
  صفحه 275  

 

 

 

 

 

يقع الكلام في إجزاء الأمر الاضطراريّ والظاهريّ عن الواقع وعدمه.

وهناك صيغتان كبرويّتان للإجزاء لا إشكال فيهما:

إحداهما: أنّ الإتيان بغرض المولى كاف في خروج العبد عن العهدة; وذلك لأنّ العقل الذي هو الحاكم المطلق في باب المولويّة والعبوديّة الحقيقيّة لا يحكم على العبد بحقّ للمولى أزيد من تحصيل الغرض، فإن حصّل العبد غرض المولى، لم يبقَ في عهدته شيء.

والثانية: أنّ الإتيان بمتعلّق أمر كاف في الخروج عن عهدة شخص ذلك الأمر; لما مضى: من أنّ التحريك بعد العمل نحو الجامع القابل للانطباق على ما أتى به تحصيل للحاصل، وغير معقول، والتحريك إلى الطبيعة المقيّدة بأن لا تكون في ضمن ذلك الفرد المأتي به يكون أمراً جديداً.

فالكلام عن أنّ الأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ هل يجزيان عن الواقع أو لا؟ يرجع ـ في الحقيقة ـ إلى الكلام عن أنّ العمل بالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ هل تنطبق عليه إحدى الكبريين، بأن يكون ذلك محصّلا لغرض المولى الواقعيّ أو مصداقاً لمتعلّق الأمر الواقعيّ، أو لا؟

وطبعاً ليس المقصود: التكلّم عن قرائن خاصّة قد تحصل للفقيه على كون الأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ بنحو يدخل تحت إحدى الكبيريين ويوجب الإجزاء; فإنّ هذا شأن الفقيه، ويرجع إلى علم الفقه باعتباره واقعاً في طريق

 
  صفحه 276  

استنباط حكم جزئيّ، ولا يعطي قاعدة عامّة تفيد في شتّى الأحكام، وإنّما المقصود: التكلّم عمّا إذا وجدت قرائن عامّة مضبوطة لاستظهار ذلك من دليل الأمر.

والكلام يقع في مقامين:

 

 
  صفحه 277  

 

إجزاء الأمر الاضطراريّ

المقام الأوّل: في إجزاء الأمر الاضطراريّ عن الواقع وعدمه.

ولنذكر أوّلاً المحتملات الثبوتيّة بشأن الواجب الاضطراريّ من حيث دوره في تحصيل الغرض والنتائج المترتّبة على تلك المحتملات، ثُمّ نتكلّم فيما هو المستظهر من دليل الأمر الاضطراريّ، فنقول:

 

المحتملات الثبوتيّة

إنّ المحتملات في الواجب الاضطراريّ أربعة:

1 ـ كونه وافياً بتمام غرض الواقع.

2 ـ كونه وافياً ببعض الغرض، بحيث يكون الباقي أقلّ من مرتبة الإلزام.

3 ـ كونه وافياً ببعض الغرض، ويكون الباقي بمرتبة الإلزام، ولكن لا يمكن تحصيله بعد ذلك، من قبيل عطشان طلب الماء البارد، فسقي ماءً حارّاً رفع أصل العطش، فبعد ذلك لا يمكنه التلذّذ بالماء البارد.

4 ـ كونه وافياً ببعض الغرض، ويكون الباقي بمرتبة الإلزام، ويمكن تحصيله.

هذه فروض أربعة، نتكلّم بالنسبة لها في آثار أربعة قد يختلف فيها بعضها
عن بعض:

الأوّل: في الإجزاء عن الواقع وعدمه.

ومن الواضح: أنّ الأوّل يجزي; لدخوله تحت الكبرى الاُولى، وهي الوفاء بالغرض، وكذلك الثاني; لأنّه وإن بقي شيء من الغرض لكنّه ليس بمرتبة الإلزام بحسب الفرض، وكذلك الثالث; لأنّ الباقي وإن كان بمرتبة الإلزام لكنّه لا يمكن

 
  صفحه 278  

استيفاؤه على أيّ حال، أمّا الرابع فلا يجزي; لأنّه لم يفِ بتمام الغرض، والباقي ملزم قابل للتدارك بالإعادة بحسب الفرض.

الثاني: في جواز البدار وضعاً وعدمه، بمعنى إجزائه حتّى في صورة البدار وعدمه.

وطبعاً هذا الكلام يقع في الأقسام الثلاثة الاُولى بعد الفراغ عن أنّ الرابع لا يجزي أصلا.

والتحقيق: أنّ النتيجة لا تختلف باختلاف الأقسام الثلاثة الاُولى، فنقول فيها جميعاً: إنّ الوفاء بالغرض بأحد الأنحاء الثلاثة إن كان مشروطاً بعدم البدار، لم يجز البدار، وإلاّ جاز البدار.

الثالث: في جواز البدار تكليفاً وعدمه.

ولا ينبغي الإشكال في جوازه في الأوّل والثاني; فإنّه إن فرض وفاء العمل بالغرض حتّى مع البدار، فلا وجه لعدم جوازه، وإن فرض عدم وفائه بالغرض مع البدار، فغاية ما يفترض لغويّة العمل لا حرمته، كما لا ينبغي الإشكال في جوازه بمقتضى القاعدة في الرابع أيضاً; إذ لا يلزم منه فوات شيء من الغرض، فإنّه حتّى لو كان العمل وافياً في أوّل الوقت ببعض الغرض أمكن تدارك الباقي بعد ذلك إن ارتفع العذر، وأمّا في القسم الثالث، فالجواز التكليفيّ مع الجواز الوضعيّ متعاكسان، فقد قلنا في الجواز الوضعيّ بأنّ العمل لو كان وافياً بالمقدار الذي يفي به من الغرض حتّى مع البدار، جاز البدار، وإلاّ فلا، وهنا ينعكس الأمر، فإن كان العمل لا يفي بشيء في أوّل الوقت على تقدير عدم استمرار العذر، جاز له البدار; إذ مع ارتفاع العذر يمكنه التدارك، وإن كان العمل يفي بشيء من الغرض المفروض معه عدم إمكان تدارك الباقي، فلا

 
  صفحه 279  

يجوز البدار مع احتمال ارتفاع العذر; لأنّه يسدّ باب تدارك الباقي اللازم التحصيل.

وقد يقال: ليس الجوازان متعاكسين، بل متى ما لم يجز البدار تكليفاً لم يكن هناك جواز وضعيّ; لأنّ النهي في العبادات يوجب الفساد.

أقول: إن فرض: أنّ عدم إمكان تدارك الباقي في القسم الثالث كان على أساس التضادّ بين الملاك الأصغر والملاك الأكبر، فلا مجال لهذا الإشكال; فإنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه، وإنّما يكون عدم جواز البدار على أساس إرشاد العقل إلى عدم البدار حفاظاً على المصلحة الأوفى، لا أنّ هناك نهياً مولويّاً عن ذلك. وإن فرض: أنّ عدم إمكان التدارك كان على أساس مانعيّة الملاك الأصغر عن الملاك الأكبر، فإن بنينا على إنكار المبغوضيّة والمحبوبيّة المقدّميّة، فأيضاً لا مجال لهذا الإشكال، وإن سلّمناها لكن بنينا على أنّ المبغوضيّة الغيريّة لا تبطل، فأيضاً لا مجال للإشكال.

نعم، لو كان عدم إمكان التدارك على أساس المانعيّة، وقلنا بالمبغوضيّة والمحبوبيّة المقدّميّة، وقلنا بمبطليّة المبغوضيّة الغيريّة، فهناك مجال للاستشكال في صحّة البدار بما عرفت من دعوى أنّ النهي في العبادات يوجب الفساد.

وقد يجاب على هذا الإشكال بأحد جوابين:

الجواب الأوّل: أنّ المبغوضيّة الغيريّة إن كانت موجبة للبطلان في سائر الموارد، ففي خصوص هذا المقام لا يمكن أن تكون موجبة للبطلان; وذلك لأنّ المبغوضيّة في المقام إنّما هي في طول صحّة العمل، حيث إنّه لو صحّ أوجب خسارة قسم مهمّ من الغرض لا يمكن تداركه، فلو نفت صحّةَ العمل لزم أن تنفي نفسها، ويكون وجودها مستلزماً لعدمها، وهذا غير معقول، فلا يقاس المقام بمثل

 
  صفحه 280  

مبغوضيّة الصلاة في الدار المغصوبة التي توجب بطلانها; فإنّها ليست في طول صحّة الصلاة، فإنّ الصلاة حتّى إذا كانت باطلة تكون مبغوضة في المكان المغصوب باعتبارها غصباً وتصرّفاً في مال الغير.

ويرد عليه: أنّ المبغوضيّة عارضة في ذهن المولى على العمل الصحيح; لكونه صحيحاً، حيث إنّه يوجب فوات قسم مهمّ من الغرض، وهي إلى الأبد مبغوضيّةٌ للعمل الصحيح، ولا يخرج معروض المبغوضيّة عن كونه هو الصحيح. نعم، هذه المبغوضيّة أوجبت أن لايقدر العبد الملتفت إليها على إيجاد مصداق المبغوض، وهو العمل الصحيح في الخارج; لاحتياجه إلى قصد القربة الذي لا يتمشّى مع الالتفات إلى المبغوضيّة، وهذا لا يعني: أنّ مبغوضيّة العمل الصحيح أوجبت عدم نفسها ونفت صحّة معروضها، وإنّما يعني: أنّها أوجبت عدم إمكان إيجاد مصداق ذلك المبغوض في الخارج، وهذا لا محذور فيه.

الجواب الثاني: أن يقال: إنّ هذا النهي الغيريّ لو اقتضى البطلان في غير المقام لايقتضي البطلان في المقام; إذ لو اقتضى البطلان في المقام، لزم تعلّقه بغير المقدور; لأنّه إنّما هو متعلّق بالعمل الصحيح; لأنّ غير الصحيح لا يوجب عدم إمكان تدارك الغرض، والعمل الصحيح أصبح غير مقدور بالنهي; لأنّ النهي أوجب بطلانه، بينما النهي كالأمر في أنّه يجب أن يتعلّق بالعمل المقدور.

وهذا البيان يمكن دفعه بأكثر من وجه واحد، فلئن سلّمنا أنّ النهي يجب تعلقه بالمقدور، قلنا: إنّ ذلك إنّما يكون في النهي لا في المبغوضيّة، وفيما نحن فيه نفترض المبغوضيّة، وهي يمكن أن تتعلّق حتّى بالعمل الذي يستحيل صدوره من المكلّف.

والصحيح في مقام الجواب عن الإشكال: منع الاُصول الموضوعيّة له; فإن مجموع اُصوله الموضوعيّة: من فرض المانعيّة، وتسليم المبغوضيّة والمحبوبيّة

 
  صفحه 281  

الغيريّة، ومبطليّة المبغوضيّة الغيريّة غير مسلّم لدينا، ولا أقلّ من إنكار كون المبغوضيّة الغيريّة موجبة للبطلان.

الرابع: في جواز إيقاع نفسه في الاضطرار اختياراً وعدمه.

فنقول: إنّه في القسم الثالث وهو ما لو كان العمل الصحيح الاضطراريّ موجباً للوفاء بمقدار من مصلحة العمل الاختياريّ، وفوات مقدار من الغرض مهمّ، وغير قابل للتدارك لا يجوز إيقاع نفسه في الاضطرار اختياراً، سواء فرض: أنّ وفاء العمل بمقدار من المصلحة وصحّته كان مشروطاً بكون الاضطرار لا بسوء الاختيار، أو فرض: أنّه لم يكن مشروطاً بذلك، فإنّه على الأوّل يُحرم نفسه من تحصيل غرض المولى وامتثال أمره نهائيّاً، وعلى الثاني يُحرم نفسه من القسم المتبقي من الغرض الذي فرض كونه بمقدار الإلزام، ولا يمكن تداركه.

وفي القسمين الأوّلين يجوز إيقاع نفسه في الاضطرار اختياراً لو فرض: أنّ وفاء العمل بما يفي به من مصلحة ـ  بحسب الفرض  ـ ليس مشروطاً بأن لا يكون الاضطرار بسوء الاختيار، أمّا لو كان مشروطاً بذلك فلا يجوز; لأنّه يستوجب فوات كلّ الغرض; لعجزه عن العمل الاختياريّ وبطلان عمله الاضطراريّ باشتراط أن لا يكون الاضطرار بسوء الاختيار.

وفي القسم الرابع يأتي حكم القسم الثالث، فيقال: إنّه لا يجوز إيقاع نفسه في الاضطرار بسوء الاختيار سواء فرض: أنّ الجواز الوضعيّ للعمل كان مشروطاً بكون الاضطرار لا بسوء الاختيار، أو لم يفرض ذلك، فإنّه على الأوّل قد فوّت على نفسه تمام الملاك; لعجزه إلى آخر الوقت ـ  بحسب المفروض  ـ عن الإتيان بالعمل الاختياريّ وبطلان عمله غير الاختياريّ; لفقد شرطه، وعلى الثاني قد فوّت على المولى قسماً مهمّاً من الغرض; إذ مع بقاء العجز إلى آخر الوقت لا يمكنه تدارك ذلك بوجه من الوجوه.

 
  صفحه 282  

هذا تمام الكلام في مرحلة الثبوت، وقد ظهر: أنّه بلحاظ مرحلة الثبوت يتعيّن الإجزاء في الصور الثلاث الاُولى من الصور الأربعة المحتملة ثبوتاً، وعدم الإجزاء في الصورة الرابعة.

 

البحث الإثباتيّ

بقي الكلام في مرحلة الإثبات بحسب ظاهر الدليل، فنقول:

إنّ الكلام في ذلك يقع في مسألتين:

الاُولى: ما إذا ارتفع العذر في أثناء الوقت، فهل تجب الإعادة، أو لا؟

والثانية: ما إذا ارتفع العذر بعد الوقت فهل يجب القضاء، أو لا؟

 

ارتفاع العذر أثناء الوقت:

أمّا المسألة الاُولى: فتارةً نفترض: أنّه قد اُخذ في موضوع دليل الأمر الاضطراريّ استمرار العذر إلى آخر الوقت، وهذا ـ في الحقيقة ـ خارج عن موضوع الكلام; إذ بعد ارتفاع العذر ينكشف أنّه لم يكن هناك أمر اضطراريّ حتّى يجزي أو لا يجزي، غاية الأمر: أن يفترض أنّه كان قد ثبت له ظاهراً انطباق الأمر الاضطراريّ عليه(1)، فيدخل في إجزاء الأمر الظاهريّ وعدمه الذي سوف يثبت فيه عدم الإجزاء.

واُخرى نفترض: أنّ موضوع دليل الأمر الاضطراريّ كان هو العذر حين العمل من دون اشتراط الاستمرار إلى آخر الوقت، فهنا تأتي مسألة إجزاء الأمر الاضطراريّ


(1) بناءً على الاستصحاب الاستقباليّ، أو بفرض قيام بيّنة مثلا على أنّ الاضطرار سيستمرّ.

  صفحه 283  

وعدمه، وحينئذ فإمّا أن يفرض: أنّ دليل الحكم الاختياريّ يشمل بإطلاقه من صدر منه الفعل الاضطراريّ ثُمّ زال عذره، أو يفرض: عدم الإطلاق فيه لذلك.

أمّا إذا فرض إطلاقه لذلك، فمن الواضح: أنّ مقتضى هذا الإطلاق عدم الإجزاء، إلاّ أنّ الكلام يقع في أنّ دليل الأمر الاضطراريّ هل يكون مقيّداً لهذا الإطلاق، أو لا؟

وهناك اُسلوبان لإثبات التقييد:

الاُسلوب الأوّل: ما عن مدرسة المحقّق النائينيّ : من دعوى الدلالة الالتزاميّة العقليّة لدليل الأمر الاضطراريّ، بتقريب: أنّه قد مضى: أنّ الصور الثبوتيّة لوفاء الأمر الاضطراريّ بالملاك أربعة، وأنّه في الصور الثلاث الاُولى يتمّ الإجزاء، وفي الصورة الرابعة لا يتمّ الإجزاء، إذن فلو أبطلنا الصورة الرابعة هنا ببرهان عقليّ، تعيّن الإجزاء، فنقول في مقام إبطالها: إنّ دليل الأمر الاضطراريّ ينسجم مع الصورة الاُولى والثانية من تلك الصور، بأن يكون الفعل الاضطراريّ وافياً بتمام الملاك، أو بمعظمه بحيث يكون الباقي غير ذات أهمّيّة، وغير واجب التدارك، فحينئذ يكون من المعقول الأمر الاضطراريّ بأن يكون هذا المكلّف ـ بحسب الحقيقة ـ مخيّراً بين الإتيان بالفعل الاضطراريّ حين العذر أو الفعل الاختياريّ بعد زوال العذر، ولا ينسجم مع الصورة الرابعة من تلك الصور، أي: ما لو بقي مقدار مهمّ من الملاك قابل للتدارك; إذ على فرض الصورة الرابعة لا يمكن تعقّل الأمر الاضطراريّ بمجرّد العذر في وقت العمل; فإنّ الأمر الاضطراريّ لا يعقل إلاّ بأحد أشكال ثلاثة كلّها غير صحيحة في المقام:

الأوّل: أن يجب على هذا الشخص معيّناً الفعل الاضطراريّ، وهذا واضح البطلان; إذ لا شكّ في أنّه يجوز له أن يصبر إلى أن يزول العذر في الوقت، ويأتي بالفرد الاختياريّ.

 
  صفحه 284  

الثاني: أن يكون مخيّراً بين الفعل الاضطراريّ حين العذر والفعل الاختياريّ بعد زوال العذر على حدّ التخيير بين المتباينين كما افترضنا ذلك على الصورة الاُولى والثانية، وهذا غير معقول; إذ معنى ذلك: أنّه إذا أتى بالفعل الاضطراريّ حين العذر ثُمّ ارتفع العذر، لم يجب عليه الإتيان بالفعل الاختياريّ، بينما هذا غير معقول; إذ المفروض بقاء مقدار مهمّ من الملاك بدرجة الإلزام، فلماذا لا يجب تداركه؟!

الثالث: أن يكون مخيّراً بين الأقلّ والأكثر، أي: بين الإتيان بالفعل الاختياريّ بعد زوال العذر فقط، أو الإتيان بالفعل الاضطراريّ عند العذر وبالفعل الاختياريّ بعد زواله، وهذا أيضاً غير معقول; لعدم معقوليّة التخيير بين الأقلّ والأكثر، فمرجع ذلك إلى وجوب الفعل الاختياريّ، فقط، فلم يثبت عندنا أمر اضطراريّ نتكلّم عن إجزائه وعدمه، وهو خلف.

فإذن الأمر الاضطراريّ بنحو الصورة الرابعة في محلّ الفرض غير معقول، وبنفي الصورة الرابعة يثبت الإجزاء لا محالة.

وعلى أساس هذا البيان بنى المحقّق النائينيّ والسيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ(1)


(1) راجع المحاضرات للفيّاض، ج  2، ص  231 ـ 234 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

وأمّا كلمات المحقّق النائينيّ فليست واضحة في البيان الفنّيّ الذي أفاده هنا اُستاذنا للبرهنة على الإجزاء وإن كان ينبغي توجيه روح المطلب بهذا البيان. راجع أجود التقريرات، ج  1، ص  199 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ ، وفوائد الاُصول، ج  1، ص  245 ـ 246 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

ثُمّ إنّ هذه الصياغة المذكورة في المتن مصاغة بالنحو المناسب لتطبيق الكبرى الاُولى

  صفحه 285  

وغيرهما على الإجزاء.

ولنا حول هذا البرهان عدّة كلمات:

الكلام الأوّل: أنّ السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ ذكر في بحث المطلق والمقيّد: أنّه إذا ورد مثلا «اعتق رقبة» وورد «اعتق رقبة مؤمنة» فالجمع بينهما يمكن ثبوتاً بنحوين:

أحدهما: حمل المطلق على المقيّد بأن يفرض: أنّ المراد بقوله: «اعتق رقبة» هو عتق الرقبة المؤمنة.

والثاني: الحمل على التخيير بأن يكون الشخص مخيّراً بين أن يعتق رقبة


من كبريي الإجزاء، وهي كبرى: أنّ حصول الغرض يستوجب الإجزاء، ويمكن صياغتها بالنحو المناسب لتطبيق الكبرى الثانية، وهي كبرى: أنّ الإتيان بمتعلّق الأمر يستلزم الإجزاء، وذلك بأن يقال: إنّ الأمر المتوجّه إلى هذا الشخص لا يخلو من أن يكون أمراً بالفرد الاضطراريّ معيّناً، أو يكون أمراً تخييريّاً بين الفرد الاضطراريّ في أوّل الوقت والفرد الاختياريّ في آخره على شكل التخيير بين المتباينين، أو يكون تخييراً بين الأقلّ والأكثر، أي: الفرد الاضطراريّ وحده والفرد الاضطراريّ مع الفرد الاختياريّ، أو يكون أمراً بالفرد الاختياريّ معيّناً.

والرابع خلف فرض عدم اشتراط استمرار العذر. والأوّل باطل يقيناً; إذ لا شكّ في جواز تأخير العمل في داخل الوقت إلى زمان ارتفاع العذر. والثالث باطل; لبطلان التخيير بين الأقلّ والأكثر، فيتعيّن الثاني، وهو التخيير بين الفرد الاضطراريّ في أوّل الوقت والفرد الاختياريّ في آخره، فإذا أتى بالفرد الأوّل فقد أتى بمتعلّق الأمر الواقعيّ، وذلك يستلزم الإجزاء.

وتبقى على ذلك الملاحظات الثلاث التي أفادها اُستاذنا الشهيد .

  صفحه 286  

مؤمنة، أو يعتق رقبة كافرة ثُمّ رقبةً مؤمنة، إلاّ أنّ هذا خلاف ظاهر الدليل.

هذا ما ذكره السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ في بحث المطلق والمقيّد(1).

فنقول هنا: لئن كان من المعقول في باب المطلق والمقيّد التخيير بين عتق رقبة مؤمنة فقط وعتق رقبة مؤمنة قبلها عتق رقبة كافرة، فلماذا لا يعقل في المقام التخيير بين العمل الاختياريّ فقط وبين العمل الاختياريّ وقبله العمل الاضطراريّ الذي هو الشقّ الثالث من الشقوق التي فرض بطلانها جميعاً؟ وأيّ فرق بينهما؟

وقد ذكرت مدرسة المحقّق النائينيّ في بحث الواجب التخييري(2): أنّ التخيير بين الأقلّ والأكثر غير معقول، إلاّ إذا اُرجع إلى التخيير بين المتباينين، بأن يخيّر بين ذات الأقلّ بشرط لا وذات الأقلّ بشرط شيء، فلئن كان هذا معقولا في موارد التخيير بين الأقلّ والأكثر، ومعقولا في المطلق والمقيّد، بأن يتخيّر مثلا بين عتق الرقبة المؤمنة بشرط لا عن عتق الكافرة، وبين عتق الرقبة المؤمنة بشرط أن يعتق قبل ذلك الكافرة، فلماذا لا يعقل فيما نحن فيه، بأن يتخيّر بين العمل الاختياريّ بشرط لا عن العمل الاضطراريّ، والعمل الاختياريّ بشرط سبق العمل الاضطراريّ؟!

وتحقيق الكلام في المقام: أنّ التخيير بين الأقلّ والأكثر غير معقول، لا في


(1) راجع المحاضرات للفيّاض، ج  5، ص  379 بحسب طبعة مطبعة مهر بقم.

(2) راجع أجود التقريرات، ج  1، ص  186 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ ، راجع المتن والتعليق. وفوائد الاُصول، ج  1، ص  235 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم. وراجع أيضاً المحاضرات، ج 4، ص  44 ـ 47 بحسب طبعة مطبعة النجف في النجف الأشرف.

  صفحه 287  

المقام ولا في بحث المطلق والمقيّد; وذلك لأنّ التخيير بينهما بلا رجوع إلى التخيير بين المتباينين غير معقول، وبالرجوع إلى التخيير بين المتباينين بأن يخيّر بين الأقلّ بشرط لا والأقلّ بشرط شيء إنّما يعقل لو كان هناك شقّ ثالث على تقدير وجود ذات الأقلّ، أي: أمكن تحقّق ذات الأقلّ من دون تحقّق القيد العدميّ ولا القيد الوجوديّ، وذلك كما لو خيّر بين التسبيحة الواحدة بشرط لا عن أيّ تسبيحة اُخرى وبين ثلاث تسبيحات، فإنّه يمكن انتفاؤهما معاً مع وجود ذات الأقلّ، وذلك بأن يأتي بتسبيحتين، أمّا لو لم يكن لهما ضدّ ثالث كما لو خيّر بين التسبيحة الواحدة بشرط لا عن الثالثة وبين التسبيحة بشرط الثلاث، فهذا التخيير غير معقول; لأنّ الجامع بين القيدين مع تحقّق ذات الأقلّ أمر لابدّ منه تكويناً، فما معنى تعلّق الأمر الضمنيّ بأحدهما على سبيل التخيير؟!

وما نحن فيه، وكذلك باب المطلق والمقيّد من هذا القبيل; فإنّ العمل الاختياريّ بشرط لا عن العمل الاضطراريّ مع العمل الاختياريّ المنضمّ إلى العمل الاضطراريّ لا ثالث لهما بعد فرض إيجاد العمل الاختياريّ، وكذلك عتق الرقبة المؤمنة بشرط لا عن عتق الكافرة، وعتقها مع عتق الكافرة لا ثالث لهما بعد فرض أصل عتق المؤمنة.

الكلام الثاني: أنّ هذا البرهان مشتمل على فرض شقوق ثلاثة للأمر الاضطراريّ على تقدير الصورة الرابعة المنتجة لعدم الإجزاء مع إبطال كلّ واحد منها، بينما هناك شقّ رابع لا دليل على بطلانه، وهو افتراض أمرين: أحدهما تعلّق بالجامع بين الفعل الاختياريّ والاضطراريّ، وهو الذي نسمّيه بالأمر الاضطراريّ، والآخر تعلّق بخصوص العمل الاختياريّ، فإن لم يعمل إلى أن ارتفع العذر في الوقت، ثمّ أتى بالعمل الاختياريّ، كان هذا امتثالا لكلا الأمرين، وإن أتى بالفعل الاضطراريّ ثُمّ ارتفع العذر في أثناء الوقت، فقد امتثل الأمر

 
  صفحه 288  

بالجامع بعمله الاضطراريّ، ولكن هذا المقدار لا يجزي عنه; لوجود أمر آخر عليه بالعمل الاختياريّ لم يمتثله.

فإن قلت: إنّ الأمر بالجامع لغو صرف; إذ يكفي عنه الأمر بالعمل الاختياريّ; حيث إنّه بامتثاله يحصل الجامع أيضاً دون العكس.

قلت: أوّلا: لابدّ ـ على أيّ حال ـ من وجود أمرين; فإنّ المكلّفين على ثلاثة أصناف: فمنهم من هو صحيح قادر على العمل الاختياريّ في تمام الوقت، ومنهم من يحصل له العذر ثُمّ يرتفع عنه العذر في أثناء الوقت، ومنهم من يستمرّ به العذر إلى آخر الوقت.

فبالنسبة إلى الأوّلين لابدّ من أمر بالعمل الاختياريّ الذي هو الواجد لتمام الملاك، وهذا الأمر لا يفيد بالنسبة إلى الثالث لعدم قدرته على العمل الاختياريّ طيلة الوقت، فلابدّ من أمر آخر، وهذا الأمر الآخر كما يمكن تصويره بأن يكون أمراً بالفعل الاضطراريّ مخصوصاً بالمضطرّ الذي استمرّ اضطراره إلى آخر الوقت، كذلك يمكن تصويره بأن يكون أمراً بالجامع بين الفعل الاضطراريّ في حال الاضطرار والفعل الاختياريّ شاملا لكلّ أقسام المكلفين، فمن يستطيع الإتيان بالفعل الاختياريّ يمكنه امتثال الجامع في ضمن هذا الفرد، ومن يبقى عذره إلى آخر الوقت يمتثل الجامع في ضمن الفرد الاضطراريّ.

وثانياً: أنّه من الجائز أن يكون للمولى غرضان: أحدهما في الجامع، والآخر في خصوص العمل الاختياريّ، فلا لغويّة في افتراض أمرين: أحدهما بالجامع والآخر بالحصّة، بحيث لو أتى بالجامع وترك الحصّة كان عذابه أخفّ ممّا لو ترك العمل رأساً.

الكلام الثالث: أنّ برهان مدرسة المحقّق النائينيّ لو تمّ، فإنّما تكون نتيجته ثبوت الحكم الاضطراريّ فيمن اضطرّ أوّل الوقت، والإجزاء بالإتيان بذلك عند

 
  صفحه 289  

الاضطرار وإن زال عنه العذر في آخر الوقت إذا فرض أنّ الأمر الاضطراريّ كان ثابتاً في حقّ من لم يستوعب اضطراره طول الوقت بالتصريح، وأمّا إذا كان بالإطلاق ومن باب عدم التقييد بمن استوعب اضطراره تمام الوقت، فنتيجة هذا البرهان ليست هي ثبوت الحكم الاضطراريّ مع الإجزاء، بل النتيجة هي وقوع التعارض بين إطلاق دليل الحكم الاضطراريّ وإطلاق دليل الحكم الاختياريّ; حيث إنّ شمول إطلاق دليل الحكم الاختياريّ لمن أتى بالفعل الاضطراريّ في أوّل الوقت ثُمّ ارتفع عذره في الأثناء يوجب عدم إجزاء العمل الاضطراريّ، بينما إطلاق دليل الحكم الاضطراريّ يوجب بلحاظ برهان مدرسة المحقّق النائينيّ النافي للصورة الرابعة الإجزاء، فكلّ منهما يدفع الآخر، فإن لم يكن مرجّح لأحد المتعارضين على الآخر من قبيل أن يكون أحدهما بالعموم والآخر بالإطلاق مثلا، تساقطا، ورجعنا إلى الأصل، وهو يقتضي عدم وجوب الإعادة على ما سوف يأتي إن شاء الله، فبالأخرة وصلنا إلى نتيجة الإجزاء المطلوب في المقام، وإن كان أحدهما أرجح، قدّم(1).

الاُسلوب الثاني: دعوى: أنّه وإن لم تكن ملازمة عقليّة بين الأمر الاضطراريّ والإجزاء، ولكن المستظهر بحسب ظاهر الأدلّة هو الإجزاء.

وهذا له عدّة تقريبات:


(1) ولو كان الترجيح مع دليل العمل الاختياريّ، وقدّم على دليل العمل الاضطراريّ، كان معنى ذلك بعد فرض البناء على أصل برهان مدرسة المحقّق النائينيّ: عدم شمول الأمر الاضطراريّ لصورة ارتفاع العذر في أثناء الوقت، لا شموله لها مع عدم الإجزاء.

هذا. وعمدة التعاليق الثلاثة هو التعليق الثاني الذي يردّ البرهان بإبطال نكتته حلاّ.

  صفحه 290  

التقريب الأوّل: أنّه إذا عرفنا أنّ المولى كان بصدد بيان كلّ وظيفة فعليّة للمكلّف، قلنا: إنّه لو لم يكن مجزياً لكان يبيّن: أنّ الوظيفة الفعليّة بعد زوال العذر هي الإعادة، فنعرف بالإطلاق المقاميّ الإجزاء.

إلاّ أنّ هذا التقريب يتوقّف على وجود قرينة خاصّة على كون المولى في مقام بيان كلّ وظيفة فعليّة للمكلّف بهذا الصدد، وإلاّ فمقتضى الطبع الأوّليّ للكلام: أنّه في مقام بيان الوظيفة الاضطراريّة دون أن يستظهر من ذلك كونه في مقام بيان كلّ الوظائف الفعليّة. على أنّه حينما يتمّ إطلاق من هذا القبيل يكون معارضاً لإطلاق دليل الحكم الاختياريّ الشامل لمن أتى بالعمل الاضطراريّ في أوّل الوقت ثُمّ ارتفع عذره المقتضي لعدم الإجزاء، فإمّا يتساقطان، ونرجع إلى الأصل المقتضي لعدم الإعادة، أو يتقدّم أحدهما حينما يكون أقوى بحيث يصلح قرينة على الآخر، دون العكس، ولا يبعد أن يكون الغالب في الإطلاق المقاميّ أنّه الأقوى ولو لضيق دائرته وسعة دائرة الإطلاق المتعارف، لكنّ هذا إنّما يفيد إذا كان الإطلاق المقاميّ في طول التصريح في دليل الأمر الاضطراريّ بشموله لمن عمل عملا اضطراريّاً ثُمّ ارتفع عذره، ولا يفيد إذا كان الإطلاق المقاميّ في طول إطلاق دليل العمل الاضطراريّ لمن عمل ثُمّ ارتفع عذره في الأثناء، فإنّ هذا الإطلاق ليس مقاميّاً.

التقريب الثاني: يتوقّف على أن يستفاد من لسان دليل الحكم الاضطراريّ البدليّة والتنزيل منزلة الوظيفة الاختياريّة، فمتى ما استفيد ذلك: إمّا من اللسان اللفظيّ للدليل كما في مثل «التراب أحد الطهورين»(1)، أو من باب اقتناص هذا


(1) ورد في صحيحة محمّد بن مسلم: «قال: سألت أبا عبدالله عن رجل أجنب، فتيمّم بالصعيد وصلّى، ثُمّ وجد الماء. قال: لا يعيد، إنّ ربّ الماء ربّ الصعيد، فقد فعل أحد الطهورين». وسائل الشيعة، ج  3، باب 14 من التيمّم، ح 15، ص  370 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.

  صفحه 291  

العنوان من مجموع القرائن المقاميّة واللفظيّة ونحو ذلك، كان مقتضى إطلاق البدليّة هو البدليّة على الإطلاق، أي: البدليّة في كلّ الجهات والمراتب، وإذا كان كذلك أوجب الإجزاء لا محالة.

وهذا تقريب تامّ في كلّ مورد انتزع من دليل الحكم الاضطراريّ لفظاً أو مقاماً البدليّة والتنزيل منزلة العمل الاختياريّ، وإشكال التعارض مع إطلاق دليل الحكم الاختياريّ لا يأتي هنا; لأنّه إذا فرض: أنّ لسان دليل الحكم الاضطراريّ كان هو لسان البدليّة والتنزيل منزلة العمل المحكوم بالحكم الاختياريّ، كان ناظراً ـ لا محالة ـ إلى الوظيفة الواقعيّة الاختياريّة، فيكون حاكماً على دليل الحكم الواقعيّ الاختياريّ بملاك النظر(1). هذا.


(1) لا يخفى: أنّ هذا المطلب تارةً يصاغ بصياغة مناسبة للكبرى الاُولى من كبريي الإجزاء، وهي كبرى: أنّ حصول الغرض يستلزم الإجزاء، بأن يقال: إنّ ظاهر دليل الوظيفة الاضطراريّة البدليّة عن الوظيفة الاختياريّة في تمام المراتب والملاكات، وهذا هو الذي يكون بحاجة إلى نكتة خاصّة في اللفظ كما في مثل: «التراب أحد الطهورين»، أو إلى اقتناص هذا العنوان من مجموع القرائن المقاميّة واللفظيّة، ونحو ذلك.

واُخرى يصاغ بصياغة تناسب الكبرى الثانية من كبريي الإجزاء، وهي كبرى: استلزام الإتيان بالمتعلّق للإجزاء، وذلك بأن تترك مسألة البدليّة في الأثار والملاكات، بل يقال فقط: إنّ دليل العمل الاضطراريّ يكون عادةً ناظراً إلى الحكم الاختياريّ، وعلاج مشكلة الاضطرار التي منعت المكلّف في حينه عن العمل الاختياريّ، وهذا النظر يعطيه ظهوراً في البدليّة، ولا أقصد البدليّة في الآثار والملاكات أو المراتب، وإنّما أقصد البدليّة في التكليف، فلو كان هذا الدليل له إطلاق لمن اضطرّ في أوّل الوقت وبُرئ في آخره، لكان ـ لا محالة ـ ظاهراً في أنّ حكمه الاختياريّ تحوّل إلى الحكم التخييريّ بين العمل

  صفحه 292  

وقد ذكر المحقّق العراقيّ تقريباً(1) لدلالة إطلاق دليل الحكم الاضطراريّ على الإجزاء لا يبعد رجوعه إلى هذا التقريب، ولكن أعقبه بإشكالين:

الإشكال الأوّل: أنّ إطلاق البدليّة لتمام المراتب في دليل الحكم الاضطراريّ الحاكم بالصلاة الجلوسيّة مثلا يعارض ظهور دليل الحكم الاختياريّ في دخل القيام في المصلحة ولو ببعض مراتبها(2).

والجواب على ذلك ما عرفته من حكومة دليل الحكم الاضطراريّ بملاك النظر.

الإشكال الثاني: تصعيد للإشكال الأوّل، بتقريب: أنّه إذا وقع التعارض بين إطلاق دليل البدليّة ودليل الحكم الاختياريّ، قدّم دليل الحكم الاختياريّ.

وذكر في مقام تقريب ذلك نكتتين(3):

الاُولى: أنّ ظهور دليل البدليّة في البدليّة في جميع المراتب يكون بالإطلاق،


الاضطراريّ في أوّل الوقت والاختياريّ في آخره، أو أنّ الحكم من أوّل الأمر كان تخييريّاً بين العمل الاختياريّ في حال الاختيار والاضطراريّ في حال الاضطرار، وإذا كان الأمر كذلك، فقد حصل الإجزاء ـ لا محالة ـ بإتيان متعلّق الأمر.

ولا يشذّ عن هذا الذي ذكرناه إلاّ فرض نادر، وهو فرض ما إذا لم يكن دليل الاضطرار ناظراً إلى الحكم الاختياريّ: إمّا بأن يكون دليلا لبّيّاً لا نظر له، أو بأن يكون دليلا لفظيّاً أوجب شيئاً في حال الاضطرار، لا كعلاج لمشكلة الاضطرار حتّى يكون ناظراً إلى الحكم الاختياريّ.

(1) راجع المقالات، ج  1، ص  274 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ.

(2) نفس المصدر، ص 275.

(3) نفس المصدر.

  صفحه 293  

بينما ظهور دليل الحكم الاختياريّ في دخل القيام في المصلحة ظهور وضعيّ للهيئة التركيبيّة لقوله: «صلِّ قائماً»، فيقدّم على الظهور الإطلاقيّ.

ويرد عليه: أنّ فرض كون دلالة قوله: «صلِّ قائماً» على دخل القيام في المصلحة بالظهور الوضعيّ للهيئة التركيبيّة لا يؤثّر في مقام تقديم دليل الحكم الاختياريّ على دليل البدليّة; وذلك لأنّ المعارض لإطلاق البدليّة ليس هو أصل دخل القيام في المصلحة، وإنّما هو إطلاق دخله فيها لصورة ما إذا ارتفع العذر في الأثناء، ولا إشكال في أنّ هذا بالإطلاق لا بالوضع.

الثانية: أنّ دليل الحكم الاختياريّ حاكم على دليل الحكم الاضطراريّ; وذلك لأنّ دليل الحكم الاختياريّ ظاهر في دخل القيام في المصلحة المطلوبة، وهذا يقتضي وجوب حفظ القدرة على القيام، وذلك يقتضي المنع من تفويت القدرة، أي: المنع من إيقاع نفسه في الاضطرار، والاضطرار هو موضوع دليل الحكم الاضطراريّ، إذن فدليل الحكم الاختياريّ رافع لموضوع دليل الحكم الاضطراريّ، فيكون حاكماً عليه، فيقدّم عليه بالحكومة.

وهذا الكلام منه غريب جدّاً، ولو كنّا قد رأيناه في كلام شخص آخر ينسبه إليه، لكنّا نطمئنّ بخطأ النسبة، لكنّه قد جرى هذا الكلام على قلمه الشريف في مقالاته.

ومن الواضح: أنّ الحكومة بملاك رفع الموضوع إنّما تكون في نفي الموضوع شرعاً بلحاظ عالم الجعل والاعتبار، كما لو نفى الربا بين الوالد وولده، فيحكم على دليل حرمة الربا; وذلك باعتبار أنّ هذا الدليل دلّ على انتفاء موضوع الحكم الآخر، وإذا انتفى الموضوع انتفى المحمول الذي هو الحكم، ولا يكون في النهي عن إيجاد الموضوع خارجاً، كما لو نهى عن الربا بين الوالد وولده، فهذا النهي لا يكون حاكماً على دليل حكم من أحكام الربا; إذ لو عصى النهي وأوجد الربا

 
  صفحه 294  

بين الوالد وولده فهذا الدليل لا يدلّ على انتفاء الربا ـ وهو الموضوع ـ حتّى ينتفي الحكم والمحمول، وفي ما نحن فيه لو سلّمت كلّ هذه الدلالات، فغايته النهي عن إيقاع النفس في الاضطرار، أمّا لو أوقع نفسه في الاضطرار، أو وقع قهراً في الاضطرار، فدليل الحكم الواقعيّ الاختياريّ لم ينفِ تحقّق هذا الاضطرار حتّى يكون حاكماً على دليل الحكم الاضطراريّ ومقدّماً عليه.

التقريب الثالث: ما ذكره المحقّق العراقيّ : من أنّ دليل الأمر الاضطراريّ حينما يطلق يدلّ بإطلاقه على الوجوب التعيينيّ للصلاة الجلوسيّة مثلا، كما هو الحال في كلّ أمر; فإنّه ظاهر بإطلاقه في التعيينيّة، وتعيينيّة هذا الأمر ملازمة للإجزاء; وذلك لأنّ المحتملات الثبوتيّة في العمل الاضطراريّ الذي اُمر به من حيث الوفاء بالغرض ثلاثة:

الاحتمال الأوّل: أن يكون وافياً بتمام الغرض، فيوجب الإجزاء بملاك استيفاء الغرض، ولكن هذا الاحتمال منفيّ بظهور الأمر في التعيين; إذ لو كان العمل الاضطراريّ وافياً بتمام الملاك، إذن لكان الملاك في الجامع بين أن يأتي بالفعل الاختياريّ بعد زوال عذره، وأن يأتي بالفعل الاضطراريّ حين العذر، فلابدّ من الأمر بالجامع بينهما، ولا مبرّر للأمر التعيينيّ بخصوص الفعل الاضطراريّ.

الاحتمال الثاني: أن يكون وافياً ببعض الغرض لا بتمام الغرض، وأن يمكن استيفاء باقي الغرض بالإتيان بالفعل الاختياريّ بعد زوال العذر، وهذا معناه: أنّ الغرض كأ نّما ينقسم إلى ملاكين: أحدهما موجود في الجامع بين الفعلين، والآخر موجود في خصوص الحصّة الاختياريّة، وهذا يوجب عدم الإجزاء، لكن ظهور الأمر الاضطراريّ في التعيينيّة أيضاً ينفي هذا الاحتمال; فإنّ الأمر بالحصّة الاضطراريّة إنّما هو لأجل الملاك المشترك بين الحصّتين، بينما هذا يوجب الأمر التخييريّ بالجامع، لا الأمر التعيينيّ بالحصّة الاضطراريّة، ولا مبرّر للأمر التعيينيّ بالفعل الاضطراريّ.

 
  صفحه 295  

الاحتمال الثالث: أن يكون وافياً ببعض الغرض لا بتمامه، وأن لا يمكن استيفاء باقي الغرض، وهذا يوجب الإجزاء بملاك العجز عن باقي الغرض، وهنا أيضاً الملاك المقتضي للأمر الاضطراريّ متعلّق بالجامع، إلاّ أنّ هناك مبرّراً لتعلّق الأمر التعيينيّ بالفعل الاضطراريّ، وهو أنّه لولا الأمر التعيينيّ كما لو كان الأمر متعلّقاً بالجامع، لم يسمح العقل باختيار هذا الفرد من الجامع، أعني: الفعل الاضطراريّ; لأنّه مفوّت لباقي الغرض، ومعجّز عن تحصيله، إلاّ أنّ حكم العقل بعدم جواز ذلك معلّق طبعاً على عدم مجيء ما يخالفه من الشارع في ذلك، والأمر التعيينيّ بالحصّة الاضطراريّة يخالف ذلك، فيفرض: أنّ المولى أمر تعييناً بهذه الحصّة دفعاً لحكم العقل بعدم جواز اختيار هذه الحصّة.

فتحصّل: أنّ ظهور الأمر الاضطراريّ في التعيينيّة لا ينسجم إلاّ مع هذا الاحتمال الثالث المستلزم للإجزاء، إذن فالأمر الاضطراريّ يدلّ على الإجزاء(1).

هذا غاية ما يمكن أن يقال في مقام توضيح مرام المحقّق العراقيّ .

ويرد عليه:

أوّلا: أنّه لا معنى للأمر التعيينيّ بالحصّة الاضطراريّة على الاحتمال الثالث أيضاً; وذلك لأنّ الأمر بالفعل الاختياريّ في حقّ هذا الشخص: إمّا يفرض كونه أمراً بخصوص الحصّة الاختياريّة التي لم يسبقها الفعل الاضطراريّ، أو يفرض كونه أمراً بإيقاع الفعل الاختياريّ بين الحدّين كالزوال والغروب، من دون تقييد ذلك بتلك الحصّة الاختياريّة التي لم يسبقها الفعل الاضطراريّ.

فإن فرض الأوّل، فالإلزام بالمقيّد إلزام بالقيد لا محالة، فهذا إلزام له بعدم


(1) راجع المقالات، ج  1، ص  268 ـ 269، و ص  277 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ بقم.

  صفحه 296  

الإتيان بالحصّة الاضطراريّة، فكيف يجتمع ذلك مع الإلزام التعيينيّ بالإتيان بالحصّة الاضطراريّة؟!

وإن فرض الثاني(1)، فلا قبح في تفويت باقي غرض المولى بالإتيان بالحصّة الاضطراريّة حتّى يكون هذا مبرّراً للأمر التعيينيّ بالحصّة الاضطراريّة بداعي دفع هذا القبح; وذلك لأنّ الإتيان بالحصّة الاضطراريّة لا يكون مفوّتاً للعمل بالأمر، وإنّما هو مفوّت لغرض لم يتصدَّ المولى لتحصيله بالأمر، والغرض الذي لم يتصدّ المولى لتحصيله، ولم يأمر به لا يدخل تحت عهدة المكلّف كما هو مسلّم عند المحقّق العراقيّ ، وهو أساس للقول بالبراءة في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين، إذن فينبغي أن يكون الأمر الاضطراريّ متعلّقاً بالجامع لنشوئه من ملاك موجود في الجامع، ولا مبرّر لتعلّقه بخصوص الحصّة الاضطراريّة.

وثانياً(2): أنّنا لو غضضنا النظر عن الإشكال الأوّل، فأيضاً نقول: لا مبرّر للأمر


(1) فكان عدم الإتيان بالحصّة الاضطراريّة قيداً لوجوب خصوص الحصّة الاختياريّة، لا قيداً للواجب.

(2) الأولى أن يقرّب الإشكال بهذا البيان: وهو أنّ الأمر التعيينيّ بالعمل الاضطراريّ: إن فرض أمراً بداعي البعث والتحريك الحقيقيّ، فهذا لا يعقل نشوؤه إلاّ من ملاك في الحصّة المعيّنة دون الملاك في الجامع، كما ينبّه إلى ذلك أنّه يترتّب على هذا الأمر التعيينيّ محذوران، وهنا يذكر المحذوران الموجودان في متن كلام اُستاذنا الشهيد . وإن فرض أمراً صوريّاً بداعي المنع عن حكم العقل بلزوم ترك الحصّة الاضطراريّة حفظاً للقدرة، فالأمر الصوريّ لا معنى له، ولا أثر له، إلاّ إذا رجع في حقيقته إلى الترخيص في الحصّة الاضطراريّة الذي هو ترخيص في تفويت الملاك، وحمل الأمر على التخيير ليس بأكثر مخالفة للظاهر من حمله على الأمر الصوريّ أو الترخيص، فلا يبقى مبرّر للأصل الموضوعيّ الذي فرض لهذا الدليل، وهو دلالة الأمر بإطلاقه على التعيينيّة.

  صفحه 297  

التعيينيّ بالحصّة الاضطراريّة، فإنّ هذا الأمر قد نشأ من ملاك في الجامع بحسب الفرض، فيجب أن يكون متعلّقاً بالجامع، ولا يجوز تعلّقه بالحصّة الاضطراريّة. وأمّا تبرير ذلك بكون الأمر التعيينيّ بالحصّة الاضطراريّة استطراقاً إلى رفع حكم العقل بقبح الإتيان بالحصّة الاضطراريّة مع فرض زوال العذر في الأثناء; لكونه مفوّتاً لقسم من الغرض، فممنوع; وذلك لأنّه يكفي في رفع حكم العقل بقبح ذلك مجرّد الترخيص من قبل الشارع في الحصّة الاضطراريّة بلا حاجة إلى الأمر التعيينيّ بها، والترخيص في ذلك يتحقّق: إمّا بدعوى: أنّ نفس الأمر التخييريّ بالجامع يستبطن الترخيص في التطبيق على هذه الحصّة، أو بأن ينشئ المولى ترخيصاً خاصّاً في ذلك، إذن فلو أمر تعييناً بالحصّة الاضطراريّة، لم يكن أمره كذلك لمجرّد الاستطراق إلى رفع حكم العقل بقبح الإتيان بتلك الحصّة حتّى يفرض مثلا: أنّه لا يترتّب على هذا الأمر محذور; لعدم وجوب طاعته; لعدم كونه أمراً حقيقيّاً بذاك المعنى، بل هو استطراق إلى رفع ذلك القبح، بل يكون أمراً تعيينيّاً حقيقيّاً بداعي البعث الحقيقيّ إلى الحصّة الاضطراريّة، بينما هو ناشئ من الملاك الثابت في الجامع، لا في خصوص تلك الحصّة، ويترتّب على هذا الأمر التعيينيّ محذوران:

1 ـ إنّه لو خالفه المكلّف، ولم يأتِ بالفعل الاضطراريّ إلى أن زال الاضطرار، فاُمر بالفعل الاختياريّ، وخالفه أيضاً إلى أن انقضى الوقت، عوقب بعقابين، وكان أسوأ حالا ممّن لم يبتلِ بالاضطرار في شيء من الوقت، وترك الواجب في تمام الوقت، مع أنّ تفويت الملاك وغرض المولى في كلا الفرضين يكون بمقدار واحد; فإنّه لم يفوّت في المقام ملاكاً في خصوص الحصّة الاضطراريّة; إذ ليس هناك ملاك في خصوصها بحسب الفرض.

2 ـ إنّه لو خالف المكلّف الأمر الاضطراريّ، ولم يأتِ بالفعل الاضطراريّ إلى

 
  صفحه 298  

أن زال الاضطرار، فأتى بالفعل الاختياريّ في داخل الوقت، كان معاقباً مع أنّه لم يخلّ بشيء من غرض المولى، فهذا تسجيل جزاف للعقاب عليه، اللّهمّ إلاّ أن يفرض المحقّق العراقيّ : أنّ الأمر الاضطراريّ كان مقيّداً بما إذا لم يأتِ بالفعل الاختياريّ بعد زوال العذر، وهذا عود إلى ما فرّ منه; فإنّه افترض الأمر الاضطراريّ تعيينيّاً عملا بإطلاق الأمر، وفراراً من تقييده بلا موجب، بينما هذا تقييد له ولو عن طريق آخر، وليس هذا التقييد بأولى من ذاك التقييد(1).

التقريب الرابع: ما ذكره المحقّق الإصفهانيّ ، حيث ذكر: أنّه إمّا أن يفرض: أنّ الملاك بتمام مراتبه موجود في الجامع بين الحصّة الاختياريّة حين الاختيار والحصّة الاضطراريّة حين الاضطرار، أو يفرض: أنّ أصل الملاك موجود في الجامع، ومرتبته العالية في خصوصيّة الحصّة الاختياريّة، وهي القيام مثلا في الصلاة، والفرض الأوّل ملازم للإجزاء، والفرض الثاني يستبطن عدم الإجزاء، إلاّ أنّه يستلزم توجّه أمر إلى العبد بعد زوال عذره لا بالصلاة القياميّة مثلا، بل بالقيام في الصلاة، وبتعبير آخر: يستلزم توجّه أمر إليه بالخصوصيّة لا بذي الخصوصيّة; لأنّ المرتبة الشديدة من الملاك المستوجبة لأمر آخر إنّما هي في الخصوصيّة، بينما دليل عدم الإجزاء وهو إطلاق دليل الأمر بالصلاة الاختياريّة إنّما يدلّ بظاهره على الأمر بذي الخصوصيّة، وهي الصلاة القياميّة مثلا، لا بالخصوصيّة وهي القيام في الصلاة، وهذا غير محتمل سواء قلنا بالإجزاء أم قلنا بعدم الإجزاء; إذ على الإجزاء يكون الملاك بنفسه وبمرتبته في الجامع، فلا مبرّر للأمر بصلاة


(1) على أنّ فرض الأمر الاضطراريّ مقيّداً بما إذا لم يأتِ بالفعل الاختياريّ هدمٌ لأصل هذا الدليل; إذ الأمر الاضطراريّ المقيّد بذلك ليس بأحسن حالا من الأمر بالجامع في المنع عن حكم العقل بترك الحصّة الاضطراريّة وعدمه.

  صفحه 299  

قياميّة بعد زوال العذر لاستيفاء تمام الملاك، وعلى عدم الإجزاء تكون المرتبة الشديدة للملاك قائمة بالخصوصيّة، وذلك يقتضي الأمر بالخصوصيّة، لا بذي الخصوصيّة، فما هو ظاهر الدليل غير محتمل، وما هو محتمل في صالح عدم الإجزاء، وهو فرض الأمر بالخصوصيّة غير ظاهر من الدليل(1).

وهذا الدليل في الحقيقة إن تمّ، يبرهن على عدم دلالة دليل الأمر الاختياريّ على عدم الإجزاء، ولا يبرهن على الإجزاء، فإذا تمّ هذا الدليل، وجب الرجوع في مقام إثبات الإجزاء إلى إطلاق أو أصل ونحو ذلك.

والتحقيق: أنّ هذا الدليل غير تامّ; لعدّة وجوه:

الأوّل: ما تفطّن إليه المحقّق الإصفهانيّ (2) نفسه، وهو: أنّه ليس الأمر دائراً بين أن يكون للواجب ملاك واحد كلّه في الجامع، أو ذاته في الجامع ومرتبته في الخصوصيّة، بل من المحتمل أن يكون في الواجب ملاكان مستقلاّن يمكن فرض أحدهما في الجامع، والآخر في ذي الخصوصيّة بما هو ذو الخصوصيّة، أعني: الصلاة القياميّة، لا في الخصوصيّة وهي القيام في الصلاة مثلا، وحينئذ لا يتمّ الإجزاء، وفي نفس الوقت يكون هذا الفرض منسجماً مع ظاهر دليل الأمر الاختياريّ الذي يدلّ على الأمر بذي الخصوصيّة، لا الخصوصيّة.

الثاني: أنّنا حتّى لو فرضنا ملاكاً واحداً في المقام، بالإمكان أن يفترض: أنّ الجامع دخيل في أصل الملاك، وفي مرتبته، غاية الأمر: أنّ دخله في أصل الملاك يكون بنحو العلّيّة التامّة، ولكن دخله في مرتبته يكون بنحو الاقتضاء، ويحتاج في تأثيره إلى شرط، وهو اقتران الجامع بالخصوصيّة كالقيام، وما أكثر المقتضيات


(1) راجع نهاية الدراية، ج  1، ص  383 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.

(2) راجع نفس المصدر، ص  282 ـ 283.

  صفحه 300  

التي تحتاج في مقام التأثير إلى شروط، فهذا الفرض ينسجم مع عدم الإجزاء، وفي نفس الوقت ينسجم مع فرض توجّه الأمر إلى ذي الخصوصيّة، وهي الصلاة القياميّة، لا إلى الخصوصيّة.

الثالث: أنّنا حتّى لو فرضنا: أنّ مرتبة الملاك تكون في الخصوصيّة، لا في ذي الخصوصيّة، فاقتضى ذلك بالدقّة العقليّة تعلّق الإرادة المولويّة بالخصوصيّة، لا بذي الخصوصيّة، قلنا: إنّ صياغة الأمر بالخطاب بالخصوصيّة بأن يقول المولى له مثلا بعد زوال العذر: «أوجد القيام في الصلاة» ليست صياغة عرفيّة، بينما صياغته بلسان الأمر بذي الخصوصيّة بأن يقول: «صلِّ قائماً» صياغة عرفيّة مقبولة يرتكبها العرف، وإن فرض كون الإرادة والحبّ بالدقّة منصبّاً على الخصوصيّة، فلا بأس بالتمسّك بإطلاق دليل الأمر بالصلاة قائماً مثلا لفرض ثبوت العذر في أوّل الوقت، وزواله بعد الإتيان بالعمل الاضطراريّ.

هذا تمام الكلام فيما إذا كان لدليل الأمر الاختياريّ إطلاق يقتضي عدم الإجزاء، وقد عرفت وجوهاً خمسة للإجزاء: أحدها الملازمة الثبوتيّة، والباقي تقريبات إثباتيّة، وإنّ شيئاً منها غير قابل للقبول عدا الوجه الثالث، وهو التقريب الثاني من التقريبات الإثباتيّة.

وأمّا إذا فرض عدم إطلاق له من هذا القبيل، فقد يفرض: أنّ له إطلاقاً يقتضي الإجزاء، بأن كان منحلاًّ إلى دليل دلّ على أصل الفعل الاختياريّ بالإطلاق، ودليل آخر منفصل يقيّد ذلك الإطلاق بقيد كالقيام مثلا، لكن هذا الدليل لم يكن له إطلاق لما إذا أتى بالفعل في حال الاضطرار، كما هو الحال في أدلّة الأجزاء والشرائط للصلاة التي لم تثبت إلاّ بالأدلّة اللبّيّة، كما في اشتراط الطمأنينة مثلا، إذن فإطلاق الحكم الواقعيّ الأوّليّ يبقى على حاله في حقّ العاجز من هذا القيد، فيقتضي الإجزاء لا محالة، ففي هذا الفرض لا كلام في الإجزاء.

 
  صفحه 301  

وقد يفرض: أنّ دليل الفعل الاختياريّ لا يقتضي إطلاقه الإجزاء ولا عدم الإجزاء، كما لو كان دليلا مجملا أو لبّيّاً لا إطلاق له، وحينئذ فإن قلنا بتماميّة أحد الوجوه الخمسة الماضية في القسم السابق، ثبت الإجزاء بالدليل الاجتهاديّ، وإلاّ وصلت النوبة إلى الأصل العمليّ.

وذكر صاحب الكفاية : أنّ مقتضى الأصل العمليّ هو البراءة عن وجوب الإعادة(1).

وقد يعترض على ذلك باعتراضين:

الاعتراض الأوّل: ما ذكره المحقّق العراقيّ (2) إيراداً على صاحب الكفاية: من أنّ احتمال الإجزاء: إمّا ينشأ من احتمال وفاء العمل الاضطراريّ بكلّ الملاك أو بجلّه، بحيث يكون ما عداه أقلّ من الملاك الإلزاميّ، أو ينشأ من احتمال كون الباقي غير قابل للتدارك بعد العلم ببقاء مقدار من الملاك بدرجة الإلزام.

وله في كلّ من الفرضين كلام:

أمّا الفرض الأوّل: وهو ما لو نشأ احتمال الإجزاء من احتمال وفاء العمل الاضطراريّ بكلّ الملاك أو جلّه، بأن يكون الملاك في الجامع بين الفعل الاختياريّ والاضطراريّ، فيقول فيه: إنّه يكون مرجع الشكّ إلى الشكّ في التعيين والتخيير; إذ لو كان العمل الاضطراريّ وافياً بالملاك، كنّا مخيّرين بينه وبين العمل الاختياريّ، وإلاّ تعيّن علينا العمل الاختياريّ، ومختاره ومختار صاحب الكفاية في دوران الأمر بين التعيين والتخيير هو أصالة الاشتغال، لا البراءة.


(1) الكفاية، ج  1، ص  130 بحسب طبعة المشكينيّ.

(2) راجع المقالات، ج  1، ص  271 ـ 272 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ بقم، وراجع نهاية الأفكار، ج 1، ص  230 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  صفحه 302  

وتحقيق الكلام في ذلك: أنّ في تصوير حال الحكم الاضطراريّ على تقدير عدم الإجزاء، أي: فرض بقاء مقدار معتدّ به من الملاك قابل للتدارك عدّة مباني:

المبنى الأوّل: ما اخترناه من تعلّق الأمر الاضطراريّ بنحو تعدّد الأمر، فهناك أمر بالجامع، وهناك أمر بالحصّة الاختياريّة، وعليه فيصبح الأمر بالجامع مقطوعاً به; إذ لو كان الملاك كلّه في الجامع، إذن فنحن مأمورون بالجامع، ولو كان قسم من الملاك لا يحصل بالجامع، ولابدّ فيه من الإتيان بخصوص الحصّة الاختياريّة، تحقّق في المقام أمران: أحدهما متعلّق بالجامع، فليس المقام من دوران الأمر بين التعيين والتخيير الذي ليس الأمر فيه بالجامع بحدّه الجامعيّ محرزاً، وإنّما المقام من موارد القطع بالأمر بالجامع بحدّه الجامعيّ والشكّ في أمر زائد متعلّق بخصوص الحصّة الاختياريّة، فلا محالة تجري البراءة، ولا يرتبط المورد بمبحث الأصل في دوران الأمر بين التعيين والتخيير أصلا.

المبنى الثاني: دعوى تصوير الأمر الاضطراريّ بافتراض الأمر التخييريّ بين الأقلّ وهو الفعل الاختياريّ بعد زوال العذر، والأكثر وهو الفعل الاضطراريّ قبل زوال العذر مع الاختياريّ بعد زواله، ومبنيّاً عليه يكون الأمر دائراً بين شقّين:

الأوّل: فرض الإجزاء، وهو كون الأمر ابتداء بالجامع بين الفعل الاضطراريّ والاختياريّ، فهو أمر تخييريّ بين المتباينين.

والثاني: فرض عدم الإجزاء، وهو كون الأمر تخييريّاً بين الأقلّ والأكثر، وهذا معناه: أنّنا نقطع بوجود أمر تخييريّ، ونقطع بأنّ أحد عدلي هذا الواجب التخييريّ عبارة عن الصلاة القياميّة مثلا، ولا ندري أنّ العدل الآخر هل هو عبارة عن الصلاة الجلوسيّة، أو عبارة عن مجموع الصلاة الجلوسيّة والقياميّة، فيدور الأمر بين الأقلّ والأكثر، وتجري البراءة عن الزائد، فإنّه كما لو دار أمر أصل واجب بين الأقلّ والأكثر جرت البراءة عن الزائد، كذلك لو دار أمر أحد عدلي الواجب

 
  صفحه 303  

التخييريّ بين الأقلّ والأكثر، جرت البراءة عن الزائد، فلا يكون المقام مرتبطاً بباب الأصل في دوران الأمر بين التعيين والتخيير، بل مرتبط بباب دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، وإن شئت فقل: إنّ الجامع بين الصلاة القياميّة والصلاة الجلوسيّة معلوم الوجوب، ولا يعلم بوجوب الجامع بين الصلاة القياميّة والزائد على الصلاة الجلوسيّة الذي(1) هو نفس الصلاة القياميّة.

المبنى الثالث: دعوى عدم تعقّل الأمر الاضطراريّ في صورة زوال العذر في الأثناء مع افتراض عدم الإجزاء وبقاء مقدار معتدّ به من الملاك، كما عن مدرسة المحقّق النائينيّ ، وحينئذ إن وجد دليل على الأمر الاضطراريّ، كان بنفسه دليلا اجتهاديّاً على الإجزاء ببرهان مدرسة المحقّق النائينيّ الذي مضى، وإن لم يوجد دليل على ذلك، صار الأمر كما يقوله المحقّق العراقيّ دائراً بين التعيين والتخيير; إذ لو كان كلّ الملاك أو جلّه موجوداً في الجامع بين العمل الاختياريّ والاضطراريّ، لزم التخيير، ولو لم يكن العمل الاضطراريّ مشتملا على جلّ الملاك أو كلّه، كان العمل الاختياريّ واجباً تعيينيّاً، فجريان البراءة أو الاشتغال في المقام يتفرّع على المبنى في مبحث دوران الأمر بين التعيين والتخيير، فكلّ على مبناه.

وأمّا الفرض الثاني: وهو ما لو نشأ احتمال الإجزاء من احتمال كون الباقي غير قابل للتدارك بعد العلم ببقاء مقدار من الملاك بدرجة الإلزام، فقد ذكر المحقّق العراقيّ : أنّ الشكّ في التكليف هنا نشأ من الشكّ في القدرة، وفي مثل ذلك تجري أصالة الاشتغال، لا البراءة.

أقول: إنّ فرضيّة بقاء مقدار من الملاك بدرجة الإلزام غير قابل للتدارك بعد


(1) صفة لكلمة الزائد، لا لكلمة الجامع.

  صفحه 304  

الإتيان بالفعل الاضطراريّ فيها عدّة مباني:

المبنى الأوّل: أن يلتزم على هذا الفرض بتعلّق الأمر بالجامع بين الفعل الاختياريّ والفعل الاضطراريّ، والترخيص في تطبيق الجامع على الفعل الاضطراريّ بالرغم من أنّه يوجب تفويت جزء من الملاك اللزوميّ; وذلك لافتراض وجود مصلحة في إطلاق العنان يتدارك بها مفسدة التفويت، وبناءً على هذا يكون حال هذا الفرض حال الفرض الأوّل، وهو فرض كون الإجزاء على أساس استيفاء الملاك، فإنّه هنا وإن لم يستوفِ الملاك، لكن استوفى ما به يتدارك مفسدة التفويت، فيأتي هنا كلّ ما شرحناه في الفرض الأوّل بما فيه من المباني الثلاثة.

المبنى الثاني: مبنى المحقّق العراقيّ حيث كان يفرض: أنّ بإمكان المولى الأمر التعيينيّ بالصلاة الجلوسيّة مثلا لرفع حكم العقل بقبح التفويت، على ما مرّ سابقاً، وهذا معناه: أنّه لا يريد التحفّظ حقيقة على الصلاة القياميّة إذا أتى العبد بالصلاة الاضطراريّة; إذ لا يعقل أن يأمر بالصلاة الجلوسيّة تعييناً، ومع ذلك يريد التحفّظ على الصلاة القياميّة، فيكون عدم الإتيان بالصلاة الجلوسيّة قيداً في وجوب الصلاة القياميّة، فإذن وجوب الصلاة القياميّة ـ على تقدير عدم الإتيان بالصلاة الجلوسيّة ـ معلوم على كلّ حال، ولكن وجوبها على تقدير الإتيان بالصلاة الجلوسيّة غير معلوم; إذ لعلّ الملاك الفائت غير قابل للاستيفاء، فتجري البراءة عنه، ولا مجال لحديث الشكّ في القدرة; لأنّ الشكّ في القدرة إنّما يكون مجرىً لأصالة الاشتغال إذا كان الشكّ في القدرة على ما علم بدخوله في عهدة المكلّف، والغرض الذي لم يتصدَّ المولى إلى تحصيله لا يكون داخلا في عهدة المكلّف، فما يدخل في عهدته هنا إنّما هو الواجب، وهو الصلاة القياميّة، ولا شكّ في قدرته عليه، وإنّما المشكوك قدرته عليه هو الغرض، وهو لا يدخل في العهدة،

 
  صفحه 305  

إلاّ بالمقدار الذي تصدّى المولى إلى تحصيله، فالتفويت القطعيّ جائز، فكيف
بالتفويت الاحتماليّ.

فإن قلت: إنّه يعلم إجمالا على هذا المبنى: إمّا بالوجوب التعيينيّ للصلاة الجلوسيّة، كما لو كان باقي الملاك غير قابل للتدارك، أو بإطلاق وجوب الصلاة القياميّة لصورة الإتيان بالصلاة الجلوسيّة كما لو كان باقي الملاك قابلا للتدارك، وهذا العلم الإجماليّ منجّز للتكليف.

قلت: إنّ هذا العلم الإجماليّ ليس منجّزاً حتّى لو كان الإلزام بالصلاة الجلوسيّة ـ  على تقدير عدم إمكان تدارك الباقي  ـ إلزاماً حقيقيّاً، لا شكليّاً لأجل رفع قبح تفويت الغرض; وذلك لأنّ أحد طرفي العلم الإجماليّ تقديريّ، فلا يكون علماً إجماليّاً بالتكليف الفعليّ على كلّ تقدير، فإنّ إطلاق وجوب الصلاة القياميّة الذي هو أحد طرفي العلم الإجماليّ معناه: أنّه لو أتى بالصلاة الجلوسيّة كانت الصلاة القياميّة بعد ارتفاع العذر واجبة عليه، وأمّا وجوبها لو لم يأتِ بالصلاة الجلوسيّة فمعلوم بالعلم التفصيلي.

نعم، يصبح العلم الإجماليّ علماً إجماليّاً بالتكليف الفعليّ بعد تحقّق الشرط خارجاً، بأن يأتي بالصلاة الجلوسيّة ومعه يخرج الطرف الآخر عن محلّ الابتلاء، فعلى أيّ حال لا يعلم بتكليف فعليّ داخل في محلّ الابتلاء(1).


(1) إلاّ إذا علم في أوّل الوقت بأنّه سيصلّي من جلوس قبل البرء، وسيبرأ عن المرض قبل انقضاء الوقت، فيحصل له العلم الإجماليّ بالتكليف الفعليّ بالصلاة الجلوسيّة في أوّل الوقت أو القياميّة في آخره.

إلاّ أنّ هذا العلم الإجماليّ ـ على أيّ حال ـ لا تنجيز له، كما أشار إليه اُستاذنا الشهيد

  صفحه 306  

هذا مهمّ ما ينبغي أن يقال على المبنى الثاني.

المبنى الثالث: أن يقال بأنّه بناءً على فوت الملاك الملزم بالصلاة الجلوسيّة، لا يعقل الأمر، لا بالجامع ولا بخصوص الصلاة الجلوسيّة; لأنّ كلّ واحد منهما يوجب تفويت الملاك، ومعنى ذلك: أنّ المولى لا يرضى بالتفويت، إذن فيأخذ عدم الإتيان بالصلاة الجلوسيّة قيداً في الواجب الاختياريّ، أي: أنّه يأمر بالصلاة القياميّة المقيّدة بأن لا تكون قبلها صلاة جلوسيّة، بينما لو لم يكن الإتيان بالجلوسيّة موجباً لعدم إمكان تدارك باقي الملاك، يأمر بالصلاة القياميّة بلا قيد، فما نحن فيه يدخل ـ على هذا ـ في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، فوجوب الأقلّ وهو أصل الصلاة القياميّة معلوم، والقيد مشكوك، فتجري البراءة عن القيد، ويتنجّز عليه المطلق(1)، كما هو الحال في كلّ موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر.

هذا لو كان ملتفتاً من أوّل الأمر.

أمّا لو تخيّل أنّه سوف يبقى معذوراً إلى آخر الوقت، فأتى بالصلاة الجلوسيّة، ثُمّ ارتفع عذره قبل انتهاء الوقت، فيشكّ في وجوب الصلاة القياميّة عليه الآن، فتجري البراءة عن ذلك; إذ على تقدير كون الواجب هو المقيّد قد خرج عن محل ابتلائه، وسقط بالعجز، فمن حين تنبّهه والتفاته يشكّ في الوجوب المطلق للصلاة القياميّة،


في المتن; لأنّ المفروض لدى الشيخ العراقيّ : أنّ التكليف الإلزاميّ بالصلاة الجلوسيّة لا رُوح له; فإنّه إنّما جعل لحلّ المشكلة العقليّة، حيث إنّه لولاه لما كان يسمح العقل بتطبيق الجامع على الفرد المرجوح، فهذا التكليف الإلزاميّ في قوّة التكليف الترخيصيّ.

(1) وهذا يعني عدم الإجزاء بعد فرض نفي احتمال الإجزاء بنكتة وفاء العمل الاضطراريّ بتمام الملاك.

  صفحه 307  

وينفيه بالبراءة. ولا مجال لحديث الشكّ في القدرة; إذ محلّه ما لو تعيّن الواجب وشكّ في القدرة عليه وعدمها، لا ما إذا تردّد الواجب بين ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه.

هذا صفوة القول في المقام.

الاعتراض الثاني: أنّه بناءً على مبنى صاحب الكفاية من حجّيّة الاستصحاب التعليقيّ، يمكن أن يجري في المقام استصحاب الوجوب تعليقاً، فإنّه لو كان قبل إتيانه بالصلاة الجلوسيّة قد زال عذره لوجبت عليه الصلاة القياميّة، فالآن أيضاً كذلك، فتجب عليه الصلاة القياميّة.

والجواب: أنّنا لا نقطع بأنّه لو كان قبل إتيانه بالصلاة الجلوسيّة قد زال عذره، لوجبت عليه الصلاة القياميّة; إذ على فرض الإجزاء ـ  أو على الأقلّ خصوص الإجزاء بملاك الاستيفاء  ـ يكون الواجب في ما قبل زوال العذر إلى ما بعد زواله هو الجامع، إلاّ أنّ المصداق الخارجيّ لهذا الجامع في مقام التطبيق يختلف باختلاف وجود العذر وارتفاعه، فإن اُريد استصحاب وجوب الصلاة القياميّة تعليقاً، فلا علم بوجوب تعليقيّ من هذا القبيل، وإن اُريد استصحاب الانحصار في التطبيق في الصلاة القياميّة على تقدير ارتفاع العذر، فليس هذا حكماً شرعيّاً وأثراً مولويّاً ليجري الاستصحاب بلحاظه، بل هو أمر عقليّ من باب تعذّر أحد فردي الجامع.

فتحصّل من كلّ ما ذكرناه: أنّ البراءة جارية بلا إشكال.

هذا كلّه في الإعادة إذا زال العذر في أثناء الوقت.

 

ارتفاع العذر بعد الوقت:

وأمّا المسألة الثانية: وهي ما إذا ارتفع العذر بعد انقضاء الوقت، فهل يجب عليه القضاء أو لا؟

فالكلام في ذلك يقع في ثلاثة مقامات:

 
  صفحه 308  

1 ـ إنّ دليل وجوب القضاء هل يقتضي بإطلاقه القضاء على من أتى بالصلاة الاضطراريّة في داخل الوقت، ثُمّ زال عذره في خارج الوقت، أو لا؟

2 ـ لو كان في دليل القضاء إطلاق لما نحن فيه، فهل لدليل الأمر الاضطراريّ اقتضاء للإجزاء بحيث يقيّد إطلاق دليل القضاء، أو لا؟

3 ـ إن لم يوجد لا في دليل القضاء اقتضاء عدم الإجزاء، ولا في دليل الأمر الاضطراريّ اقتضاء الإجزاء، فما هو مقتضى الاُصول العمليّة؟

أمّا المقام الأوّل: وهو أنّه هل لدليل القضاء إطلاق يمنع عن الإجزاء بعد أن كان دليل الأمر الأوّليّ ساقطاً حتماً، أو لا؟

فبما أنّ الاُصوليّ وظيفته درس الصيغ الكلّيّة، نقول: إنّ الحال يختلف باختلاف استظهار وتشخيص ما هو الموضوع في دليل وجوب القضاء، فلو كان الموضوع هو فوت الفريضة الفعليّة، فلا موضوع هنا للقضاء بلا إشكال; لأنّه قد أتى بالفريضة الفعليّة، فإنّ فريضته الفعليّة في الوقت كانت عبارة عن الصلاة الاضطراريّة وقد أتى بها. ولو كان الموضوع هو فوت الفريضة الشأنيّة، أعني: فوت ما هو واجب لولا الطواري، فلا إشكال في وجوب القضاء; لأنّ الواجب لولا الطواري هي الصلاة الاختياريّة وقد فاتت. ولو كان الموضوع هو خسارة الملاك وفوته، لا فوت الواجب الفعليّ أو الشأنيّ، فيكون المقام شبهة مصداقيّة لدليل وجوب القضاء; إذ على تقدير الإجزاء ـ  أو على الأقلّ على تقدير الإجزاء بملاك الاستيفاء  ـ لم يفت الملاك، وعلى تقدير عدم الإجزاء فات الملاك، ولا يجوز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.

نعم، قد يحرز موضوع دليل القضاء بالاستصحاب، وذلك إذا كان المقصود من فوت الملاك الأمر العدميّ، أي: عدم حصول الملاك، فيحرز ذلك بالاستصحاب. وأمّا إذا كان الموضوع فوت الملاك بمعنىً وجوديّ، بأن قصد به عنوان الخسارة المنتزع من

 
  صفحه 309  

الأمر العدميّ، فلا يمكن إحراز ذلك بالاستصحاب، إلاّ على نحو الأصل المثبت.

هذا تمام الكلام في المقام الأوّل وفقاً لصيغ متعدّدة، ويكون استظهار إحدى الصيغ في ذمّة الفقه.

وأمّا المقام الثاني: فلو كان لسان دليل الحكم الاضطراريّ لسان جواز البدار، وقلنا في صورة ارتفاع العذر في الأثناء بالإجزاء وعدم وجوب الإعادة، فعدم وجوب القضاء أوضح، بلا حاجة إلى استيناف كلام(1).

أمّا لو فرض مثلا: أنّه لم يكن بلسان جواز البدار، بل كان مختصّاً بصورة استمرار العذر إلى آخر الوقت، فحينئذ نرجع إلى الوجوه الخمسة للإجزاء التي ذكرناها في صورة ارتفاع العذر في الأثناء، فنقول:

الوجه الأوّل: كان هو دعوى الملازمة العقليّة بين الأمر الاضطراريّ والإجزاء، فلو تمّ ذلك في صورة ارتفاع العذر في الأثناء مع فرض جواز البدار، هل يتمّ في المقام، أو لا؟


(1) الفروض المتصوّرة في المقام ثلاثة:

الأوّل: كون لسان دليل الحكم الاضطراريّ شاملا لمن برئ في أثناء الوقت مع القول بدلالته على الإجزاء عن الإعادة، وهنا يكون الإجزاء عن القضاء واضحاً بلا كلام، كما جاء في المتن.

والثاني: كون لسان دليل الحكم الاضطراريّ شاملا لمن برئ في أثناء الوقت مع عدم القول بدلالته على الإجزاء عن الإعادة، وهنا نقول: إنّ دليل الحكم الاضطراريّ لا يدلّ أيضاً على الإجزاء عن القضاء; لأنّ وجوه الدلالة منحصرة في الوجوه الخمسة الماضية، والمفروض بطلانها، وإلاّ لثبت الإجزاء عن الإعادة.

والثالث: كون لسان دليل الحكم الاضطراريّ غير شامل لمن برئ في أثناء الوقت، وهنا نرجع إلى الوجوه الخمسة للإجزاء... إلى آخر ما ورد في المتن.

  صفحه 310  

قد يقرّب تماميّة ذلك في المقام بتقريب: أنّ القيام في الصلاة مثلا: إمّا أنّه دخيل في ملاك الصلاة الأدائيّة، حتّى مع عدم القدرة على القيام، أو لا، فلو كان دخيلا في ذلك حتّى مع عدم القدرة، فلا معنى للأمر بالصلاة الجلوسيّة في الوقت، ولو لم يكن دخيلا في ذلك عند العجز عن القيام، كان ذلك مستلزماً للإجزاء; إذ لو صلّى من جلوس للعجز في تمام الوقت عن القيام، لم يفته شيء من الملاك حتّى يحتاج إلى القضاء.

إلاّ أنّ الصحيح: عدم تماميّة ذلك في المقام; إذ هناك احتمال ثالث، وهو أن يكون القيام دخيلا في جزء من ملاك الصلاة الأدائيّة، وغير دخيل في الجزء الآخر، فيكون المولى قد أمر بالصلاة الأدائيّة من جلوس حفاظاً على ملاك الصلاة الأدائيّة بلحاظ ذلك الجزء الذي لا يكون القيام دخيلا فيه، وأمر بالقضاء تداركاً لذلك الجزء الذي كان القيام دخيلا فيه، فقد فات بفوت القيام في الصلاة، فهذا الوجه، أعني: الملازمة العقليّة لو تمّ فيما سبق، لا يتمّ في المقام.

الوجه الثاني: الإطلاق المقاميّ حينما نعرف أنّ المولى في مقام بيان تمام الوظيفة.

وهذا أيضاً إن تمّ في ما مضى، لا يتمّ هنا إلاّ بمؤونة زائدة; إذ حتّى لو كان المولى في مقام بيان تمام الوظيفة فالصلاة الجلوسيّة هي تمام وظيفته بلحاظ الأمر الأدائيّ لفرض استمرار العذر، إلاّ إذا أحرز بعناية زائدة أنّه بصدد بيان تمام الوظيفة حتّى بلحاظ تبعات المطلب بعد الوقت.

الوجه الثالث: التمسّك بالإطلاق عند ما يكون لسان الدليل لسان البدليّة والتنزيل، فيدلّ على البدليّة والتنزيل بلحاظ تمام المراتب.

وهذا لو تمّ، يتمّ في المقام أيضاً; فإنّ إطلاق البدليّة والتنزيل يدلّ هنا أيضاً على

 
  صفحه 311  

استيفاء كلّ مراتب الملاك، فلا يبقى مجال للقضاء(1).

الوجه الرابع: ما ذكره المحقّق العراقيّ : من فرض الدلالة على الإجزاء بلحاظ ظهور الأمر في التعيين الذي لا يناسب عنده إلاّ مع الإجزاء، وهذا لو تمّ هناك لا يتمّ هنا; إذ هنا لابدّ من كون الأمر تعيينيّاً على كلّ تقدير; لأنّ العذر مستوعب لتمام الوقت، فلا يبقى للعبد في داخل الوقت إلاّ الفعل الاضطراريّ.

الوجه الخامس: ما حصّلناه من كلمات المحقّق الإصفهانيّ : من أنّ عدم الإجزاء إنّما يكون إذا كانت المرتبة العالية للملاك مرتكزة في خصوصيّة الصلاة الاختياريّة، وهي القيام، ولو كان كذلك وجب أن يكون الأمر بعد زوال العذر متعلّقاً بالخصوصيّة، لا بذي الخصوصيّة، بينما لا يدلّ ظاهر الدليل على ذلك.

وهذا لو تمّ فيما سبق، لا يتمّ في المقام إذا كان دليل القضاء مثل لسان «اقضِ ما فات كما فات»; فإنّ هذا اللسان لا ينحصر مفاده بالأمر بذي الخصوصيّة، فإنّه إذا استمرّ العذر إلى آخر الوقت، فلم يصلِّ إلاّ من جلوس، صدق الفوت أيضاً على الخصوصيّة، فيشملها قوله: «اقضِ ما فات كما فات».

وأمّا المقام الثالث: وهو أنّه لو عجزنا عن الدليل الاجتهاديّ، فما هو مقتضى الأصل العمليّ؟


(1) أمّا لو أخذنا بتقريبه الآخر الذي ذكرناه في ذيل الوجه الثالث تحت الخطّ ـ  أو قل: في ذيل التقريب الثاني من تقريبات الاستظهار تحت الخطّ  ـ : من استظهار البدليّة في التكليف لا في الآثار والملاكات، فهذا التقريب لا يأتي هنا، أي: أنّه لو فرض: أنّ دليل البدليّة لم يشمل فرض البرء في الأثناء، واختصّ بالمريض الذي أطبق مرضه على كلّ الوقت، وفرض: أنّ دليل القضاء كان موضوعه من فاتته الفريضة الشأنيّة، أي: لولا الطوارئ، فالذي برئ بعد الوقت يثبت عليه القضاء، ولا يكون دليل الأمر الاضطراريّ دالاًّ على الإجزاء عن القضاء بشأنه.

  صفحه 312  

فقد ذكر صاحب الكفاية : أنّ مقتضى الأصل العمليّ هو البراءة، وذكر: أنّ جريان البراءة عن القضاء يكون بطريق أولى من جريان البراءة عن الإعادة في الوقت(1).

والتحقيق: أنّه تارةً نفترض: أنّ القضاء ليس بأمر جديد، كما لو كان نفس الأمر الأوّل في الحقيقة أمرين: أحدهما: الأمر بجامع الصلاة الأعمّ من الصلاة في الوقت وخارجه، والثاني: الأمر بإيجاد الصلاة في الوقت، واُخرى نفترض: أنّ القضاء بأمر جديد، موضوعه الفوت.

أمّا في الفرض الأوّل، فالصحيح هو جريان البراءة من باب: أنّ الصحيح في دوران الأمر بين التعيين والتخيير هو البراءة; فإنّ ما نحن فيه من هذا القبيل. وتوضيحه: أنّه لا إشكال في أنّ هذا الشخص مأمور بأمر تعيينيّ ـ إمّا بالأصالة، أو من باب تعذّر أحد الفردين ـ بالصلاة الجلوسيّة داخل الوقت، وهو مأمور بأمر آخر الذي هو عبارة عن الأمر بالجامع بين الصلاة في الوقت والصلاة خارجه، وهذا الأمر بالجامع مردّد بين أن يكون أمراً بخصوص الصلاة القياميّة، فلا إجزاء، أو أن يكون أمراً تخييريّاً بالجامع بين الصلاة القياميّة بلا قيد الوقت والصلاة الجلوسيّة الاضطراريّة في الوقت، فيثبت الإجزاء. فإذا قلنا بالبراءة عن التعيين عند الدوران بين التعيين والتخيير، تجري البراءة هنا، ولكن ليست البراءة هنا بأولى من البراءة عن الإعادة في ما لو ارتفع العذر في الأثناء، بل الأمر على العكس، فإنّه كان يلزم هناك دوران الأمر بين التعيين والتخيير مع تيقّن وجوب الجامع بحدّه الجامعيّ، بينما هنا ليس الأمر هكذا.

وأمّا في الفرض الثاني، فالبراءة تجري عن وجوب القضاء بلا إشكال، وهي


(1) راجع الكفاية، ج  1، ص  130 بحسب طبعة المشكينيّ.

  صفحه 313  

هنا أولى منها عن الإعادة في ما لو ارتفع العذر في الأثناء; وذلك لوجهين:

الأوّل: أنّ الشكّ هنا شكّ بدويّ في أصل التكليف، بينما هناك كان على بعض المباني تردّداً بين التعيين والتخيير، وعلى بعض المباني تردّداً بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين.

الثاني: أنّ إشكال إثبات الوجوب بالاستصحاب التعليقيّ الذي مضى هناك يكون هنا أوضح بطلاناً; لأنّه لا يصحّ أن نقول مثلا: لو كان قد انتهى الوقت قبل أن يصلّي من جلوس، كان يجب عليه الصلاة من قيام، والآن كما كان; وذلك ـ  بغضّ النظر عن الإشكال الماضي هناك  ـ لأنّ وجوب القضاء موضوعه الفوت، لا انتهاء الوقت، فيرجع الاستصحاب إلى قولنا: لو انتهى الوقت قبل هذا، لفاته الواقع، والآن كما كان، وهذا يكون من الاستصحاب التعليقيّ في الموضوعات، وهو لا يجري حتّى لو قلنا بجريانه في الأحكام.

 
  صفحه 314  

 

إجزاء الأمر الظاهريّ

المقام الثاني: في إجزاء الأمر الظاهريّ عن الواقع وعدمه.

والكلام تارةً يقع في فرض انكشاف الخلاف بالجزم واليقين، واُخرى في فرض تبدّل الحكم الظاهريّ:

أمّا إذا فرض انكشاف الخلاف بالجزم واليقين، فمقتضى الطرحة الأوّليّة للكلام هو القول بعدم الإجزاء; إذ الحكم الظاهريّ في مرتبة متأخّرة من الحكم الواقعيّ، وفي طوله، وموضوعه الشكّ في الحكم الواقعيّ، فهو لا يتصرّف في الحكم الواقعيّ، فيكون الحكم الواقعيّ باقياً على حاله، ويتطلّب ـ لا محالة ـ من العبد الإعادة أو القضاء، إلاّ أنّه قد يقرّب الإجزاء بعدّة تقريبات، أهمّها تقريبان:

التقريب الأوّل: ما ذهب إليه صاحب الكفاية من التفصيل بين حكم ظاهريّ ثبت بلسان جعل الحكم المماثل للواقع، كأصالة الحلّ والطهارة في رأيه، وحكم ظاهريّ ثبت بلسان إحراز الواقع وإن كان لبّاً حكماً ظاهريّاً وراء الواقع، ففي الأوّل مقتضى القاعدة الإجزاء، بخلاف الثاني، فمثلا لو صلّى مع أصالة الطهارة ثُمّ انكشف الخلاف، فمقتضى القاعدة الإجزاء; لأنّ دليل أصالة الطهارة يوسّع من موضوع دليل اشتراط الطهارة في الصلاة، فتصبح الصلاة واجدة لشرطها، بينما لو صلّى مع إثبات الطهارة بالأمارة مثلا، فهذه الأمارة لا تفيد شيئاً بعد انكشاف الخلاف; إذ إنّ شرط صحّة الصلاة غير موجود; لعدم الطهارة، لا طهارة واقعيّة بحسب الفرض، ولا طهارة ظاهريّة; لأنّ الدليل لم يدلّ على جعل طهارة ظاهريّة(1).


(1) راجع الكفاية، ج  1، ص  133 ـ 134 بحسب طبعة المشكينيّ.

  صفحه 315  

وقد اُورد على ذلك من قبل مدرسة المحقّق النائينيّ بعدّة إيرادات:

منها: ما اتّفق عليه المحقّق النائينيّ والسيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ من أنّ حكومة دليل على دليل قد تكون واقعيّة، ويكون دليل الحاكم في عرض دليل المحكوم، من قبيل «الطواف بالبيت صلاة» الحاكم على دليل اشتراط الطهارة في الصلاة، وحينئذ لا بأس بتوسعة موضوع دليل المحكوم، أو تضييقه بدليل الحاكم، واُخرى تكون حكومة ظاهريّة، ويكون دليل الحاكم في طول المحكوم، وفي المرتبة المتأخّرة عنه، واُخذ في موضوعه الشكّ في المحكوم، وحينئذ فلا يعقل صيرورته موسِّعاً أو مضيِّقاً حقيقة لموضوع دليل المحكوم; إذ هو في مرتبة متأخّرة عنه، فيتمحّض دور هذا الحاكم في مقام تشخيص الوظيفة العمليّة عند الشكّ، فلا معنى للإجزاء، وأصالة الطهارة مثلا من هذا القبيل; لأنّها حكم ظاهريّ موضوعه الشكّ في الواقع، فهو في مرتبة متأخّرة عن الواقع وفي طوله، ولا يعقل توسيعه للواقع(1).

ويرد عليه: أنّ دليل أصالة الطهارة إنّما هو في طول الحكم الواقعيّ من ناحية الطهارة والنجاسة، أي: أنّ موضوعه هو الشكّ في طهارة الثوب مثلا ونجاسته، فحكومته على دليل نجاسة ملاقي البول مثلا حكومة ظاهريّة، فهو يحكم بالطهارة ظاهراً دون أن يضيّق دائرة موضوع الحكم بالنجاسة، أو يوسّع دائرة موضوع الحكم بالطهارة واقعاً، وليس مدّعى صاحب الكفاية كون أصالة الطهارة موسّعة أو


(1) راجع فوائد الاُصول، ج  1، ص  250 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وراجع أجود التقريرات، ج  1، ص  198 ـ 199 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ ، وراجع المحاضرات للفيّاض، ج  2، ص  255 ـ 258 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

  صفحه 316  

مضيّقة لموضوع دليل الطهارة والنجاسة حتّى يقال: إنّها في طول الحكم الواقعيّ، فلا توسّع أو تضيّق موضوع الحكم الواقعيّ، وإنّما مدّعاه كون أصالة الطهارة موسّعة لموضوع حكم واقعيّ آخر، وهو الحكم بوجوب إيقاع الصلاة في الثوب الطاهر، وأصالة الطهارة ليست في طول هذا الحكم، ولم يؤخذ في موضوعها الشكّ في هذا الحكم حتّى يستدلّ بهذه الطوليّة على عدم الحكومة الواقعيّة، والتوسيع الواقعيّ لموضوع الحكم.

ومنها: ما ذكره المحقّق النائينيّ ، وأمضاه السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ أيضاً، وهو أنّ الحكومة في نظر صاحب الكفاية ـ على ما يذكره في بحث التعادل والتراجيح(1) ـ منحصرة في التفسير اللفظيّ بمثل: أي وأعني، بينما أصالة الطهارة ليس لسانها لسان التفسير لدليل وجوب إيقاع الصلاة في الطاهر(2).

والجواب: أنّ من الجائز أنّ صاحب الكفاية لا ينظر هنا إلى الحكومة بمعنى التنزيل وإسراء الحكم، وإنّما يدّعي توسعة الموضوع حقيقة التي هي ـ في الحقيقة ـ عبارة عن الورود لا الحكومة، فكأ نّما يريد أن يقول: إنّ الدليل الذي دلّ على اشتراط الطهارة في الصلاة إنّما دلّ على اشتراط مطلق الطهارة، سواء فرضت واقعيّة أو ظاهريّة، وأصالة الطهارة تولّد حقيقة فرداً من الطهارة، وهي الطهارة الظاهريّة، وكون مبنى صاحب الكفاية: أنّ الحكومة لا تتمّ إلاّ بالنظر التفسيريّ اللفظيّ قرينة على أنّ مراده هنا هو ما ذكرناه، فإنّ اشتراط التفسير اللفظيّ إنّما يقوله صاحب الكفاية في الحكومة بمعنى التنزيل والادّعاء استطراقاً إلى إسراء


(1) راجع الكفاية، ج  2، ص  376 و 379 بحسب طبعة المشكينيّ.

(2) راجع فوائد الاُصول، ج  1، ص  249 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وأجود التقريرات، ج  1، ص 198 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ .

  صفحه 317  

الحكم، ولا يقوله هو ولا غيره في إيجاد فرد حقيقيّ للموضوع; ولذا يقول صاحب الكفاية بورود الأمارات على الاُصول مع أنّه ليس من أدلّتها تفسير بمثل: أي وأعني.

ومنها: ما اتّفق أيضاً عليه المحقّق النائينيّ والسيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ من النقض بسائر أحكام الطهارة، من قبيل اشتراط طهارة الماء في الوضوء، ومن قبيل الحكم بطهارة الملاقي إذا كان الملاقى طاهراً ونحو ذلك، حيث لا يظنّ بصاحب الكفاية، ولا بأيّ فقيه آخر أن يقول مثلا: لو توضّأ أحد بماء ثبتت طهارته بأصالة الطهارة، ثُمّ انكشف الخلاف، صحّ وضوؤه، ولولاقت يده مع ما ثبتت طهارته بأصالة الطهارة، ثُمّ انكشفت نجاسته، لم تنجس يده(1).

ولصاحب الكفاية أن يجيب عن هذه النقوض بفرضيّة اُصوليّة عهدة إثباتها صغروريّاً، أو نفيها كذلك في ذمّة الفقه، وذلك بأن يقول: إنّ أصالة الطهارة إنّما توسّع موضوع حكم اُخذ فيه الطهارة، ولا تضيّق موضوع حكم اُخذ فيه النجاسة; وذلك لأنّ أصالة الطهارة توجد طهارة اُخرى ظاهريّة في مقابل الطهارة الواقعيّة، ولا تُفني النجاسة الواقعيّة، فإذا ثبت في الفقه أنّ الطهارة هي الشرط في الصلاة، ولكن النجاسة هي المانعة عن صحّة الوضوء، أو الموجبة لتنجّس الملاقي، كان التفصيل بين دليل شرطيّة الطهارة في الصلاة من ناحية، ومثل دليل عدم صحّة الوضوء بالماء النجس، أو تنجّس ملاقي النجس من ناحية اُخرى بأن يحكم دليل


(1) راجع فوائد الاُصول، ج  1، ص  251 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وأجود التقريرات، ج  1، ص 199 ـ 200 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ ، والمحاضرات للفيّاض، ج  2، ص  254 ـ 255 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

  صفحه 318  

أصالة الطهارة على الأوّل دون الأخيرين أمراً معقولا.

فإن قلت: إنّ أصالة الطهارة التي تدلّ بالمطابقة على إثبات الطهارة لو لم تدلّ بالملازمة العرفيّة على نفي النجاسة، فكيف يصحّح صاحب الكفاية الوضوء بماء ثبتت طهارته بأصالة الطهارة بناءً على كون النجاسة مانعة عن الوضوء! فإنّه لا إشكال في أنّه يُبنى على صحّة الوضوء ظاهراً مادام الشكّ، مع أنّه لم يثبت عدم النجاسة بحسب الفرض; لأنّ أصالة الطهارة إنّما أثبتت الطهارة ولم تنفِ النجاسة، ولو دلّت بالملازمة العرفيّة على نفي النجاسة بدعوى الملازمة عرفاً حتّى في مرحلة التعبّد بين الطهارة وعدم النجاسة، إذن فأصالة الطهارة كما تحكم على أدلّة الأحكام التي اُخذ في موضوعها الطهارة بتوسيع الموضوع كذلك تحكم على أدلّة الأحكام التي اُخذ في موضوعها النجاسة بتضييق الموضوع، فإن فرضت الحكومة واقعيّة، ثبت الإجزاء في كلا القسمين، وإن فرضت ظاهريّة لم يثبت الإجزاء في كلا القسمين، فكون الطهارة شرطاً أو النجاسة مانعة لا يصلح فارقاً في المقام.

قلت: هذا البيان إنّما يتمّ لو كان مقصود صاحب الكفاية الحكومة التنزيليّة والادّعائيّة بهدف إسراء الحكم، أمّا بناءً على ما حملنا عليه كلامه من إيجاد الفرد الحقيقيّ للموضوع، فالفرق بين فرض شرطيّة الطهارة وفرض مانعيّة النجاسة واضح، فإنّ المفروض: أنّ الشرط هو مطلق الطهارة أعمّ من الواقعيّة والظاهريّة، وأصالة الطهارة توجد طهارة ظاهريّة، فيصبح العمل صحيحاً واقعاً; فإنّه يكفي في صحّة العمل وجود أحد أفراد الشرط، وأمّا في طرف المانعيّة، فلابدّ في صحّة العمل من انتفاء كلّ أفراد المانع، ومنها النجاسة الواقعيّة، بينما ليس بمقدور أصالة الطهارة نفي النجاسة الواقعيّة حقيقة، وإلاّ لأصبحت أصالة الطهارة حكماً واقعيّاً لا ظاهريّاً، وهو خلف.

نعم، يوجد لهذا الكلام لازم، لا أدري هل يلتزم صاحب الكفاية به أو لا، وهو

 
  صفحه 319  

أن يقال: إنّه لو توضّأ أحد رجاءً بماء نجس ظاهراً، ثُمّ انكشف الخلاف، كان وضوؤه باطلا(1); إذ كما يفرض توسيع الشرط الواقعيّ للطهارة الظاهريّة كذلك ينبغي أن يفرض توسيع المانع الواقعيّ للنجاسة الظاهريّة.

ومنها: ما اختصّ به المحقّق النائينيّ دون السيّد الاُستاذ، وهو أنّ تصحيح الصلاة الواقعة مع الطهارة الظاهريّة بحيث لا نحتاج إلى الإعادة بعد انكشاف الخلاف يحتاج إلى مجموع أمرين: أحدهما: أصل وجود الطهارة الظاهريّة، والثاني: توسيع الشرط في الصلاة بحيث يشمل الطهارة الظاهريّة.

وهذان أمران طوليّان، فإنّه يفرض في الثاني الفراغ عن الأوّل، أي: تفرض طهارةٌ ظاهريّة، ويقال: إنّ هذا فرد من أفراد الشرط، ودليل أصالة الطهارة لا يمكنه أن يفي بكلا الأمرين; لما عرفت من الطوليّة بينهما.

وبتعبير آخر: هل دليل أصالة الطهارة ينظر إلى الطهارة مفروغاً عنها، أو ينظر إليها مجعولةً به؟

فإن نظر إليها مفروغاً عنها، فكيف تجعل الطهارة الظاهريّة به؟ وإن نظر إليها مجعولة به، فكيف ينظر إلى مرتبة متأخّرة عن هذا الجعل، وهي توسيع الشرطيّة لهذه الطهارة؟!(2).

أقول: لو حمل كلام صاحب الكفاية على ما يرجع إلى الورود، فهذا الإشكال جوابه: أنّ الدليل الوارد ليس له نظر إلى الحكم، فهو لا يثبت إلاّ الطهارة الظاهريّة،


(1) وكذلك لولاقى يده ماءً مستصحب النجاسة، ثُمّ انكشف طهارته، كانت يده متنجّسة.

(2) راجع فوائد الاُصول، ج  1، ص  249 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وأجود التقريرات، ج  1، ص  198 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ .

  صفحه 320  

ولا يتكفّل توسيع الشرطيّة حتّى يقال: كيف تكفّل الجعل الواحد لكلا هذين الأمرين الطوليّين، وإنّما سعة الشرطيّة نستفيدها من نفس دليل اشتراط الطهارة في الصلاة، فإذا استفدنا سعة الشرطيّة من نفس دليل شرطيّة الطهارة، واستفدنا وجود أحد فردي هذا الشرط الوسيع من أصالة الطهارة، كفى ذلك في صحّة الصلاة.

نعم، في الحكومة التنزيليّة والادّعائيّة بداعي إسراء الحكم يكون نفس الدليل الحاكم ناظراً إلى الحكم ومتكفّلاً لإثباته.

وأمّا إذا لم يحمل كلام صاحب الكفاية على الورود، بل حمل على الحكومة بمعنى التنزيل وإسراء الحكم، فحينئذ نقول: إنّ بإمكان صاحب الكفاية أن يجيب على هذا الإشكال بأنّه ليس موضوع هذا التنزيل وتوسعة دائرة الشرط الطهارة الظاهريّة كما تخيّل، حتّى يقال: كيف يمكن أن يتكفّل جعل واحد وإنشاء واحد للتوسعة ولموضوع هذه التوسعة في وقت واحد، وإنّما موضوع هذا التنزيل والتوسعة نفس مشكوك الطهارة; فإنّ معنى: (كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر) أنّ مشكوك الطهارة محكوم بأحكام الطاهر الواقعيّ، فموثّقة عمار(1) متكفّلة رأساً لإسراء الأحكام، وليست متكفّلة لإيجاد موضوع هذا الإسراء، وإنّما موضوعه هو مشكوك الطهارة، والشكّ في الطهارة أمر ثابت تكويناً قبل موثّقة عمّار، وأمّا الطهارة الظاهريّة فهي منتزعة عن هذا التنزيل، لا أنّها موضوع لهذا التنزيل. هذا.

والتحقيق: أنّ هذه الإشكالات التي بيّنّاها على هذا التقريب للإجزاء وإن لم تكن تامّة، إلاّ أنّ هذا التقريب للإجزاء وهو تقريب الحكومة غير تامّ في نفسه.


(1) وسائل الشيعة، ج  3 ـ بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت ـ ح 4، ص  467، عن عمّار، عن أبي عبدالله : «كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر، فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك».

  صفحه 321  

وتوضيح ذلك: أنّ قاعدة الطهارة تقابل دليلين واقعيّين: أحدهما: دليل نجاسة الشيء، والآخر: دليل اشتراط الصلاة بالطهارة، فإذا قايسنا قاعدة الطهارة إلى الدليل الأوّل، فطبعاً من الواضح عدم حكومتها عليه; إذ ليست موسّعة لموضوعه أو مضيّقة له، فيدور الأمر بين أن تكون مخصّصة له كما يظهر من كلام صاحب الحدائق(1)، أو تكون حكماً ظاهريّاً بالنسبة إليه، وقد وضّحنا في الفقه في الجزء الثاني من البحوث(2): أنّها لا تكون مخصّصة لدليل النجاسة الواقعيّة، وإنّما هي حكم ظاهريّ موضوعه الشكّ في الطهارة. وعلى أيّ حال، فإن بنينا على أنّ قاعدة الطهارة مخصّصة لدليل النجاسة الواقعيّة، فلا إشكال في صحّة الصلاة واقعاً، ولا يبقى شكّ في الإجزاء، إلاّ أنّنا يجب أن نقبل هنا بنحو الأصل الموضوعيّ عدم كونها مخصّصة لدليل النجاسة الواقعيّة; إذ لو كانت كذلك كانت حكماً واقعيّاً، فتخرج عن محلّ الكلام; لأنّ موضوع الكلام هو إجزاء الحكم الظاهريّ وعدمه، فيبقى أن نقايس قاعدة الطهارة بالدليل الثاني، وهو دليل اشتراط الصلاة بالطهارة، لنرى أنّها هل تنزّل مشكوك الطهارة منزلة الطاهر الواقعيّ بلحاظ عالم الأحكام الشرعيّة والجعول المولويّة، فتفيد إسراء أحكام الطهارة الواقعيّة حقيقة إلى مورد الشكّ، أو تنزّل المشكوك منزلة الطاهر بلحاظ عالم الجري العمليّ، ولتعيين الوظيفة العمليّة في مقام التحيّر؟(3).


(1) ج  1، ص  136 بحسب طبعة مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقم.

(2) ص  210 ـ 211.

(3) أو لا هذا ولا ذاك، بل إنّ دليل الطهارة الظاهريّة أثبت حقيقة موضوع أحكام

الطهارة، بدعوى: أنّ أحكام الطهارة كان موضوعها منذ البدء مطلق الطهارة الأعمّ من الواقعيّة والادّعائيّة.

وهذا الثالث باطل; لأنّ ظاهر كلّ دليل رتّب حكماً على موضوع هو ترتيبه على ذاك الموضوع بوجوده الواقعيّ لا الادّعائيّ، كما أنّ حمل دليل أصالة الطهارة أيضاً على مجرّد الادّعاء من دون أن يكون روحه التنزيل أيضاً غير عرفيّ.

  صفحه 322  

فعلى الأوّل يثبت الإجزاء; لأنّ المولى رتّب على مشكوك الطهارة أحكام الطاهر الواقعيّ حقيقة، ومنها اشتراط الصلاة بالطهارة، فتكون الصلاة صحيحة واقعاً، وتكون الحكومة واقعيّة، وعلى الثاني لا يثبت الإجزاء; لأنّ قاعدة الطهارة لم تفد أزيد من الوظيفة العمليّة للمتحيّر، وهذا لا يقتضي سقوط الواقع، وبراءة الذمّة حقيقة.

ولا إشكال في أنّ التنزيل في سائر الموارد التي لم يؤخذ في موضوعها الشكّ من قبيل (جارُك قريبُك) إنّما يفيد المعنى الأوّل، وهو التنزيل بلحاظ الأحكام الواقعيّة; لعدم تعقّل المعنى الثاني، ولكن في مورد أخذ الشكّ في الموضوع كما يحتمل كونه تنزيلا بلحاظ الأحكام الواقعيّة كذلك يحتمل كونه تنزيلا بلحاظ الوظيفة العمليّة في حالة الشكّ والتحيّر، كما هو الحال بناءً على كون الحكم الظاهريّ في المقام لمجرّد الطريقيّة الصرف إلى التحفّظ على مصالح الواقع بقدر الإمكان، وإن لم نقل: إنّ أخذ الشكّ قرينة عرفاً بمناسبات الحكم والموضوع الارتكازيّة على الثاني، فلا أقلّ من الإجمال المنافي لإثبات الإجزاء، ويؤيّد إرادة الثاني في قاعدة الطهارة قوله في ذيل الحديث: «فإذا علمت فقد قذُر»; فإنّ هذا معناه: أنّه بمجرّد العلم بالقذارة تنفذ آثار القذارة، فقد يدّعى: أنّ مقتضى


الطهارة، بدعوى: أنّ أحكام الطهارة كان موضوعها منذ البدء مطلق الطهارة الأعمّ من الواقعيّة والادّعائيّة.

وهذا الثالث باطل; لأنّ ظاهر كلّ دليل رتّب حكماً على موضوع هو ترتيبه على ذاك الموضوع بوجوده الواقعيّ لا الادّعائيّ، كما أنّ حمل دليل أصالة الطهارة أيضاً على مجرّد الادّعاء من دون أن يكون روحه التنزيل أيضاً غير عرفيّ.

  صفحه 323  

إطلاق ذلك أنّه تنفذ من حين حصول العلم آثار القذارة حتّى بلحاظ ما قبل العلم، فيحكم ببطلان الصلاة الواقعة فيه قبل العلم، وهذا يعني عدم الإجزاء، وإذا لم نستظهر من هذا الذيل الإطلاق، ولكن قلنا بالإجمال، كفى ذلك لسريان الإجمال إلى صدر الحديث، وبالتالي لعدم ثبوت الإجزاء.

التقريب الثاني للإجزاء: عبارة عن القول بالسببيّة في حجّيّة الأمارات أو الاُصول، بمعنىً يقتضي كون الحكم الظاهريّ واجداً لملاك الواقع، فبالعمل به لم يفت شيء من الملاك حتّى يجب التدارك بالإعادة أو القضاء.

وتحقيق الكلام في ذلك: أنّ الاحتمالات بدواً في جعل الحجّيّة للأمارات أو الاُصول عديدة:

الاحتمال الأوّل: ما يسمّى عند أصحابنا بالسببيّة الأشعريّة.

والمقصود بذلك ـ سواء صحّت نسبته إلى الأشاعرة أم لا ـ : أنّه لا حكم في المرتبة السابقة على أداء الأمارات والاُصول لمؤدّاها، فالحكم يتكوّن بأداء الأمارات أو الاُصول وفقاً لمؤدّياتها.

وهذا ـ لا محالة ـ يستلزم التصويب والإجزاء معاً; إذ لا أمر إلاّ الأمر الذي قد امتثله، فلا معنى لانكشاف الخلاف، ولا معنى لعدم الإجزاء.

الاحتمال الثاني: ما يسمى عند أصحابنا بالسببيّة المعتزليّة.

والمقصود بذلك ـ  سواء صحّت نسبته إلى المعتزلة أو لا ـ : أنّه توجد أحكام في المرتبة السابقة على أداء الأمارات والاُصول، لكنّها مغيّاة بأداء الأمارات أو الاُصول إلى الخلاف، فيصبح الحكم حينئذ وفقاً لمفاد الأمارة أو الأصل.

وهذا أيضاً ـ كماترى ـ يستلزم التصويب والإجزاء; إذ بعد قيام الأمارة أو الأصل لا يوجد حكم غير ما أدّت إليه هذه الحجّة، فلا معنى لانكشاف الخلاف، ولا معنى لعدم الإجزاء; إذ ليس هناك أمران حتّى يقال: إنّ أحدهما يجزي عن

 
  صفحه 324  

الآخر أو لا، والأمر الذي سقط بالامتثال لا مبرّر لعوده مرّة اُخرى.

الاحتمال الثالث: الطريقيّة الصرف، وهو ما حقّقناه ثبوتاً، واخترناه إثباتاً في مبحث الجمع بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة، وهو: أنّ الحكم الظاهريّ لم ينشأ إلاّ لأجل الحفاظ على ملاكات الأحكام الواقعيّة بقدر الإمكان مع مراعاة الأهمّ فالأهمّ، وهذا يساوق عدم الإجزاء وعدم التصويب; إذ لم يفرض فيه ارتفاع الواقع; إذ مقتضى إطلاق دليل الحكم الواقعيّ بقاؤه ووجوب إعادة العمل، ومقتضى إطلاق دليل القضاء وجوب القضاء، ولم يحصل في الوظيفة الظاهريّة استيفاء لملاك الواقع.

الاحتمال الرابع: افتراض مصالح في مؤدّى الأمارة والأصل تحفّظاً على ظهور الأمر في كونها حقيقيّة، بدعوى: أنّه كما أنّ الأمر ظاهر في النفسيّة والعينيّة والتعيينيّة في مقابل الغيريّة والكفائيّة والتخييريّة، كذلك ظاهر في الحقيقيّة، بمعنى نشوئه من مصلحة في متعلّقه في مقابل الطريقيّة، فهذا نحو من السببيّة، ولكنّه لا يلزم منه التصويب ولا الإجزاء; إذ لم يفترض بهذا المقدار: أنّ المصلحة من سنخ مصلحة الواقع بحيث تستوفى بها مصلحة الواقع، فيرجع إلى إطلاق دليل الحكم الواقعيّ، وهذا معناه عدم الإجزاء وعدم التصويب.

الاحتمال الخامس: القول بالسببيّة ووجود مصلحة في نفس جعل الحكم الظاهريّ دفعاً لشبهة ابن قبة، من قبح تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة، بأن يقال: إنّ التفويت قبيح، إلاّ إذا كان لمصحلة في نفس التفويت.

وهذا ما تصوّره بعضهم في الجمع بين الحكم الظاهريّ والواقعيّ، وهذا أيضاً لا يوجب الإجزاء ولا التصويب; فإنّ مصلحة الواقع لم يفرض تداركها بشكل من الأشكال، وإنّما افترض تدارك قبح التفويت بمصلحة في التفويت من دون فرض تدارك مافات بشيء.

 
  صفحه 325  

الاحتمال السادس: السببيّة بالنحو الذي سمّي في كلمات المحقّق النائينيّ بالمصلحة السلوكيّة. وهذا أيضاً لأجل دفع شبهة ابن قبة، إلاّ أنّ فرقه عن الاحتمال الخامس: أنّ المصلحة في الاحتمال الخامس كانت في نفس الجعل، وكان يتدارك بها قبح التفويت من دون أن يتدارك بها الفائت، وهنا في عمل المكلف، ويتدارك بها الفائت، ولكنّه ليس في عمل المكلّف بعنوانه الأوّليّ، بل فيه بعنوان ثانويّ، وهو عنوان سلوك طريق الأمارة واتّباعه بالمقدار الذي يكون مفوّتاً لمصلحة الواقع، فيتدارك بذلك المقدار، فإذا ارتفع الجهل في أثناء الوقت، وجبت عليه الإعادة; لأنّ الأمارة لم تفوّت عليه أكثر من فضيلة أوّل الوقت، فالتدارك الثابت ببرهان قبح التفويت إنّما هو تدارك فضيلة أوّل الوقت، وأمّا أصل العمل في الوقت، فبإمكانه أن يأتي به، ومقتضى إطلاق دليل الواقع وجوب الإتيان به، وإذا ارتفع الجهل بعد الوقت، فإن قلنا: إنّ القضاء بالأمر السابق، أي: أنّ الأمر السابق ـ في الحقيقة ـ عبارة عن أمرين: أمر بالصلاة، وأمر بإيقاعها في الوقت، فأيضاً من الواضح عدم الإجزاء، فإنّ التدارك إنّما هو بمقدار ما فات، وهو الإيقاع في الوقت لا أصل الصلاة، وأمّا إن قلنا: إنّ القضاء بأمر جديد موضوعه الفوت، فقد ذكر السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ : أنّه لا يجب القضاء; لأنّه فرع الفوت وخسارة المصلحة، ولا خسارة هنا; لأنّ المصلحة متداركة جميعاً بالعمل بالحكم الظاهريّ في داخل الوقت(1).

أقول: تارةً نفترض: أنّنا نستظهر من دليل القضاء أنّه ليس لمصلحة مستقلّة بعد انتهاء مصلحة الصلاة الأدائيّة بانتهاء الوقت، بل هو ـ في الحقيقة ـ بيان لكون مصلحة الصلاة باقية، وإنّما كانت خصوصيّة إيقاعها في الوقت مشتملة على


(1) المحاضرات، ج  2، ص  276 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

  صفحه 326  

مصلحة زائدة، وهي التي قد فاتت، وعليه فلا يتمّ هذا الكلام; فإنّ المصلحة السلوكيّة إنّما ثبتت ببرهان قبح التفويت بمقدار ما فات، وهو مصلحة قيد الوقت، إلاّ أنّ هذا معناه: رجوع الأمر الأوّل بالصلاة ـ بحسب روحه ـ إلى أمرين: أمر بأصل الصلاة، وأمر بإيقاعها في الوقت، فيقال: إنّنا نتكلّم على فرض كون القضاء بأمر جديد وعدم رجوع المطلب ـ بحسب الروح ـ إلى بقاء الأمر الأوّل.

واُخرى نفترض: أنّ دليل القضاء إنّما دلّ على وجوب مستقلّ لمصلحة مستقلّة، وحينئذ نقول: إنّه مع ذلك لا ينبغي الإشكال في كون تشريع القضاء ظاهراً في كونه بعنوان التدارك للمصلحة الفائتة، والمصلحة السلوكيّة إنّما تثبت ببرهان قبح التفويت بمقدار لولاها للزم فوات المصلحة بلا تدارك، إذن فلا يثبت وجود مصلحة سلوكيّة بإزاء أصل مصلحة الصلاة التي قد فاتت; لوجود تدارك آخر لها وهو القضاء، فإنّما تثبت المصلحة السلوكيّة بمقدار مصلحة الوقت، فيجب(1)


(1) هذا الكلام غير صحيح; إذ معنى كون القضاء بمصلحة مستقلّة هو أنّ فوت الصلاة يولّد حاجة جديدة تسدّ بالقضاء، من دون أن يكون القضاء موجباً لتدارك مصلحة أصل الصلاة; إذ لو كان القضاء موجباً لتدارك مصلحة أصل الصلاة، لرجع أيضاً روح الأمر إلى الأمر بأصل الصلاة مع الأمر بإيقاعها في الوقت; لأنّ كون القضاء موجباً لتدارك مصلحة أصل الصلاة عبارة اُخرى عن كون جامع الصلاة ذا مرتبة معيّنة من المصلحة، وإيقاعها في الوقت ذا مصلحة اُخرى، غاية الأمر: أنّ فردي الجامع قد تكون مصلحتهما متماثلتين، واُخرى متغايرتين ولا يمكن الجمع بينهما مثلا، ومصلحة الصلاة عندئذ عبارة عن الجامع بين المصلحتين.

وعليه، فالاعتراف بظهور دليل القضاء في تدارك مصلحة أصل الصلاة يعني الاعتراف بانحلال الأمر الأوّل في روحه إلى أمرين: أمر بأصل الصلاة، وأمر بإيقاعها في الوقت.

  صفحه 327  

عليه القضاء لتحصيل مصلحة أصل الصلاة.

وقد تحصّل: أنّه بناءً على هذا الاحتمال أيضاً لا يلزم الإجزاء ولا التصويب، وأمّا لزوم التصويب بمقدار أنّه لو استمرّ الجهل إلى أن مات فقد تدوركت كلّ المصلحة، فلا دليل على كونه محذوراً.

الاحتمال السابع: ما ذكره المحقّق الإصفهانيّ (1) بهدف تحصيل وجه يوجب الإجزاء من دون أن يستلزم التصويب، وهو افتراض الملاك في المؤدّى في


ومن هنا يظهر أيضاً إشكال في ما اشتهر أخيراً بين المحقّقين: من أنّ من شكّ بعد الوقت في فوات الصلاة لم تجرِ بشأنه أصالة الاشتغال; لأنّ القضاء بأمر جديد، ولا استصحاب عدم الإتيان; لأنّ موضوع الأمر الجديد بالقضاء هو الفوت، وهو عنوان وجوديّ، والإشكال هو: أنّه لو سلّمنا ظهور دليل القضاء في تدارك مصلحة الصلاة، فوجوب أصل الصلاة لا زال وقته باقياً; لأنّ إيقاعها في الوقت واجب مستقلّ عن أصل وجوب الصلاة، فقاعدة الاشتغال والاستصحاب يجريان ـ لا محالة ـ لولا قاعدة الحيلولة.

والتحقيق مع ذلك: إمكان تصوير القضاء لأجل تدارك مصلحة أصل الصلاة من دون أن يرجع ذلك إلى انحلال الأمر الأوّل إلى الأمر بأصل الصلاة، والأمر بالإتيان بها في الوقت، وذلك بافتراض مصلحة اُخرى زائداً على مصلحة المتعلّق في جعل الصلاة في الوقت كشيء موحّد على العهدة، وإلزام المكلّف بذلك، فيصحّ ما قالوا من عدم جريان الاستصحاب وأصالة الاشتغال بعد الوقت; لكون القضاء بأمر جديد، ولكن لا يصحّ القول بالإجزاء في المقام ما دامت مصلحة المتعلّق الفائتة قابلة للتدارك بالقضاء.

(1) بحوث في الاُصول للشيخ الإصفهانيّ ص  121 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  صفحه 328  

عرض ملاك الواقع، أي: أنّه ليس بعنوان تدارك الملاك الفائت، بل إنّ المؤدّى في عرض الواقع مشتمل على الملاك المطلوب، إلاّ أنّ هذا الملاك إنّما يكون ثابتاً في المؤدّى لا بعنوانه الأوّليّ، بل بعنوان كونه مؤدّىً بأمارة مخالفة للواقع.

وهذا يوجب الإجزاء بلا إشكال; لحصول الغرض لا محالة، ولكن الذي يخطر بالبال لأوّل وهلة أنّه موجب للتصويب; إذ يوجب تبدّل الأمر الواقعيّ التعيينيّ بصلاة الظهر مثلا إلى الأمر التخييريّ المتعلّق بالجامع بين الظهر ومفاد الأمارة، وهو الجمعة مثلا; لأنّ الملاك لم يكن في خصوص الواقع بعينه، بل فيه وفي مفاد الأمارة.

ويمكن إثبات عدم تبدّل الأمر التعيينيّ إلى الأمر التخييريّ بعدّة بيانات:

الأوّل: أن يقال: إنّه لا يمكن للمولى أن يأمر تخييراً بالجامع بين الواقع والمؤدّى; وذلك لأنّ الأمر بالجامع مقيّد بأن يكون مفاد أمارة مخالفة للواقع، فالأمر بالجامع يستحيل أن يصل إلى المكلّف; إذ لو لم يعلم أنّ هذه الأمارة مخالفة للواقع، لم يعلم بتوجّه الأمر بالجامع إليه; لتعليقه ـ بحسب الفرض ـ على أداء الأمارة إلى خلاف الواقع، ولو علم بأنّها مخالفة للواقع سقطت الأمارة عن الحجّيّة.

ويمكن الجواب عن هذا البيان بأكثر من طريق، ولا أقلّ من أن يقال: إنّ بالإمكان فرض الأمر التخييريّ، مع أخذ قيد الأمارة المخالفة في أحد شقّي الواجب التخييريّ، فالوجوب التخييريّ يكون مطلقاً ثابتاً في حقّ كلّ أحد، وليس مقيّداً بوجود أمارة مخالفة، إلاّ أنّ أحد طرفي التخيير هو الواقع، والطرف الآخر هو مؤدّى الأمارة بقيد المخالفة للواقع(1).


(1) ويمكن الجواب أيضاً بعد فرض أخذ قيد الأمارة المخالفة في الوجوب التخييريّ بأنّه يكفي في معقوليّة الأمر بالجامع وصوله الاحتماليّ، وهو ثابت في المقام

  صف9ه 329  

الثاني: أن يقال: إنّ الجامع بين الواقع ومفاد أمارة مخالفة للواقع ـ بمعنى: كون الأمارة متعلّقة بما يخالف الواقع ـ ليس له تقرّر لولا الأمر بالواقع; إذ لولا ذاك الأمر الواقعيّ التعيينيّ، فما معنى الجامع بين الواقع ومؤدّى أمارة متعلّقة بما يخالف الواقع؟!(1).

ويرد عليه: أنّ الجامع له تقرّر ثابت بغضّ النظر عن الأمر التعيينيّ بالواقع; إذ من الواضح: أنّنا نتصوّر مفهوماً الجامع بين الواقع ومؤدّى أمارة تعلّقت بما يخالف الواقع سواء تعلّق أمر تعييني بالواقع أو لا(2).

نعم، تحقّق أحد فردي الجامع خارجاً موقوف على تعلّق الأمر التعيينيّ والإرادة التعيينيّة بالواقع; إذ لولا ذلك لم يتحقّق عمل مخالف للواقع يكون مؤدّىً لأمارة تعلّقت بما يخالف الواقع، فيكون تعلّق الإرادة التعيينيّة بالواقع ذا مصلحة; إذ به يتمكّن العبد من الفرد الثاني من فردي الجامع، وقد حقّقنا في محلّه: أنّ الإرادة يتسحيل أن تنبثق من مصلحة في نفسها، بل يجب دائماً أن تنبثق من إرادة في المتعلّق، وهنا لا مصلحة في متعلّق الإرادة التعيينيّة بالخصوص; لأنّ الملاك يكون في الجامع حسب الفرض.


بمجرّد احتمال مخالفة الأمارة للواقع، خاصّة وأنّ هذا الاحتمال يولّد في المقام العلم الإجماليّ بوجوب مفاد الأمارة: إمّا تعييناً باعتبارها مطابقة للواقع مثلا، أو تخييراً باعتبارها مخالفة للواقع.

(1) راجع نهاية الدراية، ج  1، ص  405 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.

(2) راجع نفس المصدر، تحت الخطّ، وهو تعليق للشيخ الإصفهانيّ على كتابه نهاية الدراية، وراجع أيضاً (بحوث في الاُصول) لنفس المؤلّف، ص 121 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  صفحه 330  

الثالث: أن يقال: إنّ تحقّق الملاك في الجامع إنّما هو متولّد من الأمر بالواقع تعييناً; إذ لولا ذلك لم يكن جامع بين الواقع ومؤدّى الأمارة المخالفة حتّى يتحقّق فيه الملاك، فلا يمكن أن يوجب ذلك انقلاب الأمر التعيينيّ إلى الأمر التخييريّ; فإنّ الشيء يستحيل أن ينفي علّته، وبالتالي ينفي نفسه.

ويرد عليه:

أوّلا: النقض بأنّ الوصول إلى هذه النتيجة المستحيلة، وهي لزوم نفي الشيء لعلّته، وبالتالي لنفسه كان من أثر مجموع أمرين: أحدهما: افتراض تولّد ملاك في الجامع من الأمر التعيينيّ بالواقع، والثاني: افتراض أنّه إذا صار الملاك في الجامع، انتفى الأمر التعيينيّ بالواقع، وتبدّل إلى الأمر التخييريّ، فلماذا يكون فساد النتيجة برهاناً على بطلان الأمر الثاني، فليكن برهاناً على بطلان الأمر الأوّل؟!(1).

وثانياً: الحلّ بأنّ كون الملاك في الجامع ليس وليداً لتعلّق الأمر التعيينيّ بالواقع، وإنّما إمكانيّة الإتيان بالفرد الثاني من هذا الجامع خارجاً، وهو العمل بما يخالف الواقع باعتباره مؤدّى أمارة مخالفة للواقع، هو الوليد لتعلّق الأمر بالواقع. هذا.

وقد تلخّص بكلّ ما ذكرناه: أنّ الإجزاء والتصويب في الحكم الظاهريّ متلازمان، ففي الاحتمالين الأوّلين يثبت الإجزاء والتصويب معاً، وفي ما بعدهما من الاحتمالات الأربعة لا إجزاء ولا تصويب، والاحتمال السابع غير معقول في نفسه.


(1) بل هذا ـ أي: كونه برهاناً على بطلان الأمر الأوّل ـ هو المتعيّن; لأنّ كون الشيء علّة لما يقتضي إفناءه محال، لا أنّ هذا ممكن، ولكن استحالة إفناء الشيء لعلّته توجب عدم فناء العلّة، فإنّ نفس كون الشيء علّة لما يقتضي إفناءه يعني اقتضاء الشيء لفناء نفسه، وهذا محال، وبهذا البيان يصبح هذا الجواب حلّيّاً، لا نقضيّاً.

  صفحه 331  

إلاّ أنّ ما قلناه: من الملازمة بين الإجزاء والتصويب إنّما هي في الإجزاء بملاك الاستيفاء، وأمّا الإجزاء بملاك التعذّر، فبالإمكان افتراض تحقّقه من دون تحقّق التصويب، وذلك كما لو فرض: أنّ مصلحة الحكم الظاهريّ هي مصلحة في مقابل مصلحة الواقع، ومضادّة لها في الوجود، أي: لا يمكن تحصيلهما معاً، فمع تحصيل أحدهما تتعذّر الاُخرى، فحينئذ يثبت الإجزاء لا محالة; إذ بعد العمل بالحكم الظاهريّ لا يمكن استيفاء ملاك الحكم الواقعيّ، لكن لا يلزم التصويب، وتبدّل الوجوب التعيينيّ للظهر مثلا إلى الوجوب التخييريّ بين الظهر والجمعة (فيما لو فرض: أنّ الحكم الواقعيّ هو وجوب الظهر، والحكم الظاهريّ هو وجوب الجمعة); وذلك لأنّ الحكم الظاهريّ وهو وجوب الجمعة لا نفترض وجدانه لمصلحة الواقع حتّى يلزم تعلّق الأمر بالجامع وعلى سبيل التخيير، بل نفترض وجدانه لمصلحة اُخرى في مقابل مصلحة الواقع غير قابلة للجمع مع مصلحة الواقع.

نعم، يوجد في هذا الفرض إشكال في دعوى عدم لزوم التصويب، وذلك بأن يقال: إنّه إمّا أن تفرض مصلحة الواقع مع مصلحة الحكم الظاهريّ متساويتين، أو يفرض أنّ مصلحة الحكم الظاهريّ أنزل بمراتب من مصلحة الواقع، فمع فرض التساوي ينقلب ـ لا محالة ـ الحكم من الإيجاب التعيينيّ إلى الإيجاب التخييريّ; إذ لا ترجيح لإحدى المصلحتين على الاُخرى، ولا يمكن استيفاؤهما معاً، ومع فرض كون مصلحة الحكم الظاهريّ أنزل بمراتب من مصلحة الواقع لا معنى لأن يأمر المولى بالحكم الظاهريّ، فإنّه أمرٌ بما يفوّت المصلحة الأقوى.

والجواب: أنّه بالإمكان أن نختار كلاًّ من الشقّين، ومع ذلك ندفع الإشكال:

فتارةً نختار الشقّ الأوّل، وهو: أنّ المصلحتين متساويتان، ولكن كلّ من المصلحتين هي مصلحة تعيينيّة، بحيث لو أمكن استيفاؤهما معاً، وجب ذلك، إلاّ

 
  صفحه 332  

أنّ النقص في قدرة المكلّف، فيقع التزاحم بين المصلحتين، والتزاحم إنّما يوجب رفع اليد عن الأمر التعيينيّ بكلّ منهما عند وصول الحكمين، أمّا إذا وصل أحد الحكمين دون الآخر، فلا تزاحم بينهما، ولا موجب لرفع اليد عن الأمر التعيينيّ، وفي ما نحن فيه لا يصل الحكمان معاً; إذ مع وصول الأمر الواقعيّ لا حكم ظاهريّ، وفرض وصول الحكم الظاهريّ هو فرض عدم وصول الحكم الواقعيّ، إذن فالمقتضي للأمر التعيينيّ وهي المصلحة التعيينيّة موجود، والمانع وهو المزاحم للأمر التعيينيّ مفقود; لأنّ المزاحم بين أمرين فرع وصولهما، وهذا أحد الفوارق بين باب التعارض وباب التزاحم; حيث إنّ قوام التزاحم بالوصول; إذ مع عدم وصول أحدهما لا يقع المكلّف في ضيق، بينما التعارض بين حكمين يثبت سواء وصل كلا الحكمين أو لا.

واُخرى نختار الشقّ الثاني، وهو عدم اشتمال الحكم الظاهريّ على مصلحة توازي مصلحة الواقع، وإشكال لزوم التفويت هو إشكال ابن قبة المعروف في باب الأحكام الظاهريّة، وليس إشكالا جديداً، والمفروض الإجابة عليه: إمّا بأنّ الفوت شيء لابدّ منه على كلّ حال، وهو الجواب بناءً على مبنى الطريقيّة المحض، وإمّا بجواب من قبيل دعوى: وجود مصلحة في التفويت.

هذا تمام الكلام في فرض انكشاف الخلاف بالجزم واليقين، وقد تحصّل ضعف القول بالإجزاء بكلا تقريبيه.

وأمّا إذا فرض انكشاف الخلاف تعبّداً، فإمّا أن يكون الانكشاف بأمارة مثبتة لجميع اللوازم، أو يكون بأصل من الاُصول:

أمّا إذا كان انكشاف الخلاف بأمارة كما لو بنى على وجوب صلاة الجمعة بالاستصحاب، ثُمّ عثر على رواية تامّة الجهات تدلّ على وجوب الظهر، فالصحيح هنا أيضاً عدم الإجزاء، ولزوم الإعادة والقضاء; وذلك لأنّه حتّى لو

 
  صفحه 333  

فرض كون الحجّة المخالفة قد تكوّنت حجّيّتها من الآن ولو من باب فرض: أنّ الرواية لم تكن واردة قبلئذ، ووردت الآن، يكون مفادها الذي هي حجّة فيه ناظراً إلى كلّ الأزمنة: من الماضي والحال والاستقبال، فتدلّ على أنّ الواجب كان هو الظهر ولم يأتِ به، فتجب الإعادة، ويجب القضاء، من دون فرق بين كون القضاء بالأمر السابق أو بأمر جديد، ولا بين كون موضوع وجوب القضاء هو الفوت أو عدم الإتيان، فعلى كلّ تقدير يجب القضاء مادامت مثبتات الأمارة حجّة.

وأمّا إذا انكشف الخلاف بأصل من الاُصول، فلتحقيق الحال في ذلك نستعرض صوراً عديدة للمطلب، مع بيان الحال في كلّ واحدة منها:

الصورة الاُولى: أن ينكشف الخلاف بالاستصحاب في الشبهة الموضوعيّة، بأن يفرض مثلا: أنّه شكّ في أثناء وضوئه في جزء من الأجزاء بعد التجاوز إلى جزء آخر، فتمسّك بقاعدة التجاوز غافلا عن خروج الوضوء منها بالتخصيص وصلّى، ثُمّ اطّلع على خروج الوضوء عن قاعدة التجاوز، فجرى في حقّه استصحاب عدم الإتيان بذلك الجزء، فإذا كان ذلك في أثناء الوقت، فلا إشكال في وجوب الإعادة; لأنّه قد ثبت عدم الإتيان بالمطلوب بحكم الاستصحاب، مضافاً إلى قاعدة اقتضاء الاشتغال اليقينيّ الفراغ اليقينيّ، وإن كان بعد الوقت، فإن قلنا بأنّ القضاء بنفس الأمر السابق ولو بأن نستكشف ذلك من دليل القضاء، فقد أصبح حاله حال الأداء، فلا إشكال في وجوب القضاء بنفس البيان، وإن قلنا بأنّ القضاء بأمر جديد، فإن قلنا: إنّ موضوعه هو عدم الإتيان، فهذا الموضوع يثبت بالاستصحاب، ويجب القضاء، وإن قلنا: إنّ موضوعه هو الفوت والخسارة الملازم لعدم الإتيان، فهنا يرد على فرض وجوب القضاء إشكال صاحب الكفاية (1):


(1) راجع الكفاية، ج  1، ص  135 بحسب طبعة المشكينيّ.

  صفحه 334  

من أنّ استصحاب عدم الإتيان لا يثبت لوازمه، فلا يثبت وجوب القضاء، بل نرجع إلى البراءة عنه(1).

وهذا كلام في نفسه موافق للصناعة، إلاّ أنّ فيه إشكالا فقهيّاً واحداً، وهو: أنّه لو تمّت هذه الصناعة في موارد الاستصحاب الجاري بعد الوقت، بمعنى تكوّن موضوعه بعد الوقت، أو تنجّزه على المكلّف بعد الوقت، لتمّت أيضاً في موارد الاستصحاب الجاري في الوقت، فمثلا لو شكّ في أثناء الوقت: أنّه هل صلّى أو لا، فاستصحب عدم الصلاة، ومع ذلك قصّر، فلم يصلِّ إلى أن فات الوقت، فيقال: إنّ استصحاب عدم الإتيان لا يثبت الفوت، فلا يجب عليه القضاء مع أنّ هذا ممّا لا يظنّ بفقيه أن يلتزم به.

ويمكن حلّ هذا الإشكال ببيان: أنّ الاستصحاب إذا جرى وتنجّز في أثناء الوقت، فقد وجبت عليه الصلاة ظاهراً، ويصبح هذا الوجوب الظاهريّ موضوعاً لقوله: «اقضِ مافات كما فات»، فلو ترك وجب عليه القضاء، بينما لو كان الاستصحاب جارياً بعد الوقت لا قبله، لم يفته واجب ظاهريّ في الوقت، ولا يمكن إثبات فوت الواقع باستصحاب عدم الإتيان، كما أنّ الاستصحاب لو فرض جارياً في أثناء الوقت، ولكنّه لم يكن واصلا إليه ومنجّزاً عليه، لم يصدق أيضاً الفوت والخسارة; فإنّ الحكم الظاهريّ ليس كالحكم الواقعيّ الذي يصدق بتركه الخسارة ولو لم يتنجّز عليه، فإنّ الحكم الظاهريّ روحه التنجيز، فمع عدم التنجّز لا تصدق خسارة.


(1) إلاّ أنّ هذا لا علاقة له بإجزاء امتثال الحكم الظاهريّ عن الحكم الواقعيّ، وإنّما هذا مرجعه إلى أنّ الحكم الواقعيّ الأدائيّ مقطوع السقوط: إمّا بالامتثال، أو بانقضاء الوقت، والحكم الواقعيّ القضائيّ مشكوك الحدوث; للشكّ في حدوث موضوعه، وهو الفوت.

  صفحه 335  

ويمكن النقاش في هذا الحلّ بأن يقال: إنّ ظاهر دليل القضاء بعد فرضه واجباً مستقلاًّ أنّه وجوب واقعيّ، كما هو الحال في ما هو الظاهر من كلّ أمر من الأوامر، من قبيل: (صلِّ) و(صم) وغير ذلك; إذ المفروض: أنّه ليس بقاءً للأمر الأوّل حتّى يقال: إنّه يتبعه في الواقعيّة والظاهريّة، من قبيل: (الميسور لا يسقط بالمعسور) الذي يتبع فيه حكم الميسور في الواقعيّة والظاهريّة، وفي الوجوب والاستحباب حكم المعسور، وإذا كان وجوب القضاء وجوباً واقعيّاً، قلنا: هل موضوع هذا الوجوب خصوص فوت الواجب الواقعيّ، أو موضوعه فوت الصلاة الواجبة سواء كانت واجبة بالوجوب الواقعيّ، أو الظاهريّ؟

فإن فرض الأوّل قلنا: لا سبيل إلى إثبات فوت الواقع ولو جرى الاستصحاب وتنجّز في أثناء الوقت; لأنّ استصحاب عدم الإتيان لا يثبت الفوت والخسارة إلاّ بالملازمة العقليّة، إذن فلا يجب القضاء حتّى على من جرى في حقّه الاستصحاب في أثناء الوقت وتنجّز، وهذا ما قلنا: إنّه لا يظنّ بفقيه أن يقول به.

وإن فرض الثاني لزم من ذلك: أنّ من جرى في حقّه استصحاب عدم الإتيان في الأثناء وتنجّز عليه، ثُمّ ترك إلى أن فات الوقت، كان القضاء واجباً واقعيّاً عليه، بحيث حتّى لو كان في علم الله قد صلّى في الوقت يجب عليه القضاء، فلو تذكّر صدفة بعد انتهاء الوقت أنّه قد صلّى، فمع ذلك يجب عليه القضاء، وهذا أيضاً ممّا لا يظنّ بفقيه أن يلتزم به.

إلاّ أنّ الصحيح: أنّ هذا النقاش يمكن حلّه بأن يقال: إنّ دليل القضاء حيث إنّه يكون بلسان التدارك، فلا ينبغي قياسه بالأوامر الابتدائيّة الصرف، ولا يبعد استظهار كونه تبعاً للشيء المتدارك، فإن كان المتدارك واجباً فهذا واجب، وإن كان مستحبّاً فهذا مستحبّ، وإن كان واقعيّاً فهذا واقعيّ، وإن كان ظاهريّاً فهذا ظاهريّ، كلّ هذا بنكتة ظهور الأمر بالقضاء في كونه تداركيّاً، وإذا كان الأمر

 
  صفحه 336  

كذلك، قلنا: إنّه لو جرى الاستصحاب في الوقت وتنجز عليه، فقد وجبت عليه ظاهراً الصلاة، وهذا الوجوب مشمول لقوله: «اقضِ ما فات كما فات»، فلو لم يمتثله إلى أن انتهى الوقت، وجب عليه القضاء وجوباً ظاهريّاً، بينما لو جرى الاستصحاب بعد الوقت، لا يوجد هنا فوت وخسارة بلحاظ الحكم الظاهريّ في داخل الوقت، ولم يثبت فوت بلحاظ الواقع; لأنّ استصحاب عدم الإتيان لا يثبت الفوت، فلا يثبت عليه وجوب القضاء.

الصورة الثانية: أن ينكشف الخلاف بالاستصحاب في الشبهة الحكميّة، كما لو فرض: أنّ صلاة الجمعة مستصحبة الوجوب، وهو كان يرى حاكماً على هذا الاستصحاب، ثُمّ عدل عن هذا الرأي، فأخذ يستصحب وجوب صلاة الجمعة، وحينئذ فإن انكشف له ذلك في أثناء الوقت، فلا إشكال في وجوب الإعادة، ولو لم يعد إلى أن انقضى الوقت فعليه القضاء. وطبعاً قضاء كلّ شيء بحسبه، وقضاء صلاة الجمعة يكون بالإتيان بالظهر(1).

والوجه في وجوب القضاء ـ مع فرض كون القضاء بأمر جديد ـ ما مضى في الصورة الاُولى: من استظهار الأمر بقضاء ما فات على حدّ الأمر الذي كان ثابتاً لما فات من أمر واقعيّ أو ظاهريّ، أمّا مع فرض كون القضاء بالأمر الأوّل، فوجوب القضاء في غاية الوضوح.

وإن انكشف له ذلك بعد انتهاء الوقت، فإن قلنا: إنّ القضاء بالأمر السابق، وجب القضاء، وإن قلنا: إنّه بأمر جديد، وقلنا: إنّ موضوعه عدم الإتيان، وجب القضاء أيضاً; فإنّ الموضوع مركّب من جزءين: من عدم الإتيان بشيء وهو ثابت


(1) بل بهذا الاستصحاب ثبت: أنّه وجبت عليه الظهر بعد انتهاء وقت الجمعة، فعليه قضاؤها; لأنّها فاتت.

  صفحه 337  

بالوجدان، وكون ذلك الشيء واجباً وهو ثابت بالاستصحاب، وإن قلنا: إنّ موضوعه الفوت، لم يثبت القضاء; لأنّ إثبات الفوت بالاستصحاب تمسّك بالأصل المثبت، كما في الصورة الاُولى(1).

وقد يتخيّل هنا إمكان إثبات الموضوع بالاستصحاب وإن لم يمكن ذلك في الصورة الاُولى; وذلك لأنّ الموضوع هنا مركّب من فوت شيء، وكون ذلك الشيء واجباً، وفوت شيء ثابت بالوجدان; فإنّه قد فاتته الجمعة حتماً، وكونه واجباً ثابت بالاستصحاب.

وفي الحقيقة قد جعلنا هذه الصورة في مقابل الصورة الاُولى; لامتيازها عنها بهذه الشبهة، فأردنا ذكرها مع جوابها.

والجواب: أنّ الموضوعات حتّى ما كان منها بظاهر صورتها تقييديّة وإن كنّا ندّعي رجوعها عرفاً إلى التركيب، لكن في خصوص الفوت نقول: إنّ الفوت ليس منتزعاً من مجرّد عدم الإتيان حتّى يفرض: أنّ الموضوع مركّب من الفوت ومن وجوب الفائت، وإنّما الفوت منتزع من خصوص عدم إتيان ما فيه مزيّة، فمن ترك بالنهار صلاة ثلاث ركعات مثلا ـ وهي غير مشروعة ـ لا يقال عنه: إنّه فاتته في هذا النهار صلاة ثلاث ركعات، فالفوت عنوان تقييديّ منتزع من مجموع عدم الإتيان، وكون ما لم يأتِ به ممّا لابدّ من الإتيان به، فكما لو كان الشكّ في الجزء الأوّل من منشأ الانتزاع، وهو عدم الإتيان، لم يكفِ استصحاب عدمه ـ وهو عدم الإتيان ـ في إثبات هذا العنوان الانتزاعيّ وهو الفوت، كذلك لو كان الشكّ في الجزء الثاني من ذلك وهو اللابديّة، لم يكفِ استصحاب عدمه


(1) إلاّ أنّ هذا لا علاقة له بإجزاء امتثال الحكم الظاهريّ عن الحكم الواقعيّ كما أشرنا إليه آنفاً في الاستصحاب الموضوعيّ.

  صفحه 338  

ـ وهو عدم الوجوب ـ في إثبات هذا العنوان الانتزاعيّ.

الصورة الثالثة: ما إذا انكشف الخلاف بالعلم الإجماليّ، كما لو فرض: أنّه يعلم إجمالا في يوم الجمعة: إمّا بوجوب صلاة الظهر، أو الجمعة، لكنّه كان يرى انحلال هذا العلم الإجماليّ بقيام دليل شرعيّ تعبّديّ على وجوب الجمعة مثلا، ثُمّ انكشف له عدم دليل شرعيّ تعبّديّ على ذلك، وهذا الانكشاف لو كان قبل أن يصلّي صلاة، فلا إشكال في أنّه لابدّ له أن يعمل وفق هذا العلم الإجماليّ، وإنّما يقع الكلام في فرضيّتين:

الاُولى: أنّه لو حصل هذا الانكشاف قبل الصلاة، ثُمّ صلّى الجمعة وترك الظهر إلى أن انتهى الوقت، خلافاً لما هي وظيفته من العمل بالعلم الإجماليّ، فهل يجب عليه القضاء، أو لا؟

والثانية: أنّه لو حصل هذا الانكشاف بعد أن صلّى الجمعة، فهل يجب عليه الظهر أداءً إن كان في الوقت، أو قضاءً إن كان في خارج الوقت، أو لا؟

أمّا في الفرضيّة الاُولى: فلا يخلو إثبات وجوب القضاء فيها من صعوبة ثابتة في كلّ ما لو علمنا إجمالا في الوقت بأحد الواجبين ممّا له القضاء كالصلاة سواء اعتقد أوّلا وجود ما يحكم على العلم الإجماليّ ويحلّه، ثُمّ انكشف الخلاف، أو لم يعتقد ذلك من البدء، فإنّه ـ على أيّ حال ـ يقال: إنّ الواجب الأدائيّ قد سقط حتماً: إمّا بالامتثال أو بانتهاء الوقت، ووجوب القضاء عليه غير معلوم، لأنّه فرع كون الواجب هو ما تركه، وهو غير ثابت، فكيف يتنجّز عليه وجوب القضاء؟!(1).


(1) ولكن لو قلنا بعدم وجوب القضاء عليه، فهذا لا علاقة له بإجزاء امتثال الحكم الظاهريّ عن الواقع، وكيف لا والمفروض انكشاف الخلاف له قبل أن يعمل شيئاً أصلا، أو المفروض عدم قيام حكم ظاهريّ له منذ البدء حالٍّ للعلم الإجماليّ.

  صفحه 339  

ويمكن إثبات وجوب القضاء عليه بعدّة وجوه:

الوجه الأوّل: أن يؤتى هنا بنفس الجواب الذي أتينا به في الصورتين السابقتين: من أنّ الأمر بالقضاء ليس دائماً واقعيّاً، بل هو يدور مدار مافات، ومادام أنّه كان يجب عليه أن يأتي بصلاة الظهر في الوقت ـ ولو للعلم الإجماليّ ـ يجب عليه القضاء في خارج الوقت.

وهذا الوجه تماميّته هنا أصعب منها في الصورتين السابقتين; وذلك لأنّه كان يكفي في الصورتين السابقتين أن يدّعى: أنّ قوله: «اقض مافات كما فات» ناظر إلى كلّ الوجوبات الشرعيّة والخطابات المجعولة له تعالى، واقعيّة كانت أو ظاهريّة، فهو ـ تعالى ـ يأمر بقضاء مافات من أوامر أمراً واقعيّاً فيما لو فاته أمر واقعيّ، وظاهريّاً فيما لو فاته أمر ظاهريّ، وأمّا في المقام، فلم يثبت فوت أمر إلهيّ منه، وإنّما القدر المتيقّن فوت شيء كان منجّزاً عليه من قبل العقل بالعلم الإجماليّ، فلكي يشمله دليل القضاء يجب أن يفرض: أنّ هذا الدليل أرحب صدراً من قبول الواجبات الشرعيّة فقط، فيشمل حتّى الوظائف التي كانت لأجل حكم العقل بالتنجيز من دون ثبوت كونها شرعيّة، فيُثبت دليل القضاء في ذلك وجوباً ظاهريّاً للقضاء.

الوجه الثاني: استصحاب عدم الإتيان بالواجب بناءً على أنّ موضوع القضاء هو عدم الإتيان، لا الفوت.

وهذا الوجه غير صحيح; إذ ليس الشكّ في إتيان شيء وعدم الإتيان به، بل هو يقطع بأنّه أتى بالجمعة، وبأنّه لم يأتِ بالظهر، وإنّما الشكّ في أنّ أيّاً منهما هو الواجب، فلا معنى لاستصحاب عدم الإتيان بالواجب.

ومن هنا يتّضح: أنّ ثبوت الإشكال في وجوب القضاء هنا لا يفرّق فيه بين فرض كون الموضوع لوجوب القضاء ـ بناءً على كونه بأمر جديد ـ هو الفوت، أو عدم الإتيان.

 
  صفحه 340  

الوجه الثالث: أنّه من أوّل الأمر يعلم إجمالا بأنّه إمّا تجب عليه الجمعة فعلا، أو يجب عليه قضاء الظهر بعد الوقت لو لم يأتِ به حين الوقت، فيكون من العلم الإجماليّ في التدريجيات، ويكون منجّزاً.

وهذا الوجه إنّما يتمّ لو كان قبل إتيانه بالجمعة عازماً على ترك الظهر، فهو يعلم أنّه لا يأتي بالظهر، وبالتالي يعلم بأنّه: إمّا تجب عليه الجمعة الآن، أو يجب عليه قضاء الظهر بعد الوقت، أمّا إذا كان يحتمل أنّه سيأتي بالظهر، فليس جميع أطراف علمه الإجماليّ فعليّة في ظرفها; فإنّه لا يعلم بأنّه: إمّا يجب عليه الجمعة الآن، أو يجب عليه قضاء الظهر وجوباً فعليّاً فيما بعد انقضاء الوقت; إذ يحتمل أنّه سيصلّي الظهر، فأحد طرفي العلم الإجماليّ عبارة عن التكليف على تقدير، لا التكليف الفعليّ في ظرفه، وعلم إجماليّ من هذا القبيل لا يكون منجّزاً، فإذا صلّى الجمعة ثُمّ تمّ عزمه على ترك الظهر، فقد حصل له العلم الإجماليّ: إمّا بوجوب الجمعة، أو وجوب قضاء الظهر بعد الوقت، ولكن أحد طرفي هذا العلم الإجماليّ خارج عن محلّ ابتلائه بالامتثال، وهو صلاة الجمعة، فلا يؤثّر هذا العلم الإجماليّ أيضاً.

الوجه الرابع: مبنيّ على كون القضاء بالأمر الأوّل، بأن يكون من أوّل الأمر قد توجّه إليه أمران: أمر بجامع الصلاة في الوقت أو خارجه، وأمر بإيقاعها في الوقت، وعليه فهو من أوّل الأمر تكوّن عنده علمان إجماليّان: علم بوجوب الجمعة أو إيقاع الظهر في الوقت، وعلم بوجوب الجمعة أو جامع الظهر في الوقت أو خارجه، وكلاهما علمان منجّزان; لكونهما علماً بتكليف فعليّ على كلّ تقدير، إذن فجامع الظهر قد تنجّز عليه، فيجب عليه الإتيان به ولو خارج الوقت.

وهذا الوجه غير صحيح من ناحية بطلان المبنى; حيث إنّنا لا نقول بكون القضاء بالأمر الأوّل.

الوجه الخامس: أن يقال: إنّه يعلم إجمالا: إمّا بوجوب صلاة الظهر عليه الآن

 
  صفحه 341  

ولو كانت قضاءً، أو وجوب صلاة الجمعة عليه في الاُسبوع الآتي; إذ لو كانت وظيفته الجمعة، ففي كلّ اُسبوع تكون وظيفته ذلك، ففي الاُسبوع الآتي تجب عليه الجمعة، ولو كانت وظيفته الظهر، فالآن تجب عليه صلاة الظهر ولو كانت قضاءً، وهذا علم بتكليف فعليّ في ظرفه على كلّ تقدير، فيكون منجّزاً.

وهذا الوجه تامّ، إلاّ أنّه يختصّ بالواجب الذي يتكرّر من قبيل صلاة الظهر والجمعة، أمّا لو فرض مثلا أنّه علم إجمالا بالقصر أو التمام في حالة من الحالات التي يشكّ فيها أنّ الوظيفة هل هي القصر أو التمام، ولم يعلم بأنّ هذه الحالة سوف تتكرّر له، فلا يأتي هذا الجواب.

فقد تحصّل: أنّه في الواجبات التكراريّة لا إشكال في وجوب القضاء اعتماداً على الوجه الخامس، وأمّا في غير ما يثبت تكراره، فلا نفتي بوجوب القضاء، لكنّنا نحتاط فيه احتياطاً وجوبيّاً لأجل الوجه الأوّل(1).

وأمّا في الفرضيّة الثانية: فالوجه الأوّل لا يتأتّى فيها، سواء التفت في خارج الوقت أو في داخله.

أمّا الأوّل فواضح; إذ لم يتنجّز عليه الظهر في داخل الوقت حتّى تطبّق عليه قاعدة (اقضِ مافات كما فات) لإثبات وجوب القضاء الظاهريّ(2). وأمّا الثاني فلأنّ علمه الإجماليّ في داخل الوقت علم بوجوب الجمعة أو الظهر، والطرف


(1) ولو لم نحتط في ذلك احتياطاً وجوبيّاً، ولا أفتينا بوجوب القضاء، فقد عرفت: أنّ المسألة بالدقّة لا علاقة لها بإجزاء الحكم الظاهريّ عن الواقع.

(2) إلاّ أنّ هذا لا علاقة له بإجزاء امتثال الحكم الظاهريّ عن الواقع، بل إنّ الواقع الأدائيّ ساقط يقيناً: إمّا بالامتثال، أو بانتهاء الوقت، والواقع القضائيّ مشكوك الحدوث; للشكّ في الفوت.

  صفحه 342  

الأوّل قد خرج عن محلّ ابتلائه بالامتثال، فلا أثر لهذا العلم الإجماليّ، فلا يجب عليه الأداء(1) فضلا عن القضاء.

وأمّا الوجه الثاني، وهو الاستصحاب، فلو تمّ في الصورة السابقة يأتي هنا أيضاً خصوصاً بالنسبة إلى الأداء; إذ لا تأتي فيه شبهة كون موضوع الحكم هو الفوت، لا عدم الإتيان.

وأمّا الوجه الثالث والرابع، فلا يأتيان هنا; لأنّ الطرف الأوّل للعلم الإجماليّ ـ وهو وجوب الجمعة ـ قد خرج عن محلّ ابتلائه بالامتثال قبل تكوّن العلم الإجماليّ.

وأمّا الوجه الخامس، فهو يأتي في المقام حرفاً بحرف، فهو يعلم الآن بأنّه: إمّا يجب عليه الظهر أداءً أو قضاءً، أو تجب عليه الجمعة في الاُسبوع الآتي.

الصورة الرابعة: ما إذا تنجّز عليه التكليف بأصالة الاشتغال من باب الدوران بين الأقلّ والأكثر بناءً على أصالة الاشتغال فيه، وحينئذ لو كنّا نقول بأصالة الاشتغال على أساس العلم الإجماليّ بوجوب الأقلّ لا بشرط، أو وجوب الأكثر، إذن رجعت هذه الصورة إلى الصورة الثالثة، فالكلام الكلام، ولو كنّا نقول بأصالة الاشتغال على أساس الشكّ في حصول الغرض، فالكلام فيه هو الكلام في الصورة الثالثة من حيث الوجوه الأربعة الاُولى، ولكن الوجه الخامس لا يأتي هنا; إذ لا يمكن أن يقال بأنّه يعلم إجمالا: إمّا بوجوب الأكثر عليه الآن، أو


(1) يمكن ربط ذلك بمسألة إجزاء امتثال الحكم الظاهريّ عن الواقع; لأنّ امتثاله للحكم الظاهريّ الذي كان له قبلا هو الذي أخرج أحد طرفي العلم الإجماليّ عن محل ابتلائه، كما يمكن أيضاً فرض ذلك أجنبيّاً عن مسألة امتثال الحكم الظاهريّ; لأنّ كون حكمه السابق الذي امتثله ظاهريّاً ليس هو الدخيل في خروج أحد طرفي العلم الإجماليّ عن محلّ ابتلائه، بل حتّى لو كان وهميّاً وخياليّاً، لكان يؤثّر امتثاله نفس التأثير.

  صفحه 343  

وجوب الأقلّ عليه في يوم آخر; فإنّ الأقلّ واجب عليه في يوم آخر حتماً: إمّا وحده، أو في ضمن الأكثر. هذا.

وقد تحصّل من كلّ ما ذكرناه: أنّه متى ما كان لدليل الأمر الواقعيّ إطلاق، فمقتضى القاعدة عدم الإجزاء بنحو الفتوى في غالب الفروض، وبنحو الاحتياط الوجوبيّ في فرض نادر(1) ما لم يرد مخصّص خارجيّ لذلك الإطلاق من قبيل حديث (لا تعاد) في غير الأركان في الصلاة.

هذا هو البحث الاُصوليّ في المقام.

يبقى أنّه في بعض الموارد قد يقال بالإجزاء: إمّا بدعوى عدم الإطلاق لدليل الأمر الواقعيّ، أو بدعوى تخصيصه، وذلك من قبيل إجزاء الفتوى السابقة للأعمال السابقة عند رجوع المقلّد إلى تقليد فتوىً اُخرى، أو من قبيل ما لو كان الخلل بغير الأركان في الصلاة.

وتشخيص هذه الموارد وتحقيق الكلام فيها موكول إلى علم الفقه. هذا.

وإذا كان مقتضى القاعدة في الأمر الظاهريّ هو عدم الإجزاء، ففي الأمر الخياليّ بطريق أولى، وإنّما قلنا بطريق أولى لأنّ الوجهين الماضيين للإجزاء في الأمر الظاهريّ لا يأتيان في الأمر الخياليّ الوهميّ; إذ لا حكم ظاهريّ حتّى تفرض حكومته على الحكم الواقعيّ، أو تفرض السببيّة فيه، غاية ما هناك: أنّه تخيّل العبد الأمر بشكل معيّن فامتثله، ثُمّ انكشف الخلاف.

هذا تمام الكلام في بحث الإجزاء.


(1) لو سمّينا عدم القول بوجوب الاحتياط في ذلك الفرض النادر بإجزاء الحكم الظاهريّ عن الواقع، فتسمية الفرض الأخير، أعني: آخر شقّ من شقوق فرضيّة العلم الإجماليّ بهذا الإسم أولى. والأمر سهل، فإنّ هذا شبيه بمجرّد النقاش اللفظيّ.

  صفحه 344  

 

 

 

 
  صفحه 345  

الأوامر


الفصل الرابع

 

 

 

وجوب مقدّمة الواجب

 

 تقسيمات المقدّمة.
       شرط الوجوب.
       شرط الواجب.
       الشرط المتقدّم.

تقسيمات الواجب.
       المطلق والمشروط.
       المعلّق والمنجّز.
       النفسيّ والغيريّ.

 
  صفحه 346  

 

 
  صفحه 347  

 

 

 

 

 

إنّ موضوع هذا البحث ليست هي المقدّمة الوجوبيّة، بل هي المقدّمة الوجوديّة. والفرق بينهما من حيث عالم الجعل: أنّ الوجوب مقيّد ومشروط بالاُولى دون الثانية، ومن حيث عالم الملاك: أنّ الاُولى لها دخل في أصل كون الفعل ذا مصلحة واحتياج الإنسان إليه، بينما الثانية يكون دخلها في تحصيل المصلحة وإشباع حاجة الإنسان، فمثلا مجيء أيّام البرد مقدّمة وجوبيّة للحكم بالتدفئة بالنار; إذ قبلها لا مصلحة في التدفئة ولا حاجة للإنسان إليها بينما سدّ المنافذ المانعة عن الدفء مقدّمة وجوديّة للتدفئة بالنار; إذ به يتمّ تحصيل المصلحة وتشبع حاجة الإنسان، ووجوب التدفئة مثلا مشروط بمجيء أيّام البرد، وليس مشروطاً بسدّ المنافذ، وبما أنّ الوجوب مقيّد ومشروط بالمقدّمة الوجوبيّة فمن الواضح: أنّه لا يترشّح الوجوب على نفس المقدّمة والشرط، فإنّه لولاها لما كان العبد ملزماً بشيء، فالبحث إنّما هو حول المقدّمة الوجوديّة.

هذا حال موضوع البحث.

وأمّا محموله، فليس عبارة عن اللابدّيّة التكوينيّة للمقدّمة في مقام الحصول على ذي المقدّمة، فإنّ هذه هي معنى المقدّميّة، ولا عبارة عن اللابدّيّة العقليّة، بمعنى عدم صحّة الاعتذار عن ترك ذي المقدّمة بعدم المقدّمة، فيقول: أنا ما صلّيت لأ نّني لم أتوضّأ; فإنّ ذلك واضح بالضرورة، وليس فيه أيّ نقاش أو خلاف، ولا عبارة عن الوجوب المولويّ المجعول بالجعل الفعليّ; فإنّه موقوف على

 
  صفحه 348  

الالتفات إلى المقدّمة، بينما قد يكون الآمر بشيء غير ملتفت إلى المقدّمة، وغير مطّلع أصلا على احتياج المأمور به إلى تلك المقدّمة، وإنّما هو عبارة عن الوجوب المولويّ المجعول ارتكازاً وشأ ناً، بحيث لو التفت إليه لطلبه.

هذا حال محمول البحث.

وأمّا النسبة المدّعاة بين هذا المحمول وذاك الموضوع فهي نسبة الملازمة العقليّة، لا الدلالة اللفظيّة الالتزاميّة التي هي أخصّ من الملازمة العقليّة، حيث لا تكون إلاّ إذا كانت الملازمة بيّنة; إذ لا مبرّر لقصر النزاع على هذا الأخصّ بعد أن كانت الآثار المطلوبة من الوجوب الغيريّ تترتّب ـ لو ثبت الوجوب ـ بالملازمة العقليّة ولو لم تكن بيّنة.

وبعد أن عرفت ذلك يقع البحث عن مقدّمة الواجب، وتحقيق الحال فيها في ضمن بحثين:

 

 
  صفحه 349  

وجوب مقدّمة الواجب


البحث الأوّل

 

 

 

تقسيمات المقدّمة

 

 شرط الوجوب.
شرط الواجب.
الشرط المتقدّم.

 
  صفحه 350  

 

 

 

 
  صفحه 351  

 

 

 

 

 

قد قسّمت المقدّمة إلى مقدّمة وجوبيّة ومقدّمة وجوديّة، وهذا ما قد مضى في مستهلّ البحث، ولا حاجة إلى تكراره.

وقد قسّمت المقدّمة بتقسيمات اُخرى لا حاجة إليها; إذ لا يترتّب عليها محصول من ناحية ما هو المقصود في المقام، وهو وجوب المقدّمة، وذلك من قبيل التقسيم إلى كون المقدّمة عقليّة أو شرعيّة أو عاديّة، أو التقسيم إلى كونها مقدّمة الوجود أو مقدّمة الصحّة، أو التقسيم إلى مقدّمة داخليّة أو خارجيّة، ونحو ذلك، فمتى ما تحقّقت المقدّميّة جاء النزاع سواء كانت ذاتيّة وهي المسمّاة بالعقليّة، أو شرعيّة عرضيّة نشأت من تقييد الواجب بفعل كالوضوء، فيصبح المقيّد بما هو مقيّد متوقّفاً على القيد، وهكذا سائر التقسيمات يتّضح بالتأمّل عدم الحاجة إليها، وإنّما الذي يستحقّ التعرّض له هو آخر تلك التقسيمات التي جاءت في الكفاية، وهو تقسيم المقدّمة إلى الشرط المقارن والمتقدّم والمتأخّر، فيذكر هذا التقسيم تمهيداً للدخول في إشكال الشرط المتأخّر المعروف.

وأمتن صيغ ذاك الإشكال أن يقال: إنّ الشرط المتأخّر: إمّا أن يؤثّر في مشروطه، أو لا، والثاني خلف; إذ لا نتعقّل للشرطيّة معنىً إلاّ التأثير الضمنيّ في المشروط، وكونه جزءاً من أجزاء العلّة المولّدة للمشروط.

وعلى الأوّل: فهل ظرف التأثير هو ظرف المشروط، أو ظرف الشرط؟

فعلى الأوّل، يلزم تأثير المعدوم لعدم الشرط وقتئذ، وهو باطل بالبداهة، وعلى

 
  صفحه 352  

الثاني، يلزم التأثير في الماضي مع أنّ الماضي قد وقع، والواقع لا ينقلب عمّا وقع عليه.

والكلام في كيفيّة التخلّص عن إشكال الشرط المتأخّر يقع في عدّة مقامات:

1 ـ في شرط الحكم والوجوب.

2 ـ في شرط الواجب.

3 ـ فيما ألحقه صاحب الكفاية بالشرط المتأخّر، وهو الشرط المتقدّم.

 

شرط الوجوب:

أمّا المقام الأوّل: وهو شرط الوجوب، كما لو أوجب المولى الصيام في النهار على من سوف يفعل عملا معيّناً في الليلة الآتية مثلا، فقد ذكر صاحب الكفاية : أنّ الشرط ـ في الحقيقة ـ هو الوجود اللحاظيّ المقارن، لا الوجود الخارجيّ للشرط، فإنّ الحكم حقيقة قائمة في نفس المولى، فهو يحكم مثلا بأنّ من سوف يفعل الفعل الفلانيّ في الليلة الآتية يجب عليه الصوم في هذا اليوم، وهذا الحكم من قبله لا يكون متوقّفاً على أن يفعل أحد ذلك الفعل في الليلة الآتية، وإنّما يكون متوقّفاً على تصوّر المولى ولحاظه لهذا الشرط حتّى يستطيع أن يحكم بحكم مقيّد به، وهذا التصوّر واللحاظ مقارن لزمان الحكم(1).

وأوردت على ذلك مدرسة المحقّق النائينيّ بأنّ هذا خلط بين الجعل والمجعول، فهذا الكلام إنّما يناسب عالم الجعل، فإنّ الجعل مرجعه إلى قضيّة شرطيّة وتقديريّة تجعل ولو لم يوجد الشرط خارجاً، فجعلها لا يتوقّف على أزيد


(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 146 بحسب الطبعة المشتملة في حاشيتها على تعليق المشكينيّ.

  صفحه 353  

من التصوّر واللحاظ، وأمّا في المجعول، وهو ثبوت الحكم والوجوب على شخص معيّن بالذات، وخروج الجزاء بشأنه من التقديريّة إلى الفعليّة، فهو ـ لا محالة ـ متوقّف على فعليّة الشرط في حقّه، والمؤثّر هنا إنّما هو الشرط الخارجيّ، فالوجوب وليد أمر لم يولد، وهذا هو إشكال الشرط المتأخّر(1).

وتحقيق الكلام في هذا المقام: أنّ الإشكال في الشرط المتأخّر للوجوب يكون في ثلاثة مواقع:

الأوّل: في مقام الجعل وتشريع الحكم على موضوعه بنحو القضيّة الحقيقيّة، والإشكال فيه يكون بأحد تقريبين:

1 ـ ما مضى، وحاصله: لزوم تأثير المتأخّر في المتقدّم، وتأثير المعدوم، وهو محال.

وهذا جوابه ما ذكره صاحب الكفاية: من أنّ الجعل والتشريع يكفي فيه لحاظ ذلك الشرط، وهو مقارن للجعل، ولا يكون للشرط بوجوده الخارجيّ أثر في ذلك.

2 ـ ما يظهر من كلمات المحقّق النائينيّ في الإشكال في الشرط المتأخّر ـ على ما في تقرير بحثه(2) ـ من لزوم التهافت في عالم لحاظ المولى.

وتوضيحه: أنّ المولى إذا أراد أن يوجب على العبد مثلا صوم يوم السبت على


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 224 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ ، وفوائد الاُصول، ج 1، ص 278 ـ 279 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، والمحاضرات للفيّاض، ج 2، ص 312 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

(2) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 226 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ ، وفوائد الاُصول، ج 1، ص 280 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  صفحه 354  

تقدير أن يصلّي صلاة الليل في ليلة الأحد، فلابدّ له من تقدير ولحاظ صدور صلاة الليل منه في ليلة الأحد، بينما هذا التقدير هو تقدير انتهاء يوم السبت، فكيف يمكنه أن يوجب على هذا التقدير صوم يوم السبت؟!

والجواب: أنّ تقدير صلاة الليل في ليلة الأحد لا ينحصر في تقديرها ماضيةً وفي الزمان السابق، بل قد تقدّر صلاة الليل مستقبلة، أي: أنّ المولى يقدّر أنّ هذا العبد سوف يصلّي صلاة الليل في ليلة الأحد، ويوجب عليه الصوم على هذا التقدير، لا أنّه يقدّر أنّه قد صلّى صلاة الليل في ليلة الأحد، ويوجب عليه الصوم على هذا التقدير.

والحاصل: أنّ تجديد ظرف المقدَّر من حيث فرضه مستقبلا أو ماضياً يكون بيد نفس المقدِّر، وليس معنى تقدير شيء في زمان لكي يرتّب على ذلك التقدير الحكم تقدير تحقّقه ومضيّه، بل قد يقدّر أنّه سوف يتحقّق، وهذا اللحاظ لا ينافي لحاظ يوم سابق لإيجاب الصوم فيه، فلا تهافت في اللحاظ.

الثاني: في مقام المجعول.

وتقريب الإشكال هو التقريب الأوّل الذي مضى، وجوابه; إنكار وجود شيء وحكم حقيقةً اسمُه المجعول وراء الجعل، وإنّما هو أمر خياليّ، وسيأتي توضيح ذلك ـ إن شاء الله ـ في بحث الواجب المطلق والمشروط، وحاصله: أنّ المجعول الذي يفرض تحقّقه بعد الجعل حين فعليّة الموضوع هل نسبته إلى الجعل هي أنّه مجعولُ ذلك الجعل، أو هي نسبة المسبّب إلى السبب، والمقتضى إلى المقتضي؟

فإن قيل بالأوّل، فهو غير معقول; لأنّ المجعول والجعل حالهما حال الإيجاد والوجود، فإنّ الجعل إيجاد، والمجعول وجود، والتغاير بين الإيجاد والوجود اعتباريّ لا حقيقيّ، وإن قيل بالثاني بدعوى: أنّ المقتضى كثيراً ما يتأخّر عن مقتضيه إلى أن يستكمل شروطه، قلنا: إنّ هذا المجعول الذي هو المسبّب

 
  صفحه 355  

والمقتضى هل يحدث خارج نفس المولى والجاعل، أو يحدث في عالم نفس الجاعل؟

أمّا الأوّل فباطل; لوضوح: أنّ الحكم ليس من الاُمور الخارجيّة كالسواد والبياض، والحرارة والبرودة، وأمّا الثاني فأيضاً باطل; لوضوح: أنّه يكفي في فعليّة الحكم تحقّق موضوعه خارجاً سواء التفت إلى ذلك المولى أو لم يلتفت إليه، أو اعتقد خطأً عدمه.

إذن فالمجعول إنّما هو مجرّد خيال وتصوّر للجاعل، فهو حينما يتصوّر المستطيع مثلا ويجعل له وجوب الحجّ، فهو بنظره التصوّريّ يرى كأنّه قذف هذا الوجوب إلى البعيد، وإلى مستطيع قد يكون غير مولود بعدُ الآن، نعم فاعليّة الحكم ومحركيّته عقلا إنّما تكون مع انطباق عنوان الموضوع على شخص في الخارج، فإذا انطبق على هذا الشخص عنوان: أنّه سيصلّي في ليلة الأحد صلاة الليل، حكم العقل عليه بلزوم إطاعة الأمر بصوم السبت، لكن انطباق هذا العنوان عليه ليس بابه باب التأثير والتأثّر، وإنّما بابه باب الانتزاع، وحتّى لو لم يكن حكم من الأحكام مجعول من قبل المولى قد يقال: زيد سيصلّي صلاة الليل، فينتزع من هذا الشخص عنوان (سيصلّي صلاة الليل)، أفهل هذا معناه: تأثير المتأخّر في المتقدّم، بينما لا حكم و لا شرط متأخّر للحكم؟!

ففي مورد الحكم أيضاً لا يكون شيء أزيد من ذلك، أعني: انتزاع عنوان (أنّه سيصلّي صلاة الليل).

الثالث: في مقام الملاك، حيث قلنا: إنّ المقدّمة الوجوبيّة دخيلة في كون الفعل ذا ملاك، واحتياج الإنسان إلى ذلك الفعل، فنقول مثلا: إنّ هذا الإنسان الذي سيصلّي صلاة الليل في ليلة الأحد هل هو محتاج في نهار السبت إلى الصوم، أو لا؟ فإن قيل: لا، فلا معنى لإيجاب الصوم عليه في نهار السبت، وإن قيل: نعم، هو

 
  صفحه 356  

محتاج، قلنا: هل هذا الاحتياج متولّد ممّا سوف يقوم به من صلاة الليل، ومرتبط بذلك، أو لا؟ فإن قيل: لا، لزم وجوب الصوم على كلّ أحد; إذ صلاة الليل لا دخل لها في ملاك الحكم حسب الفرض، وإن قيل: نعم، قلنا: هذا معناه تأثير المتأخّر في المتقدّم; إذ معنى ذلك: أنّه أثّرت صلاة الليل التي هي في ليلة الأحد في الاحتياج يوم السبت إلى الصوم، والاحتياج إلى الصوم أمر تكوينيّ خارجيّ ثابت بقطع النظر عن الحكم، وفي المرتبة السابقة عليه ـ على ما هو مذهب العدليّة من تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد ـ فقد أثّرت صلاة الليل في أمر خارجيّ سابق عليها زماناً، وهو محال.

والإشكال في هذا المقام أقوى متانةً من الإشكال في عالم الجعل أو المجعول، وهو الإشكال المركّز في شرائط الوجوب.

وجوابه: أنّنا نفترض: أنّ صلاة الليل دخيلة في احتياجه إلى الصوم، لكن لا في احتياجه يوم السبت الذي انتهى إلى الصوم حتّى يلزم تأثير المتأخّر في المتقدّم، بل في احتياجه حين الصلاة، وفي ليلة الأحد إلى الصوم، واحتياجه حين الصلاة إلى الصوم يتصوّر بأحد أنحاء ثلاثة:

1 ـ احتياجه في ذلك الحين إلى الصوم في ذلك الحين، أو في وقت متأخّر، وهذا يناسب الشرط المقارن أو المتقدّم.

2 ـ احتياجه في ذلك الحين إلى الصوم في اليوم السابق، إلاّ أنّه حين الاحتياج يكون عاجزاً عن تحصيل ما يحتاجه إليه، فلا محالة يوجب المولى عليه تحصيل ذلك في اليوم السابق، فيتمّ الشرط المتأخّر بلا إشكال، سنخ ما لو رأى المولى أنّ عبده سيحتاج في الشتاء إلى شراء الفحم بشرط بقائه حيّاً إلى ذلك الوقت، إلاّ أنّه لا يمكنه شراء الفحم إذا جاء الشتاء، فيوجب عليه شراء الفحم في الصيف شريطة حياته في الشتاء.

 
  صفحه 357  

3 ـ احتياجه إلى جامع الصوم، سواء وقع سابقاً أو لاحقاً، وفي هذا الفرض يجعل المولى وجوبه بلحاظ اليوم السابق فما بعد، فأيضاً يصبح الشرط شرطاً متأخّراً بلحاظ أوّل أزمنة الإيجاب. هذا.

ويمكن في المقام فرض آخر، وهو أن يفترض: أنّ الاحتياج حاصل من زمان الواجب، وليس الشرط المتأخّر هو الذي يولّد الاحتياج، إلاّ أنّ ذلك الواجب المُشبع لتلك الحاجة إذا اُتي به، يكون له مفعول، لو ضمّ بعد ذلك إلى شيء معيّن، انتج مفاسد أشدّ، فيشترط خلاف ذلك الشيء المعيّن، وهذا في القضايا العرفيّة يكثر اتّفاقه في الشروط العدميّة، فمثلا قد يكون المريض محتاجاً إلى دواء معيّن في النهار، لكنّه لو استعمل ذلك الدواء كان له مفعول، لو اقترن صدفة في الليل بحدوث الحمّى، يولّد مفاسد أشدّ من إشباع تلك الحاجة، فيكون من شرط شربه لهذا الدواء أن لا يكون سوف يبتلي بالحمّى في الليل.

 

شرط الواجب:

وأمّا المقام الثاني: وهو في شرط الواجب، من قبيل فرض اشتراط صوم المستحاضة في النهار بغسلها بعد الغروب للصلاة مثلا، فالإشكال هنا تارة يبيّن بلحاظ ذات الواجب، واُخرى بلحاظ ملاكه:

أمّا الأوّل: فبأن يقال: إنّ الغسل في الليل كيف يكون شرطاً لصومها في النهار الماضي، مع أنّ الشرط له أثر في المشروط، ويستحيل أن يؤثّر المتأخّر في المتقدّم؟!

والجواب: أنّ الشرط هنا ليس بالمعنى الذي يكون من مكمّلات علّة الشيء، من قبيل الملاقاة، أو الجفاف الذي هو شرط للإحراق، وإنّما الشرط هنا بمعنى المحصّصيّة للمفهوم، أي: أنّ المولى لاحظ عندما أراد إيجاب الصوم حصّة معيّنة من مفهوم الصوم، وهي الصوم الذي يعقبه الغسل، فهذا الشرط ليس بابه باب

 
  صفحه 358  

التأثير والتأثّر، وتحصيص المفهوم كما قد يكون بالشيء المقارن كذلك قد يكون
بالمتأخّر، وكذا المتقدّم، فيقال: الإنسان الذي هو عالم، أو يقال: الإنسان الذي سيكون عالماً، أو يقال: الإنسان الذي كان عالماً، وهذا ليس معناه افتراض تأثير للعلم في الإنسان حتّى يقال: لا يمكن فرضه متأخّراً عن وقت التأثير فيه.

وأمّا الثاني: فالشرط بلحاظ الملاك يكون شرطاً بالمعنى الأوّل، أي: أنّه من مكمّلات العلّة، ويكون مؤثّراً في مقام حصول الملاك، كما قلنا فيما سبق: إنّ مقدّمة الواجب لها دخل في تحصيل المصلحة، بخلاف مقدّمة الوجوب التي لها دخل في كون الشيء ذا مصلحة، وعندئذ يقال: إنّ نسبة هذا الشرط وهو الغسل في الليل إلى الملاك تكون من قبيل نسبة الملاقاة أو الجفاف إلى الإحراق، ونسبة الصوم إلى الملاك تكون من قبيل نسبة النار إلى الإحراق، أي: أنّ دور الصوم دور المقتضي، ودور الغسل دور شرائط تأثير المقتضي.

وعليه فنقول: هل الغسل يؤثّر في حصول الملاك على حدّ تأثير الشرط في المشروط في وقت الغسل وهو الليل، أو يؤثّر في ذلك في وقت الصوم وهو النهار؟

فإن فرض الثاني، لزم تأثير المتأخّر في المتقدّم، وهو محال، وإن فرض الأوّل، لزم حصول المشروط والمقتضى بعد انعدام المقتضي، فإنّ الموجد الرئيس للملاك والمقتضي له إنّما هو الصوم، وهو قد انتهى، فكيف يمكن افتراض إيجاده للمقتضى بعد الغروب، وليس هذا إلاّ من قبيل افتراض: أنّ النار التي لم تحرق حين وجودها لعدم جفاف الشيء تحرق بعد انعدامها عندما يجفّ ذلك الشيء.

وقد أجاب صاحب الكفاية (1) على هذا الإشكال بما يكون توضيحه بتقديم أمرين:


(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 147 ـ 148 بحسب الطبعة المشتملة في الحاشية على تعليقات المشكينيّ.

  صفحه 359  

الأوّل: أنّ الأشياء على ثلاثة أقسام:

1 ـ أشياء واقعيّة خارجاً كالماء والهواء ونحو ذلك، وهي الأشياء الموجودة خارجاً بغضّ النظر عن اعتبار أيّ معتبر، وليس للعقل أيّ تحكّم فيها إيجاداً أو إعداماً.

2 ـ أشياء اعتباريّة صرفة، ليس لها وجود إلاّ بنفس الاعتبار، ودور العقل بالنسبة إليه دور المتحكّم فيه بما يشاء من إيجاد أو إعدام، من قبيل اعتبار العقل بحراً من زئبق، أو جبلاً من ذهب، فالعقل يرى دوره بالنسبة لهذه الأشياء دور الفاعل، لا دور المنفعل والقابل، فهذه هي الاعتبارات المحضة في مقابل الاُمور الواقعيّة الخارجيّة.

3 ـ ما يسمّيه الحكماء بالاعتباريات الواقعيّة، وهي أمر بين الأمرين، فمن ناحية ليست هي من الموجودات الحقيقيّة خارجاً، وإنّما العقل يعتبرها، ومن ناحية اُخرى ليس للعقل أن يتحكّم فيها كيف ما يشاء، بل يرى نفسه مرغماً على التصديق بأمر معيّن شاء أو أبى، وذلك من قبيل الإضافات، من قبيل قولنا: «إنّ المسيح قبل نبيّنا محمد »، أو قولنا: «إنّ السماء فوقنا والأرض تحتنا»، فالقبليّة والبعديّة والفوقيّة والتحتيّة والاقتران ونحو ذلك ليست من الاُمور الخارجيّة الحقيقيّة، وإلاّ لكان لها أيضاً قبليّة أو بعديّة أو تقارن ونحو ذلك إلى أن يتسلسل، وإنّما هي اُمور ينتزعها العقل عند المقارنة بين نبيّنا محمّد والمسيح ، أو بيننا وبين السماء ونحو ذلك، ولكن في نفس الوقت يرى العقل نفسه مرغماً على انتزاع هذه الاُمور عند مقارنته بين الأشياء، فالمسيح هو الذي يكون قبل محمد دون العكس، شاء العقل أم أبى، فكأ نّما العقل يرى دوره دور القابل والمنفعل بشيء ثابت خارج دوره، بينما القبليّة والبعديّة شيء ينتزعه العقل، وليس له وجود خارجاً; لما عرفت من برهان لزوم التسلسل.

 
  صفحه 360  

وهذا القسم هو الذي نحن سمّيناه في مبحث المعنى الحرفيّ بموجودات لوح الواقع في مقابل القسم الثاني الذي هو من موجودات لوح الاعتبار، والقسم الأوّل الذي هو من موجودات لوح الخارج، ولكنّنا هنا لا نريد أن ندخل في بيان ذلك الذي نحن نتبنّاه، فإنّ المقصود من ذكر هذا الحديث إنّما هو الاستطراق إلى بيان مرام صاحب الكفاية في مقام الجواب على إشكال الشرط المتأخّر للواجب.

الثاني: أنّ ملاكات الأحكام كما قد تكون هي المصالح والمفاسد كذلك قد تكون هي الحسن والقبح، وباب الحسن والقبح غير باب المصلحة والمفسدة، ولذا قد يحسن ما فيه أشدّ المفاسد، أو يقبح ما فيه أشدّ المصالح، فالتجرّي قبيح في حين أنّه قد يتجرّى بترك قتل من تخيّله واجب القتل وكان في الواقع نبيّاً من الأنبياء، والانقياد حسن في حين أنّه قد ينقاد بقتل من تخيّله واجب القتل وهو في الواقع نبيّ من الأنبياء، والمصالح والمفاسد اُمور واقعيّة خارجيّة من قبيل صحّة المزاج، وقوّة النفس، وشدّة الصبر، وكمال الإيمان ونحو ذلك، وأمّا الحسن والقبح فهو من القسم الثالث، أعني: الاعتباريّات الواقعيّة، فالعقل هو الذي ينتزع الحسن والقبح، ويعتبرهما، لكن لا من قبيل اعتبار بحر من زئبق الذي للعقل أن يتحكّم فيه كما يشاء، بل من قبيل القبليّة والبعديّة، فهو يرى التجرّي قبيحاً، والانقياد حسناً شاء أم أبى.

إذا عرفت ذلك قلنا: كأنّ صاحب الكفاية يقول ـ  وإن كان في عبارته لفّ ودوران  ـ : إنّه لو كان ملاك الصوم عبارة عن المصلحة، استحكم الإشكال; لأنّ المصلحة أمر واقعيّ ومن القسم الأوّل، ويستحيل أن يستند إلى شيء من القسم الثالث فضلا عن القسم الثاني، فإذا كان الغسل شرطاً في المصلحة، فمعنى ذلك كون المصلحة مستندة إلى نفس الغسل الذي هو أيضاً من القسم الأوّل، وهذا معناه: تأثير المتأخّر في المتقدّم، وهو محال، ولكن بالإمكان افتراض كون ملاك

 
  صفحه 361  

الصوم حُسناً أدركه المولى، والحسن من اُمور القسم الثالث، فبالإمكان استناده إلى أمر من اُمور القسم الثالث، وهو القبليّة، فيفرض: أنّ حسن الصوم مشروط بكونه واقعاً قبل الغسل، والقبليّة تنشأ من مقايسة العقل بين الصوم والغسل التي هي حاضرة دائماً لدى العقل، وثابتة بالفعل، فيصبح الشرط مقارناً في الحقيقة.

والصحيح: أنّ الشرط المتأخّر في باب المصالح والمفاسد أيضاً معقول، ولا يختصّ بأحكام المولى تعالى، بل يوجد أيضاً في أحكام أشخاص لا يهتمّون بالحسن والقبح أصلا، فالطبيب مثلا يأمر المريض بشرب الدواء الفلانيّ، ويقول له: إنّ شرط تأثيره أن تمشي بعد ذلك، أو تمتنع عن الطعام بعد ذلك أو نحو ذلك، ونحن بعد أن نفترض الموافقة على الاُصول الموضوعيّة لكلام المحقّق الخراسانيّ ، أو الاُصول الموضوعيّة التي افترضناها لكلامه، فغاية ما ينتج ذلك حلّ الإشكال في الأحكام القائمة على أساس الحسن والقبح، وهذا لا يكفي في حل إشكال الشرط المتأخّر كظاهرة معاشة في كثير من الأحكام التي لا ريب في قيامها على أساس المصالح والمفاسد.

والتحقيق: أنّ الإشكال يمكن حلّه في الأحكام القائمة على أساس المصالح والمفاسد; وذلك لأنّ الإشكال نشأ من افتراض: أنّ المأمور به هو المقتضي للمصلحة المتوخّاة، وهي صحّة المزاج مثلا في مثال المريض الذي يؤمر بشرب الدواء، وأنّ الشيء المتأخّر هو الشرط في تحقّق تلك المصلحة، فيقال: لو فرض تحقّق المصلحة حين المقتضي، لزم تأثير المتأخّر في المتقدم، ولو فرض تحقّقها حين الشرط، لزم تأثير المقتضي بعد انقضائه، وكلاهما محال، في حين أنّ هنا فرضاً آخر به ينحلّ الإشكال، وهو افتراض: أنّ ما فرض مقتضياً للمصلحة المتوخّاة ليس مقتضياً لذلك بالمباشرة، بل هو يوجد أثراً معيّناً، تلك هي الحلقة المفقودة بين هذا المأمور به والمصلحة المتوخّاة، وذلك الأثر يبقى إلى زمان

 
  صفحه 362  

الشرط المتأخّر، فبمجموعهما تكتمل أجزاء علّة المصلحة المتوخّاة، فتحصل المصلحة، فشرب الدواء مثلا يولّد حرارة معيّنة في الجسم، وتلك الحرارة تبقى إلى زمان المشي والامتناع عن الطعام، فتؤثّر الصحّة المزاجيّة المطلوبة، وهذا شيء مطّرد في كلّ المقتضيات التي يظهر أثرها بعد انضمام شرط متأخّر يحدث عند فقدان ذلك المقتضي، فنعرف عن هذا الطريق وجود حلقة مفقودة، هي المقتضي في الحقيقة للأثر المطلوب، لا هذا الذي يسمّى بالمقتضي، وإنّما هذا موجد لذلك المقتضي، والمفروض هو الفراغ عن إمكانيّة بقاء الأثر بعد زوال المؤثّر، وذلك بواسطة حافظات اُخرى لذلك الأثر، فإنّه لم يستشكل أحد في بقاء البناء على وضعه الذي بني عليه مدّة مديدة من الزمن بعد زوال البنّاء ولو بحافظيّة قوّة التجاذب مثلا، وإنّما الإشكال في المقام من ناحية الشرط المتأخّر، فيظهر بهذا البيان أنّ الشرط في الحقيقة ليس متأخّراً، وإنّما الدواء أوجد مثلا حرارة معيّنة انحفظت بعد انتهاء الدواء مثلا بجاذبيّة البدن، أو أيّ عامل آخر، فبقيت إلى زمان الشرط المتأخّر، فأثّرت أثرها، والآمر إنّما أمر بشرب الدواء طبعاً لا بتلك الحلقة المفقودة غير المحدّدة بحسب عالم الإثبات، وغير الداخلة بالمباشرة في اختيار المكلّف.

هذا تصوير للمطلب معقول ومطابق للواقع الخارجيّ في القضايا المادّيّة المحسوسة، فليكن الأمر التعبّديّ المولويّ بالصوم مع اشتراط الغسل في الليل من هذا القبيل.

 

الشرط المتقدّم:

وأمّا المقام الثالث: وهو في الشرط المتقدّم. فذكر صاحب الكفاية : أنّ حاله حال الشرط المتأخّر، فإنّ العلّة بتمام أجزائها يجب أن تكون مقارنة للمعلول، لا متأخّرة ولا متقدّمة، فلو تقدّم بعض أجزاء العلّة ثُمّ أثّر بعد انقضائه، كان معنى

 
  صفحه 363  

ذلك: تأثير المعدوم في الموجود(1).

أقول: إنّ حلّ المطلب هو ما عرفته: من أنّه إذا تكلّمنا بلحاظ ذات الواجب، فالشرط إنّما هو بمعنى تحصيص المفهوم، وإذا تكلّمنا بلحاظ الملاك، فهناك حلقة مفقودة يوجدها الشرط وتبقى لكي تكمّل التأثير عند اقترانه بالواجب. هذا.

والأصحاب لم يلتزموا باستحالة الشرط المتقدّم حتّى من التزم منهم باستحالة الشرط المتأخّر; وذلك لأوضحيّة الوجدان العرفيّ هنا في الإمكان، وكثرة أمثلته العرفيّة، ولكن في نفس الوقت يُرى: أنّ كلام المحقّق الخراسانيّ كلام برهانيّ متين، وهو: أنّ العلّة بكلّ أجزائها كما لا يجوز تأخّرها عن المعلول كذلك لا يجوز تقدّمها عليه، ولهذا صار المحقّق الإصفهانيّ وتبعه السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ بصدد الجمع بين هذا الوجدان وذاك البرهان بدعوى: أنّ الشرط ليس دائماً مؤثّراً، فهو على قسمين: شرط مؤثّر، وشرط غير مؤثّر، وهي المقدّمات الإعداديّة، والمستحيل تقدّمه إنّما هو الأوّل دون الثاني، فقد ذكر المحقّق الإصفهانيّ : أنّ الشرط قد يكون متمّماً لفاعليّة الفاعل، أو قابليّة القابل، وهذا ما يسمّى بالشرط المؤثّر، ولا يجوز تقدّمه، وقد لا يكون متمّماً لفاعليّة الفاعل، ولا لقابليّة القابل، وإنّما دوره هو تقريب الشيء من الامتناع نحو الإمكان، فإذا صار ممكناً ووجدت بعد ذلك علّته، صار موجوداً، وهذا ما يسمّى بالمقدّمات الإعداديّة، فمن يريد أن يجلس على كرسيّ بعيد عنه يخطو خطوات إلى أن يصل إلى الكرسيّ، فيجلس عليه، فهذه الخطوات شرط متقدّم في تحقّق الجلوس على الكرسيّ، لا بمعنى إضفاء قوّة على الإنسان، وتكميل لفاعليّته، بل هو صحيح قويّ


(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 145 بحسب الطبعة المشتملة في الحاشية على تعليقات المشكينيّ.

  صفحه 364  

قادر على الجلوس، ولا بمعنى جعل الكرسيّ قابلا للجلوس عليه وتتميمه من هذه الناحية، فإنّ الكرسيّ قد صنعه النجّار بالشكل الكامل والتامّ في قابليّته، بل بمعنى: أنّ جلوسه على الكرسيّ مستحيل في حالة بعده عنه، فهذه الخطوات تقرّب الجلوس من الاستحالة إلى الإمكان، فيجلس(1).

أقول: إنّ هذا الكلام وإن كان مشتهراً عند الحكماء، لكنّه لا يرجع إلى محصّل ما لم يُرجع إلى كلامنا، فإنّه: إن اُريد بتقريب الشيء من الامتناع إلى الإمكان التقريب من الامتناع الذاتيّ إلى الإمكان الذاتيّ، فمن الواضح: أنّ الممتنع بالذات كاجتماع النقيضين يستحيل أن يصبح ممكنناً، فإنّه خلف كون امتناعه ذاتيّاً، وإن اُريد به تقريبه من الامتناع الغيريّ، أي: امتناعه بعدم علّته إلى الإمكان الذي هو في مقابل الامتناع الغيريّ، فمن المعلوم: أنّ هذا لا يعقل إلاّ بتقريبه إلى علّته، وذلك بأن يكون هذا الشرط دخيلا في علّته، فبوجوده يقترب الشيء إلى الإمكان الذي هو في مقابل الامتناع بالغير، أي: الامتناع بعدم العلّة، إلاّ أنّ الكلام في معرفة كيفيّة هذا الدخل، وأنّه كيف لا يرد عليه إشكال الشرط المتقدّم، وكيف يكون دخيلا في علّة شيء متأخّر وجزءاً من تلك العلّة مثلا، مع أنّه قد انعدم وانصرم قبل ذلك الشيء المتأخّر، فقد أصبح الشرط في المقام مؤثّراً، وإن اُريد به ما يسمّونه بالإمكان الاستعداديّ، حيث يقال مثلا: إنّ البيضة يمكن أن تصبح فرخ دجاجة،


(1) راجع نهاية الدراية، ج 2، ص 32 ـ 36 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، وراجع المحاضرات، ج 2، ص 305 ـ 306 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

ولا يخفى: أنّهما لم يجعلا المقدّمة الإعداديّة قسيماً لمتمّم فاعليّة الفاعل، ومتمّم قابليّة القابل، بل التقسيم إلى المؤثّر والمقدّمة الإعداديّة في كلامهما تقسيم في عرض التقسيم إلى متمّم فاعليّة الفاعل ومتمّم قابليّة القابل.

  صفحه 365  

لكن ذلك بحاجة إلى وجود استعداد خاصّ في البيضة، وإمكان استعداديّ، وهذا الإمكان الاستعداديّ والتهيّؤ يخلق في البيضة بإعطاء درجة من الحرارة والدفء لها ونحو ذلك، ففيما نحن فيه يفترض: أنّ الشرط المتقدّم يعطي للشيء الإمكان الاستعداديّ لإيجاد المصلحة خارجاً، قلنا: إنّ هذا الاستعداد والتهيّؤ: إن فرض مجرّد أمر اعتباريّ يعتبره العقل، فمن الواضح: أنّ الأمر الاعتباريّ لا يمكن أن يكون دخيلا حقيقةً في إيجاد شيء خارجيّ وهو المصلحة، وإن فرض أمراً حقيقيّاً وحالة خارجيّة تنشأ في البيضة مثلا، وتبقى إلى أن يأتي باقي أجزاء العلّة، فهذا ـ في الحقيقة ـ شرط مقارن، وهذا هو الحلقة المفقودة التي بيّنّاها، سمّيت بالإمكان الاستعداديّ، فرجع ذلك إلى كلامنا، ولا نزاع في التسمية.

 

 
السابق | التالي | فهرس الكتاب