صفحه 199  

 

هل الأصل في الواجبات التعبّديّة أو التوصّليّة؟

وبعد هذا ننتقل إلى صلب البحث، وهو: أنّ الأصل في الواجبات هل هو التعبّديّة أو التوصّليّة؟

والكلام يقع في مقامين: أحدهما في الأصل اللفظيّ، والآخر في الأصل العمليّ:

 

الأصل اللفظيّ:

أمّا المقام الأوّل: وهو الكلام في الأصل اللفظيّ، فيقع البحث فيه في مرحلتين: الاُولى في الإطلاق اللفظيّ، والثانية في الإطلاق المقاميّ:

 

الإطلاق اللفظيّ:

أمّا المرحلة الاُولى: وهي الإطلاق اللفظيّ، فنقول:

أمّا على مسلك من قبيل مسلك السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ القائل بمعقوليّة أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر، وأنّه بذلك يختلف التعبّديّ عن التوصّليّ، فلا إشكال في تماميّة الإطلاق اللفظيّ لنفي التعبّديّة; فإنّ حالها حال بقيّة القيود والأجزاء التي تنفى بالإطلاق كما هو واضح.

وأمّا على مسلكنا: من أنّ الأمر التعبّديّ كالتوصّليّ متعلّق بذات الفعل، وإنّما يختلف عنه في تجدّد الأمر إذا لم ياتِ بقصد القربة بالنحو الذي عرفت، فأيضاً يتمّ التمسّك بالإطلاق اللفظيّ لنفي التعبّديّة، وذلك بأحد تقريبين:

الأوّل: أنّ قصد القربة وإن لم يكن قيداً في متعلّق الأمر ثبوتاً، لكنّه يعتبر قيداً له إثباتاً، ويكون بيان التجدّد في نظر العرف وبلسان عرفيّ بالتقييد، إذن فالعرف يجري مقدّمات الحكمة لنفي هذا القيد، وبذلك تثبت التوصّليّة.

 
  صفحه 200  

الثاني: أنّه حتّى لو فرض: أنّ بيان هذا التجدّد في الأمر التعبّديّ ليس بلسان التقييد إثباتاً، وفرض: أنّ العرف يفرّق بين التقييد بقصد القربة وتجدّد الأمر، ويبيّن كلاًّ منهما إثباتاً ببيان خاصّ، قلنا: إنّ هذا التجدّد يعتبر مؤونة زائدة تحتاج إلى بيان زائد. وأمّا أصل الأمر فلا يقتضي أزيد من طلب الطبيعة بنحو صرف الوجود، فافتراض اشتمال الخطاب على أوامر متبادلة مطلب إضافيّ يحتاج إلى بيان إضافيّ، وحينما يقتصر المتكلّم على مجرّد ذكر الأمر الذي لا يتطلّب أزيد من طلب الطبيعة بنحو صرف الوجود ينفى التجدّد بالإطلاق ومقدّمات الحكمة، وأصالة التطابق بين عالم الثبوت والإثبات، وذلك يكون من سنخ تعيين طلب صرف الوجود في مقابل طلب مطلق الوجود في صيغة الأمر بمقدّمات الحكمة.

وأمّا على مسلك التفصيل بين خصوص قصد الأمر وجامع قصد القربة، وأنّ الأوّل لا يعقل أخذه في متعلّق الأمر والثاني يعقل أخذه فيه، فلا إشكال في أنّه ينفى أخذ جامع قصد القربة في متعلّق الأمر بالإطلاق; لأنّ حاله حال سائر القيود. وأمّا أخذ خصوص قصد الأمر، فأيضاً يمكن نفيه بالإطلاق من باب: أنّه لو كان دخيلا ولا يمكن للمولى أخذه، كان عليه أن يأخذ ـ على الأقلّ ـ جامع قصد القربة إن كان في مقام البيان; لأنّ هذا ممكن له، وبذلك يقترب إلى مطلوبه الحقيقيّ، فعدم أخذ هذا الجامع في مقام الإثبات يشكّل ظهوراً إطلاقيّاً في أنّه لا جامع القربة دخيل في المقصود ولا خصوص قصد الأمر.

نعم، لو أخذ جامع القربة، فقال مثلا: «صلِّ بنيّة حسنة»، واحتملنا دخل خصوص قصد الأمر، لم يمكن نفيه بالإطلاق على ما يأتي إن شاء الله.

وأمّا على مسلك صاحب الكفاية والمشهور: من أنّ الأمر التعبّديّ فرقه عن التوصّليّ ـ مع كونهما متعلّقين بذات الفعل ـ هو: أنّ الأمر التعبّديّ نشأ من غرض لا يحصل إلاّ مع قصد القربة، فلا يسقط الأمر بمجرّد الإتيان بذات الفعل، فهل

 
  صفحه 201  

يمكن التمسّك بالإطلاق اللفظيّ لنفي التعبّديّة، أو لا؟

هنا ثلاثة اعتراضات رئيسة على التمسّك بالإطلاق:

الاعتراض الأوّل: أنّه لا يمكن أن يستكشف من إطلاق الخطاب وعدم تقييده إطلاق الأمر ثبوتاً; لأنّه بعد أن استحال تقييد الأمر ثبوتاً بالتعبّديّة استحال الإطلاق ثبوتاً، ومن هنا ندخل في أنّ استحالة التقييد هل توجب استحالة الإطلاق، أو لا؟ فنقول:

إنّ دعوى: كون استحالة التقييد مستلزمة لاستحالة الإطلاق لها صيغتان:

الصيغة الاُولى: أن يقال: إنّه إذا استحال تقيّد الحكم بقيد من القيود، استحال شمول الحكم لذلك المقيّد بالإطلاق أيضاً، وهذه الكبرى تامّة في بعض ملاكات استحالة التقييد، وغير تامّة في بعضها.

وتوضيح ذلك: أنّ استحالة التقييد لها عدّة ملاكات:

الأوّل: عدم صلاحيّة ذات المقيّد لكونه موضوعاً للحكم، من قبيل تقييد الصلاة بالعاجز، فإنّ ذلك مستحيل، وملاك الاستحالة: أنّ ذات العاجز يستحيل أن يقع موضوعاً للأمر، وهذا الملاك كما يوجب استحالة التقييد يوجب استحالة الإطلاق في عرض استحالة التقييد، أي: أنّ الإطلاق والتقييد مستحيلان بنكتة واحدة، وهي: كون ذات المقيّد غير قابل لثبوت الحكم عليه، فكما لا يمكن ثبوت الحكم عليه بالخصوص كذلك لا يمكن شمول الحكم له بالإطلاق، بأن يحكم مثلا بالصلاة على مطلق المكلّف سواء كان قادراً على الصلاة أو عاجزاً عنها.

الثاني: عدم مقسميّة الطبيعة من قبيل تقييد حرمة شرب الخمر بالخمريّة، فإنّ هذا مستحيل، فإنّ الخمر ليس مقسماً للخمريّة وعدم الخمريّة. وهذا الملاك أيضاً بنفسه يوجب استحالة الإطلاق كما يوجب استحالة التقييد، فلا يمكن أن تكون حرمة شرب الخمر شاملةً لفرض الخمريّة بالإطلاق كما لا يمكن أن تكون مختصّة

 
  صفحه 202  

به بالتقييد، فكما لا يمكن أن يقال: «يحرم شرب الخمر إذا كان خمراً» كذلك لا يمكن أن يقال مثلا: «يحرم شرب الخمر سواء كان خمراً أو لا»، فإنّ الإطلاق والتقييد كليهما فرع كون الطبيعة مقسماً لوجود القيد وعدمه.

الثالث: استحالة نتيجة التقييد، وهي قصر الحكم على المقيّد وحبسه عليه، من قبيل أن يقال مثلا: إنّ الخطاب بالفروع لا يمكن أن يقيّد بخصوص الكفّار; لأنّه لو قيّد بذلك لزم قصر الحكم على الكافر. وهذا ينتج لغويّة الخطاب; لأنّ الكافر منكر للأساس، فيكون الخطاب مستهجناً.

وهذا الملاك غير موجود في الإطلاق; إذ ملاك الاستحالة هو قصر الحكم وحبسه، وهو غير ثابت في الإطلاق، فمثلا لو أوجب الصلاة بنحو يشمل الكافر والمسلم، لم يكن مستهجناً.

ولا يخفى: أنّ الوجه الأوّل من الوجوه الأربعة التي اخترناها لاستحالة أخذ قصد الأمر في متعلّقه راجع إلى استحالة نتيجة التقييد، حيث إنّ الحكم يصبح مقصوراً على فرض وجود الأمر ـ على حدّ تعبير المحقّق النائينيّ ـ أو على فرض وصوله ـ على حدّ تعبيرنا ـ ويتوقّف عليه، وذلك يستلزم الدور مثلا.

الرابع: أن يكون ملاك الاستحالة قائماً بالتقييد بما هو تقييد بقطع النظر عن نتائجه ومقدّماته، كأن يقال: إنّ تقييد الحكم بخصوص العالم به مستحيل بناءً على ما يقال: من أنّ العلم بالحكم لا يعقل أخذه في موضوع ذلك الحكم، فالمحذور ليس في أنّ ثبوت الحكم لذات العالم مستحيل، وإنّما المحذور في نفس التقييد، وعندئذ إن قلنا: إنّ الإطلاق عبارة عن الجمع بين القيود، فقد يقال باستحالة الإطلاق; لأنّ الإطلاق هو كلّ التقييدات، ومنها هذا التقييد المستحيل.

وبكلمة اُخرى: إنّ المحال عبارة عن لحاظ القيد الفلانيّ، ولا يختلف الحال في ذلك بين أن يلحظ ذلك القيد وحده أو يلحظ ذلك القيد ويلحظ نقيضه أيضاً، لكن

 
  صفحه 203  

على ما هو الحقّ: من أنّ الإطلاق عبارة عن تعرية الخطاب عن التقييدات، فملاك استحالة التقييد لا يوجب استحالة الإطلاق; لأنّ الإطلاق لا يستلزم لحاظ القيد الذي يكون لحاظه مستحيلا. هذا.

وإنّما قلنا: إنّه بناءً على أنّ الإطلاق عبارة عن الجمع بين القيود قد يقال باستحالة الإطلاق، ولم نقل: إنّه بناءً عليه يستحيل الإطلاق حتماً; لأنّ في ذلك تفصيلا. توضيحه: أنّ القول بأنّ الإطلاق جمع بين القيود ينبغي أن يكون المقصود منه: أنّه جمع بين القيود في مقام اللحاظ، أي: يلحظ كلّ القيود حتّى ينتج نفي دخل أيّ قيد من القيود، لا أنّه جمع بين القيود في مقام التقييد حقيقة; إذ هذا واضح البطلان. وإن شئت فعبّر بأنّ الإطلاق جمع بين القيود تصوّراً ولحاظاً لا تصديقاً، وعندئذ فملاك الاستحالة إن كان قائماً بالتقييد تصوّراً ولحاظاً كما هو الحال في الوجه الثاني من الوجوه التي اخترناها لاستحالة أخذ قصد الأمر في متعلّقه الذي كان عبارة عن لزوم التهافت في اللحاظ، لزم كون الإطلاق أيضاً مستحيلا بنفس الملاك. وإن كان قائماً بالتقييد تصديقاً كما هو الحال في الوجهين الأخيرين من الوجوه المختارة لاستحالة أخذ قصد الأمر في متعلّقه اللذين مرجعهما إلى استحالة المحرّكيّة نحو قصد الأمر، فهذا الملاك لا يسري إلى الإطلاق.

هذا تمام الكلام في كبرى استحالة الإطلاق عند استحالة التقييد بصيغتها الاُولى. هذا.

ومن أثبت استحالة تقييد متعلّق الأمر بقصد القربة لا يمكنه أن يستفيد بذلك من هذه الكبرى، أي: كبرى أنّ استحالة التقييد تستلزم استحالة شمول الحكم لذات المقيّد بالإطلاق لإثبات عدم إمكان نفي التعبّديّة بالإطلاق; فإنّه لو فرضنا: أنّ ملاك استحالة التقييد في المقام هو أحد الملاكين الأوّلين المقتضيين لاستحالة

 
  صفحه 204  

شمول الحكم لذات المقيّد بالإطلاق، وغضضنا النظر عن أنّ ملاك استحالة التقييد بكلّ براهينها الماضية إنّما يرجع إلى أحد الملاكين الأخيرين غير المقتضيين لاستحالة الإطلاق، قلنا: إنّ هذا لا يفيد لإثبات المدّعى من عدم إمكان نفي التعبّديّة بالإطلاق، فإنّ استحالة التقيّد بالتعبّد تنتج بناءً على هذه الصيغة استحالة شمول الحكم للحصّة التعبّديّة، بينما المقصود: إنّما هو إثبات استحالة نفي التعبّديّة بالإطلاق، وأنت ترى أنّ شمول الحكم للحصّة التعبّديّة غير نفي التعبّديّة بالإطلاق.

نعم، كان بالإمكان الاستفادة من هذه الكبرى لإثبات المدّعى عن غير طريق إثبات استحالة تقييد الأمر بالتعبّديّة، وذلك بأن يقال: إنّ تقييد الأمر بعدم صدور الفعل بالداعي القربيّ مستحيل; إذ يلزم منه لغويّة الأمر، إذن فشمول الأمر بالإطلاق لهذا المقيّد وهو العمل غير القربيّ مستحيل، وعليه، فلا يمكن إثبات التوصّليّة ونفي التعبّديّة بالإطلاق، وبهذا يتوصّل إلى النتيجة من دون إتعاب النفس في سبيل إثبات استحالة تقييد متعلّق الأمر بقصد القربة، إلاّ أنّ ملاك الاستحالة إنّما هو أحد الملاكين الأخيرين دون الأوّلين، فلا تثبت بذلك استحالة الإطلاق.

الصيغة الثانية: هي الصيغة التي طرحها المحقّق النائينيّ (1)، وهي: أنّ استحالة التقييد بشيء تستلزم استحالة الإطلاق النافي لخصوصيّة ذلك القيد الموجب لشمول نقيضه، وهذا غير استحالة الإطلاق بمعنى شمول ذات المقيّد التي هي الصيغة الاُولى كما هو واضح، وهذه الصيغة لو تمّت كبراها تثبت المدّعى في


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 105 ـ 110، وص 113 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ ، وفوائد الاُصول، ج 1، ص 146 ـ 152، وص 155 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  صفحه 205  

المقام بعد فرض استحالة التقييد بالقربة، وهو عدم إمكان نفي القربيّة بالإطلاق; لأنّ التقييد بالقربيّة مستحيل، فنفي هذا القيد وشمول الحصّة التوصّليّة أيضاً مستحيل، وهو المطلوب.

أمّا لماذا تستلزم استحالة التقييد بالقربة استحالة الإطلاق بهذا المعنى، فهذا ما يمكن بيانه بعدّة بيانات:

البيان الأوّل: أن يقال: إنّ استحالة التقييد توجب استحالة الإطلاق، لا من باب: أنّ نفس ملاك استحالة التقييد يوجب استحالة الإطلاق أيضاً في عرض استحالة التقييد كما كنّا نقوله في الصيغة الاُولى، ونقوله في البيانين التاليين، بل بنكتة تكون عبارة المحقّق النائينيّ نصّاً فيها، وهي: أنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة، فالإطلاق هو عبارة عن عدم التقييد في موضع قابل للتقييد، فإذا استحال التقييد، استحال الإطلاق.

البيان الثاني: ما يستلمح من كلمات المحقّق النائينيّ أيضاً وإن لم يكن كلامه نصّاً فيه، وهو أن يقال: إنّ التقييد بشيء وكذلك الإطلاق بمعنى رفض ذلك القيد فرع مقسميّة الطبيعة لواجد القيد وفاقده، فإن لم تكن مقسماً لذلك، استحال أخذ القيد، واستحال رفضه، والطبيعة لا تقبل الانقسام إلى ما يؤتى بها بقصد الأمر وما يؤتى بها لا بقصد الأمر إلاّ في طول الأمر، وفي المرتبة السابقة على الأمر لا تكون الطبيعة مقسماً لذلك حتّى يعقل تعلّق الأمر بها مقيّدة بقصد الأمر أو مطلقة، والانقسامات التي تكون من هذا القبيل تسمّى بالانقسامات المتأخّرة في مقابل مثل انقسام الصلاة إلى الصلاة في البيت والصلاة في المسجد أو في مكان آخر الذي يتصوّر بغضّ النظر عن الأمر.

وهذا بيان ثان لا يتوقّف على دعوى: أنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة.

 
  صفحه 206  

البيان الثالث: مبنيّ على أمرين:

1 ـ إنّ الإطلاق عبارة عن الجمع بين القيود في عالم التصوّر واللحاظ، بمعنى: أنّه عبارة عن إسراء الحكم إلى تمام الحالات من قبيل العموم، بحيث إنّ الحالات بما هي حالات منظور إليها في المرتبة السابقة على الحكم كما في «أكرم كلّ عالم»، حيث تلحظ فيه الحصص والأفراد أوّلا، ثُمّ يجرى عليها الحكم ثانياً.

2 ـ إنّ المحذور في أخذ قصد القربة قيداً في متعلّق الأمر هو محذور لحاظيّ، وهو: أنّ المولى يستحيل أن يلحظ قصد القربة في مرتبة معروض الأمر; لأنّ قصد الأمر يرى في طول الأمر، فلا يمكنه لحاظه في مرتبة سابقة عليه; للزوم التهافت في اللحاظ، إذن فالتقييد مستحيل للزوم التهافت في اللحاظ، والإطلاق أيضاً مستحيل; لأنّه عبارة عن الجمع بين القيود، فأيضاً يلزم لحاظ قصد الأمر قبل الأمر الذي قد فرضنا استحالته.

وهذه التقريبات كلّها باطلة:

أمّا التقريب الثالث: فلبنائه على مقدّمة غير صحيحة(1)، وهي: كون الإطلاق


(1) هذه مناقشة في المقدّمة الاُولى، وأمّا المناقشة في المقدّمة الثانية بمنع كون المحذور هو المحذور اللحاظيّ; لافتراض: أنّ العبادة إنّما تحتاج إلى قصد مطلق الأمر لا قصد خصوص شخص الأمر، أو لافتراض: أنّ العبادة إنّما تحتاج إلى جامع القصود القربيّة مثلا، فيمكن غضّ النظر عنها هنا; لأنّه ليس المقصود هنا التكلّم في أصل مبنى استحالة أخذ قيد القربة في المقام، وأنّ هذه الاستحالة بأيّ ملاك هي.

بل بالإمكان أن يقال: إنّه مع فرض الإطلاق عبارة عن الجمع بين القيود في اللحاظ كما هو مقتضى المقدّمة الاُولى لا ينفع في مقام دفع المحذور افتراض: أنّ قصد القربة هو جامع قصد الأمر، أو جامع القصود القربيّة لا خصوص قصد شخص هذا الأمر; فإنّ هذا بنفسه إطلاق بلحاظ أقسام قصد الأمر، أو قصد القربة التي منها قصد شخص هذا الأمر، والمفروض: أنّ الإطلاق جمع بين القيود في اللحاظ، فيرجع المحذور; لأنّه لزم بالتالي لحاظ قصد شخص الأمر.

  صفحه 207  

جمعاً بين القيود، بل الإطلاق قصر النظر على الطبيعة من دون ملاحظة أمر زائد، وقد ذكرنا في بحث المطلق والمقيّد الفرق بين العموم والإطلاق، وأنّه في الأوّل يلحظ الحصص، وفي الثاني يلحظ ذات الطبيعة مع رفض القيود.

وأمّا التقريب الثاني: وهو عدم مقسميّة الطبيعة قبل الأمر للعمل بقصد الأمر والعمل بلا قصد الأمر، فيرد عليه: أنّه لو كان برهان استحالة أخذ قصد الأمر قيداً في متعلّق الأمر عدم المقسميّة، لصحّ أن يقال: إنّه لا يتمّ الإطلاق أيضاً في مقابل التقييد بقصد الأمر، ولكن لو قبلنا استحالة التقييد، فإنّما هو بأحد البراهين الأربعة الماضية.

وأمّا القول بأنّ الطبيعة في المرتبة السابقة ليست مقسماً لقصد الأمر وعدمه، وإنّما التقسيم في طول الأمر، فغير صحيح، فإنّ ما في طول الأمر إمكان وقوع القسمين خارجاً لا المقسميّة المفهوميّة، فالطبيعة في المرتبة السابقة عن عروض الأمر عليها ـ وبغضّ النظر عن الأمر ـ لا يمكن وجود حصّتين منها خارجاً: إحداهما بقصد الأمر، والاُخرى لا بقصد الأمر; إذ المفروض عدم الأمر، وإنّما يمكن ذلك بعد الأمر. وأمّا انقسام الطبيعة مفهوميّاً بمعنى مصداقيّة كلّ من الحصّتين للطبيعة، لا بمعنى الوجود خارجاً، فهذا ثابت قبل الأمر; فإنّ الحصّة المأتيّ بها بقصد الأمر صلاة على أيّ حال، والحصّة المأتيّ بها لا بقصد الأمر أيضاً صلاة على أيّ حال، ومصداقيّة كلّ من الحصّتين للطبيعة مفهوماً ذاتيّة لها وليست في طول الأمر، ومناط المقسميّة هو مصداقيّة الحصّتين للطبيعة مفهوماً وذاتاً، لا إمكان الوجود خارجاً.

وأمّا التقريب الأوّل: وهو دعوى استحالة الإطلاق باستحالة التقييد; لكون التقابل بينهما تقابل العدم والملكة، فيمكن الاعتراض عليه بعدّة إشكالات، أهمّها إشكالان:

 
  صفحه 208  

الإشكال الأوّل: الجواب الحلّيّ، وهو: أنّنا ننكر كون التقابل بينهما تقابل العدم والملكة.

وتوضيح ذلك: أنّه في الواقع ليست المسألة مسألة لغويّة كما في شرح مدلول كلمة «الأعمى» لغةً لنرجع إلى اللغة أو العرف لنرى: هل معنى الإطلاق عدم التقييد مطلقاً، أو عدمه في مورد قابل للتقييد، وإنّما المسألة مسألة واقعيّة، وهي: أنّه ما هي تلك النكتة التي بها يحصل سريان الطبيعة إلى تمام الأفراد؟ وهي التي نسمّيها بالإطلاق، وقد مضى: أنّ في ذلك مسلكين:

أحدهما: أنّ القابليّة الشأنيّة للطبيعة للانطباق هي المقتضية للسريان، إلاّ أنّها قد تقترن بمانع، وهو لحاظ القيد، ومع عدم المانع يؤثّر المقتضي أثره. إذن فالمقتضي للسريان دائماً محفوظ، فإنّه ذاتيّ للطبيعة لا يمكن سلخه عنها، فيكفي في حصول الإطلاق عدم المانع، أي: عدم لحاظ القيد الذي هو نقيض لحاظ القيد من دون فرق بين إمكان التقييد وعدمه، فالتقابل بينهما تقابل السلب والإيجاب، لا تقابل العدم والملكة، ومع استحالة التقييد ثبوتاً يتعيّن الإطلاق ثبوتاً.

وثانيهما: أنّ قابليّتها الذاتيّة للانطباق لا تقتضي الانطباق، بل لابدّ من لحاظ التطبيق الفعليّ حتّى تسري بالفعل، وعليه فالتقابل بينهما تقابل التضادّ، لا تقابل العدم والملكة; فإنّ التقييد عبارة عن لحاظ القيد، والإطلاق عبارة عن لحاظ عدم القيد ورفضه، فهو أمر وجوديّ في مقابل التقييد، ولا نتصوّر فرضاً ثالثاً للنكتة بحيث يكون التقابل معها تقابل العدم والملكة.

والإشكال الثاني: اعتراض نقضيّ، وحاصله: أنّه لو سلّم: أنّ استحالة التقييد توجب استحالة الإطلاق، ففي محلّ الكلام يوجد تقييدان متقابلان، وفي مقابل كلّ منهما إطلاق: أحدهما تقييد الصلاة بقصد الأمر، والثاني تقييدها بدواع اُخرى. وفي مقابل الأوّل رفض أخذ قصد الأمر، وفي مقابل الثاني رفض أخذ الداعي

 
  صفحه 209  

النفسانيّ. والتقييد بأخذ قصد الأمر مستحيل، فيستحيل أيضاً رفض أخذه الذي ينتج الشمول للحصّة غير القربيّة، فلا يشمل تلك الحصّة. والتقييد بغير قصد القربة أيضاً مستحيل; فإنّ من المستحيل للمولى أن يأمر عبده بالصلاة لا بقصد أمره; لأنّه يلغو الأمر; إذ لو صلّى لا بسبب هذا الأمر، لم يؤثّر الأمر في حقّه، ولو صلّى بسبب الأمر، لم يقبل المولى منه الصلاة، إذن فالإطلاق المقابل له أيضاً مستحيل، أي: أنّ رفض أخذ الداعي النفسانيّ المنتج للشمول للعمل القربيّ مستحيل، فيصبح كلا التقييدين والإطلاقين مستحيلا، فيصبح الواجب سنخ طبيعة مهملة لا تنطبق لا على هذه الحصّة، ولا على تلك الحصّة، وفيما لا يراد جعله قربيّاً لا يمكن رفع الإهمال بمتمّم الجعل أيضاً; لأنّ التقييد بغير داعي الأمر بمتمّم الجعل أيضاً مستحيل; إذ يوجب لغويّة الأمر، فيصبح الإطلاق للحصّة القربيّة بمتمّم الجعل مستحيلا أيضاً; لأنّ الإطلاق يستحيل حيث يستحيل التقييد حسب الفرض، فسوف يبقى الجعل مهملا إلى أن يرث الله الأرض وتمام من عليها من الاُصوليين، فهذا البرهان يؤدّي إلى سفسطة من هذا القبيل في هذا الجعل(1).


(1) وهناك إشكال ثالث بلحاظ بعض المسالك أو الافتراضات في المقام، بيانه: أنّ من الواضح: أنّ المقصود بالملكة ليست هي القابليّة الفعليّة التامّة للشخص، وإلاّ فالأعمى أيضاً قد امتنع في حقه البصر ولو امتناعاً بالغير بوجه من الوجوه، فليس له قابليّة البصر، ومع ذلك يصدق عليه أنّه أعمى، فلابدّ من فرض تضييق في دائرة القابليّة المشروطة، كأن يقال مثلا بأنّ المقصود: القابليّة النوعيّة لا الشخصيّة، وحينئذ قد يقال في المقام: إنّ القابليّة النوعيّة محفوظة، أو يقال مثلا بأنّ المقصود من القابليّة عدم استحالة تشبه الاستحالة الذاتيّة، فالجدار ليس من شأنه أن يكون بصيراً; لأنّه ليس له في عالم الطبيعة علّة للبصر، فتشبه استحالة البصر بالنسبة إليه الاستحالة الذاتية، بينما الإنسان الأعمى

  صفحه 210  

هذا تمام الكلام في الاعتراض الأوّل على التمسّك بالإطلاق لإثبات التوصّليّة على مسلك صاحب الكفاية والمشهور: من أنّ الفرق بين الواجب التعبّديّ والتوصّليّ إنّما هو في الغرض من دون أيّ فرق في الجعل والمتعلّق، وقد تحصّل أنّه غير وارد.

الاعتراض الثاني: مبنيّ على عكس ما قرّر في الاعتراض الأوّل من استحالة الإطلاق ثبوتاً، فهنا يقال بضرورة الإطلاق ثبوتاً; لأنّ الأمر في مقام الجعل والثبوت يدور بين ثلاثة اُمور: التقييد، والأهمال، والإطلاق. فالتقييد مستحيل لمامرّ، وكذلك الإهمال مثلا، فلابدّ من الإطلاق. وإذا كان الإطلاق ضروريّاً لم نكن بحاجة إلى مقدّمات الحكمة لإثباته، ولكن هذا الإطلاق الثبوتيّ الثابت بالبرهان لا ينفع لنفي التعبّديّة وإثبات التوصّليّة; لأنّ التعبّديّ والتوصّليّ يمتازان ـ بحسب المسلك المفروض فعلا، وهو مسلك المشهور ـ بحسب الغرض، لا بحسب عالم الجعل، وكلا الجعلين متعلّقان بذات الفعل، إلاّ أنّ الغرض في التعبّديّ لا يحصل إلاّ بقصد القربة، وفي التوصّلي يحصل بدونه، فإذا أردنا إثبات التوصّليّة فلابدّ من إثبات الإطلاق في الغرض.


ليس كذلك، وحينئذ نقول: إنّ عدم قابليّة الأمر لتقييد متعلّقه بقصد الأمر أشبه على بعض الوجوه والفروض بعدم قابليّة الإنسان الأعمى للبصر دون عدم قابليّة الجدار للبصر; فإنّ جلّ براهين الاستحالة تتدخّل فيها مسألة عدم جواز الأمر بغير المقدور، أو عدم معقوليّة الأمر بدون المحرّكيّة، فيجب أن نرى مثلا: أنّ حقيقة الأمر هل هي التحريك حتّى يصبح التقييد بما لا يمكن التحريك نحوه شبيها بالبصر بالنسبة للجدار، أو أنّ حقيقة الأمر ليست إلاّ عبارة عن اعتبار ممكن في ذاته، إلاّ أنّه يفهم منه التحريك، فلا يصدر من العاقل الملتفت (إذا حمل أمره على ظاهره) إلاّ مع إمكانيّة التحريك حتّى يصبح التقييد بذلك شبيهاً بالبصر بالنسبة للأعمى.

  صفحه 210  

هذا تمام الكلام في الاعتراض الأوّل على التمسّك بالإطلاق لإثبات التوصّليّة على مسلك صاحب الكفاية والمشهور: من أنّ الفرق بين الواجب التعبّديّ والتوصّليّ إنّما هو في الغرض من دون أيّ فرق في الجعل والمتعلّق، وقد تحصّل أنّه غير وارد.

الاعتراض الثاني: مبنيّ على عكس ما قرّر في الاعتراض الأوّل من استحالة الإطلاق ثبوتاً، فهنا يقال بضرورة الإطلاق ثبوتاً; لأنّ الأمر في مقام الجعل والثبوت يدور بين ثلاثة اُمور: التقييد، والأهمال، والإطلاق. فالتقييد مستحيل لمامرّ، وكذلك الإهمال مثلا، فلابدّ من الإطلاق. وإذا كان الإطلاق ضروريّاً لم نكن بحاجة إلى مقدّمات الحكمة لإثباته، ولكن هذا الإطلاق الثبوتيّ الثابت بالبرهان لا ينفع لنفي التعبّديّة وإثبات التوصّليّة; لأنّ التعبّديّ والتوصّليّ يمتازان ـ بحسب المسلك المفروض فعلا، وهو مسلك المشهور ـ بحسب الغرض، لا بحسب عالم الجعل، وكلا الجعلين متعلّقان بذات الفعل، إلاّ أنّ الغرض في التعبّديّ لا يحصل إلاّ بقصد القربة، وفي التوصّلي يحصل بدونه، فإذا أردنا إثبات التوصّليّة فلابدّ من إثبات الإطلاق في الغرض.

 
  صفحه 211  

فإن قيل: إنّ الإطلاق في الجعل يكشف عن إطلاق الغرض. قلنا: إنّه إنّما يكشف عن ذلك لو أمكنه أن لا يطلق الجعل فأطلق، فيكون ذلك كاشفاً عن إطلاق الغرض; لأنّ الجعل يتبع الغرض، أمّا إذا لم يمكنه عدم الإطلاق، فإطلاق الجعل لا يكشف عن إطلاق الغرض كما هو واضح.

وهذا الاعتراض تحقيقه يتوقّف على مطلب أشرنا إليه، وهو: أنّ المهمل بمعنى الطبيعة التي لم يلحظ فيها التقييد ولا الإطلاق هل هو في قوّة المطلق; لأنّ الطبيعة بذاتها تقتضي السريان، وهو الذي سمّيناه بالإطلاق الذاتي، أو في قوّة المقيّد؟

فإن قلنا بأنّ المهمل في قوّة المطلق، صحّ هذا الاعتراض; إذ عندنا ـ في الحقيقة ـ شقّان: مقيّد ومطلق; لأنّ المهمل يرجع إلى المطلق، فإذا امتنع التقييد وجب الإطلاق، وهذا الإطلاق الضروريّ في عالم الجعل لا يكشف عن الإطلاق الغرضيّ.

وإن قلنا بأنّ المهمل اللحاظيّ ليس في قوّة المطلق اللحاظيّ، بل في قوّة المقيّد اللحاظيّ، فحينئذ لابدّ أن نلاحظ البراهين التي بها برهنّا على استحالة التقييد اللحاظيّ وأخذ قصد القربة في متعلّق الأمر; لنرى: هل تقتضي أيضاً استحالة المهمل الذي هو في قوّة المقيّد، أو لا؟

فإن اتّبعنا برهان لزوم الدور للمحقّق النائينيّ اقتضى ذلك استحالة الإهمال أيضاً; لأنّ المكلف لا يقدر عند الاهمال على الامتثال إلاّ مع وجود الأمر ـ على حدّ تعبير المحقّق النائينيّ ـ أو مع وصول الأمر ـ على حدّ تعبيرنا ـ وعليه، فأيضاً يجب الإطلاق; لأنّ المقيّد والمهمل كلاهما محال، ومع ضروريّة الإطلاق في الجعل لا يكون ذلك كاشفاً عن الإطلاق الغرضيّ الذي هو المقصود في المقام.

وإن اتّبعنا البراهين الثلاثة الأخيرة من البراهين التي اخترناها للاستحالة، فهي إنّما تبرهن على استحالة التقييد دون الإهمال الذي هو في قوّة التقييد، وعليه، فلا يتعيّن

 
  صفحه 212  

الإطلاق; إذ بعد استحالة التقييد يبقى عندنا شيئان: الإهمال الذي هو في قوّة التقييد، والإطلاق، فإذا أمكن كلاهما واختار المولى الإطلاق في عالم الجعل، كشف ذلك عن الإطلاق الغرضيّ; إذ لم يكن مجبوراً على اختيار الإطلاق، فالاعتراض لا يرد إذن.

فهذا الاعتراض وارد على تقديرين، وغير وارد على تقدير واحد; حيث إنّه يوجد عندنا ثلاثة تقديرات:

1 ـ كون المهمل في قوّة المطلق.

2 ـ كون المهمل في قوّة المقيّد مع شمول برهان استحالة المقيّد للمهمل.

3 ـ كون المهمل في قوّة المقيّد مع عدم شمول برهان استحالة المقيّد للمهمل.

وهذا الاعتراض يرد على التقديرين الأوّلين، ولا يرد على التقدير الثالث; وحيث إنّ الصحيح هو التقدير الأوّل، فالاعتراض تامّ.

الاعتراض الثالث: بعد التنزّل من الاعتراضين السابقين، وفرض: أنّ الإطلاق لا هو مستحيل ثبوتاً كما فرض في الاعتراض الأوّل، ولا واجب ثبوتاً كما فرض في الاعتراض الثاني، بل يكون أمر المولى دائراً بين شيئين: مطلق لحاظيّ، ومهمل لحاظيّ في قوّة المقيّد، فحينئذ يقول صاحب هذا الاعتراض: إنّ الإطلاق لا يمكن إحرازه بمقدّمات الحكمة بحسب مقام الإثبات; إذ مرجع مقدّمات الحكمة إلى دلالة عرفيّة وهي عدم التقييد في مقام التكلّم، ومن المعلوم: أنّ عدم التقييد التخاطبيّ إنّما تكون له دلالة عرفيّة على الإطلاق الثبوتيّ إذا أمكن للمولى أن يقيّد في مقام التخاطب ولم يقيّد. أمّا مع عدم قدرته على ذلك كما لو اُخذ بفمه مثلا ومُنع عن التقييد، فمن الواضح: أنّه لا يكون لعدم التقييد التخاطبيّ دلالة على الإطلاق الثبوتيّ، وهذا معناه: أنّ الإطلاق الحَكَميّ الإثباتيّ اُخذت فيه القابليّة، فما ادّعاه المحقّق النائينيّ من أخذ القابليّة حيث كان نظره إلى الإطلاق الثبوتيّ منعناه، أمّا لو كان نظره إلى الإطلاق الإثباتيّ ومقدّمات الحكمة فنقبله، فإنّ

 
  صفحه 213  

الكاشف العرفيّ عبارة عن التقييد حينما يمكنه التقييد، وإلاّ فلعلّه لم يقيّد من باب أنّه لم يتمكّن من ذلك، فليس كاشفاً عن الإطلاق.

وهذا البيان ـ بحسب الحقيقة ـ مبنيّ على أن يفرض: أنّ الدالّ عرفاً على الإطلاق إنّما هو عدم بيان التقييد مع إمكان بيانه. وأمّا لو قلنا: إنّ الدالّ عرفاً على الإطلاق عدم بيان ما يخالف الإطلاق ولو كان هو الإهمال الذي هو في قوّة التقييد بناءً على مبنى هذا الاعتراض، فالكاشف عن الإطلاق موجود، فإنّه وإن لم يكن يمكنه نصب القرينة على التقييد، ولكن كان يمكنه نصب القرينة على الإهمال ولم ينصب(1).

وقد اتّضح بكلّ ما ذكرناه: أنّه على مسلك المشهور لا يتمّ الإطلاق اللفظيّ(2).


(1) فمبنيّاً على ذلك لا يتمّ هذا الاعتراض، ولكن الاعتراض الثاني قد عرفت تماميّته.

هذا بناءً على التسليم بوجود عالم وسط بين عالم الغرض وعالم البيان اسمه عالم الجعل. وأمّا إذا أنكرنا ذلك، وقلنا: إنّ عالم البيان يكشف رأساً عن عالم الغرض، ففي عالم الغرض لا يتصوّر الإهمال، وينحصر الأمر في الإطلاق والتقييد، ولا يبقى موضوع للاعتراض الثاني، ولكن يتسجّل الاعتراض الثالث بلا إشكال، وهو: أنّ عدم التقييد عند عدم إمكانه لا يدلّ عرفاً على إطلاق الغرض.

(2) لا يخفى: أنّه قد يقال بناءً على مسلك متمّم الجعل بتماميّة الإطلاق اللفظيّ، بدعوى: أنّ متمّم الجعل يبيّن عرفاً بلسان التقييد بقصد القربة. إلاّ أنّ هذا لا يتمّ على مسلكهم; إذ لا يقولون: إنّ البيان العرفيّ لمتمّم الجعل هو لسان التقييد، فصحّ أن يقال: إنّه على مسلك القائلين بعدم إمكان تقييد الجعل الأوّل لا يمكن إثبات التوصّليّة بالإطلاق حتّى عند القائل بمتمّم الجعل; لأنّ إطلاق الجعل الأوّل لا يعني عدم التقييد بقصد القربة بالجعل الثاني.

  صفحه 214  

الإطلاق المقاميّ:

وأمّا المرحلة الثانية: وهي الإطلاق المقاميّ، فنقول:

لو فرضنا عدم تماميّة الإطلاق اللفظيّ كما هو الحال على المسلك الرابع من المسالك التي تكلّمنا عليها في الإطلاق اللفظيّ، وهو مسلك المشهور، فهل يمكن نفي دخل قصد القربة في الغرض بالإطلاق المقاميّ، أو لا؟

هناك تقريبان لإثبات الإطلاق المقاميّ:

التقريب الأوّل: أن نحصل على برهان لعدم دخل قصد القربة في غرض المولى، وذلك البرهان هو: أنّه لو كان دخيلا فيه، كان عليه بيانه ولو بالجملة الخبريّة ببرهان استحالة نقض الغرض.


نعم، على النكتة التي مضت الإشارة إليها منه : من كون لسان التقييد بياناً عرفيّاً للقربيّة يتمّ التمسّك بالإطلاق.

هذا، وأمّا لو تصوّرنا تعدّد الجعل بالنحو الذي ذكره المحقّق العراقيّ : من فرض تعدّد المجعول ووحدة الجعل، فهذا إنّما يعقل لو تصوّرنا الجامع بين الواجبين والموضوعين، وحينئذ إن كان العنوان المأخوذ في لسان الدليل هو الجامع بين الفعل وقصد القربة، فأوجب المولى ذلك الجامع بنحو مطلق الوجود، إذن فثبتت العباديّة لا التوصّليّة، وإن كان العنوان المأخوذ فيه هو الفعل، أعني: ذات الصلاة مثلا فقط، فهنا تثبت التوصّليّة لا بالإطلاق، بل بأصالة التطابق بين العنوان المأخوذ في عالم الإثبات والعنوان المأخوذ في عالم الثبوت.

إلاّ أنّ هذا المقدار إنّما يكفي لنفي التعبّديّة لو كان شكل العباديّة منحصراً فيما يقترحه المحقّق العراقيّ : من فرض تعدّد المجعول ووحدة الجعل، بينما هو لا يدّعي الانحصار، وإنّما يدّعي إمكان هذه الصورة.

  صفحه 215  

وهذا التقريب يتوقّف على كون عدم بيان الدخل ولو بالجملة الخبريّة نقضاً للغرض، وقد أوضح المحقّق العراقيّ بهذا الصدد: أنّ لزوم نقض الغرض في المقام يتوقّف على أحد أمرين(1):

الأوّل: أن يقال: إنّ قصد القربة يكون من القيود المغفول عنها، ولا يلتفت إليه العرف عادةً، ولا يخطر على باله لدقّته.

وعليه، فلو كان دخيلا في الغرض، وسكت عنه المولى ولو بنحو الإخبار فالناس بحسب طبعهم سوف لا يلتزمون به; إذ لا يخطر على بالهم احتمال دخله، وبهذا يفوت غرض المولى، فلزم نقض الغرض.

الثاني: أن يقال: إنّ الأصل العمليّ عند الشكّ في دخل قصد القربة في الغرض هو البراءة لا الاشتغال، فحتّى إذا كان قصد القربة قيداً لا يغفل عنه العرف، يلزم من عدم بيانه عدم التزام الناس به، وهو نقض للغرض.

فإن تمّ أحد الأمرين تمّ البرهان، وإلاّ فلا يلزم من عدم الإخبار بدخل قصد القربة نقض الغرض; إذ لو كان قيد القربة ممّا يلتفت إليه الناس وكان الأصل فيه عند الشكّ هو الاشتغال، كان من حقّ المولى أن يعتمد في مقام استيفاء غرضه على أصالة الاشتغال من دون بيان شيء.

أقول: إنّ هذا التقريب للإطلاق المقاميّ يرد عليه اعتراضان:

الاعتراض الأوّل: أنّ هذا البرهان إنّما يتمّ لو اُحرز عدم بيان المولى لدخل قصد القربة إطلاقاً، بينما في الأغلب لا نحرز ذلك، وغاية ما نحرزه أنّ الآية


(1) الأمر الثاني غير موجود في المقالات. راجع المقالات، ج  1، ص  241 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ بقم، ويحتمل استفادته من نهاية الأفكار على تشويش في العبارة. راجع نهاية الأفكار، ج  1، ص  199 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  صفحه 216  

الفلانيّة أو الرواية الفلانيّة الآمرة بالعمل الفلانيّ لم تتضمّن ذكر دخل قصد القربة في الغرض، وأمّا احتمال ذكر ذلك سابقاً أو لاحقاً في وقت آخر، فغالباً يكون ثابتاً في النفس بلا دافع، ويكفي في عدم نقض الغرض من قبل المولى ذكر ذلك ولو منفصلا، إذن فهذا التقريب لا يثبت الإطلاق المقاميّ بالنحو المطلوب، فإنّ المطلوب هو إثبات الإطلاق المقاميّ لشخص خطاب معيّن حينما نعرف ـ ولو بالشهادة السكوتيّة للراوي ـ أنّه لم يذكر معه دخل قصد القربة، وهذا لا يثبت بهذا البيان.

وبكلمة اُخرى: إنّه يوجد عندنا سكوتان عن ذكر دخل قصد القربة: السكوت المطلق، ومطلق السكوت، والأوّل يكشف عن عدم الدخل ببرهان استحالة نقض الغرض، لكن لا سبيل لنا غالباً إلى إحرازه، والثاني لنا سبيل إلى إحرازه، وهو شهادة الراوي مثلا، ولكن لا يكشف ببرهان استحالة نقض الغرض عن عدم الدخل.

الاعتراض الثاني: مختصّ بكشف الإطلاق عن طريق دعوى: أنّ قيد القربة ممّا يغفل عنه عادةً الناس، وهو: أنّ هذا التقريب إنّما يبرهن على أنّ قصد القربة ليس شرطاً واقعيّاً، أي: دخيلا في الغرض على الإطلاق; إذ لو كان كذلك لكان ترك ذكره نقضاً للغرض; لغفلة عامة الناس عنه، لكن يبقى احتمال كونه شرطاً ذُكريّاً كبعض الشروط الاُخرى التي تكون شرطاً عند التذكّر والالتفات، فإنّه إذا كان كذلك لم يكن ترك بيانه نقضاً للغرض; إذ من لا يلتفت إليه لا غرض في قصده للقربة، ومن يلتفت إليه من دون بيان المولى لا حاجة إلى البيان بالنسبة إليه، فلعلّ قصد القربة شرط عند الذكر والالتفات: إمّا بمعنى: أنّه شرط في حقّ من يلتفت إلى قصد القربة تصوّراً لو قيل بأنّ العرف بعيد عن تصوّره، فمع تصوّره يحتمل تقييد الواجب به، فحال شرطيّة القربة حال مانعيّة نجاسة الثوب مثلا المشروطة بالالتفات إلى النجاسة، أو بمعنى: أنّه شرط في حقّ من يحتمل تقيّد الواجب به لو قيل بأنّ العرف بعيد عن هذا الاحتمال، فحال لزوم قصد القربة حال وجوب القصر

 
  صفحه 217  

على المسافر المشروط بالالتفات إلى هذا الحكم ولو احتمالا، والمرفوع عمّن تخيّل أنّ حكم المسافر هو حكم الحاضر.

وعلى أيّ حال، فعلى الاُصوليّين الملتفتين إلى قصد القربة، وإلى احتمال دخله أن يلتزموا به مثلا، بينما المقصود هو نفي شرطيّة قصد القربة بالإطلاق المقاميّ مطلقاً.

التقريب الثاني: أن يقال: إنّ قوله مثلا: «صلِّ» مفاده الأمر، وظاهر حال المولى كونه في مقام بيان تمام ما يأمر به، لكن لا بأن يكون له نظرة استقلاليّة إلى الأمر بأن يكون في مقام بيان تمام ما أمر به باعتباره بياناً للمأمور به، وإنّما يكون بظاهر حاله بصدد بيان تمام ما يأمر به باعتباره طريقاً إلى بيان غرضه، فالأمر ملحوظ باعتباره كاشفاً عن الغرض، لا بما هو هو، فظاهر حال المولى أنّه في مقام بيان تمام الغرض ولو لم يكن مدلولا مطابقيّاً للأمر، فلو كان أمره قاصراً عن تمام غرضه; لعدم إمكان أداء تمامه بالأمر، ولكن بالإمكان تكميل أدائه بضمّ جملة خبريّة إلى الأمر، لأكمل كلامه بضمّ ذلك الخبر إلى هذا الأمر، فإن لم يصنع كذلك انعقد الإطلاق المقاميّ لنفي دخل قصد القربة، لا بلحاظ برهان نقض الغرض، بل بلحاظ ظهور حاله في أنّه في مقام بيان تمام غرضه.

وهذا التقريب صحيح.

 

الأصل العمليّ:

وأمّا المقام الثاني: وهو الكلام في الأصل العمليّ، فالذي يتبادر إلى الذهن بدواً: أنّ المقام صغرى من صغريات الأقلّ والأكثر الارتباطيّين، فحاله حال سائر موارد الأقلّ والأكثر الارتباطيّين: من جريان البراءة، أو الاشتغال بحسب الخلاف المعروف.

ولكن تفصيل الكلام في ذلك: أنّه إن بنينا على إمكان تقيّد الأمر به، فحال

 
  صفحه 218  

المقام حال سائر موارد الدوران بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين، فإنّ الأمر دار بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين بلحاظ نفس الأمر المتعلّق بالصلاة، فلا فرق بين قيد القربة أو أيّ قيد آخر مشكوك.

وأمّا بناءً على مختارنا: من أنّ الأمر التعبّديّ يرجع إلى الأمر بالصلاة وتجدّده متى ما لم يصلِّ بقصد القربة، فإن قلنا في سائر موارد الدوران بين الأقلّ والأكثر بالبراءة، فلا إشكال هنا أيضاً في البراءة. أمّا البراءة العقليّة لو قيل بها، فتجري عن وجوب الصلاة مرّةً ثانية بعد الإتيان بها من دون قصد القربة; لأنّ الواجب الزائد بالدقّة العقليّة عبارة عن صلاة ثانية، وهذا تكليف زائد مشكوك منفيّ بالبراءة. وأمّا البراءة الشرعيّة فأيضاً تجري عن وجوب الصلاة مرّة اُخرى; لأنّه تكليف زائد مشكوك.

وبإمكانك أن تعبّر في البراءة الشرعيّة بأنّنا نجري البراءة عن الخطاب بقصد القربة; لأنّ البراءة الشرعيّة تجري عن كلّ ما ينتج تسجيل الواقع على عهدة المكلّف، فإنّ البيان العرفيّ للإلزام بصلاة اُخرى كان عبارة عن إيجاب قصد القربة بحسب مقام الإثبات، والخطاب الإثباتيّ بقصد القربة يؤثّر(1) في تسجيل الواقع الذي هو ثبوتاً عبارة عن وجوب صلاة اُخرى على المكلّف، فهو مرفوع بمثل حديث الرفع.

هذا إذا بنينا على البراءة في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين.

وأمّا إذا بنينا على الاشتغال فيه، فهل تجري في ما نحن فيه أيضاً أصالة الاشتغال، أو لا موجب للاشتغال، بل نرجع إلى البراءة؟

هذا يختلف باختلاف المسالك لإثبات الاشتغال في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين، وأهمّها مسالك أربعة:


(1) ولو باعتباره إخباراً عن الغرض.

  صفحه 219  

الأوّل: دعوى: أنّنا نعلم إجمالا بالأمر بالأقلّ بحدّه الأقلّيّ والأمر بالأكثر، أي: نعلم إجمالا بشرط شيء، ولا بشرط.

وهذا الوجه بهذه الصياغة لا يأتي في المقام; للعلم بأنّ الأمر تعلّق بالمطلق، وإمكان إجراء البراءة عن أمرثان بالصلاة.

الثاني: أنّنا سلّمنا: أنّ العلم الإجماليّ منحلّ إلى العلم بالأمر بالأقلّ والشكّ في الأمر بالأكثر على كلام وتفصيل في تقريب الانحلال، لكن بإتيانه بالأقلّ لا يقطع بالإتيان بما ينطبق الأمر بالأقلّ عليه، فإنّه إذا كان أمراً ضمنيّاً فهو غير متعلّق بالمطلق، بل متعلّق بالطبيعة المهملة التي هي في قوّة الجزئيّة، فلا تنطبق على الفاقد للجزء أو القيد المشكوك، ولابدّ له من تحصيل القطع بانطباق الأمر بالأقلّ الذي علم به تفصيلا على فعله، وهذا لا يكون إلاّ بأن يأتي بالأكثر.

وهذا التقريب بهذه الصياغة أيضاً لا يأتي في المقام; لأنّ الأمر متعلّق بالمطلق، ومنطبق على ما أتى به حتماً، فليُجرِ البراءة عن أمر ثان متعلّق بصلاة اُخرى.

الثالث: أنّنا سلّمنا: أنّ الأمر بالأقلّ متعلّقه ـ على أيّ حال ـ هو ذات الأقلّ، وينطبق على ما أتى به ولو لم يكن في ضمن الأكثر على تفصيل وكلام في محلّه، لكن لابدّ له من إحراز سقوط الأمر بالأقلّ حتّى يرتاح، وسقوطه مشكوك فيه; إذ لو كان أمراً ضمنيّاً لكان ملازماً مع الأمر الضمنيّ الآخر في الثبوت والسقوط، ولا يسقط إلاّ بإتيان الأكثر.

وهذا الكلام بهذه الصياغة أيضاً لا يأتي في المقام; لما عرفت: من أنّ الأمر الأوّل على مسلكنا يسقط بالإتيان بالفعل من دون قصد القربة، ويشكّ في تجدّد أمر جديد بالفعل، فليُجرِ البراءة عنه.

الرابع: أنّه لابدّ له من الجزم بتحصيل غرض المولى، والأمر بالأقلّ إذا كان في ضمن الأمر بالأكثر، لم يحصل الغرض المولويّ منه بالإتيان بالأقلّ، فلابدّ من الاحتياط بالإتيان بالأكثر.

 
  صفحه 220  

وهذا الوجه يأتي في المقام; فإنّ الغرض من الأمر الأوّل إذا كان عباديّاً لا يحصل بمجرّد الإتيان بمتعلّقه وإن كان يسقط شخص ذلك الأمر; لاستحالة بقائه مع الإتيان بمتعلّقه، ولذا يتولّد أمر جديد، فلابدّ في مقام تحصيل الجزم بحصول الغرض من الصلاة بقصد القربة.

وأمّا إن بنينا في العباديّات على متمّم الجعل، بمعنى: أنّ هناك أمرين تعلّق أحدهما بذات الصلاة والآخر بقصد القربة، فعندئذ إن فرضنا: أنّ الأمر بالصلاة تعلّق بالطبيعة المهملة كما عن المحقّق النائينيّ ، فحال ذلك حال ما إذا كان نفس الأمر الأوّل قابلا للتقييد، ويكون الأمران تماماً كالأمرين الضمنيّين، فإن جرت البراءة في سائر موارد الأقلّ والأكثر الارتباطيّين، جرت في المقام، وإن جرى الاشتغال فيها، جرى في المقام أيضاً: إمّا بدعوى العلم الإجماليّ بالإطلاق والتقييد، إلاّ أنّه بمعنى نتيجة الإطلاق والتقييد، أو قل: بمعنى الإطلاق والتقييد المنفصل، أو بدعوى: أنّ الأمر بالأقلّ لم يحرز انطباقه على ما أتى به، أو بباقي التقريبات التي عرفت حرفاً بحرف.

وإن فرضنا: أنّ الأمر الأوّل تعلّق بالمطلق، فإن جرت البراءة في سائر موارد الأقلّ والأكثر، جرت هنا بلا إشكال، وإن قلنا بالاشتغال فيها، فإذا كان ذلك بأحد الملاكين الأخيرين، فهما ثابتان في المقام; للشكّ في حصول الغرض وعدم سقوط الأمر الأوّل على تقدير وجود الأمر الثاني; لأنّه متمّم له، وهما بمنزلة الضمنيّين، وإن كان بأحد الملاكين الأوّلين، فهما غير ثابتين في المقام; للعلم التفصيليّ بوجود أمر مطلق متعلّق بالأقلّ، وهو ذات الصلاة منطبق على عمله ولو لم يكن مع قصد القربة، وافتراض أمر آخر بقصد القربة منفيّ بالبراءة.

وأمّا إن بنينا على مبنى المحقّق الخراسانيّ : من أنّ الواجب التعبّديّ ليس فيه إلاّ أمر واحد متعلّق بذات العمل كالتوصّليّ، إلاّ أنّه لا يسقط بالإتيان بذات العمل ما لم يأتِ به بقصد القربة; لأنّ الغرض لا يحصل، وسقوط الأمر تابع لحصول

 
  صفحه 221  

الغرض، ومادام الغرض باقياً فالأمر باق، فظاهر كلام المحقّق الخراسانيّ أنّه حتّى لو قلنا بالبراءة في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين نقول بالاشتغال في المقام(1).

ونحن نتكلّم هنا تارةً عن أنّه لو قلنا بالاشتغال في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين، فهل يثبت الاشتغال بنفس ملاك الاشتغال في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين أو لا؟

واُخرى عن أنّه هل هناك وجه للقول بالاشتغال في المقام حتّى على تقدير البراءة في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين كما يظهر من المحقّق الخراسانيّ، أو أنّه على تقدير البراءة هناك تتعيّن البراءة هنا؟

أمّا الأوّل، فنتكلّم فيه على ضوء ما عرفت من الملاكات الأربعة للاشتغال في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين، فنقول:

إنّ الصحيح هو التفصيل بين الملاكين الأوّلين والملاكين الأخيرين، فالملاك الأوّل لا يجري في المقام; لوضوح العلم بأ نّ الأمر تعلّق بالمطلق بحسب الفرض، ولا يوجد علم إجماليّ بالإطلاق أو التقييد، وكذلك الملاك الثاني لا يجري في المقام; لوضوح انطباق الأمر بالمطلق على فعله ولو لم يكن بقصد القربة، ولكن الملاك الثالث يجري في المقام; لعدم الجزم بسقوط الأمر; لأنّ المفروض: أنّ الأمر إذا كان تعبّديّاً، فهو لا يسقط بالإتيان بمتعلّقه بدون قصد القربة، وكذلك الملاك الرابع يجري في المقام; لوضوح عدم الجزم بسقوط الغرض; لأنّ المفروض: أنّه إذا كان الأمر عباديّاً لا يحصل الغرض منه بمجرّد الإتيان بالفعل بلا قصد القربة.

وأمّا الثاني، وهو: أنّه هل هناك وجه لثبوت الاشتغال هنا حتّى على تقدير البراءة في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين، أو لا؟

فيمكن افتراض جريان الاشتغال في المقام مع فرض البراءة في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين بعدّة تقريبات:


(1) راجع الكفاية، ج  1، ص  113 ـ 114 بحسب طبعة المشكينيّ.

  صفحه 222  

الأوّل: مبنيّ على أن يختار من ملاكات الاشتغال الملاك الثالث، وهو: عدم إحراز سقوط الأمر، فيقال: إنّ هذا الملاك تامّ في ما نحن فيه; حيث إنّه لو صلّى بدون قصد القربة، لم يجزم بسقوط الأمر; لاحتمال كونه عباديّاً، لكنّه غير تامّ في سائر موارد الأقلّ والأكثر الارتباطيّين; وذلك بدعوى: أنّ البراءة عند الشكّ في سقوط الأمر إنّما لا تجري إذا لم يكن الشكّ في السقوط من تبعات الشكّ في وجود أمر ضمنيّ بالزائد، كما لو علم بوجوب الصلاة ثُمّ شكّ في أنّه هل صلّى أو لا. أمّا إذا كان من تبعات ذلك، كما لو أتى بالأقلّ المعلوم وترك الجزء الزائد المشكوك، فالبراءة عن الأمر الضمنيّ المشكوك جارية، وتكون كافية للتأمين من ناحية احتمال عدم سقوط الأمر، وحيث إنّه في باب قصد القربة ليس الشكّ في سقوط الأمر ناشئاً من الشكّ في أمر ضمنيّ زائد; إذ المفروض عدم انبساط الأمر على قصد القربة، فلا مجال للبراءة، وهذا بخلاف الأجزاء والقيود الاُخرى التي ينبسط عليها الأمر.

إلاّ أنّ التحقيق: أنّ هذا الوجه غير صحيح; وذلك لأنّه بعد أن قبلنا جريان البراءة عن الأمر الضمنيّ المشكوك، وقلنا: إنّ هذا يؤمّن من ناحية احتمال عدم سقوط الأمر الناشئ من احتمال الأمر الضمنيّ بالزائد، ينبغي أن يكون المناط ما هو أعمّ من الأمر، وذلك بأن يقال: إنّ الشكّ في السقوط ينقسم إلى نحوين:

1 ـ الشكّ في سقوط الأمر الناشئ من احتمال مطلب يرجع إلى المولى، ويكون من وظيفة المولى بيانه، سواء كان بصيغة الأمر أو بصيغة الإخبار عن المدخليّة في الغرض.

2 ـ الشكّ في سقوط الأمر الناشئ من جهة ترجع إلى العبد، ولا يكون من وظيفة المولى بيانه، من قبيل الشكّ في أصل الإتيان بالصلاة.

فالقسم الثاني مجرىً لأصالة الاشتغال; لرجوع الشكّ إلى جهة ترتبط بالعبد

 
  صفحه 223  

لا المولى، وهي عالم الامتثال. وأمّا القسم الأوّل، فهو مجرىً للبراءة; لكون الشكّ في دخل أمر زائد: إمّا في الأمر كما في غير قصد القربة، وإمّا في الغرض كما في قصد القربة.

الثاني: مبنيّ على أن يختار من ملاكات الاشتغال الملاك الرابع، وهو الشكّ في حُصول الغرض، فيقال: إنّ هذا الوجه تامّ في المقام، وليس تامّاً في سائر موارد الأقلّ والأكثر الارتباطيّين، وذلك بأن يقال: إنّ الغرض للمولى لا يقع في عهدة المكلف عادةً إلاّ إذا تصدّى المولى إلى تحصيله تشريعاً، فلو لم يتصدَّ هو إلى تحصيله، لم يكن على العبد أن يكون أكثر حرارةً من المولى في مقام تحصيل أغراضه، فإذا تردّد أمر الواجب بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين، من قبيل ما لو شكّ في وجوب السورة في الصلاة، فالقدر المتيقّن من تصدّي المولى وتسبيبه الشرعيّ إلى التحصيل هو الأقلّ، فتجري البراءة عن الزائد بالرغم من الشكّ في حصول الغرض، ولكن لا تجري البراءة إذا كان عدم تسبب المولى التشريعيّ إلى الوصول إلى غرضه على تقدير دخل القيد الزائد في الغرض ناشئاً من عجز المولى عن ذلك كما لو كان مكمّماً.

وما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ قصد القربة على تقدير دخله في الغرض يكون المولى عاجزاً عن الأمر به; لما هو المفروض من عدم إمكان تعلّق الأمر بقصد القربة، إذن فلابدّ من الاحتياط; للشكّ في حصول الغرض بدون قصد القربة، وعدم إمكان التسبّب التشريعيّ للمولى إلى الوصول إلى غرضه على تقدير دخله فيه.

والجواب: أنّه هنا أيضاً إذا جعل إمكان تسبّب المولى إلى تحصيل الغرض مبرّراً لجريان البراءة، لا ينبغي تخصيص ذلك بالتسبّب بصيغة الأمر، بل يكفي إمكانيّة تسبّب المولى إلى تحصيل غرضه ولو بالإخبار بدخل ذلك في الغرض، ومن المعلوم أنّه بإمكان المولى الإخبار بدخل قصد القربة في الغرض.

الثالث: يختصّ بالبراءة الشرعيّة، فلو أنكرنا البراءة العقليّة: إمّا مطلقاً كما هو الصحيح، أو في خصوص الأقلّ والأكثر الارتباطيّين، أو خصوص المقام بأحد

 
  صفحه 224  

الملاكين الأخيرين من ملاكات الاشتغال مثلا، بأن قلنا: إنّهما يمنعان عن البراءة
العقليّة فقط، وبقيت البراءة الشرعيّة غير مبرهن على بطلانها، أمكن أن يبرهن على بطلانها أيضاً في المقام مع فرض جريانها في سائر موارد الأقلّ والأكثر، بأن يقال: إنّ أدلّة البراءة الشرعيّة ناظرة إلى التكاليف الشرعيّة والتحميلات الشرعيّة، ومن الواضح: أنّه في المقام لا يحتمل دخل قصد القربة في التكليف بحسب الفرض، وإنّما يحتمل دخله في الغرض، بخلاف سائر موارد الدوران بين الأقلّ والأكثر الاستقلاليّين.

وهذا البيان أيضاً في غير محلّه:

أمّا أوّلا: فلأنّه لا يختصّ دليل البراءة بالأحكام الإنشائيّة، بل يشمل كلّ جهة راجعة إلى المولى ولو كان هو الغرض.

وأمّا ثانياً: فلأنّ عناوين الإلزام والتكليف ونحو ذلك من العناوين ينتزع ـ  لا محالة  ـ من الجملة الخبريّة أيضاً كما ينتزع من الأمر، فلو أخبر بدخل قصد القربة في الغرض، ينتزع من ذلك عرفاً الإلزام والتكليف.

وقد تحصّل: أنّ الصحيح بناءً على جريان البراءة في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين ـ  وهو الحقّ  ـ جريان البراءة فيما نحن فيه. هذا.

ومن الكلام في قصد القربة ظهر الكلام في قصد الوجه والتمييز بلا حاجة إلى تخصيص كلام لهذه التوابع(1).

هذا تمام الكلام في التعبّديّ والتوصّليّ.


(1) هناك فرق واحد بين ما كنّا نبحثه من قصد الأمر وبين قصد الوجه والتمييز، وهو: أنّ تقريب الإطلاق المقاميّ في قصد الأمر بدعوى غفلة عامّة الناس عنه أوضح في قصد الوجه والتمييز بكثير، فقد ينكر هناك ولا ينكر هنا.

  صفحه 225  

 

 

 

 

 

ظهور صيغة الأمر
في النفسيّة والتعيينيّة والعينيّة

الجهة الخامسة: في ظهور صيغة الأمر في النفسيّة والتعيينيّة والعينيّة.

ينقسم الواجب إلى نفسيّ وغيريّ، وإلى تعيينيّ وتخييريّ، وإلى عينيّ وكفائيّ، فهل يقتضي إطلاق الصيغة كون الواجب نفسيّاً، أو تعيينيّاً، أو عينيّاً في مقابل الغيريّة والتخييريّة والكفائيّة، أو لا؟

يقع الكلام في ذلك في عدّة مقامات:

 

دوران الأمر بين النفسيّة والغيريّة:

المقام الأوّل: في أنّه إذا دار الأمر بين النفسيّة والغيريّة، فماذا يقتضي إطلاق الصيغة؟

المعروف: أنّ الإطلاق يقتضي النفسيّة، وهذا المطلب يمكن أن يبيّن بعدّة تقريبات:

التقريب الأوّل: أن يقال: إنّنا نتمسّك بالإطلاق الأحواليّ لدليل الوجوب في قوله: «توضّأ» مثلا، فإنّ مقتضى إطلاقه وجوب الوضوء على كلّ حال: سواء وجبت الصلاة أو لا، وسواء زالت الشمس أو لا، وهذا يستلزم كونه واجباً نفسيّاً; إذ لو كان واجباً غيريّاً لاستحال إطلاقه لفرض عدم وجود الأمر بذي المقدّمة وعدم فعليّة

 
  صفحه 226  

وجوبه، فالنفسيّة بهذا التقريب تكون مدلولا التزاميّاً للإطلاق، لا مطابقيّاً.

واستفادة النفسيّة من الإطلاق بهذا التقريب تتوقّف على تصوير الإطلاق الأحواليّ، وعدم كون الواجب ملازماً لذاك الوجوب النفسيّ لما احتمل كونه ذا المقدّمة.

أمّا لو أوجب الوضوء مثلا في أوّل زوال الشمس، أعني: أنّه قيّد وجوب الوضوء بقيد(1) نفرضه ملازماً دائماً لثبوت وجوب الصلاة، فهذا التقريب لا يتمّ; إذ لا يوجد ـ بحسب الفرض ـ إطلاق أحواليّ لصورة عدم وجوب الصلاة.

وقد يقال: إنّه وإن كان هذا الإطلاق قاصراً عن إثبات النفسيّة في هذا الفرض لكن لا أثر لذلك، فإنّ الأثر لكون وجوب الوضوء مثلا نفسيّاً فيما لو قال: «توضّأ» هو وجوبه في تمام الأحوال حتّى قبل الزوال، ولكن لو قيّد وجوب الوضوء بالزوال مثلا، فماذا يهمّنا أن يكون الواجب نفسيّاً أو غيريّاً؟! إذ لولاحظنا حالة عدم الزوال، لم يجب الوضوء نفسيّاً كان أو غيريّاً، ولولاحظنا حالة الزوال، فعلى أيّ حال يجب أن يؤتى به بحكم العقل، سواء كان نفسيّاً أو غيريّاً.

ولكن هذا الكلام غير صحيح; لأنّه يبقى مع هذا أثر للنفسيّة، فإنّه بناءً على اقتضاء الإطلاق للنفسيّة يكون عليه واجبان نفسيّان بحيث لو تركهما معاً لعوقب بعقابين، بينما لو لم نستفد من إطلاق الصيغة النفسيّة، لم يثبت عليه واجبان نفسيّان بالدليل الاجتهاديّ، ولابدّ من الرجوع إلى الاُصول العمليّة.

التقريب الثاني لإثبات النفسيّة: هو أن نتمسّك بإطلاق المادّة لدليل «صلِّ»


(1) لا أنّه قيّده بنفس وجوب الصلاة، كأن يقول: «إذا وجبت الصلاة فتوضّأ»، وإلاّ فلا إشكال في عدم استفادة النفسيّة، ولا يفي شيء من تقريبات استفادة النفسيّة باستفادتها في هذا الفرض، فلا يكون ذلك نقضاً لهذا التقريب.

  صفحه 227  

مثلا، لا بإطلاق «توضّأ»، فيقال: إنّ مقتضى إطلاق المادّة في «صلِّ» هو عدم تقيّد الصلاة بالوضوء، إذن فالوضوء ليس واجباً غيريّاً ومقدّمة للصلاة، بل هو واجب نفسيّ، فتكون النفسيّة مدلولا التزاميّاً لإطلاق المادّة في الواجب الذي يحتمل كون هذا مقدّمة له.

وهذا التقريب يتوقّف على افتراض عدّة اُمور:

الأوّل: أن يكون لذلك الواجب النفسيّ الذي يحتمل كون الوضوء مثلا مقدّمة له دليل على وجوبه، لا أن يكون وجوبه أمراً محتملا بنفس دليل الوضوء، كما لو ورد «إذا زرت مسلماً فتوضّأ» ولم يرد أمر بالصلاة عند زيارة المسلم، ولكنّنا بسبب الأمر بالوضوء احتملنا وجوب الصلاة وكون الوضوء مقدّمة له، ففي هذا الفرض لا موضوع لاستفادة نفسيّة وجوب الوضوء من دليل الصلاة.

الثاني: أن يكون الوجوب الغيريّ المحتمل في المقام وجوباً غيريّاً بملاك التقييد الشرعيّ، من قبيل الوضوء بالنسبة للصلاة، لا بملاك التوقّف التكوينيّ، من قبيل نصب السلّم بالنسبة للكون على السطح، أو القيام بالنسبة للتعظيم مثلا، فإنّ الإطلاق إنّما ينفي التقييد الشرعيّ، لا التوقّف الخارجيّ كما هو واضح.

الثالث: أن لا يكون هذا البيان المجمل المردّد بين النفسيّ والغيريّ متّصلا بخطاب الواجب الذي نحتمل تقيّد مادّته به، وإلاّ لسرى إجماله إلى ذلك الخطاب، ولم يمكن التمسّك بإطلاق المادّة.

الرابع: أن يكون دليل الواجب الذي يحتمل تقيّد مادّته بهذا الواجب المردّد بين كونه نفسيّاً أو غيريّاً قد تمّ له الإطلاق ومقدّمات الحكمة في نفسه. أمّا لو كان دليلا لبّيّاً لا إطلاق له، أو نحو ذلك، فلا موضوع للتمسّك بإطلاق ذلك الواجب لإثبات نفسيّة الواجب الآخر.

التقريب الثالث: هو إجراء الإطلاق في نفس دليل «توضّأ» بنحو يثبت النفسيّة

 
  صفحه 228  

ابتداءً، لا بالملازمة كما في التقريبين الماضيين، وذلك بأن يقال: إنّ النفسيّة والغيريّة خصوصيّتان في الوجوب، إحداهما عدميّة والاُخرى وجوديّة، فالنفسيّة خصوصيّة عدميّة; لأنّ النفسيّ هو الوجوب الذي لم ينشأ من وجوب آخر، والغيريّة خصوصيّة وجوديّة; لأنّ الغيريّ هو الوجوب الذي نشأ من وجوب آخر، وكلّما دار الأمر في مدلول كلام المتكلّم بين أن يكون هذا المدلول متخصّصاً بخصوصيّة وجوديّة أو عدميّة تعيّن الثاني، وكان عدم بيان الخصوصيّة الوجوديّة بياناً عرفاً للخصوصيّة العدميّة، ولهذا كان عدم بيان التقييد في اسم الجنس كما في ﴿أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ مثلا بياناً للإطلاق.

أقول: إنّ الصحيح في الإطلاق في أسماء الأجناس ـ  على ما حقّقناه في محلّه  ـ : أنّ مقدّمات الحكمة ليست وظيفتها إثبات الإطلاق اللحاظيّ في مقابل التقييد اللحاظيّ، بل وظيفتها إثبات الحكم للجامع بين المطلق والمقيّد المسمّى بالمطلق الذاتيّ، فالأمر دائر بين الخصوصيّة واللاخصوصيّة، لا بين خصوصيّة وجوديّة أو خصوصيّة عدميّة، فلا يمكن جعل هذا قانوناً في بحث مقدّمات الحكمة.

وعلى أيّ حال، فكبرى تعيّن الخصوصيّة العدميّة في مقابل الوجوديّة متى ما دار الأمر بينهما ليست صحيحة على إطلاقها. نعم، سوف نشير إلى أنّنا نقبل هذه الكبرى في الجملة، لكن لا بهذا العنوان، بل بعنوان آخر، وسيأتي توضيح ذلك في التقريب الرابع.

وأمّا تطبيق هذه الكبرى على المقام صغرويّاً، فهو غير صحيح; لأنّ النفسيّة والغيريّة كلتاهما خصوصيّتان وجوديّتان، فالوجوب إن كان ناشئاً من ملاك في غيره، فهذا ما لا يحكم العقل باستحقاق العقاب عليه مستقلاًّ، وهو معنى الغيريّة، وإن كان ناشئاً من ملاك في نفسه، فهذا ما يحكم العقل باستحقاق العقاب عليه مستقلاًّ، وهو معنى النفسيّة، فالنفسيّة أيضاً خصوصيّة وجوديّة لا عدميّة، فإنّها متقوّمة بكون وجوب الشيء ناشئاً من ملاك في نفسه الذي هو أمر وجوديّ.

 
  صفحه 229  

التقريب الرابع: ما يمكن أن يكون تعديلا للتقريب الثالث. وتوضيح ذلك: أنّ الكبرى التي ادّعيت في التقريب الثالث كانت عبارة عن أنّه متى ما دار الأمر بين التقييد بقيد وجوديّ والتقييد بقيد عدميّ، كان السكوت معيّناً للثاني في مقابل الأوّل.

وهذه الكبرى بهذا العنوان غير صحيحة، ولذا ترى: أنّه لو قال: «أكرم العالم»، وعلمنا أنّه مقيّد: إمّا بخصوصيّة العدالة، فلا يمكن إثباتها بالاستصحاب، أو بخصوصيّة عدم الفسق، فيمكن إثباتها بالاستصحاب، لم يمكن تعيين الثاني بالسكوت; إذ كلاهما أمر زائد، والإطلاق يدفع كليهما، فلا نكتة لاستظهار الأمر العدميّ في مقابل الوجوديّ، ومنشأ هذا التوهّم هو تخيّل كون هذا هو المنشأ لحمل اسم الجنس على المطلق، بينما قلنا: إنّ الإطلاق في اسم الجنس يدلّ على عدم لحاظ القيد، لا على رفضه ولحاظ عدمه، على أنّه حتّى لو اُريد تعيين الإطلاق اللحاظيّ في قبال التقييد اللحاظيّ، وغضّ النظر عن الإطلاق الذاتيّ، أمكن ذلك بتطبيق الكبرى الاُخرى التي نجعلها بديلا لهذه الكبرى، أو تعديلا لها، فإنّ هذه الكبرى يمكن التعبير عنها بنحو آخر، وهو: أنّه كلّما دار الأمر في مقام الثبوت بين خصوصيّتين وكان كلّ واحدة منهما تناسب خصوصيّة في مقام الإثبات، فحينما نرى إحدى الخصوصيّتين الإثباتيّتين في الكلام نستكشف بذلك: أنّ الخصوصيّة الثبوتيّة هي تلك الخصوصيّة المناسبة لهذه الخصوصيّة الإثباتيّة، وذلك عملاً بأصل عقلائيّ يعطي ظهوراً للكلام، وهو أصالة التطابق بين مقام الإثبات ومقام الثبوت، فإذا دار الأمر مثلا بين التقييد اللحاظيّ والإطلاق اللحاظيّ وهو رفض القيد، وغضضنا النظر عن الإطلاق الذاتيّ، فلحاظ القيد ثبوتاً يناسب ذكره إثباتاً، ورفضه ثبوتاً يناسب السكوت إثباتاً; فإنّ رفض القيد في عالم الثبوت يعني شيئاً، لكن في عالم الإثبات لا يعني أكثر من السكوت، وقد فرضنا أنّه سكت، فيثبت الإطلاق بنكتة أصالة التطابق بين مقام الإثبات ومقام الثبوت.

وهذه الكبرى لا تجري فيما نقضنا به على الكبرى السابقة من دوران الأمر بين

 
  صفحه 230  

أخذ خصوصيّة العدالة في العالم وخصوصيّة عدم الفسق; فإنّ السكوت لا يناسب
شيئاً منهما، بل المناسب لكلّ منهما ذكره، وهذا هو شاهد صدق لما نقول: من أنّ الصحيح إنّما هو هذه الكبرى، وتلك الكبرى غير صحيحة.

ومبنيّاً على هذا يمكن أن يدّعى تطبيق هذه الكبرى في المقام فيما إذا شكّ في واجب أنّه نفسيّ أو غيريّ، بأن يقال: إنّ الوجوب النفسيّ والغيريّ يختلفان ثبوتاً في أنّ الأوّل ملحوظ بنحو المعنى الاسميّ وبالأصالة والاستقلال، والثاني ملحوظ بنحو المعنى الحرفيّ والتبعيّة واستطراقاً إلى غيره، ويناسب الأوّل في مقام الإثبات الأصالة في الإفادة والبيان، ويناسب الثاني في مقام الإثبات التبعيّة في الإفادة والبيان، فلو قال ابتداءً: «توضّأ» ولم يقل: «إذا قمتم إلى الصلاة، فاغسلوا وجوهكم» بحيث يجعل الوضوء تحت الشعاع وبالتبع، فقد جعل في مقام الإثبات لحاظ وجوب الوضوء لحاظاً استقلاليّاً، فمقتضى أصالة التطابق بين المقامين كونه بحسب مقام الثبوت أيضاً ملحوظاً استقلالا، ولهذا لا إشكال في أنّه نفهم من الأمر بالوضوء الوجوب النفسيّ ولو لم يكن فيه، أو في الأمر بالصلاة إطلاق أحواليّ ما لم يكتنف بما يوجب الظهور في التبعيّة أو الإجمال، كأن يقول: «إذا قمتم إلى الصلاة، فاغسلوا وجوهكم».

التقريب الخامس: التمسّك بإطلاق المادّة في الأمر بالوضوء للحصّة غير الموصلة بناءً على ما سوف نحقّقه ـ إن شاء الله ـ من أنّ الوجوب الغيريّ مخصوص بالحصّة الموصلة، فإنّه على هذا يكون إطلاقها للحصّة غير الموصلة مستلزماً لكون وجوبه نفسيّاً.

 

دوران الأمر بين التخيير والتعيين:

المقام الثاني: في الدوران بين التخيير والتعيين، كما لو قال: «أطعم ستّين مسكيناً» وشككنا في أنّه هل هو واجب تعيينيّ أو هو مخيّر بينه وبين العتق.

والكلام في ذلك يختلف باختلاف المباني في تصوير الواجب التخييريّ،
ونحن نذكر هنا ثلاثة مباني:

 
  صفحه 231  

المبنى الأوّل: أنّ مرجع الوجوب التخييريّ إلى الوجوبين المشروط كلّ منهما بترك الآخر، وعليه فمقتضى الإطلاق الأحواليّ هو التعيينيّة; إذ لو كان الإطعام مثلا واجباً تخييريّاً، لما وجب حتّى في حال ترك العتق، بخلاف ما لو كان تعيينيّاً.

المبنى الثاني: أنّ مرجع الوجوب التخييريّ إلى وجوب الجامع، وحينئذ يمكن التمسّك بالإطلاق لإفادة التعيينيّة بأحد تعبيرين:

الأوّل: أنّ ظاهر ارتباط مدلول المادّة بمدلول الهيئة في قوله: «أطعم» هو تعلّق الوجوب بالإطعام بعنوانه، لا بعنوان آخر منطبق عليه، وهذا إنّما يتمّ لو كان تعيينيّاً. وأمّا لو كان تخييريّاً بينه وبين العتق مثلا، فالوجوب ليس متعلّقاً بعنوان الإطعام، بل بعنوان آخر منطبق عليه كالإحسان مثلا.

الثاني: التمسّك بالإطلاق الأحواليّ لصورة ترك الفرد الآخر من الجامع بناءً على أنّ كلّ وجوب مقيّد بعدم الإتيان بمتعلّقه(1)، فلا يعقل شمول وجوب الجامع لفرض وقوع الفرد الآخر خارجاً، وهو العتق مثلا.

المبنى الثالث: أنّ الوجوب التخييريّ عبارة عن سنخ طلب مشوب بجواز الترك إلى البدل، فهو مرتبة متوسّطة بين الوجوب التعيينيّ والاستحباب. فالوجوب التعيينيّ كوجوب صلاة الصبح طلب لا يرخّص في تركه مطلقاً، والاستحباب كاستحباب صلاة الليل طلب يرخّص في تركه مطلقاً. والوجوب التخييري كوجوب صلاة الظهر في يوم الجمعة المخيّر بينها وبين صلاة الجمعة طلب مقترن بالترخيص في الترك، لكن لا مطلقاً، بل بحصّة خاصّة من الترك، وهي الترك إلى البدل. وتمام الكلام في شرح ذلك وتحقيقه موكول إلى محلّه.


(1) إلاّ أنّ هذا المبنى باطل عندنا وعند اُستاذنا الشهيد; لأنّ الذي يسقط بفعل المتعلّق هو فاعليّة الوجوب لا فعليّته.

  صفحه 232  

وعليه، فنسبة الوجوب التخييريّ إلى التعيينيّ كنسبة الاستحباب إلى الوجوب، وتثبت التعيينيّة في مقابل التخييريّة بكلّ ما يثبت به الوجوب في مقابل الاستحباب، فمثلا يقال في باب الوجوب والاستحباب: إنّ الأمر إن لم يكن موضوعاً للوجوب فهو يدلّ على الوجوب بالإطلاق; لأنّ مفاده هو النسبة الإرساليّة والإلقائيّة. والإلقاء بوجوده التكوينيّ يسدّ كلّ أبواب العدم، فيكون ظاهر الكلام هو سدّ كلّ أبواب العدم تشريعاً. فهذا البيان يأتي لإثبات التعيينيّة; حيث إنّ في الوجوب التخييريّ يبقى بعض أبواب العدم مفتوحاً، بينما في الإلقاء التكوينيّ لا يبقى بعض أبواب العدم مفتوحاً(1).

 

دوران الأمر بين العينيّة والكفائيّة:

المقام الثالث: في الدوران بين العينيّة والكفائيّة. ونكتفي في ذلك بالتنبيه على أنّ الكلام هنا هو عين ما مضى في المقام الثاني، فيأتي في تصوير الكفائيّة في مقابل العينيّة عين المباني الثلاثة المتقدّمة، وعلى كلّ واحد منها يأتي ما ذكرناه.


(1) ونحن اخترنا فيما سبق دلالة الأمر على الوجوب بالوضع، وهنا أيضاً تكون دلالة الأمر على التعيين بعد فرض تفسير التخيير بمعنى طلب مشوب بجواز الترك إلى البدل بالوضع; فإنّ جواز الترك إلى البدل للعتق مثلا مستوىً من مستويات عدم وجوب العتق، فإنّ عدم وجوبيّة الطلب المطلق يكون بناءً على هذا المبنى عبارة عن مشوبيّة الطلب بجواز الترك مطلقاً، والتخيير عبارة عن المشوبيّة بجواز الترك إلى البدل، وهذا مستوىً أنزل من مستوى جواز الترك المطلق.

وبكلمة اُخرى: إنّ الأمر وضع لإفهام سدّ جميع أبواب عدم الفعل تشريعاً، وهذا كما ينفي الاستحباب ينفي التخيير; لأنّ أحد بابي العدم وهو باب الترك إلى البدل معه مفتوح.

  صفحه 233  

 

 

 

 

 

ورود الأمر عقيب الحظر أو في مورد توهّمه

الجهة السادسة: إذا ورد الأمر عقيب الحظر أو في مورد توهّمه، فكأ نّما اتّفقوا على عدم ظهوره في الوجوب، ووقع الكلام في أنّه: هل يكون ظاهراً في الإباحة، أو الحكم السابق، أو لا ؟

وذكر السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ : أنّ الانسلاخ من الدلالة على الوجوب ثابت على كلّ حال، سواء قلنا: إنّ تلك الدلالة بحكم العقل، أو بالإطلاق ومقدّمات الحكمة، أو بالوضع; وذلك للاكتناف بما يحتمل القرينيّة(1)، وهو كونه في مورد توهّم الحظر، وهو يكفي لرفع الظهور وضعيّاً كان أو غيره، فمثلا لفظة «أسد» ظاهرة وضعاً في الحيوان المفترس، لكن لو اتّصلت بما يحتمل قرينيّته على إرادة الرجل الشجاع، ارتفع الظهور(2).


(1) لو كانت الدلالة بالإطلاق أو الوضع، فبطلانها بما تحتمل فيه القرينيّة واضح، ولكن لو كانت الدلالة بالعقل، فقد يقال: لا معنى لبطلانها بما يحتمل القرينيّة; لأنّ الظهور لم يكن لفظيّاً كي يكون اكتنافه بمحتمل القرينيّة موجباً لإجماله، إلاّ أنّ السيّد الخوئيّ يدّعي: أنّ حكم العقل بالوجوب إنّما يكون إذا لم تقم قرينة على الترخيص، وبما أنّ وقوع الصيغة عقيب الحظر محتمل القرينيّة على ذلك فالوجوب لا يثبت.

(2) راجع المحاضرات، ج  2، ص  205 ـ 206 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

  صفحه 234  

وهذا الكلام بهذا المقدار يمكن النقاش فيه بأنّه لماذا يكون وروده في مورد
توهّم الحظر صالحاً للقرينيّة على عدم إرادة الوجوب، غايته أن يكون هذا موجباً لاحتمال عدم إرادة الوجوب، ومجرّد احتمال عدم إرادة الوجوب لا يسقط الظهور، وما أكثر الظهورات التي يحتمل عدم إرادتها، فلماذا وعلى أيّ أساس يكون ورود الأمر في مورد توهّم الحظر محتمل القرينيّة على عدم إرادة الوجوب؟

وتحقيق المطلب: أنّ الأمر له مدلول تصوّريّ وهو النسبة الإرساليّة والإلقائيّة ونحو ذلك من التعبيرات، ومدلول تصديقيّ وهو وجود الإرادة الطلبيّة في نفس المولى. والأمر في مورد توهّم الحظر مستعمل في نفس المدلول التصوّريّ، وليس كاستعمال كلمة «أسد» مجازاً في الرجل الشجاع مثلا، فالأمر حتّى في قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا مستعمل في النسبة الإرساليّة، غاية الأمر: أنّ إخطار النسبة الإرساليّة في مورد توهّم الحظر يُناسب مدلولين تصديقيّين، فكما يُناسب إرادة إلقاء المخاطب على المادّة كذلك يناسب كسر تحرّجه من الوقوع على المادّة، فإنّ المتحرّج والمتردّد في الوقوع على المادّة يناسب عرفاً أن يكسر سورة تحرّجه وتحيّره بأن يؤخذ بيده ويلقى على المادّة، فإنّ أتمّ اُسلوب في كسر تحرّج العبد هو إلقاؤه على المادّة، فكون الأمر في مورد توهّم الحظر لم يشكّل قرينة على مستوى المدلول التصوّريّ للكلام حتّى يقال: إنّ وروده مورد الحظر لماذا يكون قرينة على الخلاف، غايته إيجاد احتمال إرادة الخلاف، وإنّما شكّل إمكانيّة مدلول تصديقيّ آخر، بينما إذا لم يكن وارداً في مورد توهّم الحظر، كان المدلول التصديقيّ المناسب له منحصراً في إبراز إرادة المولى وطلبه. أمّا كسر تحرّج العبد، فلا معنى له; إذ لم يكن له

 
  صفحه 235  

تحرّج، فالورود مورد توهّم الحظر إنّما هو قرينة توجب الإجمال في
مرتبة المدلول التصديقيّ.

وبهذا يظهر: أنّ الخلاف في أنّه: هل يكون حينئذ له ظهور في الإباحة مثلا، أو لا بلا مورد، فإنّ المدلول التصوّريّ لم يختلف، وهو كما يناسب إرادة كسر التحرّج كذلك يناسب إرادة الطلب والإلقاء، فلا يتكوّن ظهور في إرادة حكم آخر غير الوجوب(1).


(1) هذا الطرز من البيان ناتج من بنائه على أنّ دلالة الأمر على الوجوب تكون على أساس دلالته التصوّريّة على النسبة الإرساليّة التكوينيّة السادّة لكلّ أبواب العدم، ودلالته التصديقيّة على النسبة الإرساليّة التشريعيّة، وحملها بأصالة التطابق بين الدلالة التصوّريّة والدلالة التصديقيّة على سدّ تمام أبواب العدم تشريعاً المساوق للوجوب، ولكنّه مضى منّا أنّ الصحيح: كون الدلالة التصوّريّة الوضعيّة للأمر ابتداءً هي النسبة الإرساليّة التشريعيّة السادّة لجميع أبواب العدم، وأنّ دلالة الأمر على الوجوب تكون بالوضع.

فيبقى هنا علينا تخريج عدم دلالة الأمر على الوجوب عند وروده مورد توهّم الحظر أو عقيب الحظر، وهو أنّ الدلالة التصوّريّة الوضعيّة ناتجة من شدّة الاقتران بين اللفظ والمعنى، والدلالة الجدّيّة لنفس المعنى التصوّريّ ناتجة من غلبة جدّيّة نفس ما اُلقي
في الذهن من المعنى التصوّريّ. وهذه الغلبة إذا انكسرت نتيجة وجود معنىً جدّيّ
آخر مناسب مناسبة قويّة لذاك المعنى التصوّريّ، تنكسر تلك الدلالة لا محالة. وهذا ما وقع في ما نحن فيه، أي: أنّ مناسبة قصد كسر الحاجز النفسيّ عن الفعل للأمر بالفعل
بلغت مرتبة مانعة عن غلبة جدّيّة المعنى الأصليّ، فانكسرت الدلالة على الوجوب بلحاظ مرحلة الجدّ والتصديق لا بلحاظ مرحلة التصوّر. أمّا أن يدلّ عندئذ على الإباحة بالمعنى الخاصّ الذي هو مقابل الأحكام الأربعة الاُخر، أو على رجوع الحكم السابق،
فلا نكتة فيه.

  صفحه 236  

 

مورد من موارد إجمال صيغة الأمر:

وبمناسبة ذكرنا لكون الأمر في مورد توهّم الحظر قرينة نوعيّة توجب الإجمال سوف نحاول إبراز قرينة نوعيّة اُخرى توجب إجمال الصيغة.

فنقول: إنّ هناك نكتة نوعيّة توجب إجمال الظهور حينما تكتنف به طبّقناها في موارد عديدة من الفقه، وتوضيحها يكون بذكر مقدّمتين:

الاُولى: أنّه كما أنّ احتمال قرينيّة الموجود المتّصل يوجب الإجمال كما لو قال: «رأيت أسداً» وعقّب ذلك بكلمة لم نسمعها، فلم ندرِ هل قال: «يرمي» أو قال: «يزأر»، كذلك احتمال وجود القرينة يوجب الإجمال كما لو قال: «رأيت أسداً» ولم نستطع أن نستمع لنرى: هل عقّب الجملة بكلمة: «يرمي» أو لا خلافاً لما هو المشهور، أو على الأقلّ صاحب الكفاية ومن بعده. وتحقيق ذلك موكول إلى محلّه.

الثانية: أنّ احتمال وجود القرينة المتّصلة لو بقي بلا دافع وإن كان يوجب الإجمال كما قلنا، ولكن إذا كانت القرينة المتّصلة المحتملة الوجود لفظيّة، أمكن دفع احتمال وجودها في رواية نحتمل أنّها كانت متّصلة بقرينة من هذا القبيل بشهادة الراوي، فإنّ ظاهر حاله نقل الرواية مع القرائن المكتنفة بها، فسكوته شهادة بالعدم. وأمّا إذا كانت القرينة المتّصلة المحتملة الوجود عبارة عن ارتكاز متشرّعيّ أو عرفيّ (حيث إنّ ارتكازاً من هذا القبيل باعتباره يعتبر مفروغ الوضوح والانتقاش في ذهن المتكلّم والسامع يعدّ قرينة متّصلة) فلا يمكن دفعه بسكوت الراوي; فإنّه ليس من عادته وطبعه نقل القرائن الارتكازيّة، وهذا يوجب إجمال جملة من الظهورات في الروايات; حيث يحتمل اكتنافها بارتكاز من هذا القبيل، فإنّ هذا الاحتمال لا يدفع بسكوت الراوي بحكم المقدّمة الثانية، فيوجب الإجمال بحكم المقدّمة الاُولى.

 
  صفحه 237  

وطبعاً مقصودنا باحتمال ارتكاز من هذا القبيل ليس مطلق الاحتمال العقليّ الناشئ من مثل «كلّما قرع سمعك فذره في بقعة الإمكان» حتّى ينفتح من ذلك باب لإجمال الظهورات في موارد كثيرة جدّاً، وإنّما المقصود الاحتمال العقلائيّ الناشئ من منشأ عقلائيّ يعتدّ به.

ومبنيّاً عليه نقول: إنّ صيغة الأمر وإن كانت بذاتها ظاهرة في الوجوب، ولكن قد يحتمل فيها بمنشأ عقلائيّ أنّها كانت مكتنفة بارتكاز يمنع عن ظهورها في الوجوب سنخ اكتناف أمر المجتهد لأحد اليومَ بصلاة الليل بارتكاز يمنع عن ظهورها في الوجوب، ويوجب حملها على النصيحة والإرشاد; لوضوح عدم معرضيّة صلاة الليل للافتاء بالوجوب، وأهمّ هذه المناشئ هو أن يكون الاتّجاه العامّ في الفقه الشيعيّ للعلماء قديماً وحديثاً عدم القول بالوجوب، فنرفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب بغضّ النظر عن مسألة الإجماع; وذلك لأنّنا نحتمل أنّه كان في زمان الإمام ارتكاز عدم وجوب ذلك ووضوحه المتشرّعيّ بشكل كان يعدّ ذلك قرينة متّصلة على عدم الوجوب، ولا يضرّ بهذا الاحتمال فرض خلاف شاذّ بين العلماء من قبل مثل ابن جنيد، أو ابن أبي عقيل، أو مثل الشيخ في أحد كتبه ونحو ذلك، وإنّما المهمّ كون الاتّجاه العامّ في الفقه هو عدم الوجوب، بينما لو وجد قول معتدّ به بين قدماء الأصحاب بالوجوب، كان ذلك مانعاً عن احتمال ارتكاز من هذا القبيل عند أصحاب الأئمّة احتمالا عقلائيّاً; إذ يقال: لو كان الأمر كذلك، كيف انقلب الحال في أوائل عصر الإفتاء من قبل العلماء إلى رأي معتدّ به يقول بالوجوب؟!

وبهذا نتخلّص من كثير من الأوامر الواردة في باب الصلاة والصوم والحجّ وغيرها الظاهرة بدواً في الوجوب بلا قرينة متّصلة أو منفصلة على الاستحباب أوجبت بلبلة عند الفقهاء; لأنّهم لا يلتزمون بالوجوب، فمن يقول بحجّيّة الشهرة،

 
  صفحه 238  

أو الإجماع المنقول، أو نحو ذلك يعالج المطلب عن هذا الطريق، ولكن من ينكر حجّيّة الشهرة والإجماع المنقول، بل والإجماع المحصّل ما لم يفد الاطمئنان بالحكم، فطريق حلّ المعضل له هو أن يلتفت إلى ما قلناه، فيرى أنّ هناك احتمالا معتدّاً به لافتراض ارتكاز في زمان الإمام يمنع عن انعقاد ظهور الصيغة في الوجوب، فبهذا يرفع اليد عن ظهور أوامر غسل الجمعة وغسل الإحرام في الوجوب، وعن أوامر اُخرى كثيرة في الفقه خصوصاً في قسم العبادات.

 
  صفحه 239  

 

 

 

 

 

دلالة الأمر على المرّة أو التكرار

الجهة السابعة: في دلالة الأمر على المرّة أو التكرار وعدمها.

والكلام في ذلك يقع في مقامين: أحدهما في دلالته على المرّة أو التكرار وضعاً، والثاني في ما يقتضيه الإطلاق بناءً على عدم الدلالة وضعاً:

 

دلالة الأمر على المرّة أو التكرار وضعاً

أمّا المقام الأوّل: فلا ينبغي الإشكال في عدم دلالة الأمر وضعاً على المرّة ولا على التكرار; إذ من الواضح بالوجدان: أنّه لا يستفاد عرفاً من صيغته عدا النسبة الإرساليّة، ومن مادّته عدا أصل الطبيعة.

ويؤيّد ذلك أمران:

الأوّل: أنّه لا يحسّ بمؤونة المجاز حينما يقيّد الأمر بما يخالف ما فرض وضعه له: من مرّة أو تكرار، كأن يقول: «صلِّ مرّة واحدة»، أو يقول: «صلِّ مكرّراً».

الثاني: أنّه لو فرض أخذ المرّة في مفاد الهيئة، وكذا أخذ التكرار فيه الذي معناه ـ  طبعاً  ـ طلب المكرّر، لا الطلب المكرّر، لزم كون طرف النسبة الذي هو معنىً اسميّ مأخوذاً في معنى الهيئة; حيث دلّت على طلب مرّة واحدة أو عدّة مرّات من الصلاة، وهذا معناه: أنّ الأداة التي دلّت على المعنى الحرفيّ والنسبة دلّت في نفس

 
  صفحه 240  

الوقت على طرف النسبة، وهذا أمر غريب غير مألوف في سائر الأدوات الدالّة على المعنى الحرفيّ، ولو فرض أخذ ذلك في المادّة، لزم ـ بناءً على ما هو المعروف: من أنّ المادّة في جميع الصيغ بما فيها صيغة الأمر موضوعة بوضع نوعيّ واحد ـ أن يدلّ المصدر والماضي والمضارع وغير ذلك من اشتقاقاته أيضاً على المرّة أو التكرار، وهذا أيضاً غريب لا يلتزمون به.

 

هل يقتضي إطلاق الصيغة المرّة أو التكرار؟

وأمّا المقام الثاني: فهل يقتضي إطلاق الصيغة المرّة أو التكرار، أو ليس له ضابط نوعيّ كما قالوا؟

الصحيح: أنّ له ضابطاً نوعيّاً، فالطبع الأوّليّ لإطلاق الأمر في المتعلّق يقتضي المرّة بمعنى عدم الانحلال والتعدّد، وفي متعلّق المتعلّق يقتضي التكرار بمعنى الانحلال والتعدّد وإن كان أحياناً يوجد ما يحكم على هذا الطبع الأوّليّ، فلو قال: «أكرم العالم»، اقتضى ذلك بلحاظ الموضوع ـ وهو العالم ـ الانحلال، فيجب إكرام كلّ عالم، لكن بالنسبة إلى أيّ فرد من أفراد العالم لا يلزم أزيد من إكرام واحد.

وهذا أمر واضح عرفاً، إلاّ أنّ الكلام في تفلسف ذلك ونكتته.

فنقول: ليست النكتة في ذلك: أنّ مقدّمات الحكمة في المتعلّق تقتضي الإطلاق البدليّ، وفي الموضوع تقتضي الإطلاق الشموليّ حتّى يقال: كيف يفرّق بينهما مع أنّ مقدّمات الحكمة فيهما واحدة؟! بل الصحيح: أنّ مقدّمات الحكمة لا تقتضي لا البدليّة ولا الشموليّة; ذلك لأنّ وظيفة مقدّمات الحكمة إنّما هي رفض القيود وإثبات أنّ الطبيعة إنّما لوحظت مجرّدة عن كلّ قيد، وأمّا أنّ هذه الطبيعة التي لا قيد فيها هل يكتفى بفرد واحد منها أو لا، فهذا غير مربوط بمسألة تجريد الطبيعة عن القيد التي هي الوظيفة لمقدّمات الحكمة لا أكثر من ذلك، إذن فالإطلاق

 
  صفحه 241  

بالمعنى المستفاد من مقدّمات الحكمة نسبته إلى المرّة والتكرار على حدّ سواء،
ولا يقتضي المرّة ولا التكرار.

وإنّما النكتة في ذلك: أنّ الموضوع قد افترض وجوده في المرتبة السابقة على الأمر، والمتعلّق إنّما يوجد بمحرّكيّة الأمر.

وتوضيح ذلك: أنّ المعروض بالذات للأمر بلحاظ عالم الجعل هي الصورة الذهنيّة للمتعلّق وللموضوع، ولا إشكال في أنّها صورة ذهنيّة واحدة، وأنّ الجعل جعل واحد، فلا معنى للانحلال بلحاظ عالم الجعل والمجعول بالذات ومعروضه في ذلك العالَم الذي هو المنظور لمقدّمات الحكمة، ولكن حينما نأتي إلى عالم التطبيق باعتبار أنّ الصورة الذهنيّة إنّما لوحظت فانية في المعروض بالعرض، وهو المتعلّق الخارجيّ والموضوع الخارجيّ نرى أنّ الموضوع قد فرض له الوجود الخارجيّ في المرتبة السابقة على الأمر، وعرض عليه الأمر، وحيث إنّ له وجودات عديدة وتطبيقات متكرّرة فلا محالة يتعدّد ويتكرّر المحمول عليه من الأمر والوجوب. وأمّا المتعلّق فليس مفروض الوجود في المرتبة السابقة على الأمر، وإنّما يوجد بمحرّكيّة الأمر، فلا معنى لانحلال الأمر بتعدّد وجوده الخارجيّ; إذ لم يعرض على الوجودات الخارجيّة الثابتة في المرتبة السابقة على الأمر، وليس للمتعلّق تطبيقات متعدّدة في المرتبة السابقة على الأمر، وإنّما الأمر يحاول إيجاده.

وبهذا يتّضح: أنّ هذا الانحلال إنّما هو من شؤون عالم التطبيق والفعليّة، لا من شؤون عالم الجعل، فهو ليس من مداليل اللفظ الوضعيّة أو الإطلاقيّة; فإنّ اللفظ بكلّ دلالاته اللفظيّة إنّما ينظر إلى عالم الجعل دون عالم التطبيق والفعليّة.

وبنفس النكتة نقول في النهي أيضاً: إنّ مقتضى الطبع الأوّليّ في الموضوع هو

 
  صفحه 242  

الانحلال(1)، وفي المتعلّق هو عدم الانحلال ووحدة الحكم، ففي النواهي التي لا موضوع لها من قبيل النهي عن القيام أو النطق مقتضى الطبع الأوّليّ عدم الانحلال. وهذا يقتضي أن لا يكون في عالم الفعليّة كعالم الجعل إلاّ حكم واحد، ولكن في عالم الامتثال يكون امتثال هذا الحكم الواحد بترك تمام أفراد الطبيعة، بينما امتثال الحكم الواحد في الأمر يكون بالإتيان بفرد واحد; ذلك لما ذكره في الكفاية في بحث النواهي(2): من أنّ الطبيعة توجد بوجود فرد واحد، ولا تنعدم إلاّ بانعدام كلّ أفرادها، فيكون امتثال الأمر بإتيان فرد واحد، وامتثال النهي بترك كلّ الأفراد، فالفرق بين النهي والأمر إنّما هو بلحاظ عالم الامتثال، وليس راجعاً إلى مسألة كون الحكم في الأمر واحداً وفي النهي متعدّداً، كما لا يكون راجعاً إلى باب دلالة الألفاظ أو مقدّمات الحكمة، وإنّما هو راجع إلى أنّ إيجاد الطبيعة يتحقّق تكويناً بوجود فرد واحد، ولا تنعدم إلاّ بانعدام كلّ الأفراد، فإذا قال: «أكرم العالم»


(1) لا يخفى: أنّ الموضوع في باب النواهي يكون عادةً قيداً للمتعلّق لا موضوعاً مقدّر الوجود; وذلك لقرينة عامّة في المقام، وهي: أنّ غرض المولى ـ  الذي هو التجنّبُ عن مفسدة الفعل، أو تحصيل مصلحة الترك  ـ يحصل عادةً وغالباً في الموارد العرفيّة بالترك الذي هو أعمّ من الترك مع وجود الموضوع، كمن ترك شرب السمّ مع وجود السمّ، والترك مع انتفاء الموضوع، كما لو ترك شرب السمّ قهراً لدى عدم وجود السمّ، ومن هنا ترى عرفاً أنّه يفهم من مثل النهي عن شرب الخمر حرمة إيجاد الخمر لمن لو أوجده لشربه قهراً واضطراراً.

نعم، نحن نلتزم ـ برغم ذلك ـ بالانحلال في باب النواهي في طرف الموضوع الذي هو في الواقع قيد المتعلّق، كما نلتزم به في أصل المتعلّق بالقرينة التي ستذكر في المتن لانحلال النهي بلحاظ المتعلّق.

(2) راجع الكفاية، ج 1، ص 232 ـ 233 بحسب طبعة المشكينيّ.

  صفحه 243  

كان كلّ عالم واجب الإكرام وجوباً واحداً غير منحلّ إلى وجوبات عديدة، وإذا قال: «لا تكرم الفاسق» كان مقتضى الطبع الأوّليّ أن يحرم إكرام كلّ فاسق حرمة واحدة غير منحلّة، بحيث لو أكرم فاسقاً مرّةً، سقط الحكم بالنسبة إلى ذلك الفاسق بالعصيان، إلاّ أنّ هذا الوجوب الواحد يتحقّق امتثاله بإكرام واحد، وهذه الحرمة لا يتحقّق امتثالها إلاّ بترك كلّ إكرام. هذا.

وقد أورد بعض المتأخّرين على ذلك بأنّ القول بكون الطبيعة توجد بوجود فرد واحد، ولا تنعدم إلاّ بانعدام كلّ الأفراد إنّما يتمّ بناءً على فكرة الكلّيّ الهمدانيّ القائلة بأنّ الكلّيّ موجود بوجود فردانيّ له نوع من السعة والعمق والشمول للأفراد، فإنّ الفلاسفة اختلفوا في وجود الكلّيّ الطبيعيّ في الخارج وعدمه، والقائلون بوجوده في الخارج; لكونه عين الفرد; أو كونه مشمولا للأفراد مثلا اختلفوا في أنّه: هل هو موجود بوجود فردانيّ وسيع، نسبته إلى الأفراد نسبة الأب الواحد إلى الأولاد، كما نقله الشيخ الرئيس عن رجل همدانيّ، أو موجود بعدّة وجودات بعدد الأفراد، ونسبته إلى الأفراد نسبة الآباء إلى الأبناء؟

فعلى الأوّل، يصحّ القول بأنّ الكلّيّ الطبيعيّ يوجد بوجود واحد، ولا ينعدم إلاّ بانعدام كلّ الأفراد.

أمّا على الثاني، وهو أن تكون له عدّة وجودات بعدد الأفراد، ففي مقابل كلّ وجود يكون عدم لا محالة، لا أنّ له عدماً واحداً عند انعدام كلّ الأفراد(1).

والتحقيق: أنّ هذا الكلام غير صحيح، فإنّ فيه خلطاً بين التناقض بلحاظ عالم الخارج والتناقض بلحاظ عالم المفاهيم الذهنيّة.

توضيح ذلك: أنّه لو كان يصبّ المولى أمره ونهيه على ما في الخارج ابتداءً،


(1) راجع نهاية الدراية، ج  2، ص  82 بحسب طبعة مطبعة الطباطبائيّ بقم.

  صفحه 244  

لا بتوسيط المفاهيم الذهنيّة ومرآتيّتها، لصحّ أن يقال: إنّه بناءً على كون الكلّيّ له وجودات عديدة في الخارج بعدد الأفراد، لا محالة تكون له أيضاً أعدام عديدة بعدد الأفراد، لكن هذا غير معقول، فإنّ الأمر والنهي من الاُمور الذهنيّة والنفسيّة، فيجب أن يعرض على المفاهيم الذهنيّة بلحاظ فنائها فيما في الخارج، وبحسب عالم المفاهيم الذهنيّة ليس للكلّيّ الطبيعيّ إلاّ مفهوم واحد نسبته إلى المصاديق الخارجيّة نسبة الأب إلى الأولاد، فهو ـ لا محالة ـ يوجد في الخارج بوجود فرد واحد، ولا ينعدم إلاّ بانعدام تمام الأفراد.

ثُمّ إنّه قد ظهر بما ذكرناه: أنّ الشموليّة والبدليّة بالمعنى الذي بيّنّاه بلحاظ الموضوع والمتعلّق يختلف عن الشموليّة والبدليّة الوضعيّة في باب العمومات.

وتوضيح ذلك: أنّه في باب العموم قد يفرض: أنّ أداة العموم وضعت للعموم الشموليّ، ككلمة «كلّ» في قوله: «أكرم كلّ عالم»، وقد يفرض: أنّها وضعت للعموم البدليّ، كما لو قيل: إنّ كلمة «أيّ» في قوله: «أكرم أيّ عالم» موضوعة لذلك، فالفرق بالشموليّة والبدليّة هنا داخل في مدلول الخطاب، وراجع إلى تشخيص كيفيّة لحاظ المولى; حيث إنّ المولى في باب العموم يصبّ نظره على الأفراد بنحو إجماليّ، لا إلى ذات الطبيعة بغضّ النظر عن الأفراد، فتارةً يلحظها شموليّاً، واُخرى بدليّاً.

وأمّا فيما نحن فيه، فالفرق بين المتعلّق والموضوع لا يرجع إلى باب دلالة الألفاظ، ولا إلى لحاظ المولى، فإنّ كلاًّ من الموضوع والمتعلّق في «أكرم العالم» قد دلّ على ذات الطبيعة من دون أن يكون أحدهما دالاًّ على البدليّة والآخر على الشمول، والمولى أيضاً لم يلحظ عدا ذات الطبيعة، وإنّما الشموليّة والبدليّة هنا من شؤون عالم التطبيق والفعليّة; حيث إنّ الموضوع يكون مفروض الوجود في المرتبة السابقة على الحكم، فله تطبيقات متعدّدة سابقة، فتتعدّد بذلك ـ  لا محالة  ـ

 
  صفحه 245  

تطبيقات الحكم، بينما لا يكون المتعلّق مفروض الوجود حتّى يتعدّد الحكم في عالم التطبيق والفعليّة بعدد وجوداته، وإنّما الأمر نفسه يدعو إلى الإيجاد، فلا معنى للانحلال.

نعم، ما قلناه: من عدم انحلال الحكم بلحاظ المتعلّق وانحلاله بلحاظ الموضوع إنّما هو بحسب الطبع الأوّليّ للمطلب، وقد يوجد ما يحكم على الطبع الأوّليّ فيوجب في الموضوع عدم الانحلال، أو يوجب في المتعلّق الانحلال.

أمّا ما يوجب في الموضوع عدم الانحلال، فنمثّل له بالتنوين في «أكرم عالماً»، فإنّ التنوين يدلّ على تقييد الطبيعة بقيد الوحدة، وعندئذ لا يقبل الانطباق على عدّة أفراد في عرض واحد; لأنّ الانطباق على عدّة أفراد خلف الوحدة، فلا محالة يقف الحكم على الماهيّة من دون انطباق وانحلال على الأفراد.

وأمّا ما يوجب في المتعلّق الانحلال فنمثّل لذلك بالنكتة الموجودة في النهي.

وتوضيح ذلك: أنّ مقتضى الطبيعة الأوّليّة للنهي أن يكون كالأمر غير منحلّ بلحاظ المتعلّق، فحينما يقول: «لا تقم» يحرم عليه القيام حرمة واحدة بلا انحلال، فإذا قام مرّة واحدة سقط التكليف بالعصيان، ولم يحرم عليه القيام مرّةً اُخرى، ولكن حيث إنّ الغالب في مبادئ النهي هو قيامها بالأفراد بنحو التعدّد بعددها، فالنهي: إمّا ينشأ من مفسدة في الفعل، والغالب: أنّ تلك المفسدة توجد في كلّ فرد مستقلاًّ، أو ينشأ من مصلحة في الترك، والغالب: أنّ تلك المصلحة توجد في ترك كلّ فرد مستقلاًّ، فقد أوجبت هذه الغلبة ظهوراً للكلام في إرادة تحريم الطبيعة بشكل الانحلال، بينما الأمر ينشأ: إمّا من مصلحة في الفعل، أو من مفسدة في الترك، وليس الغالب في مصلحة الفعل أو مفسدة الترك وجودها في كلّ فرد فرد مستقلاًّ، فلم ينعقد للأمر ظهور يحكم على مقتضى الطبيعة الأوّليّة له. هذا.

وما ذكرناه: من أنّ مقتضى الطبيعة الأوّليّة للأمر والنهي عدم الانحلال بلحاظ

 
  صفحه 246  

المتعلّق، والانحلال بلحاظ الموضوع يجري أيضاً بنفس النكتة في الإخبار،
فحينما يقال مثلا: «العالِم نافع»، فالعالِم موضوع للإخبار عنه بالنافعيّة مفروض الوجود، فهو لا يخبر عن وجود العالم، بل يقول: إنّ العالم على تقدير وجوده نافع، وذلك ينحلّ إلى عدّة إخبارات بعدد العلماء، بينما النفع متعلّق للإخبار; حيث إنّه هو المخبر به، وليس مفروض الوجود سابقاً، فلا ينحلّ ذلك إلى الإخبار بكلّ نفع، ولا يفيد أكثر من وجود نفع ما في الجملة للعالم.

وإن شئت بياناً أوضح لنكتة الانحلال في الموضوع وعدمه في المتعلّق، سواء كان في الإنشاء والطلب، أو في الإخبار والحكاية، قلنا: إنّ الموضوع يفرض مقدّر الوجود، فحينما يقول: «أكرم العالم» لا يطلب بهذا إيجاد العالم، ثُمّ إكرامه، بل يفترض وجود العالم، فيحكم بإكرامه، وحينما يقول: «العالم نافع» لا يتكفّل الإخبار بوجود العالم، بل يفترض وجوده ويخبر بنافعيّته على تقدير وجوده، وهذا معناه: أنّه ترجع القضيّة إلى قضيّة شرطيّة، فكأ نّما يقول: «إذا كان العالم موجوداً، فأكرمه»، أو «إذا كان العالم موجوداً، فهو نافع»، وإذا رجعت القضيّة إلى قضيّة شرطيّة، تصبح فعليّة الجزاء تابعة ـ لا محالة ـ لفعليّة الشرط، وليس المتكلّم الآن يُملي ويفرض علينا فعليّة الجزاء بغضّ النظر عن الشرط; لأنّ هذا خلف القضيّة الشرطيّة، فإذا أصبحت فعليّة الجزاء مرتبطة بفعليّة الشرط وتابعة لها، فلا محالة تتعدّد فعليّة الجزاء بتعدّد فعليّة الشرط(1).

وأمّا المتعلّق فليس مفروض الوجود وراجعاً إلى الشرط، فليس معنى «أكرمه»: أنّه إذا وجد الإكرام فقد وجب، فإنّ هذا طلب للحاصل، وليس معنى «العالم نافع»: أنّه إذا وجد نفع للعالم فالعالم نافع، فإنّ هذه قضيّة بشرط المحمول، ولا تكشف عن وجود النفع للعالم، بينما المقصود هو الكشف عن وجود النفع له،


(1) لأنّ نسبة فعليّة الجزاء إلى تمام فعليّات الشرط على حدّ سواء.

  صفحه 247  

فإذا لم ترجع القضيّة بلحاظ المتعلّق إلى قضيّة شرطيّة، إذن ففعليّتها لا تتبع فعليّة المتعلّق، بل المتكلّم هو يُملي علينا فعليّة الطلب أو الإخبار الآن، من دون ربط لفعليّة ذلك بفعليّة المتعلّق، ولا دليل من هذا الطلب أو الإخبار على تعدّد الفعليّة، فلا محالة لا توجد إلاّ فعليّة واحدة. هذا.

والفارق الموجود بين الأمر والنهي من حيث إنّ الطبيعة توجد بوجود فرد واحد، ولا تنعدم إلاّ بانعدام كلّ الأفراد، ولذا يكفي في امتثال الأمر الإتيان بفرد واحد، ولا يمتثل النهي إلاّ بترك كلّ الأفراد موجود أيضاً في الإخبار بالإيجاب والإخبار بالنفي، فحينما يقال: «العالم موجود» لا يدلّ على أكثر من إثبات عالم واحد، وحينما يقال: «العالم ليس بموجود» يدلّ على نفي كلّ فرد من أفراد العلماء; لأنّ الطبيعة توجد بوجود فرد واحد، ولا تنعدم إلاّ بانعدام كلّ الأفراد.

وإذا قال: «الجاهل ليس بنافع» فالنفي يستغرق كلّ أفراد الجاهل بنكتة الانحلال; لأنّه موضوع مقدّر الوجود، ويستغرق كلّ أفراد النفع، لا بنكتة الانحلال، بل بنكتة: أنّ النفع لا ينتفي إلاّ بانتفاء كلّ أفراده، ولهذا لو وجد نفع واحد للجاهل تبيّن كذب هذا الخبر نهائيّاً; لعدم الانحلال، وفرض وجود نفع آخر أو عدمه ـ  بعد أن فرض وجود نفع ما  ـ نسبته إلى هذا الإخبار على حدّ سواء، بينما لو وجد جاهل واحد نافعاً، لم يتبيّن كذب هذا الخبر نهائيّاً بحيث يكون فرض وجود جاهل آخر نافع أو عدمه نسبته إلى هذا الإخبار على حدّ سواء.

ومقصودنا بالموضوع الذي نقول عنه: إنّ مقتضى الطبيعة الأوّليّة للحكم بلحاظه الانحلال ليس هو كلّما يكون مقدّر الوجود ثبوتاً، أو كلّما كان متعلّق المتعلّق، وإنّما المقصود خصوص ما يكون نفس الكلام بحسب الفهم العرفيّ دالاًّ على كونه مقدّر الوجود، كالعالم في «أكرم العالم». وأمّا ما لم تكن للكلام دلالة عرفاً على كونه مقدّر الوجود، من قبيل التراب والماء في «تيمّم بالتراب، وتوضّأ بالماء» فلا ينحلّ الحكم بتعدّد أفراده وإن كان هو متعلّق المتعلّق; وإذا عرفنا من الخارج أنّ

 
  صفحه 248  

هذا مقدّر الوجود ثبوتاً، لم يشفع ذلك للانحلال كما هو الحال في هذين المثالين، حيث إنّهم لا يفتون بوجوب إيجاد الماء أو التراب مع الإمكان عند عدم وجوده، وإنّما يقولون بوجوب الوضوء أو التيمّم إذا وجد الماء أو التراب، ولكن مع ذلك لا يكون الحكم بالتيمّم بالتراب أو الوضوء بالماء بحسب الفهم العرفيّ لهذا الكلام انحلاليّاً، بأن يجب التيمّم بكلّ تراب، والوضوء بكلّ ماء.

والسرّ في ذلك: أنّه بنفس دلالة هذا الكلام لم يفهم فرض وجود التراب أو الماء وإن فهمنا ذلك من الخارج، ولو كنّا نحن وهذا الكلام، لكنّا نقول بوجوب إيجاد الماء أو التراب مع الإمكان للوضوء أو التيمّم.

ثُمّ إنّ ما ذكرناه في النهي: من أنّ مقتضى القاعدة الأوّليّة بلحاظ المتعلّق هو عدم الانحلال، ووجود نهي واحد لا يمتثل إلاّ بترك كلّ الأفراد، ومقتضى القرينة العامّة الثانويّة هو الانحلال لا فرق فيه بين الأفراد العرضيّة والطوليّة، فكما أنّه في الأفراد العرضيّة نقول بأنّه بحسب مقتضى القاعدة الأوّليّة هناك نهي واحد لابدّ لأجله ترك كلّها، وبحسب القرينة العامّة وهي تعدّد مبادئ النهي غالباً بتعدّد الأفراد ينحلّ النهي بعدد الأفراد، كذلك الحال تماماً في الأفراد الطوليّة، هذا في جانب النهي.

وأمّا في جانب الأمر فقد عرفت: أنّ مقتضى القاعدة فيه بلحاظ المتعلّق عدم الانحلال، وأنّه في امتثاله يكتفى بفرد واحد.

 

الامتثال بأكثر من فرد:

وهل يمكن الامتثال بأكثر من فرد واحد أيضاً، أو لا؟

لا ينبغي الإشكال في إمكان الامتثال بمجموع فردين عرضيّين; لأنّ المأمور به هو الطبيعة، وهي غير مقيّدة بقيد الوحدة، فهي موجودة في ضمن فرد وفي ضمن فردين، وجامعة بين الفرد والفردين، فيتمّ التخيير العقليّ بين الفرد والفردين، هذا في الفردين العرضيّين.

 
  صفحه 249  

وأمّا في الفردين الطوليّين، فالتحقيق: أنّه لا يمكن الامتثال بمجموعهما بالرغم من أنّ الطبيعة هنا أيضاً نسبتها إلى الفرد والفردين على حدّ سواء; وذلك لأنّه وإن لم يكن ضيق في ذات الواجب يوجب عدم الانطباق على مجموع الفردين الطوليّين، لكن هناك ضيق في الوجوب، أو قل: في الواجب بما هو واجب; ذلك لأنّ الوجوب يسقط قهراً بمجرّد الإتيان بالفرد الأوّل; لتحقّق متعلّقه خارجاً، فلا يبقى مجال لافتراض امتثال الأمر بمجموع فردين، وافتراض التخيير العقليّ بين الفرد الواحد والفردين كما كنّا نفترضه في العرضيّين.

نعم، يمكن افتراض امتثال الأمر بمجموع فردين طوليّين على أساس التخيير الشرعيّ بالنحو الذي يتصوّره صاحب الكفاية في التخيير بين الأقلّ والأكثر، بأن يخيّرنا المولى بين التسبيحة الواحدة بشرط لا وثلاث تسبيحات مثلا(1)، لكن هذا يحتاج إلى مزيد مؤونة في البيان، وصياغة خاصّة في الخطاب، ولا يثبت بمجرّد إطلاق الأمر بالتسبيح مثلا. هذا.

 

تبديل الامتثال بفرد آخر:

وهل يمكن تبديل الامتثال من فرد إلى فرد آخر، أو لا؟

ذهب المحقّق الخراسانيّ إلى أنّ نسبة الغرض إلى المتعلّق لو كانت هي نسبة المعلول إلى العلّة، لم يمكن ذلك; لأنّه بمجرّد الإتيان بالفرد الأوّل يحصل الغرض، وبه يسقط الأمر، فلا مجال لتبديل الامتثال، ولكن حينما تكون نسبته إلى المتعلّق نسبة المقتضى إلى المقتضي، كما لو كان المولى عطشاناً فطلب الماء فقدّم العبد له الماء، وقبل أن يشربه ويرتفع العطش فكّر العبد في تبديل الماء بالإتيان بماء آخر،


(1) راجع الكفاية، ج  1، ص  227 ـ 228 بحسب طبعة المشكينيّ.

  صفحه 250  

فهنا يمكن تبديل الامتثال قبل حصول الغرض; لأنّ الأمر باق ببقاء الغرض الذي دعا إليه(1).

وهذا الكلام قد نوقش فيه من قبل المحقّق الإصفهانيّ والسيّد الاُستاذ وغيرهما، وقبل الدخول في نقاشه ننبّه على خروج فرضيّة من محل الكلام، وهي ما لو كان للواجب شرط متأخّر، فترك الشرط وأتى بفرد آخر، من قبيل ما لو أمره المولى بأن يأتي له بماء ويجعله في الغرفة، ويبقيه فيها إلى أن يدخل المولى الغرفة، فأتى بماء وجعله في الغرفة، ثُمّ قبل أن يأتي المولى سكب الماء وأتى بماء آخر، فمثل هذا هدم للامتثال الأوّل لا تبديل له مع اكتمال الامتثال الأوّل، ولا إشكال فيه، وهو خارج عن محلّ النزاع.

وأمّا النقاش الذي ذكروه في كلام المحقّق الخراسانيّ فهو: أنّ الغرض من الأمر دائماً يتحقّق بنفس الإتيان بمتعلّقه، ولهذا أصبح داعياً للمولى إلى الأمر. وأمّا ما قد يتراءى في مثل الأمر بإحضار الماء: من أنّ الغرض لا يحصل بالامتثال; لأنّ العطش لا يرتفع بمجرّد إحضار الماء، فهو على أساس الخلط بين الغرض الأدنى والغرض الأقصى، فإنّ الغرض الأقصى هو الارتواء، والغرض الأدنى هو التمكّن من الارتواء ورفع العطش بسهولة، وهذا الغرض الأدنى هو الغرض من أمره بإحضار الماء، وهو يحصل بمجرّد إحضار الماء(2).

والصحيح: أنّه لا يمكن المساعدة لا على كلام المحقّق الخراسانيّ ، ولا على


(1) راجع الكفاية، ج  1، ص  122 و 127 ـ 128 بحسب طبعة المشكينيّ.

(2) راجع نهاية الدراية، ج  1، ص  220 و 227 بحسب طبعة مطبعة الطباطبائيّ بقم، وراجع المحاضرات للفيّاض، ج  2، ص  309 ـ 310 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

  صفحه 251  

هذا النقاش، فنحن نبني على أنّ ثبوت الأمر وسقوطه تابع لإمكانيّة التحريك وعدمه الذي يكون بتحقّق الامتثال وعدمه، وليس تابعاً لبقاء الغرض وعدمه خلافاً للمحقّق الخراسانيّ ووفاقاً للمناقش، وعلى أنّ الغرض يمكن أن لا يحصل بمجرّد الإتيان بالمتعلّق خلافاً للمناقش ووفاقاً للمحقّق الخراسانيّ ، فلنا كلامان:

الكلام الأوّل مع المحقّق الخراسانيّ : وهو ما مضى في مسألة التعبّديّ والتوصّليّ، حيث كان يقول : إنّ الأمر التعبّديّ متعلّق بذات الفعل، لكنه لا يسقط بالإتيان بمتعلّقه بدون قصد القربة; لأنّه لا يحصل بذلك الغرض، وقد قلنا هناك: إنّه إذا أتى بالمتعلّق بدون قصد القربة، فهل الأمر الباقي يفترض أمراً بذات الطبيعة القابلة الانطباق على ما أتى به كما كان منذ البدء متعلّقاً بذلك، أو يفترض أمراً بالطبيعة بقيد كونها في ضمن فرد آخر؟

فإن فرض الأوّل، فهذا محال; لكونه طلباً للحاصل، ولا يمكن التحريك نحو متعلّق قد حصل خارجاً ببعض أفراده. وإن فرض الثاني فهو أيضاً محال; لأنّ هذا معناه: تبدّل متعلّق الأمر مع وحدة الأمر، ففي زمان كان متعلّقاً بالطبيعة بما هي شاملة للفرد الأوّل الذي أتى به، وبعده تعلّق بما عدا ذلك الفرد، وهو غير معقول.

والكلام الثاني مع المناقش كالسيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ وهو: أنّ الغرض قد لا يحصل بمجرّد العمل بالأمر كما هو الحال في مثال «اسقني ماءً»; وذلك لأنّ الغرض الأدنى الذي هو التمكّن من الارتواء وشرب الماء بلا مؤونة إنّما هو غرض مقدّميّ، ويكون مقدّمة للغرض الأقصى وهو الارتواء، وليس غرضاً نفسيّاً، والمختار وفاقاً للسيّد الاُستاذ في الأغراض المقدّميّة هو ما سنحقّق في مبحث وجوب المقدّمة ـ إن شاء الله ـ من أنّ الغرض إنّما يتعلّق بالحصّة الموصلة، وهذا معناه: أنّ متعلّق الغرض كأ نّما هو مركّب بالتحليل من التمكّن من الارتواء ومن

 
  صفحه 252  

إيصال ذلك إلى الارتواء على تحقيق وتفصيل يأتي ـ إن شاء الله ـ في محلّه.

إذن فالتمكّن من الارتواء يكون غرضاً ضمنيّاً لا غرضاً مستقلاًّ، والغرض الضمنيّ لا يحصل خارجاً إلاّ في ضمن الغرض المستقلّ، إذن فما لم يحصل الارتواء لم يحصل الغرض.

ولا يقال: قد حصل نصف الغرض، وهو الذي أوجب الأمر، فإنّ نصف الغرض إنّما يحصل في ضمن حصول تمام الغرض، كما لا يقال: قد حصل كلّ الغرض; لأنّ جزءاً منه وهو التوصّل إلى الارتواء غير حاصل.

وهذا الذي ذكرناه يأتي في الغرض النفسيّ أيضاً، أي: أنّ الغرض النفسيّ أيضاً قد لا يحصل بمجرّد الإتيان بمتعلّق الأمر; لكونه ضمنيّاً لا يتحقّق إلاّ في ضمن الغرض المستقلّ، وذلك كما لو كان الغرض النفسيّ الواحد متعلّقاً بمجموع أمرين: أحدهما خارج عن قدرة المكلّف، والآخر عمل مقدور للمكلّف، فأمر المولى بالجزء المقدور برجاء حصول الجزء غير المقدور خارجاً بحسب الصدفة، فالأمر قد تعلّق بالجزء المقدور، ولكن الإتيان به لا يساوق حصول الغرض; إذ الغرض كان ضمنيّاً لا يحصل إلاّ في ضمن الغرض المستقلّ.

ولا يقال: كيف يكون ذلك مع أنّ الأمر يجب أن يكون مطابقاً للغرض؟ فإنّه يقال: إنّ هذا إنّما يكون فيما لو لم يكن جزءاً ممّا هو دخيل في الغرض لا يمكن الأمر به، فيأمر المولى بالجزء الآخر رجاء حصول ذلك الجزء ولو صدفة.

 

ما يستظهر من روايات إعادة الصلاة جماعة:

يبقى الكلام في فرع فقهيّ قد يجعل من مصاديق تبديل الامتثال، وهو ما ورد من إعادة الصلاة حينما تُرى الجماعة قائمة، فلنرَ أنّه: هل يمكن أن يستظهر من روايات هذا الفرع خلاف ما توصّلنا إليه من عدم إمكان تبديل الامتثال، أو لا؟

 
  صفحه 253  

فنقول: إنّ روايات هذا الفرع يمكن تقسيمها على ثلاث طوائف:

الطائفة الاُولى: ما وردت بعنوان أصل الحكم بالإعادة لا أكثر من ذلك(1)، وفيها ما يكون تامّ السند، لكن من الواضح: أنّ هذا لا يدلّ على كون ذلك من باب تبديل الامتثال; إذ لعلّ هذا أمر جديد استحبابيّ(2) له امتثال جديد، ومجرّد كون هذه الصلاة الثانية أيضاً معنونة بعنوان صلاة الظهر مثلا كالاُولى لا يلزم كونها تبديلا لامتثال الأمر الأوّل.

الطائفة الثانية: ما جاء فيها جملة (يجعلها الفريضة)، وهي روايتان: إحداهما ضعيفة السند، والاُخرى تامّة السند، وهي ما رواها الصدوق بإسناده عن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله : «أنّه قال في الرجل يصلّي الصلاة وحده، ثُمّ يجد جماعة، قال: يصلّي معهم ويجعلها الفريضة إن شاء»(3).

فقد يقال: إنّ هذا يدلّ على تبديل الامتثال; حيث إنّه يقول: «يجعلها الفريضة إن شاء»، ومعنى جعلها الفريضة: عدّها امتثالا للأمر الوجوبيّ الذي كان.

ويمكن الجواب على ذلك بعدّة وجوه:

الأوّل: أنّه من المحتمل كون المقصود من جعلها فريضة: أنّه يصلّي فرضاً قضاءً


(1) راجع وسائل الشيعة، ج  8 بحسب طبعة آل البيت، ب 54 من صلاة الجماعة.

(2) وبهذا يجاب أيضاً على مسألة استحباب إعادة صلاة الكسوف قبل الانجلاء كما ورد الأمر به في صحيحة معاوية بن عمّار، راجع ج  7، ب 8 من صلاة الآيات، ح  1.

(3) وسائل الشيعة، ج  8، باب 54 من أبواب صلاة الجماعة، ح  1، ص  401 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.

ولم أجد في الوسائل ما يكون ضعيف السند بهذا المضمون. وفي نفس الباب رواية اُخرى تامّة السند بهذا المضمون مع حذف جملة «إن شاء»، وهي الرواية 11 من الباب، ص  403 بسند صحيح عن حفص بن البختريّ.

  صفحه 254  

من الفرائض التي فاتته(1) في مقابل التطوّع والنافلة، حيث إنّ الجماعة في صلاة التطوّع باطلة(2).

إلاّ أنّ هذا خلاف الظاهر جدّاً; وذلك لمكان اللام في (الفريضة) الظاهرة في الإشارة إلى نفس الفرض السابق، ولمكان «إن شاء»، فإنّه لو كان المقصود ذلك، لما كان شيئاً راجعاً إلى مشيّته; إذ عدم الجماعة في صلاة التطوّع حكم عزيمتيّ، إلاّ أن يفرض: أنّ كلمة «إن شاء» لا ترجع إلى قوله: «يجعلها الفريضة» بل ترجع إلى مجموع قوله: «يصلّي معهم ويجعلها الفريضة»، فيكون معنى ذلك: إن شاء يصلّي معهم ويجعلها الفريضة، وإن لم يشأ لم يصلِّ، إلاّ أنّ هذا أيضاً خلاف الظاهر; فإنّ ظاهر سياق الحديث هو المفروغيّة عن أنّه يشاء إعادة الصلاة جماعة إن كان ذلك مشروعاً، وإنّما يسأل عن مشروعيّته، وليس هناك مجال لتوهّم وجوب الصلاة مرّة ثانية حتّى يرفع هذا التوهّم بقوله: «إن شاء».

الثاني: أنّه لعلّ عنوان الفريضة اُخذ معرّفاً ومشيراً إلى ذات صلاة الظهر مثلا(3); حيث إنّ صلاة الظهر فريضة في نفسها وإن صارت مستحبّة أحياناً، كما أنّ صلاة الليل مثلا تطوّع في نفسها وإن وجبت أحياناً، إذن فترجع هذه الطائفة إلى الطائفة الاُولى الذاكرة لمجرّد إعادة الصلاة.

وهذا أيضاً خلاف الظاهر جدّاً، فإنّه:

أوّلا: أنّ الحمل على المعرّفيّة الصرف يحتاج إلى قرينة، فإنّ الظاهر الأوّليّ لأخذ كلّ عنوان هو الموضوعيّة.


(1) كما هو مفاد حديث إسحاق بن عمّار، باب 55 من تلك الأبواب، ص  404.

(2) هذا أحد الأجوبة التي ذكرها الشيخ الإصفهانيّ ، راجع نهاية الدراية، ج  1، ص  230 بحسب طبعة مطبعة الطباطبائيّ بقم.

(3) هذا أيضاً أحد الأجوبة التي ذكرها الشيخ الإصفهانيّ ، راجع نفس المصدر.

  صفحه 255  

وثانياً: أنّ هناك فرقاً كبيراً بين الأمر بالإعادة وبين قوله: «يجعلها الفريضة» أي: يجعلها تلك الصلاة، فإنّ الأمر بالإعادة ينسجم مع افتراض كونه أمراً جديداً له امتثال مستقلّ، ويكون الممتثل به حاملا لنفس عنوان صلاة الظهر مثلا، ويكون ذلك من قبيل أن يقول: يصلّي ويجعلها صلاة ظهر. أمّا لو قال: يصلّي ويجعلها تلك الصلاة ـ  على ما هو مستفاد من اللام  ـ فمن الواضح: أنّ هذا ظاهره: أنّ هناك صلاة ظهر واحدة، وقد أصبحت هي هذه لا السابقة.

وثالثاً: أنّ فرض كون المقصود مجرّد الإعادة بأن يصلّي صلاة بعنوان صلاة الظهر لا ينسجم مع ظاهر قوله: «إن شاء»; لأنّ ظاهر سياق الرواية هو السؤال عن إعادة صلاة الظهر بعنوان صلاة الظهر، أي: هو يشاء ذلك على تقدير مشروعيّته.

الثالث: أن يقال: إنّ الرواية واردة فيمن هو مشغول بالصلاة ويجد الجماعة قبل فراغه عن الصلاة(1)، وذلك بقرينة(2) التعبير بصيغة المضارع دون الماضي، حيث قال: «في الرجل يصلّي... إلخ».

إذن، فمعنى الرواية: أنّه إذا وجد الجماعة في أثناء الصلاة، فإن شاء يقطعها أو يقلبها نافلة مثلا، ويصلّي الفريضة مع الجماعة. وإن شاء يكمل صلاته ويصلّي صلاة اُخرى قضاءً مثلا مع الجماعة.

وهذا أردأ الوجوه; فإنّه:


(1) هذا ما ذكره الشيخ الطوسيّ في التهذيب في ذيل صحيحة حفص بن البختريّ، أي: في ذيل الرواية 176 من الجزء الثالث من التهذيب، ص 50 بحسب طبعة الآخونديّ، والوارد في تعبير الشيخ: فليجعلها نافلة، ثمّ يصلّي في جماعة.

(2) هذه القرينة نقلها الشيخ الإصفهانيّ في نهاية الدراية، ج  1، ص  229 تحت الخطّ بحسب طبعة مطبعة الطباطبائيّ بقم عن الوحيد.

  صفحه 256  

أوّلا: التعبير بفعل المضارع لا يشفع للحمل على وجدانه للجماعة في أثناء الصلاة بعد أن عبّر بكلمة «ثُمّ»، حيث قال: «يصلّي وحده ثُمّ يجد جماعة»، فهذا ـ كماترى ـ ظاهر في الفراغ عن الصلاة.

وثانياً: يلزم من ذلك: أنّ الإمام لم يبيّن بالمطابقة الحكم العمليّ الفعليّ لهذا الشخص بالنسبة إلى ما بيده من الصلاة، وإنّما بيّن حكماً آخر وهو الإتيان بالفريضة مع الجماعة إن شاء، فيفهم منه بالملازمة جواز قطع هذه الصلاة أو قلبها إلى النفل. وهذا خلاف المحاورة العرفيّة جدّاً، بينما لو فرض أنّ السؤال راجع إلى ما بعد تماميّة الصلاة، فالإمام قد أجاب عن الوظيفة العمليّة الفعليّة له بالمطابقة لا الالتزام.

والصحيح هو: أنّ غاية ما تدلّ عليه هذه الرواية هي أنّه بإمكان هذا المصلّي أن يجعل هذه الصلاة هي تلك الفريضة، ويسحب عنوان الواجب عن الفرد الأوّل ويطبّقه على الثاني، وهذا لا ينحصر وجهه في تبديل الامتثال الذي أثبتنا استحالته، بل ينسجم مع فرضيّة اُخرى أيضاً، وهي أن يقال: إنّ الواجب كان مشروطاً بشرط متأخّر، من قبيل أن لا يأتي بعد ذلك بفرد آخر أفضل مثلا بنيّة تطبيق الفريضة عليه، فإتيانه بهذا الفرد هدم للامتثال الأوّل بإعدام شرطه والإتيان بامتثال آخر، وهذا هو ما ذكرنا منذ البدء: أنّه لا إشكال فيه، وأنّه خارج عن محلّ النزاع.

فإن قلت: إنّ فرض مشروطيّة الواجب بشرط متأخّر من هذا القبيل ينفيه إطلاق المادّة في ذلك الواجب.

قلت: أوّلاً: ليس الكلام في تنجيز حكم أو التعذير عنه حتّى يتمسّك بهذا الصدد بالإطلاق، وإنّما الكلام في أنّنا قد أقمنا برهاناً عقليّاً على استحالة تبديل الامتثال، فلو فرض ورود نصّ من الإمام ظاهر فيما فرضناه محالا، كان هذا نقطة ضعف في كلامنا، فإنّه وإن كان الدليل النقليّ الظنّيّ لا يقابل الدليل العقليّ القطعيّ، وعند

 
  صفحه 257  

التعارض معه يطرح أو يؤوّل، ولكن بالأخرة قد تُشكَّل بواسطة ظهور الخبر قرينةٌ ناقصةٌ على احتمال الاشتباه والخطأ في ما ادّعيناه وبرهنّا عليه، والمقصود كان دفع هذه القرينة الناقصة بأن لا تبقى قرينة عقلائيّة معتدّ بها على الخلاف، ويكفي في ذلك ما بيّنّاه: من أنّه لا ظهور لكلام الإمام في خلاف ما ادّعيناه; لانسجامه مع فرض الشرط المتأخّر للواجب، وأمّا مجرّد كون ذلك خلاف إطلاق المادّة في دليل الواجب، فلا يشكّل قرينة معتدّ بها توجب نقطة ضعف في كلامنا ودليلنا.

نعم، الإطلاق حجّة يؤخذ به في مقام التنجيز والتعذير، ونحن لم نكن بصدد الكلام عن تنجيز وتعذير.

وثانياً: أنّنا لا نقبل إطلاقاً للواجب في مثل «أقيموا الصلاة» ونحوه، وإنّما نستفيد الإطلاق من الصلوات البيانيّة. ومن الواضح: أنّ الصلوات البيانيّة لم تكن بصدد البيان من ناحية ما لو جاء بعد ذلك بفرد أفضل حتّى ينعقد لها إطلاق لنفي هذا الشرط المتأخّر.

الطائفة الثالثة: ما وردت بلسان «إنّ الله يختار أحبّهما»(1)، فقد يقال: إنّ هذه تدلّ على تبديل الامتثال، فإنّ معنى اختيار الأحبّ هو تعيينه في مقام أداء الوظيفة، فإذا كان الثاني هو الأحبّ والأكمل عيّن; لكونه هو الامتثال للوظيفة. وهذا معناه: تبديل الامتثال.


(1) الوسائل، ج  8 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، باب 54 من صلاة الجماعة، ح  10، ص  403.

وفي مرسلة الصدوق: «يحسب له أفضلهما وأتمّهما»، راجع الفقيه، ج  1 بحسب طبعة الآخونديّ، ح 1133، وتكون هذه الرواية من هذه الطائفة إن قُرئ «أفضلهما وأتمّهما» بالرفع.

  صفحه 258  

والجواب عن ذلك ـ  بغضّ النظر عن ضعف سند هذه الطائفة  ـ هو سنخ الجواب الذي ذكرناه عن الطائفة الثانية، فنقول: إنّ غاية ما يستفاد من هذه الطائفة هي اختيار الله تعالى لما هو أحبّ إليه من العملين لتطبيق الوظيفة عليه. وهذا كما ينسجم مع تبديل الامتثال كذلك ينسجم مع فرض كون الواجب مقيّداً بشرط متأخّر، وهو أن لا يأتي بعد ذلك بفرد أفضل وأحبّ إلى الله تبارك وتعالى، فيكون الإتيان بذلك هدماً للامتثال الأوّل بفقد شرطه، وإيجاداً لامتثال آخر. وهذا غير تبديل الامتثال المتنازع فيه.

ومعه لا حاجة في مقام الجواب عن هذه الطائفة إلى أن يقال: إنّه لعلّ المقصود هو اختيار الله تبارك وتعالى لأفضل الفردين في مقام الثواب، لا في الجانب الوظيفيّ(1).

وهذا الجواب خلاف الظاهر; فإنّه:

أوّلا: يكون ظاهر سياق الكلام وتعبيره هو الاختيار بلحاظ الجانب الوظيفيّ، لا الجانب الثوابيّ.

وثانياً; أنّ ظاهر قوله: «يختار أحبّهما» أنّ الأمر في الاختيار دائر بين هذين الفردين، وذلك بحيث لا يختاران معاً، وهذا إنّما يكون في الجانب الوظيفيّ. وأمّا في جانب الثواب، فيثبت كلّ من الثوابين بحدّه بحكم العقل; لأنّ كلاًّ منهما له محبوبيّة وانقياد خاصّ(2) به، بل نفس النصّ يشير إلى ذلك حيث يقول: «يختار


(1) هذا مذكور من قبل الشيخ الإصفهانيّ; في نهاية الدراية، ج  1، صفحة 229 ـ 230.

(2) وجّه الشيخ الإصفهانيّ الأمر بأنّ الصلاة الثانية تشتمل على نفس القرب الموجود في الصلاة الاُولى وزيادة، فالمقدار الأوّل من القرب المشترك لم يحصل مرّتين،

  صفحه 259  

أحبّهما» فكأنّ كليهما محبوب، إلاّ أنّ أحدهما أحبّ.

اللّهمّ إلاّ أن يراد الاختيار بلحاظ مقام الثواب، وبلحاظ ثواب مخصوص وهو ثواب الفريضة، أي: كأنّه يفرض: أنّه أتى بالفريضة في ضمن الفرد الأكمل، فيثيبه ثواب من أتى بالفريضة في ضمن الفرد الأكمل ولو كانت الفريضة واقعاً تحقّقت بالفرد الأوّل، وكان الأكمل هو الفرد الثاني، وهذا تمحّل في تمحّل; إذ فرض نظره إلى الثواب، ثُمّ إلى ثواب خاصّ كلّه خلاف الظاهر، ولا حاجة إليه بعد ما عرفت.


قال: ويمكن أن يقال: إنّ الصلاة الاُولى أوجبت أثراً في النفس، ثُمّ اُعقبت الصلاة الاُولى بمثل أقوى، وهي الصلاة الثانية، فانقلب الأثر إلى أثر أقوى، وبعد وجود الأثر الأقوى لا وجود للأثر الضعيف.

أقول: كلّ هذا تمحّل، فإنّ المفروض إذا تكرّر العمل أن يزيد القرب أو الأثر النفسيّ بما يساوي مجموع ما يقتضيه الناقص وما يقتضيه الكامل، لا أن يتداخل الناقص في ضمن الكامل، أي: أنّ المترقّب هو أن يكون المجموع أكمل من الكامل وحده في إيجاد القرب أو في صفاء النفس مثلا; لأنّ العبد عبد الله عبادة زائدة على الفرد الكامل.

  صفحه 260  

 

 
  صفحه 261  

 

 

 

 

 

الفور والتراخي

الجهة الثامنة: في الفور والتراخي.

الواجب يمكن ثبوتاً أن يقيّد بالفور أو بالتراخي، أو يطلق. وما اُخذ فيه الفور يمكن أن يكون على نحو وحدة المطلوب، ويمكن أن يكون على نحو تعدّد المطلوب. والثاني تارةً يتصوّر بمعنى: وجوب العمل فوراً ففوراً، وهذا يكون تصويره بأن توجد عدّة وجوبات: وجوب تعلّق بالفرد الأوّل من العمل، ووجوب آخر تعلّق بالفرد الثاني مشروطاً بترك الفرد الأوّل، ووجوب ثالث تعلّق بالفرد الثالث مشروطاً بترك الفردين الأوّلين وهكذا، فالوجوب منحلّ إلى عدّة وجوبات بعدد الأفراد الطوليّة. واُخرى يتصوّر بمعنى: وجوب العمل فوراً مع سقوط الفور إذا تركه وبقاء وجوب أصل العمل، وهذا يكون تصويره بفرض انحلال الوجوب إلى وجوبين: وجوب لأصل العمل، ووجوب للإتيان به فوراً، فإن لم يمتثل الثاني بقي الأوّل على حاله.

كلّ هذا معقول ثبوتاً، وإنّما الكلام في ما يستفاد من الدليل إثباتاً. ويقع الكلام في ذلك في عدّة اُمور:

 

دلالة نفس الصيغة على الفور أو التراخي:

الأمر الأوّل: في استفادة الفور أو التراخي من نفس صيغة الأمر بغضّ النظر عن دليل خارجيّ، وعدمها، فنقول: لا ينبغي الإشكال في عدم استفادة التراخي من صيغة الأمر. وأمّا الفور فالصحيح أيضاً عدم استفادته منها; إذ مادّة الأمر لا تدلّ إلاّ

 
  صفحه 262  

على الطبيعة الجامعة بين الأفراد، والهيئة لا تدلّ إلاّ على الوجوب بالمعنى الحرفيّ، ولذا نرى أنّ التصريح بعدم الفور لا يوجب الإحساس بعناية، بينما لو كان الفور مستفاداً وضعاً من المادّة أو الهيئة، لكان التصريح بعدمه موجباً للإحساس بعناية المجاز.

وأحسن ما يمكن أن يقال للدلالة على الفور: إنّ الهيئة موضوعة للدفع بنحو المعنى الحرفيّ، وهو مواز عرفاً وارتكازاً للدفع التكوينيّ بخواصّه، فتنعكس خواصّ الدفع التكوينيّ على المدلول التصوّريّ لصيغة «افعل»، ومن خواصّه الفوريّة; فإنّ من يدفع تكويناً نحو شيء إن اندفع إليه، فقد وقع عليه فوراً، فكذلك في الدفع التشريعيّ لابدّ للمندفع وهو المطيع أن يعمل فوراً.

وبكلمة اُخرى: إنّ الاندفاع الفوريّ يكون من لوازم التحريك التكوينيّ، وهو وإن لم يكن من لوازم التحريك التشريعيّ لكن العرف يراه ـ  على أساس الموازنة بين التحريكين  ـ كأنّه من لوازم التحريك التشريعيّ، فتنعقد دلالة التزاميّة عرفيّة للأمر على الفور.

والجواب: أنّ الفوريّة في الدفع التكوينيّ ليست من شؤون نفس الدفع ابتداءً، وإنّما هي من شؤون جزئيّة المدفوع إليه، حيث إنّ الدفع التكوينيّ يستحيل أن يكون دفعاً نحو الكلّيّ والجامع بين الأفراد الطوليّة، ولا يمكن أن يكون إلاّ دفعاً لمدفوع جزئيّ نحو مدفوع إليه جزئيّ حاضر، فلا محالة ينتج الفور باعتبار أنّ المدفوع إليه هو الجزئيّ الحاضر. وأمّا الدفع التشريعيّ فيمكن تعلّقه بالكلّيّ الجامع بين الأفراد الطوليّة كما هو مقتضى إطلاق المادّة، وإذا تعلّق بذلك لم يبقَ مبرّر لاستفادة الفوريّة.

وبكلمة اُخرى: إنّ الدفع تكويناً أو تشريعاً نحو شيء يقتضي الاندفاع تكويناً أو تشريعاً نحو ذلك الشيء، فإذا كان ذلك الشيء جزئيّاً خارجيّاً

 
  صفحه 263  

مقارناً زمناً لوقت الدفع، تحقّقت الفوريّة، وإذا كان كلّيّاً جامعاً بين الأفراد الطوليّة، لم تثبت الفوريّة، وحيث إنّ الدفع التكوينيّ دائماً من القسم الأوّل، فلهذا يكون دائماً موجباً للاندفاع الفوريّ، وحيث إنّ الدفع التشريعيّ قد يكون من القسم الثاني بمقتضى إطلاق المادّة، فحينما يكون كذلك لا يقتضي الفوريّة(1).

 

إمكان استفادة الفور من دلالة عامّة:

الأمر الثاني: في أنّه: هل توجد دلالة عامّة خارج حدود الخطاب بالأمر تقتضي الفور في الأوامر، إلاّ ما خرج بالدليل، أو لا؟

قد يستدلّ بهذا الصدد على وجوب الفور بآية المسارعة إلى المغفرة(2) في سورة آل عمران، وآية الاستباق إلى الخيرات(3) في سورة البقرة، حيث إنّ العمل بأوامر المولى سبب للمغفرة، فإنّ الحسنات يذهبن السيّئات، ولا شكّ


(1) وبكلمة ثالثة: لو قصد بالتقريب الماضي دلالة الأمر بالمطابقة على الفور، فصيغة الأمر لا تدلّ إلاّ على الدفع والإرسال، وحاقّ الدفع والإرسال عار عن الفور. ولو قصد به دلالته بالالتزام، فالفور من لوازم الدفع التكوينيّ أو الدفع إلى الجزئيّ الخارجيّ المقارن زمناً لوقت الدفع، والدفع التشريعيّ إلى الجامع بين الأفراد الطوليّة ليس كذلك.

(2) السورة 3، آل عمران، الآية: 133، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.

(3) السورة 2، البقرة، الآية: 148، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، وكذلك السورة 15، المائدة، الآية: 48.

وقد ورد في سورة 57، الحديد، الآية: 21: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَة مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالاَْرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ.

  صفحه 264  

في صدق عنوان الخيرات على العمل بأوامر المولى.

وقد يناقش في ذلك بوجوه:

الوجه الأوّل: أنّ هذه الآيات لابدّ من حملها على الإرشاد، من قبيل الأمر بإطاعة الله والرسول وإن كان مقتضى الطبع الأوّليّ لأمر المولى حمله على الأمر المولويّ الإلزاميّ; وذلك لاستقلال العقل بحسن المسارعة إلى المغفرة والخيرات كاستقلال العقل بوجوب الإطاعة.

ويرد عليه:

أوّلا: منع استقلال العقل بحسن المسارعة بعنوانها عند كون نسبة رغبة المولى إلى كلّ الأفراد الطوليّة على حدّ سواء.

نعم، قد ينطبق عليه عنوان ثانويّ حسن كالاحتياط والتحفّظ عن الفوت; حيث إنّ في التأخير آفات، فيحتمل الموت أو عروض أيّ مانع آخر. أمّا نفس عنوان المسارعة فلا يحكم العقل بحسنها، فلا بأس بالأمر بها مولويّاً.

وثانياً: أنّ هذا الحسن لو سلّم، لم يكن بمرتبة الوجوب، فلا بأس بالأمر المولويّ الإلزاميّ به، كما هو ظاهر الخطاب في نفسه بحسب الفرض.

وثالثاً: أنّه لو فرض كون حكم العقل وأمر الشرع متماثلين في الإلزام وعدمه، كما لو حملنا الأمر في المقام على الاستحباب، فأيضاً يقال: إنّ حكم العقل بحسن المسارعة لا يمنع عن أمر المولى بها; فإنّ ما يوجب تخيّل مانعيّته عنه هو: أنّ الخطاب المولويّ ـ  مع إدراك العقل  ـ يصبح لغواً وتحصيلا للحاصل، بينما ليس كذلك، فإنّ الخطاب بالمسارعة يؤكّد الداعي إلى المسارعة; إذ يتبيّن به أنّ المولى يحبّ المسارعة إلى الخيرات، فتكون المسارعة أمراً حسناً من ناحيتين: من ناحية كونها مسارعة في محبوب المولى وطاعته التي فرض

 
  صفحه 265  

حكم العقل بحسنها، ومن ناحية كون المسارعة بذاتها محبوباً آخر للمولى ومستحبّاً، فلا محالة يتأكّد بذلك حسنها، ولا تلزم اللغويّة(1).

الوجه الثاني: أنّه لابدّ من حمل الأمر على الاستحباب حتّى لا يلزم تخصيص الأكثر المستهجن عرفاً; لخروج أكثر الواجبات وتمام المستحبّات.

وقد بنى على هذا الوجه السيّد الاُستاذ دامت بركاته(2)، بينما هذا الوجه وإن كان يتمّ على مبنانا من كون دلالة الأمر على الوجوب لفظيّة، حيث إنّه لو كان الأمر حينئذ مستعملا في معناه وهو الوجوب، لزم إخراج أكثر الواجبات وكلّ المستحبات من المدلول اللفظيّ للأمر، لكنّه لا يتمّ على مبناه ومبنى المحقّق


(1) لا يخفى: أنّ هذه الاعتراضات من قبل اُستاذنا الشهيد مبنيّة على جعل الدليل على الإرشاديّة ضرورة كونها إرشاداً عقلا، كما يقال في «أطيعوا الله»، فهذه الاعتراضات كلّها تبيّن عدم ضرورة كونها إرشاداً، بل حتّى في مثل «أطيعوا الله» أيضاً لا ضرورة في كونه إرشاداً.

ولكن يمكن إقامة البيان على مطلب آخر غير حكم العقل والضرورة، وذلك بأن يقال: إنّ الشريعة حينما تأمر بشيء في مورد حكم العقل الواقع في سلسلة معلولات حكم الشرع تنصرف عرفاً إلى الإرشاد إلى حكم العقل، باعتبار مناسبة ذلك جدّاً، وترقّبه في سلسلة معلولات حكم الشرع، فوجوب الإطاعة حكم للعقل معلول لأوامر الشرع، والأمر بالإطاعة إن هو إلاّ إرشاد إلى ما هو معلول تلك الأوامر من وجوب الإطاعة عقلا، وكذلك المسارعة إلى المغفرة وإن لم تكن بعنوانها مورد حكم العقل بالحسن، لكنّها مصداق واقعيّ للاحتياط المحكوم بحسنه من قبل العقل في سلسلة معلولات أوامر الشارع، فينصرف الأمر بها عرفاً إلى الإرشاد إلى ذلك.

(2) راجع المحاضرات، ج 2، ص 216 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

  صفحه 266  

النائينيّ من كون دلالة الأمر على الوجوب بحكم العقل، بمعنى: أنّ الأمر يدلّ على الطلب، فإذا لم يرد الترخيص حكم العقل بوجوب امتثاله، وإذا ورد الترخيص لم يحكم العقل بوجوب امتثاله، فإنّه على هذا المبنى لا يلزم تخصيص الأكثر; إذ اللفظ بذاته لم يدلّ على أزيد من طلب المسارعة، غاية ما هناك: أنّ هذا الطلب في أغلب الموارد اقترن بالترخيص في الخلاف، فلم ينعقد للعقل حكم بوجوب امتثاله، وأحياناً لم يقترن بذلك، فينعقد للعقل حكم بوجوب امتثاله.

الوجه الثالث: ما ذكره المحقّق العراقيّ (1) : من أنّ ظاهر الأمر بالمسارعة كون المادّة التي تتعلّق بها المسارعة قابلة للإسراع فيها والتراخي والتأجيل، فيأمر المولى بالمسارعة، بينما لو وجبت المسارعة في الخير، سقط الخير عن الخيريّة على تقدير التأجيل، فلم تكن المادّة قابلة للإسراع تارةً وللتأجيل اُخرى.

وهذا الكلام بهذا المقدار لا يتمّ; إذ إنّما يأتي هذا الكلام لو فرض مفاد الأمر بالمسارعة عبارة عن الوجوب الشرطيّ، وعليه يكون الواجب مضيّقاً، ولا تصدق فيه المسارعة، وإنّما المدّعى هو الوجوب النفسيّ، ومعه لا يسقط الخير عن الخيريّة بالتأخير، غاية الأمر فوات خير آخر مستقلّ، وهو المسارعة، اللّهمّ إلاّ إذا تكلّفنا بالقول بأنّ ظاهر جملة «استبقوا الخيرات» النظر إلى مجموع الخيرات، فيستفاد منه إمكانيّة التأجيل في مجموع الخيرات، بينما لو كانت المسارعة واجبة، فهي خير لا يمكن التأجيل فيه، إلاّ أنّ هذا تكلّف غير صحيح; إذ لابدّ من صرف


(1) راجع المقالات، ج  1، ص  258 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ.

  صفحه 267  

الآية عن نفس المسارعة المستفادة منها، فإنّها ناظرة إلى غيرها، وإلاّ لوقع المحذور حتّى لو كان الأمر استحبابيّاً; فإنّ المسارعة ـ على أيّ حال ـ تصبح خيراً لا يمكن تأجيله.

الوجه الرابع: أنّ هاتين الآيتين أجنبيّتان عمّا نحن فيه: أمّا آية الاستباق، فلأنّ الاستباق ليس معناه الفور والمسارعة حتّى تدلّ على وجوب الفور، وإنّما معناه: التسابق بين الأفراد من قبيل: ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ(1)، فيأمر بالمسابقة بين الأفراد في الخير والصلاح كمّاً وكيفاً وحجماً، ومن جميع الجهات، ومن الواضح: أنّ الأمر بهذه المسابقة العامّة ليس إلاّ مجرّد تشويق وترغيب للمؤمنين إلى تكثير الخيرات وتقليل الآثام، وليس إلزاماً شرعيّاً، وإلاّ لما أمكن امتثاله لكلّ الأفراد، فمثلا ماذا نصنع لو صلّوا جميعاً في أوّل الوقت؟!

وأمّا آية المسارعة، فإن لم نستفد منها نفس ما استفدناه من الآية الاُولى من التشويق والترغيب، قلنا: إنّ غاية ما تدلّ عليه الآية هي وجوب المسارعة إلى حطّ الذنوب ومحوها، ولا بأس بالالتزام بوجوب ذلك بأن يقال: المذنب تجب عليه التوبة فوراً مع الإمكان; حيث إنّ التوبة هي السبب المضمون الوصول إلى العفو بخلاف سائر الأسباب، فإن لم يمكنه التوبة وجعل النفس تتّصف بالندامة، وكان هناك شيء آخر ثبت بدليل أنّه يوجب المغفرة، وجب الإسراع إليه بدلا عن التوبة.

والخلاصة: أنّ غاية ما يستفاد من الآية الوجوب الفوريّ لتدارك الذنب السابق بالتوبة أو بدلها، ولا بأس بذلك، ولا يرتبط بما نحن فيه.


(1) السورة 83، المطفّفين، الآية: 26.

  صفحه 268  

 

هل يسقط الواجب بترك الفور؟

الأمر الثالث: في أنّه بناءً على الفور هل يسقط الواجب رأساً بترك الفور، أو أنّه بعد ترك الفور يبقى عليه أصل الواجب ويصبح موسّعاً، أو أنّه يجب عليه الإتيان به فوراً ففوراً؟

كلّ هذه الاحتمالات معقولة ثبوتاً، فمن الممكن أن يكون الواجب الحصّة الاُولى، فبتركها يسقط الواجب لا محالة، ومن الممكن أن يكون هناك واجبان: أحدهما الطبيعة المطلقة، والثاني الحصّة الاُولى، فبترك الثاني لا يسقط الأوّل، ويبقى عليه الواجب موسّعاً، ومن الممكن أن تكون هناك وجوبات متعدّدة بعدد الحصص، وتكون كلّ حصّة متأخّرة واجبةً على تقدير عدم الإتيان بالحصص السابقة، فينتج ذلك وجوب العمل فوراً ففوراً.

وأمّا بحسب الإثبات، فلابدّ من ملاحظة الوجه الذي يقال على أساسه بالفور، ليرى أنّ ذلك الوجه هل يقتضي أحد هذه الفروض بعينه حتّى يلتزم به، أو أنّه مجمل من هذه الناحية حتّى يرجع إلى الاُصول العمليّة، فنقول:

تارةً يبنى على الفور بدعوى دلالة الأمر على أخذه في متعلّقه بوجه من الوجوه، وعليه لا ينبغي الإشكال في سقوط الطلب بترك الفور; فإنّ الصيغة لا تدلّ إلاّ على طلب واحد، وهذا الطلب الواحد قد تعلّق بالفعل مع الفور، فنسبته إلى الفعل مع الفور نسبة الوجوب إلى أجزاء الواجب الواحد، لا إلى أفراد الواحد.

وبكلمة اُخرى: إنّ المتعلّق للطلب هو العمل المقيّد بالفور، والمقيّد ينتفي بانتفاء قيده.

واُخرى يبنى على الفور بدعوى: أنّ العرف يفهم بالموازنة بين الدفع التشريعيّ والدفع التكوينيّ الفور; حيث إنّه يعطي بفهمه العرفيّ خواصّ التحريك التكوينيّ

 
  صفحه 269  

للتحريك التشريعيّ، ومن خواصّ التحريك التكوينيّ هو التحرّك فوراً، فتنعقد للأمر دلالة التزاميّة عرفيّة على الفور، وبناءً على هذا يتعيّن القول بوجوب العمل فوراً ففوراً; فإنّ هذا هو مقتضى الموازنة بين الدفع التشريعيّ والدفع التكوينيّ وإعطائه خصائص الدفع التكوينيّ.

وتوضيح ذلك: أنّ الدفع التكوينيّ باليد ونحوه لو فرض فيه: أنّ الشخص لم يندفع به، ومع ذلك بقي الدفع باليد مثلا مستمرّاً، فلا إشكال في أنّ ذلك يقتضي الاندفاع في الزمان الثاني فوراً، فإن لم يندفع أيضاً وبقي الدفع مستمرّاً، اقتضى الاندفاع في الزمان الثالث فوراً، وهكذا.

نعم، لو لم يبقَ الدفع مستمرّاً، بل انقطع بعد الزمان الأوّل، فطبعاً لا دفع في الزمان الثاني حتّى يقتضي الاندفاع فوراً، فالدفع التشريعيّ أيضاً ينبغي أن يكون من هذا القبيل، فلو بقي الدفع التشريعيّ مستمرّاً، اقتضى الاندفاع فوراً ففوراً، ومقتضى إطلاق المادّة هو بقاء الدفع التشريعيّ، فإنّه إنّما أمر بذات الطبيعة غير المقيّدة بالزمان الأوّل، وإنّما فرض الدلالة على الفور لا من باب تقيّد المتعلّق بالفور، بل من باب أنّ العرف فهم بالملازمة العرفيّة لزوم الفور، ولا مبرّر لجعل ذلك قيداً للمتعلّق بعد أن كان المتعلّق بذاته مطلقاً، إذن فالطلب يبقى مستمرّاً لا محالة، وإذا بقي مستمرّاً، اقتضى الاندفاع نحو العمل فوراً ففوراً قياساً له على الدفع التكوينيّ.

وثالثة يبنى على الفور بدعوى دلالة آيتي المسارعة والانسباق عليه، وحينئذ لا إشكال في أنّ الأمر لا يسقط بترك الفور; إذ لا وجه لجعل الفور قيداً لمتعلّق الأمر حتّى يسقط بتركه، وإنّما فهم وجوب الفور بأمر آخر مستقلّ، فبتركه لا يسقط الأمر الأوّل بلا إشكال، وإنّما الكلام في أنّه هل يبقى العمل واجباً فوراً ففوراً، أو يصبح العمل واجباً موسّعاً؟

ذهب المحقّق العراقيّ إلى أنّ الفور يسقط نهائيّاً، ويصبح العمل واجباً

 
  صفحه 270  

موسّعاً، أي: لا يجب فيه الفور، وذلك بتقريب: أنّ عنوان المسارعة: تارةً يفرض: أنّه لا يصدق إلاّ على الإتيان بالفرد الأوّل من الأفراد الطوليّة، واُخرى يفرض: أنّ له مصاديق طوليّة عديدة حيث يصدق على ما قبل الفرد الأخير، فالمسارعة صادقة في كلّ مورد أتى المكلف بعمل كان بإمكانه تأخيره إلى وقت متأخّر عن ذلك الوقت. فإن فرضنا الشقّ الثاني، كانت النتيجة عدم وجوب الفور من أوّل الأمر; إذ المسارعة مصداقها ليس منحصراً في الفور، وهذا طبعاً خلف المفروض; لأنّنا نتكلّم بناءً على فرض الفوريّة، فينحصر الأمر في الشقّ الأوّل، ونتيجته: أنّ الأمر بالمسارعة يسقط بمجرّد ترك الفرد الأوّل; لأنّ مصداق المسارعة منحصر في الإتيان بالفرد الأوّل وقد فاته، فلا يبقى إلاّ الأمر بأصل الواجب، فيكون واجباً موسّعاً لا فور فيه(1).

ولنا حول هذا الكلام ثلاث تعليقات:

التعليقة الاُولى: أنّنا نفرض اختيار الشقّ الثاني، وهو أنّ المسارعة لها أفراد عديدة بعدد ما قبل الفرد الأخير، ومع ذلك نقول: إنّ هذا لا ينتج الخلف، بل ينتج وجوب العمل فوراً ففوراً.

وتوضيح ذلك: أنّنا إذا فرضنا مثلا: أنّ للواجب عشرة أفراد طوليّة، فالأمر بطبيعة العمل قد جَعَلَ الجامعَ بين الأفراد العشرة خيراً، والأمر بالمسارعة في الخيرات يوجب لزوم الإتيان بالجامع بين الأفراد التسعة السابقة على الفرد الأخير، فيصبح الإتيان بالجامع بين الأفراد التسعة خيراً، فيكون هذا فرداً جديداً لموضوع الأمر بالمسارعة في الخيرات، والمسارعة فيه عبارة عن الإتيان بالجامع بين الثمانية السابقة على التاسع، فيكون ذلك خيراً جديداً يجب المسارعة فيه بالإتيان بالجامع بين السبعة السابقة على الثامن، وهكذا، فالأمر


(1) بدائع الأفكار، ج 1، ص 253 بحسب طبعة المطبعة العلميّة في النجف.

  صفحه 271  

بالمسارعة ينحلّ بتعدّد أفراد موضوعه المتولّدة من نفس الأمر; لأنّه أمر بنحو القضيّة الحقيقيّة، فكلّما تولّد خير أمكن المسارعة فيه يصبح مشمولا للأمر بالمسارعة ولو كان متولّداً من نفس الأمر بالمسارعة، وهذا سنخ ما يقال في (صدّق العادل) بالنسبة إلى الأخبار مع الواسطة، وبهذا يثبت وجوب العمل فوراً ففوراً.

التعليقة الثانية: أنّنا أيضاً نفرض اختيار الشقّ الثاني، ونفترض تنزّلا عن الجواب الأوّل: أنّ الأمر بالمسارعة ليس أمراً بنحو القضيّة الحقيقيّة يشمل حتّى الفرد المتولّد من نفسه، بل أمر بنحو القضيّة الخارجيّة يشير إلى الخيرات الثابتة بغضّ النظر عن هذا الأمر بالمسارعة، ويأمر بالمسارعة فيها، ولكن مع ذلك نقول: إنّنا نستنتج وجوب العمل فوراً ففوراً، وذلك بناءً على أنّ أفراد المسارعة ليست أفراداً عرضيّة ثابتة في عرض واحد، من قبيل أفراد البياض والسواد ونحو ذلك من الطبائع، وإنّما هي أفراد طوليّة للمسارعة، أي: أنّ العرف إنّما ينتزع عنوان المسارعة من الفرد الثاني بعد فرض فوات الأوّل، وهكذا إلى ما قبل الفرد الأخير، وكلّما كان أفراد طبيعة مأمور بها أفراداً طوليّة وهي في المقام أفراد المسارعة، فهم العرف من الأمر بها أنّ هذا الأمر يكون بلحاظ هذه الأفراد على وزان طبع نفس الأفراد، فكما أنّ نفس الأفراد يوجد بينها طوليّة كذلك الأمر بكلّ فرد إنّما يكون بعد فوات العمل بالأمر بالفرد السابق، ويكون أمراً اضطراريّاً بالنسبة إلى الأمر بالفرد السابق، ولذا ترى أنّه لو قال: «تطهّر قبل الفجر من الجنابة»، لم يجز للعبد تأخير الغسل إلى أن يضيق الوقت عنه، وينتقل إلى التيمّم وإن صحّ التيمّم لو صنع ذلك، والسرّ في ذلك ما قلناه: من أنّ الفردين الطوليّين لطبيعة يفهم العرف من الأمر بها كونه أمراً اختياريّاً بلحاظ الفرد الأوّل، واضطراريّاً في طول فوات الفرد الأوّل بلحاظ الفرد الثاني، فحيث إنّ الطهارة لها فردان: الفرد الأوّل هو الطهارة

 
  صفحه 272  

المائيّة، والفرد الثاني هو الطهارة الترابيّة، وهذا الفرد الثاني إنّما يكون فرداً للطهارة عند تعذّر الأوّل، فهم العرف من الأمر بالطهارة الأمر الاختياريّ بالغسل، والأمر الاضطراريّ بالتيمّم بعد العجز عن الغسل لضيق الوقت مثلا.

وما نحن فيه من هذا القبيل; فحيث إنّ أفراد المسارعة أفراد طوليّة، فلا محالة يفهم من الأمر بالمسارعة الأمر بالفرد الأوّل، وفي طول تركه وفواته الأمر بالفرد الثاني اضطراراً، وهكذا، وهذا معناه وجوب العمل فوراً ففوراً.

التعليقة الثالثة: أنّنا نفرض اختيار الشقّ الأوّل، وهو أنّ المسارعة في الخير معناها منحصر في الإتيان بالفرد الأوّل من الخير، ومع ذلك نقول: إنّه يستفاد من دليل الأمر بالمسارعة في الخيرات وجوب العمل فوراً ففوراً.

وتوضيح ذلك: أنّ الخير عبارة عن الفعل الذي يكون أفضل من الناحية الشرعيّة للمكلف من تركه، فإذا كان للواجب عشرة أفراد طوليّة مثلا، فقبل أن يفوته الفرد الأوّل يكون الخير بالنسبة إليه عبارة عن الجامع بين العشرة; لأنّ فعله أفضل من تركه، وأمّا الجامع بين ما عدا الفرد الأوّل فليس خيراً، إذ بالإمكان تحقّق تركه في ضمن الإتيان بالفرد الأوّل، فلا يكون فعل الجامع بين ما عدا الفرد الأوّل أفضل من تركه، وبما أنّ المسارعة في الخيرات واجب، ومعنى المسارعة هو اختيار الفرد الأوّل، إذن يجب عليه الفور باختيار الفرد الأوّل، ولكن حينما يترك الفرد الأوّل ويفوته يصبح الجامع بين الأفراد التسعة الباقية خيراً; لأنّ فعله ـ بعد فرض فوت الفرد الأوّل ـ خير له من تركه، فتجب عليه المسارعة في هذا الخير، وذلك باختيار الفرد الأوّل منه الذي هو فرد ثان من الطبيعة، فإذا عصى وفاته الفرد الأوّل، أصبح الجامع بين الأفراد الثمانية الباقية خيراً; لأنّه بعد فوات ما سبق يكون فعل الجامع بين الأفراد الثمانية الباقية أفضل من تركه، فتجب المسارعة فيه باختيار فرده الأوّل الذي هو ثالث أفراد الطبيعة وهكذا، فالنتيجة هي وجوب العمل فوراً ففوراً.

 
السابق | التالي | فهرس الكتاب