صفحه 96  

 

 
  صفحه 97  

الأوامر


الفصل الثاني

 

 

صيغة الأمر

 

        ويقع الكلام هنا أيضاً في جهات:

 دلالة صيغة الأمر على الطلب.
 كيفيّة دلالة صيغة الأمر على الوجوب.
 دلالة الجملة الخبريّة.
 الأصل في الواجب التعبّديّة أو التوصّليّة؟
 ظهور صيغة الأمر في النفسيّة والتعيينيّة والعينيّة.
 ورود الأمر عقيب الحظر أو في مورد توهّمه.
 دلالة الأمر على المرّة أو التكرار.
 الفور والتراخي.

 
  صفحه 98  

 

 
  صفحه 99  

 

 

 

 

 

دلالة صيغة الأمر على الطلب

الجهة الاُولى: في دلالتها على الطلب.

لا إشكال في أنّ صيغة «افعل» تدلّ على الطلب، وإنّما الكلام في كيفيّة دلالتها على الطلب، حيث إنّ صيغة «افعل» من الهيئات، وهي تدلّ على معنىً حرفيّ لا على معنىً اسميّ، فلا تكون صيغة الأمر دالّة بالمباشرة على مفهوم الطلب كما يدلّ عليه لفظ الطلب، فإنّ هذا مفهوم اسميّ، إذن فيقع الكلام في أنّه ما هو المعنى الذي تدلّ عليه صيغة «افعل» الذي يكون مغزاه ومآله إلى الطلب؟

وينبغي منذ البدء أن نستبعد ما ذكره السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ من أنّها موضوعة لإبراز اعتبار نفسانيّ، وهو اعتبار الفعل في ذمّة المكلّف، فإنّه مبنيّ على مبناه من كون الوضع عبارة عن التعهّد، فرتّب على ذلك أنّ الدلالة الوضعيّة هي الدلالة التصديقيّة الكاشفة عن وجود شيء في النفس يعبّر عنه بالاعتبار أو الإرادة، أو بأيّ تعبير آخر، بينما نحن قد وضّحنا في بحث الوضع: أنّ الدلالة الوضعيّة إنّما هي دلالة تصوّريّة، والتي ليست إلاّ عبارة عن إخطار معنىً في الذهن من دون أيّ كشف عمّا في نفس المتكلّم، وأمّا الدلالة التصديقيّة فهي ظهور حاليّ سياقيّ له ملاك آخر غير الوضع، فحينما نتكلّم عن المدلول الوضعيّ لصيغة الأمر لا يمكن أن نذكر الدلالة التصديقيّة.

إذا عرفت هذا فنقول:

إنّنا لتحقيق ما هو معنى صيغة الأمر نذكر ابتداءً ملخّصاً عمّا ذكرناه في الجملة

 
  صفحه 100  

الفعليّة من قبيل «ضرب» و«يضرب» حتّى نأتي بعد ذلك إلى «اضرب» التي هي أيضاً جملة فعليّة.

فقد مضى: أنّ الجملة الفعليّة من قبيل «ضرب» تدلّ على النسبة الصدوريّة بين الفعل والفاعل بالنحو المناسب لذلك الفاعل من فاعليّته لذلك الفعل، ولكن لا ينبغي أن يتخيّل أنّ هذه هي تمام ما تفيده جملة «ضرب زيد» من النسب; لأنّ «ضرب زيد» جملة تامّة يصحّ السكوت عليها بلا إشكال، بينما النسبة الصدوريّة بين الفعل والفاعل نسبةٌ وعاؤها الأصليّ هو عالم الحقيقة لا الذهن، وقد برهنّا على أنّ كلّ نسبة من هذا القبيل يستحيل أن تكون تامّة، بل هي نسبة تحليليّة ناقصة ذهنيّة، إذن ففي «ضرب زيد» توجد نسبتان: إحداهما: نسبة ناقصة مستفادة من هيئة الفعل بين الفعل وذات ما، والاُخرى: نسبة تامّة بين ذات ما وزيد مستفادة من هيئة الجملة، أي: الفعل والفاعل، وقد وضّحنا: أنّ النسبة التامّة عبارة عن النسبة التصادقيّة، أي: نسبة التصادق بين مفهومين بما هما فانيان في عالم الخارج، فالنسبة التامّة في «ضرب زيد» نسبة تصادقيّة بين ذات ما وزيد، فكأ نّما قال: إنّ الذات التي صدر منها الضرب هو زيد، وقلنا: إنّ هذا ما يسوق إليه البرهان في مقام تحصيل مفاد «ضرب زيد»، وبيّنّا: أنّ النسبة التصادقيّة لا تكون بين المفهومين بما هما مفهومان في عالم اللحاظ، فإنّهما في عالم اللحاظ متغايران، وإنّما هي نسبة تصادقيّة بين المفهومين بما هما فانيان، ومن هنا يأتي الفرق بين «ضرب زيد» و«هل ضرب زيد؟» ونحو ذلك، حيث إنّ المفنيّ فيه يختلف، فالمفنيّ فيه في «ضرب زيد» هو وعاء الخارج، وفي الاستفهام هو وعاء الاستفهام، وفي الترجّي هو وعاء الترجّي وهكذا(1)، ففي قولنا: «لعلّ زيداً ضارب» يكون «زيد» عين «ضارب» في وعاء الترجّي، وفي قولنا: «هل زيد


(1) مضى تعليقنا على ذلك في بحث مفاد هيئة الجمل فراجع.

  صفحه 101  

ضارب؟» يكون «زيد» عينه في وعاء الاستفهام، كما أنّ في قولنا: «زيد ضارب» يكون «زيد» عينه بحسب وعاء الخارج وهكذا.

إذا عرفت ذلك فنقول:

لا إشكال في أنّ هناك فرقاً بين «ضرب زيد» وبين «اضرب أنت» مثلاً: إمّا في النسبة التامّة، أو في النسبة الناقصة; إذ لو كانت النسبة التامّة فيهما شيئاً وأحداً، والنسبة الناقصة فيهما أيضاً شيئاً واحداً، إذن لما بقي فرق في المعنى بين الإخبار عن الخارج والأمر مع بداهة الفرق بينهما.

ويوجد بدواً في تفسير هذا الفرق احتمالان:

الاحتمال الأوّل: أن يكون الفرق بلحاظ النسبة التامّة، وذلك باعتبار المفنيّ فيه، فكما يقال: إنّ النسبة التامّة في الاستفهام هي النسبة التصادقيّة بين المفهومين بلحاظ وعاء الاستفهام، وفي الترجّي بلحاظ وعاء الترجّي وهكذا، فبذلك تختلف هذه الاُمور عن الإخبار الذي تكون النسبة التصادقيّة فيه بلحاظ وعاء الخارج، كذلك يقال: إنّ النسبة التامّة في «اضرب أنت» هي النسبة التصادقيّة بين ذات ما والفاعل في وعاء الطلب، إلاّ أنّ هذا الاحتمال لابدّ من رفضه; إذ لو كان الفرق بين الفعلين بلحاظ النسبة التامّة دون الناقصة، إذن لما بقي فرق بين الفعلين في حدّ أنفسهما، بينما يشهد الوجدان اللغويّ بالفرق بينهما في حدّ أنفسهما بغضّ النظر عن وقوعهما في جملة تامّة، إذن فيتعيّن الاحتمال الثاني.

الاحتمال الثاني: أن يكون الفرق بلحاظ النسبة الناقصة التي هي مدلول هيئة الفعل، فهيئة «ضرب» موضوعة للنسبة الصدوريّة بين الفعل وذات ما، بينما هيئة الأمر موضوعة للنسبة الإرساليّة، أو الإلقائيّة، أو الدفعيّة، أو التحريكيّة ونحو ذلك من التعابير.

وتوضيح ذلك: أنّ الإلقاء له فرد حقيقيّ تكوينيّ، وذلك كما لو دفع شخص زيداً بيده فألقاه على الأرض، أو على أيّ عين اُخرى غير الأرض، وله فرد عنائيّ

 
  صفحه 102  

تكوينيّ كما لو دفعه بيده نحو عمل، وذلك كَأن يلقيه بالدفع على الكتاب أو الدفتر، لكي يطالع أو يكتب، فهذا ـ  في الحقيقة  ـ إلقاء على العين وهو الكتاب أو الدفتر، لكنّه بنحو من العناية يصدق عليه أنّه إلقاء نحو المطالعة والكتابة ودفع نحوها، وهذا الدفع يولّد ربطاً ونسبة مخصوصة بين المدفوع وهو زيد، والمدفوع نحوه وهو المطالعة، وهذه النسبة نسمّيها بالنسبة الإرساليّة، أو الدفعيّة، أو التحريكيّة، وحينئذ يقال: إنّ مفاد «افعل» عبارة عن هذه النسبة الإلقائيّة، والإرساليّة، فحينما نريد أن نعبّر عن النسبة الصدوريّة بين زيد والمطالعة نقول: «طالع زيد»، وحينما نريد أن نعبّر عن النسبة الإرساليّة بينهما نقول: «طالع يا زيد»، وحيث إنّ دفعه باليد على الكتاب مثلاً معلول عادة لإرادة المطالعة فهيئة «افعل» الموضوعة لهذه النسبة تدل دلالة تصوّريّة بالمطابقة على هذه النسبة الإرساليّة، وتدلّ دلالة تصوّريّة بالملازمة وفي طول الدلالة الاُولى على الإرادة، من قبيل: أنّ لفظ «الشمس» تدلّ تصوّراً بالمطابقة على القرص، وبالملازمة على النهار; ولذا حتّى لو سمعنا من الجدار لفظة «اضرب» ينتقش في ذهننا تلك النسبة وتلك الإرادة، ويوجد وراء المدلولين التصوّريّين مدلول تصديقيّ وهو الكشف عن وجود الإرادة.

وأمّا الطلب، فإن قلنا بأنّه عين الإرادة، فقد عرفت حاله، وإن قلنا بأنّه غير الإرادة، فالشوق النفسانيّ بمجرّده لا يصدق عليه أنّه طلب، وإنّما الطلب ـ على ما هو الظاهر ـ هو السعي نحو المقصود، فيكون «افعل» بنفسه مصداقاً للطلب حقيقة، فإنّه باعتبار كشفه عن الإرادة سعي نحو المقصود(1).


(1) وهناك احتمال ثالث اخترناه فيما سبق من بحث مفاد هيئة الجمل، وهو: أن تكون هيئة الأمر دالّة على نسبة بعثيّة تامّة ذات أطراف ثلاثة: الآمر والمأمور والمأمور به من دون محاكاة للبعث الخارجيّ فراجع.

  صفحه 103  

بقي هنا أمران:

الأمر الأوّل: أنّ صيغة «افعل» ذكروا لها معاني عديدة: كالطلب والتعجيز والتسخير والاستهزاء ونحوها، والمعروف بين المحقّقين المتأخّرين أنّ الاختلاف إنّما هو في دواعي الاستعمال، أي: في المداليل التصديقيّة، وأمّا المدلول الوضعيّ المستعمل فيه الصيغة فهو واحد في الجميع، وهو النسبة الإرساليّة مثلاً، إلاّ أنّ السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ جرياً على مبناه القائل بأنّ المدلول الوضعيّ والمستعمل فيه اللفظ إنّما هو المعنى التصديقيّ افترض لصيغة الأمر معاني عديدة(1); بداهة تباين تلك المداليل التصديقيّة فيما بينها.

وهذا الكلام مضافاً إلى خطأ مبناه يؤدّي إلى نتيجة غريبة، وتوضيح ذلك: أنّ صيغة الأمر حينما يقصد بها مثل التعجيز والاستهزاء كما لو قال: «طِر إلى السماء» بقصد إظهار عجزه، أو قال للفقير: «اشتر قصراً» بقصد الاستهزاء به، فمن الواضح: أنّ هذا التعجيز أو الاستهزاء لا يكون مرتبطاً بالمادّة ابتداءً، فإنّ إظهار العجز لا يكون بنفس الطيران، ولو طار لما كان عاجزاً، والاستهزاء لا يكون بنفس شراء القصر، ولو اشتراه لما استُهزئ به، فلالتصاق الهيئة بالمادّة دخل في فهم التعجيز أو الاستهزاء.

وعليه نقول: إنّ تفسير نكتة فهم مثل التعجيز أو الاستهزاء واضح بناءً على المبنى المتعارف بين الأصحاب; لأنّ الصيغة تدلّ عندهم حتّى في مثل مورد التعجيز والاستهزاء على الأمر والطلب; لأنّ المدلول التصوّريّ المستعمل فيه اللفظ في الجميع واحد، وحينئذ يكون الأمر بالطيران نكتة لإظهار عجزه; إذ لا يستطيع أن يمتثل، والأمر بشراء القصر نكتة للاستهزاء به. وأمّا على مبنى السيّد


(1) ولو بأن يكون أحدها حقيقة والباقي مجازاً. راجع محاضرات الفيّاض، ج 2،
ص 143.

  صفحه 104  

الاُستاذ فنكتة الدلالة على التعجيز أو الاستهزاء غير واضحة، ولا يبقى أيّ ارتباط بين مفاد الصيغة والمادّة، إلاّ أن يفترض كون دلالتها على التعجيز أو الاستهزاء بمجرّد التعبّد الصرف، وهذا غريب.

الأمر الثاني: أنّ الدواعي المتعدّدة: من داعي الإرادة، أو التعجيز، أو التسخير، أو الاستهزاء وغير ذلك وإن كان كلّها منسجماً مع استعمال صيغة الأمر في معناها الحقيقيّ; إذ هذه كلّها خارجة عن المستعمل فيه، وهي تستعمل في كلّ هذه الفروض في النسبة الإرساليّة، فالمعنى الحقيقيّ للأمر منسجم مع كلّ واحد من هذه الدواعي، ولكن هذا لا ينافي ظهور صيغة الأمر لولا القرينة في أنّ ما في نفس المتكلّم هو الإرادة حقيقةً، ولا إشكال في هذا الظهور، ولكن يقع الكلام في تفسير هذا الظهور، وكيفيّة تكوّنه بالرغم من أنّ كلّ الدواعي تنسجم مع المدلول اللفظيّ.

ذكر في الكفاية(1) ـ  على طريقته  ـ : أنّ داعي الإرادة اُخذ قيداً في نفس الوضع، لا في المعنى الموضوع له سنخ ما تقدّم منه في بحث المعاني الحرفيّة: من أنّ قيد اللحاظ الآليّ اُخذ قيداً في نفس الوضع دون المعنى الموضوع له. وقد تبرهن بطلان ذلك في محلّه، حيث وضّحنا: أنّ الوضع ليس من الاُمور الجعليّة كالجعول الشرعيّة القابلة لتقييدات من هذا القبيل.

وإنّما الصحيح في نكتة هذا الظهور: أنّك عرفت أنّ المدلول التصوّريّ لصيغة الأمر أوّلاً هو النسبة الإرساليّة، وفي طولها الإرادة، فلو كان المدلول التصديقيّ هو الإرادة لتطابق المدلول التصديقيّ مع المدلولين التصوّريّين، وإلاّ فلا، وأصالة التطابق بين المدلول التصوّريّ والمدلول التصديقيّ أصل عرفيّ عامّ بحسب المناسبات المركوزة في أذهان العرف.


(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 102 بحسب طبعة المشكينيّ.

  صفحه 105  

وإن شئت بيّنت المطلب بتعبير آخر، وهو: أنّ سائر الدواعي غير الإرادة تفترض قبلها الإرادة افتراضاً دون العكس، فمن يستهزئ، أو يعجّز، أو يسخّر يفترض أنّه قد أراد منه كذا، فترتّب عليه إظهار عجزه، أو استهزائه، أو تسخيره، فهو يتقمّص قميص من يريد حتّى يعجّز، أو يستهزئ، إذن فالطبع الأوّليّ هو الكشف عن الإرادة، والباقي مشتمل على مؤونة زائدة منفيّة بالإطلاق ومقدّمات الحكمة.

 

 
  صفحه 106  

 

 
  صفحه 107  

 

 

 

 

 

كيفيّة دلالة صيغة الأمر على الوجوب

الجهة الثانية: في كيفيّة دلالة صيغة الأمر على الوجوب بعد الفراغ عن دلالتها على الطلب.

وقد تقدّم نظير ذلك في مادّة الأمر، وعرفت أنّ هناك مسالك ثلاثة لاستفادة الوجوب من مادّة الأمر:

1 ـ مسلك العقل، وهو: أنَّ العقل ينتزع الوجوب من أمر المولى عند عدم صدور الترخيص في الخلاف.

2 ـ مسلك الإطلاق، بأن يقال: إنّ مقتضى الإطلاق ومقدّمات الحكمة هو حمل الطلب على الفرد الأخفّ مؤونة، وهو الوجوب، ببيان مضى.

3 ـ مسلك الوضع، بأن يقال: إنّ مادّة الأمر موضوعة للوجوب.

أمّا المسلك الأوّل، فلو تمّ هناك يجري هنا أيضاً حرفاً بحرف بلا فرق بين المقامين.

وأمّا المسلك الثاني، فقد يقال: إنّه لو تمّ هناك لا يتمّ هنا; وذلك لأنّ صيغة «افعل» مدلولها هو الإرسال والدفع والتحريك، وليس مدلولها هو الإرادة كما في مادّة الأمر، ففي مادّة الأمر كان يقال: إنّها دالّة على الإرادة وهي ذات مراتب، فتحمل على المرتبة الشديدة مثلاً، ببيان مضى، وأمّا الإرسال والدفع فهو على حدّ واحد، لا يختلف باختلاف الوجوب والاستحباب حتّى تعيّن المرتبة الشديدة منه بالإطلاق.

 
  صفحه 108  

والجواب أوّلاً: أنّ صيغة الأمر في مرحلة المدلول التصديقيّ تكون دالّة على الإرادة لا محالة، فيصحّ جريان الإطلاق وإثبات الفرد الشديد بهذا اللحاظ.

وثانياً: أنّه قد مضى: أنّ صيغة الأمر تدلّ تصوّراً على النسبة الإرساليّة أوّلاً، وعلى الإرادة ثانياً وبالملازمة، فليجرِ الإطلاق بهذا اللحاظ.

وأمّا المسلك الثالث: وهو الوضع، فأيضاً قد يشكّك في ذلك في المقام، وذلك لما عرفت: من أنّ الإرسال والإلقاء ليس كالإرادة منقسماً إلى قسمين ومرتبتين بلحاظ الوجوب والاستحباب، حتّى يفترض وضع الصيغة للنسبة الإرساليّة الشديدة مثلاً.

ويمكن دفعه بأنّ الإلقاء وإن كان لايتحصّص بلحاظ نفس الإلقاء بما هوهو إلى شديد وضعيف، ولكن يتحصّص بلحاظ منشئه; إذ قد ينشأ من إرادة شديدة، واُخرى من إرادة خفيفة، فبالإمكان افتراض كون صيغة الأمر موضوعة لنسبة الإرسال الناشئ من الإرادة الشديدة، فإذا أصبح المدلول التصوّريّ الوضعيّ عبارة عن ذاك الفرد الناشئ من الإرادة الشديدة، كان مقتضى أصالة التطابق بين المدلول التصديقيّ والتصوّريّ الكشف عن وجود إرادة شديدة في نفس المولى.

هذا، ونحن في مبحث مادّة الأمر وإن قلنا: إنّه لا يمكن الاستغناء عن دعوى الوضع في مقام استفادة الوجوب; لعدم تماميّة مسلك الإطلاق ولا مسلك العقل، إلاّ أنّه في صيغة الأمر يمكن الاستغناء عن الوضع، وذلك بأن يقال: إنّ الإلقاء الذي هو أمر تكوينيّ خارجيّ يستبطن طبعاً سدّ كلّ أبواب العدم; فإنّ الإلقاء معناه: قهره وجرّه نحو الفعل جرّاً، وهذا لا يكون إلاّ بسدّ تمام أبواب العدم، فإذا صدرت صيغة «افعل» واستفدنا من ظاهر حال المولى وكلامه أنّه في مقام الدفع التشريعيّ، قلنا: إنّ المدلول التصوّريّ هو الإلقاء التكوينيّ، والإلقاء التكوينيّ يستبطن سدّ تمام أبواب العدم، والمدلول التصديقيّ هو الدفع التشريعيّ، ومقتضى

 
  صفحه 109  

أصالة التطابق بين المدلول التصديقيّ والمدلول التصوّريّ هو كون الدفع التشريعيّ سدّاً لتمام أبواب العدم، وسدّ تمام أبواب العدم في عالم التشريع معناه الوجوب، فهذا يكون وجهاً لاستفادة الوجوب بالإطلاق ومقدّمات الحكمة، لكن بتقريب أصالة التطابق بين المدلول التصوّريّ والتصديقيّ، لا بتقريب آخر.

هذا حال الصيغة، وفي مادّة الأمر أيضاً يمكن دعوى: أنّ العرف يستفيد منها معنى الدفع والإلقاء، فيأتي نفس التقريب(1).


(1) في دلالة مادّة الأمر تصوّراً على معنى الدفع أو الإلقاء التكوينيّ تأمّل واضح، فلو تمّ ذلك في صيغة الأمر بالبيان الذي عرفته في المتن من اُستاذنا ، فالتعدّي منها إلى المادّة لا وجه له، بل المتعيّن عندئذ هو التفصيل بين مادّة الأمر وصيغته، بدعوى دلالة الصيغة بالبيان الماضي عن اُستاذنا على الوجوب بالإطلاق، وعدم دلالة المادّة عليه إلاّ بالوضع.

وهنا نشير إلى أمرين:

الأمر الأوّل: أنّه لو تمّت الدلالة الإطلاقيّة في الصيغة، أو فيها وفي المادّة على الوجوب، فهذا لا يعني ضرورة إنكار الدلالة على الوجوب وضعاً; إذ لا مانع من اجتماع الدلالة الوضعيّة مع نكتة الإطلاق في مورد واحد، بحيث يقال: لو لم تتمّ الدلالة الوضعيّة، إذن لتمّ الإطلاق، ولكن تشخيص ذلك في المقام لا يخلو من صعوبة; وذلك لأنّ الدليل الوحيد على الوضع والحقيقة هو التبادر، فإذا تمّت نكتة الإطلاق فكيف نجزم بالوضع مع احتمال كون التبادر مستنداً إلى الإطلاق؟

وهناك محكّان قد يمكن أن يميّز بأحدهما الوضع للوجوب وعدمه:

المحكّ الأوّل: أن نفحص عن مورد لا يكون المولى في مقام البيان، فلا يتمّ فيه الإطلاق، لنرى: هل يتمّ التبادر هناك أم لا ، فلو تمّ التبادر كان آية الوضع.

إلاّ أنّ تطبيق هذا المحكّ في غاية الصعوبة; وذلك لأنّه لو عُرف أنّ المولى لا يريد

  صفحه 110  


إفهام الوجوب، بطلت الدلالة الوضعيّة أيضاً، ولو عرف أنّه في مقام إفهام الحكم وجوباً كان أو استحباباً، تمّت نكتة الإطلاق، فلابدّ من التفتيش عن حالة وسطيّة، وهي: ما إذا كان بصدد إفهام المعنى بقدر ما يدلّ عليه الوضع، ولم يكن في مقام البيان أكثر من ذلك.

المحكّ الثاني: أن نفترض قرينة متّصلة أو ارتكازيّة كالمتّصل على عدم إرادة الوجوب، كما لو قال مثلاً: «اغتسل للجمعة» وكانت الضرورة المتشرّعيّة قرينة كالمتّصل على عدم الوجوب، ونقول عندئذ: إنّه لو كان الوضع للوجوب، إذن مقتضي تبادر الوجوب موجود في ذهننا، ولكنّه منصدم بالقرينة المانعة عن تأثيره، وهذا معنى الإحساس بمؤونة المجاز أو ثقل المجاز، أو الإحساس بعدم كون الكلام جارياً وفق الوضع الطبيعيّ، في حين أنّه لو لم يكن الوضع للوجوب، لم يكن في الذهن مقتض للتبادر، فلا يتمّ الإحساس بثقل المجاز.

الأمر الثاني: أنّ دلالة صيغة الأمر على الوجوب بالإطلاق بالتقريب الذي أفاده اُستاذنا أيضاً غير مقبولة لدينا، وعليه فتبادر الوجوب من صيغة الأمر دليل على الوضع للوجوب حتماً.

أمّا وجه الإشكال في الدلالة الإطلاقيّة التي أفادها اُستاذنا الشهيد فتوضيحه مايلي:

إنّ اُستاذنا الشهيد انطلق من حصر الفرق بين مثل «اضرب» ومثل «ضَرَب» في احتمالين:

الأوّل: الفرق بلحاظ النسبة الناقصة، وهي النسبة الصدوريّة.

والثاني: الفرق بلحاظ النسبة التامّة، وهي النسبة التطابقيّة. وبرهن على نقص الاُولى وتمام الثانية بأنّ الاُولى خارجيّة المنشأ; لأنّ النسبة الصدوريّة بين الفعل والفاعل ثابتة

  صفحه 111  


خارجاً سواء تصوّرها أحد أو لا، والثانية ذهنيّة المنشأ; لأنّ النسبة التصادقيّة محلّها الذهن فحسب، وأمّا ما في الخارج فهو الاتّحاد لا التصادق. وقد مضى في بحث المعاني الحرفيّة البرهان على أنّ النسبة التي تكون خارجيّة المنشأ تكون ناقصة، والتي تكون ذهنيّة المنشأ تكون تامّة، ثُمّ برهن على بطلان كون الفرق بين «اضرب» و«ضرب» في النسبة التامّة بدليل إحساسنا بالفرق بينهما قبل فرض إكمالهما بملاحظة الفاعل، فانحصر الأمر في أن يكون الفرق بين الصيغتين في النسبة الناقصة، وذلك لا يكون إلاّ بمعنى: أنّ النسبة الناقصة في «ضرب» هي الصدوريّة، وفي «اضرب» هي البعثيّة أو الإرساليّة، وبهذا البيان تعيّن أن تكون النسبة البعثيّة أو الإرساليّة ناقصة، في حين أنّ الذي يبدو بادئ الأمر في النظر أن تكون تلك نسبة تامّة; لأنّ نسبة البعث الموجودة في باب الأمر إنّما هي أمر ذهنيّ، وليست أمراً خارجيّاً، وهي من مخلوقات عالم ذهن الآمر ابتداءً، وليست محاكاة لما في الخارج، ومن هنا حاول اُستاذنا الشهيد إرجاع هذه النسبة إلى أمر يحاكي ما في الخارج، فافترض: أنّ النسبة البعثيّة هنا محاكاة للنسبة البعثيّة الموجودة في الدفع والإلقاء التكوينيّين، وبما أنّ الدفع والإلقاء التكوينيّين يسدّان جميع أبواب العدم فبمقتضى أصالة التطابق بين المدلول التصوّريّ والمدلول التصديقيّ يثبت أنّ النسبة البعثيّة التشريعيّة التي هي المدلول التصديقيّ للأمر أيضاً تسدّ جميع أبواب العدم، إلاّ أنّ سدّ البعث التكوينيّ لجميع أبواب العدم كان تكوينيّاً، وسدّ البعث التشريعيّ لجميع أبواب العدم يكون تشريعيّاً، وليس سدّ جميع أبواب العدم تشريعاً إلاّ بالوجوب، فهذا نوع بيان للإطلاق لإثبات الوجوب.

أقول: إنّ حصر الفرق بين «اضرب» و«ضرب» في الوجهين الماضيين غير حاصر، والأقرب إلى الذهن من ذلك في النظر هو: أنّ نفس النسبة البعثيّة نسبة تامّة تدلّ عليها

  صفحه 112  


صيغة الأمر دلالة تصوّريّة بالوضع، وعلى واقع البعث والإرادة دلالة تصديقيّة بظهور الحال والسياق الذي هو منشأ الدلالات التصديقيّة، وهي ذهنيّة المنبت والمولد، ولا تحاكي نسبة تكوينيّة بين الملقى والملقى عليه في الإلقاء التكوينيّ، وهذه النسبة هي نسبة تامّة بين أركان ثلاثة: الباعث والمبعوث والمبعوث إليه، فصيغة الأمر أجنبيّة عن كلتا النسبتين اللتين فرضتا في «ضَرَبَ» من الصدوريّة والتصادقيّة، وإنّما تشتمل على نسبة واحدة تامّة، وافتراض حكايتها تصوّراً عن الدفع التكوينيّ ثُمّ بالملازمة عن الإرادة لغلبة نشوء الدفع التكوينيّ عن الإرادة، ثُمّ بالدلاله التصديقيّة على الكشف عن الإرادة ليس إلاّ تعمّلاً وتمحُّلاً لا داعي إليه، بل هي تعطي راساً بالدلالة التصوّريّة نسبة البعث، وتكشف بالدلالة التصديقيّة عن وجود واقع البعث والإرادة حقيقة في ذهن الآمر، وعليه فمبرّر الإطلاق الذي أفاده اُستاذنا منتف، وبالتالي لا تكون دلالة الأمر على الوجوب إلاّ وضعيّة.

  صفحه 113  

 

 

 

 

 

دلالة الجملة الخبريّة

الجهة الثالثة: لا إشكال في صحّة استعمال الجملة الخبريّة في الطلب، واستفادته منها بقرينة ظهور الحال في كون المتكلّم في مقام إعمال المولويّة لا في مقام الإخبار الصِرف، وإنّما الكلام يقع في مقامين:

1 ـ في كيفيّة تخريج دلالتها على الطلب.

2 ـ في أنّ هذه الدلالة على الطلب بعد تخريجها هل تقتضي الوجوب، أو الجامع بين الوجوب والاستحباب؟

 

تخريج دلالة الجملة الخبريّة على الطلب:

أمّا المقام الأوّل: وهو في كيفيّة تخريج دلالة الجملة الخبريّة على الطلب، ففيه مسلكان:

المسلك الأوّل: هو المسلك المشهور بين المتأخّرين كصاحب الكفاية ومن تابعه، وهو: أنّ الجملة الخبريّة مستعملة في نفس النسبة الصدوريّة، فالمعنى المستعمل فيه في الجملة الخبريّة في مقام الطلب هو عين المعنى المستعمل فيه في الجملة الخبريّة في مقام الإخبار، وكأنّ مقتضى الطبع أن يفهم منها الإخبار، إلاّ أنّها بإعمال عناية دلّت على الطلب، وحيث إنّ ذلك يكون بعناية احتجنا إلى قرينة تدلّ على إعمال تلك العناية، هذا.

 
  صفحه 114  

ويمكن تصوير ما أرادوه من دلالة الجملة الخبريّة على الطلب مع استعمالها في نفس ما تستعمل فيه عند الإخبار، وإبراز نكتة احتياج ذلك إلى العناية بعدّة وجوه:

الوجه الأوّل: أنّ الجملة الخبريّة بحسب طبعها الأوّليّ لها مدلول تصوّريّ، وهي النسبة الصدوريّة، ومدلول تصديقيّ، وهي الحكاية عن وقوع تلك النسبة في الخارج، وبالإمكان الحفاظ على كلا المدلولين في موارد الطلب، فيحمل قوله مثلاً: «إذا قهقه المصلّي أعاد صلاته» على أنّه يحكي حقيقةً ويخبر عن أنّ المصلّي الذي ابتلي بالقهقهة في أثناء الصلاة يعيد صلاته، وحينئذ يتّجه هنا سؤالان:

أحدهما: أنّه كيف يحتفظ بكلا الأمرين مع أنّ الخبر الذي ينتج عن هذا كذب; إذ قد لا يعيد صلاته ولو مخالفةً للشرع؟

والثاني: أنّ هذا كيف أصبح دالاًّ على الطلب مع أنّه بصدد الإخبار حقيقةً؟

وجوابهما عبارة عن نكتة واحدة، وهي: أنّ بالإمكان الالتزام بأنّ هذا الإخبار إخبار عن صدور الإعادة من الإنسان لا مطلقاً وكيف ما اتّفق، بل من خصوص ذلك الإنسان الذي هو في مقام الامتثال، وتطبيق عمله على الشريعة، وبهذا يتمّ الجواب على كلا السؤالين:

أمّا الأوّل، فلأنّ من فرض فيه أنّه يطبّق عمله على القواعد الشرعيّة يعيد العمل حتماً، فهذا إخبار في وعاء مخصوص لا مطلقاً.

وأمّا الثاني، فلأنّ كون المطبّق عمله على الشريعة معيداً حتماً يكون ملازماً ـ  لا محالة  ـ لكون الإعادة مطلوبة للشارع، فيدلّ هذا الإخبار بالملازمة على الطلب.

وبما ذكرناه ظهر وجه العناية في هذا التخريج، وهي: أنّه لابدّ من أجل تصحيح ذلك من تضييق دائرة الإخبار، فظهور الحال في كون المتكلّم في مقام من مقامات

 
  صفحه 115  

المولويّة صار مقيّداً لفاعل جملة «يعيد» ، وطبعاً هذه عناية تحتاج إلى مثل هذه القرينة.

الوجه الثاني: أن نحافظ على المدلول التصوّريّ، وهي النسبة الصدوريّة، والمدلول التصديقيّ، وهو قصد الحكاية، ولكن لا بمعنى: قصد الحكاية عن تلك النسبة الصدوريّة كما هو الحال في الوجه السابق، بل بمعنى: قصد الحكاية عن ملزومها(1).

وتوضيح ذلك: أنّ النسبة الصدوريّة كثيراً ما تنشأ من طلب المولى وتحريكه، وعليه فيصحّ للمتكلّم أن يخبر عن الطلب الذي هو الملزوم بلسان الإخبار عن اللازم، وهو ما يسمّى بالكناية، من قبيل قولهم «زيد كثير الرماد» في مقام الإخبار عن الكرم، حيث كانت كثرة الرماد تنشأ في الأعصر السابقة من الكرم، ووجه العناية هنا ليس تضييق الفاعل، بل هو حمل الكلام على الكناية; إذ مقتضى الطبع هو الإخبار عن المدلول المطابقيّ، لا جعل المدلول المطابقيّ قنطرة إلى الملزوم.

الوجه الثالث: أن يقال: إ نّنا نحافظ على المدلول التصوّريّ للجملة الخبريّة، ولكن نسلخها عن المدلول التصديقيّ الخبريّ، وهو قصد الحكاية والإخبار، فلا نفترض قصد الحكاية لا عن المدلول المطابقيّ ولا عن ملزومه، بل يقال: حيث إنّ هذه النسبة الصدوريّة في كثير من الأحيان تتحقّق خارجاً في طول النسبة الإرساليّة من المولى كما يقال: «دفعته فاندفع» ، إذن فتنعقد ـ  بعد إقامة القرينة على الالتفات إلى هذه الطوليّة  ـ دلالة تصوّريّة على النسبة الإرساليّة في طول الدلالة التصوّريّة على النسبة الصدوريّة، وعندئذ يكشف الكلام عن الطلب


(1) لا يخفى: أنّ قصد الحكاية عن نفس النسبة الصدوريّة التصوّريّة محفوظ في الأخبار الكنائيّة، لكنّه استطراق إلى مدلول نهائيّ، وهو قصد الحكاية عن الملزوم.

  صفحه 116  

والإرادة بالنحو المتقدّم في صيغة الأمر(1)، غاية الأمر: أنّ دلالة الأمر التصوّريّة على النسبة الإرساليّة كانت مطابقيّة، ودلالة الجملة الخبريّة التصوّريّة عليها التزاميّة، ولكن بعد أن انعقدت ـ  على أيّ حال  ـ دلالة تصوّريّة على النسبة الإرساليّة صحّ أن يكشف الكلام عن الطلب والإرادة.

والعناية هنا عبارة عن فرض الانتقال التصوّريّ من النسبة الصدوريّة إلى النسبة الإرساليّة; إذ مجرّد تصوّر النسبة الصدوريّة لا يكفي لهذا الانتقال; لوضوح: أنّ النسبة الصدوريّة كثيراً ما تنشأ أيضاً من غير النسبة الإرساليّة، فلولا القرينة يقف ذهن السامع على النسبة الصدوريّة.

الوجه الرابع: أن نحافظ أيضاً على المدلول التصوّريّ للجملة الخبريّة، وهو النسبة الصدوريّة، ونسلخها أيضاً عن المدلول التصديقيّ، وهو قصد الحكاية، ولا نلتزم بالانتقال تصوّراً من النسبة الصدوريّة إلى النسبة الإرساليّة كما في الوجه السابق، ولكن ندّعي: أنّ النسبة الصدوريّة قابلة لتعلّق أمرين نفسيين بها من


(1) مقصود اُستاذنا : أنّ الذهن ينتقل تصوّراً بواسطة القرينة من النسبة الصدوريّة التصوّريّة إلى النسبة الإرساليّة التكوينيّة; لأنّ النسبة الصدوريّة من لوازم النسبة الإرساليّة، وبما أنّ النسبة الإرساليّة التكوينيّة في غالب الأحيان تكون في طول الإرادة التشريعيّة للمولى تصبح الدلالة التصديقيّة عبارة عن هذه الإرادة.

ولكن الوجه الذي نحن ارتأيناه فيما سبق لدلالة صيغة الأمر على الطلب لم يكن هذا، بل كان دعوى وضع الهيئة للنسبة البعثيّة التامّة تصوّراً، وتكشف تلك النسبة عن الإرادة والبعث التشريعيّ، وهنا أيضاً يمكن تطبيق نفس الفكرة، بأن يقال: إنّ النسبة الصدوريّة خارجاً تتبع النسبة البعثيّة ذات أطراف ثلاثة، فينتقل الذهن ـ  بعد قيام قرينة على الالتفات إلى ذلك  ـ من النسبة الصدوريّة إلى النسبة البعثيّة التامّة، وينكشف بها على مستوى الدلالة التصديقيّة الطلب والإرادة.

  صفحه 117  

قبل المتكلّم، فكما قد يتعلّق بها التصديق والإخبار كذلك قد يتعلّق بها الطلب والإرادة، فكما قد يكون المدلول التصديقيّ هو الأوّل كذلك قد يكون المدلول التصديقيّ هو الثاني بلا حاجة إلى ضمّ دلالة تصوّريّة على النسبة الإرساليّة; لأنّ الطلب والإرادة يتعلّق ابتداءً بالنسبة الصدوريّة كما يتعلّق بها الإخبار والحكاية.

إلاّ أنّ هذا يحتاج إلى إعمال رويّة لنعرف أنّه إذن ما هي العناية؟ إذ قد يتبادر إلى الذهن أنّه لا توجد عناية في ذلك، فإنّ النسبة الصدوريّة قد يتعلّق بها التصديق، واُخرى يتعلّق بها الطلب، وكلاهما أمر زائد على النسبة الصدوريّة.

إلاّ أنّ جواب ذلك: أنّ المؤونة موجودة هنا أيضاً; لأنّ التصديق بالنسبة، والكشف عنها، والعلم بها دائماً هو طريق محض إلى النسبة، لا يرى بها إلاّ المعلوم والمنكشف، فكأنّه لا يزيد عليه، بينما الإرادة ممّا يُرى مستقلاًّ، لا ممّا يُرى به، فكأنّها تزيد على النسبة(1) وإن كان بالدقّة كلاهما أمراً زائداً على النسبة.

فهذه وجوه أربعة لتخريج دلالة الصيغة الإخباريّة على الطلب مع إبراز العناية الكامنة في ذلك.

وأقرب هذه الوجوه مالم تكن قرينة على أحدها بالخصوص هو الوجه الأوّل; لأنّ ذاك الوجه يُحافظ فيه على الدلالة التصديقيّة الخبريّة، غاية ما هناك: أنّه تقيّد فيه مادّة الفاعل، بينما في سائر الوجوه يرفع اليد عن أصل ظهور الجملة الخبريّة في المدلول التصديقيّ الإخباريّ. وكلّما دار الأمر بين رفع اليد عن أصل ظهور الجملة أو تقييد المادّة، قدّم الثاني، فالوجه الأوّل هو الموافق للصناعة لولا قرينة


(1) وهذه مؤونة قويّة تجعل هذا الوجه أبعد من كلّ الوجوه السابقة.

  صفحه 118  

خاصّة على سائر الوجوه(1).

المسلك الثاني: هو مسلك السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ حيث اختار: أنّ دلالة الجملة الخبريّة على الطلب ليست من باب استعمالها في معناها الموضوع له الأصليّ وإرادة الطلب بشيء من المناسبة، وإنّما استعملت في معنىً جديد ابتداءً. وقد انساق إلى ذلك على أساس مبناه في الوضع، حيث يرى أنّ الموضوع له هو المدلول التصديقيّ ابتداءً، لا المدلول التصوّريّ، والمدلول التصديقيّ في الجملة الخبريّة حينما تستعمل بداعي الإخبار مباين له فيها حينما تستعمل بداعي الطلب والإنشاء، وقد استشهد لكون الجملة الخبريّة منسلخة عن معناها رأساً حينما تستعمل بداعي الطلب بأنّه لو كان مدلولها الأصليّ محفوظاً في موارد الطلب، للزم جواز استعمال كلّ جملة خبريّة في مقام الإنشاء والطلب، مع أنّنا نرى بالوجدان أنّ الجملة الاسميّة لا تستعمل في ذلك، وكذلك الجملة الفعليّة إذا كان فعلها بصيغة الماضي، إلاّ إذا وقع جزاءً في جملة شرطيّة، كأن يقال: «إذا قهقه في صلاته، أعاد الصلاة». وأمّا الفعل المضارع فيصحّ استعماله في الطلب مطلقاً، فيقال مثلاً: «يعيد» أو «يسجد سجدتي السهو» ونحو ذلك، فلو كان المصحّح للاستعمال المناسبة بين


(1) وبعده يكون أقوى الوجوه هو الوجه الثاني بناءً على ما قلناه: من أنّ قصد الحكاية عن نفس النسبة الصدوريّة محفوظ فيه، غاية الأمر أنّه استطراق إلى المعنى الكنائيّ، وهذا أولى من الوجهين الأخيرين اللذين سلخ الكلام فيهما عن قصد الحكاية نهائيّاً. والوجه الثالث بعد توجيهه بما أشرنا إليه في تعليقنا عليه أقوى من الوجه الرابع; لأنّ ما اشتمل عليه الوجه الرابع من كون المدلول التصوّريّ هو النسبة الصدوريّة، والمدلول التصديقيّ منسلخاً عن الكشف والإخبار عنه، ومتحوّلاً إلى الطلب برغم أنّ النسبة الصدوريّة لم تفرض استطراقاً إلى نسبة بعثيّة مناسبة للطلب خلاف الظاهر جدّاً.

  صفحه 119  

الطلب والجملة الخبريّة، فأيّ فرق بين جملة وجملة؟(1).

أقول: إنّ أصل المبنى لهذا المسلك ـ وهو كون المدلول الوضعيّ عبارة عن الدلالة التصديقيّة ـ قد ظهر بطلانه فيما تقدّم من بحثنا في الوضع.

وأمّا الشاهد الذي استشهد به في المقام لمسلكه، فتعليقنا عليه هو: أنّه لا ينبغي


(1) راجع المحاضرات، ج 2، ص 132 ـ 138 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

والمقدار الموجود من البيان في المحاضرات يحسّ فيه بنقص، بيانه: أنّه كان بصدد الردّ على صاحب الكفاية الذي يرى أنّ الجملة الخبريّة استعملت في نفس ما استعملت فيه لدى الحكاية، إلاّ أنّه قصد بها الطلب. والمناسبة لإفادة الطلب بالجملة الخبريّة عبارة عن شدّة الشوق إلى المتعلّق ممّا يؤدّي إلى فرض وجوده، ومن هنا أصبحت دلالة الجملة الخبريّة على الوجوب آكد من صيغة الأمر.

وخلاصة ردّ السيّد الخوئيّ هي: أنّه لو كانت المناسبة لإفادة الطلب هذا الذي ذكر مع وحدة المستعمل فيه، فهذه المناسبة موجودة في كلّ أقسام الجملة الخبريّة، فلماذا خصّص تفهيم الطلب بالمضارع، أو الماضي إذا وقع جزاءً للشرط؟! فهذا دليل على أنّ سبب صحّة الاستعمال مناسبة اُخرى مخصوصة بالمضارع وبالماضي إذا وقع جزاءً للشرط.

أقول: نقص هذا البيان أنّه لم يذكر لنا ما هي تلك المناسبة المختصّة بالمضارع وبالماضي لدى وقوعه جزاءً للشرط، ولعلّ مقصوده هو أنّ معنى الأمر ـ  الذي هو على مبناه عبارة عن الإلقاء في العهدة  ـ يناسب الإخبار المستقبليّ دون الإخبار عن الماضي، أو عن أمر ثابت; لأنّ المضيّ والثبوت لا ينسجمان مع الإلقاء على العهدة، فهذا هو الذي صحّح استعمال المضارع في الإلقاء على العهدة. أمّا لو قلنا: إنّ المضارع لا زال مستعملاً في المعنى الخبريّ، وقصد به الطلب باعتبار أنّ الفراغ عن الوجود يناسب شدّة الطلب، فهذه النكتة مشتركة بين جميع أقسام الخبر.

  صفحه 120  

الاستشكال في استعمال الفعل الماضي في مقام الطلب في الجملة من دون أن يقع جزاءً للشرط، وكيف لا مع أنّ من الشائع مثل قولنا: «غفر الله لك» أو «رحمك الله وأثابك» أو «عافاك الله» ونحو ذلك، ومن المعلوم أنّه ليس المقصود الإخبار، بل الطلب والسؤال. نعم، لا إشكال في أنّ هذا غير مطّرد، فلا يقول المولى لعبده: «صلّيت» أو «صمت» في مقام الأمر بالصلاة أو الصوم، ولكن يقول له: «تصلّي» و«تصوم»، والسرّ في ذلك: أنّ الطلب يوجد فيه النظر الاستدعائيّ، وكون هذا الطلب هو السبب لتحقّق الفعل، وهذا لا يناسب بحسب الارتكاز العرفيّ مع فرض الفراغ عن تحقّقه ومضيّه الذي هو مفاد الفعل الماضي، والذي يكون أيضاً ببعض المعاني مفاد الجملة الاسميّة. نعم، حينما يقلب الماضي إلى شبه المضارع كما في جزاء القضيّة الشرطيّة، حيث أصبح تعليقيّاً صحّ استعماله في مقام الطلب، وأمّا مثل «غفر الله لك» أو «عافاك الله» الذي يستعمله العبد في مقام الطلب من المولى فكأنّه تأدّباً وتعظيماً للمولى بغضّ النظر عن كون طلبه هو السبب لنشوء الفعل من المولى، فيرتفع التهافت بين النظرتين.

 

دلالة الجملة الخبريّة على الوجوب أو الجامع بين الوجوب والاستحباب:

وأمّا المقام الثاني: وهو أنّه بعد تخريج دلالة الجملة الإخباريّة على الطلب بأحد الوجوه التي عرفت فهل تقتضي خصوص الوجوب، أو الجامع بين الوجوب والاستحباب؟

لابدّ في ذلك من مراجعة ما عرفته من وجوه تخريج دلالتها على الطلب، فنقول:

أمّا على الوجه الأوّل: فالجملة الإخباريّة في مقام الطلب تكون ظاهرة في الوجوب; وذلك لأنّ العناية في الوجه الأوّل كانت عبارة عن تقييد الفاعل، بمن

 
  صفحه 121  

يطبّق عمله على وفق الشريعة، وتشتدّ هذه العناية لو فرض الطلب استحبابيّاً; إذ ليس كلّ من يطبّق عمله على وفق الشريعة يعمل بالمستحبّات، فلابدّ من إضافة في تقييد الفاعل، بأن يفرض أنّه يخبر عن حال من يطبّق عمله على وفق الشريعة حتّى في الأمر الاستحبابيّ، حتّى لا يكون كذباً.

وأمّا على الوجه الثاني: فأيضاً تكون الجملة الخبريّة للطلب ظاهرة في الوجوب; وذلك لأنّه فرض في ذلك الوجه سلوك مسلك الكناية والإخبار عن الشيء بلسان الإخبار عن لازمه، حيث إنّ النسبة الصدوريّة كثيراً ما تنشأ من طلب المولى، ومن الواضح: أنّ هذه الملازمة فيما إذا كان الطلب وجوبيّاً تكون أقوى وآكد منها حينما يكون استحبابيّاً، بل يمكن أن يقال بعدم الملازمة في الاستحباب لشيوع ترك الناس حتّى المتشرّعة للمستحبّات.

وأمّا على الوجه الثالث: فأيضاً تكون الجملة الخبريّة للطلب ظاهرة في الوجوب; وذلك لأنّ المفروض فيه هو انتقال الذهن بالملازمة من المدلول التصوّريّ المطابقيّ ـ  وهو النسبة الصدوريّة  ـ إلى مدلول تصوّريّ التزاميّ وهو النسبة الإرساليّة، فإذا دلّت الجملة تصوّراً ـ  ولو بالملازمة  ـ على النسبة الإرساليّة، جاء البيان الأخير الذي بيّنّاه في دلالة صيغة «افعل» على الوجوب: من أنّ الإرسال التكوينيّ يستبطن سدّ جميع أبواب العدم تكويناً، فمقتضى أصالة التطابق بين الإرسال التكوينيّ المدلول عليه بالصيغة تصوّراً والتسبيب التشريعيّ المدلول عليه بالصيغة تصديقاً هو الحمل على الوجوب; لأنّ سدّ جميع أبواب العدم تشريعاً عبارة عن الإيجاب(1).


(1) هذا البيان منسجم مع طريقة اُستاذنا في فهم الطلب والوجوب من صيغة

الأمر. أمّا على طريقتنا الماضية من وضع صيغة الأمر لنسبة بعثيّة وجوبيّة ذات أطراف ثلاثة، فالذي ينبغي أن يقال هنا في كيفيّة فهم الوجوب هو: أنّ الملازمة بين النسبة البعثيّة الوجوبيّة والمدلول التصوّريّ للجملة الخبريّة الذي هو النسبة الصدوريّة آكد وأوضح منها في غير الوجوبيّة، فينتقل الذهن إلى الوجوبيّة، وبالتالي تنعقد الدلالة التصديقيّة على البعث الوجوبيّ والإرادة الوجوبيّة.

  صفحه 122  

وأمّا على الوجه الرابع: وهو: أنّ المدلول التصوّريّ ـ وهو النسبة الصدوريّة ـ يتعلّق به ابتداءً الطلب والإرادة كما يتعلّق به الإخبار والحكاية، فيصحّ أن يكون ما وراءه من مدلول تصديقيّ عبارة عن الطلب والإرادة رأساً، كما يصحّ أن يكون عبارة عن الإخبار والحكاية، فهذا لا يفسّر دلالة الجملة الخبريّة في مقام الطلب على الوجوب، ولا يأتي شيء من الخصوصيّات التي عرفتها في الوجوه السابقة لإثبات الوجوب، فلا تدلّ الجملة الخبريّة على هذا الوجه إلاّ على جامع الطلب(1).

نعم، لو بنينا على دلالة الأمر على الوجوب بالإطلاق بالتقريب الذي يقوله المحقّق العراقيّ : من أنّ الوجوب كلّه إرادة، والاستحباب يكون حدّه وهو ضعف الإرادة خارجاً عن الإرادة، أمكن الإتيان بذلك الوجه فيما نحن فيه أيضاً، فيقال: إنّ الجملة الخبريّة دلّت تصوّراً على النسبة التصادقيّة، وتصديقاً على الإرادة، والوجوب كلّه إرادة بخلاف الاستحباب، فقد دلّت على الوجوب.

وكأنّ هذا الوجه بطلانه هنا أوضح منه في الأمر; حيث إنّ الأمر كان يُفهِم


(1) نعم، لو بنينا على مسلك الشيخ النائينيّ : من أنّ الوجوب مفهوم بحكم العقل لدى كلّ طلب من المولى لم يرد معه ترخيص في الخلاف، يثبت في المقام الوجوب بلا إشكال.

  صفحه 123  

تصوّراً الإرادة، فقد يقال: إنّ شدّة الإرادة أيضاً إرادة، فقد دخلت فيما هو المتصوَّر بخلاف ضعفها. وأمّا فيما نحن فيه فالإرادة إنّما فهمت بالدلالة التصديقيّة والكشف، وواضح جدّاً أنّ شدّة الإرادة لم تكشف كما أنّ ضعفها لم يكشف(1).


(1) الإطلاق عبارة عن أصالة عدم زيادة المراد الجدّيّ على المراد الاستعماليّ، فلو قال مثلاً: «أكرم العالم» وعرفنا بأصالة الحقيقة: أنّ المراد الجدّيّ غير مشتمل على قيد العدالة، قلنا: إنّ المراد الجدّيّ أيضاً غير مشتمل عليه; لأنّه قيد زائد على المراد الاستعماليّ منفيّ بأصالة الإطلاق، وفي صيغة الأمر يفترض أنّ المدلول التصوّريّ الموضوع له اللفظ عبارة عن النسبة الإرساليّة أو الإرادة، ويفترض أنّ المراد الاستعماليّ أيضاً بحكم أصالة الحقيقة ليس إلاّ الكشف عن ذلك، ويفترض في مبنى الشيخ العراقيّ : أنّ الاستحباب إن كان هو المقصود جدّاً فهو مشتمل على الزيادة، وهو الحدّ العدميّ المباين للمحدود، بخلاف الوجوب الذي حدّه وجوديّ، فهو من سنخ المحدود، فأصالة الإطلاق تعيّن الوجوب.

وأمّا الجملة الخبريّة فالمفروض أنّها موضوعة للنسبة الصدوريّة، والمفروض: أنّ المراد الجدّيّ ليس عبارة عن الكشف عنها، بل عبارة عن الكشف عن الإرادة أو النسبة الإرساليّة، فإمّا أنّ المراد الاستعماليّ اختلف عن المدلول التصوّريّ الموضوع له اللفظ، فأصالة الحقيقة منخرمة في المقام، فيأتي عندئذ احتمال كون المدلول الاستعماليّ عبارة عن النسبة الوجوبيّة، أو الإرادة الوجوبيّة، أو أنّ المراد الاستعماليّ عبارة عن إرادة نفس المدلول التصوّريّ الوضعيّ، ولكن المراد الجدّيّ اختلف عن المراد الاستعماليّ، ولم يكن عبارة عن الكشف عن جدّيّة نفس المراد الاستعماليّ، فالمراد الجدّيّ هو الإرادة والنسبة الصدوريّة، فهنا لا معنىً للتمسّك بأصالة الإطلاق لإثبات الوجوب بدعوى: أنّ الاستحباب أكبر من المراد الاستعماليّ; لاشتماله على القيد العدميّ; وذلك لما عرفت من تباين المراد الجدّيّ عن الاستعماليّ أساساً.

  صفحه 124  

وعلى أيّ حال، فقد عرفت أنّ مقتضى الصناعة ـ لولا قرينة خاصّة ـ تعيّن الوجه الأوّل من الوجوه الأربعة لتفسير دلالة الجملة الخبريّة على الطلب، وهو يقتضي الدلالة على الوجوب.

وأمّا على مسلك السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ الذي يقول بكون الجملة الخبريّة مستعملة رأساً في معنىً جديد، فإن كان هذا المعنى الجديد عبارة عمّا يقوله من وضع الفعل في العهدة، فيدلّ ذلك على الوجوب: إمّا من باب حكم العقل بالوجوب بمجرّد طلب المولى ما لم يرد الترخيص في الخلاف، وهو ما اختاره السيّد الاُستاذ، أو من باب: أنّ العهدة ارتكز عقلائيّاً كونها في باب الضمانات وعاء


أقول: يمكن أن يدّعى استظهار الوجوب في المقام ببيان آخر، وهو: أنّ المولى قد أبرز طلبه بلسان كان في الأصل لسان الإخبار عن التحقّق لا الطلب والشوق، وهذا يناسب عرفاً شدّة الشوق إلى التحقّق; فإنّ من يشتدّ شوقه إلى شيء فكأنّه يفترض تحقّقه. وهذا بيان يأتي على كلّ وجوه دلالة الجملة الخبريّة على الوجوب، بل قد يقال على أساسه: إنّ دلالة الجملة الخبريّة آكد من دلالة صيغة الأمر عليه.

وقد استفاد الآخوند في الكفاية(1) من هذه النكتة ببيان: أنّ الجملة الخبريّة مستعملة في نفس معنى الخبر والحكاية، فتدلّ على الوجوب بشكل آكد. والسيّد الخوئيّ بما أنّه يعتقد: أنّه لم تستعمل الجملة الخبريّة الدالّة على الطلب في نفس معنى الخبر والحكاية أنكر آكديّة دلالتها على الوجوب، ولكن الواقع: أنّ نفس التلبّس باللباس المناسب للخبر يعطي عرفاً بالمناسبة هذه الآكديّة، سواء كان المدلول المستعمل فيه الكلام هو الخبر أو لا.


(1) ج 1، ص 105 بحسب طبعة المشكينيّ.

  صفحه 125  

يستتبع ثبوت الشيء فيه اللزوم والوجوب، وهو ما سيأتي منّا ـ  إن شاء الله  ـ بعدقليل في التنبيه الثاني.

وإن كان هذا المعنى الجديد عبارة عن الطلب والإراة، لم يبقَ مجال لفهم الوجوب إلاّ التمسّك بالإطلاق بالتقريب الذي كان يقوله المحقّق العراقيّ : من أنّ الوجوب كلّه طلب وإرادة بخلاف الاستحباب.

 

تنبيهان:

بقي التنبيه على أمرين:

الأوّل: لا إشكال في أنّ فعل المضارع إذا دخل عليه لام الأمر من قبيل (ليصلِّ) قلب النسبة الصدوريّة فيه إلى النسبة الإرساليّة، وحينئذ يدلّ على الوجوب بنفس بيانات دلالة صيغة «أفعل» على الوجوب.

الثاني: أنّ الجملة التي تستعمل في مقام إبراز إرادة المولى إذا ثبت في بعضها أنّها موضوعة للدلالة على الوجوب، فلا كلام في دلالتها على الوجوب، وإلاّ فيمكن أن نقسّمها إلى ثلاثة أقسام:

الأوّل: ما يكون دالاًّ على الدفع والإرسال والتحريك: إمّا بنحو المعنى الحرفيّ، أي: النسبة الإرساليّة كما في صيغة «افعل» وفعل المضارع الذي دخل عليه لام الأمر، أو بنحو المعنى الاسميّ كما في «اُحرّكك» و«أدفعك» و«آمرك» ونحو ذلك.

وفي هذا القسم يمكن استفادة الوجوب بالإطلاق الذي بيّنّاه أخيراً في بحث صيغة الأمر، حيث قلنا: إنّ مقتضى أصالة التطابق بين المدلول التصديقيّ والتصوّريّ هو سدّ تمام أبواب العدم في المدلول التصديقيّ، وهو عبارة اُخرى عن الوجوب (1).


(1) مضى منّا عدم صحّة ذلك في «آمرك»، وأنّ دلالة مادّة الأمر على الوجوب

  صفحه 126  

الثاني: ما يفرض فيه: أنّه لا يستفاد منه الإرسال والإلقاء، لا بنحو المعنى الحرفيّ ولا بنحو المعنى الاسميّ، ولكن كان مضمونه أمراً اعتباريّاً، وهو الجعل في العهدة من قبيل قوله: ﴿لِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، وقوله: «على فلان أن يتصدّق بكذا» ونحو ذلك; حيث إنّ كلمة «على» تفيد هذا المعنى. وعندئذ نقول: بما أنّ العهدة وعاء في باب الضمانات ارتكز عقلائيّاً أنّ كلّ ما يقع فيه يقع موضوعاً للإلزام والوجوب، فينعقد بهذه النكتة لأيّ خطاب كان مفاده الجعل في العهدة الظهور في قصد الإلزام ما لم تكن قرينة على الخلاف.

الثالث: أن لا يوجد فيه شيء من الأمرين الماضيين، غاية الأمر: أنّه تستفاد منه رغبة المولى في الفعل، كقوله: «اُحبّ أن تصنع كذا» و«أرغب في أن تصنع كذا»، ومثل هذا لا دليل على إفادته للوجوب.

هذا هو الضابط الكلّيّ في دلالة تمام الجمل التي تستعمل في الروايات في مقام الطلب.


وضعيّة لا إطلاقيّة، كما أنّه مضى منّا أنّ الإرسال بالمعنى الحرفيّ في مثل صيغة الأمر أيضاً لايدلّ على ذاك الإرسال التكوينيّ الموجب لسدّ تمام أبواب العدم، وإنّما تدلّ صيغة الأمر على الوجوب بالوضع.

  صفحه 127  

 

 

 

 

 

الأصل في الواجب التعبّديّة أو التوصّليّة؟

الجهة الرابعة: في أنّ الأصل في الواجب هل هو التعبّديّة، أو التوصّليّة؟

والكلام في ذلك يقع في أربع مسائل; حيث إنّ التوصّليّة لها معان أربعة:

1 ـ التوصّليّ بمعنى ما يسقط بفعل الغير.

2 ـ التوصّليّ بمعنى ما يسقط بالفعل غير الاختياريّ من نفس الإنسان المكلّف.

3 ـ التوصّليّ بمعنى ما يسقط بالفرد المحرّم.

4 ـ التوصّليّ بمعنى عدم احتياجه إلى القربة وسقوطه بالإتيان به لا بداع قربيّ. وهذا هو المعنى الذي اشتهر بالتوصّليّة في علم الاُصول.

وفي مقابل كلّ واحد منها معنىً من معاني التعبّديّة، فيقع الكلام في أصالة التعبّديّة والتوصّليّة بكلّ واحد من هذه المعاني الأربعة، ولهذا يكون الكلام في أربع مسائل:

 

التوصّليّ بمعنى ما يسقط بفعل الغير

المسألة الاُولى: لو شكّ في سقوط الواجب بفعل الغير، فهل الأصل هو السقوط أو عدمه؟

والكلام يقع في مقامين:

الأوّل: في الأصل اللفظيّ.

والثاني: في الأصل العمليّ.

 
  صفحه 128  

 

مقتضى الأصل اللفظيّ:

المقام الأوّل: وهو مقتضى الأصل اللفظيّ في ذلك.

فقد ذكر السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ : أنّ مقتضى القاعدة هو عدم السقوط; لأنّ الشكّ ليس شكّاً في سعة دائرة الواجب وضيقه، بل في سعة دائرة الوجوب وضيقه; إذ لو فرض: أنّ الوجوب كان يسقط بفعل الغير، فليس معنى هذا: أنّ دائرة الواجب أعمّ من فعله وفعل غيره; لأنّ فعل الغير ليس داخلاً في قدرة المكلّف، وإنّما معنى ذلك: أنّ وجوب الفعل عليه مشروط بعدم فعل الغير، فإذا شكّ في ذلك كان مقتضى الإطلاق بحكم مقدّمات الحكمة عدم تقيّد الوجوب بهذا الشرط(1).

ويرد عليه: أوّلاً: أنّ فعل الغير وإن لم يكن تحت قدرته إذا لم يكن فعلاً تسبيبيّاً للمكلّف، ولكن إذا كان فعلاً تسبيبيّاً له كان داخلاً تحت قدرته بالواسطة، حيث إنّه يقدر عليه بالتسبيب إليه: إمّا بالإيجاب والإلجاء في الأفعال التي يتصوّر فيها ذلك، وإمّا بقدح الداعي في نفس الفاعل حينما يكون قادراً على ذلك، فتكون هذه الحصّة من فعل الغير ـ  أعني: الفعل التسبيبيّ  ـ مقدورة له، ولذا يمكن الأمر بها مباشرة بأن يأمره المولى مثلاً بصلاة ابنه، فيعقل تعلّق الأمر بالجامع بين فعله وفعل غيره التسبيبيّ له.

وثانياً: أنّنا لو فرضنا أنّ فعل الغير لم يكن مقدوراً له، فالسيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ قد ذكر في المسألة الثانية: أنّه يعقل تعلّق التكليف بالجامع بين فعل الشخص الصادر منه بالاختيار وفعله غير الاختياريّ; لأنّ الجامع بين المقدور


(1) راجع محاضرات الفيّاض، ج 2، ص 142 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

  صفحه 129  

وغير المقدور مقدور(1)، فكذلك نقول نحن هنا، فإنّ نسبة فعل الغير والفعل غير الاختياريّ إلى قدرة المكلّف على حدّ سواء، فهنا أيضاً نقول: إنّ الجامع بين المقدور وغير المقدور داخل تحت القدرة ولو في ضمن فعله، إذن فتحصّل: أنّ السقوط يمكن أن يكون بسبب سعة دائرة الواجب وشمولها لفعل الغير مطلقاً، أو التسبيبيّ على الأقلّ، وعليه فلو كان مقتضى إطلاق المادّة هو الجامع بين فعله وفعل غيره، لكان مقتضى القاعدة هو السقوط بفعل الغير وإن كان مقتضى ظهورها هي الحصّة المباشريّة، فحينئذ مقتضى إطلاق الصيغة ثبوت الوجوب حتّى مع فعل الغير، فلابدّ من صرف عنان الكلام إلى أنّ المادّة هل لها إطلاق لفعل الغير، أو لا؟

فنقول: يوجد عندنا أمران: أحدهما: استناد الفعل إلى المكلّف، والآخر: كون هذا المستند إليه صادراً منه بالمباشرة لا بالتسبيب.

أمّا الأوّل، فلا إشكال في كونه مستفاداً من المادّة; فإنّ المستفاد من قوله: «صلِّ» و«اغسل» ونحوه هو دفعه إلى الفعل بنحو يكون مستنداً إليه، فلو قال:


(1) المصدر السابق، ص 149. والوارد في المحاضرات مشتمل على الالتفات إلى إمكان فرضيّة التهافت بين ما قاله في المسألة الاُولى: من استحالة شمول إطلاق المادّة لفعل الغير وما قاله في المسألة الثانية: من شمول إطلاق المادّة للحصّة الصادرة بلا اختيار. وأجاب عن هذا التهافت بأنّ الوجه في عدم الشمول في المسألة الثانية إنّما هو عدم مقدوريّة تلك الحصّة، والجواب عليه هو: أنّ الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور، والمفروض تعلّق التكليف بالجامع لا بخصوص الحصّة غير المقدورة. وأمّا في المسألة الاُولى فأصل اعتبار الجامع بين فعل الشخص وفعل الغير في الذمّة أمر غير معقول.

أقول: ـ مضافاً إلى أنّ هذا الفرق لا نفهم له وجهاً متحصّلاً ـ إنّ هذا في الحقيقة عدول عمّا ذكره أوّلاً في وجه عدم معقوليّة تكليف الشخص بالجامع بين فعله وفعل غيره; فإنّ المذكور عنه هناك في نفس الكتاب موضوع عدم القدرة.

  صفحه 130  

«اغسل يا زيد»، ثُمّ غسل عمرو من غير تسبيب إلى ذلك من قبل زيد، لم يصدق على ذلك تحقّق مفاد «اغسل»; لأنّ النسبة الصدوريّة ملحوظة في الأمر كما هي ملحوظة في فعل الماضي، لكن مع إلباسها في الأمر ثوب النسبة الإرساليّة فوقها، إذن فلا تشمل المادّة الفعل الأجنبيّ للغير.

وأمّا الثاني، ففيه تفصيل; فإنّ المادّة قد تكون نسبتها إلى زيد مثلاً نسبة الفعل إلى الفاعل فقط لا العرض إلى محلّه، كما لو أمر زيداً بغسل المسجد، فإنّ الغسل عرض للمسجد لا لزيد، وقد تكون نسبتها إليه نسبة العرض إلى محلّه أيضاً كــ «اشرب الماء»، ففي القسم الأوّل مقتضى الإطلاق هو الشمول للحصّة المباشريّة والتسبيبيّة(1); إذ غاية ما يقتضيه قوله: «اغسل المسجد» هي النسبة الصدوريّة، وهي محفوظة في كلتا الحصّتين: المباشريّة والتسبيبيّة، فيكون ذلك صادقاً فيما لو لم يغسل المسجد بنفسه مباشرة لكنّه سبّب إلى غسله.


(1) لا يخفى: أنّ الشمول للحصّة التسبّبيّة لدى فرض توسّط إرادة فاعل مختار لا يخلو عن منع; لأنّ نسبة الفعل إلى الفاعل المسبِّب ـ  بالكسر  ـ غير صادقة هنا، وإنّما الصادق نسبة التسبيب إليه. نعم، قد نفهم بمناسبات الحكم والموضوع الشمول، كما في مثال الأمر بغسل المسجد، حيث يفهم بمناسبات الحكم والموضوع أنّ الهدف طهارة المسجد، وقد حصلت بتطهير شخص آخر، بل وكذا لو حصل بسبب آخر قهريّ، فلو نزل المطر وطهّر المسجد لكفى ذلك، إلاّ أنّ هذا خارج عن محلّ البحث.

وقد تقول: إنّ نسبة الفعل إلى الفاعل بمعنى الصدور المباشر ندخله في نسبة العرض إلى محلّه، ونقصد بنسبة الفعل إلى الفاعل المقدار المحفوظ في النسبة التسبيبيّة.

ولكن لو قلت كذلك، إذن لقلنا: إنّ هيئة الأمر دائماً تدلّ على نسبة الفعل إلى الفاعل بمعنى نسبة العرض ومحلّه. فعلى كلّ حال يكون الحقّ: أنّ هيئة الأمر تدلّ على ضرورة المباشرة.

  صفحه 131  

وأمّا في القسم الثاني كما لو قال: «صلِّ»، أو قال: «اشرب الماء»، فهو لا يصدق على الفرد التسبيبيّ، أعني: أن يتسبّب إلى أن يصلّي عمرو، أو يشرب عمرو مثلاً (لا إلى أن يُشرِبه عمرو); لأنّ للصلاة أو الشرب نسبتين إلى زيد: إحداهما: نسبة الفعل إلى فاعله، وهذه محفوظة في المقام، والاُخرى: نسبة العرض إلى محلّه، وهذه غير محفوظة في المقام، فلا يصدق أنّه صلّى أو شرب الماء. نعم، لو فرض أنّ زيداً أجبر عمرواً على أن يشرّبه، فهذا مصداق للمادّة; لوجدانه لكلتا النسبتين.

فتحصّل: أنّ الفعل الأجنبيّ المحض غير مشمول للمادّة، ومقتضى القاعدة عدم السقوط، والفعل التسبيبيّ يفصّل فيه بين ما لو كانت للمادّة بحسب مدلولها العرفيّ نسبة صدوريّة إلى الفاعل فقط، أو كانت لها كلتا النسبتين إليه.

 

مقتضى الأصل العمليّ:

وأمّا المقام الثاني: وهو مقتضى الأصل العمليّ في ذلك، فالمعروف أنّه لابدّ من الاحتياط، ويقرّب ذلك بوجهين:

1 ـ إجراء استصحاب بقاء الوجوب بعد أن فعل الغير.

2 ـ إنّه مع قطع النظر عن جريان الاستصحاب، أو منع جريانه في الشبهات الحكميّة توجد عندنا أصالة الاشتغال; لأنّ أصل توجّه التكليف يقينيّ، ويكون الشكّ في السقوط، فيكون مجرىً لأصالة الاشتغال، والاشتغال اليقينيّ يستدعي البراءة اليقينيّة.

وتحقيق الكلام في المقام: أنّ الشكّ تارةً يكون شكّاً في السقوط بفعل الغير، بمعنى احتمال كون فعل الغير مصداقاً للواجب بناءً على ما ذكرنا من تعقّل تعلّق التكليف بالجامع بين فعله وفعل غيره، خصوصاً التسبيبيّ منه، فيعقل أن يكون مرجع الشكّ في المقام إلى الشكّ في دائرة الفعل الواجب، ودوران أمر الواجب

 
  صفحه 132  

بين الوسيع والضيّق، فالجامع معلوم الوجوب والخصوصيّة مشكوكة الوجوب، وعندئذ تجري البراءة على ما هو المقرّر في بحث دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر.

واُخرى يفرض: أنّنا علمنا بوجه من الوجوه بأنّ الواجب هو عبارة عن الفعل المباشر، وكان الشكّ في تقييد الوجوب، وأنّه هل يختصّ بما إذا لم يأتِ به الغير، أو لا؟ وعندئذ فهنا تفصيل; وذلك لأنّ تقيّد الوجوب بعدم إتيان الغير يتصوّر بنحوين:

الأوّل: أن يكون الوجوب متقيّداً بعدم إتيان الغير على نحو الشرط المتأخّر، بحيث لو أتى الغير بالفعل ولو بعد عدّة أيّام كشف عن عدم الوجوب من أوّل الأمر.

وفي هذا القسم لا معنى لجريان استصحاب الوجوب، ولا لأصالة الاشتغال; لشكّنا في تحقّق الوجوب من أوّل الأمر، فلا يقين بالوجوب والاشتغال حتّى يستصحب الوجوب، أو يقال: إنّ الاشتغال اليقينيّ يستدعي الفراغ اليقينيّ، فالمورد إنّما هو مجرىً لأصالة البراءة.

الثاني: أن يكون الوجوب مشروطاً بعدم إتيان الغير بنحو الشرط المقارن، فالوجوب في كلّ ساعة مشروط بعدم إتيان الغير في تلك الساعة، أي: أنّ فعل الغير يكون مسقطاً للوجوب من حينه، لا كاشفاً عن عدم الوجوب من أصله.

وحينئذ، فإن قبلنا جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة ـ  كما هو الصحيح  ـ جرى، وإن منعناه أو قطعنا النظر عنه، فهل تجري البراءة أو أصالة الاشتغال؟ فيه تفصيل.

وتوضيح ذلك: أنّ احتمال مسقطيّة فعل الغير يكون لأحد وجوه ثلاثة:

1 ـ احتمال كون فعل الغير مستوفياً للغرض المولويّ، فيسقط به التكليف لحصول الملاك.

وهذا الاحتمال يستلزم ثبوتاً كون الوجوب مقيّداً من أوّل الأمر بعدم إتيان

 
  صفحه 133  

الغير ولو بنحو الشرط المتأخّر حينما لم يمكن التكليف بالجامع بين فعل نفسه وفعل غيره، فهذا داخل في الفرض السابق، دون هذا الفرض، وهو فرض الشرط المقارن، وقد عرفت أنّه تجري فيه البراءة.

2 ـ احتمال كون فعل الغير موجباً لسقوط رغبة المولى، لا من باب حصول الملاك، بل من باب أنّه يخرج الملاك عن كونه محبوباً للمولى، وهذا طبعاً غير وارد في الشرعيّات عادة. وعلى أيّ حال، فالحكم فيه هو البراءة، سواء فرض ذلك بنحو الشرط المتأخّر أو فرض بنحو الشرط المقارن.

أمّا إذا فرض بنحو الشرط المتأخّر، فقد مضى حاله، وعرفت أنّه تجري البراءة; لأنّ الشكّ في أصل الوجوب ابتداءً، وإن فرض بنحو الشرط المقارن، فالوجوب ابتداءً وإن كان ثابتاً ـ والمفروض عدم استصحابه ـ لكن الشكّ الآن في أصل المحبوبيّة والغرض، لا في تحقّقه أو في القدرة على إيجاده.

3 ـ احتمال كون فعل الغير معذِّراً لحصول الغرض وموجباً لامتناعه، فيسقط الخطاب للعجز عن تحصيل الغرض، وعندئذ قد يتصوّر أنّ هذا مجرىً للاشتغال; إذ مع فرض العلم بعدم حصول الملاك بفعل الغير، واحتمال كون فعل الغير معجّزاً عن تحصيله، واحتمال عدم كونه معجّزاً عنه يُدخل ذلك في باب الشكّ في القدرة، وهو مجرىً للاشتغال، إلاّ أنّ الصحيح هنا أيضاً جريان البراءة، إلاّ في فرض غير موجود في الفقه.

وتوضيح ذلك: أنّه على تقدير كون فعل الغير مفوّتاً للغرض، فهذا تفويت مأذون فيه من قبل المولى فعليّاً، ببرهان: أنّ المولى لم يوجب الإسراع في العمل قبل أن يأتي به الغير، فهو الذي جوّز له التأجيل وإن عُلم بأنّه سوف يأتي به الغير، إذن فحينما أتى به الغير يشكّ هذا العبد: أنّه لو ترك الفعل، فهل يكون هذا تفويتاً للملاك غير مأذون فيه، أو لا يكون هذا تفويتاً للملاك; وذلك لعدم فوت الملاك

 
  صفحه 134  

بفعل الغير، أو لم يصدر منه إلاّ تفويت ماذون فيه; لأنّه قد فات الملاك بتأخيره إلى أن فعل الغير، وكان تأخيره مأذوناً فيه، فهذا شكّ في أصل الإذن والمنع وهو مورد للبراءة(1).

نعم، لو فرضنا الالتزام فقهيّاً بأنّه على تقدير مفوّتيّة فعل الغير يجب عليه البدار وهو فرض غير موجود في الفقه، جرت أصالة الاشتغال; إذ هو يعلم بعدم رضا المولى بتفويت الغرض، ويشكّ في قدرته الآن على تحصيل الغرض.

وقد تحصّل بهذا البيان: أنّه في الموارد المتعارفة في الفقه دائماً تجري البراءة لولا استصحاب الوجوب، ولا مجال لما ذكروه من أصالة الاشتغال.

 


(1) لا يخفى: أنّ هذا أيضاً مرجعه إلى الشرط المتأخّر; لأنّ الأمر الوجوبيّ بشيء ما لأجل الملاك المأذون في تفويته لا معنىً له، إذن فما دام الملاك على تقدير فعل الغير ولو متأخّراً جائز التفويت فأصل الأمر بذي الملاك مقيّد بعدم فعل الغير ولو متأخّراً، فالمورد هو مورد البراءة حتّى بناءً على قبول الاستصحاب في الشبهات الحكميّة; لأنّ الشكّ بعد فعل الغير في الوجوب أصبح شكّاً سارياً.

  صفحه 135  

 

التوصّليّ بمعنى ما يسقط بالفعل غير الاختياريّ
من نفس المكلّف

المسألة الثانية: لو شكّ في سقوط الواجب بالحصّة غير الاختياريّة من فعله، فهل الأصل يقتضي السقوط أو عدمه؟

والكلام فيها أيضاً يقع في مقامين:

 

الأصل اللفظيّ:

المقام الأوّل: في تأسيس الأصل اللفظيّ، فنقول: لو ثبت بقرينة كون المادّة في «اغسل» مثلاً مقيّدة بالحصّة الاختياريّة، أمكن الرجوع إلى إطلاق الهيئة لإثبات أنّ وجوب هذه الحصّة ثابت، سواء أتى بالحصّة غير الاختياريّة أو لا ، فمقتضى إطلاق الهيئة عدم سقوط التكليف بغير الاختياريّ. وإذا فرض ثبوت الإطلاق للمادّة للجامع بين الحصّتين، ثبت الإجزاء والسقوط بالحصّة غير الاختياريّة; لأنّها مصداق للواجب، ولا مجال للتمسّك بإطلاق الهيئة لإثبات بقاء الوجوب; لأنّ الوجوب الذي هو مفاد الهيئة لا معنى لأن يكون له أثر حتّى مع وجود متعلّقه خارجاً حتّى يرجع إلى إطلاق الهيئة، ومن هنا ينصبّ الكلام على تشخيص إمكان التمسّك بإطلاق المادّة وعدمه، فإنّ أمكن التمسّك بإطلاقها ثبت الإجزاء، وإن فرضت المادّة مقيّدة، انفتح الباب للتمسّك بإطلاق الهيئة بعد ذلك.

وعليه نقول: إنّه قد استشكل في التمسّك بإطلاق المادّة ـ  بعد وضوح: أنّ المادّة بطبعها الأوّليّ مطلقة; إذ هي موضوعة من الناحية اللغويّة للجامع بين الحصّتين دون خصوص الاختياريّة  ـ بعدّة إشكالات:

الإشكال الأوّل: ما ذكره المحقّق النائينيّ ، وهو: أنّ الأمر إنّما هو بداعي

 
  صفحه 136  

الباعثيّة والمحرّكيّة، فبقرينة استحالة التحريك نحو غير المقدور يلتزم بأنّ المحرّك
إليها هي خصوص الحصّة الاختياريّة المقدورة(1).

وهذا الإشكال بهذا التقريب جوابه الصحيح: أنّ الجامع بين الحصّة المقدورة والحصّة غير المقدورة مقدور، وقوله: «اغسل» مثلاً يرجع إلى طلب واحد وتحريك واحد نحو الجامع بنحو صرف الوجود، لا إلى طلبات متعدّدة بعدد أفراد الغسل، بحيث يكون للاختياريّ وجوب ولغير الاختياريّ أيضاً وجوب. نعم، لو أرجعنا في بحث التخيير العقليّ والشرعيّ الأمر بصرف الوجود دائماً إلى التخيير الشرعيّ بمعنى أوامر متعدّدة بالأفراد، كلّ واحد منها مشروط بترك الباقي، لزم الإشكال في المقام، لكن الصحيح: أنّ الأمر بصرف الوجود لا يرجع إلى أوامر متعدّدة مشروطة.

إلاّ أنّ السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ كان يشكل على كلام المحقّق النائينيّ بوجهين آخرين(2):

الوجه الأوّل: أنّ هذا الكلام مبنيّ على مبنى وضع صيغة الأمر للنسبة البعثيّة، فيقال: إنّ البعث يجب أن يكون نحو أمر مقدور، ولكن على ما حقّقناه من وضع الأمر لاعتبار الفعل على ذمّة المكلّف فلا محذور في اعتبار فعل غير مقدور في ذمّته; إذ ليس فيه جنبة بعث وتحريك، والعقل يحكم بلزوم الامتثال على القادر دون العاجز(3).


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 102 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ ، وفوائد الاُصول، ج 1، ص 143 ـ  144 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

(2) إضافة إلى ما عرفته من الجواب، فإنّه وارد في المحاضرات، ج 1، ص 149 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

(3) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 101، تحت الخطّ بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ.

  صفحه 137  

ويرد عليه: أنّ من الواضح: أنّ نظر المحقّق النائينيّ ليس إلى المدلول الوضعيّ التصوّريّ لصيغة الأمر الذي قال عنه المشهور: إنّه النسبة البعثيّة، وأنكره السيّد الاُستاذ رأساً، وقال: إنّ الأمر وضع ابتداءً للمدلول التصديقيّ، وإنّما نظره إلى المدلول التصديقيّ للأمر الذي هو ـ  على أيّ حال  ـ مطعّم بالتحريك والدفع، سواء كان المدلول التصديقيّ عبارة عن الطلب أو كان عبارة عن اعتبار الفعل في ذمّة المكلّف، فإنّه لا يحمل هذا الاعتبار على مجرّد لقلقة اللسان، بل يحمل على الاعتبار بداعي الدفع والتحريك، والتحريك يجب أن يكون نحو أمر مقدور.

الوجه الثاني: كأنّه نقض على المحقّق النائينيّ ، حيث إنّه ذكر في بحث التزاحم: أنّ المهمّ وإن لم يبقَ له أمر عند تزاحمه مع الأهمّ بناءً على بطلان الترتّب، لكنّنا نحرز بقاء ملاكه بإطلاق الدليل; حيث إنّ المادّة كان لها محمولان: الوجوب والملاك، وقد سقط الأوّل يقيناً، ولكن لم يثبت سقوط الثاني، فيبقى إطلاقها بلحاظ الثاني ثابتاً على حاله. فيقول السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ : إنّ هذا الكلام يسري إلى المقام، فمادّة الغسل مثلاً في «اغسل» كان لها محمولان: الوجوب وهو لا يشمل الحصّة غير الاختياريّة حسب الفرض، والملاك وهو يحتمل ثبوته في الحصّة غير الاختياريّة، فيتمسّك بإطلاقها للحصّة غير الاختياريّة بلحاظ الملاك(1).

أقول: إنّ للمحقّق النائينيّ أن يجيب على هذا النقض بأحد جوابين، وطبعاً ليس المقصود تحميل هذين الجوابين على المحقّق النائينيّ وإنّما المقصود بيان الأمر الواقع، وأنّ هناك فرقاً بين ما ادّعاه المحقّق النائينيّ في المقام وبين باب التزاحم من وجهين، سواء التزم بهما المحقّق النائينيّ أو لا.


(1) المصدر السابق.

  صفحه 138  

الأوّل: أن يقال: إنّ إطلاق المادّة بلحاظ الملاك في المقام يعارض إطلاق الهيئة; إذ لو كان الملاك ثابتاً في الحصّة غير الاختياريّة للزم تقيّد وجوب الحصّة الاختياريّة بما إذا لم تصدر منه الحصّة غير الاختياريّة; لأنّه بصدورها يحصل المطلوب، فيتعارض الإطلاقان ويتساقطان، وتنتهي النوبة إلى الأصل العمليّ، ولا يمكن إثبات سقوط التكليف بالأصل اللفظيّ. وهذا بخلاف باب التزاحم، فإنّ المهمّ حينما صار مزاحماً للأهمّ وفرض عدم إمكان الترتّب، فإطلاق المادّة يقتضي بقاء الملاك، وإطلاق الهيئة ساقط يقيناً; للقطع بعدم الوجوب حسب الفرض.

أمّا هنا فنحتمل بقاء إطلاق الهيئة لعدم القطع بسقوط التكليف عند تحقّق الحصّة غير الاختياريّة، وهذا الإطلاق معارض لإطلاق المادّة كما عرفت.

الثاني: أن يقال: إنّ المادّة وإن وقعت موضوعاً لمحمولين: الوجوب والملاك، لكن موضوعيّتها للملاك في طول موضوعيّتها للوجوب، بمعنى: أنّ «افعل» يدلّ بالمطابقة على الوجوب، وبالالتزام على الملاك، ولا إشكال عند الجميع في أنّ الدلالة الالتزاميّة تابعة للمطابقيّة وجوداً، بمعنى: أنّ وجودها فرع وجود المطابقيّة. نعم، وقع النزاع بينهم في أنّ الدلالة الالتزاميّة هل تتبع المطابقيّة في الحجّيّة أيضاً، أو لا ؟ والأثر العمليّ يظهر فيما لو كان الظهور المطابقيّ موجوداً ولكنّه سقط عن الحجّيّة لحصول القطع بخلافه مثلاً. ومختار المحقّق النائينيّ والمحقّق العراقيّ ـ  رحمهما الله  ـ والمشهور بين هذه الطبقة هو عدم التبعيّة في الحجّيّة.

وحينئذ نقول: إنّ كلتا الدلالتين في باب التزاحم موجودتان في الأمر بالمهمّ، إلاّ أنّ الخطاب بالأهمّ كشف عن بطلان المدلول المطابقيّ، فيجوز التمسّك بمدلوله الالتزاميّ على مبنى المحقّق النائينيّ ، بينما فيما نحن فيه لم ينعقد الظهور المطابقيّ; لأنّ المدّعى للمحقّق النائينيّ أنّ الكاشف عن عدم الوجوب في المقام

 
  صفحه 139  

قرينة متّصلة على التقييد، وهي عدم إمكان التحريك نحو الحصّة غير الاختياريّة، والأمر يدلّ على داعي التحريك، وهو لا يناسب الأمر غير الاختياريّ بالبداهة، فإذا كانت هذه قرينة متّصلة على عدم شمول الوجوب للحصّة غير الاختياريّة، فأصل الدلالة المطابقيّة ساقطة لا حجّيّتها، ولا إشكال في أنّ الدلالة الالتزاميّة تابعة للمطابقيّة في الوجود، فهي تسقط أيضاً في المقام.

إذن فالصحيح في الجواب على كلام المحقّق النائينيّ : أنّه لا موجب لتقييد إطلاق المادّة لإمكان التحريك نحو الجامع بين الحصّة الاختياريّة وغير الاختياريّة.

الإشكال الثاني: ما ذكره السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ في المقام من أنّ الإطلاق يستحيل في مبنى المحقّق النائينيّ إذا استحال التقييد; لأنّ الإطلاق هو عدم التقييد فيما من شأنه أن يقيّد، وبناءً عليه نقول في المقام: إنّ تقييد الوجوب بالحصّة غير الاختياريّة غير معقول، إذن فلا يعقل الإطلاق أيضاً (1).

وهذا الكلام لم يكن يناسب السيّد الاُستاذ، فإنّ الإطلاق المطلوب في المقام إنّما هو الإطلاق في مقابل التقييد بالحصّة الاختياريّة، فإنّ إطلاق الطبيعة لحصّة عبارة عن عدم تقييدها بما يقابل تلك الحصّة، لا عدم تقييدها بتلك الحصّة، مثلاً لو قال المولى: «أكرم العالم» فانطباق العالم على العالم الهاشميّ ينشأ من عدم تقييده بغير الهاشميّ، وانطباقه على غير الهاشميّ ينشأ من عدم تقييده بالهاشميّ، وفي المقام أيضاً إطلاق المادّة للحصّة غير الاختياريّة ـ  وهو المقصود  ـ ينشأ من عدم التقييد بالحصّة الاختياريّة، والتقييد بالحصّة الاختياريّة معقول، فالإطلاق


(1) راجع المحاضرات للفيّاض، ج 1، ص 150 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

  صفحه 140  

المطلوب أيضاً معقول، فكأنّ الإشكال نشأ من تخيّل: أنّ الإطلاق المطلوب يكون في مقابل التقييد بالحصّة غير الاختياريّة، بينما ليس الأمر كذلك.

الإشكال الثالث: إشكال اللغويّة، حيث يقال: إنّه أيّ أثر لإطلاق المادّة للحصّة غير الاختياريّة بعد عدم إمكان الانبعاث نحوها؟!

وهذا الكلام يمكن أن يقال في مقابله عدّة أشياء:

منها: ما ذكره السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ :(1) من أنّ فائدة هذا الإطلاق أنّه لو فرض صدفة وقوع الحصّة غير الاختياريّة منه، ثبت ببركة إطلاق المادّة الإجزاء والسقوط(2). هذا.

وقد تحصّل: أنّ مقتضى إطلاق المادّة هو الشمول للحصّة غير الاختياريّة، فمقتضى الأصل اللفظيّ هو الإجزاء. هذا.

وقد يقال ـ على تقدير عدم تماميّة إطلاق المادّة بلحاظ الوجوب ـ : إمّا بأنّه مع ذلك يكون مقتضى الأصل اللفظيّ هو السقوط; وذلك للتمسّك بإطلاق المادّة بلحاظ الملاك، وقد مضى تقريبه وقياسه بباب التزاحم، مع بيان الفارق من وجهين.

وإمّا بأنّه وإن لم يكن الأصل اللفظيّ مقتضياً للإجزاء والسقوط، لكنّه لا يقتضي أيضاً عدم السقوط; وذلك لأنّ تقريب اقتضائه لعدم السقوط بعد فرض اختصاص المادّة بالحصّة الاختياريّة هو: أنّ إطلاق الهيئة يقتضي ثبوت الوجوب للحصّة الاختياريّة، سواء حصلت الحصّة غير الاختياريّة أو لا . ولكن يمكن أن يقال بعدم


(1) نفس المصدر، ص 149.

(2) ومنها: أنّ الإطلاق ليست له مؤونة زائدة حتّى يأتي فيه إشكال اللغويّة.

ومنها: أنّه إن كان الإطلاق لا أثر زائد له، فالتقييد أيضاً كذلك، فتخيّر المولى في التقييد أو الإطلاق، فلنفترض أنّه أطلق.

  صفحه 141  

انعقاد هذا الإطلاق في المقام، وتوضيح ذلك: أنّ إطلاق المادّة لأيّ حصّة يوجب بقدره تقييد إطلاق الهيئة، فمثلاً إذا كانت المادّة في «اغسل» شاملة للغسل بماء المطر، لم يدلّ إطلاق الهيئة على بقاء الوجوب حتّى بعد الغسل بماء المطر; إذ لا معنىً للوجوب حتّى مع تحقّق المتعلّق خارجاً، فكلّما اتّسعت المادّة تضيّقت الهيئة، وحيث إنّ المادّة تكون مع الهيئة فإطلاقها قرينة متّصلة تمنع عن انعقاد الإطلاق في الهيئة من أصله.

وعليه نقول: إ نّنا لو غضضنا النظر عن برهان المحقّق النائينيّ المقتضي لتقييد المادّة بالحصّة الاختياريّة، لكان إطلاق المادّة للحصّة غير الاختياريّة هادماً لظهور الهيئة في الإطلاق لما بعد حصول الحصّة غير الاختياريّة، ولكن جاء البرهان المقيّد للطبيعة بالحصّة الاختياريّة، وهذا قرينة عقليّة منفصلة، ولو كنّا نفرضه قرينة متّصلة لانهدم بذلك ظهور الإطلاق في المادّة، فلم يبقَ مانع عن انعقاد الإطلاق في الهيئة. وأمّا بعد أن كان مقيّداً منفصلاً، إذن فقد انعقد للمادّة إطلاق، وكان هادماً لإطلاق الهيئة، فلم ينعقد للهيئة إطلاق من أوّل الأمر، غاية الأمر: أنّه سقطت حجّيّة إطلاق المادّة بمقيّد منفصل، وهذا لا يوجب انعقاد إطلاق للهيئة.

هذا إشكال دقيق يستفاد من بعض تحقيقات المحقّق العراقيّ (1).

ويرد عليه:

أوّلاً: أنّ المدّعى لهؤلاء القائلين بسقوط إطلاق المادّة كالمحقّق النائينيّ هو: أنّ المقيّد برهان عقليّ، فهو قرينة كالمتّصل، وهي كون المولى في مقام الباعثيّة والمحرّكيّة مع بداهة استحالة التحريك نحو غير المقدور، وليس برهاناً نظريّاً


(1) راجع نهاية الأفكار، ج 1، ص 207 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، تحت الخطّ، نقلاً عن تقرير الشيخ الآمليّ لدروس الشيخ العراقيّ .

  صفحه 142  

يعرف بالدقّة والتأمّل حتّى يعتبر قرينة منفصلة.

وثانياً: النقض بسائر الموارد، من قبيل ما لو قال: «صلِّ»، ثُمّ قيّد بعد ذلك المادّة باشتراط الطهارة واستقبال القبلة وغير ذلك، بناءً على عدم دخول هذه القيود في نفس المسمّى، ثُمّ فعل ما كان فاقداً لأحد هذه الشروط، فشكّ في سقوط الواجب بذلك، أفلا يتمسّك صاحب هذا الوجه بإطلاق الهيئة لإثبات بقاء الوجوب؟

وثالثاً: أنّ دعوى كون إطلاق المادّة مقيّداً لإطلاق الهيئة غير صحيحة من أساسها; فإنّ الشيء الواجب لا يسقط فعليّة وجوبه بالإتيان به، وإنّما تسقط فاعليّة وجوبه بذلك، فقوله مثلاً: «صلِّ» يحرّك عقلاً نحو صرف الوجود، فإذا وجد صرف الوجود فلا معنى بعد ذلك لتحريكه نحوه، وهذا معناه: سقوطه عن الفاعليّة والتأثير، لا سقوط فعليّة الوجوب، وتفصيل ذلك في محلّه من بحث الترتّب.

ورابعاً: لو سلّمنا أنّ إطلاق الهيئة يكون مفاده مقيّداً، لكن من قال بأنّه مقيّد بعدم وقوع المادّة بعنوانها، بأن يكون وجوب الصلاة في «صلِّ» مقيّداً بعدم الإتيان بالصلاة، ووجوب الغسل في «اغسل» مقيّداً بعدم الغسل وهكذا؟ بل هناك قيد عقليّ واحد للكلّ، وهو قيد عدم الامتثال ولو ببرهان استحالة بقاء الوجوب بعد امتثاله، وإطلاق المادّة يوجب تحقّق الامتثال بالحصّة غير الاختياريّة، فيسقط الوجوب. وأمّا إذا قيّد إطلاقها ـ ولو بمنفصل ـ بالحصّة الاختياريّة، فلا يحصل الامتثال بالحصّة غير الاختياريّة، فيبقى الوجوب، فالقيد قيد واحد لا يزيد ولا ينقص وهو عدم الامتثال، وقد فرض عدم الامتثال(1).


(1) وبكلمة اُخرى أدقّ: إنّ قيد كلّ أمر ليس هو عدم الإتيان بالمتعلّق المفهوم من الكلام بقيوده المتّصلة فحسب، بل هو عدم الإتيان بما هو متعلّق الأمر واقعاً، فإنّ هذا هو الذي دلّ عليه المقيّد العقليّ ـ  لو فرض  ـ القائل بأنّ الأمر يسقط بامتثاله.

  صفحه 143  

وعلى أيّ حال، فقد اتّضح: أنّ مقتضى الأصل اللفظيّ هو السقوط; لأنّ إطلاق المادّة معقول، ومقتضى إطلاقها تعلّق الوجوب بالجامع بين الحصّتين.

 

الأصل العمليّ:

المقام الثاني: في الأصل العمليّ، وتحقيقه هو نفس التحقيق في المسألة الاُولى، فلو لم يعلم بتعلّق الوجوب بخصوص الحصّة الاختياريّة، جرت البراءة عن الخصوصيّة، ولو علم بذلك وشكّ في تقيّد الوجوب بعدم وقوع غير الاختياريّة بنحو الشرط المتأخّر، جرت البراءة، أو بنحو الشرط المقارن، جرى الاستصحاب إن قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة، وإلاّ جرت البراءة في الفروض الفقهيّة وفق التفصيل الذي مضى في المسألة الاُولى.

 

 
  صفحه 144  

 

التوصّليّ بمعنى ما يسقط بالفعل المحرّم

المسألة الثالثة: في احتمال كفاية الحصّة المحرّمة. والكلام في ذلك أيضاً يقع في مقامين:

 

الأصل اللفظيّ:

المقام الأوّل: في الأصل اللفظيّ، فلو فرضت الحرمة متعلّقة بنفس العنوان الواجب، كما لو وجب الغسل بعنوانه المطلق، وحرم الغسل بعنوانه المقيّد بماء دجلة مثلاً، فلا إشكال في أنّ إطلاق المادّة لا يشمل هذه الحصّة حتّى بناءً على جواز اجتماع الأمر والنهي; إذ من يقول بالجواز يقول في عنوانين متباينين، لا في مثل المقام، وعندئذ فلو أتى بالحصّة المحرّمة وشكّ في بقاء الوجوب، تمسّك بإطلاق الهيئة.

وأمّا إذا كانت الحصّة المحرّمة لها عنوان آخر كعنوان الغصب، فقد دخل في بحث اجتماع الأمر والنهي. فإن قلنا بالامتناع، لم يشمل إطلاق المادّة الحصّة المحرّمة، فالنتيجة أيضاً هي التمسّك بإطلاق الهيئة، وإن قلنا بالجواز، فهل يمكن التمسّك بإطلاق المادّة، أو لا؟

بنى في ذلك المحقّق النائينيّ (1) والسيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ(2) على ما
هو ظاهر كلماته في هذه المسألة على أنّه: هل يشترط في الواجب أن يكون له


(1) راجع فوائد الاُصول، ج 1، ص 144 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وأجود التقريرات، ص 102 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ .

(2) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 100 و102 بحسب الطبعة الماضية، تحت الخطّ، وراجع أيضاً المحاضرات للفيّاض، ج 2، ص 150 ـ  151 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

  صفحه 145  

حسن فاعليّ مضافاً إلى الحسن الفعليّ، أو لا ؟ فعلى الأوّل لا يعقل وقوع الغسل بالمغصوب مصداقاً للوجوب; فإنّه وإن كان الحرام والواجب موجوداً بوجودين بناءً على جواز الاجتماع، لكنّهما موجودان بفاعليّة واحدة وبإيجاد واحد، فليس له حسن فاعليّ، وعلى الثاني لا بأس بإطلاق المادّة، إلاّ أنّ المحقّق النائينيّ اشترط الحسن الفاعليّ، والسيّد الاُستاذ أنكره.

والصحيح: أنّه بناءً على جواز الاجتماع لا بأس بالتمسّك بإطلاق المادّة حتّى بناءً على اشتراط الحسن الفاعليّ; وذلك لأنّ القائل بجواز الاجتماع إن قال بذلك على أساس دعوى تعدّد الوجود، فما يكون متعدّداً وجوداً يكون متعدّداً إيجاداً، أو فاعليّةً لا محالة، فيثبت الحسن الفاعليّ(1)، وإن اعترف بوحدة الوجود، ولكن فرض أنّ هذا الوجود الواحد اجتمع فيه الحسن والقبح، والوجوب والحرمة، إذن فلتكن الفاعليّة الواحدة أيضاً مجمعاً للحسن والقبح في وقت واحد، فأيضاً يثبت الحسن الفاعليّ.

 

الأصل العمليّ:

المقام الثاني: في تأسيس الأصل العمليّ.

والشكّ هنا يرجع إلى الشكّ في الأقلّ والأكثر، سواء قيل بامتناع اجتماع الأمر والنهي أو جوازه. أمّا على الجواز فواضح; لأنّه يعلم بتعلّق الوجوب بالجامع بين الحصّتين، ولا يعلم بتقيّده بخصوص الحصّة المحلّلة، فتجري البراءة. وأمّا على الامتناع فقد يقال: إنّ الشكّ لا يكون في الأقلّ والأكثر، بل في المسقط; لأنّ تعلّق الوجوب بالجامع مستحيل، غاية الأمر: أنّه يشكّ في أنّ هذا الوجوب: هل هو مقيّد بعدم الإتيان بالحصّة المحرّمة، أو لا ؟ فيكون شكّاً في المسقط بالمعنى الذي


(1) أشار السيّد الخوئيّ أيضاً إلى هذه النكتة بحسب ما ورد في المحاضرات، ج 2، ص 154 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

  صفحه 146  

كان في المسألة الاُولى والثانية، ويجري فيه ما مضى في المسألة الاُولى والثانية في فرض الشكّ في المسقط.

ولكن التحقيق: أن يقال: إنّ امتناع الاجتماع وإطلاق المادّة إن كان ناظراً إلى مرحلة الثبوت واستحالة الاجتماع وشمول الإطلاق في عالم الجعل والتشريع للحصّة المحرّمة، كان الشكّ في المسقط، وسعة الوجوب وضيقه، فكلّ يرجع إلى ما اختاره في الشكّ في المسقط في المسألتين السابقتين. وأمّا إن كان ناظراً إلى مرحلة الإثبات، أي: قبل بإمكان تعلّق الوجوب بالجامع بين الحصّتين، إلاّ أنّه لم يتمّ الإطلاق اللفظيّ عليه، فعندئذ ننتهي إلى الأصل العمليّ، ونقول: لعلّ المولى أوجب الجامع بلا قيد، فيكون الشكّ في الأقلّ والأكثر.

وتحقيق ثبوتيّة المحذور وإثباتيّته يأتي ـ إن شاء الله ـ في بحث الاجتماع، لكن ملخّص الكلام في ذلك: أنّه حينما يكون الأمر بنحو مطلق الوجود كــ «أكرم العالم»، فلا إشكال في استحالة الاجتماع; إذ الوجوب انحلاليّ، ولو حرم فرد ووجب، لزم اجتماع الضدّين; للتضادّ بين الوجوب والحرمة. وأمّا إذا كان بنحو صرف الوجود، فلا يوجد محذور من ناحية التضادّ; إذ الوجوب قائم بصرف الطبيعة، ولا يسري إلى الأفراد كما برهن عليه في بحث الاجتماع، فإذا ثبتت الحرمة على الفرد، لم يجتمع الوجوب والحرمة على موضوع واحد، ويبقى محذور إثباتيّ وهو أن يقال: إنّ الدليل الدالّ على إيجاب الجامع بنحو صرف الوجود يدلّ بالدلالة الالتزاميّة العرفيّة لا العقليّة على الترخيص في تطبيق الجامع على تمام أفراده، وهذا ينافي الحرمة، وعليه فيقع فيما نحن فيه الشكّ في تعلّق الوجوب بالجامع أو الحصّة، فيكون الشكّ بين الأقلّ والأكثر، وتجري البراءة.

نعم، من قال بالامتناع بتوهّم محذور ثبوتيّ، وهو التضادّ كالمحقّق الخراسانيّ ، لا الإثباتيّ فقط يرجع الشكّ على مبناه إلى الشكّ في المسقط، ويكون الكلام فيه هو الكلام في الشكّ في المسقط في المسألتين السابقتين.

 
  صفحه 147  

 

التعبّديّ والتوصّليّ بمعنى اعتبار قصد
القربة وعدمه

المسألة الرابعة: فيما هو مقتضى الأصل اللفظيّ والعمليّ في الواجب التعبّديّ والتوصّليّ، بمعنى: ما يعتبر في مقام الفراغ عن عهدته قصد القربة، وما لا يعتبر فيه ذلك.

وقبل الدخول في البحث عن ذلك ينبغي أن نعرف بالتفصيل حدود الفارق بين التعبّديّ والتوصّليّ بهذا المعنى، وبهذا الصدد تذكر وجوه عديدة لتصوير الفرق بينهما يجمعها ما ذكرناه من اعتبار قصد القربة في الخروج عن عهدته وعدمه، فهذا المعنى الإجماليّ محفوظ على كلّ حال، ولكن يتكلّم في تفصيل ذلك وتحديده:

 

الوجه الأوّل للفرق بين التعبّديّ والتوصّليّ

الوجه الأوّل: أنّ التعبّديّ ما كان الأمر فيه متعلّقاً بالفعل مع قصد القربة، والتوصّليّ ما لم يؤخذ قصد القربة في متعلّقه.

وفي تحقيق حال هذا الوجه وقع كلام، حيث ذهب مشهور المحقّقين المتأخّرين إلى استحالة أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر. والكلام في ذلك يقع في مقامين:

الأوّل: في قصد القربة بمعنى قصد نفس هذا الأمر.

والثاني: في سائر القصود القربيّة كقصد الملاك.

 

أخذ قصد القربة بمعنى قصد الامتثال:

أمّا المقام الأوّل: ففي تحقيق حال قصد امتثال نفس هذا الأمر، وأنّه هل يمكن أخذه في متعلّق الأمر، أو لا؟

 
  صفحه 148  

المعروف بين المحقّقين عدم إمكانه، وقد برهن على ذلك بعدّة بيانات لا حاجة إلى استعراض تمامها; لأنّ جملة منها: إمّا تكرار، أو لا تستحقّ التعرّض، فنتعرّض إلى جملة من البيانات التي تتحصّل من كلماتهم في المقام:

الأوّل: ما يظهر من عبارة الكفاية(1)، حيث يقول: ما لا يكاد يتأتّى إلاّ من قبل الأمر لا يمكن أن يؤخذ في متعلّق الأمر. وحاصل هذا البيان لزوم الدور والتهافت; لأنّ قصد امتثال الأمر ـ بحسب طبعه ـ متأخّر رتبة عن الأمر; إذ لا يعقل وجوده إلاّ بعد فرض أمر، فلو كان مأخوذاً في متعلّقه، للزم كونه بلحاظ آخر أسبق رتبة من الأمر; لأنّ متعلّق الأمر أسبق رتبة من الأمر، وهذه الأسبقيّة ثابتة على كلّ حال وإن كان هناك اختلاف في تفسيرها وتكييفها; فإنّه إن قيل بأنّ الأمر مع متعلّقه موجودان بوجودين، كان تأخّره عنه تأخّراً وجوديّاً بلحاظ الرتبة من باب تأخّر العارض عن معروضه; لأنّ نسبة الأمر حينئذ إلى متعلّقه نسبة العرض إلى محلّه مثلاً، وإن قيل: إنّ الأمر مع متعلّقه، وكذلك الإرادة مع متعلّقها، والحبّ مع متعلّقه ونحو ذلك موجودان بوجود واحد في اُفق نفس الآمر، أو المريد والمحبّ، إذن فالأمر ليس متأخّراً عن متعلّقه بالوجود رتبةً، لكنّه متأخّر عنه بالطبع على حدّ تأخّر زيد عن الإنسان بالطبع، فمع أنّ زيداً والإنسان موجودان بوجود واحد تكون الإنسانيّة متقدّمة على زيد بالطبع; فإنّ الميزان في التقدّم بالطبع أنّه كلّما كان للمتأخّر وجود فللمتقدّم وجود، دون العكس، فكلّما كان لزيد وجود كان للإنسانيّة وجود، بينما يمكن فرض وجود الإنسانيّة في ضمن غير زيد. وفي المقام كلّما كان للأمر بالصلاة مثلاً وجود، فللصلاة وجود في اُفق نفس الآمر، دون العكس; إذ قد يتصوّر الصلاة ولا يأمر بها.


(1) ج 1، ص 109 بحسب طبعة المشكينيّ.

  صفحه 149  

وعلى أيّ حال، فسواء قيل بالسبق الوجوديّ أو بالسبق الطبعيّ فالمتعلّق أسبق ـ على أيّ حال ـ من الأمر، فلزم كونه متأخّراً ومتقدّماً، وهذا محال.

وهذا الإشكال بهذا البيان واضح الاندفاع; إذ يكفي في دفعه قبل أن نتعرّق أكثر فأكثر في البحث أن يقال: إنّ المتأخّر غير المتقدّم; فإنّ قصد امتثال الأمر يتوقّف بوجوده الخارجيّ على الأمر، والأمر يتوقّف على الوجود الذهنيّ لقصد امتثال الأمر في اُفق ذهن الحاكم، فلا يمكن تتميم الاستحالة بمثل هذا البيان.

الثاني: أن يقال: إنّ قصد امتثال الأمر إذا اُخذ في متعلّق الأمر، لزم الدور; إذ كلّ أمر مشروط بالقدرة على متعلّقه، فهو متأخّر عن القدرة على متعلّقه تأخّر المشروط عن شرطه; لاستحالة التكليف بغير المقدور، فلو فرض: أنّه اُخذ في متعلّقه، كان الأمر بالصلاة مثلاً المقيّدة بقصد الامتثال مشروطاً بالقدرة على الصلاة بقصد الامتثال، والمكلّف لا يقدر على ذلك إلاّ بعد الأمر، فهذه القدرة متوقّفة على الأمر; لأنّها تنشأ منه، فقد توقّف كلّ منهما على الآخر، فلزم الدور.

وهذا البيان قد يكون أحسن من السابق، ولكن مع ذلك لا يرجع إلى محصّل; وذلك لأنّنا نسلّم الآن قبل أن نتعرّق أكثر فأكثر أنّ القدرة على قصد امتثال الأمر متوقّفة على الأمر، لكن لا نسلّم أنّ الأمر يتوقّف على القدرة; فإنّ دليل اشتراط القدرة هو العقل الحاكم باستحالة التكليف بغير المقدور، والعقل لا يحكم بذلك إذا كان نفس التكليف والأمر موجداً للقدرة، فلو فرض: أنّ أمر المولى للمشلول يوجد تكويناً استيناسه بحيث يبرأ من الشلل، فلا بأس بأن يقول له: «قم»، ولا يكون الأمر أمراً إحراجيّاً للعبد، فالميزان في اشتراط التكليف بالقدرة إنّما هو عدم الإحراجيّة من قبل الأمر، ويكفي في عدم الإحراج نشوء القدرة من الأمر، وبهذا يرتفع الدور; لأنّ القدرة متأخّرة عن الأمر تأخّر المعلول عن علّته مثلاً، لكن الأمر ليس متأخّراً عن القدرة تأخّر المشروط عن شرطه، وإنّما هو متأخّر عن

 
  صفحه 150  

إمكان حصول القدرة بالأمر وقت العمل، أي: عن قضيّة شرطيّة، وهي: أنّه لو أمر، لكان قادراً وقت العمل، وهذا مطلب واقعيّ ثابت قبل الأمر.

وهذا الذي ذكرناه غير ما يقال: من أنّ الأمر يشترط فيه القدرة وقت العمل، فإنّ هذا لا يدفع إشكال الدور; لأنّه إن فرض الأمر مشروطاً بالقدرة في وقت العمل، قلنا: إنّ القدرة في وقت العمل أيضاً مشروطة بالأمر، وهذا دور، وإنّما الجواب هو أن نقول: إنّ الأمر ليس متوقّفاً ولا مشروطاً بالقدرة، لا حينه ولا وقت العمل، بل مشروط بإمكان القدرة بالمعنى الذي عرفت، وبرهان الاشتراط إنّما هو حكم العقل، والعقل لا يأبى عن تكليف العاجز إذا كان نفس التكليف موجباً لزوال العجز.

الثالث: أن يقال: إنّ الأمر إذا تعلّق بالفعل بقصد امتثال الأمر، أصبح المكلّف عاجزاً عن الفعل بقصد الامتثال، فيكون أمراً بغير المقدور; وذلك لأنّ ذات الفعل غير متعلّق للأمر، فكيف يستطيع أن يأتي به بقصد الأمر، وإنّما الأمر تعلّق بمجموع الفعل وقصد الامتثال بنحو التركيب أو التقييد.

وهناك جواب مشهور عن هذا الإشكال، وهو: أنّ ذات الفعل وإن لم يكن متعلّقاً للأمر الاستقلاليّ، لكنّه قد نال أمراً ضمنيّاً وحصّةً من الأمر بلحاظه جزءاً من المجموع المأمور به، حيث إنّ الأمر الاستقلاليّ الواحد ينحلّ إلى أوامر ضمنيّة بعدد الأجزاء والقيود، فيصحّ أن يؤتى به بقصد امتثال ذلك الأمر الضمنيّ، وفي سائر الموارد لا يمكن قصد امتثال أمر ضمنيّ مستقلاًّ في جزء من الأجزاء، لكن في خصوص المقام يمكن ذلك; لكون نفس هذا القصد محقّقاً للجزء أو القيد الآخر(1)، فيتمّ العمل.


(1) وبكلمة اُخرى: إنّ الأمر إذا تعلّق بشيء مركّب، وكان الإنسان له داع آخر إلى أحد جزئيه، فقد يدعوه ذلك الأمر إلى الجزء الآخر ولو فرض عدم داعويّته إلى الكلّ،

فمثلاً لو كان مطلوب المولى هو أن يسافر العبد إلى الهند ويفعل فعلاً معيّناً في الهند، فقد لا يكون هذا محرّكاً للعبد إلى السفر إلى الهند والإتيان بالفعل المعيّن، لكن لو صار له بوجه من الوجوه داع للرواح إلى الهند، فقد يدعوه الأمر المتعلّق بالمجموع المركّب من الرواح للهند والفعل المعيّن إلى أن يفعل ذلك الفعل، وليس معنى داعويّة الأمر الضمنيّ ـ في الحقيقة ـ إلاّ داعويّة الأمر الاستقلاليّ إلى جزء من أجزاء الواجب.

  صفحه 151  

ويمكن أن يعترض على هذا الجواب بإشكالين:

الإشكال الأوّل: أنّ هذا الجواب مبنيّ على القول بأنّ الأمر الاستقلاليّ الواحد المتعلّق بالمقيّد أو المركّب ينحلّ إلى حصص وقطع ضمنيّة، من قبيل انحلال البياض على الورقة بتقطّع الورقة مثلاً، لكن هذا الانحلال غير صحيح; لأنّ المقيّد أو المركّب لا يكون متعلّقاً لأمر استقلاليّ واحد، إلاّ إذا لبس ثوب الوحدة ولو في عالم الذهن والاعتبار، واُفق ثبوت الحكم وعروضه; إذ لو كان في ذلك الاُفق متعدّداً لم يعقل عروض حكم واحد عليه، وإذا لبس ثوب الوحدة في ذلك الاُفق بوجه من الوجوه، فلا معنى لانحلال ذلك الحكم الواحد.

وفيه: أنّ القائل بالانحلال لا يقول بتعدّد حصص الوجوب بلحاظ اُفق الاعتبار والصورة الذهنيّة، بل بلحاظ محكيّها. وتوضيحه: أنّ الصورة الذهنيّة التي فرضت واحدة إنّما صارت معروضة للحكم بلحاظ فنائها في الخارج، بداهة: أنّ المولى لا يوجب علينا صورته الذهنيّة بما هي، فالمولى إنّما يوجب تلك الصورة باعتباره يراها كأنّها العمل الخارجيّ، وبهذا النظر يُرى ـ  لا محالة  ـ أنّ لها قطعاً وأجزاء، فهي وإن فرض عروض ثوب الوحدة عليها في عالم الذهن والاعتبار، فاستطاعت أن تقبل حكماً واحداً، ولكن في نفس الوقت إنّما أوجبها المولى

 
  صفحه 152  

بلحاظ أنّها تُرى كأنّها العمل المركّب الخارجيّ، فهي بلحاظ المحكيّ والمكشوف متعدّدة، وحيث إنّها كانت معروضة للوجوب بلحاظ المكشوف فبهذا اللحاظ ينبسط الوجوب، ويتعدّد وينحلّ بانحلال معروضه تبعاً، ولهذا يسمّى بالانحلال لا بالتعدّد، حيث إنّه لا يتعدّد حقيقةً، وإنّما ينحلّ بلحاظ المعروض بالعرض.

الإشكال الثاني: أنّ هذا الأمر الضمنيّ الذي يقصد امتثاله، والذي فرض أنّه متعلّق بذات الصلاة مثلاً: هل هو متعلّق بالصلاة المطلقة، أو متعلّق بالصلاة المقيّدة، أو متعلّق بالصلاة المهملة؟

أمّا الأوّل فهو غير معقول; لأنّ الواجب الضمنيّ إذا كانت هي الصلاة المطلقة، كان معنى ذلك تحقّق الواجب الضمنيّ في ضمن غير المجموع; لأنّ المطلق ينطبق على الجزء الموجود لا في ضمن المجموع، وهذا خلف قانون الارتباط بين الواجبات الضمنيّة.

وأمّا الثاني فهو يعني: أنّ ذات الصلاة إذن لا أمر لها كي يُقصد، إلاّ أن يحلّ الأمر مرّة اُخرى بدعوى: أنّ متعلّقه وهو الضمنيّ المقيّد ينحلّ ـ بحسب الحقيقة ـ إلى تقيّد وذات المقيّد، فأصبح مركّباً، فأيضاً له أمران: أمر ضمنيّ بالتقيّد وأمر ضمنيّ بذات المقيّد، فننقل الكلام إلى الأمر المتعلّق بذات المقيّد، لنرى: هل تعلّق بذات المقيّد المطلق، أو بذات المقيّد المقيّد بالتقيّد، وهكذا، فيلزم التسلسل.

وأمّا الثالث وهو فرض تعلّق الأمر الضمنيّ بالصلاة المهملة، فهو لا يرد عليه عدم معقوليّة الإهمال في عالم الثبوت على أساس أنّ المولى لا يعقل أن لا يعرف ماذا صنع، فهو: إمّا يريد المطلق، أو يريد المقيّد، فإنّ الجواب على ذلك هنا هو: أنّه ليس المراد هو الإهمال بلحاظ الواقع كلّيّةً، فإنّ المولى لم يهمل بحسب الواقع إذا ضمّ إلى هذا الوجوب الضمنيّ الوجوب الضمنيّ للجزء الآخر مثلاً. وبكلمة اُخرى: إنّ الوجوب النفسيّ الاستقلاليّ مقيّد لا محالة; إذ اُخذ فيه كلّ القيود والأجزاء،

 
  صفحه 153  

فالمولى ليس مُهمِلاً، بل المراد هو الإهمال بلحاظ مرتبة من مراتب الواقع، إلاّ أنّه يرد عليه: أنّ المهملة في قوّة الجزئيّة والمقيّدة، فيعود الإشكال، ولا يمكنه قصد الأمر بذات الصلاة; لأنّ قصد الأمر بذات الصلاة يتوقّف على انطباق الواجب عليها، والواجب المهمل لا ينطبق على ذات الصلاة، بل ينطبق على المقيّد فحسب.

إلاّ أنّ هذا الإشكال لا يرد على مبانينا في بحث الإطلاق والتقييد; حيث إ نّنا نبني هناك على أنّ المهمل في قوّة المطلق لا المقيّد، وسمّينا ذلك بالإطلاق الذاتيّ، والمهملة إنّما تكون جزئيّة في القضايا التصديقيّة، وأمّا المتصوّر المهمل فهو في قوّة المطلق، وقلنا: إنّ مقدّمات الحكمة دائماً تثبت هذا المهمل الجامع بين المطلق والمقيّد المسمّى باللابشرط المقسميّ، وهذا لا يلزم منه خرق قانون الضمنيّة والارتباط، فإنّ ذلك إنّما يكون لو التزمنا بالإطلاق اللحاظيّ، بأن يقول مثلاً: الواجب هو الركوع سواء سجدت أو لا ، فبهذا يرفض دخل القيد، فهذا ينافي الضمنيّة والارتباط. وأمّا الإطلاق الذاتيّ الذي يكفي فيه الإهمال فلا ينافي الضمنيّة.

وقد تحصّل: أنّه يمكن الإتيان بذات الصلاة بلحاظ قصد امتثال الأمر الضمنيّ المتعلّق بذات الصلاة، فالجواب المشهور عن هذا البيان الثالث صحيح.

نعم، أصل هذا البيان لا محصّل له; إذ أيّ آية أو رواية وردت تقول: إنّ قصد امتثال الأمر لا يكون إلاّ إذا تعلّق به الأمر، بل قصد امتثال الأمر يتمشّى في كلّ شيء لا يتمّ امتثال الأمر إلاّ به، ولذا يمكن في المقدّمة قصد امتثال أمر ذي المقدّمة، ومن البديهيّ في المقام أنّ المكلّف لا يمكنه أن يمتثل الأمر المتعلّق بالصلاة بقصد الامتثال بدون أن يأتي بالصلاة، فكلّ هذا الضوضاء زوبعة في فنجان نشأ بتخيّل أنّه لابدّ من فرض تعلّق الأمر بالدقّة بما يؤتى به بقصد امتثال الأمر.

 
  صفحه 154  

الرابع ـ وهو أجود ما اُفيد لإثبات الاستحالة ـ : ما ذكره المحقّق النائينيّ من لزوم الدور، لكن لا بلحاظ متعلّق الأمر كما في الوجه الأوّل، بل بلحاظ متعلّق المتعلّق المصطلح عليه عند المحقّق النائينيّ بالموضوع. وتوضيح ذلك ببيان مقدّمتين:

المقدّمة الاُولى: أنّ الأحكام الشرعيّة لها متعلّقات وهي الأفعال التي يكون الحكم الشرعيّ مقتضياً لإيجادها، أو الزجر عنها، كالصلاة في «صلِّ»، وشرب الخمر في «لا تشرب الخمر»، ومتعلّق المتعلّقات وهي الأشياء الخارجيّة التي يتعلّق بها المتعلّق الأوّليّ للحكم، كالخمر في «لا تشرب الخمر»، وكالوقت والقبلة في «صلِّ في الوقت، وإلى القبلة» وكالعقد في «يجب الوفاء بالعقد» وغير ذلك، وهذا ما يسمّى بالموضوع. والموضوع يؤخذ دائماً شرطاً للحكم وقيداً فيه، وحيث إنّ الحكم يؤخذ بنحو القضيّة الحقيقيّة، وشرط القضيّة الحقيقيّة يؤخذ مفروض الوجود، فالموضوع دائماً يرجع إلى الشرط المفروض الوجود، فمعنى «يحرم شرب الخمر» : إذا وجد خمر حرم شربه، ومعنى «صلِّ في الوقت، وإلى القبلة»: إذا وجد الوقت والقبلة، صلِّ فيه وإليها، ومعنى «أوفوا بالعقود» : إذا وجد العقد وجب الوفاء به، وهكذا. ونتيجة ذلك: أنّ فعليّة الحكم تابعة لفعليّة الموضوع; لأنّ المشروط عدم عند عدم شرطه، والمفروض: أنّ هذه الموضوعات اُخذت شرائط، وفرض وجودها عند الحكم، ففعليّة الحكم تتبع فعليّتها ووجودها خارجاً، فوجود الموضوع سابق رتبة على فعليّة الحكم، هذا بلحاظ عالم الفعليّة.

وأمّا بلحاظ عالم الجعل، فحيث إنّ الحاكم أناط حكمه بفرض هذه الشرائط والموضوعات، قلنا: إنّ هذا وإن لم يكن معناه وجود تلك الموضوعات خارجاً، لكن الحاكم يرى في اُفق هذا الفرض بالنظر الطريقيّ أنّه عين المفروض، فيرى الحكم متأخّراً عن وجود المفروض خارجاً. فهنا سبقان رتبيّان: سبق رتبيّ

 
  صفحه 155  

خارجيّ في عالم الفعليّة، وهو سبق وجود الموضوع على فعليّة الحكم ووجوده خارجاً، وسبق رتبيّ بحسب النظر التصوّريّ للمولى، وهو سبق وجود الموضوع على أصل جعل الحكم في اُفق الجعل والفرض; حيث إنّ المولى يفرضه ويرتّب عليه الحكم، هذا حال الموضوع. وأمّا المتعلّق فليس سابقاً على الحكم، كيف وهو من تبعات نفس الحكم.

المقدّمة الثانية: هي تطبيق لما أفيد في المقدّمة الاُولى على ما نحن فيه. وتوضيح ذلك: أنّ قصد الأمر في الأوامر القربيّة ـ  إذا تعلّق الأمر بالفعل بقصد الأمر  ـ يكون متعلّقاً للأمر، ونسبته إلى الأمر كنسبة الركوع والسجود إليه، ونفس الأمر متعلّق للمتعلّق، ونسبته إلى الأمر كنسبة القبلة والوقت إليه; لأنّه تعلّق به قصد الأمر الذي تعلّق به الأمر، إذن فنطبّق الكبرى التي عرفتها في المقدّمة الاُولى على ذلك، ونقول: إنّ نفس الأمر يجب أن يأخذه المولى مفروغاً عنه ومفروض الوجود كما في الوقت والقبلة، فيرجع قوله: «صلِّ بقصد الأمر» إلى قوله: «إن وجد أمر فصلِّ بقصد الأمر» كما كان يرجع قوله: «صلِّ في الوقت وإلى القبلة» إلى قوله: «إن وجد الوقت والقبلة، فصلِّ في الوقت وإلى القبلة»، ويلزم من ذلك التهافت في عالم الفعليّة والجعل:

أمّا بلحاظ عالم الفعليّة فلأ نّا قلنا: إنّ فعليّة الحكم تابعة لفعليّة موضوعه، ففعليّة الأمر بالوفاء بالعقد تابعة لفعليّة موضوعه وهو العقد، فيلزم في المقام أن تكون أيضاً فعليّة الأمر تابعة لفعليّة موضوعه وهو الأمر، أي: أنّ فعليّة الشيء تابعة لفعليّة نفسه، وهذا غير معقول(1).


(1) وهذا بعد الالتفات إلى أنّه يقصد بقصد الأمر: قصد الأمر الفعليّ، أي: الأمر

المتوجّه إلى الشخص، لا مجرّد وجود الأمر في مرحلة الجعل، فلا يقال: إنّ فعليّة الأمر توقّفت على وجود الأمر وجعله، ولا عيب في ذلك; فإنّه يقال: إنّ الأمر تعلّق بالصلاة بقصد الأمر الفعليّ، لا الصلاة بقصد الأمر الجعليّ ولو غير المتوجّه إلى الشخص، وغير الفعليّ في حقّه، إذن فقد اُخذ في موضوع الأمر الأمر الفعليّ، وهذا يعني: توقّف الأمر الفعليّ على الأمر الفعليّ.

  صفحه 156  

وأمّا بلحاظ عالم الجعل، فلأنّ المولى يرى في اُفق الجعل وبالنظر التصوّريّ أنّ حكمه كأنّه بعد موضوعه، فهنا أيضاً يرى كأنّ أمره بعد أمره، ويقول: إذا كان أمري موجوداً فأمري موجود، وهذا لا معنى له.

هذا ما أفاده المحقّق النائينيّ في المقام. وتمام النكتة فيه: أنّ الأمر أصبح متعلّق المتعلّق، ومتعلّق المتعلّق قيد، فيكون قيداً لنفسه(1).

وأجاب السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ عن ذلك بما يرجع حاصله إلى إنكار المقدّمة الاُولى، فلا برهان على أنّ متعلّق المتعلّق يجب أن يؤخذ دائماً مفروض الوجود في مقام جعل الحكم، وإنّما أخذه كذلك بحيث يرجع إلى قضيّة شرطيّة ملاكه أحد أمرين: إمّا ملاك إثباتيّ، أو ملاك ثبوتيّ.

أمّا الملاك الإثباتيّ فهو الاستظهار العرفيّ، فمثلاً العرف لا يفهم من ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أنّه يجب عليه أن يحدث عقداً لكي يفي به، ويستظهر أنّ المولى لا يريد


(1) راجع فوائد الاُصول، ج 1، ص 145 ـ  150 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وراجع أجود التقريرات، ج 1، ص 104 ـ  108 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ .

والشيخ النائينيّ يدّعي لزوم الدور بلحاظ عالم الجعل، وعالم الفعليّة، وعالم الامتثال، فراجع.

  صفحه 157  

متعلّق المتعلّق، وأنّه ليس من مقدّمات الواجب، بل من مقدّمات الوجوب، فهذا الاستظهار العرفيّ قرينة على أنّ العقد اُخذ مفروض الوجود وقيداً للوجوب، ورجع الكلام إلى قضيّة شرطيّة، وهي: أنّه لو وجد عقد لوجب الوفاء به.

وأمّا الملاك الثبوتيّ فهو فيما لو كان متعلّق المتعلّق أمراً غير اختياريّ للمكلّف، فلو كان كذلك لم يكن بدٌّ من أخذه مفروض الوجود; إذ لو لم يفرض وجوده، ولم يقيّد الوجوب به، للزم إطلاق الوجوب لفرض عدمه مع أنّه لا يقدر عليه، فمثلاً قوله: «صلِّ في الزوال» لو لم يفرض الزوال قيداً للوجوب، كان معناه: صلِّ في الزوال سواء وجد زوال أم لا، بينما هو لا يقدر على ذلك إذا لم يوجد الزوال.

وأمّا إذا لم يوجد شيء من الملاكين، فلا موجب لفرض أخذ الموضوع مفروض الوجود كما هو الحال في النواهي، كقوله: «لا تشرب الخمر»، فإنّ العرف لا يستظهر من ذلك أنّ الحكم منوط بتحقّق الموضوع، ولذا يفهم من «لا تشرب الخمر» حرمة شرب الخمر ولو قبل وجوده، ولا محذور عقليّ في ذلك، وهو لزوم التكليف بغير المقدور الذي كان عبارة عن الملاك الثاني، وحينئذ نأتي في المقام ونقول: إنّ قوله: «صلِّ بقصد الأمر» لا يوجد فيه شيء من الملاكين; فإنّ قوله: «صلِّ بقصد الأمر» ليس ظاهراً في انتظار وجود الأمر، والأمر وإن كان غير اختياريّ لكنّه يوجد بنفس هذا الخطاب، فلا يلزم من عدم أخذه قيداً محذور; إذ بعدمه يكون أصل الخطاب معدوماً، فلا يلزم التكليف بغير المقدور، بينما في قوله: «صلِّ في الوقت وإلى القبلة» ليس الخطاب بنفسه موجداً للوقت والقبلة، إذن ففي المقام لا يلزم دور ولا تهافت، لا في مقام المجعول ولا في مقام الجعل(1).


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1 المعلّق عليه من قبل السيّد الخوئيّ ، ص 106ـ 107، وراجع محاضرات الفيّاض، ج 1، ص 158 ـ  161.

  صفحه 158  

هذا ما أفاده السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ في مقام الإيراد على كلام اُستاذه.

والتحقيق: هو استحالة أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر; لوجوه يمكن أن يجعل بعضها تتميماً وتوجيهاً لبعض الوجوه المتقدّمة، وبعضها دليلاً مستقلاًّ:

الوجه الأوّل: يمكن أن يجعل إصلاحاً وتنقيحاً لما أفاده المحقّق النائينيّ ، حيث إنّه ذكر: أنّ الأمر إذا اُخذ قيداً في متعلّق الأمر، وجب أخذه مفروض الوجود، وأخذه مفروض الوجود يوجب التهافت والدور، وعرفت: أنّ السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ ناقش في ذلك بعدم لزوم أخذ الأمر مفروض الوجود; لأنّ ذلك: إمّا يكون بملاك استظهار عرفيّ وهو غير موجود في المقام، أو بملاك لزوم محذور عقليّ لو لم يؤخذ مفروض الوجود، وهو لزوم التكليف بغير المقدور، وهذا الملاك موجود في كلّ ما أخذ قيداً لمتعلّق الأمر وكان خارجاً عن قدرة المكلّف، إلاّ في مورد واحد، وهو ما إذا كان نفس الأمر متكفّلاً لإيجاد ذلك الشيء، فهو ـ  دامت بركاته  ـ يعترف بتماميّة الملاك في الموضوعات غير الداخلة تحت القدرة حينما لا يكون نفس الأمر متكفّلاً لإيجادها، وإنّما يستثني خصوص ما يتكفّله نفس الأمر بإيجاده، فلو كان مثلاً أمر المولى بالصلاة في الوقت محرّكاً للفلك وموجداً للزوال، لم يلزم أخذ الزوال شرطاً للوجوب ومفروض الوجود، وحيث إنّه في المقام يكون الموضوع نفس الأمر، فإذا أمر المولى بالصلاة بقصد الأمر، كفى ذلك بنفسه في وجود الموضوع، فلا حاجة إلى أخذه شرطاً للوجوب.

وهنا بالإمكان أن ندخل تعديلاً على كلام المحقّق النائينيّ لكي لا يرد عليه إشكال السيّد الاُستاذ، وذلك بأن يقال: إنّ الخطاب وإن كان بنفسه متكفّلاً لوجود الأمر، لكن وجود الأمر وحده لا يكفي في إمكانيّة صدور الصلاة من العبد بقصد الأمر، بل يتوقّف إمكان ذلك على وصول هذا الأمر ولو بأدنى مراتب الوصول، وهو الوصول الاحتماليّ; إذ لو لم يصل الأمر ولو احتمالاً، فمعنى ذلك: أنّه يعتقد

 
  صفحه 159  

عدم الأمر، وحينئذ لا يمكنه أن يصلّي بقصد الأمر، إلاّ على نحو التشريع الذي هو حرام وقبيح، فإمكان فعل الصلاة بقصد الأمر بوجه معقول لا يرجع إلى التشريع المحرّم والقبيح موقوف على وصول الأمر ولو احتمالاً، ووصول الأمر شيء غير اختياريّ(1) كنفس الأمر، ولا يتكفّله نفس الخطاب، فينطبق عليه نفس القاعدة التي اعترف بها السيّد الاُستاذ، وهي لابديّة أخذه شرطاً للوجوب وقيداً مفروض الوجود; لكونه أمراً غير مقدور، وعدم تكفّل الخطاب بوجوده; لأنّ من الواضح: أنّ نفس الخطاب المجعول على نحو القضيّة الحقيقيّة لا يكفل وصول الأمر. نعم، لو كان الأمر مجعولاً بنحو القضيّة الخارجيّة الجزئيّة بأن يتوجّه المولى إلى شخص بعينه (وكان جيّد السمع)، فقال له: «صلِّ بقصد الأمر»، كان المولى متكفّلاً بإيجاد الأمر وإيصاله، فلا حاجة إلى أخذ قيد الوصول في الموضوع، أمّا حينما لا يكون الأمر كذلك كما في خطاباتنا الشرعيّة، فلابدّ من أخذ قيد الوصول في الموضوع، فيرجع قوله: «صلِّ بقصد الأمر» إلى قوله: «إذا وصل إليك الأمر، فصلِّ بقصد الأمر».

وعندئذ نضمّ إلى ذلك ما تنقّح في بحث القطع: من أنّه يستحيل أخذ وصول الحكم في موضوع شخص ذلك الحكم كما يستحيل أخذ نفس الحكم في موضوع شخصه، واستحالة أخذ وصول الحكم في موضوع شخص ذلك الحكم مسلّمة عند القائل بامتناع الأمر بالصلاة بقصد الأمر والقائل بجوازه، فيقال مثلاً: إنّه لو اُخذ وصول الحكم في موضوعه لزم التهافت; لأنّ الحكم بمقتضى كونه مقيّداً بوصول نفسه متأخّر رتبة عن وصول نفسه، وبما أنّ الوصول وصول له، وانكشاف له، وهو


(1) ولو في بعض الصور، كمن يعيش بعيداً عن الأجواء الدينيّة، ولا يمكنه الاقتراب والتسبّب إلى وصول الأمر إليه.

  صفحه 160  

في طول المنكشف، كان متأخّراً عن الحكم(1).

وبهذا يتبرهن استحالة أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر، فليكن هذا توضيحاً أو تنقيحاً لكلام المحقّق النائينيّ ، غاية الفرق: أنّ المحقّق النائينيّ كان يقول: إنّ تعلّق الأمر بالصلاة بقصد الأمر يتوقّف على أن يكون قصد الأمر مأخوذاً في موضوعه، ونحن نقول: إنّه يتوقّف على أن يكون وصول الأمر مأخوذاً في موضوعه.

الوجه الثاني: ما يمكن جعله تتميماً للوجه الأوّل من الوجوه المتقدّمة الذي كان يقول: إنّ قصد الأمر يكون في طول الأمر، فلو تعلّق به الأمر لكان متقدّماً عليه، وهذا تهافت. وقد مضى الإشكال عليه بأنّ قصد الأمر الذي يتوقّف على الأمر عبارة عن الوجود الخارجيّ لقصد الأمر، وما يكون معروضاً للأمر في اُفق ذهن الآمر إنّما هو عنوان قصد الأمر ووجوده الذهنيّ، فلا تهافت.

إلاّ أنّنا نضيف هنا نكتة على ذاك الوجه ليتمّ الدليل من دون أن يرد عليه ذاك الإشكال، وذلك بأن نقول: إنّ الأمر وإن كان في اُفق ذهن الآمر معروضاً في الحقيقة على عنوان قصد الأمر، لا على واقعه ومعنونه الذي يكون في طول الأمر، إلاّ أنّ الآمر إنّما أمر بذلك العنوان لأنّه يراه بنظره التصوّريّ في اُفق الأمر نفس المعنون وفانياً فيه، ولو لم يكن يراه نفس المعنون لما أحبّه، ولما أمر به، فبلحاظ هذا النظر الذي به يأمر يقع التهافت; إذ هو يرى بهذا النظر أنّه يجعل الأمر معروضاً على واقع قصد الأمر، وكأنّ له تقرّراً وثبوتاً قبل الأمر حتّى يعرض الأمر عليه، بينما هو متقوّم في هويّته بالأمر.


(1) لا يقال: إنّ أخذ وصول الجعل قيداً في المجعول ممكن، فإنّه يقال: إنّ تمكّنه من قصد الأمر من دون تورّط في التشريع يتوقّف على وصول انطباق الحكم على نفسه.

  صفحه 161  

وبكلمة اُخرى: إنّ للآمر رؤيتين:

إحداهما: أنّه يرى أنّ الأمر يعرض على عنوان قصد الأمر، وهذه رؤية مطابقة للواقع.

والثانية: أنّه يرى أنّ عنوان قصد الأمر هو عين المعنون، أي: هو واقع قصد الأمر.

والنتيجة المتحصّلة من مجموع الرؤيتين: أنّه يرى أنّ الأمر يعرض على المعنون وعلى واقع قصد الأمر، وهذه الرؤية وإن كانت غير مطابقة للواقع; لأنّها حصيلة مجموع رؤيتين كانت ثانيتهما غير مطابقة للواقع، لكن الآمر ـ  على أيّ حال  ـ إنّما يأمر بهذه النظرة غير المطابقة للواقع، أي: يأمر بالنظرة التي يرى بها واقع قصد الأمر شيئاً مفروغاً عنه ومتقدّماً على الأمر; لكي يطرأ الأمر عليه، مع أنّه لا يعقل أن يراه كذلك; لأنّه متقوّم في هويّته بالأمر، فكيف يُرى مفروغاً عنه ومتقدّماً على الأمر، ويعرض عليه الأمر؟! هذا.

وقد ذكر المحقّق العراقيّ في مقام التعليق على هذا الوجه: أنّ هذا الإشكال هو الإشكال الوارد في موارد عديدة من قبيل حجّيّة الخبر مع الواسطة، حيث يقال مثلاً: إنّ دليل جعل الحجّيّة هو الذي جعل خبر الناقل للحكم من الإمام حجّة، وهذه الحجّيّة أثر شرعيّ يجعل بدوره موضوعاً لحجّيّة خبر الناقل عن هذا الناقل، ودليل جعل الحجّيّة يرى موضوع الحجّيّة وهو الأثر مفروغاً عنه، فلا يمكن أن يشمل الأثر الذي يتولّد منه. والجواب عن هذا الإشكال في كلّ الموارد واحد، وهو: أنّه يثبت بالدليل حكمان طوليّان، فدليل الحجّيّة يدلّ على الحكم بالحجّيّة الثابتة على خبر الناقل بلا واسطة، وفي طول هذا الحكم يدلّ على الحكم بالحجّيّة الثابتة على خبر الناقل عن ذلك الناقل، وموضوع الحكم الثاني ثبت بالحكم الأوّل لا بنفس حكمه، فلا إشكال. وكذا الكلام فيما نحن فيه، فالأمر يثبت أوّلاً على

 
  صفحه 162  

ذات الصلاة، وفي طول ذلك يثبت على قصد الأمر بالصلاة، فهناك أمر بذات الصلاة لم يؤخذ في موضوعه أمر، ثُمّ هناك أمر آخر متعلّق بقصد امتثال الأمر اُخذ في موضوعه وجود الأمر الأوّل(1).

أقول: يرد عليه: أنّ الحكم بالحجّيّة في باب الأخبار وإن كان واحداً بلحاظ عالم الجعل، وكان المجعول بالذات أيضاً واحداً، فلا تعدّد ولا اثنينيّة بلحاظ عالم الجعل فضلاً عن الطوليّة; لكنّه ينحلّ إلى أحكام عديدة مستقلّة بلحاظ عالم فعليّة المجعول، فيعقل أن يحقّق أحدها موضوع الآخر، وأمّا فيما نحن فيه فإن فُرِض الأمران الطوليّان ضمنيّين، فأين نتصوّر الطوليّة؟ هل في عالم الجعل، أو في عالم الفعليّة؟

أمّا في عالم الجعل فلا تعدّد فضلاً عن الطوليّة; فإنّ الجعل واحد والمجعول بالذات أيضاً واحد.

وأمّا في عالم الفعليّة فالأمران ضمنيّان، والضمنيّة تنحفظ حتّى في عالم الفعليّة، وتكون فعليّة كلّ منهما فعليّة ضمنيّة لا استقلاليّة، كما كان جعله ضمنيّاً، ومعنى ذلك: أنّهما فعليّة واحدة استقلاليّة موجودة بوجود واحد، فكيف يعقل الترتّب والطوليّة بينهما؟!

وبكلمة اُخرى: إنّ الأمرين ضمنيّان في عالم الجعل وفي عالم الفعليّة، فلا يعقل أخذ أحدهما في موضوع الآخر; فإنّ هذا يساوق استقلاليّة أحدهما عن الآخر، وانفصاله عنه.


(1) راجع المقالات، ج 1، ص 339 ـ  340 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ بقم، وراجع أيضاً نهاية الأفكار، ج 1، ص 190 ـ  191، وص 196 ـ  197 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  صفحه 163  

وإن فُرِض الأمران طوليّين استقلاليّين وإن جُعِلا بجعل واحد، فيكون حالهما حال الوجوبين الطوليّين الاستقلاليّين في «صدّق العادل» المجعولين بجعل واحد، ورد عليه: أنّ هذا وإن كان هناك مجال لتصويره ثبوتاً، فكما أنّه في باب «صدّق العادل» صحّ ذلك من باب: أنّ المولى وجد جامعاً بين الواجبين وهو عنوان تصديق العادل، وجامعاً بين الموضوعين وهو عنوان الأثر الشرعيّ، فقال: «صدّق العادل» فيما له أثر شرعيّ، وانحلّ ذلك في مرحلة الفعليّة إلى وجوبين طوليّين، كذلك يمكن أن يفترض في المقام جامع بين الواجبين، وهما: الفعل وقصد الامتثال، وجامع بين الموضوعين، وهما: ما يمكّنه من الفعل ونفس الأمر الأوّل الذي يمكّنه من قصد الأمر، فأوجب المولى ذلك الجامع بنحو مطلق الوجود، فكان ذلك من قبيل: «صدّق العادل»، وتصوير ذلك هو أن يقال: إنّ المولى يشير إلى مجموعة الأجزاء والشرائط بما فيها قصد الأمر، ويقول بنحو مطلق الوجود: «أوجبت عليك ما هو مقدور لك من هذه الاُمور»، وبهذا يجب أوّلاً بالوجوب الفعليّ باقي الأجزاء والشرائط غير قصد الأمر; لكونها مقدورة للمكلّف بمجرّد الصحّة البدنيّة مثلاً، وفي طول وجوب ذلك يصبح قصد الأمر مقدوراً له، فيجب عليه.

إلاّ أنّ هذا مجرّد تصوير ثبوتيّ وليس له أيّ انطباق على واقع الفقه، ومقصود المحقّق العراقيّ ليس مجرّد إثبات إمكانيّة أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر ثبوتاً ولو بصياغة غير منطبقة على واقع الفقه; فإنّ المحقّق العراقيّ إنّما بحث هذا البحث لأجل التوصّل إلى نتيجة عمليّة متوخّاة منه، وهو إثبات التوصّليّة لدى الشكّ بأصالة الإطلاق، ببيان: أنّه إذا أمكن التقييد بقصد القربة، فعدم التقييد دليل التوصّليّة، وهذا ـ  كما ترى  ـ إنّما يكون بفرض صورة قابلة للانطباق على واقع فقهنا، وإلاّ فلا ثمرة عمليّة لذلك، ومن الواضح: أنّ الصورة التي ذكرناها لا تنطبق على ألسنة الأدلّة والجعول الشرعيّة، وإنّما هي مجرّد فرض لا واقع له، وإنّما الواقع

 
  صفحه 164  

هو إيجاب نفس تلك الأجزاء والشرائط بعناوينها الأوّليّة بشرط القدرة على المجموع، فهي ـ  لا محالة  ـ وجوبات ضمنيّة، فلا يتمّ عن هذا الطريق التمسّك بالإطلاق لإثبات التوصّليّة.

الوجه الثالث: نبرهن في هذا الوجه على عدم معقوليّة الأمر الضمنيّ بقصد الأمر الوارد بداعي المحرّكيّة والبعث، وقد قالوا: إنّ الأمر له دلالة على كونه بداعي المحرّكيّة، ولذا لا يشمل العاجز، فيثبت بهذا البرهان أنّ قوله: «صلِّ» لا يمكن تقييده بأمر ضمنيّ بقصد الأمر، وهذه هي غايتهم من هذا البحث على أساس أنّهم قالوا: إن أمكن تقييده بذلك، إذن فإطلاقه يدلّ على التوصّليّة، وإلاّ فلا.

فنقول: إنّ الأمر بذات الصلاة لو كان وحده كافياً لتحريك العبد نحو متعلّقه، وموجباً لقدح الإرادة في نفس العبد بإتيان الصلاة، فهذا عبارة اُخرى عن قصد امتثال الأمر; فإنّ محرّكيّة الأمر للعبد ليست عبارة عن الدفع التكوينيّ نحو الفعل من قبيل تحريك القوّة الجاذبة للأجسام نحو المركز، وإنّما هي عبارة عن قدح الإرادة للفعل، وانقداح الإرادة للفعل من الأمر عبارة اُخرى عن قصد امتثال الأمر، ومعه لا يبقى لفرض ضمّ أمر ضمنيّ يقيّد به الأمر بالصلاة وهو الأمر بقصد الأمر أيّ محرّكيّة نحو قصد الامتثال; إذ ليس لقصد الامتثال معنىً إلاّ الإرادة التي نشأت من الأمر، فلا يكون لهذا الأمر الضمنيّ تحريك، لا تأسيساً كما هو واضح، ولا تأكيداً; لأنّ التأكّد إنّما يكون في أمرين استقلاليّين، ويستحيل في أمرين ضمنيّين، ولو فرض: أنّ الأمر بمقدار تعلّقه بالصلاة لم يكن كافياً لتحريك العبد نحو إرادة الصلاة، فالأمر الضمنيّ الثاني أيضاً لا يفيد; لأنّه أخو الأوّل، وكلاهما مرجعه إلى أمر واحد، ودعوة واحدة، ومولويّة واحدة، فضمّ هذا الأمر لا يوجب تحريكاً; لأنّ الأمر الضمنيّ لا يعقل أن يؤكّد المحرّكيّة.

نعم، هناك فائدة واحدة لضمّ الأمر الضمنيّ الثاني إلى الأوّل، وهي: أنّه لو لم

 
  صفحه 165  

يضمّ إليه، واتّفق أنّه صلّى صدفة لا بداعي الأمر، سقط الأمر الأوّل عن المحرّكيّة; لأنّه انطبق على ما أتى به، فلا تكون عليه إعادة، وأمّا مع ضمّ هذا الأمر الضمنيّ إليه، فالأمر الأوّل يبقى غير ساقط، أي: لا يقبل الانطباق على ما أتى به; لأنّه ـ بحسب لبّه ـ متعلّق بالحصّة الخاصّة، فتبقى فاعليّته ومحرّكيّته على حالها وكأ نّما الآن أمره المولى بالصلاة لا قبل فعله، لكن هذا ليس معناه: أنّ الأمر الضمنيّ الثاني له محرّكيّة، وإنّما أصبح حافظاً لمحرّكيّة الأمر الضمنيّ الأوّل، ومانعاً عن انطباقه على ما أتى به، فلم يسقط عن التأثير، فهو يحرّك مرّة اُخرى نحو الصلاة كما لو جاء الآن أمر جديد بالصلاة، وأمّا الأمر الضمنيّ الثاني فأيضاً لا محرّكيّة له في ما فرض من الأمر الجديد، لا تأسيساً لكون الأوّل كافياً في التحريك، ولا تأكيداً لعدم معقوليّة التأكيد في الأوامر الضمنيّة، فيبقى برهاننا على استحالة جعل الأمر بالصلاة بقصد امتثال الأمر بداعي محرّكيّته بجميع حصصه الضمنيّة ثابتاً على حاله.

الوجه الرابع: ما لعلّه حاقّ مقصود المحقّق الإصفهانيّ ولو ارتكازاً من عبارته المجملة، حيث يقول: يلزم جعل الأمر داعياً إلى جعل الأمر داعياً، وكون الأمر محرّكاً إلى محرّكيّة نفسه(1).

وتوضيحه: أنّنا أيضاً نقول: يستحيل أن يكون الأمر بالصلاة بقصد امتثال الأمر محرّكاً بجميع حصصه الضمنيّة. بيان ذلك: أنّ تحريك الأمر نحو متعلّقه ـ  كما قلنا في الوجه السابق  ـ ليس عبارة عن الدفع التكوينيّ إليه، وإنّما هو عبارة عن قدح الإرادة في نفس العبد، وهذه الإرادة التي يخلقها هذا الأمر بالمجموع المركّب من الصلاة وقصد الأمر تتصوّر على ثلاثة أنحاء، وكلّها مستحيل:


(1) نهاية الدراية، ج 1، ص 195 بحسب طبعة مطبعة الطباطبائيّ بقم.

  صفحه 166  

الأوّل: أن يفرض: أنّ هذا الأمر المتعلّق بالمجموع المركّب يحرّك العبد نحو متعلّقه الذي هو المجموع على حدّ سائر الأوامر بالمركّبات، فكما أنّ الأمر بمجموع الركوع والسجود مثلاً يحرّك العبد نحو مجموع الركوع والسجود في عرض واحد; لأنّ الأمر يقدح في نفس العبد الإرادة على حدّ إرادة المولى، إلاّ أنّ إرادة المولى تشريعيّة وإرادة العبد تكوينيّة، فإذا كانت إرادة المولى متعلّقة بالمجموع، تعلّقت إرادة العبد بالمجموع، فكذلك فيما نحن فيه تتعلّق إرادة العبد بمجموع الصلاة وقصد الامتثال.

وهذا أمر غير معقول; لأنّ إرادة الصلاة التي نشأت من قبل الأمر هي بنفسها قصد الامتثال الذي هو الجزء الثاني للمأمور به، فلا يعقل انبساط تلك للإرادة على الجزء الثاني أيضاً; لأنّ هذا معناه انبساط الإرادة على نفسها وتعلّقها بنفسها، وهذا أمر غير معقول. ولعلّ هذا مقصود المحقّق الإصفهانيّ من لزوم محرّكيّة الشيء نحو محرّكيّة نفسه، فحتّى لو غضضنا النظر عن الوجه الثالث بأن فرضنا: أنّ التاكّد في التحريك في الأوامر الضمنيّة معقول كما هو معقول في الأوامر الاستقلاليّة، قلنا هنا: إنّ معنى تحرّك العبد نحو الإرادة تعلّق إرادته بالإرادة، وهذا إمّا معناه: تعلّق الإرادة بنفسها، أو تعلّقها بإرادة اُخرى هي بنفسها ثابتة للنفس، وكلاهما محال.

الثاني: أن يكون أمر المولى المتعلّق بالمجموع المركّب من الصلاة وقصد الامتثال محرّكاً، ومحرّكيّته تتمثّل في إرادة واحدة متعلّقة بأحد الجزءين، وهو ذات الصلاة.

وهذا أيضاً أمر غير معقول; لأنّ هذا معناه: أنّ الأمر لم يحرّك نحو جزء متعلّقه، وهذا معناه: عدم تعلّق الأمر الناشئ بداعي المحرّكيّة بهذا الجزء; لأنّ تعلّقه به مساوق للتحريك نحوه، وما معنى كون الأمر بما له من تعلّقات عديدة محرّكاً نحو أحد المتعلّقات فقط؟!

 
  صفحه 167  

الثالث: أن تكون محرّكيّة هذا الأمر عبارة عن أنّه يريد إرادة الصلاة، فيريد الصلاة فيصلّي، وهذا معناه: أنّ محرّكيّة هذا الأمر متمثّلة في محرّكيّتين طوليّتين، بأن يكون أوّلاً محرّكاً نحو إرادة الصلاة بأن يصبح العبد مريداً لإرادة الصلاة، ثُمّ في طول ذلك تنشأ محرّكيّة ثانية نحو ذات الصلاة تتمثّل في إرادة نفس الصلاة، وهذه الإرادة الثانية هي متعلّق الإرادة الاُولى بحيث يصدق في المقام فاء الترتيب، بأن نقول: أراد أن يقصد الامتثال بالصلاة، فقصد الامتثال بالصلاة، وطبعاً لا يعقل كون إرادة الصلاة في عرض إرادة إرادة الصلاة; إذ في عرض حصول المراد لا معنىً لإرادته، وإلاّ لزم طلب الحاصل، وإنّما المراد في طول الإرادة، وهذا أيضاً باطل; إذ معنى ذلك: أنّ اقتضاء أحد الأمرين الضمنيّين للتحريك كان في طول اقتضاء الأمر الضمنيّ الآخر للتحريك، وهذا غير معقول; لأنّهما أمران عرضيّان ببرهان أنّهما ضمنيّان، فنسأل عن أنّه هل يوجد في مرتبة الأمر الضمنيّ بقصد الامتثال الأمر الضمنيّ بذات الصلاة، أو لا؟ فإن قيل: لا ، كان معنى ذلك الطوليّة بين نفس الوجوبات الضمنيّة، وهذا غير معقول. وإن قيل: نعم، فما معنى أن لا يقتضي هذا الأمر الضمنيّ التحريك في عرض اقتضاء الآخر للتحريك؟!

 

أخذ قصد القربة بغير معنى قصد الامتثال:

وأمّا المقام الثاني: ففي تحقيق حال أخذ قصد القربة بغير معنى قصد امتثال الأمر في متعلّق الأمر.

وأخذ قصد القربة بغير هذا المعنى يفرض فيه عدّة أنحاء:

النحو الأوّل: أن يؤخذ في متعلّق الأمر قصد طبيعيّ الأمر. وفرقه عمّا مضى أنّه كان الكلام حتّى الآن في أخذ قصد شخص الأمر في متعلّقه، بينما هنا يفرض أخذ قصد طبيعيّ الأمر الذي هو قابل للانطباق على شخص ذلك الأمر في متعلّقه.

 
  صفحه 168  

والتحقيق: أنّ الوجه الثاني من الوجوه الأربعة التي اخترناها في مقام إثبات استحالة أخذ قصد الأمر في متعلّقه لا يأتي في المقام، ولكن يأتي في المقام الوجه الأوّل والثالث والرابع، فلنا دعويان:

الدعوى الاُولى: أنّ الوجه الثاني لا يأتي في المقام، وقد كان حاصله: أنّه يلزم التهافت في رؤية المولى; فإنّه ـ بحسب اُفق أمره ـ يرى أنّ متعلّق الأمر شيء متقدّم على الأمر في التحصّل والتقوّم، فلا يعقل أن يكون الأمر مأخوذاً كقيد في هويّته، وهذا الوجه لا يمكن إسراؤه في المقام.

وتوضيح ذلك يكون بذكر تقريب بدائيّ لإسرائه في المقام، والجواب عنه:

أمّا تقريب الإسراء، فهو أن يقال: إنّ قصد الأمر له حصّتان:

1 ـ قصد امتثال شخص ذلك الأمر المتعلّق بالصلاة مثلاً.

2 ـ قصد امتثال أمر آخر.

وقد عرفنا أنّه لا يعقل أخذ الحصّة الاُولى في موضوع الأمر; لأنّه خلف ما يراه المولى من تقدّم المعروض على عرضه في اُفق حكمه، فلا يعقل أخذ الجامع بينهما; إذ بعد أن فرض: أنّ متعلّق الأمر يجب أن يكون تامّ التحصّل بقطع النظر عن الأمر، إذن فلا محالة يتحصّص بخصوص الحصّة الثانية; لأنّ الحصّة الاُولى لا تكون تامّة التحصّل بقطع النظر عن الأمر، ومن الواضح بطلان الحصّة الثانية; إذ لا أمر آخر بالصلاة غير شخص ذاك الأمر.

إلاّ أنّ هذا التقريب غير صحيح; فإنّه: إمّا أن يكون خلطاً بين الرؤية التصوّريّة والتقييد التشريعيّ المولويّ، أو يكون خلطاً بين جمع القيود ورفض القيود.

وتوضيح ذلك: أنّه تارةً يفرض أنّ المولى يأخذ التحصّل ـ بقطع النظر عن الأمر ـ قيداً في المتعلّق كما يأخذ قيد الطهارة والاستقبال، فيقول: «صلِّ بقصد الامتثال»، أي: الامتثال الذي له تحصّل بقطع النظر عن شخص هذا الأمر، فلا

 
  صفحه 169  

ينطبق على ما لا يتحصّل به كما لا ينطبق على الصلاة بلا طهور أو بلا استقبال، واُخرى لا يفرض: أنّ المولى أخذ هذا قيداً في المتعلّق، وإنّما يفرض: أنّ المولى يرى الشيء الذي يعرض عليه الأمر برؤيته التصوّريّة شيئاً له تحصّل بغضّ النظر عن الأمر; إذ لا يمكنه أن يرى في اُفق أمره ما يتحصّل بشخص الأمر ويعرض ذلك الأمر عليه، وهذا هو الذي قام عليه البرهان.

وهذا ليس معناه: أنّ معروض الأمر تقيّد بالحصّة المتحصّلة قبل الأمر، بل معناه: أنّ محطّ نظره التصوّريّ سنخ ماهيّة غير متقوّمة بالأمر، لأجل أن يتاح للمولى أن يراها قبل الأمر، فيجب أن تكون سنخ ماهيّة ليس الأمر نائماً في أحشائها، وهذا يكفي فيه أن تكون هذه الماهيّة هي الجامع بين الحصّتين، فإنّ الجامع بين الفرد المتقوّم بشخص الأمر والفرد غير المتقوّم به غير متقوّم به لا محالة; لأنّ انتزاع هذا الجامع بينهما إنّما يكون بإلغاء الخصوصيّة التي بها كان المتقوّم بالأمر متقوّماً به، فيمكن للمولى أن يراه رؤية تصوّريّة بما هو مفروغ عنه قبل الأمر دون أن يأخذ هذه المفروغيّة قيداً في متعلّق الأمر، فلا يستحيل انطباقه على الفرد المتقوّم بشخص الأمر.

وهذا مطلب عامّ يجري في تمام الموارد التي ينشأ المحذور فيها من ناحية الضيق التصوّريّ للمولى وعدم تعقّل انصبابه على الحصّة، فيعقل أخذ الجامع المنطبق على تلك الحصّة وغيرها، وانصباب تصوّر المولى عليه.

وهذا الإطلاق ليس معناه: أنّ تلك الحصّة منظورة للمولى ليلزم كونه يرى ما هو في طول الأمر في المرتبة السابقة; لأنّ الإطلاق ليس جمعاً بين القيود والحصص، وإنّما هو الغاء للخصوصيّات، ومرجع ذلك إلى الانطباق القهريّ على كلتا الحصّتين، فما هو متأخّر عن الأمر لم يقع بمفهومه تحت النظر، وإنّما هو مصداق لما وقع تحت النظر.

 
  صفحه 170  

نعم، هذا الجامع صدفة ينحصر فرده بالفرد الذي يكون في طول الأمر ومتقوّماً به، ولا يلزم من ذلك محذور، فلو بقينا نحن والوجه الثاني، لقلنا بإمكان أخذ قصد طبيعيّ الأمر في متعلّق الأمر.

الدعوى الثانية: أنّ سائر الوجوه تأتي في المقام، وتثبت عدم إمكان أخذ قصد طبيعيّ الأمر في متعلّق الأمر:

أمّا الوجه الأوّل: فكان حاصله: أنّه لا يمكن قصد الأمر إلاّ بوصول الأمر، فيرجع إلى أخذ وصول الأمر في موضوع الأمر، وهو محال.

وهذا بروحه يأتي في المقام; إذ لو اُخذ في متعلّق الأمر قصد امتثال طبيعيّ الأمر، توقّف امتثاله على وصول طبيعيّ الأمر، فيرجع حاصل قوله: «صلِّ بقصد الأمر» إلى قضيّة شرطيّة، وهي: «إذا وصلك أمرٌ مّا بالصلاة، فصلّ بقصد الأمر»، وحيث إنّه ـ بحسب الخارج ـ لا أمر بالصلاة غير هذا الأمر، فالطبيعيّ انحصر خارجاً بهذا الفرد، فوجود الأمر الفعليّ بالصلاة موقوف بالأخرة على وصول شخص هذا الأمر الفعليّ ولو من باب انحصار الطبيعيّ الموقوف عليه بهذا الشخص خارجاً، فيلزم الدور مثلاً في عالم الفعليّة; لتوقّف وصول شخص هذا الأمر الفعليّ على وجوده.

نعم، لو فرض عدم انحصار الأمر في هذا الأمر بالصلاة، ووجود أمر آخر بالصلاة، لم يلزم الدور; إذ يمكن أن يصل ذلك الأمر، وتتحقّق به فعليّة هذا الأمر.

وأمّا الوجه الثالث: فكان حاصله: أنّ الأمر الضمنيّ بقصد الامتثال لا تعقل محرّكيّته; لأنّ الأمر الضمنيّ بالصلاة إن كفى لتحريك العبد نحو الصلاة لو كان وحده، حصل قصد الامتثال بذلك، ولا يعقل التأكيد في الأوامر الضمنيّة، وإلاّ فهذا الأمر أيضاً لا يحرّك.

 
  صفحه 171  

وهذا البيان بعينه يأتي هنا; فإنّه إن تحرّك العبد نحو الصلاة بمجرّد الأمر بالصلاة، فقد حصل ـ  لا محالة  ـ قصد امتثال طبيعيّ الأمر، وإلاّ فلا يفيده الأمر الضمنيّ بقصد امتثال طبيعيّ الأمر.

وأمّا الوجه الرابع: فهو الذي كان يقال فيه: إنّ الأمر المتعلّق بالمركّب من الصلاة وإرادة الأمر لا يعقل أن يحرّك نحو المجموع; لأنّ تحريكه نحو الصلاة عبارة عن قدح إرادة الصلاة، فلا تنبسط تلك الإرادة على نفسها إلى آخر ما مضى من الشقوق.

وهذا أيضاً يأتي هنا; لأنّه بمجرّد أن تعلّقت إرادته بالجزء الأوّل كانت هي مصداقاً لإرادة طبيعيّ الأمر، فلو انبسطت على الجزء الثاني، كان معنى ذلك: انبساط الإرادة على نفسها إلى آخر ما مضى من الشقوق.

النحو الثاني: ما نقله المحقّق النائينيّ عن اُستاذه السيّد الشيرازيّ ، وهو: أنّه إن استحال أخذ قصد الامتثال في موضوع الأمر، فليؤخذ عنوان ملازم لقصد الامتثال في موضوعه(1).

واعتُرض عليه:

أوّلاً: بأنّ فرض عنوان ملازم لقصد الأمر فرض أنياب الأغوال، فما هو ذلك العنوان الذي لا يتعقّل تحقّقه مع عدم تحقّق قصد الأمر، ولا عدم تحقّقه مع تحقّق قصد الأمر؟

وثانياً: بما عن المحقّق النائينيّ : من أنّه لو وجد عنوان من هذا القبيل ملازم


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 111 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ ، ولكن المطلب في فوائد الاُصول يختلف عن ذلك، راجع الجزء الأوّل منه، ص 152 ـ  153 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  صفحه 172  

لقصد الأمر، فالمتلازمان وإن استحال تفكيك أحدهما عن الآخر، ولكن فرض المحال ليس بمحال، فنقول: لو فرض محالاً التفكيك بينهما، فوجد ذاك العنوان ولم يوجد قصد الأمر، فما هو موقف المولى من ذلك؟ فهل يكتفي بهذا، أو لا؟

فإن قيل: نعم، كان خلف الضرورة; لضرورة احتياج الصلاة إلى قصد القربة. وإن قيل: لا، رجع إلى أخذ قصد الأمر، ففرض عنوان ملازم مجرّد تغطية للمطلب(1).

وكلا هذين الإشكالين ليس بشيء:

أمّا الأوّل: فلأنّه يوجد عندنا عنوان ملازم لقصد الامتثال، وهو عدم صدور الفعل بداعي نفسانيّ، أي: سائر الدواعي غير قصد الامتثال، فهذا يلازم في صورة تحقّق الفعل وجود داعي الامتثال; لأنّ الفعل لا يصدر بلا داع.

وأمّا الثاني: وهو فرض الانفكاك، فلأنّه لو اُريد بذلك فرض المحال من قبيل فرض اجتماع الضدّين، أو ارتفاع النقيضين، فليس على المولى أن يجعل أمره وافياً بغرضه على جميع الفروض حتّى الفروض المستحيلة، وإنّما عليه أن يجعله وافياً بغرضه على الفروض المعقولة، وإلاّ فما هو موقف المولى من فرض اجتماع النقيضين لو فرضنا: أنّ العبد صلّى ولم يصلِّ في وقت واحد، أفهل ثبت ضمان المولى وفاء أمره بغرضه في هذا الفرض مثلاً؟!

ولو اُريد بذلك فرض أمر معقول وإن كان نادر التحقّق، كما في التفكيك بين متلازمين يكون تلازمهما عاديّاً وغالبيّاً، لا عقليّاً، قلنا: إنّ التفكيك بين قصد الامتثال وعدم سائر الدواعي الذي فرضناه غير معقول; لأنّ ذلك معناه: حصول الفعل الاختياريّ بلا داع.


(1) راجع المصدر السابق.

  صفحه 173  

والتحقيق: أنّ هذا النحو أيضاً يجب أن نحسب حسابه على ضوء الوجوه الأربعة التي اخترناها لاستحالة أخذ قصد الأمر في متعلّقه، وهنا أيضاً نقول: إنّ الوجه الثاني لا يأتي في المقام، وسائر الوجوه تأتي في المقام.

أمّا عدم إتيان الوجه الثاني في المقام، فلأنّ معروض أمر المولى ليس مقيّداً بأمره حتّى يرى عروض أمره على ما هو متأخّر عن أمره ومتقوّم به; إذ لم يؤخذ في متعلّقه قصد الأمر، وإنّما اُخذ فيه عنوان ملازم لذلك، فقصد الأمر وإن كان يحصل قهراً، لكن المولى لا ينظر إليه في اُفق أمره، فلا يلزم التهافت في نظر المولى ولحاظه.

وأمّا سائر الوجوه، فالوجه الأوّل يأتي في المقام; لأنّ ملازم قصد الأمر لا يتأتّى إلاّ ممّن وصل إليه الأمر، فلزم أخذ وصول الأمر في موضوعه، وكذلك الوجه الثالث; لأنّ الأمر بالصلاة: إن كفى للتحريك نحو الصلاة، حصل قصد الأمر وحصل ملازمه، فالأمر بالملازم لا يولّد تحريكاً تأسيساً ولا تأكيداً، وإن لم يكفِ للتحريك، فالأمر بملازم قصد الأمر أيضاً لا يكفي للتحريك، وكذا الوجه الرابع; لأنّه كما يستحيل انبساط الإرادة على نفسها كذلك يستحيل انبساطها على ملازمها المفروض الحصول، فإذا تعلّقت الإرادة بالصلاة وهي الجزء الأوّل من الواجب، فهي بنفسها عبارة عن ملازم الجزء الآخر، فكيف تنبسط على الجزء الآخر الذي هو مفروض الحصول، وهل هذا إلاّ طلب الحاصل؟

النحو الثالث: ما يستفاد من بعض كلمات المحقّق العراقيّ في مقام الفرار عن محذور أخذ قصد الأمر تحت الأمر، وهو فرض تعلّق الأمر بالحصّة التوأم، فيقال: إنّ الأمر يتصوّر فيه ثلاث فرضيّات:

الاُولى: أن يتعلّق بالصلاة المطلقة من ناحية قصد القربة.

والثانية: أن يتعلّق بالصلاة المقيّدة بقصد الأمر.

 
  صفحه 174  

والثانية غير ممكنة بحسب الفرض، والاُولى خلاف غرض المولى.

والثالثة: أن يتعلّق بالحصّة التوأم مع قصد الأمر، فيكون تحت الأمر ذات المقيّد، ويكون القيد والتقيّد خارجاً، وحينما يؤخذ القيد فهو عنوان مشير إلى ذات المقيّد وحده، من قبيل أن يقال: «اتّبعوا خاصف النعل»، فهذا العنوان مشير إلى ذات الحصّة الخاصّة التي حضاها الله تعالى بنعمة الإمامة، والتقيّد والقيد خارجان عن وجوب الاتّباع، فهنا أيضاً حينما يؤخذ القيد يؤخذ على وجه مشير، إذن فالمولى يمكنه أن يتوصّل إلى غرضه بأمر متعلّق بالحصّة من دون لزوم محذور; إذ الأمر ثبت على الحصّة، ولا يسري إلى باقي الحصص(1).

وهذا أيضاً غير تامّ.

وتفصيل الكلام هو: أنّ موضوع القضيّة: تارةً يكون حصّةً لها تميّز وتعيّن في المرتبة السابقة على تقيّدها بالقيد، كما هو الحال في الأعيان الخارجيّة مثل ذات الإمام، فهو ـ بقطع النظر عن اتّصافه بخصف النعل ـ له تعيّن وتميّز عن باقي أفراد الإنسان، واُخرى لا يكون له تحصّص وتميّز إلاّ بنفس التقيّد، كما هو الحال في الحصص المفهوميّة الكلّيّة، مثل الإنسان الأبيض، فليست هناك حصّة معيّنة في قبال بقيّة أفراد الإنسان بقطع النظر عن التقيّد بالبياض.

ففي القسم الأوّل الحصّة التوأم أمر معقول، بأن يكون كلّ من القيد والتقيّد خارجاً، وإن اُخذ فهو عنوان مشير فقط. وأمّا في القسم الثاني الذي يكون تحصّص بعضها في مقابل البعض بنفس التقيّد، فحينئذ إذا فرض: أنّ الحكم قد ركّب على ذات الطبيعة، والقيد والمقيّد كلاهما خارجان، فهل الحكم سوف يسري


(1) راجع المقالات، ج 1، ص 243 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ بقم، وراجع نهاية الأفكار، ج 1، ص 192 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  صفحه 175  

إلى الحصص، أو يقف على الحصّة؟ هذا مربوط بأنّ الإطلاق هل يكفي فيه ذات الطبيعة، أو لابدّ من الإطلاق اللحاظيّ، فبناءً على ما هو الصحيح من سريان الطبيعة المهملة يستحيل وقوف الحكم على الحصّة، فلا تعقل الحصّة التوأم، فإنّ المقتضي للسريان موجود، وهو ذات الطبيعة، والمانع مفقود لخروج التقيّد والقيد.

نعم، لو قلنا: إنّه لا يكفي في السريان ذات الطبيعة، فهذا راجع إلى الطبيعة المهملة التي قال عنها المشهور: إنّها في قوّة الجزئيّة، وإنّها لا تسري إلى تمام الحصص، سمّيت هنا بالحصّة التوأم.

إذن فتبيّن: أنّ الحصّة التوأم في باب الحصص المفهوميّة التي يكون تميّزها بذات التقيّد أساساً غير معقول، إلاّ بناءً على عدم السريان، وبناءً عليه يرجع إلى الطبيعة المهملة، حينئذ نقول: لو فرض تعلّق الأمر بالطبيعة المهملة من ناحية قصد الأمر، وفرضنا: أنّ الطبيعة المهملة في قوّة الجزئيّة، فلا يسري الأمر إلى الصلاة الخالية عن قصد الأمر، ورد على ذلك الوجه الأوّل من الوجوه الأربعة التي أخترناها لإثبات استحالة أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر، وهو لزوم أخذ وصول الأمر في موضوعه; لأنّ الأمر بالطبيعة المهملة إذا كان في قوّة الأمر بالمقيّدة لا يمكن تطبيقه ـ بحسب الخارج ـ على غير المقيّد، إذن فلا يمكن للعبد العمل به، إلاّ بأن يكون قادراً على الإتيان بالمقيّد، وقدرته على ذلك فرع وصول الأمر.

النحو الرابع: أن يفرض القصود القربيّة الاُخرى غير قصد الأمر، من قبيل قصد الملاك، وهذه القصود القربيّة الاُخرى تتصوّر على أربعة أنحاء:

1 ـ قصد المحبوبيّة.

2 ـ قصد المصلحة.

3 ـ قصد كونه حسناً ذاتاً.

4 ـ قصد كونه ـ سبحانه وتعالى ـ أهلاً للعبادة.

 
  صفحه 176  

وينبغي حذف الوجه الرابع; إذ بقطع النظر عن هذا الداعي لو لم يكن عبادة، فلا معنى لأن يؤتى به لكون المولى أهلاً للعبادة، وكذا الوجه الثالث; لأنّ حسنه الذاتيّ إنّما يكون بعباديّته، فعباديّة الشيء لا يمكن أن تنشأ من هذين الداعيين.

فلم يبقَ إلاّ الأوّلان، أعني: قصد المحبوبيّة وقصد المصلحة، ونحن نعلم أنّ للحكم ثلاثة عوالم: عالم الخطاب والجعل، وعالم المحبوبيّة، وعالم المصلحة، وقد عرفت أنّ قصد الخطاب لا يمكن أخذه في متعلّق الخطاب، فبقي أن نرى: أنّ قصد المحبوبيّة أو المصلحة هل يمكن أخذه في متعلّق الخطاب، أو لا؟

لا إشكال ـ بحسب عالم الإثبات ـ في أنّ خصوص قصد الإرادة أو المصلحة غير مأخوذ في متعلّق الخطاب; إذ من الواضح صحّة الصلاة بقصد الأمر، فلو كان خصوص قصد المصلحة أو الإرادة مأخوذاً في متعلّق الأمر، لما صحّت الصلاة بقصد الأمر، بل لاستحالت الصلاة بقصد الأمر; لأنّه لم يتعلّق بالصلاة أمر استقلاليّ حتّى يمكن الإتيان بها بقصد الأمر، وإنّما تعلّق بها أمر ضمنيّ، والواجب الضمنيّ إنّما يعقل الإتيان به بقصد الأمر إذا كان الجزء الثاني منضمّاً إليه ولو بنفس ذلك القصد، وهنا الجزء الثاني عبارة عن قصد المصلحة أو الإرادة، لا عن قصد الأمر، فليس الجزء الثاني منضمّاً إليه ولو بنفس ذلك القصد، فلم يعد من المحتمل إثباتاً أخذ قصد الإرادة أو المصلحة بخصوصه في متعلّق الأمر، لكن مع هذا نبحث عن أنّه هل يمكن ثبوتاً أخذ ذلك في متعلّق الأمر، أو لا ، حتّى إذا ثبت إمكانه نبحث بعد ذلك عن أنّ الجامع بين هذا الممكن وهو أخذ قصد الإرادة أو المصلحة، وذاك المستحيل وهو أخذ قصد الأمر هل هو ممكن أو مستحيل.

إذن، فهنا مرحلتان من البحث:

المرحلة الاُولى: في أنّه هل يمكن أخذ قصد الإرادة أو المصلحة بالخصوص في متعلّق الأمر، أو لا؟

 
  صفحه 177  

فنقول:

أمّا قصد الإرادة والمحبوبيّة، فالصحيح إمكان أخذه في متعلّق الأمر; لأنّه لا يلزم من ذلك شيء من المحاذير الأربعة التي أخترناها لإثبات استحالة أخذ قصد الأمر في متعلّقه، لا بلحاظ عالم الأمر، ولا بلحاظ عالم الإرادة.

أمّا بلحاظ عالم الأمر:

فالمحذور الأوّل: وهو لزوم أخذ وصول الأمر في موضوعه لا يأتي هنا; لأنّه ليس الواجب قصد الأمر، وإنّما الواجب قصد الإرادة، فغاية ما يلزم هي أخذ وصول الإرادة في موضوع الأمر، ولا بأس به(1).


(1) قد يقال: إنّ وصول الإرادة يتوقّف غالباً على وصول الأمر، فعدنا مرّة اُخرى إلى أخذ وصول الأمر في موضوعه، إذن ففرض أخذ قصد الإرادة في المتعلّق (وكذلك ما سوف يأتي من فرض أخذ قصد المصلحة فيه) كفرض قصد الأمر فيه من ناحية المحذور الأوّل.

والجواب: أنّ الفرق بين الفرضين هو: أنّه إذا فرض أخذ قصد الأمر في متعلّقه، أصبح المجعول متوقّفاً على وصول المجعول; لأنّ مجرّد وصول الجعل إلى العبد من دون أن يعرف انطباقه عليه لا يصحّح له قصد الأمر. وأمّا إذا فرض أخذ قصد المحبوبيّة أو المصلحة في متعلّق الأمر، فليس المجعول متوقّفاً على وصوله، بل يكون المجعول متوقّفاً على وصول الجعل، ووصول انطباقه على العبد لا من جميع الجهات حتّى يرجع ذلك إلى وصول المجعول، بل من كلّ الجهات ما عدا جهة الوصول.

وتوضيح ذلك: أنّ العبد وإن كان يحتاج إلى وصول المحبوبيّة أو المصلحة إليه حتّى يقدر على قصدها، ففعليّة المجعول متوقّفة على وصول المحبوبيّة أو المصلحة إليه، لكن يكفي في وصول المحبوبيّة أو المصلحة إليه أن يصل إليه الجعل مع كلّ ما هو دخيل في

  صفحه 178  

والمحذور الثاني: وهو أنّ المولى يرى معروض أمره سابقاً تحصّلاً وتعقّلاً على نفس الأمر، فلا يمكن أن ينام في أحشائه الأمر، فأيضاً لا يأتي هنا; إذ لم ينم في أحشائه الأمر، وإنّما نامت في أحشائه الإرادة; إذ اُخذ في متعلّقه قصد الإرادة، لا قصد الأمر.

والمحذور الثالث: وهو أنّ الأمر الضمنيّ بالصلاة إذا حرّك نحو الصلاة وجد الجزء الثاني، فلا معنى للتحريك نحو الجزء الثاني تأسيساً ولا تأكيداً، فأيضاً لا يأتي هنا; لأنّه لو تحرّك إلى الصلاة من الأمر بالصلاة لم يكن هذا معناه في المقام وجود الجزء الثاني; لأنّ الجزء الثاني هو قصد الإرادة، فيجب على العبد أن يجعل نفسه بمستوىً بحيث يتحرّك من نفس إرادة المولى ولو فرض أنّ المولى لم يأمره، وهذا شيء جديد غير مجرّد التحرّك نحو الصلاة عند أمر المولى بها، إذن فتبقى محرّكيّة الأمر الضمنيّ الآخر.


الفعليّة عدا وصول المحبوبيّة أو المصلحة; لأنّ المحبوبيّة أو المصلحة في أيّ شيء كانت فهي ثابتة حتّى لو لم تصل; لاستحالة دخل وصول الشيء في الشيء، إذن فالعبد بمجرّد أن يسمع المولى يقول: «يجب على كلّ من هو واجد للشرائط الفلانيّة وعارف بالمصلحة أو المحبوبيّة في العمل الفلانيّ» يجب عليه أن يفعل، فاطّلاعه على هذا الجعل وعلى وجدانه لتلك الشرائط كاف في أن يقطع بالمصلحة أو المحبوبيّة، من دون توقّف ذلك على معرفة فعليّة المجعول من ناحية وصول المصلحة أو المحبوبيّة; لأنّ المصلحة أو المحبوبيّة غير متوقّفة على وصولها وإن اُخذ وصولها في فعليّة الأمر من باب عدم القدرة على امتثاله لدى عدم وصولها.

إذن فمجرّد اطّلاعه على الجعل وعلى سائر الشرائط ما عدا الوصول كاف في وصول المصلحة أو المحبوبيّة إليه، وبنفس هذا الوصول تكتمل شرائط فعليّة المجعول، فيمتثل.

  صفحه 179  

والمحذور الرابع: وهو أنّ إرادة المجموع تستلزم انبساط الإرادة على نفسها; لأنّه بإرادة الصلاة تكوّن الجزء الثاني، فأيضاً لا يأتي في المقام; لما عرفت من أنّ الجزء الثاني هنا لا يتكوّن بمجرّد إرادة الصلاة، بل لابدّ من أن يتحرّك نحو الصلاة من ذات إرادة المولى، بحيث لو لم يكن قد أمره المولى بها، وعرف أنّ المولى أراد الصلاة وأحبّها، كفاه ذلك في التحرّك نحو الصلاة.

وأمّا بلحاظ عالم الإرادة والمحبوبيّة، فالمحذور الأوّل والثالث والرابع لا موضوع لها; لأنّ هذه الوجوه مبنيّة على أنّ الأمر لابدّ أن يكون محرّكاً وباعثاً نحو أمر مقدور، وهذا إنّما هو شأن الأمر، وأمّا المحبوبيّة فلا بأس بفرض تعلّقها بأمر غير مقدور، أو عدم قابليّتها للتحريك.

وأمّا المحذور الثاني، فهو يلزم في المقام لو فرض أخذ قصد شخص الإرادة في المتعلّق; فإنّه كما لا يعقل عروض الأمر في اُفقه النفسيّ على ما يتقوّم بشخص الأمر كذلك لا يعقل عروض الإرادة في اُفقها النفسيّ على ما يتقوّم بشخص تلك الإرادة، إلاّ أنّنا نفرض أخذ قصد طبيعيّ الإرادة لا شخصها، حتّى يرتفع المحذور، كما عرفت فيما مضى: من أنّ فرض أخذ قصد طبيعيّ الأمر واف بعلاج المحذور الثاني.

وأمّا قصد المصلحة، فأيضاً لا يلزم محذور من أخذه في متعلّق الأمر، لا بلحاظ عالم الأمر، ولا بلحاظ عالم المصلحة:

أمّا بلحاظ عالم الأمر، فالكلام فيه هو الكلام فيما ذكرناه في أخذ قصد الإرادة.

وأمّا بلحاظ عالم المصلحة، فالمحذور الأوّل والثالث والرابع لا موضع لها; لما عرفت أيضاً في أخذ قصد الإرادة: من أنّ هذه الوجوه مبنيّة على لزوم كون الأمر محرّكاً نحو المقدور، بينما لا بأس بافتراض وجود المصلحة في أمر غير مقدور، أو عدم قابليّة المصلحة للتحريك.

 
  صفحه 180  

والمحذور الثاني أيضاً لا موضوع له هنا; لأنّه إنّما يتصوّر فيما له عروض بحسب عالم نفس المولى، فيقال: يلزم التهافت في لحاظ المولى; لأنّه يرى معروضه قبل العارض، وأمّا المصلحة فأمر تكوينيّ واقعيّ ليس عروضها بلحاظ عالم نفس المولى.

وأمّا ما جاء في تقرير بحث المحقّق النائينيّ : من استحالة ذلك، بدعوى: أنّ المصلحة إذا قامت بالفعل المأتيّ به بداعي المصلحة، لزم الدور في مقام الإتيان; لأنّ الإتيان به بداعي المصلحة فرع قيام المصلحة به الذي هو فرع أن يؤتى به بداعي المصلحة(1)، فهذا البيان وأمثاله يمكن الجواب عليه على ضوء ما تقدّم في الأبحاث السابقة; إذ يكفينا أن يقال: إنّ الإتيان بداعي المصلحة لا يتوقّف على قيام المصلحة بذات الفعل بأن يكون ذات الفعل هو تمام ما يحصّل المصلحة، بل يتوقّف على أن يكون للفعل دخل في إيجاد المصلحة، فهو يأتي بالفعل لكي يسدّ بذلك باب عدم المصلحة الذي ينفتح بترك الفعل، وإذا أتى به بهذا الداعي كان هذا بنفسه عبارة عن قصد المصلحة الذي به ينسدّ الباب الآخر للعدم.

وبذلك تلخّص: أنّ أخذ قصد الإرادة أو المصلحة بالخصوص في متعلّق الأمر لا يلزم منه محذور،لا بلحاظ عالم الأمر ولا بلحاظ عوالم ما قبل الأمر.

نعم، هذا غير محتمل إثباتاً كما بيّنّا، وإنّما ذكرناه استطراقاً إلى البحث في الجهة الثانية عن إمكان أخذ الجامع وعدمه.

وقبل الشروع في البحث عن الجهة الثانية نسجّل هنا شكّاً صغرويّاً، وهو: أنّه لعلّ قصد المصلحة ليس قصداً قربيّاً; فإنّ المصلحة في أوامر الموالي العرفيّة قد


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 108 إلى 109 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ ، وفوائد الاُصول، ج 1، ص 151 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  صفحه 181  

تكون مصلحة للمولى، فيمكن أن يقصدها العبد، ويتقرّب بذلك إلى مولاه وإن فرض: أنّ المولى كان سنخ شخص لا يهتمّ بمصالحه بمثل إصدار الأمر على طبقها، وأمّا في المولى الحقيقيّ تعالى شأنه، فمصالح الأحكام كلّها مصالح للعباد لا له تعالى، فلو أتى العبد بالفعل بقصد المصلحة ولم ينسبها إلى المولى، فكيف يكون هذا للمولى ومقرِّباً إليه؟! ولو أتى به بقصد المصلحة باعتبار أنّ المصلحة يهتمّ بها المولى، فقد رجع إلى قصد الإرادة والمحبوبيّة.

المرحلة الثانية: في حال أخذ الجامع بين القصود القربيّة في متعلّق الأمر بما فيها ما يستحيل أخذه فيه وهو قصد الأمر، وما لا يستحيل أخذه فيه وهو قصد المحبوبيّة، وكذلك قصد المصلحة إن سلّمنا كونه من القصود القربيّة، فهل يكون أخذ هذا الجامع مستحيلاً، أو لا؟

هذا أيضاً ينبغي أن نعرف حاله على ضوء الوجوه الأربعة للاستحالة التي مضت فنقول:

أمّا الوجه الأوّل: وهو توقّف الإتيان بالصلاة بقصد الأمر على وصول الأمر، فيلزم أخذ وصول الأمر في موضوع الأمر، فلا يأتي في المقام; لأنّ قصد الجامع لا يتوقّف على وصول الأمر، بل يكفي فيه وصول المحبوبيّة أو المصلحة، فيمكن للمولى أن يقول مثلاً: «إذا وصلتك المحبوبيّة فصلِّ بجامع القصود القربيّة».

وأمّا الوجه الثاني: وهو لزوم التهافت في عالم لحاظ المولى، حيث يرى معروض أمره متقوّماً بأمره، فهذا أيضاً لا يجري في المقام; لأنّ معروض الأمر اُخذ فيه الجامع بين القصود القربيّة، فلا يُرى قصد الأمر بعنوانه في المعروض، بل غاية ما يرى في المعروض هو عنوان الجامع، فمن كان وجه الاستحالة عنده هذان الوجهان، ينبغي أن لا يقول بالاستحالة في أخذ جامع القصود القربيّة.

وأمّا الوجه الثالث: وهو أنّ الأمر الضمنيّ بقصد الأمر لا يؤكّد التحريك، فإن

 
  صفحه 182  

كفى الأمر بالصلاة للتحريك، حصل قصد الأمر، ولم يبقَ مجال لتحريك الأمر بقصد الأمر تأسيساً كما لا يحرّك تأكيداً، وإلاّ فهذا الأمر أيضاً لا يحرّك; لأنّ مرجع الأمرين إلى روح واحدة، فهذا الوجه يأتي في المقام، فإنّ الأمر بالصلاة إن كفى للتحريك نحو الصلاة، حصل الجامع بين القصود القربيّة ولو في ضمن فرده الذي هو قصد الأمر، فلا يبقى للأمر بالجامع تحريك، لا تأسيساً كما هو واضح، ولا تأكيداً لعدم تعقّل التأكيد في التحريك في الأوامر الضمنيّة، وإن لم يكفِ للتحريك، فالأمر الثاني أيضاً لا يكفي له.

وأمّا الوجه الرابع: وهو أنّ الأمر بالمجموع لا يمكن أن يحرّك نحو المجموع; لأنّ التحرّك من الأمر نحو الجزء الأوّل هو عبارة عن الجزء الثاني، فأيضاً يأتي في المقام; لأنّ الجامع قد تحقّق بنفس إرادة الصلاة ولو في ضمن قصد الأمر، فما معنى انبساط الإرادة عليه؟! هذا.

وقد تحصّل من كلّ ما ذكرناه: أنّ أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر مستحيل وفاقاً لما أشتهر بين المحقّقين، فالتفرقة بين الواجب التعبدّيّ والتوصّليّ بأخذ قصد القربة في متعلّق الأمر في الأوّل دون الثاني لا ترجع إلى محصّل.

 

الوجه الثاني للفرق بين التعبّديّ والتوصّليّ

الوجه الثاني: أن يقال: إنّ الأمر في الواجب التوصّليّ أمر واحد متعلّق بذات الفعل، بينما في الواجب التعبّديّ يوجد أمر بذات الفعل، ويوجد أمر آخر بأن يأتي به بقصد الأمر الأوّل.

وهذا الكلام ـ قبل أن نصل إلى تفصيلات القوم بالنسبة إليه  ـ ينبغي أن يقال بشأنه: إنّه كأنّه محاولة للتخلّص من محذور الوجهين الأوّلين للاستحالة; إذ بذلك يندفع إشكال لزوم أخذ وصول الأمر في موضوع نفسه; لأنّه هنا غاية ما يلزم أخذ

 
  صفحه 183  

وصول أمر في موضوع أمر آخر، ويندفع أيضاً إشكال لزوم تقوّم المعروض بالعارض في نظر الآمر; لأنّ معروض أحد الأمرين تقوّم بأمر آخر، ولا محذور فيه، إلاّ أنّ الوجهين الآخرين لا يمكن علاجهما بفرض تعدّد الأمر; لأنّ الأمرين وإن كانا بجعلين وإنشاءين مثلاً لكنّهما ـ بحسب الروح ـ أمران ضمنيّان; لأنّهما نشأا من ملاك واحد وغرض واحد، غاية الأمر: أنّ المولى لم يمكنه أن يُنشِئهما في ضمن أمر واحد لمحذور في ذلك، فجعلهما في ضمن أمرين، فنقول: إن كان الأمر الأوّل كافياً للمحرّكيّة، وموجداً لإرادة الصلاة، إذن فالأمر الثاني لا محرّكيّة له، لا تأسيساً كما هو واضح، ولا تأكيداً; لعدم معقوليّة التأكّد بين الأوامر التي هي في روحها ضمنيّة، فإنّ تعدّد الأمر إن كان على أساس تعدّد الملاك، فالأمر الثاني يزيد في التحريك، أي: أنّه قد يوجد من لا يتحرّك بأمر واحد، ويستعدّ لتفويت ملاك واحد على المولى، لكنّه غير مستعدّ لتفويت ملاكين لأمرين عليه، فيتحرّك بالأمر الثاني، وأمّا إذا لم يكن على أساس تعدّد الملاك، وإنّما كان مجرّد تعدّد في الصورة والجعل، فهذا لا يوجب ازدياداً في المحرّكيّة، فالوجه الثالث من الإشكال يسري إلى المقام.

وكذلك الوجه الرابع يسري إلى المقام; لأنّ الأمر الأوّل إذا أوجد في النفس إرادة الصلاة، فقد تحقّق متعلّق الأمر الثاني; لأنّه أراد الصلاة لامتثال الأمر الأوّل، وهذا هو متعلّق الأمر الثاني، فالأمر الثاني لا يوجب بسط تلك الإرادة على نفسها; لاستحالة ذلك، ولا يَفرُض إرادةً اُخرى متعلّقة بتلك الإرادة; لأنّ الأمرين في روحهما ضمنيّان، فلا يولّدان إرادتين طوليّتين.

وتمام فذلكة الموقف: أنّ البرهان الثالث والرابع لا يفرّق فيهما بين أن يكون الأمر الضمنيّ ضمنيّاً صورةً وحقيقةً، أو ضمنيّاً حقيقةً واستقلاليّاً صورةً.

فتحصّل: أنّه بناءً على الوجهين الأخيرين يكون فرض تعلّق أمر بذات الصلاة

 
  صفحه 184  

وتعلّق أمر آخر بالإتيان به بداعي الأمر مستحيلاً. اللهمّ إلاّ إذا اُخرج الأمر الثاني عن حقيقته كأمر، وفرض شيئاً آخر، كما سيأتي توضيحه إن شاء الله.

وأمّا تحقيق الحال في هذا الوجه على ضوء كلمات الأصحاب، فيوجد هناك أشكال ثلاثة لفرض تعدّد الأمر في كلماتهم:

 

أشكال فرض تعدّد الأمر في كلمات الأصحاب:

الأوّل: أنّ الأمر الأوّل تعلّق بالصلاة المطلقة الجامعة بين القربيّة وغيرها، والأمر الثاني تعلّق بإتيان ذلك الجامع بقصد القربة.

والثاني: ما ذهب إليه المحقّق النائينيّ (1): من أنّ الأمر الأوّل لم يتعلّق بالمقيّدة بالقربة ولا بالمطلقة; لأنّ التقييد غير معقول بحسب الفرض، والإطلاق في نظره غير معقول أيضاً عند عدم معقوليّة التقييد، فالأمر الأوّل متعلّق بالمهمل، وهذا الإهمال معقول، ولا يلزم منه الإهمال في الواقع; لأنّ الأمر الأوّل ليس هو تمام الواقع، بل شقّ من الواقع، وشقّه الآخر هو عبارة عن الأمر الآخر، وهذا الأمر يكون موظّفاً برفع الإهمال وتعيين ما هو لبّ الأمر الأوّل، فإمّا أن يرفع الإهمال بالتقييد أو يرفعه بالإطلاق، ويسمّى ذلك بمتمّم الجعل; لأنّ الأمر الأوّل ـ بالأخرة ـ لابدّ من تتميمه بما يرفع إهماله حتّى لا يلزم الإهمال في الواقع.

والثالث: ما ذكره المحقّق العراقيّ من فرض تعدّد المجعول مع وحدة


(1) راجع أجود التقريرات، ج  1، ص  116 ـ 117 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ ، وراجع فوائد الاُصول، ج  1، ص  159 ـ 162 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  صفحه 185  

الجعل(1)، بينما في الشكلين الأوّلين كان الجعل أيضاً متعدّداً.

فهذه أشكال ثلاثة لفرض تعدّد الأمر.

أمّا الشكل الأوّل: وهو تعلّق الأمر الأوّل بالصلاة المطلقة، والأمر الثاني بالإتيان بها بقصد القربة، فقد استشكل فيه كما في الكفاية(2) وغيرها.

ويمكن تقريب الإشكال ببيان: أنّه لو أتى بذات الصلاة بدون قصد القربة، فهذا مصداق لمتعلّق الأمر الأوّل; لأنّه تعلّق بالمطلق، والمطلق كما ينطبق على الواجد كذلك ينطبق على الفاقد، فنسأل: هل سقط الأمر الأوّل، أو لا؟ فإن قيل: لم يسقط ويبقى محرّكاً، فهذا غير معقول; لأنّ الأمر إنّما يحرّك بمقدار ما تعلّق به، وقد تعلّق بمقدار الجامع، وقد وجد في الخارج، فالتحريك نحوه مرّةً اُخرى تحريك نحو الحاصل. وإن قيل: سقط للإتيان بمتعلّقه، لم يبقَ موضوع لامتثال الأمر الثاني; لأنّه متعلّق بإتيان الفعل بقصد امتثال الأمر الأوّل، وقد سقط الأمر الأوّل، فلا معنى لقصد امتثاله، وهذا يؤدّي إلى أنّ من أتى بالصلاة بلا قصد القربة، سقط عنه كلا الأمرين، وهو خلف.

وحينما يصاغ الإشكال بهذه الصياغة يمكن الجواب عليها بأنّنا نختار الشقّ الثاني، ونقول بسقوط الأمر الأوّل، ولكن حيث إنّ هذا السقوط ليس سقوطاً استيفائيّاً قد استوفي غرضه، بل سقوط اضطراريّ من باب أنّه لا يعقل بقاء شخص الأمر مع حصول متعلّقه، وأمّا الغرض فهو لا يزال غير حاصل; لأنّ كلا الأمرين


(1) راجع نهاية الأفكار، ج  1، ص  196 ـ 197 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وكذلك ص  190 ـ 191، وراجع المقالات، ج  1، ص  238 ـ 239 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ بقم.

(2) راجع الكفاية، ج  1، ص  111 بحسب طبعة المشكينيّ.

  صفحه 186  

مسوقان لتحصيل غرض واحد وهو لم يعمل بالأمر الثاني، إذن فنفس هذا الغرض
يستدعي تعلّق الأمر من جديد بالصلاة كما استدعى ذلك أوّلا، فإن ابتلى الأمر في المرّة الثانية بنفس ما ابتلى به في المرّة الاُولى، استدعى الغرض أمراً ثالثاً، وهكذا إلى أن يصلّي بقصد الأمر، فالأمر الثاني لم ينتفِ موضوعه; لأنّ موضوعه الأمر بذات الصلاة وهو موجود ولو في ضمن شخص آخر غير الشخص الأوّل من الأمر، فهذا الإشكال غير وارد.

نعم، يأتي إشكالنا عليه، وهو: أنّ الأمر الثاني غير قابل للمحرّكيّة أصلا; لأنّ الأمر الأوّل كلّما مات اُحيي من جديد، فهو الذي يحرّك.

وإن شئتم قلتم: إنّ الأمر الأوّل إن سقط بنوعه أيضاً كما سقط بشخصه، أي: أنّه حينما مات شخصه الأوّل لم يتجدّد له شخص آخر، إذن فالأمر الثاني يبقى بلا موضوع، فيسقط، ويلزم من ذلك سقوط الصلاة بالإتيان بها بلا قربة، وهو خلف. وإن سقط بشخصه ولم يسقط بنوعه، فالأمر الثاني ليس محرّكاً، وحينما يصاغ الإشكال بهذه الصياغة يكون صحيحاً.

وأمّا الشكل الثاني: وهو ما ذهب إليه المحقّق النائينيّ من تعلّق الأمر الأوّل بالطبيعة المهملة، وتعلّق الأمر الثاني بالإتيان بتلك الطبيعة بداعي امتثال الأمر الأوّل، وبذلك يرتفع الإهمال، فالذي دعى المحقّق النائينيّ إلى العدول عن الشكل الأوّل إلى هذا الشكل هو قوله بأنّ الإطلاق يستحيل باستحالة التقييد، فلا يبقى إلاّ الإهمال، إلاّ أنّ هذا ليس إهمالا بحسب الواقع، وإنّما هو إهمال في مرحلة من مراحل بيان الواقع، ويرتفع بضمّ المرحلة الثانية إليها، وهي الأمر الثاني.

وقد أورد السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ على ذلك بإيرادين:

 
  صفحه 187  

الأوّل: الإيراد المبنائيّ(1)، بدعوى عدم استحالة الإطلاق باستحالة التقييد، بل استحالة التقييد قد توجد ضرورة الإطلاق، وهذا نقاش في المبنى سوف يأتي تحقيقه ـ إن شاء الله ـ عند الدخول في صلب مسألة التعبّديّ والتوصّليّ.

الثاني: أنّ الإهمال في الأمر الأوّل(2) غير معقول، ويتذبذب بيانه ـ دامت بركاته ـ لهذا الادّعاء بين بيانين; فإنّ استحالة الإهمال يكمن بيانها تارةً بلحاظ نفس الحكم، واُخرى بلحاظ الحاكم، ويسلّم السيّد الاُستاذ بأنّه لو تعقّلنا الإهمال في الأمر الأوّل، أمكن رفعه بالأمر الثاني.

أمّا البيان الأوّل: فبأن يقال: إنّ الحكم له حظّ من الوجود في اُفق ذهن الحاكم، وكلّ شيء له حظّ من الوجود لابدّ أن يكون له في اُفق وجوده تعيّن; لاستحالة المردّد والمبهم في اُفق الوجود. نعم، لا بأس بأن يكون للشيء إبهام وتردّد في مرتبة تالية لوجوده، أي: بحسب مقام الإثبات، أمّا بلحاظ وعاء وجوده والاُفق الذي يكون فيه حظّه من الوجود، فلابدّ أن يكون متعيّناً ومتحدّداً.

وأمّا البيان الثاني: فبأن يقال: إنّ تعلّق الأمر الأوّل بالمهمل مستحيل; لأنّ هذا معناه: أنّ المولى في عالم الجعل لا يدري مدى سعة ما يطلب، هل هي المطلق أو المقيّد، ومن الواضح: أنّه لا يعقل أن يشكّ المولى في دائرة طلبه، ولابدّ أن تكون حدود ما يطلب بالنسبة إليه واضحة. نعم، غير المولى قد يشكّ فيما يطلبه المولى.


(1) راجع تعليق السيّد الخوئيّ في أجود التقريرات، ج  1، ص  117 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ، وراجع المحاضرات، ج  2، ص  176 ـ 177 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

(2) راجع المحاضرات، ج  2، ص  177 ـ 178 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

  صفحه 188  

وكلا البيانين روحهما واحدة وإن اختلف طرز التعبير، وبه يختلف طرز التعبير في الجواب:

أمّا البيان الأوّل: فجوابه: أنّ الحكم في اُفق ذهن الحاكم متعيّن في حكم عرض على ذات الطبيعة بلا ضمّ لحاظ التقييد أو رفض التقييد، وهذا ليس معناه تعلّق الأمر بالمردّد بين المطلق والمقيّد بحيث يكون متعلّق الأمر هو: إمّا المطلق، وإمّا المقيّد بأن تكون كلمة «إمّا» ثابتة في لوح الأمر والواقع، فمتعلّق الأمر لا هو المطلق بعينه، ولا المقيّد بعينه، بل الفرد المردّد بينهما، وإنّما معناه: أنّ هناك وجوداً متعيّناً للأمر بذات الطبيعة، إلاّ أنّ هذا الوجود المعيّن لم يضمّ إليه التقييد ولا الإطلاق; حيث إنّ التقييد عبارة عن لحاظ الطبيعة مع القيد، والإطلاق عبارة عن رفض القيد، فإذا لوحظت الطبيعة ولم يلحظ معها القيد ولا عدمه، سمّينا ذلك بالإهمال، وهذا ليس معناه: أنّ الحكم في اُفقه مردّد، بل نفس الأمر بالطبيعة متعيّن، ولكن لم يضمّ إليه الإطلاق ولا التقييد، وهذا أجنبيّ عن الفرد المردّد.

وأمّا البيان الثاني: وهو لزوم كون المولى بما هو جاعل للأمر الأوّل وبغضّ النظر عن الأمر الثاني جاهلا بمدى سعة مطلوبه، فالجواب: أنّ مطلوبه المعلوم له هو الطبيعة بما لها من سعة عند الإهمال.

وتوضيح ذلك: أنّه بعد أن اتّضح في دفع البيان الأوّل: أنّه يمكن تعلّق أمر المولى بذات الطبيعة بلا ضمّ لحاظ القيد ولا رفضه، نقول: إنّ الطبيعة بلا ضمّ لحاظ القيد ولا رفضه لها درجة من السعة، فالمولى مطلوبه هذه الطبيعة بمقدار ما لها من سعة في مقام الانطباق، وحيث إنّ هذه السعة متعيّنة فمطلوب المولى متعيّن، فإن قلنا: إنّ المهمل في قوّة المقيّد، فمطلوب المولى لا يسري إلى غير المقيّد. وإن قلنا: إنّه في قوّة المطلق، فالطبيعة تسري إلى الأفراد، فمطلوب المولى أيضاً يسري. وعلى أيّ حال فحدود مطلوب المولى بالأمر الأوّل واضحة عنده.

 
  صفحه 189  

والحاصل: أنّ في سريان الطبيعة إلى تمام أفرادها نظريّتين:

1 ـ إنّ الطبيعة بذاتها لو خلّيت ونفسها لا تقتضي السريان ولا عدمه، وإنّما السريان من شؤون الإطلاق اللحاظيّ، أيّ: رفض القيود، وعدم السريان من شؤون لحاظ التقييد.

2 ـ إنّ الطبيعة بذاتها تقتضي السريان ما لم يمنع مانع، والمانع لحاظ القيد.

وفرق النظريّتين: أنّ المقتضي للسريان في الاُولى أمر خارج عن الطبيعة، وهو الإطلاق اللحاظيّ، وفي الثانية ذات الطبيعة ما لم تقترن بمانع، وهو لحاظ القيد. والفرق العمليّ بينهما يظهر في الطبيعة المهملة التي لم يلحظ معها القيد ولا رُفض معها القيد، فإن قلنا: إنّ الطبيعة بذاتها لا تقتضي السريان، فالطبيعة المهملة في قوّة المقيّدة، وإن قلنا: إنّها بذاتها تقتضي السريان ـ كما هو الصحيح ـ فالطبيعة المهملة في قوّة المطلقة; لأنّ المقتضي للسريان موجود وهو ذات الطبيعة، والمانع مفقود وهو لحاظ القيد.

وقد ظهر: أنّه لا يرد إشكال التردّد، لا في عالم الوجود الذهنيّ وبلحاظ عالم عروض الحكم; فإنّه متعيّن في وجود الأمر بذات الطبيعة لا مطلقة ولا مقيّدة، ولا في عالم الانطباق والسريان; لأنّ الطبيعة المهملة إن كانت في قوّة المطلقة يسري إلى تمام الأفراد، وإلاّ لم يسرِ إلاّ بمقدار المقيّد، وهذا يختلف باختلاف النظريّتين في باب المطلق والمقيّد.

والسرّ في ذلك كلّه هو حمل الإهمال في كلام المحقّق النائينيّ على الإهمال اللحاظيّ، بمعنى عدم لحاظ التقييد ولا رفضه، لا على الفرد المردّد، وأمّا لو حمل على الفرد المردّد، فهذا الإهمال لا يزول بضمّ الأمر الثاني; فإنّ الأمر الثاني إنّما يكمّل مهمّة الكشف عن الغرض، لا أنّه يجعل متعلّق الجعل الأوّل متعيّن الحدود، فإنّ الواقع لا ينقلب عمّا وقع عليه، مع أنّه ـ دامت بركاته ـ يسلّم أنّه لو فرض

 
  صفحه 190  

الإهمال في الأمر الأوّل، صحّت الاستعانة بالأمر الثاني لرفعه. هذا.

وقد انقدح من تضاعيف ما ذكرناه إشكال على ما فرضه المحقّق النائينيّ من تصوير التعبّديّة بوجود أمرين: أحدهما تعلّق بالطبيعة المهملة، والآخر بإتيان متعلّق الأمر الأوّل بقصد الأمر، وهو: أنّنا إن قلنا: إنّ الطبيعة المهملة في قوّة المطلقة، فقد رجع ـ بحسب الحقيقة ـ إلى الشكل الأوّل، وهو فرض تعلّق الأمر الأوّل بالمطلق; لأنّنا أخذنا بالنظريّة القائلة: إنّ الإطلاق من شؤون ذات الطبيعة، فقد أصبح متعلّق الأمر الأوّل مطلقاً. نعم، أصبح مطلقاً بالإطلاق الذاتيّ دون اللحاظيّ، وإذا رجع إلى الشكل الأوّل، فتحقيق الحال فيه هو ما مضى في تحقيق حال الشكل الأوّل.

وإن قلنا: إنّ الطبيعة المهملة في قوّة المقيّدة، إذن لا حاجة إلى الأمر الثاني، بل يكفي الأمر الأوّل، فإنّه إذا كان المهمل في قوّة المقيّد فلابدّ للعبد في مقام التطبيق أن يأتي بالفعل بقصد القربة حتّى ينطبق عليه المهمل; لأنّ المفروض: أنّه كالمقيّد لا ينطبق إلاّ على واجد القيد، فالأمر الأوّل وحده كاف لإلزام العبد بالقربة بلا حاجة إلى الأمر الثاني، ومن دون أن يرد أكثر الوجوه الأربعة التي قدّمناها لاستحالة أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر جزءاً أو قيداً; لأنّ قصد القربة لم يؤخذ في متعلّق الأمر، فمثلا المولى لم يلحظ الأمر حتّى يلزم التهافت في اللحاظ ورؤية عروض الأمر على ما هو متعلّق الأمر، وليس هناك أمر متعلّق بقصد الأمر حتّى يقال: إنّ هذا غير محرّك; إذ المفروض: أنّه ليس هنا إلاّ أمر واحد متعلّق بالطبيعة المهملة التي هي في قوّة المقيّدة بحسب الفرض، فصار العمل عباديّاً بلا حاجة إلى أمر آخر متعلّق بقصد الأمر الأوّل.

نعم، يرد عليه الوجه الأوّل من الوجوه الأربعة، وهو لزوم أخذ وصول الأمر في موضوعه; لأنّ الأمر بالطبيعة المهملة إذا كان في قوّة الأمر بالمقيّدة، لا يمكن

 
  صفحه 191  

تطبيقه ـ بحسب الخارج ـ على غير المقيّد، إذن، فلا يمكن للعبد العمل به إلاّ بأن يكون قادراً على الإتيان بالمقيّد، وقدرته على ذلك فرع وصول الأمر، وإلاّ لم يمكنه الإتيان بالمقيّد بغير الابتلاء بالتشريع. وهذا إشكال آخر على الشكل الذي افترضه المحقّق النائينيّ من كون الأمر الأوّل متعلّقاً بالمهمل، والثاني بقصد امتثال الأوّل، يرد عليه لو جعل المهمل في قوّة المقيّد. أمّا لو جعله في قوّة المطلق، فقد عرفت أنّه يرجع إلى الشكل الأوّل ولم يكن وجهاً في قباله.

وأمّا الشكل الثالث لتعدّد الأمر في مقابل الشكلين السابقين، فهو ما اقترحه المحقّق العراقيّ ، وذلك: أنّ الشكلين السابقين كانا مجتمعين في خصيصة واحدة، وهي: أنّ هناك جعلين ومجعولين. وهذا الشكل الثالث يختلف عنهما في أنّه يرى تعدّد الأمر لا تعدّد الجعل، فهناك أمران طوليّان: أحدهما تعلّق بذات العمل، والآخر تعلّق بقصد الأمر، ويكون الأمر الأوّل مأخوذاً في موضوع الثاني، فالأمر الأوّل موضوعه متحقّق بغضّ النظر عنه، وهو يحقّق موضوع الأمر الثاني، والتعدّد إنّما هو في المجعول دون الجعل. فهذان الأمران على رغم طوليّتهما مجعولان بجعل واحد، فإنّ الطوليّة بين المجعولين لا تنافي عرضيّتهما في مقام الجعل وكونهما مجعولين بجعل واحد، وشَبَّه ذلك بمثل خطاب «صدّق العادل» بالقياس إلى الأخبار مع الواسطة، وقد مضى شرحه فيما سبق، حيث إنّ المحقّق العراقيّ ذكر هذا المطلب في موضعين(1): أحدهما هذا الموضع، وهو تصوير الواجب التعبّديّ بتعدّد الأمر، والثاني فيما مضى من تصوير ردٍّ على الوجه الثاني من الوجوه التي اخترناها في مقام بيان استحالة أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر.


(1) ورد هذا في نهاية الأفكار في موضعين: الأوّل في ص  190 ـ 191، والثاني في ص  196 ـ 197 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  صفحه 192  

وقد وضّحنا هناك: أنّ هذا لا يمكن تتميمه سواء فرض الأمران ضمنيّين أو استقلاليّين، فراجع.

على أنّ فرض تعدّد الأمر بهذا الشكل الثالث ـ وهو فرض تعدّد المجعول مع وحدة الجعل ـ لا يختلف عمّا مضى من فرض التعدّد حتّى في الجعل في الإشكالات الواردة عليه، أي: أنّ الوجه الثالث والرابع من الوجوه التي أخترناها لإثبات استحالة أخذ قصد الأمر في متعلّقه واردان على فرضيّة تعدّد الأمر كما مضى توضيحه، ومجرّد كونهما بجعل واحد لا يكون علاجاً لذلك كما هو واضح.

وكأنّ المحقّق العراقيّ عدل عن فرض تعدّد الجعل إلى فرض وحدة الجعل لكون فرض وحدة الجعل هو الأمر العرفيّ في الواجبات التعبّديّة دون تعدّده، وسوف نوضّح نحن كيف يمكن تصوير الواجب التعبّديّ خالياً من الإشكالات بنحو ينسجم مع التصوّر العرفيّ.

 

الوجه الثالث للفرق بين التعبّديّ والتوصّليّ

الوجه الثالث: ما يظهر من عبارة صاحب الكفاية(1): من أنّ الأمر التوصّليّ والتعبّديّ كلاهما متعلّقان بذات الفعل، إلاّ أنّ الأمر التوصّليّ يكفي في حصول الغرض منه مجرّد الإتيان بمتعلّقه، فيسقط، وأمّا الأمر التعبّديّ فيبقى بشخصه بعد الإتيان بمتعلّقه من دون قصد القربة; لأنّ الغرض منه لا يحصل خارجاً إلاّ بالإتيان بمتعلّقه مع قصد القربة، وسقوط الأمر يتبع حصول الغرض لا مجرّد الإتيان بمتعلّقه.

ويرد عليه: أنّ عدم سقوط الأمر بالإتيان بمتعلّقه مستحيل; فإنّه إذا أتى بمتعلّقه


(1) راجع الكفاية، ج  1، ص  107 بحسب طبعة المشكينيّ.

  صفحه 193  

خارجاً، قلنا: إنّ الأمر كان متعلّقاً بالجامع بين الفرد الذي أتى به والأفراد الاُخرى، فبعد أن أتى بالفرد الأوّل إن فرضنا أنّ ذلك الأمر لا يزال متعلّقاً بالجامع بين ذلك الفرد وباقي الأفراد، فهذا الأمر يستحيل داعويّته إلى الإتيان بالجامع في ضمن فرد آخر; لأنّ متعلّقه حاصل، وطلب الحاصل محال، فلا محالة يكون الأمر ساقطاً (ولو بمعنى سقوط محرّكيّته على ما هو التحقيق في معنى سقوط الأمر). وإن فرضنا أنّه يتعلّق بالجامع بين باقي الأفراد دون الفرد الأوّل، كان معنى ذلك سقوط الأمر الأوّل; لأنّ شخص الأمر يتقوّم بشخص متعلّقه وحدوده.

وقد اتّضح بكلّ ما ذكرناه في مقام التعليق على هذه الوجوه للفرق بين الأمر التعبّديّ والتوصّليّ: أنّه لا يمكن التفرقة بين الأمر التعبّديّ والأمر التوصّليّ من ناحية المتعلّق، سواء كان بأمر واحد ينبسط على قصد القربة أو بمتمّم الجعل، بل الأمر سواء كان تعبّديّاً أو توصّليّاً إنّما يتعلّق بذات الفعل.

كما اتّضح أيضاً: أنّ الأمر إذا تعلّق بذات الفعل فشخص ذلك الأمر يسقط ـ لا محالة ـ بالإتيان بذات الفعل; لأنّه متعلّق بالجامع بين ما أتى به وما لم يؤتَ به، وهذا الجامع حاصل، فعلى أيّ حال يسقط ذلك الأمر، سواء كان ذلك توصّليّاً أو تعبّديّاً، ومن هنا ننتقل إلى الوجه الرابع من وجوه الفرق بين الأمر التعبّديّ والتوصّليّ، فنقول:

 

الوجه الرابع للفرق بين التعبّديّ والتوصّليّ

الوجه الرابع: هو الوجه المختار، وهو أنّ الأمر التوصّليّ كان ناشئاً من غرض في ذات الفعل بلا حاجة إلى قصد القربة، فحينما يسقط بشخصه بإتيان ذات الفعل من دون قصد الامتثال لا يتولّد أمر جديد بالفعل; لأنّ الغرض حصل بلا حاجة إلى قصد الامتثال. وأمّا الأمر التعبّديّ فهو أمر ناشئ من غرض لا يُستوفى إلاّ بالإتيان

 
  صفحه 194  

بالحصّة القربيّة خاصّة، فهو وإن كان يتعلّق بذات الفعل لما تقدّم من البراهين، ويسقط شخصه بالإتيان بذات الفعل; لاستحالة طلب الحاصل، لكن يتولّد أمر جديد بذات الفعل إن كان قد أتى بغير الحصّة القربيّة، فإن أتى في المرّة الثانية بالحصّة القربيّة، فهو، وإلاّ تولّد أمر ثالث به بعد موت الأمر الثاني، وهكذا إلى أن يأتي بالحصّة القربيّة.

والسرّ في تولّد الأمر مرّة اُخرى بعد الفعل هو: أنّ الغرض باق وغير مستوفىً، فكما دعا هذا الغرض المولى من أوّل الأمر إلى أن يأمر كذلك بلحاظ الآن يدعوه إلى الأمر، إلاّ أنّ هذا الأمر الجديد لا يتعلّق بالجامع بين الفرد الذي أتى به وباقي الأفراد، ليستحيل محرّكيّته من باب استحالة طلب الحاصل، بل يأمر المولى بالطبيعة بقيد أن تكون بغير ذلك الفرد، فيقول مثلا: «صلِّ صلاة اُخرى» حتّى تكون لهذا الأمر داعويّة ومحرّكيّة.

وهذا الوجه من الفرق يشترك مع الوجه الثالث في دعوى: أنّ الأمر نشأ من الغرض في حصّة خاصّة من الفعل، وهو الفعل القربيّ، ولكنّه متعلّق بذات الفعل، إلاّ أنّه يختلف عنه في أنّه كان يقال في الوجه الثالث ببقاء شخص الأمر إلى أن يحصل الغرض بالإتيان بالفعل بقصد القربة، بينما هنا نقول بتجدّد الأمر وتبدّله إلى أمر آخر، لا بقاءه بشخصه، كما يشترك مع الوجه الثاني في دعوى تعدّد الأمر، إلاّ أنّه غير تعدّد الأمر بالمعنى الذي جاء في ذلك الوجه، فإنّ ذلك كان عبارة عن تعلّق الأمر الثاني بقصد القربة، بينما نقول هنا: إنّ الأمر الثاني يتولّد إذا أتى بالحصّة غير القربيّة، ويتعلّق بذات الفعل كالأمر الأوّل، وكذلك يتولّد أمر ثالث ورابع، وهكذا تتبادل الأوامر مادام يأتي بالحصّة غير القربيّة إلى أن يأتي بالحصّة القربيّة.

فإن قلت: كيف يتعلّق الأمر بذات الفعل مع أنّ المفروض أنّ ذات الفعل ليس

 
  صفحه 195  

محبوباً، وإنّما المحبوب هو الفعل القربيّ، والأمر يجب أن يتعلّق بالمحبوب حتّى يحرّك نحو المحبوب.

قلت: أوّلا: أنّنا لو سلّمنا ذلك فإنّما نسلّمه في غير مثل المقام الذي يكون نفس تحريك الأمر فيه موجداً للمحبوب، فالأمر عادةً يجب تعلّقه بالمحبوب حتّى يحرّك نحو المحبوب، ولكن لو اتّفق صدفةً: أنّ متعلّقه وإن لم يكن وحده محبوباً، لكن نفس تحريك الأمر كان كفيلا بإيجاد الجزء الآخر الذي به يتمّ المحبوب، فهنا لا إشكال في الأمر بذلك الفعل والتحريك نحوه، وما نحن فيه من هذا القبيل; فإنّ الأمر إذا حرّك العبد نحو الصلاة، حصل المحبوب; إذ الصلاة المأتيّ بها بتحريك الأمر صلاة قربيّة، وهي المحبوب.

وثانياً: أنّه لم تنزل آية أو رواية تدلّ على أنّ الأمر يجب أن يتعلّق بالمحبوب، بل يكفي عقلاً تعلّقه بما يحتمل حصول المحبوب به، مثلا لو أراد المولى كتاب الوسائل من مكتبته والعبد لا يعرف كتاب الوسائل بالضبط، فالمولى يقول: جئني بكتاب من المكتبة، فهو يأمره بذلك برجاء حصول محبوبه به بأن يتّفق صدفةً أن يختار العبد كتاب الوسائل، فالعبد يأتيه بكتاب، فإن اتّفق: أنّ الكتاب كان هو الوسائل، سقط الأمر بشخصه، ولم يتجدّد أمر آخر لحصول الغرض، والمأمور به كان هو جامع الإتيان بالكتاب الذي لم يكن بحدّه الجامعيّ محبوباً، ولم تكن خصوصيّة كتاب الوسائل داخلة تحت هذا الأمر، ولكن مع ذلك صحّ تعلّق الأمر به; لاحتمال حصول محبوبه بذلك، وإن اتّفق: أنّه أتى بكتاب آخر غير الوسائل، سقط شخص الأمر لا محالة; لتعلّقه بالجامع بين ما أتى به وغيره، لكنه يجدّد المولى أمره، ويأمره بالإتيان بكتاب آخر غير الفرد الأوّل، فإذا أتى صدفةً بالوسائل، سقط الأمر لا إلى بدل، وإلاّ أمره بأمر ثالث، وهكذا، فليكن ما نحن فيه من هذا القبيل، فهو يأمر بجامع الصلاة برجاء حصول الحصّة المطلوبة وهي الصلاة

 
  صفحه 196  

القربيّة، فإن حصلت سقط الأمر لا إلى بدل، وإن أتى بحصّة اُخرى كرّر المولى الأمر، وهكذا.

وبكلمة اُخرى: إنّ ما نحن فيه شبيه بما لو فرض: أنّ الأب أمر ابنه الصغير بشيء سهل لا غرض للمولى فيه بداعي أن يعوّده على التحرّك بأوامر أبيه حتّى يستطيع بعد ذلك حمله على الاُمور الشاقّة المفيدة مثلا، فهو يأمره بذلك الشيء وينتظر ليرى: أنّه هل يأتي به بمحرّكيّة الأمر، أو لا، فإن أتى الابن به بمحرّكيّة الأمر، فقد حصل المطلوب، وكان ذلك نوع ترويض للابن، ولو اتّفق صدفةً: أنّ الابن أتى بذلك الشيء بداع آخر غير أمر الأب، اضطرّ الأب إلى أن يأمره مرّة ثانية، وهكذا إلى أن يرى ابنه قد تحرّك بأمره.

والمولى لو كان مع العبد في الأوامر الشخصيّة، وتعلّق غرضه بالعمل العباديّ، أمكنه أن يصل إلى مطلوبه عن طريق أن يأمره بذات العمل ويصبر، فإن أتى صدفةً بالعمل بداع غير قربيّ، يأمره مرّةً اُخرى، وهكذا إلى أن يصل إلى مطلوبه، ولكن في الأوامر الكلّيّة المجعولة بنحو القضايا الحقيقيّة لا يمكن ذلك; إذ ليس المولى يمشي مع العبد حتّى يأمره كلّ حين حينما يراه أتى بالعمل لا بقصد القربة، فطريق وصوله إلى المطلوب هو أن يأمره أمراً كلّيّاً، وينصب قرينة عامّة على أنّ هذا الأمر له توجّهات عديدة متى ما أتى العبد بالفعل لا بقصد القربة، فيعرف العبد أنّه لو أتى بالفعل لا بقصد القربة كان للأمر توجّه آخر إليه، وهكذا، فلا يستطيع أن يخرج من عهدة هذا الأمر إلاّ بأن يأتي بالعمل بقصد القربة بالرغم من أنّه تعلّق بذات الفعل; وذلك لأنّه يتجدّد متى ما أتى بمتعلّقه بلا قصد القربة، فهذا يعطي نفس نتيجة ما لو كان الأمر متعلّقاً بالفعل المقيّد بقصد القربة، ولهذا يصحّ عرفاً أن تبيّن هذه القرينة العامّة بلسان تقييد متعلّق الأمر، فيقال: «صلِّ بقصد القربة»، فهذا تقييد بحسب مقام الإثبات كاشف عن تجدّد الأمر بحسب مقام الثبوت لا تقيّده، فالتجدّد

 
  صفحه 197  

والتقييد متباينان ثبوتاً، والثاني مستحيل، والأوّل ممكن، بل واقع، وهو الفارق الثبوتيّ بين الأمر التعبّديّ والأمر التوصّليّ بالنحو الذي عرفت، ولكن بحسب مقام الإثبات هناك تعبير واحد يصلح أن يكون بياناً لكلّ من هذين المطلبين الثبوتيّين اللذين أحدهما مستحيل وهو التقييد، والآخر ممكن وهو التجدّد، وحيث إنّ التقييد الإثباتيّ بيان عرفيّ للتجدّد، كفى ذلك في الوصول إلى ما هو المهمّ من هذا البحث من نفي القربيّة بالإطلاق، كما سوف يأتي حينما ندخل في صلب البحث.

والمتحصّل من كلّ ما ذكرناه: أنّ الأمر التعبّديّ من زاوية عالم الثبوت والحقيقة عبارة عن الأمر المتجدّد بالتفصيل الذي عرفت، ومن زاوية عالم الإثبات عبارة عن الأمر المتقيّد بقصد القربة. هذا.

وبالإمكان أن يقال: إنّ التقييد الثبوتيّ بقصد القربة الذي قلنا: إنّه محال ليس محالا على الإطلاق ومن كلّ آمر، بل هو محال استحالة مقيّدة. وتوضيح ذلك: أنّ بعض المحالات مستحيل من أيّ فاعل كالجمع بين الضدّين، فإنّه مستحيل من أيّ فاعل ذكيّاً كان أو بليداً، مطّلعاً على بعض الاُمور أو لا، وهناك بعض استحالات تختصّ ببعض الأشخاص، مثلا العبد المشلول يستحيل توجّه الأمر إليه من قبل المولى الذي يعرف أنّه مشلول، ولكن لا يستحيل من مولىً يتخيّل أنّه في تمام الصحّة والسلامة.

فهل الاستحالة فيما نحن فيه استحالة مطلقة، أو مقيّدة؟

لابدّ أن ننظر إلى براهين هذه الاستحالة لكي نعرف أنّها مطلقة أو مقيّدة، فنقول: قد مضى منّا اختيار براهين أربعة لإثبات استحالة أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر، والبرهان الثاني وهو لزوم التهافت في اللحاظ ينتج استحالة مطلقة، فإنّ التهافت في اللحاظ مستحيل من أيّ شخص كان، وأمّا إذا تخلّصنا من هذا البرهان ولو

 
  صفحه 198  

بحمل الأمر على طبيعيّ الأمر، فنبقى نحن وباقي البراهين، وهي تنتج استحالة مقيّدة:

أمّا البرهان الأوّل، فكان حاصله: أنّه يلزم أخذ نفس الأمر ـ على حدّ تعبير المحقّق النائينيّ ـ أو أخذ وصوله ـ على حدّ تعبيرنا ـ في موضوع الأمر، وإنّما كان يلزم ذلك لئلاّ يلزم التكليف بغير المقدور، فكان يقال مثلا: إنّ الأمر من قبيل القبلة، فكما أنّ القبلة أمر غير اختياريّ لابدّ من فرضه مفروض الوجود في الموضوع كذلك الأمر، فببرهان استحالة التكليف بغير المقدور لابدّ من تقييد الأمر، ومن الواضح: أنّ هذا إنّما يأتي في حقّ مولىً التفت إلى هذه النكتة كالشارع الذي لا تخفى عليه خافية، أو كالاُصوليّ الدقيق الملتفت إلى هذه النكات، وأمّا إذا كان المولى من قبيل العلماء الذين لم يلتفتوا إلى ذلك فضلاً عن الإنسان العرفيّ العاديّ، فلا يستحيل صدور الأمر منه بالعمل القربيّ بقيد القربة من دون أخذ الأمر أو وصوله في موضوع الحكم; إذ لا يدري أنّ هذا تكليف بغير المقدور.

وأمّا البرهان الثالث والرابع، فأيضاً حالهما حال البرهان الأوّل; إذ قد وضّحنا فيهما: أنّ الأمر المتعلّق بقصد القربة يستحيل محرّكيّته، فكلّ مولىً التفت إلى ذلك استحال منه جعل هذا الأمر، أمّا من خُيّل له بسذاجيّته العرفيّة أنّ الأمر الضمنيّ المتعلّق بقصد القربة حاله حال الأمر الضمنيّ المتعلّق بالركوع والسجود يكون محرّكاً، فيعقل صدور الأمر منه بداعي التحريك وإن كان العبد خارجاً لا يتحرّك إلاّ من الأمر الضمنيّ الآخر، وهو الأمر بأصل الفعل دون الأمر بقصد الأمر.

إذن، فهذه التقريبات كلّها تنتج الاستحالة في حقّ الملتفت إلى هذه النكات، فصحّ أن نقول: إنّ أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر ثبوتاً معقول من الإنسان العرفيّ وإن كان غير معقول من الاُصوليّ الدقيق والشارع، وهذا يؤكّد أنّ المولى الدقيق وإن كان يعرف دقّةً أنّ الصحيح هو التجدّد لا التقييد، ولكن من حقّه إثباتاً أن يتكلّم بلسان التقييد; حيث إنّ المولى العرفيّ في مقام البيان يتابع العرف.

 
السابق | التالي | فهرس الكتاب