المقصد الأوّل: في الأوامر

 

وفيه فصول:

 مادّة الأمر.
 صيغة الأمر.
 إجزاء الأمر الاضطراريّ والظاهريّ.
 وجوب مقدّمة الواجب.
 اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه.
       الترتّب.
       التزاحم.
 أمر الآمر مع علمه بانتفاء الشرط.
 تعلّق الأمر بالطبائع أو بالأفراد.
 بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب.
 الوجوب التخييريّ.
 الوجوب الكفائيّ.
 الواجب الموقّت وغير الموقّت.
 الأمر بالأمر.
 الأمر بعد الأمر.

 
  صفحه 7  

الأوامر


الفصل الأوّل

 

 

مادّة الأمر

 

        ويقع الكلام فيها في جهات:

معنى مادّة الأمر.
اعتبار العلوّ أو هو مع الاستعلاء أو الجامع بينهما
    في مادّة الأمر.
دلالة الأمر على الوجوب وملاكها.
تحقيق معنى الطلب.

 

 
  صفحه 8  

 

 
  صفحه 9  

 

 

 

 

 

معنى مادّة الأمر

الجهة الاُولى: في معنى الأمر.

فقد ذُكر الطلب معنىً للأمر، وهو صحيح كما سيأتي بيانه إن شاء الله، وذكرت له أيضاً معان اُخرى في مقابل الطلب كالشيء، والفعل، والفعل العجيب، والحادثة، والغرض، وغير ذلك.

ومن المعلوم: أنّ جملة من هذه المعاني من قبيل الغرض ليست من معاني الأمر وإن كانت من مصاديق معناه، فالغرض مثلاً في مثل قولنا: «جئتك لأمر كذا» استفيد من اللام لا من كلمة الأمر، وعدّه من معاني الأمر يكون من باب اشتباه المفهوم بالمصداق، ومن هنا وقعت محاولتان مترتّبتان: إحداهما محاولة إرجاع معاني الأمر غير الطلب إلى معنىً واحد، والاُخرى محاولة إرجاع الطلب وغيره إلى معنىً واحد.

أمّا المحاولة الاُولى: فقد يقال: إنّ ذلك المعنى الواحد هو الشيء، والباقي مصاديق له، فالفعل شيء، والحادثة شيء وهكذا; ولذا ذكر صاحب الكفاية: أنّ الأمر له معنيان: الطلب والشيء(1).

ولاحظ المحقّق النائينيّ وكذا المحقّق الإصفهانيّ أنّ مفهوم الشيء بعرضه


(1) الكفاية، ج 1، ص 90، طبعة المشكينيّ.

  صفحه 10  

العريض لا يناسب أن يكون مدلولاً لكلمة الأمر، فقد ذكر المحقّق النائينيّ (1): أنّ الشيء يطلق على الجوامد، فيقال مثلاً: «زيد شيء من الأشياء» بينما لا يطلق الأمر عليها، فلا يقال: «زيد أمر من الاُمور» ومن هنا ذكر: أنّه لا يبعد أن يكون هذا الجامع أضيق من دائرة الشيء، وهو الواقعة أو الحادثة، وأحياناً يذكر: أنّه الواقعة المهمّة والحادثة المهمّة. ونظير ذلك ذكره المحقّق الإصفهانيّ ، فرأى «أنّ ما يناسب أن يكون معنىً للأمر هو الفعل لا الشيء بعرضه العريض»(2)، والفعل مع الواقعة أو الحادثة متقاربا المفهوم.

والصحيح: أنّ مدلول كلمة الأمر ـ بحسب المستفاد من موارد الاستعمال في غير الطلب ـ وإن كان لا يساوق مفهوم الشيء بعرضه العريض، لكنّه ليس أيضاً مضيّقاً بقدر ضيق مفهوم الواقعة والحادثة المهمّة أو الفعل، بل أمرٌ بين الأمرين، فإنّه من الواضح صحّة استعمال الأمر في موارد لا أهمّيّة فيها، ولا حدوث ووقوع، ولا فعل، فيقال: «كلام فلان أمر غير مهمّ»، ولا يُرى في هذا تناقض، ويقال: «اجتماع المتناقضين أمر محال» أو «شريك الباري أمر محال»، أو «عدم مجيء زيد أمر عجيب» مع أنّ هذه الاُمور اثنان منها مستحيل، والآخر أمر عدميّ، وليست من الوقائع والحوادث أو الأفعال، بل نحن نرى ـ بحسب الحقيقة ـ أنّ كلمة الأمر تستعمل في الجوامد أيضاً حينما تكون من قبيل أسماء الأجناس، فيقال مثلاً: «النار أمر ضروريّ في الشتاء». نعم، العَلَم بالذات أو بالعرض (أي: ما كان عَلَماً بالإشارة) لا يقال عنه: إنّه أمر، فمفهوم الأمر مساوق لمفهوم الشيء مع شيء


(1) أجود التقريرات، ج 1، ص 86 بحسب الطبعة المشتملة على حاشية السيّد الخوئيّ .

(2) نهاية الدراية، ج 1، ص 146 بحسب طبعة مطبعة الطباطبائيّ بقم.

  صفحه 11  

من الخصوصيّة، بمعنى: أنّه مطعّم بجانب وصفيّ، وحيث إنّ الأعلام منسلخة عن الجانب الوصفي بالمرّة، ومتمحّضة في الجانب الذاتيّ والعلميّة; ولهذا تكون اسميّتها بهذا الاعتبار أقوى من غيرها لا يطلق عليها الأمر، بينما يطلق عليها الشيء، وأمّا أسماء الأجناس فهي مطعّمة بجانب وصفيّ، فالخشب مثلاً ذات ثبتت له الخشبيّة.

هذا تمام الكلام في المحاولة الاُولى.

وأمّا المحاولة الثانية: فتوحيد المعنى لكلمة الأمر يتصوّر على ثلاثة أنحاء، فنتكلّم عن كلّ واحد منها تفصيلاً، ثُمّ نتكلّم عن الكلّ إجمالاً:

النحو الأوّل: أن يقال بإرجاع غير الطلب إلى الطلب، وهذا ما استقربه المحقّق الإصفهانيّ ، فبعد أن ذكر: أنّ غير الطلب عبارة عن الفعل، قال(1): يمكن القول بأنّ استعماله في الفعل يرجع إلى الاستعمال في الطلب بنحو من العناية; لأنّ الفعل في معرض أن يتعلّق به الطلب، فكما يعبّر عن الفعل بمطلب ولو لم يتعلّق به الطلب، فيقال عن فعل من الأفعال: إنّه مطلب مهمّ مثلاً، والنكتة في هذا الاستعمال هي شأنيّة تعلّق الطلب به، كذلك يصحّ أن تستعمل كلمة الأمر فيه، ففي قولنا مثلاً: «الصلاة أمر عظيم» أو «شرب الخمر أمر ذميم» استعمل الأمر في الطلب، إلاّ أنّه استعمل فيه لقابليّة الفعل للطلب.

ويرد عليه ما عرفت: من أنّ كلمة الأمر قد تستعمل فيما لا يكون فعلاً حتّى يكون من شأنه تعلّق الطلب به، كقولنا: «شريك الباري أمر مستحيل» أو «اجتماع النقيضين أمر مستحيل».

النحو الثاني: أن يقال بإرجاع الطلب إلى غير الطلب، وهو ما استقربه المحقّق


(1) المصدر السابق، ص 147.

  صفحه 12  

النائينيّ على ما يظهر من عبارة تقريرات بحثه، فإنّه بعد أن ذكر: أنّ كلمة الأمر لها معنيان: الطلب والواقعة أو الحادثة قال: يمكن القول بأنّ الطلب ليس معنىً براسه في مقابل الواقعة، بل مصداق من مصاديق الواقعة، فمعنى الأمر إنّما هو الواقعة أو الحادثة(1).

وهذا الاحتمال ساقط أيضاً; وذلك لأمرين:

الأوّل: أنّ الطلب لو كان يطلق عليه الأمر بلحاظه مصداقاً للواقعة، إذن لما كان فرق بين الطلب التشريعيّ من الغير والطلب التكوينيّ. وتوضيح ذلك: أنّ الطلب على قسمين: أحدهما الطلب التشريعيّ، وهو الطلب من الغير، كأن يطلب زيد أن نأتي له بالماء، والآخر الطلب التكوينيّ، كما في قولنا: «زيد يطلب العلم أو المال»، ومن الواضح: أنّ الأمر حينما يستعمل بمعنى الطلب يستعمل في الطلب التشريعيّ، فيقال: «زيد يأمر بإتيان الماء» دون التكوينيّ، فلا يقال: «زيد يأمر بالعلم أو المال»، ولو كان استعماله للطلب باعتباره مصداقاً للواقعة، لما كان في ذلك فرق بين الطلبين، فإنّ الطلب التكوينيّ أيضاً واقعة(2).

الثاني: أنّ الأمر بمعنى الطلب يتعدّى إلى متعلّق الطلب، أعني: المطلوب ولو بالباء، فيقال: «أمرٌ بالصلاة»، كما أنّ الطلب يتعدّى إلى متعلّقه، فيقال: «طلب الصلاة»، بينما الواقعة أو الحادثة لا تتعدّى إلى متعلّق الطلب، فلا يقال بدلاً عن


(1) بقيد أن تكون لها أهمّيّة. راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 86 بحسب الطبعة المشتملة على حاشية السيّد الخوئيّ .

(2) ومن الطريف أنّ المحقّق الإصفهانيّ يميل إلى كون الأمر بمعنى الجامع بين الطلب التشريعيّ والطلب التكوينيّ. راجع نهاية الدراية، ج 1، ص 145 ـ 147 بحسب طبعة مطبعة الطباطبائيّ بقم.

  صفحه 13  

«طلب الصلاة»: «واقعة الصلاة»، فهذا شاهد على أنّ الطلب إنّما سمّي أمراً بما هو طلب، فتعدّى الأمر إلى متعلّقه لا بما هو مصداق للواقعة، فلو كان الأمر بمعنى الواقعة، لكان معنى الأمر بالصلاة: الواقعة بالصلاة.

النحو الثالث: أن يقال: إنّ الأمر موضوع للجامع بين الطلب والواقعة.

وهذا يرد عليه ما ورد على سابقه مضافاً إلى عدم تعقّل هذا الجامع في مقابل الوجه الثاني، فإنّه لو اُريد به جامع أوسع انطباقاً من مجموع مفهومي الطلب والواقعة كمفهوم الشيء مثلاً، فمن الواضح: أنّ كلمة الأمر ليست أوسع انطباقاً من كلا الأمرين. ولو اُريد به جامع مساو لمجموعهما، فهذا عبارة اُخرى عن نفس الواقعة، فإنّها تصدق على نفسها وعلى الطلب، فرجع إلى الوجه الثاني.

هذا هو الحساب التفصيليّ للأنحاء الثلاثة.

وهناك حساب إجماليّ لمجموعها، وهو استبعاد كون لفظة «أمر» لها معنىً واحد بأيّ نحو من الأنحاء الثلاثة; وذلك لأمرين:

الأوّل: اختلاف صيغة الجمع، حيث إنّ الأمر بمعنى الطلب يجمع على أوامر، وبمعنى الواقعة يجمع على اُمور، ويستبعد تعدّد الجمع بلحاظ اختلاف المصاديق، فإنّ هذا غير معهود في اللغة.

الثاني: أنّ الأمر بمعنى الطلب له اشتقاقات، كآمر، ومأمور، وغير ذلك، بينما الأمر بمعنى الواقعة جامد، فهذا أيضاً شاهد على تعدّد المعنى، وأنّ المعنى الملحوظ فيه النسبة يشتقّ منه، والمعنى المعرّى عنها جامد، وأمّا الفرق في الاشتقاق والجمود باختلاف المصاديق، فمستبعد; لعدم معهوديّته في اللغة.

 

 
  صفحه 14  

 

اعتبار العلوّ أو هو مع الاستعلاء أو الجامع بينهما
في مادّة الأمر

الجهة الثانية: أنّ معنى مادّة الأمر هل يعتبر فيه العلوّ، أو مع الاستعلاء، أو الجامع بينهما، أو لا يعتبر شيء من ذلك؟

وهذا البحث تارةً يساق بلحاظ كون الأمر موضوعاً لحكم العقل بوجوب الطاعة، بأن يقال: إنّ موضوع حكم العقل بوجوب الطاعة هل هو الأمر مع العلوّ، أو الاستعلاء، أو لا؟ وهذا بحث عقليّ صرف لا بحث في المعنى اللغويّ. ومن الواضح: أنّه حينئذ لا معنىً للنزاع; إذ من المعلوم أنّ الموضوع لحكم العقل إنّما هو أمر المولى، والمولويّة هي العلوّ الحقيقيّ، فيكون أمره موضوعاً لوجوب الإطاعة ولو كان بلا استعلاء، وكان بلسان ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضَاً حَسَنَاً(1)، وإن لم يكن من المولى لم تجب الطاعة.

واُخرى يساق بلحاظ المعنى اللغويّ للأمر، وفائدته فقهيّة فقط لا اُصوليّة، فقد يقال مثلاً: لو ورد «يجب إطاعة أمر الوالدين»، فهنا تظهر الثمرة; إذ يترتّب على هذا البحث تشخيص موضوع وجوب الطاعة للوالدين، وأنّه هل يشترط فيه الاستعلاء مثلاً، أو لا على إشكال في هذه الثمرة; إذ من الواضح عرفاً ـ بمناسبات الحكم والموضوع ـ : أنّه يفهم من دليل وجوب إطاعة الوالدين أنّ نكتة المطلب ليس هو تجبّر الوالدين واستعلاؤهما، بل علوّهما الحقيقيّ وحقّهما، فلا ثمرة فقهيّة أيضاً لهذا البحث.

وعلى أيّ حال، فهذا بحث في نفسه، وهو: أنّه هل يعتبر العلوّ فقط، أو مع


(1) سورة البقرة، الآية: 245، وسورة الحديد، الآية: 11.

  صفحه 15  

الاستعلاء، أو الجامع بينهما، أو لا يعتبر شيء من ذلك؟ والظاهر: أنّ العلوّ شرط، فمع التساوي أو الدنوّ لا يسمّى أمراً ولو كان مستعلياً. نعم لو كان مستعلياً، أي: مدّعياً للعلوّ فكأنّه يكون مدّعياً للأمر، لا أنّه يكون أمراً حقيقة.

والخلاصة: أنّ اعتبار العلوّ ممّا لا ينبغي الإشكال فيه بحسب موارد الاستعمالات العرفيّة. وأمّا الاستعلاء فالظاهر عدم دخله عرفاً على ما يبدو من موارد استعماله. نعم، المستعلي يدّعي الآمريّة كما قلنا.

ومنه يظهر: أنّ دعوى الجامع أيضاً باطلة، ولكنّه ـ على أيّ حال ـ قد عرفت أنّه لا ثمرة لهذا البحث: لا اُصوليّاً كما هو واضح، ولا فقهيّاً كما بيّنا.

 
  صفحه 16  

 

دلالة الأمر على الوجوب وملاكها

الجهة الثالثة: أنّ كلمة الأمر بعد أن ثبت أنّها بمعنى الطلب يقع الكلام في أنّها هل تدلّ على جامع الطلب، أو خصوص الطلب الوجوبيّ.

والكلام هنا يقع في مقامين:

الأوّل: في أصل دلالة كلمة الأمر على الوجوب.

والثاني: بعد الفراغ عن أصل دلالته في أنّه ما هو ملاك هذه الدلالة ونكتتها؟

 

أصل دلالة الأمر على الوجوب

أمّا المقام الأوّل: فقد حاول بعض الاُصوليّين أن يستدلّ على ذلك بجملة من الآيات والروايات من قبيل قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ(1)، وما كان من قبيله من الروايات بتقريب: أنّ عنوان الأمر اُخذ موضوعاً للتحذّر، ومن الواضح: أنّ ما هو موضوع التحذّر إنّما هو الأمر الوجوبيّ دون الاستحبابيّ، فلو كان الأمر معناه مطلق الطلب ولو كان استحبابيّاً، لما كان يقع بإطلاقه موضوعاً للتحذّر.

ويرد عليه: أنّ الأمر ـ في الحقيقة ـ دائر بين التخصيص والتخصّص، وإنّما يتمّ الاستدلال بهذه الآية وما كان من قبيلها من الروايات بناءً على تعيّن التخصّص، بأن يقال: لابدّ من افتراض كون خروج الأمر الاستحبابيّ منها تخصّصاً لا تخصيصاً، بينما لا سبيل إلى إثبات ذلك. أمّا بناءً على مبنى عدم جريان أصالة عدم التخصيص عند الدوران بين التخصيص والتخصّص كما هو مبنى صاحب


(1) سورة النور، الآية: 63.

  صفحه 17  

الكفاية والمشهور بين المحقّقين، فواضح. وأمّا بناءً على القول بجريان أصالة عدم
التخصيص وتعيّن التخصّص عند الدوران بينهما، فلأنّ هذا إنّما يكون لو لم تكن هناك ـ  على تقدير التخصيص  ـ قرينة متّصلة تدلّ عليه، وإلاّ لما كان التخصيص حينئذ خلاف الأصل، وكان التخصيص والتخصّص عندئذ سواء، ولا يقتضي الأصل عدم أحدهما وتعيين الآخر، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّه على تقدير كون الطلب الاستحبابيّ أمراً تكون نفس كلمة الحذر مع بداهة عدم التحذّر في الاستحباب قرينة متّصلة على التخصيص.

وعلى أيّ حال، فنحن في غنىً عن مثل هذا الاستدلال على دلالة الأمر على الوجوب; إذ لم يتحصّل إشكال معقول على دلالته على الوجوب، ولم يستشكل فقيه في لفظ أمر ورد من الشارع في فهم الوجوب منه عند عدم القرينة على الاستحباب، ويكفينا التبادر، ولا إشكال عند العقلاء والموالي العقلائيّة أنّهم يرتّبون آثار الوجوب عند صدور مادّة الأمر ممّن يفرغ عن مولويّته، وليس ذلك إلاّ لدلالة العرف والوجدان على ذلك. نعم، ما يتعقّل البحث فيه هو نكتة هذه الدلالة، وهو البحث في المقام الثاني.

 

ملاك دلالة الأمر على الوجوب

وأمّا المقام الثاني: وهو البحث في نكتة دلالة الأمر على الوجوب، فهنا ينفتح باب ثلاثة احتمالات:

1 ـ أن تكون بالوضع.

2 ـ أن تكون بالعقل.

3 ـ أن تكون بمقدّمات الحكمة.

 
  صفحه 18  

والاحتمال الأوّل للمشهور، والثاني للمحقّق النائينيّ (1)، وتبعه السيّد الاُستاذ دامت  بركاته(2)، والثالث ما اختاره المحقّق العراقيّ (3).

وباختلاف هذه الاحتمالات الثلاثة تنشأ ثمرات في مقام الجمع بين الأدلّة المتعارضة، وهذه المسالك الثلاثة بنفسها تجري في الصيغة أيضاً. والبحث الذي نبحثه هنا قابل للانطباق على الصيغة. وعلى أيّ حال، فأصل دلالة مادّة الأمر على الوجوب مفروغ عنه، ويكفي في إثباته التبادر والوجدان، وإنّما الكلام في أنّ ملاكه هل هو الوضع، أو العقل، أو مقدّمات الحكمة؟

أمّا الاحتمال الأوّل: فتعيّنه موقوف على إبطال الاحتمالين الآخرين; إذ الدليل على الوضع إنّما هو الفهم العرفيّ والعقلائيّ للوجوب من الأمر، وهذا إنّما يدلّ على الوضع لو لم يكن منشأ آخر لهذا الفهم من إطلاق أو عقل، فلنتكلّم في هذين الاحتمالين.

وأمّا الاحتمال الثاني: فخلاصة كلام المحقّق النائينيّ فيه: أنّ المولى حينما يتصدّى للطلب بمادّة الأمر أو صيغته أو غير ذلك: فتارةً يقترن هذا بصدور بيان على الترخيص في الخلاف متّصل أو منفصل، واُخرى لا ، ففي الأوّل لا يكون مثل هذا التصدّي للطلب المقرون بالترخيص في الخلاف موضوعاً لحكم العقل بوجوب الامتثال; إذ للعبد أن يأخذ بالرخصة. وفي الثاني يكون نفس التصدّي


(1) راجع أجود التقريرات، ج  1، ص  87 و95 ـ 96 بحسب الطبعة المشتملة على حاشية السيّد الخوئيّ ، وفوائد الاُصول، ج  1، ص  129 و135 ـ 137 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

(2) راجع المحاضرات، ج  2، ص  14 و131 ـ 132.

(3) راجع المقالات، ج  1، ص  208 و222 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ بقم.

  صفحه 19  

للطلب بلا إصدار ترخيص موضوعاً لحكم العقل بلزوم التحرّك من باب قانون العبوديّة والمولويّة، فيعنون هذا الأمر بعنوان الوجوب، فاللفظ لا يدلّ على الوجوب، وإنّما الوجوب شأن من شؤون حكم العقل المترتّب على طلب المولى(1).

إلاّ أنّ هذا الكلام غير صحيح، ومزيد التعمّق يعطي أنّ المحقّق النائينيّ ومن تبعه لو أرادوا المشي على هذا الوجه، فلابدّ لهم من منهج آخر في الفقه. وتوضيح الكلام في هذا المقام هو: أنّه يرد عليه:

أوّلاً: الحلّ; لوضوح: أنّه لو صدر من المولى طلب ولم يصدر منه ترخيص في المخالفة، ولكن علمنا واقعاً بعلم غير مستند إلى بيان المولى بأنّه تطيب نفسه بالترك ويرضى به; لأنّ ملاك الطلب غير شديد في نفس المولى مثلاً، فالعقل لا يحكم بلزوم الامتثال، إذن فما هو موضوع حكم العقل بوجوب الامتثال هو صدور طلب من المولى وأن لا يرضى واقعاً وفي نفسه بالترك; لشدّة الملاك وقوّة الإرادة في نفسه، وهذا مطلب يحتاج إلى كاشف لا محالة، ومجرّد صدور الطلب من دون أن نعرف شدّة ملاكه وعدم رضاه بالترك لا يكفي لإثبات الوجوب، إذن فلابدّ من افتراض دلالة لفظيّة للأمر على أنّ الطلب يكون على أساس ملاك شديد وعدم طيب نفس الآمر بالترك، وليس كما يقوله المحقّق النائينيّ من كفاية عدم صدور الترخيص; لكون موضوع حكم العقل بلزوم الامتثال هو الطلب مع عدم صدور الترخيص في الخلاف حتّى لا نحتاج إلى دلالة لفظيّة.

وثانياً: النقض بأنّ هذا المسلك له لوازم في الفقه لا يلتزم بها أصحاب هذا المسلك:


(1) راجع أجود التقريرات، ج  1، ص  95 ـ 56 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ ، وفوائد الاُصول، ج  1، ص  135 ـ 137.

  صفحه 20  

فمنها: رفع اليد عن دلالة الأمر على الوجوب إذا دلّ عموم عامّ على الترخيص، كما لو ورد « لا بأس بترك إكرام العالم » وورد « أكرم الفقيه »، فهم يقولون عادةً بالتخصيص; لتعارض الخاصّ مع العامّ، وتقدّمه عليه في مقام حلّ المعارضة، بينما على هذا المسلك لا تعارض بينهما أصلاً; لأنّ الخاصّ إنّما دلّ على الطلب، والعامّ دلّ على الترخيص في الترك، ولا منافاة بينهما، وبما أنّ الطلب المقترن بالترخيص في الترك ليس موضوعاً لحكم العقل بوجوب الامتثال فلايجب الامتثال في المقام، وهذا ممّا لا يلتزم به فقيه عادةً. نعم، لو قيل: إنّ موضوع حكم العقل بوجوب الامتثال هو الطلب مع عدم صدور ترخيص لو كان الأمر دالاًّ لفظاً على الوجوب، لما قدّم عليه، لم يرد هذا النقض، لكن هذا الكلام ـ  كما ترى  ـ تحكّم واضح.

ومنها: أنّه لو صدر طلب ولم يقترن بترخيص متّصل، ولكن احتملنا ورود ترخيص منفصل، فمن الواضح: أنّ الفقهاء عادةً يفتون بالوجوب. وهذا تفسيره على مسلكنا واضح; إذ الأمر دالّ على الوجوب، والظهور حجّة، فيؤخذ به ما لم يصل المعارض. وأمّا على هذا المسلك، فلا يثبت الوجوب; لأنّ الوجوب حكم عقليّ موضوعه هو أن يصدر الطلب ولا يصدر الترخيص، وهذا غير معلوم، بل يمكن الرجوع إلى الاُصول المؤمّنة كحديث الرفع حيث شككنا في تحقّق ما هو موضوع لوجوب الطاعة، وهو الطلب مع عدم الترخيص(1).


(1) أمّا إجراء استصحاب عدم صدور الترخيص، فلا يحلّ المشكل; وذلك لوضوح بناء الفقهاء بما فيهم المحقّق النائينيّ لدى صدور الأمر وعدم وصول الترخيص على الوجوب برغم احتمال صدور ترخيص لم يصل حتّى لو لم نكن نؤمن بحجّيّة

  صفحه 21  


الاستصحاب، أو لم يكن يجري الاستصحاب لتوارد الحالتين مثلاً، أو كنّا نؤمن بجريان استصحاب الترخيص الثابت في أوّل الشريعة في كلّ شيء مثلاً.

على أنّه لو كان هناك لازم لمنشأ حكم العقل بالوجوب يجعل ذلك في باب ورود الأمر من لوازم الأمارة، في حين أنّه بناءً على الحاجة لدى احتمال الترخيص إلى استصحاب عدم الترخيص يصبح من لوازم الأصل; لأنّ النتيجة تتبع أخسّ المقدّمات.

نعم، يحتمل أن يكون مقصود الشيخ النائينيّ : أنّ أمر المولى موضوع لحكم العقل بالوجوب لدى عدم وصول الترخيص من المولى، فمجرّد عدم وصول الترخيص كاف في ثبوت الوجوب، ولا يرد عليه هذا النقض، ولكن هذا يعني: أن يختلف الأمر الواحد في كونه وجوبيّاً أو استحبابيّاً بالنسبة لعبدين: أحدهما اطّلع على صدور الترخيص في الخلاف والآخر لم يطّلع عليه، بل بالنسبة لعبد واحد في زمانين لم يصله الترخيص في أحدهما ووصله الآخر، ولا أعرف: هل يلتزم صاحب هذا المبنى بهذه النتيجة، أو لا؟

ثُمّ إنّ البحث إلى هنا كان ردّاً لمدرسة الشيخ النائينيّ التي أنكرت وجود وجوب أو استحباب في الشريعة، وجعلتهما أمرين عقليّين، في حين أنّ المشهور يعتقدون: أنّ ذينك الأمرين العقليّين بابهما باب التنجيز، ويوجد من ورائهما حكم الشرع الوجوبيّ أو الاستحبابيّ.

ولكن الحديث لاينتهي إلى هذا الحدّ; وذلك لأنّ هناك سؤالاً يواجهه المشهور ولا يواجهه الشيخ النائينيّ ، ولابدّ من الجواب على هذا السؤال.

والسؤال الذي يواجهه المشهور هو: أنّهم مطالبون ببيان الفرق الثبوتيّ بين الوجوب والاستحباب المولويّين، أو الشرعيّين ما داموا آمنوا ـ  وعلى خلاف مسلك الشيخ النائينيّ   ـ بوجود وجوب واستحباب مولويّين. ولا يكفي مجرّد الفرق الإثباتيّ بينهما

  صفحه 22  


بدعوى: أنّ الأمر يدلّ على الوجوب وضعاً، أو إطلاقاً، وأنّ الترخيص يكون بالقرينة، فإنّنا يجب أن نعرف ما وراء هذا الإثبات من وجوب واستحباب والفرق بينهما; حتّى نبني في مرحلة الإثبات تارةً على الوجوب، واُخرى على الاستحباب.

وقد يفرّق بينهما بناءً على الإيمان في باب الأحكام بمرحلة بين مرحلة البيان والإثبات ومرحلة المبادئ من الحبّ والبغض، اسمها مرحلة الجعل والاعتبار، بأنّ المجعول والمعتبر في فرض الوجوب يختلف عنه في فرض الاستحباب بدخول عنصر الإلزام في الأوّل دون الثاني.

إلاّ أنّ هذا المقدار من الفرق لا يُروي الغليل; فإنّ روح الحكم عبارة عمّا وراء هذا الجعل والاعتبار، أو المجعول والمعتبر، فينتقل السؤال إلى أنّه: ما هو الفرق الكامن من وراء الجعل والاعتبار بين الوجوب والاستحباب والذي لولاه لما كان الفرق في صيغة المجعول أو المعتبر ذا  جدوىً، وأيّ قيمة للاعتبار لو لم يكشف عن حقيقة مّا؟!

قد يقال: إنّ الفارق الحقيقيّ في روح الحكم الذي يجعله تارةً وجوبيّاً، واُخرى استحبابيّاً، هو ما مضى عن اُستاذنا : من أنّ المولى يطيب نفساً بالترك أو لا. فإن كان يطيب نفساً بالترك، كان الأمر استحبابيّاً، وإلاّ كان وجوبيّاً.

ولكن السؤال هنا يصعد درجة، فيكون السؤال عن أنّه: كيف يعقل أن يكون شيء مّا مطلوباً للمولى، ومع هذا يطيب نفساً بتركه؟! أفليس طيب النفس الكامل بالترك لا يكون إلاّ لدى انتفاء الرغبة إلى الفعل تماماً؟!

وإذا قيل: إنّ طيب النفس بالترك أو اشمئزازها عن الترك أمر ذو درجات، فكلّما اشتدّت رغبة المولى في الفعل اشتدّ اشمئزازه من الترك، وكلّما خفّت الرغبة ضعف الاشمئزاز، وهذا ما قد نسمّيه بطيب النفس بالترك، قلنا:

  صفحه 23  


أوّلاً: هل يجوّز العقل إثارة اشمئزاز المولى لمجرّد ضآلة الاشمئزاز؟!

وثانياً: لابدّ من تعيين تلك الدرجة التي هي مرتبة الوجوب، والدرجة التي هي مرتبة الاستحباب، فيا ترى هل درجة السبعين مثلاً للاشمئزاز، أو عدم طيب النفس بالترك هي درجة الوجوب، ودرجة التسعة والستّين هي درجة الاستحباب، أم ماذا؟ أو تقولون: إنّ المقياس هو صدور الترخيص من الشارع في الترك؟ وهذا رجوع إلى مسلك الشيخ النائينيّ .

وقد يقال: إنّ الفارق الحقيقيّ في روح الحكم بين الوجوب والاستحباب هو ما مضى أيضاً عن اُستاذنا من شدّة الملاك وضعفه، سواءٌ قصد بالملاك الحبّ والبغض، أو المصلحة والمفسدة.

إلاّ أنّ هذا المقدار من البيان أيضاً لو لم يرجع إلى ما سيأتي إن شاء الله، وكان المقصود بشدّة الملاك وضعفه شدّته أو ضعفه ذاتاً، فهو غير كاف; وذلك لأنّنا نقول:

أوّلاً: هل يجوّز العقل مخالفة طلب المولى لمجرّد ضعف الملاك؟

وثانياً: لابدّ من تعيين درجة الشدّة والضعف، فهل درجة السبعين من شدّة الملاك هي درجة الوجوب مثلاً، ودرجة التسعة والستّين درجة الاستحباب، أم ماذا؟ أو تقولون: إنّ المقياس هو وصول ضعف الملاك إلى مستوىً يطيب المولى نفساً بالترك، فهذا هو مورد الاستحباب، ولو اشتدّ الملاك إلى مستوى عدم طيب النفس بالترك، فهذا هو مورد الوجوب؟ فهذا رجوع إلى مقياسيّة التعبير السابق الذي بحثناه، أو تقولون: إنّ المقياس هو صدور الترخيص من المولى وعدمه؟ فهذا رجوع إلى كلام الشيخ النائينيّ .

والحلّ: أن يقال: إنّ الحبّ والبغض في نفس المولى: تارةً يكون مصبّه ذات الفعل، واُخرى يكون مصبّه نفس كون المكلّف ملزماً ومقيّداً بالفعل أو الترك برسوم العبوديّة، أو

  صفحه 24  


كونه حرّاً لا حرج عليه في الفعل أو الترك عقلاً، فمثال حبّ مجرّد الإلزام الأوامر الامتحانيّة التي لا ملاك في متعلّقها، وإنّما الملاك عبارة عن نفس الامتحان الذي يتحقّق بكونه مُلزَماً حتّى يعرف: هل يعمل وفق ما تقتضيه مراسم العبوديّة، أو لا؟ ومثال حبّ حرّيّة العبد هو المستحبّات والمكروهات، فالمستحبّ مثلاً إنّما صار مستحبّاً لأنّ هناك مصلحة في فعله بلا مزاحم في الفعل أو بمزاحم مغلوب، وقد أولدت المصلحة بالنسبة لذات الفعل الحبّ في نفس المولى، ولكن كان هذا الحبّ مزاحَماً بحبّ المولى لكون عبده حرّاً غير مُلزَم، وهذان الحبّان يكونان على مصبّين لا على مصبّ واحد، فأحدهما حبّ للفعل، والآخر حبّ لعدم كون العبد مقيّداً بلحاظ رسوم العبوديّة بالفعل ومضطرّاً إليه، ولأن يكون شاعراً بالحرّيّة مثلاً، وغير حاسّ بالضغط المولويّ على نفسه في هذا الفعل، ومهما يشتدّ حبّ المولى لحرّيّة عبده لا يوجب ذلك ضعفاً في حبّه للفعل، ولكنّه قد يزاحمه في عدم إيجاب المولى للفعل; لأنّ إيجابه له يُخسّر المولى حرّيّة عبده، ويمكن أن يُجعل هذا شعبة من شعب مصلحة التسهيل، أو معنىً من معانيها. ونتيجة هذا التزاحم هي: أنّ المولى يبرز حبّه للفعل بالأمر به، أو بأيّ شكل آخر، ويبرز إرادته لكون العبد مختاراً وغير حاسّ بالضغط المولويّ تجاه الفعل، فإن فعل العبد ذاك الفعل برغم حرّيّته وعدم الإحساس بالإلزام، فقد تحقّق للمولى كلا هدفيه، أو كلا محبوبيه: الفعل مع حرّيّة العبد، وإن ترك العبد ذلك الفعل عملاً بحرّيّته، فقد حصل للمولى أحد المحبوبين، وهو حرّيّة العبد، وخسر المحبوب الآخر وهو الفعل.

والحبّ والبغض إن كان مصبّهما الفعل، فهما يتكاسران لا محالة; لأنّهما ضدّان لا يجتمعان في مصبّ واحد، فلدى غلبة المصلحة يبقى الحبّ وحده، ولدى غلبة المفسدة يبقى البغض وحده، ولدى تساويهما لا يبقى حبّ ولا بغض، ولكن حبّ الفعل

  صفحه 25  


وحبّ حرّيّة العبد لا يتكاسران في طرف الفعل; لأنّهما ليسا في مصبّ واحد، بل في مصبّين، فمهما اشتدّ حبّ المولى لحرّيّة العبد وعدم كونه ملزماً عقلاً بالفعل لا يوجب ذلك ضعف حبّ الفعل. نعم، حبّ الفعل بما أنّه ينتهي ـ  لا محالة  ـ إلى حبّ إلزام العبد بالفعل يقع التكاسر بينه وبين حبّ الحرّيّة، أو قل: بغض الإلزام في طرف كون العبد ملزماً عقلاً برسوم العبوديّة بالفعل، فقد يغلب حبُّ الفعل حبَّ المولى لحرّيّة عبده، ويكسره ويفنيه، وقد يكون ضعيفاً بالقياس إلى حبّه لحرّيّة عبده فلا يفنيه.

إذا عرفت ذلك، قلنا: إنّ ما يوجد ثبوتاً وراء جعل الإلزام واعتباره، أو وراء جعل الفعل على العهدة، أو ما شئت فعبّر عبارة عن حبّ المولى لكون العبد مقيّداً من ناحية رسوم العبوديّة بالفعل، سواء كان ذلك حبّاً لنفس التقيّد ابتداءً، أي: غير ناتج من حبّ المتعلّق وهو الفعل، وذلك كما في الأوامر الامتحانيّة، وكذلك في الأوامر التي كان الهدف منها مجرّد التعبّد، أو كان حبّاً ناتجاً من حبّ المتعلّق، وهو الفعل الذي طغى على حبّ الحرّيّة لو كان للمولى حبٌّ لحرّيّة عبده وعدم تقيّده.

ويحتمل أن يكون المقصود لاُستاذنا الشهيد من شدّة الملاك وضعفه شدّته وضعفه النسبيّان، أي: بالقياس إلى مصلحة حرّيّة العبد، أو حبّ المولى لعدم تقيّد عبده، أو عدم إحساسه بضغط المسؤوليّة، وكذلك يحتمل أن يكون مقصوده بطيب نفس المولى بالترك غلبة حبّه لحرّيّة العبد على حبّ الفعل الذي كان يوجب الإلزام.

  صفحه 26  


الوجوب والاستحباب والحرمة والكراهة العقليّة:

بقي شيء في المقام خارج عن حريم البحث الاُصوليّ، وهو: أنّ الوجوب والاستحباب، وكذلك الحرمة والكراهة كما يوجدان في حقل الشريعة كذلك يوجدان في حقل العقل العمليّ، أو الفضائل والرذائل العقليّة، فربّ شيء يكون حسناً عقلاً ولكن لا يجب في منظار العقل فعله، كالعفو الذي هو حسن عقلاً ولكنّه ليس واجباً، وإلاّ لما كان القصاص حقّاً. والتفسير الذي حقّقناه للفصل بين الوجوب والاستحباب في حقل الشريعة لا يأتي في حقل الفضائل والرذائل العقليّتين; إذ لا يوجد هنا ـ  ما دمنا مقتصرين في حقل العقل  ـ مولىً آمر وراء أنفسنا يطلب منّا شيئاً، ولكن قد يرغب في نفس الوقت في مرخوصيّتنا وحرّيّتنا، فلابدّ لنا من تفسير آخر للفرق بين الوجوب والاستحباب في حقل الأحكام العقليّة بعد فرض البناء على مبنى واقعيّة الحسن والقبح العقليّين.

فهل نعود إلى التفسير باختلاف الدرجة ونقول: إنّ الحَسَن الشديد الحُسن هو الواجب، والقبيح الشديد القبح هو الحرام، وما بينهما متوسّطات، والوسط الحقيقيّ بينهما يكون مباحاً عقلاً، لايعدّ فضيلة ولا رذيلة، فكأنّ لدينا سُلّماً واحداً وقع في الدرج الأسفل النهائيّ منه أشدّ الرذائل المحرّمة، وفي الدرج الأعلى النهائيّ منه أشدّ الفضائل الواجبة، وبينهما متوسّطات يخفّ قبحها أو حُسنها بمقدار بُعدها عن أحد القطبين، ويكون الوسط الحقيقيّ في هذا السلّم هو رفّ المباحات؟!

إنّ هذا التفسير يشتمل على بعض المفارقات من قبيل:

1 ـ إنّنا لا نمتلك حدّاً مشخّصاً لفصل الواجبات عن المستحبّات. فيا تُرى هل يفترض

  صفحه 27  


أنّ الحسن البالغ مرتبة السبعين هو الواجب، وما نقص عنه ولو مرتبة واحدة هو المستحبّ مثلاً، أم ماذا؟

2 ـ إنّ لازم ذلك أن يصحّ القول بأنّ كلّ ما هو حسن فنقيضه قبيح; لأنّ الفعل ونقيضه ككفّتي الميزان، وبقدر ما يصعد أحدهما ينزل الآخر، فبقدر ما يقترب الحسن إلى ذروة السلّم يقترب نقيضه إلى أسفله، في حين أنّ هذا خلاف الوجدان، فإنّنا نرى بوجداننا أنّ العفو حَسن وفي مرتبة عالية من الحسن، ولكن القصاص ليس قبيحاً، وكيف يكون قبيحاً وهو حقّ؟! والحقّانيّة لا تجتمع مع القبح.

3 ـ إنّه لو وقع التزاحم بين قبيح في أقلّ مراتب الحرمة وحَسَن غير بالغ مرتبة الوجوب، لزم أن يجوز ارتكاب ذاك القبيح، وتنتفي حرمته; وذلك لأنّه سيتنزّل عن قبحه ولو جزئيّاً بالمزاحمة مع الحَسَن، وبهذا التنزّل يخرج عن حريم الحرمة; لأنّنا كنّا قد فرضناه في المراتب الدنيا من الحرمة، مثال ذلك ما لو كان كشف سرّ مختصر عن أمر له ألف طرف يؤدّي إلى الإضرار بواحد منهم إضراراً خفيفاً، وفي نفس الوقت يؤدّي إلى نفع تسعماءة وتسعة وتسعين نسمة نفعاً كبيراً، فكانوا راضين بكشف السرّ، ولم يكن تحقيق هذا النفع واجباً علينا، فيا تُرى هل يصبح كشف السرّ هذا جائزاً عقلاً، ولا نكون مُلزَمين أمام ذاك الواحد لأجل أنّه استلزم نفع كثير من الناس ممّا لم يكن واجباً؟ كلاّ، إنّ ضميرنا لا يدلّ على ذلك، ولو كان ضرب يتيم ضربةً مختصرة لا يبكي عليها إلاّ دقائق موجباً لنفع آخرين نفعاً هائلاً في غير ما يكون واصلاً حدّ الوجوب كإنجاء النفس من الهلكة مثلاً، فهل يجوز ظلم هذا اليتيم بأقلّ ظلم في سبيل إدخال نفع هائل في جيب آخرين والذي لولا استيجابه لظلم اليتيم، لكان من أفضل الأعمال غير الواجبة؟ كلاّ.

وعليه فلننتقل إلى تفسير ثان للوجوب والاستحباب، أو للحرمة والكراهة في باب

  صفحه 28  


الفضائل والرذائل العقليّتين، وهو: أن نفترض للفضائل والرذائل سلّمين متبائنين بدلاً عمّا مضى من افتراض سلّم واحد لها جميعاً، فهناك سلّم للفضائل وهي ما يكون فعلها حسناً، وسلّم آخر للرذائل وهي ما يكون فعلها قبيحاً، وهما سلّمان متوازيان لا يلتقيان ولا يستلزم حسن الشيء قبح نقيضه وبالعكس، ونفترض الفرق بين الوجوب والاستحباب فرق درجة، وكذلك الفرق بين الحرمة والكراهة.

وهذا التفسير أيضاً باطل; لأنّه لا يخلو عن بعض المفارقات من قبيل:

1 ـ لم يتّضح لنا ما هو الحدّ الدقيق بين الوجوب والاستحباب والمفروض: أنّ الواجبات والمستحبّات في سلّم واحد، والفرق بينهما فرق درجة، وكذلك لم يتّضح لنا ما هو الحدّ الدقيق بين الحرمة والكراهة والمفروض: أنّ المحرّمات والمكروهات في سلّم واحد والفرق بينهما فرق درجة، ولا أظنّ إمكان الوصول إلى حدّ مائز إلاّ بالاعتباط.

2 ـ يلزم من ذلك عدم استبطان الوجوب لعنصر الإلزام; لأنّ الإلزام مساوق للذمّ على الترك، والذمّ على الترك مساوق لقبح الترك وقد فرضنا عدم استلزام الحُسن قبح النقيض وبالعكس، ولا معنىً لفرض مساوقة شدّة الحسن لقبح النقيض; فإنّ الحسن الشديد لو ساوق قبح النقيض شديداً، لكان الحسن الخفيف أيضاً مساوقاً لقبح النقيض، ولكن بدرجة أخفّ، وهذا رجوع إلى التصوير الأوّل الذي كان السلّم فيه واحداً، أي: كان الحسن والقبح فيه عبارة عن نسبة كلّ من الفعل والترك إلى نقيضه في درجة الرجحان.

وعليه فينحصر الأمر في التفسير الثالث، وهو أن يقال: إنّ للحسن والقبح سلّمين: سلّم للحسن وسلّم للقبح، ويكون سلّم الحسن هو سلّم المستحبّات والمكروهات، أي: أنّ كلّ حسن مستحبّ ونقيضه مكروه، وسلّم القبح هو سلّم الواجبات والمحرّمات، أي: أنّ كلّ قبيح حرام ونقيضه واجب.

  صفحه 29  


وبكلمة اُخرى: إنّ الحسن مهما بلغ ذروته لا يستبطن الإلزام، وإنّما الإلزام عنصر مستبطن في القبح، فإنّ الإلزام عبارة اُخرى عن استحقاق الذمّ على المخالفة، وهو عبارة اُخرى عن قبح المخالفة، إذن فالفرق بين الواجب والمستحبّ في منطق العقل العمليّ عبارة عن أنّ المستحبّ ما لا يحكم العقل العمليّ بقبح تركه وإن حكم بحسن فعله، وعنصر الحسن غير عنصر قبح الترك، ومهما صعد الحسن في سلّمه لايعني قبح الترك، فالمستحبّ ما يكون حسناً وليس تركه قبيحاً كالعفو، والواجب ما يكون تركه قبيحاً سواء كان فعله حسناً بحسن آخر أو كان حسن فعله عبارة اُخرى عمّا فيه من الاحتراز عن القبيح، وأيضاً نقول: المكروه العقليّ ما يكون تركه حسناً من دون أن يكون فعله قبيحاً، وذلك من قبيل القصاص في مورد يحسن العفو، والحرام العقليّ ما يكون فعله قبيحاً سواء كان تركه حسناً بحسن آخر أو كان حسن تركه عبارة اُخرى عمّا فيه من الاحتراز عن القبيح، ومثال ذلك إيذاء شخص بلا سبب، فإنّه قبيح وحرام عقلاً، وتركه لا حسن فيه إلاّ بمعنى مجانبة القبح; ولذا ترى أنّ فاعل الإيذاء يستحقّ الذمّ والتقاصّ من قبل الشخص المؤذى، ولكن تارك الإيذاء لا يستحقّ شكراً من قبل الشخص الذي لم يؤذه.

والآن نعود مرّةً اُخرى إلى حديثنا عن الوجوب والاستحباب الشرعيّين; لنفتح قوساً آخر لكلام خارج عن حريم علم الاُصول:

ملاك الانبعاث عن التكليف في النظر العرفانيّ:

قد عرفنا ممّا سبق أنّ المقياس الثبوتيّ للوجوب الشرعيّ هو إرادة المولى سبحانه وتعالى أن نكون مقيّدين ومتعبّدين:

               چرا پاى كوبم چرا دست يازم   ***   مرا خواجه بى دست وپا مى پسندد

  صفحه 30  


لا حبّ الفعل ولا المصلحة الكامنة في الفعل. نعم، الحبّ والمصلحة في الفعل قد يتطلّبان من المولى أن يريدنا متقيّدين ومكبّلين ومتعبّدين خشية فوات المتعلّق; لأنّ انبعاث العباد من إرادته سبحانه للتقيّد وعدم الحرّيّة أكثر بكثير من انبعاثهم من مجرّد حبّه تعالى للمتعلّق; وذلك: إمّا بسبب قبح مخالفة الأوّل دون الثاني، وهذا هو توجيه مخالفة أهل العرفان للثاني أحياناً دون الأوّل، وإمّا بسبب أنّ الذي تكون في مخالفته العقاب هو الأوّل دون الثاني، وهذا هو توجيه مخالفة أهل العدالة للثاني أحياناً دون الأوّل.

والذي يناسب مقام أهل العرفان الحقيقيّ هو كفاية حبّه تعالى للمتعلّق للانبعاث إليه، وكذلك كفاية بغضه تعالى للمتعلّق للانزجار منه حتّى فيما إذا اقتضت الرغبة الملحّة للربّ تعالى حرّيّة العبد، وعدم تقيّده وإلزامه; والوجه في أنّ هذا هو المناسب لأهل العرفان أحد تعبيرين: إمّا لأنّ العارف بالله لايحبّ إلاّ ما يحبّه الله، ولا يبغض إلاّ ما يبغضه الله، فلا رغبة له أصلاً في ترك المستحبّ أو فعل المكروه. وإمّا (1) لأنّه لو أخذ بالرخصة وترك المستحبّ، أو فعل المكروه، فقد تحقّق أحد الأمرين المحبوبين لله، وهو حرّيّته، ولو عمل بالمستحبّ وترك المكروه فقد تحقّق كلا المحبوبين لله، وهما: حرّيّته وملاك المتعلّق; لأنّه إنّما أتى بالمحبوب بمحض حرّيّته، لا بكونه مقيّداً مكبوتاً.

وبكلمة اُخرى: إنّ حبّ المولى لرخصة العبد وحرّيّته له معنيان:

أحدهما: حبّه لكونه في سعة عمليّة من المتعلّق، أيّ: أن يصل إلى ما يشتهيه نفسيّاً من فعل أو ترك، وهذا خارج عن بحثنا، ومرتبط بالمباحات التي لم تكن فلسفة إباحتها مجرّد عدم وجود ملاك للإلزام، بل كانت هناك مصلحة في التسهيل العمليّ للمكلّف بأن يصل


(1) والتعبير الأوّل أولى عرفانيّاً من الثاني.

  صفحه 31  


إلى ما يشتهيه، وليكن هذا معنىً آخر أو شعبة اُخرى لمصلحة التسهيل، وإلى هذا ينظر بعض الأدلّة الدالّة على ذمّ الالتزام بترك بعض المباحات كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ(1)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ القِيَامَة (2)، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(3)، والتعبير الوارد في بعض الروايات: «إنّ الله يغضب على من لا يقبل رخصه»(4)، وفي بعضها الآخر: «لأنّ الله عزّ وجلّ يحبّ أن يؤخذ برخصه كما يؤخذ بعزائمه»(5).

وثانيهما: حبّه لمجرّد أن لا يكون العبد مُلزماً، أو أن لا يكون شاعراً بالإلزام، ويا حبّذا أن يفعل الفعل المحبوب لله بمحض اختياره ومن دون إلزام، وهذا هو المعنى الذي كان مقصوداً في بحثنا، وهذا طبعاً يلازم تقيّد العارف بالله بفعل المستحبّات وترك المكروهات، إلاّ بمقدار ما يقع فيما بينها من التزاحم بلحاظ ضيق في قدرة العبد.

وممّا يبعث بالاستغراب: أنّ النصّ الذي يكون صحيحاً سنداً من نصوص: «أن الله يحبّ أن يؤخذ برخصه كما يؤخذ بعزائمه» ظاهره الأوّليّ وروده في مورد المكروهات،


(1) سورة المائدة، الآية: 87.

(2) سورة الأعراف، الآية: 32.

(3) سورة التحريم، الآية: 1.

(4) البحار، ج 80، ص 335، آخر الحديث 6.

(5) البحار، ج 93، ص 5.

  صفحه 32  


فقد روى في الكافي(1) عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اُذينة، عن فضيل بن يسار قال: «سمعت أبا عبدالله يقول لبعض أصحاب قيس الماصر... وعاف رسول الله ، أشياء وكرهها ولم ينه عنها نهي حرام، إنّما نهى عنها نهي إعافة وكراهة، ثُمّ رخّص فيها، فصار الأخذ برخصه واجباً على العباد كوجوب ما يأخذون بنهيه وعزائمه...».

وهذه الرواية لو أبقينا أصل ظهورها في النظر إلى المكروهات على حاله، لابدّ أن يحمل ما فيها من ضرورة الأخذ بالترخيص: إمّا على الأخذ التشريعيّ، أي: أنّ العبد يجب أن يتعبّد بالترخيص كما يتعبّد بوجوب الواجبات وحرمة المحرّمات وإن كان يتركه ترك إعافة وكراهة، وإمّا على ما نريد أن نشير إليه الآن من ضرورة التدرّج في تربية النفس، وعدم تحميل النفس ما لا تتحمّله من كثرة العبادات المستحبّة، وزجرها عن كلّ المكروهات ممّا قد يؤدّي إلى بغض النفس للعبادة، أو للالتزام بامتثال الأوامر الاستحبابيّة والنواهي التكليفيّة.

وهناك روايات عديدة في ضرورة التدرّج مع النفس في تحميلها العبادات المستحبّة من قبيل:

1 ـ ما ورد عن الصادق عن رسول الله أنّه قال لعليّ : «يا عليّ، إنّ هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربّك، إنّ المنبتّ ـ  يعني المفرط  ـ لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع، فاعمل عمل من يرجو أن يموت هرماً، واحذر حذر من يتخوّف أن يموت غداً»(2).


(1) اُصول الكافي، ج 1، ص 266 ـ  267.

(2) الوسائل، ج 1، ب 26 من مقدّمة العبادات، ح 7، ص 110 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.

  صفحه 33  


2 ـ وعن أحدهما قال النبيّ : «إنّ للقلوب إقبالاً وإدباراً، فإذا أقبلت فتنفّلوا، وإذا أدبرت فعليكم بالفريضة»(1).

3 ـ وعن مولانا أمير المؤمنين : «إنّ للقلوب إقبالاً وإدباراً، فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل، وإذا أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض»(2). وكأنّ هذا أيضاً يعود إلى فكرة حبّ المولى لكون عبده في سعة بالمعنى الأوّل من المعنيين اللذين شرحناهما.

وبهذه المناسبة، أعني: بمناسبة ما أشرنا إليه: من أنّ المناسب لحال أهل العرفان هو كفاية حبّ المولى تعالى للمتعلّق لانبعاثه إليه لا بأس بالإشارة إلى أنّ المطيعين يمكن تقسيمهم بشكل رئيس من ناحية ما يدفعهم إلى الطاعة إلى ثلاث درجات.

تقسيم المطيعين من ناحية الباعث إلى الطاعة:
ولتوضيح ذلك نقدّم مقدّمة عن أصل الباعث النفسيّ الذي يبعث بالإنسان إلى العمل.

فقد ذكر اُستاذنا الشهيد في مقدّمة كتاب فلسفتنا(3) ما حاصله: أنّ المحرّك الرئيس للإنسان في كلّ نشاطاته هو حبّ الذات، فهو الواقع الطبيعيّ الذي يكمن وراء حياة الإنسانيّة كلّها، ويوجّهها بأصابعه والذي نعبّر عنه بحبّ اللذّة وبغض الألم، ولا يمكن تكليف الإنسان أن يتحمّل مختاراً مرارة الألم دون شيء من اللذّة في سبيل أن يلتذّ الآخرون وينعّموا، إلاّ إذا سلبت منه إنسانيّته واُعطي طبيعة جديدة لا تتعشّق اللذّة


(1) الوسائل، ج 4، ب 100 من أعداد الفرائض، ح 8، ص 69 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.

(2) نهج البلاغة، الحكمة رقم 304، ص 1225، بحسب طبعة فيض الإسلام.

(3) راجع فلسفتنا، ص 35 ـ 50 وفق طبعة مطبعة كرم في بيروت.

  صفحه 34  


ولا تكره الألم، وحتّى الألوان الرائعة من الإيثار التي نشاهدها في الإنسان ونسمع بها عن تأريخه تخضع ـ  في الحقيقة  ـ أيضاً لتلك القوّة المحرّكة الرئيسة: (غريزة حبّ الذات) فالإنسان قد يؤثر ولده أو صديقه على نفسه، وقد يضحّي في سبيل بعض المثل والقيم، ولكنّه لن يقدم على شيء من هذه البطولات ما لم يحسّ فيها بلذّة خاصّة ومنفعة تفوق الخسارة التي تنجم عن إيثاره لولده وصديقه، أو تضحيته في سبيل مثل من المُثُل التي يؤمن بها، وهكذا يمكننا أن نفسّر سلوك الإنسان بصورة عامّة في مجالات الأنانيّة والإيثار على حدّ سواء، ففي الإنسان استعدادات كثيرة للالتذاذ بأشياء متنوّعة: مادّيّة كالالتذاذ بالطعام والشراب وألوان المتع الجنسيّة وما إليها، أو معنويّة كالالتذاذ الخلقيّ والعاطفيّ بقيم خلقيّة، أو أليف روحيّ، أو عقيدة معيّنة حين يجد الإنسان تلك القيم، أو ذلك الأليف، أو هذه العقيدة جزءاً من كيانه الخاصّ.

وهذه الاستعدادات التي تهيّء الإنسان للالتذاذ بتلك المتع المتنوّعة تختلف في درجاتها عند الأشخاص، وتتفاوت في مدى فعليّتها باختلاف ظروف الإنسان وعوامل الطبيعة والتربية التي تؤثّر فيه، فبينما نجد أنّ بعض تلك الاستعدادات تنضج عند الإنسان بصورة طبيعيّة كاستعداده للالتذاذ الجنسيّ مثلاً نجد أنّ ألواناً اُخرى منها قد لا تظهر في حياة الإنسان، وتظلّ تنتظر عوامل التربية التي تساعد على نضجها وتفتّحها. وغريزة حبّ الذات من وراء هذه الاستعدادات جميعاً تحدد سلوك الإنسان وفقاً لمدى نضج تلك الاستعدادات، فهي تدفع إنساناً إلى الاستئثار بطعام على آخر وهو جائع، وهي بنفسها تدفع إنساناً آخر لإيثار الغير بالطعام على نفسه; لأنّ استعداد الإنسان الأوّل للالتذاذ بالقيم الخلقيّة والعاطفيّة الذي يدفعه إلى الإيثار كان كامناً، ولم تتح له عوامل التربية المساعدة على تركيزه وتنميته، بينما ظفر الآخر بهذا اللون من التربية، فأصبح يلتذّ بالقيم

  صفحه 35  


الخلقيّة والعاطفيّة، ويضحّي بسائر لذّاتها في سبيلها.

إذن فكلّ الويلات المنتشرة في العالم قامت على أساس مجموع أمرين:

الأوّل: هو حبّ الذات الكامن في نفس الإنسانيّة، أو قل: تعشّق اللذّة وكره الألم.

والثاني: انحصار المصالح التي تحقّق اللذّة وتعالج الألم في مصالح مادّيّة دنيويّة ضيّقة يقع التكالب عليها بين الناس، والتزاحم والمنافسات، فتحصل ما تحصل من المصائب والمحن والظلم والرزايا التي يضجّ بها العالم اليوم.

وتدّعي الشيوعيّة: أنّها ستعالج ذلك عن طريق القضاء على الأمر الأوّل، وهو حبّ الذات، فيصبح الفرد عندئذ متعشّقاً للمجتمع لا لنفسه.

إلاّ أنّ هذا الحلّ حلّ طوبائيّ بحت; لأنّ حبّ الذات ذاتيّ للإنسان، ولا معنى لانتزاعه عنه إلاّ بانتزاع ذاتيّته وتبديلها إلى شيء آخر غير الإنسان.

ويقول الإسلام: إنّ علاج المشكل يجب أن يكون بمعالجة الأمر الثاني، وذلك بتوسيع نطاق المصالح في دائرة عريضة لا يؤدّي التسابق فيها إلى التزاحم والتعارض والتكالب، فيحصل كلّ فرد على مصالحه وملاذّه بقدر ما اُوتي له من قوّة من دون أن ينقص من الآخر شيء.

وبالفعل هذا هو الذي فعله الإسلام بتوسيعه لدائرة المصالح من بُعدين:

أحدهما: بيان: أنّ مصالح الفرد ليست محصورة في دائرة المصالح المادّيّة الدنيويّة الضيّقة، بل له جنّة عرضها السماوات والأرض اُعدّت للمتّقين.

والثاني: تربية الجانب الخُلقيّ النبيل في الإنسان، وتنمية قابليّاته الأخلاقيّة الكامنة في نفسه: من صفات الإيثار والعطف والرحمة والوفاء والصدق وما إلى ذلك، وتتصادق كلتا المصلحتين: الاُخرويّة والخُلقيّة في تحصيل رضا الله سبحانه وتعالى.

  صفحه 36  


وهذا هو الاُسلوب المعقول القابل للتطبيق، فإذا أصبح المجتمع لا يعرف إلاّ رضا الله سبحانه وتعالى والذي يكون كفيلاً له بكلتا اللذّتين، وجامعاً له المصلحتين، تنتهي كلّ ألوان الظلم والتعسّف والويلات والدركات، ويسود العالم العدل والرفاه والخيرات والبركات.

أقول: قد تقول: لم يبقَ إذن فرق في القيمة المعنويّة والخلقيّة بين عمل الظالم الجائر الخسيس اللئيم، وعمل الإنسان الشهم النبيل الشريف ما داما جميعاً يتحرّكان من وراء اللذّة وحبّ الذات.

ولكن الجواب إلى هذا الحدّ واضح، فإنّ الفرق في القيمة بينهما يبقى في أنّ الرذل والخسيس هو الذي يلتذّ بالرذائل والخسائس والسفاسف، والشريف وطيّب النفس هو الذي يلتذّ بالفضائل والحسنات وصفات الإيثار والنُبل، والفرق بين العملين أو الوصفين أو الشخصين يبقى كالفرق بين الأرض والسماء، فهما شريكان في أصل الالتذاذ واندفاع كلّ منهما وراء ما يلتذّ به، ولكنّهما يختلفان اختلافاً عظيماً يصعب تصوّر مداه فيما يلتذان به ويقصدانه، وأقصى ما يمكن أن يتوقّع من المجتمع العامّ في الاهتمام بتحصيل رضا الله هو الوصول إلى هذا المستوى الذي لو كان هناك أمل في وصول الجميع، أو الأكثريّة القاطعة إليه، فإنّما هو بلحاظ زمان حضور المعصوم وعمله المباشر في تربية البشريّة.

ولكن هذا كلّه لا يمنع عن بيان: أنّ الخاصّة من العارفين بالله يكون طريق التعالي لهم مفتوحاً بما هو أكثر من ذلك.

ولتوضيح ذلك نبدأ بالحوار الذي جرى بيني وبين اُستاذي الشهيد ـ  رضوان الله عليه  ـ حول ما مضى نقله عن مقدّمة فلسفتنا، حيث قلت له : إنّ هذا البيان يقلّل من قيمة البطولات الإسلاميّة والتضحيات، والالتزام بالمُثُل وبالفضائل; وذلك لأنّها ـ  حسب

  صفحه 37  


الفرض  ـ تنشأ من نفس المنشأ الذي تنشأ منه الرذائل وشتّى ألوان الظلم والخيانات والإجرامات، وهو حبّ الذات واللذّة، وكُره الألم (صحيح: أنّه لا يقاس بين من يلتذّ بالفضائل ومن يلتذّ بالرذائل، ولا بين اتّصاف الشخص بهذه أو بتلك، أو بين إتيانه بهذه لداعي الالتذاذ بها أو بتلك لداعي الالتذاذ بها) ولكن مع ذلك نرى ـ  على أيّ حال  ـ أنّ هذا إسقاط للقيم العالية والمُثُل العليا التي تصدر بروح الفداء والتضحية والنُبل والشهامة عن درجة كنّا نفترضها ونتصوّرها; إذ تبيّن: أنّها ـ  على أيّة حال  ـ تنشأ من دافع حبّ الذات والأنا والالتذاذ.

فأجاب ـ رضوان الله عليه ـ على ذلك بأنّ مقصودنا ممّا قلناه: من أنّ اللذّة والألم هما اللذان يدفعان الإنسان النبيل إلى النبل والفضيلة كما يدفعان الإنسان اللئيم إلى اللؤم والرذيلة ليس هو كون تلك اللذّة أو اندفاع الألم هما العلّتين الغائيّتين للفعل، وإنّما قصدنا كونهما العلّتين الفاعليّتين، فالذي يضحّي في سبيل مَثَل، أو مبدأ، أو في سبيل محبوب له كولد له، أو صديق، أو الله سبحانه وتعالى، فهو لا يفعل ما يفعل لغاية التذاذه هو، أو ارتياحه من الألم النفسيّ، بل يفعل ذلك لأجل ذاك المثل أو المبدأ أو المحبوب; لأنّه يعشق ذلك، ولكن هذا العشق أو الحبّ قد جعل في الفعل لذّة أو في الترك ألماً، والإنسان خُلق بنحو لولا هذه اللذّة أو ذاك الألم، لما اندفع نحو ما يندفع، فهذه اللذّة أو ذاك الألم هو الذي يؤثّر فاعليّاً في اندفاعه نحو محبوبه أو في فراره عن مبغوضه، إذن ففرقٌ بين الغاية التي يندفع باتّجاهها وهي ما يحبّه ويريده، وبين الدافع الذي يدفعه بذاك الاتّجاه دفعاً فاعليّاً، وهو اللذّة الكامنة في الفعل، والقيمة الخُلقيّة تنشأ من شرافة الغاية وسموّ الهدف.

أقول: إنّ حصر العلّة في اللذّة والألم غير صحيح، سواء كان الملحوظ هي العلّة الغائيّة أو العلّة الفاعليّة:

  صفحه 38  


أمّا لو كان الملحوظ هي العلّة الغائيّة، فإنّنا نستطيع توضيح بطلان ذلك بإلفات النظر إلى مقدّمتين:

الاُولى: أنّ اللذّة والألم غير الحبّ والبغض كما هو واضح، فإنّ الحبّ والبغض يتحقّقان قبل تحقّق المحبوب والمبغوض، واللذّة والألم يتحقّقان بتحقّقهما ولو في علم الشخص، أي: بالوجود العلميّ والذهنيّ لتحقّقهما، سواءٌ طابق الواقع أو لا ، فهما ليسا وليدي الحبّ والبغض، بل هما وليدا العواطف المرافقة للحبّ والبغض، لا وليدا نفس الحبّ والبغض; ولذا قد ترى نادراً التفكيك بينهما كمن ينتزع قرطي بنت الحسين ويبكي، فهذا لديه عاطفة أوجبت ألمه وبكاءه، لكنّه كان انتزاع القرط لديه بعد التكاسر بين مجموع المصالح والمفاسد في نظره محبوباً، فالعاطفة التي أوجبت بكاءه انفصل مسيرها صدفة عن مسير الحبّ الذي تعلّق بعد تكاسر المصالح والمفاسد بالفعل.

والثانية: أنّ كون الشيء غاية للإنسان عبارة اُخرى عن مطلوبيّته له ومحبوبيّته، وتعلّق شوقه المؤكّد به، إذن فالعلّة الغائيّة ليست هي تحقّق اللذّة واندفاع الألم، بل هي متعلّق الحبّ الذي هو أقدم من اللذّة، أو نقيض متعلّق البغض الذي هو أقدم من الألم.

ويشهد لما قلناه أنّنا نحسّ في وجداننا وضميرنا بأنّ من أحسن إلى شخص استحقّ شكراً من قبل ذاك الشخص أكثر ممّا قد يشكر الإنسان شخصاً أحبّ أن يُحسن إليه فعجز عن ذلك، فهذا الشكر إن كان في مقابل اتّصاف هذا الشخص بصفة الفضيلة وهي حبّه للإحسان إلى الضعيف مثلاً، فهما سيّان في هذا الاتّصاف، وإنّما ترك من ترك منهما الإحسان إلى هذا الشخص بسبب العجز، فيبقى الفارق بين الشكرين بلا مقابل، إذن فهذه الزيادة تكون في مقابل فعل الإنسان، ولو كانت الغاية له من هذا الفعل التذاذ نفسه دون ارتياح الشخص الضعيف، لما استحقّ هذه الزيادة من الشكر.

  صفحه 39  


نعم، لا ننكر أنّ نفس اللذّة والألم أيضاً قد يكون محبوباً أو مبغوضاً، فيريد الشخص الاُولى ويهرب من الثانية، أي: أنّ اللذّة والهرب من الألم أيضاً يدخلان في غايته من دون أن يولّد ذلك لذّة غير تلك اللذّة، أو ألماً غير ذاك الألم، وإلاّ لتسلسل.

وقد تلخّص: أنّ الغاية دائماً هي المحبوب أو نفي المبغوض، لا اللذّة ونفي الألم وإن كانا هما أيضاً قد يتعلّق بهما الحبّ والبغض، فيدخلان في الغاية بهذا الاعتبار.

وأمّا لو كان الملحوظ هي العلّة الفاعليّة، قلنا: إنّ كون اللذّة والألم هما العلّة الفاعليّة للتحرّك نحو الفعل أو نحو الفرار لا يتصوّر إلاّ بأحد معان ثلاثة:

إمّا بمعنى كونهما دافعين للإنسان من دون اختياره، فمن يلتذّ بشيء يتحرّك نحوه بلا اختيار، ومن يتأ لّم من شيء يندفع نحو الفرار منه من دون اختيار.

وإمّا بمعنى دخلهما في القدرة مع فرض حفظ الاختيار بعد تحقّق القدرة، فاللذّة الموجودة في الشيء تخلق في الإنسان القدرة على الاندفاع إليه، فيندفع إليه باختياره، والألم الموجود في الشيء يخلق في الإنسان القدرة على التحرّك نحو الهرب منه، فيهرب منه اختياراً، ولولا اللذّة والألم، لما كان الإنسان قادراً على التحرّك نحو المحبوب، أو باتّجاه الفرار من المبغوض.

وسواء قلنا: إنّ اللذّة والألم دافعان قهريّان، أو قلنا: إنّهما يؤثّران في القدرة على الاندفاع لا ينافي ذلك أن تكون الغاية هي ما يندفع إليه من المحبوب أو نفي المبغوض، لا نفس اللذّة أو نفي الألم وحده.

وإمّا بمعنى كون اللذّة والألم دخيلين في تحقّق الإرادة برغم فرض انحفاظ القدرة والاختيار بغضّ النظر عنهما.

وكلّ هذه الفروض باطلة:

  صفحه 40  


أمّا الفرض الأوّل، وهو فرض الاندفاع وراء اللذائذ والفرار من الآلام قهراً، فهذا يساوق الجبر وإنكار الاختيار، وهذا خلف موضوع علم الأخلاق بعد فرض كون الحسن والقبح أمرين واقعيّين مدركين بالعقل، لا أمرين اعتباريّين مجعولين من قبل العقلاء أو الشريعة، وقد كان هذا هو فرض بحثنا في المقام، فنحن وإن كنّا لا نمانع عن كون بعض القضايا الأخلاقيّة اجتماعيّة أو شرعيّة، لكن لو لم نؤمن بقضايا أخلاقيّة واقعيّة وبالحسن والقبح الذاتيّين والعقليّين، لم يبقَ موضوع لبحثنا هذا.

وأمّا الفرض الثاني، وهو دخل اللذّة والألم في القدرة، فهذا يعني: أن لا يقدر الإنسان إلاّ على الفعل الذي يلتذّ منه وترك ذلك الفعل يكون مبغوضاً له، فبغضه إنّما أولد له القدرة على الفرار منه، ومن المعلوم أنّ فرض تعلّق القدرة بأحد النقيضين دون الآخر هو عين الجبر تماماً، فإنّ القدرة لابدّ أن تتعلّق بطرفي النقيض سواء بسواء.

وأمّا الفرض الثالث، وهو عدم تحقّق الإرادة نحو الشيء إلاّ بفرض الالتذاذ به أو التأ لّم من فقده برغم انحفاظ اختياره وقدرته لولا اللذّة والألم، وبرغم فرض حبّه أو بغضه للمتعلّق في المرتبة السابقة على اللذّة والألم، فهذا أيضاً أمر غير معقول، سواء فسّرنا الإرادة بمعنى الشوق الأكيد كما هو المعروف، أو فسّرناها بما يشابه أن يقال بأمر وسط بين الشوق الأكيد والفعل، وهو حملة النفس، بدعوى: أنّها هي مركز القدرة والسلطنة:

أمّا على الأوّل، فلوضوح: أنّ الشوق الأكيد هو الحبّ الأكيد الذي هو في الرتبة السابقة على اللذّة.

وأمّا على الثاني، فلوضوح: أنّ توقّف حملة النفس على اللذّة والألم مع انحفاظ كامل القدرة والاختيار في المرتبة السابقة عليهما، وتماميّة الحبّ والشوق أمر غير معقول، إلاّ بمعنى: أنّ الغاية المحبوبة كانت عبارة عن نفس اللذّة والألم، وهذا رجوع إلى الشقّ الأوّل الذي أبطلناه.

  صفحه 41  


وبهذا تمّ برهان كامل على أنّ العلّة الغائيّة والعلّة الفاعليّة متّحدان، غاية الأمر: أنّ العلّة الغائيّة تكون بوجودها العلميّ ـ  ولو الخاطئ  ـ محرّكة.

نعم، لا إشكال ـ  كما أشرنا إليه  ـ في أنّ اللذّة والألم قد يدخلان بنفسهما في العلّة الغائيّة، ويكونان محبوباً أو مبغوضاً.

وقد يقول قائل: إنّ حبّ الدعة والراحة الموجود في الإنسان لابدّ أن يتكاسر مع حبّ آخر، ويقع مقهوراً تحت شعاعه كي يتحرّك الإنسان نحو ما يكون في وضعه الأوّليّ موجباً لسلب الدعة والراحة، والمقصود بعلّيّة اللذّة والألم هو: أنّه لولاهما، لما كان المحبوب الأصليّ من المُثُل والقيم والمبادئ ورضا الله وما إلى ذلك قادراً على الغلبة على حبّ الراحة، فلكي يغلب حبَّ الراحة، أو قل: « لكي تصبح راحة الشخص في خلاف راحته الظاهريّة» لابدّ أن ينضمّ إلى تلك الغاية الشريفة غاية اللذّة أو الفرار من الألم، وعند ذلك تكون الغلبة لمجموع الغاية الشريفة النبيلة مع اللذّة ودفع الألم على حبّ الراحة، فيقوم الإنسان بالعمل النبيل، ويكون الشخص بقدر ما كان من حصّة الدخل في الغاية لذاك المبدأ النبيل والشريف مستحقّاً للمدح والثواب، وبهذا قد جمعنا بين القول بأنّه لابدّ لتحريك الإنسان من وجود اللذّة والألم في المتعلّق من ناحية، وبين نُبل التضحيات في سبيل المبادئ والعقائد الحقّة والمُثل والقيم العليا ورضا الله سبحانه وتعالى من ناحية اُخرى. فليكن هذا نوع توجيه لكلام اُستاذنا الشهيد ، إلاّ أنّ هذا التوجيه ليس شاملاً لمورد ما قد يتّفق من عدم وجود زحمة وأقلّ صعوبة في التحرّك، أو كان المطلوب هو الترك ولم يكن في الترك أيّ زحمة ومشقّة، وإنّما يمكن تطبيق هذا التوجيه في موارد صعوبة العمل وفق ما هو مطلوب أخلاقيّاً.

والظاهر: أنّ هذا التوجيه أيضاً غير صحيح. وتوضيح ذلك:

  صفحه 42  


إنّ عدم تحرّك الشخص من دون لذّة أو ألم لكون حبّه للمحبوب غير كاف لتحريكه، ولكن مع دخول الحبّ كجزء للعلّة في الحساب كافياً له قد يكون صحيحاً بشأن بعض السالكين، ويكون هذا الشخص أعلى درجة ممّن لا يتحرّك إلاّ من وراء اللذّة والألم، ولكن ليس هذا هو آخر الدرجة الممكنة من درجات مرقاة الكمال في سلّم الفضائل، والدليل على ذلك مؤتلف من مقدّمتين:

الاُولى: أنّ التقدير المعنويّ لمقدار تلك اللذّة المعنويّة يقول لنا بفهم الوجدان: إنّ درجة تلك اللذّة توازي درجة الحبّ لذلك المبدأ النبيل، وكلّما اشتدّ حبّه اشتدّ بقدره الالتذاذ به، وكلّما ضعف حبّه ضعف بقدره الالتذاذ به.

والثانية: أنّ هذا الالتذاذ قد يفوق في بعض الحالات لذّة الراحة التي كانت تثبت في ترك التحرّك نحو ذاك المحبوب، وآية ذلك: أنّ الإنسان عندئذ لا يحسّ بالراحة النفسيّة في الترك، بل يحسّ بأنّ راحته النفسيّة في الفعل فحسب، في حين أنّ من لم يصل حبّه إلى هذا المستوى يحسّ بالتعب النفسيّ في عمله، ولكنّه يتحمّل هذا التعب في سبيل محبوبه.

والنتيجة: أنّه إذن سيكون حبّه لذاك المحبوب غالباً على حبّه للدعة والراحة; لأنّه يوازي لذّته الغالبة على لذّة الدعة والراحة، ويكون وحده كافياً للغلبة على المزاحم(1).


(1) قد تقول: إنّه يوجد في طرف الدعة والراحة شيئان: حبّه للدعة والراحة، والتذاذه بهما، وفي طرف المبدأ النبيل أيضاً يوجد شيئان: حبّه للمبدأ النبيل، والتذاذه بتحقيقه. فصحيح: أنّ التذاذه بالمبدأ النبيل غالبٌ على التذاذه النفسيّ بالدعة والراحة، وبالتالي يكون حبّه لذاك المبدأ غالباً على حبّه للدعة والراحة، لكن هذا لا يعني غلبة حبّه للمبدأ، أو لله، أو لرضوان الله، أو ما إلى

  صفحه 43  


نعم، لا شكّ أنّه يحصل ـ إضافة إلى ما حصل عليه من الفضيلة ـ على لذّة فائقة أيضاً، ولكنّها واقعة تحت الشعاع لما يطلبه من مبدأ أو فضيلة، أو رضا الله سبحانه وتعالى، فذاك المبدأ أو حبّ الله هو محرّكه الحقيقيّ، وتترتّب على ذلك صدفةً اللذّة والانبساط كزيادة خير.

وقد اتّضح بكلّ ما شرحناه: أنّ المطيع تنقسم إطاعته ـ بحسب الدوافع النفسيّة ـ إلى ثلاثة أقسام:

الأوّل: دافع اللذّة أو الألم الثابتين بالثواب والعقاب، وتلك طاعة التجّار أو العبيد.

والثاني: المزدوج من دافع حبّ الطاعة ورضوان الله، ودافع اللذّة والألم، وتلك طاعة الخواصّ.

والثالث: دافع حبّ الله سبحانه وتعالى وتحصيل رضاه، وتلك طاعة خاصّة الخواصّ حيث يكون التذاذه بالطاعة أيضاً مندكّاً تحت داعويّة أصل الطاعة.


ذلك على مجموع حبّه للدعة والراحة والتذاذه بهما، فقد يُدّعى: أنّ الغلبة على المجموع لا تكون إلاّ  بعد انضمام الالتذاذ بذاك المحبوب الشريف إلى حبّه.

والجواب: أنّ هذا غفلة عن الفرق بين حبّ الدعة والراحة وحبّ الله، أو حبّ رضوان الله، أو حبّ الفضائل ونحو ذلك، أو قل: هذا غفلة عموماً عن اللذائذ المادّيّة; وذلك لأنّه في اللذائذ المادّيّة لايتصوّر محرّكان ينضمّ أحدهما إلى الآخر; لأنّ الحبّ في المادّيات ليس إلاّ حبّاً للذّة، أو للفرار عن الألم، ولولا التذاذه بالدعة والراحة لما أحبّهما، فليس حبّهما شيئاً جديداً يضاف إلى اللذّة في الداعويّة، في حين أنّه في الحبّ المعنويّ تكون اللذّة في طول الحبّ، وليس العكس; فلأنّ الشخص يحبّ ابنه مثلاً وراحة ابنه يلتذّ براحته، لا العكس.

  صفحه 44  


والالتفات إلى ما قلناه لو لم ينفعنا في ارتقائنا السلوكيّ إلى الله سبحانه وتعالى في مرقاة هذه الكمالات، فلا أقلّ من أن يكون نفعه لنا عبارة عن الاعتصام في مقابل صفة العُجب; لأنّنا ما لم نصل إلى المرحلة الثالثة، وهي داعويّة نفس الطاعة ورضوان الله دون الالتذاذ بهما، أو على الأقلّ الثانية، وهي الدافع المزدوج، فنحن ـ  في الحقيقة  ـ قد عبدنا لذّتنا وعشقنا ذاتنا، فأيّ استحقاق لنا للثواب؟! وأيّة عبوديّة تكون هذه العبوديّة؟!

وأنا لا أقصد بنفي استحقاق الثواب نفيه من باب: أنّنا مملوكون ملكيّة حقيقيّة لله، فلا نستحقّ شيئاً منه تعالى في قبال طاعتنا إيّاه، ولا نفيه من باب: أنّ الاستحقاق إنّما يكون لمن أعطى من نفسه شيئاً لغيره، ونحن كلّ ما أعطيناه لله سبحانه كان من الله لا من أنفسنا كي نستحقّ شيئاً بالمقابل، فإنّ أمثال هذه الاُمور لاتختصّ بنا، بل تشمل حتّى المعصومين .

بل أقول بغضّ النظر عن هذه النكتة: إنّنا غير مستحقّين للثواب بعقليّة مكافأة الإحسان، لأنّنا ـ في الحقيقة ـ لم نعمل له، بل عملنا لأنفسنا، فلا مكافأة على أعمالنا إلاّ بفضل الله ورحمته ورأفته.

نعم، تصحّ في العرف الفقهيّ عباداتنا; لأنّها تشتمل على القربة بالمعنى المقصود في الفقه، حيث قرّروا فيه كفاية الداعي إلى الداعي القربيّ، وهذا موجود في المقام; لأ نّا نعمل بداعي الامتثال والطاعة وإن كان الداعي لنا إلى هذا الامتثال والطاعة ثوابه، أو الفرار من عقابه، أو الالتذاذ بطاعته، إلاّ أنّ هذا ـ  كما ترى  ـ حيلة شرعيّة علّمتنا نفس الشريعة إيّاها وقبلها الله منّا بقبول حسن بلطفه وكرمه، وإلاّ لهلكنا جميعاً، إلاّ أنّ هذا لا يعني: أنّ الاستحقاق إذن أصبح واقعيّاً (بعد غضّ النظر عن المملوكيّة وعدم الواجديّة الذاتيّة)، فغير الواصل إلى ابتغاء رضا الله لأنّه رضاه لا لنعيم الجنّة، ولا للفرار عن الحجيم إن كان مطيعاً

  صفحه 45  

هذا بناءً على كون مقصود المحقّق النائينيّ : أنّ الدخيل في موضوع حكم العقل بلزوم الامتثال هو عدم صدور الترخيص ولو منفصلاً، كما هو ظاهر عباراته ولعلّه صريحها. وأمّا لو فرض كفاية عدم الترخيص المتّصل في حكم العقل بالوجوب، لزم من ذلك: أنّه عند ورود الترخيص المنفصل يقع التعارض بين البيان المنفصل وحكم العقل، وهذا غير معقول، بينما على مسلكنا يكون التعارض بين دلالتين لفظيّتين، ولابدّ من إعمال قواعد التعارض والجمع، ولا بأس بذلك.

وأمّا الاحتمال الثالث: وهو أن تكون الدلالة على الوجوب لفظيّة بمقدّمات الحكمة، فقد قرّب ذلك المحقّق العراقيّ بما يرجع حاصله إلى أنّ الأمر مادّة أو صيغة يكون دالاًّ بمدلوله الوضعيّ على إرادة المولى وطلبه، وهذه الإرادة أمرها دائر بين أن تكون إرادة قويّة وهي الوجوب، أو ضعيفة وهي الاستحباب، والإرادة القويّة تكون ما به الامتياز لها عن الإرادة الضعيفة أيضاً هي الإرادة،


فهو في مرحلة العرفان يكون صاعداً من مستوىً تحت الصفر إلى مستوى الصفر، لا أكثر من ذلك، ومن يلتفت إلى ذلك كيف يبتلي بالعجب؟!

أمّا من صعد من هذه المرتبة إلى ابتغاء مرضاة الله تعالى وإرادة ذاته عزّ  وجل، فهو ليس بحاجة إلى ما قلناه في الارتداع عن العجب، بل الذي يردعه عن العُجب قول إمامنا زين العابدين : «وما قدر أعمالنا في جنب نعمك، وكيف نستكثر أعمالاً نقابل بها كرمك»(1).

اللّهمّ ارزقنا توفيق الطاعة، وبُعد المعصية، وعرفان الحرمة، إنّك أنت السميع المجيب بمحمّد وآله الطاهرين .


(1) دعاء أبي حمزة الثمالي لأسحار ليالي شهر رمضان.

  صفحه 46  

فإنّها تمتاز عن الضعيفة بقوّة الإرادة ودرجة زائدة من الإرادة، بينما الإرادة الضعيفة ما به الامتياز لها عن القويّة ليست هي الإرادة، بل عدم الإرادة; فإنّ ضعف الإرادة عبارة عن عدم تلك الدرجة الزائدة من الإرادة، إذن فلو كانت ما في نفس المولى هي الإرادة القويّة فكلّ ما في نفسه إرادة; لأنّ ما به الاشتراك وما به الامتياز كلاهما إرادة، فاللفظ دالّ على كلّ ما في نفس المولى; إذ هو دالّ على الإرادة، ولو كانت ما في نفس المولى هي الإرادة الضعيفة فليس كلّ ما في نفسه الإرادة; لأنّ ما به الاشتراك بين الضعيفة والقويّة وإن كانت هي الإرادة، لكن ما به الامتياز للضعيفة عبارة عن عدم الإرادة، فاللفظ لا يدلّ على كلّ ما في نفس المولى، وإذا دار الأمر بين أن يكون ما في نفس المولى كلّه هو المبرز باللفظ أو يكون بعض ما في نفسه شيئاً لم يبرز باللفظ، فمقدّمات الحكمة تعيّن الأوّل(1).

وهذا البيان وإن كان صناعيّاً في نفسه لا ترد عليه جملة ممّا اُورد عليه، لكن يرد عليه: أنّ الإطلاق ومقدّمات الحكمة إنّما هي عبارة عن ظهور عرفيّ وحاليّ يقتضي: أنّه متى ما دار الأمر بين كون مرام المتكلّم سنخ مرام يفي به كلامه وليست فيه مؤونة زائدة في نظر العرف، وكونه سنخ مرام فيه مؤونة زائدة في نظر العرف لم يفِ بها الكلام، كان مقتضى الإطلاق هو الأوّل. وأمّا لو فرض: أنّ أحدهما ليست فيه مؤونة والآخر فيه مؤونة في نظر العقل لا العرف، فهذا لا يكفي لتعيين ما ليست فيه مؤونة في مقابل ما فيه مؤونة بمقدّمات الحكمة، وما ذكر من أنّ الإرادة الشديدة ما به الامتياز وما به الاشتراك فيها كلّه إرادة بخلاف الإرادة الضعيفة; حيث إنّ ما به الامتياز فيها عبارة عن عدم الإرادة، فهذا يكون بحسب التحليل


(1) راجع المقالات، ج 1، ص 208 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ، ونهاية الأفكار، ج 1 ، ص 192 بحسب طبعة جامعة المدرّسين بقم.

  صفحه 47  

العقليّ، وأمّا بالنظر العرفيّ فلا يرى أنّ أحدهما فيه مؤونة في مقابل الآخر.

وبهذا ظهر: أنّ المقصود ليس دعوى: أنّ العرف غير ملتفت تفصيلاً إلى ما ذكره المحقّق العراقيّ حتّى يقال ـ  كما ذكر المحقّق العراقيّ في مقالاته  ـ : إنّ هذا المطلب وإن لم يلتفت إليه العرف تفصيلاً، لكنّه مركوز في نفسه، بل المقصود: أنّه حتّى إذا شرح له هذا المطلب لا يرى مؤونة في أحدهما في مقابل الآخر بما هو إنسان عرفيّ، فهو لا يصدّق بالفرق بينهما في المؤونة بما هو عرف وإن كان قد يصدّق بذلك بما هو فيلسوف.

نعم، هنا بيان آخر لتحليل الإطلاق أمتن من هذا البيان، وهو يتوقّف على مقدّمة حاصلها: أنّه كان المعروف بين جملة من المتقدّمين أنّ الوجوب مركّب من طلب الفعل مع النهي عن الترك، والاستحباب مركّب من طلب الفعل والترخيص في الترك، فهما يشتركان في الجزء الأوّل، وأحدهما يمتاز بالمنع من الترك، والآخر يمتاز بالترخيص في الترك، فإذا بنينا على هذا لم يمكن إجراء الإطلاق; إذ الأمر يدلّ على الجزء المشترك وهو طلب الفعل، وأمّا أنّه: هل انضمّ إليه النهي عن الترك، أو الترخيص في الترك، فلا يفي به كلام المولى، ولكن في مقابل هذا الكلام وجه آخر، وهو: أنّ الاستحباب وإن كان مركّباً من جزءين وجوديّين: الطلب والترخيص في المخالفة، لكن الوجوب ليس مركّباً من جزءين وجوديّين، وإنّما هو مركّب من جزء وجوديّ وهو الطلب وجزء عدميّ وهو عدم الترخيص في المخالفة، لا وجوديّ وهو النهي عن المخالفة; إذ النهي عن المخالفة لا يكفي في كون الطلب وجوبيّاً، فإنّنا ننقل الكلام إلى ذاك النهي، فإنّه أيضاً كالأمر ينقسم إلى إلزاميّ وهو ما منع مثلاً عن مخالفته، وكراهتي وهو ما رخّص في مخالفته.

فإذا فرض: أنّ الوجوب مركّب من الجزء المشترك بين الوجوب والندب وهو الطلب، وجزء عدميّ وهو عدم الترخيص في الترك، والاستحباب مركّب من ذاك

 
  صفحه 48  

الجزء المشترك وجزء وجوديّ وهو الترخيص في الترك، قلنا: إنّ الأمر يدلّ على الجزء المشترك وهو الطلب، وما هو مرام المولى: إمّا هو الطلب مقيّداً بخصوصيّة وجوديّة وهي الترخيص في الترك، أو هو الطلب مقيّداً بعدم تلك الخصوصيّة، وكلّما دار أمر القيد في مرام المولى بين خصوصيّة وجوديّة وعدمها، فإذا نصب قرينة على الخصوصيّة الوجوديّة ثبتت، وإلاّ فنفس عدم نصب القرينة على الخصوصيّة الوجوديّة قرينة على الخصوصيّة العدميّة، كما هو الحال في المطلق والمقيّد على رأي المشهور، حيث إنّ الإطلاق اللحاظيّ عبارة عن لحاظ عدم القيد. هذا.

ولكن الصحيح: أنّ افتراض كون الوجوب في الأمر مستفاداً من الإطلاق ـ سواء فرض بالتقريب الذي نقلناه عن المحقّق العراقيّ أو فرض بهذا التقريب الثاني الذي بيّنّاه ـ لا يتمّ بنحو نستغني به عن الدلالة الوضعيّة على الوجوب; إذ يرد عليه: أنّه لو تمّ الإطلاق بأحد التقريبين فإنّما يجري في بعض الموارد لا في سائر الموارد; إذ يحتاج الإطلاق في المقام إلى مؤونة لا توجد دائماً. وتوضيح ذلك يتوقّف على بيان إجماليّ لكبرى الإطلاق وصغرياته، وتفصيله موكول إلى بحث المطلق والمقيّد، فنقول: إنّ أساس مقدّمات الحكمة وروحها هو أصل عقلائيّ وظهور حاليّ، وهو أصالة كون مرام المتكلّم لا يزيد على مقدار مدلول كلامه، وأنّه يبيّن كلّ مرامه. ولتطبيق هذه الكبرى على المصاديق ثلاث حالات:

الحالة الاُولى: أن تكون الكبرى منطبقة على المورد حقيقةً وبالدقّة العقليّة بلاحاجة إلى فرض مسامحة عرفيّة، وذلك من قبيل الإطلاق الذاتيّ في أسماء الأجناس على مبنانا، حيث نقول في مثل ﴿أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ : إنّنا لانحتاج إلى الإطلاق اللحاظيّ بمعنى فرض لحاظ عدم القيد في مقابل التقييد اللحاظيّ، بل من الجائز أن يكون المقصود من البيع هو الجامع بين المطلق اللحاظيّ، والمقيّد اللحاظيّ، وهو ذات الطبيعة الموضوع لها اسم البيع، والمطلق الذاتيّ بذاته يسري

 
  صفحه 49  

إلى كلّ أفراد الطبيعة، فيثبت الحكم لكلّ الأفراد بلاحاجة إلى الإطلاق اللحاظيّ، فلو كان مقصود المولى هو ذات الطبيعة، فمرامه لا يزيد على مدلول كلامه حقيقةً، ولو كان مقصوده البيع العقديّ مثلاً، فمرامه يزيد على مدلول كلامه، فتطبّق على ذلك أصالة كون مرامه لايزيد على مدلول كلامه، ويثبت المطلق الذاتيّ في مقابل المقيّد، وهو المطلوب.

الحالة الثانية: أن لا تنطبق الكبرى على المورد حقيقةً، لكنّها تنطبق بالمسامحة العرفيّة، وذلك في مورد نقطع بأنّ مرامه يزيد على مدلول كلامه، إلاّ أنّ الزيادة مردّدة بين ما لا يراه العرف مؤونة زائدة وما يراه كذلك، فكأنّه يرى العرف ـ  على تقدير إرادة الأوّل  ـ : أنّ مرامه لا يزيد على مدلول كلامه، فيتعيّن في مقابل الثاني بأصالة كون مرامه لا يزيد على مدلول كلامه بعد إدخال المورد في مصاديق هذه الكبرى بالمسامحة العرفيّة، وذلك من قبيل الإطلاق اللحاظيّ في أسماء الأجناس كالبيع في ﴿أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ بناءً على رأي جماعة يقولون: إنّ موضوع الحكم الشرعيّ: إمّا هو المطلق اللحاظيّ، أو المقيّد اللحاظيّ، ولا يعقل أن يكون ذات الطبيعة المحفوظة في ضمن المطلق والمقيّد، فبناءً على هذا المبنى لا نشكّ في أخذ خصوصيّة زائدة في مرامه غير موجودة في كلامه; لأنّ اسم الجنس لا يدلّ وضعاً إلاّ على الطبيعة الجامعة بين المطلق والمقيّد، ولكن العرف يرى بالمسامحة: أنّه لو كان مراده هو المطلق فقد بيّن تمام مرامه، ولو كان مراده هو المقيّد لم يبيّن تمام مرامه، فيعيّن الأوّل بتطبيق قانون أصالة عدم زيادة مرام المتكلّم على مدلول كلامه.

الحالة الثالثة: أن لا تنطبق الكبرى على المورد حتّى بالمسامحة، وعندئذ نحتاج إلى الاستعانة بمؤونة زائدة على مقدّمات الحكمة، كما هو الحال فيما إذا قطعنا بأنّ مرامه يزيد على مدلول كلامه، وكانت الزيادة مردّدة بين زيادة أخفّ

 
  صفحه 50  

وزيادة أشدّ، ولكن الزيادة الأخفّ ليست بنحو يتسامح فيها العرف، ويفرضها عدم الزيادة، كما في الحالة الثانية، بل كلتا الزيادتين ملحوظتان للعرف، فلا معنى لتطبيق أصالة عدم زيادة مرامه على مدلول كلامه ولو بالمسامحة العرفيّة، فنحتاج إلى مؤونة زائدة على كبرى مقدّمات الحكمة، وهي: أن نعرف صدفةً بقرينة من القرائن أنّ المتكلّم بالرغم من سكوته عن كلتا الزيادتين هو في مقام بيان الزيادة، إذن فقد اعتمد في مقام بيان الزيادة على نفس السكوت، فإذا دار الأمر بين جعل عدم بيان الأشدّ قرينة على الأخفّ، أو جعل عدم بيان الأخفّ قرينة على الأشدّ، تعيّن الأوّل طبعاً في نظر العرف على الثاني، ففي مثل ذلك لم تنطبق تلك الكبرى الأوّليّة وهي أصالة كون مرامه لا يزيد على مدلول كلامه; إذ ـ على أيّ حال ـ قد زاد مرامه على مدلول كلامه حتّى عرفاً، وإنّما استعنّا بعناية زائدة على مقدّمات الحكمة، وهي إحراز أنّ المولى في مقام بيان الزيادة بالرغم من سكوته عنها، وهذا الإحراز أمر اتّفاقيّ قد يحصل وقد لا يحصل، ومثال ذلك ما نحن فيه، فإنّ الأمر إنّما يدلّ على الطلب، ومرام المولى فيه زيادة على الطلب ملحوظة حتّى عند العرف، وتلك الزيادة مردّدة بين زيادة أخفّ وهي عدم الترخيص في الخلاف وزيادة أشدّ وهي الترخيص في الخلاف، أو بين زيادة أخفّ وهي شدّة الإرادة وزيادة أشدّ وهي عدم الإرادة الزائدة، حيث إنّ الأمر إنّما هو موضوع للجامع بين الإرادة الشديدة والخفيفة، فشدّة الإرادة وإن كانت من سنخ الإرادة لكنّها خارجة عن الموضوع له، فهنا لابدّ من الاستعانة بعناية زائدة غير أصالة كون مرام المولى لا يزيد على مدلول كلامه، وتلك العناية هي إحراز كون المولى بالرغم من سكوته بصدد بيان الزيادة، فقد فرض سكوته عن إحدى الزيادتين بياناً للزيادة الاُخرى حتّى تتعيّن عندئذ في نظر العرف الزيادة الأخفّ وهي شدّة الإرادة، أو عدم الترخيص في الخلاف، وهذه العناية الزائدة ـ  كما ترى  ـ لا تحصل دائماً وفي

 
  صفحه 51  

سائر الموارد، بينما البناء الفقهيّ والعرفيّ على فهم الوجوب في سائر الموارد(1). هذا.

وهناك إشكال آخر لو تمّ فهو مشترك الورود بين جميع أنحاء دعوى كون دلالة الأمر على الوجوب بالإطلاق لا بالوضع، وهو يشبه ـ بحسب الحقيقة ـ ما أوردنا على مسلك المحقّق النائينيّ : من أنّه لو كان الوجوب بحكم العقل عند عدم الترخيص، للزم عدم التعارض بين الترخيص العامّ والأمر الخاصّ، فلا مجال لتخصيص الأوّل بالثاني، ونقول هنا: إنّه لو كان الوجوب بالإطلاق، إذن لا وجه لتقديم الأمر الخاصّ كقوله: «أكرم الفقيه» على الترخيص العامّ كقوله: «لا يجب إكرام العالم» بالتخصيص; إذ هذا التعارض يكون من نسخ التعارض بالعموم من وجه، من حيث إنّه كما يمكن رفع اليد عن إطلاق «لا يجب إكرام العالم» لحساب قوله: «أكرم الفقيه» كذلك يمكن العكس، بأن ترفع اليد عن إطلاق الأمر الدالّ على الوجوب لحساب الترخيص العامّ، إذن فيتعارضان ويتساقطان، بينما البناء الفقهيّ والعرفيّ في ذلك على التخصيص، وهو إنّما يتمّ بناءً على الوضع، لا الإطلاق، إذن فهذا المسلك لا يفي بما عليه البناء فقهيّاً وعرفيّاً في باب الأمر، ويكشف ذلك إنّاً عن أنّ ملاك الدلالة على الوجوب هو الوضع، لا الإطلاق. هذا.

ولكن يمكن لأصحاب مسلك الإطلاق أن يستعينوا في دفع هذا الإشكال، وتوجيه مسلكهم بأحد وجهين:


(1) وهناك وجه آخر لاستفادة الوجوب من مادّة الأمر بالإطلاق يسلم عن الإشكالات الماضية على الوجوه السابقة ستأتي الإشارة إليه ـ إن شاء الله ـ في بحث صيغة الأمر في المتن، وسيأتي منّا التأمّل فيه تحت الخطّ، والإشكال الذي سيأتي الآن في المتن أيضاً جوابه إن تمّ، يرد على كلّ وجوه إثبات الوجوب بالإطلاق بما فيها الوجه الذي سيأتي في بحث الصيغة.

  صفحه 52  

الوجه الأوّل: أن يقال: إنّ الميزان في قرينيّة الخاصّ للعامّ هو أخصّيّة موضوع الخاصّ عن موضوع العامّ، ولا يلحظ في هذه القرينيّة مجموع الجهات في الدليلين، أيّ: الموضوع والمحمول معاً، وهذا ـ  في الحقيقة  ـ مطلب سيّال له عدّة أمثلة في الفقه، حاصله: أنّ القرينيّة العرفيّة للخاصّ على العامّ هل هي بنظر العرف تكون بلحاظ الموضوعين، أو تكون بلحاظ مجموع الجهات؟ فعلى الأوّل يقدّم قوله: «أكرم الفقيه» على قوله: «لا يجب إكرام العالم» ; إذ الموضوع في الأوّل ـ وهو الفقيه ـ أخصّ منه في الثاني وهو العالم، وعلى الثاني لا وجه للتقديم; لأنّه يوجد في قوله: «لا يجب إكرام العالم» إطلاق في الموضوع وهو العالم، ويوجد في قوله: «أكرم الفقيه» إطلاق في المحمول وهو «أكرم» ، ورفع اليد عن أحدهما لحساب الآخر لا مبرّر له، ونظير ذلك ما ورد في الفقه في البول يصيب الجسد: أنّه «صبّ عليه الماء مرّتين»(1)، وورد في بول الصبيّ: «تصبّ عليه الماء»(2)، فمقتضى الأوّل وجوب التعدّد، ومقتضى إطلاق الثاني عدمه، فبناءً على أنّ الميزان في قرينيّة الأخصّ هو الموضوعان، فالرواية الثانية تقدّم على الاُولى; لأنّها وردت في خصوص بول الصبيّ، وبناءً على لحاظ مجموع الجهات لا وجه للتقدّم; فإنّ التعارض يكون بين إطلاق موضوع الاُولى لبول الصبيّ وإطلاق محمول الثانية للصبّ مرّة واحدة.

الوجه الثاني: أنّنا سلّمنا أنّ الأخصّيّة يجب أن تتحصّل بلحاظ مجموع جهات الدليل، لا بلحاظ الموضوع فحسب، ولكن مع ذلك نقول في المقام: إنّ قوله: «أكرم الفقيه» مخصّص لقوله: «لا يجب إكرام العلماء». وتوضيح ذلك: أنّ الإطلاق تارةً


(1) الوسائل، ج 3 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب 1 من النجاسات، ح 3 و4،
ص 359 ـ 396.

(2) المصدر السابق، ب 3، ح 2، ص 398.

  صفحه 53  

يكون مفاده السعة من قبيل إطلاق العالم للفقيه وغيره، واُخرى يكون مفاده التعيين من قبيل انصراف السيّد بإطلاقه إلى سيّد البلد مثلاً، فإذا كان الإطلاقان كلاهما إطلاقاً للتوسعة وبينهما مادّة اجتماع ومادّتا افتراق من قبيل: «أكرم العالم ولا تكرم الفاسق»، فلا وجه لتقديم أحدهما على الآخر بالخصوص، ومن هذا القبيل قوله في المتنجّس بالبول: «صبّ عليه الماء مرّتين»، وفي المتنجّس ببول الصبيّ: «صبّ عليه الماء»، أعني: أنّ الإطلاق في كلّ منهما للتوسعة، ومادّة الاجتماع صبّ الماء مرّتين في بول الصبيّ، ومادّتا الافتراق صبّ الماء مرّتين في بول غير الصبيّ، وصبّ الماء مرّة واحدة في بول الصبيّ، فإن لم يتمّ الوجه الأوّل فلا مبرّر لتقديم أحدهما على الآخر. وأمّا إذا كان أحد الإطلاقين يفيد التوسعة والآخر يفيد تعيين الفرد، كما لو قال: «أكرم العلماء»، وقال: «لا تكرم زيداً» وعندنا زيدان: جاهل وعالم، وكان اللفظ منصرفاً إلى العالم، فهنا يعامل معاملة العامّ والخاصّ; حيث إنّ العرف يرى: أنّ النتيجة المتحصّلة من هذا الإطلاق هي عدم إكرام شخص خاصّ من العلماء، وهي أخصّ من النتيجة المتحصّلة من «أكرم العلماء».

وما  نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ إطلاق العالم للفقيه من باب التوسعة، ودلالة الأمر بالإطلاق على الوجوب من باب التعيين، فالعرف يأخذ النتيجة المتحصّلة من كلا الإطلاقين، ويرى: أنّ الثانية أخصّ من الاُولى(1). هذا.


(1) لا يخفى: أنّ كلّ هذا مبتن على تصوّر كون تقدّم الخاصّ على العامّ بالقرينيّة. أمّا بناءً على ما هو المختار من كونه بالأقوائيّة، فكلّ هذا البيان لا يأتي، ولا يبقى إلاّ شيء واحد، وهو: أنّ فرض كون دلالة الأمر بالوضع يكون في صالح أقوائيّة الخاصّ الدالّ على الوجوب أكثر من فرض كون دلالته بالإطلاق; لأنّ الوضع أقوى من الإطلاق، فقد لا تُقبل أحياناً أقوائيّة الخاصّ بناءً على كون دلالته على الوجوب بالإطلاق، وتُقبل بناءً على كونها بالوضع.

  صفحه 54  

 

بعض الثمرات المترتّبة على المسالك الثلاثة:

وهنا نذكر بعض الثمرات المترتّبة على ما عرفتها من المسالك الثلاثة، تقدّم توضيح بعضها في أثناء مناقشة هذه المسالك، وبعضها مستأ نَف.

فمنها: تطرّق قواعد الجمع الدلاليّ والعرفيّ على مسلك الوضع والإطلاق، بخلافه على مسلك حكم العقل; فإنّه على الأوّلين يصبح الأمر طرفاً للمعارضة بمدلوله اللفظيّ بالوضع أو الإطلاق لدليل تفترض دلالته على الترخيص ونفي الوجوب، فتصل النوبة إلى الجمع الدلاليّ والعرفيّ، بينما لو بنينا على مسلك حكم العقل، فلا دلالة لفظيّة للأمر تعارض دليل الترخيص، وإنّما الوجوب يثبت بحكم العقل معلّقاً على عدم الترخيص، وقد ورد الترخيص حسب الفرض.

ومنها: أنّه على مسلك الوضع والإطلاق تثبت لوازم كون الأمر عن ملاك أكيد شديد، فلو علمنا مثلاً من الخارج أنّ الدعاء عند رؤية الهلال مع الدعاء آخر الشهر متساويان في درجة الملاك والمطلوبيّة، فإذا ورد أمر بأحدهما أثبتنا بذلك وجوب كليهما بناءً على مسلك الوضع والإطلاق لحجّيّة مثبتات الاُصول اللفظيّة، بينما بناءً على مسلك حكم العقل إنّما يكون الوجوب بحكم عقليّ من دون أن يكون للّفظ كشف عن درجة الملاك والمطلوبيّة، فلا يثبت وجوب الدعاء الآخر(1).

ومنها: ثبوت دلالة السياق على الوضع، وسقوطها على الإطلاق وحكم العقل.

وتوضيح ذلك: أنّ مبنى الفقهاء عادةً في الفقه قام على أنّه إذا وردت أوامر في سياق واحد بأشياء، وعرفنا من الخارج استحباب بعضها، كانت وحدة السياق قرينة على رفع اليد عن ظهور الأمر الآخر في الوجوب، فلو قال مثلاً: «إذا أردت


(1) وأيضاً لو علمنا بالملازمة بين الوجوب وأيّ أمر آخر شرعيّ أو ذي أثر شرعيّ، فعلى الوضع والإطلاق يثبت اللازم بالأمر مطلقاً، ولكن على مسلك الحكم العقليّ إن لم نعرف عدم الترخيص بالوجدان، وتمسّكنا باستصحاب عدم الترخيص، لم يمكن إثبات اللازم.

  صفحه 55  

الصلاة، فأذّن وأقم واقرأ الدعاء الفلانيّ وتخشّع»، ونحن نعلم أنّها كلّها أوامر استحبابيّة عدا الإقامة، فلا ندري أنّها مستحبّة أو واجبة، فعندئذ يرفع اليد عن ظهور أمرها في الوجوب، وهذا على مسلك الوضع تامّ، فإنّ استعمال الأمر بالإقامة في الوجوب دون باقي الأوامر خلاف ظهور وحدة السياق. وأمّا بناءً على مسلك الحكم العقليّ، فهذه الأوامر كلّها استعملت في معنىً واحد وهو الطلب، وافتراض ورود الترخيص في بعضها ممّا يوجب عدم حكم العقل بالوجوب، وعدمه في بعضها ممّا يوجب حكم العقل بالوجوب لا ينافي وحدة السياق، وكذلك الحال بناءً على الإطلاق، فإنّ ثبوت التقييد في بعض الإطلاقات وبقاء الباقي على الإطلاق مع كون الأمر فيها جميعاً مستعملاً في مدلوله الوضعيّ الواحد ـ  وهو الطلب  ـ لا ينافي وحدة السياق، فمثلاً لو ورد: «أكرم العالم، وأكرم الهاشميّ، وأكرم الكريم»، ثُمّ عرفنا تقييد العالم والهاشميّ بالعدالة، لم يوجب ذلك رفع اليد عن إطلاق الكريم لغير العادل(1)، فكذلك الحال فيما نحن فيه، أي: الأوامر الواردة في سياق واحد حينما يثبت عدم إرادة الإطلاق المقتضي للوجوب في بعضها.

ومنها: أنّه لو فرض وجود أمر واحد بشيئين، لا أوامر متعدّدة، من قبيل «اغتسل للجمعة والجنابة»، وعلمنا من الخارج بأنّ غسل الجمعة ليس بواجب، فهل يمكن إثبات وجوب غسل الجنابة مثلاً بمثل هذا الأمر، أو لا؟


(1) يمكن دعوى الفرق بين المقام وبين المثال المذكور، وذلك ببيان: أنّ المقصود في المقام هو التمسّك بإطلاق الهيئة، وهي في الجميع هيئة واحدة، أو قل: إنّ الهيئات متماثلة ومتكرّرة، فكونها في بعض المرّات في مقام بيان القيد بخلاف بعض المرّات خلاف وحدة السياق، وأمّا في المثال فالمقصود هو التمسّك بإطلاق المتعلّق، والمتعلّق في كلّ أمر غيره في الأمر الآخر، وليست المتعلّقات متماثلة، فهي أبعد في وحدة السياق ممّا نحن فيه، على أنّه قد يلتزم بوحدة السياق في هذا المثال أيضاً ولو بلحاظ نفس الدلالات الإطلاقيّة، فإنّها متماثلة ومتكرّرة في سياق واحد، فإرادة بعض وعدم إرادة البعض خلاف الظاهر.

  صفحه 56  

فبناءً على مسلك الوضع لا يمكن إثبات ذلك; إذ هذا الأمر ليس للوجوب بدليل عدم وجوب غسل الجمعة، فهو: إمّا مستعمل في الاستحباب، أو في الجامع بينهما، وعلى أيّ حال لا يدلّ على وجوب غسل الجنابة، ولا يمكن فرض كونه للوجوب في غسل الجنابة وللاستحباب في غسل الجمعة; إذ يكون هذا من قبيل استعمال اللفظ في معنيين، وهو غير صحيح عرفاً.

وأمّا على مسلك حكم العقل فالأمر مستعمل في الطلب، والوجوب حكم عقليّ معلّق على عدم ورود الترخيص، فإذا ورد الترخيص في أحدهما دون الآخر، ثبت ـ  لا محالة  ـ وجوب ما لم يرخّص في خلافه دون الآخر وإن كان كلاهما مأموراً به بأمر واحد، فبذلك يثبت وجوب غسل الجنابة، وكذلك الحال على مسلك الإطلاق، فإنّ الأمر ينحلّ إلى حصّتين تقيّد إطلاق إحدى الحصّتين بدليل خاصّ، وهذا لا يوجب تقييد الحصّة الاُخرى، وهذا ليس من قبيل استعمال اللفظ في معنيين، وإنّما هو من باب التقييد في بعض الحصص والإطلاق في بعضها، والتقييد ضرورة، والضرورات تتقدّر بقدرها(1)، من قبيل ما لو قال: «أكرم العالم»، وعرفنا أنّ الفقيه لا يُكرَم إلاّ إذا كان عادلاً، ولكن في غير الفقيه لم نعلم بذلك، فنبني على الإطلاق.

ومنها: أنّه لو ورد أمر بطبيعيّ فعل، من قبيل ما إذا ورد: «أكرم العالم»، وعلمنا من الخارج بأنّ إكرام العالم غير الفقيه لا يجب، فهل يمكن إثبات استحبابه على الأقلّ، أو لا؟

فعلى مسلك الوضع لا يثبت ذلك; إذ قوله: «أكرم» ظاهر في الوجوب، ومستعمل في الوجوب بمقتضى أصالة الحقيقة، وموضوعه العالم، وعلمنا عدم
وجوب إكرام غير الفقيه، فمقتضى القاعدة هو التخصيص; لأنّ هذا الدليل لسانه الوجوب، ولا وجوب لغير الفقيه، فلا يبقى دليل على الاستحباب أيضاً.


(1) إن وافقنا على الدلالة السياقيّة في الفرع السابق، فروح الدلالة السياقيّة موجودة هنا بشكل أشدّ.

  صفحه 57  

وأمّا على مسلك حكم العقل فالأمر مستعمل في الطلب، ولا موجب لتخصيصه بالفقيه; إذ لا دليل على عدم الطلب في غير الفقيه، فيحكم العقل في الفقيه بالوجوب لعدم الترخيص، وفي غيره بالاستحباب للترخيص، كما أنّه على مسلك الإطلاق نقول: إنّ مفاد «أكرم العالم» هو الطلب، ومقتضى إطلاقه هو الوجوب، وقد سقط الإطلاق في غير الفقهاء، ولكن أصل الطلب لا موجب لسقوطه.

ومنها: أنّه لو كان عندنا أمران، وعلمنا أنّه ورد الترخيص لأحدهما دون الآخر، ولم نستطع التعيين، فبناءً على مسلك الوضع أو الإطلاق يقع التعارض بينهما ويتساقطان، ولا يثبت الوجوب حتّى لأحدهما على ما يظهر من كلام المشهور في باب تخصيص العامّ بالمخصّص المردّد بين متباينين، حيث يظهر منهم تساقط العموم في كلا الموردين وعدم ثبوت أحدهما على الاجمال.

وأمّا بناءً على مسلك الحكم العقليّ فلا تعارض بين الأمرين، وإنّما العقل يحكم بالوجوب فيما لم يرد فيه الترخيص، وبالاستحباب فيما ورد فيه الترخيص، وحيث لا يعلم أنّ أيّ الأمرين لم يرد فيه الترخيص وأ يّهما ورد فيه يحصل العلم الإجماليّ بوجوب أحدهما.

نعم، على مسلكنا في تخصيص العامّ بالمردّد بين المتباينين من حجّيّته في الآخر على إجماله لا تتمّ هذه الثمرة.

ومنها: أنّه بناءً على مسلك الإطلاق بالتقريب الذي ذكره المحقّق العراقيّ : من أنّ الأمر يكون ظاهراً بإطلاقه في الطلب الشديد يثبت بنفس النكتة أعلى مراتب الوجوب، فلو وقع التزاحم بين واجبين: أحدهما ثبت بأمر لفظيّ، والآخر بالإجماع، قدّم دائماً ما يثبت بالأمر اللفظيّ; لأنّ دليله يدلّ على كونه في أعلى مراتب الوجوب بخلاف دليل الآخر; لأنّ احتمال الأهمّيّة يكون في باب التزاحم من المرجّحات، وهنا لو كان الواجب الثاني أيضاً في أعلى مراتب الوجوب لتساوياً، وإلاّ فالأوّل أهمّ منه، فقد دخل ذلك في باب احتمال الأهمّيّة.

 
  صفحه 58  

 

تحقيق معنى الطلب

الجهة الرابعة: في تحقيق معنى الطلب الذي مضى: أنّ كلمة الأمر موضوعة له، فقد وقع الكلام في أنّه: هل هو عين الإرادة أو غيرها؟ وأنّه: هل هو أمر نفسانيّ كالقدرة، أو فعل نفسانيّ، أو فعل خارجيّ؟

والأشاعرة ادّعوا المغايرة بين الطلب والإرادة، والمعتزلة ادّعوا العينيّة بينهما.

والأشاعرة استدلّوا على المغايرة بوجوه، أحدها مبتن على مسألة الجبر، وهو: أنّ الإرادة التشريعيّة لا تتعلّق بشيء غير مقدور، والأفعال مخلوقة لله وغير مقدورة للعبد، مع أنّنا نرى أنّه في الشريعة تعلّق الطلب بها، إذن نعرف أنّ الطلب غير الإرادة.

وبهذه المناسبة وقع البحث في الجبر والتفويض والاختيار، إذن فهنا مسألتان:

1 ـ إنّ الطلب والإرادة هل هما أمران، أو أمر واحد؟

2 ـ ما انجرّ إليها البحث من المسألة الاُولى بالمناسبة التي عرفتها، وهي مسألة الجبر والتفويض والاختيار.

ونحن هنا نقصر الكلام على المسألة الثانية، وهي مسألة الجبر والاختيار.

ويكون كلامنا في ذلك بشيء من الاختصار، فنقول:

 

مسألة الجبر والاختيار

إنّ مسألة الجبر والاختيار تنحلّ إلى مسألتين:

الاُولى: هي المسألة الكلاميّة، حيث وقع الكلام فيها بين المعتزلة القائلين بالتفويض والأشاعرة القائلين بالجبر والشيعة القائلين بأمر بين الأمرين، وروح هذه المسألة يرجع إلى النزاع في تشخيص فاعل هذه الأفعال التي تتحقّق على

 
  صفحه 59  

أيدي الناس، فمذهب التفويض يقول: إنّ الفاعل محضاً هو الإنسان وليس لله نصيب في هذه الفاعليّة، ومذهب الجبر يقول: إنّ الفاعل محضاً هو الله تعالى، ومذهب الشيعة يقول بأنّ لكلّ منهما نصيباً في الفاعليّة بالنحو المناسب له.

الثانية: هي المسألة الفلسفيّة، وروحها يرجع إلى أنّ فاعل هذه الأفعال ـ سواء فرضناه في المسألة الاُولى الإنسان أو ربّ الإنسان ـ هل يفعله اختياراً، أو بلا اختيار؟

ومن هنا يعرف أنّ المسألة الاُولى وهي الكلاميّة وحدها لا تكفي لحسم النزاع في بحث الجبر والاختيار، فلنفرض: أنّنا قلنا: إنّ الفاعل هو الإنسان وحده، لكن يبقى احتمال كونه فاعلاً بلا اختيار، من قبيل فاعليّة النار للإحراق التي قد يقال فيها أيضاً بأنّ الإحراق فعل للنار محضاً.

 

المسألة الكلاميّة:

أمّا المسألة الاُولى: فيوجد فيها بدواً خمس احتمالات:

1 ـ أن يكون الفاعل محضاً هو الإنسان، ولا نصيب لربّ العباد في الفاعليّة، وهذا مذهب التفويض، وهو مذهب المعتزلة.

وهذا يرجع ـ بحسب الحقيقة ـ إلى دعوى: استغناء المعلول عن العلّة بقاءً; إذ لو فرض حاجة الإنسان في وجوده البقائيّ إلى الله تعالى، ووجوده البقائيّ هو علّة أفعاله، إذن لم يعقل إنكار ثبوت نصيب لله في الفعل عرضيّاً وطوليّاً. وحيث إنّ هذا المبنى ساقط ـ كما حقّق في موضعه من الكلام والفلسفة; إذ برهن على أنّ المعلول بحاجة إلى العلّة بقاءً أيضاً ـ يثبت بطلان التفويض، وليس هنا موضع البحث عن تلك البراهين.

2 ـ أن يكون الفاعل محضاً هو الله تعالى، وإنّما الإنسان محلّ قابل لذلك الفعل من قبيل ما يفعله النجّار في الخشب، حيث إنّ الخشب ليس فاعلاً للفعل وإنّما هو

 
  صفحه 60  

قابل له، وليس لمبادئ الإرادة في نفس الإنسان أيّ دخل في الفعل، واقتران الفعل بالإرادة دائماً إنّما هو صدفة متكررّة، فصدور الفعل من الله يقترن صدفةً دائماً بإرادة الإنسان، وهذا مذهب الأشعريّ.

وهذا الاحتمال هو الذي ينبغي أن يكون مقابلاً بالوجدان المدّعى في كلماتهم، حيث قالوا: إنّ هناك فرقاً بالضرورة بين حركة المرتعش وحركة غير المرتعش. وهذا البحث ـ  بحسب الحقيقة  ـ لا يختصّ بالأفعال الاختياريّة، بل يأتي في كلّ عالم الأسباب والمسبّبات، فقد يقال: الإحراق شغل الله مباشرة يقترن بنحو الصدفة الدائميّة بالنار، والوجدان المبطل لذلك أيضاً عامّ يشمل كلّ عالم الأسباب والمسبّبات، وهو وجدان سليم بالقدر المبيّن في الاُسس المنطقيّة.

3 ـ أن يكون لكلّ من الإنسان والله تعالى نصيب في الفاعليّة، بمعنى كونهما فاعلين طوليّين، أي: أنّ الإنسان هو الفاعل المباشر للفعل بما اُوتي من قدرة وسلطان وعضلات، وتمام القوى التي استطاع بها أن يحرّك لسانه ويديه ورجليه، والله هو الفاعل غير المباشر من باب أنّ هذه القوى مخلوقة حدوثاً وبقاءً له تعالى، ومُفاضةٌ آناً فآناً، ومعطاة من قبل الله.

وهذا أحد الوجوه التي فسّر بها الأمر بين الأمرين.

4 ـ أن يكون الفاعل المباشر هو الله، لكن الإرادة ومبادئها مقدّمات إعداديّة لصدور الفعل من الله تعالى، ومعنى استناده إلى الإنسان إرادته إيّاه.

ففرقه عن الثاني: أنّ اقتران الفعل بالإرادة على الثاني كان مجرّد صدفة، وعلى هذا الوجه يكون من باب كون الإرادة مقدّمة إعداديّة للفعل، وفرقه عن الثالث أيضاً واضح; إذ على الثالث يكون الفعل فعل الإنسان مباشرة والله فاعل الفاعل، وأمّا على هذا الوجه فالله هو الفاعل المباشر، والإرادة مقدّمة إعداديّة لقابليّة المحلّ لإفاضة الفعل.

 
  صفحه 61  

وهذا أحد وجوه الأمر بين الأمرين.

5 ـ ما ذهب إليه عرفاء الفلاسفة ومتصوّفوهم، وهو: أنّ الفعل له فاعلان: الله والعبد، ولكنّهما لا طوليّان كما على الثالث، ولا عرضيّان كما على الرابع، بل هي ـ  بحسب الحقيقة  ـ فاعليّة واحدة تنسب بنظر إلى العبد، وبنظر آخر إلى الله تعالى مبنيّاً منهم على تصوّر عرفانيّ يقول: إنّ نسبة العبد إلى الله نسبة الربط والفناء، والمعنى الحرفيّ إلى المعنى الاسميّ، فبالنظر الاندكاكيّ تعتبر هذه الفاعليّة فعل الله، وبالنظر غير الاندكاكيّ تعتبر فعل العبد(1).


(1) لا بأس بشيء من بسط الكلام في هذا الوجه ولو مختصراً، فنقول ومن الله التوفيق:

تعارف القول بأنّ الماهيّة من حيث هي ليست إلاّ هي، وأنّها في مرتبة ذاتها ليست وجوداً ولا عدماً وإن كان لابدّ أن يحمل عليها: إمّا الوجود، وإمّا العدم، فهي: إمّا موجودة، وإمّا معدومة.

ولكن لا يخفى: أنّ هذا النوع من التصوّر يشتمل على شائبة أصالة الماهيّة، وعروض الوجود على الماهيّة شاء صاحبه أم أبى، ويفترض: أنّ للماهيّة ثبوتاً في عالم التقرّر، وتتلبّس: إمّا بثوب الوجود، أو بثوب العدم، في حين أنّ من الواضح: أنّه لا يتصوّر قبل الوجود شيء يلبس ثوب الوجود.

وبهذا ينهار البيان الفلسفيّ القائل: إنّ العالم مركّب من وجود وماهيّة، وإنّ الماهيّة إن كان ينبع من ذاتها الوجود كانت واجبة الوجود، وإلاّ كانت ممكنة الوجود، أو ممتنعة الوجود، وبما أنّ العالم لا ينبع من ذاته الوجود; لأنّه متغيّر، والمتغيّر حادث، إذن فلابدّ له من علّة، ولابدّ من انتهاء العلّة إلى واجب الوجود.

والبيان الصحيح الذي يحلّ محلّ هذا البيان هو: أنّه لا شيء في العالم إلاّ الوجود، وأمّا الماهيّة فليست إلاّ عبارة عن حدّ الوجود وانتهاء الوجود، أي: أنّ الماهيّة عدم صِرف،

  صفحه 62  


والذي يكون بذاته هو حقيقة الوجود المستقلّ يكون واجب الوجود، ولا يتصوّر العقل له حدّاً، وما لا يكون كذلك يكون عدماً صِرفاً، إلاّ أن يوجد ويُخلَق، وبما أنّ كلّ ما في هذا العالم محدود، وكذلك هو متغيّر فيستحيل أن يكون هو واجب الوجود، فلابدّ من انتهائه إلى واجب الوجود.

وبكلمة اُخرى: إنّنا بدلاً عن أن نقسّم الشيء إلى ما يكون الوجود واجباً لماهيّته، أو ممتنعاً عليها، أو ممكناً لها نقسّمه إلى الوجود المستقلّ الواجب، أو الوجود التعلّقيّ، أو العدم.

وبما ذكرناه انهار أيضاً ما عن المحقّق الإصفهانيّ : من أنّ كلّ وجود محدود له حدّان: حدّ وجوديّ وهو مقدار وجدانه المصحوب بالفقدان، وحدّ عدميّ وهو اللازم لحدّه الوجوديّ، وإن كان من ذوات الماهيّة فله حدّ ثالث وهو الحدّ الماهويّ(1).

وعلى أيّة حال، فإذا صحّ: أنّ الوجود اللامحدود هو واجب الوجود لا غيره، ثبت بذلك بعد ثبوت أصل الواجب تعالى أوّلاً: استحالة تعدّد واجب الوجود; إذ لو تعدّد لشكّل كلّ واحد منهما حدّاً للآخر; لأنّ أحدهما يجب أن ينتهي منذ أن يبدأ الآخر.

وثانياً: استحالة ثبوت وجود آخر ولو ممكناً بحيث يحدّ وجود ذلك الواجب; لأنّه لو صار الواجب محدوداً لكان ذلك خلف وجوبه.

ولتطبيق هذه النتيجة الثانية على واقع الحال ـ من وجود إله خالق وعالم مخلوق ـ


(1) راجع كتاب (توحيد علمي وعيني) الرسالة الرابعة للشيخ الإصفهانيّ جواب على رسالة السيّد أحمد الكربلائيّ ، ص 96. والصحيح: أنّ للوجود المحدود حدّاً واحداً إن شئت فسمّه بحدّه العدميّ، وإن شئت فسمّه بحدّه الماهويّ.

  صفحه 63  


تصويرات ثلاثة لا رابع لها، بعد التسليم بوجود العالم حقيقةً:

التصوير الأوّل: افتراض: أنّ واجب الوجود، أو الوجود المطلق لا يحدّه إلاّ واجب مثله، أو وجود مطلق مثله، وأمّا الوجودات المخلوقة فليست حدّاً لوجود الواجب; ولهذا اجتمع بالفعل وجود واجب الوجود من ناحية، ووجود عالم مخلوق له من ناحية اُخرى.

إلاّ أنّ هذا التصوير ما لم يرجع إلى التصوير الثاني يبدو بظاهره واضح البطلان; لما قد يقال: من أنّ الوجود المطلق إن كان مطلقاً حقّاً لم يبقَ مجالاً لأيّ وجود آخر، وأيّ وجود آخر يفترض في مقابل هذا الوجود يعني ذلك انتهاء ذاك الوجود المطلق من حين ابتداء هذا الوجود، ومجرّد افتراض رابطة التعلّق بين الوجودين على شكل كون الوجود المطلق علّة أو خالقاً، والوجود الآخر المحدود معلولاً أو مخلوقاً لا يحلّ مشكلة استحالة وجود آخر إلى صفّ الوجود المطلق.

التصوير الثاني: افتراض: أنّ إطلاق الوجود يعني إطلاق الوجود المستقلّ، ولا تعارضه الوجودات التعلّقيّة، فإنّنا لا نفترض وجودات مستقلّة متّصفة فيما بينها بصفة العلّيّة والمعلوليّة، كي تحدّ تلك الوجودات المستقلّة المعلولة وجودَ العلّة.

وبكلمة اُخرى: إنّنا لا نفترض: أنّ نسبة الواجب تعالى إلى مخلوقاته كنسبة العلل والمعلولات المادّيّة التي ألِفناها، والتي يفترض فيها وجودان مستقلاّن بينهما رابطة التعلّق، أو نسبة العلّيّة والمعلوليّة، بل نقول: إنّ وجودات المخلوقات هي كلّها وجودات تعلّقيّة، في حين أنّ وجود الله تعالى هو الوجود المستقلّ المطلق، فليس هذا التعلّق خيطاً رابطاً بين شيئين مستقلّين، بل المخلوق هو عين التعلّق والارتباط، وهذا هو الفهم السائد بين الفلاسفة الإسلاميّين، وعلى هذا الأساس قالوا: إنّ علم الله سبحانه بمخلوقاته علم حضوريّ، لا حصوليّ.

  صفحه 64  


التصوير الثالث: ما نسب إلى جمع من العرفاء(1): من أنّ أيّ وجود يفترض غير وجود
الله سبحانه وتعالى يكون ذلك حدّاً لوجوده تعالى، سواء فرضناه وجوداً استقلاليّاً أو فرضناه وجوداً تعلّقيّاً، فهو مادام شريكاً مع الله في الوجود ولو بمرتبة افترضناها نازلة فقد شكّل هذا الوجود حدّاً لوجوده سبحانه وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، ولا فرق في لزوم التحديد بين أن يفترض وجود في مقابل وجود الله صغير كجناح بعوضة، أو ذرّة لا تُرى بالعين، أو هو أصغر من ذلك، أو يفترض وجود من أعظم الخلائق وأكبرها، وبين أن يفترض وجود من أعلى مراتب الوجود شدّةً وقوّةً وكثرةً، أو من أدناها مرتبة وضعفاً وقلّة.

وعليه فالواقع: أنّ الممكنات أو الماهيّات ـ في الحقيقة ـ هي شبكات لذلك الوجود المستقلّ المطلق، وهو وجود الله تعالى، ويرى من خلالها ذاك الوجود. إذن فصاحب هذا الرأي لا يقول بأنّ العالم وهم وخيال، أو اعتبار محض لا وجود له، أو أنّ إطلاق عنوان الموجود فيه يكون على أساس مجرّد نسبته إلى وجود الله من قبيل التامر واللابن نسبةً إلى التمر واللبن، ولا يرى: أنّ وجود الله حلّ في الوجودات الممكنة أو اتّحد معها، أو ما إلى ذلك من عناوين تقتضي نوعاً من الاثنينيّة أوّلاً، ثُمّ الحلول أو الاتّحاد، بل يرى صريحاً: أنّ العالم بكلّ ما يزخر به ظاهراً من الممكنات شبكة يُرى بها وجود الله الذي هو الوجود الحقيقيّ والمستقلّ والمطلق البسيط وغير المشكّك وإن كان المرئيّ كأنّه يتقدّر


(1) راجع كتاب (توحيد علمي وعيني) تذييل السيّد محمّد حسين الحسينيّ الطهرانيّ على الرسالة الرابعة للشيخ الإصفهانيّ ، ص 195 ـ  220. وصاحب التذييل يدّعي أنّ هذا هو رأي جميع العرفاء بالله.

  صفحه 65  


بتقديرات اعتباريّة باختلاف الشبكات التي يرى بها الرائي، ويعتقد عادة أصحاب هذا المسلك أنّ هذا سرّ لا يصحّ إفشاؤه أمام عامّة الناس; لأنّهم لا يدركونه ولا يتحمّلونه، وعلى هذا الأساس قال القائل بالفارسيّة:

گفت آن يار كزو گشت سردار بلند

                            جرمش اين بود كه اسرار هويدا مى كرد(1)

وكأنّ كلاًّ من أصحاب هذين التصويرين: الثاني والثالث ينزّل على ما يقوله الآيات القرآنيّة، من قبيل قوله تعالى:

1 ـ ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ(2).

2 ـ ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ(3).

3 ـ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ(4).

4 ـ ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَة إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا(5).

5 ـ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ(6).


(1) الغزل رقم 142 لحافظ.

(2) سورة الزخرف، الآية: 84.

(3) سورة الحديد، الآية: 3.

(4) سورة الحديد، الآية: 4.

(5) سورة المجادلة، الآية: 7.

(6) سورة الأنفال، الآية: 24.

  صفحه 66  


6-﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ(1).

وكذلك بعض الكلمات المنقولة عن إمامنا أمير المؤمنين كأنّه يفسّرها كلّ من أصحاب هذين التصويرين لصالح ما يتصوّره، من قبيل قوله:

1 ـ «مع كلّ شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة»(2).

2 ـ «هو في الأشياء على غير ممازجة، خارج منها على غير مباينة، فوق كلّ شيء، فلا يقال: شيء فوقه، وأمام كلّ شيء، فلا يقال: له أمام، داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل، وخارج منها لا كشيء من شيء خارج»(3).

3 ـ «ليس في الأشياء بوالج، ولا عنها بخارج»(4).


(1) سورة ق، الآية: 16، راجع (توحيد علمي وعيني)، ص 198 ترى السيّد محمّد حسين الحسينيّ الطهرانيّ يستشهد بمثل هذه الآيات على مختاره من انحصار الوجود بالله تعالى، وأنّ الممكنات وجودات مجازيّة، أو شبكات يُرى بها وجود الله.

إلاّ أنّ هذه الآيات ـ  كما ترى  ـ تنسجم أيضاً مع التصوير الثاني، وهو تصوير الوجودات الممكنة وجوداً تعلّقيّاً، وانحصار الوجود المستقلّ بالله تعالى، وهذا خيرة السيّد الإمام الخمينيّ في كتابه في الطلب والإرادة، ص 64 و73 بحسب الطبعة المشتملة على ترجمة وشرح السيّد الفهريّ ، وراجع كتاب الإلهيّات للشيخ السبحانيّ بقلم المكّيّ العامليّ (حفظهما الله) تراه يستشهد بمثل هذه الآيات لما يختاره من أنّ وجودنا وجود تعلّقيّ، وأنّ الوجود المستقلّ منحصر بالله تعالى، وذلك في ج 1، ص  695.

(2) نهج البلاغة، طبعة الفيض، ص 15.

(3) التوحيد، ص 306 بحسب طبعة جماعة المدرّسين، ح 1، من ب 43.

(4) نهج البلاغة، ص 737 بحسب طبعة الفيض.

  صفحه 67  


أقول: لابدّ من توجيه سؤال إلى صاحب التصوير الثالث، وهو: أنّه لئن كانت الممكنات عبارة عن الهيئات التي هي شبكات مصوّرة على وجود الله تعالى، وتلك الشبكات هي أعدام بحت واعتباريّات صرف، إذن فمن المخاطب بالتكاليف الشرعيّة، هل هو ما يُرى من هذه الشبكات من وجود الله، أو نفس الشبكات التي هي أعدام، أو المجموع المركّب منهما تركيباً اعتباريّاً؟ ومن الذي يثاب ومن الذي يعاقب؟ وما هو الهدف من بعث الرسل وإنزال الكتب؟! ثمّ ما الذي خلقه الله تعالى، هل هو المرئيّ بالشبكة وهو الله تعالى، أو نفس الشبكة الذي هو عدم محض، أو إنّ المقصود بالخلق هو مجرّد الاعتبار الذي لا يكون وحده إلاّ لعباً، وهو يقول: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالاَْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ(1).

أمّا حديث كون الوجود التعلّقيّ حدّاً للوجود المطلق الإلهيّ، فكلام غريب; لأنّ الوجود التعلّقيّ إنّما يعتبر حدّاً لذاك الوجود لو كان يفسح عدمُه مجالاً لامتداد ذاك الوجود المطلق، فيقال: إنّ هذا الوجود يعني حدّاً لذاك; إذ لا يبدأ هذا إلاّ من حين ينتهي ذاك، ولكن الأمر ليس كذلك; لأنّ عدم الوجود التعلّقيّ لو فسح مجالاً للامتداد، لكان الامتداد وجوداً تعلّقيّاً، وتعالى الله عن أن يكون له وجود تعلّقيّ، سواء وجد وجود تعلّقيّ آخر أو لم يوجد، فأيّ تأثير في حساب البرهان الذي اقتضى الإطلاق والصرافة في وجود الله لوجود تعلّقيّ مخلوق لله تعالى؟! والبرهان إنّما اقتضى الوجود المستقلّ لواجب الوجود لا شيئاً آخر، بل البرهان ناف للوجود التعلّقيّ عنه، فالذي ينافي البرهان إنّما هو فرض وجود مستقلّ آخر، فهو الذي ينفي صرافة الوجود المستقلّ لله تعالى.

نعم، لا شكّ أنّ الآيات المشار إليها والأحاديث التي نقلناها عن عليّ وما أشبهها


(1) سورة الأنبياء، الآية: 16.

  صفحه 68  


تنفي الفهم الساذج البسيط لبعض عوام الناس الذي يعني كون نسبة الله إلى العالم كنسبة العلل المادّيّة إلى معلولاتها المادّيّة التي تنفصل عن عللها، أو كبنّاء بنى بيتاً ثُمّ انفصل عنه، ولكن لا ظهور لها في التصوير الثالث في مقابل التصوير الثاني، ولو فرض لها ظهور في ذلك، لكان ظهوراً منصدماً بحكم العقل.

وأمّا مسألة الأمر بين الأمرين التي كانت هي مصبّ بحثنا، فالشيخ الإصفهانيّ بعد ما اختاره من التصوير الثاني من التصويرات الثلاثة الماضية، وهو: أنّ وجود المخلوق عبارة عن عين الوجود التعلّقيّ والربط بالخالق تعالى قال: «وهذه الإضافة سمّيت بالإضافة الإشراقيّة في قبال الإضافة المقوليّة المتقوّمة بطرفين حقيقيّين، وهذه الإضافة الإشراقيّة من حيث القيام بفاعلها إيجاد، ومن حيث القيام بقابلها وجود، ومنه يظهر سرّ الأمر بين الأمرين»(1) .

انتهى ما أردنا نقله، وكأنّ مقصوده هو: أنّ فعل الإنسان بما له من إضافة إشراقيّة إليه، ويكون المُشرق في هذه الإضافة نفس الإنسان يكون فعلاً منتسباً إليه، وبما أنّ نفس الإنسان له إضافة إشراقيّة إلى الله، ويكون المُشرق هو الله تعالى ففعله أيضاً مضاف ـ  لا محالة  ـ إضافة إشراقيّة إلى الله، ومنتسب إليه، فلا هو مفوّض إلى العبد نهائيّاً، ولا هو أجنبيّ عن الله سبحانه، بل هو أمر بين الأمرين.

أقول: إنّ الأمر بين الأمرين بهذا المعنى الذي هو الاحتمال الخامس لا يحسم أيضاً مسألة الجبر والاختيار الفلسفيّة، فلابدّ لحسم ذلك من خوض المسألة الثانية، وهذا ما فعله اُستاذنا الشهيد في المتن.


(1) توحيد علمي وعيني، الرسالة الرابعة للشيخ الإصفهانيّ إلى السيّد أحمد الكربلائيّ ، ص  92.

  صفحه 69  


وإنّما يكون الأمر بين الأمرين بهذا المعنى وسطاً بين الجبر بمعنى كون الفعل فعل الله وحده، وكون الإنسان محلاًّ لذلك الفعل كما هو الحال في فعل النجّار في الخشب حينما يصنع منه سريراً مثلاً، والتفويض بمعنى كون الفعل فعلاً للعبد وحده.

وعليه، فقد تحصّل: أنّ للأمر بين الأمرين معاني ثلاثة:

الأوّل: كون الفاعل المباشر هو الله تعالى، مع افتراض: أنّ الإرادة ومبادئها في العبد مقدّمات إعداديّة لصدور الفعل من الله، وهذا هو الاحتمال الرابع من الاحتمالات الخمسة المذكورة في المتن.

وهذا الوجه باطل بالوجدان المثبت لانتساب الفعل المباشر للإنسان.

والثاني: كون الفاعل المباشر هو الإنسان، والفاعل الطوليّ هو الله سبحانه بإفاضته آناً فآناً الوجود والقدرة للفاعل المباشر.

وقد أفاد السيّد الخوئيّ لتشريح فكرة الأمر بين الأمرين بهذا المعنى، مع فكرتي الجبر والتفويض في مقابل هذه الفكرة مثالاً عرفيّاً يفترق به كلّ من المذاهب الثلاثة عن الآخرين، فقال: إذا فرضنا أنّ المولى أعطى لعبده سيفاً مع علمه بأنّه يقتل به نفساً، فالقتل إذا صدر منه باختياره لا يكون مستنداً إلى المولى بوجه; فإنّه حين صدوره يكون أجنبيّاً عنه بالكلّيّة، غاية الأمر: أنّه هيّأ بإعطائه السيف مقدّمة إعداديّة من مقدّمات القتل، وبعد ذلك قد خرج أمر القتل عن اختياره بحيث لو شاء أن لا يقع في الخارج لما تمكّن منه، وهذا هو واقع التفويض وحقيقته، كما أنّه إذا شدّ آلة الجرح بيد العبد مع فرض ارتعاش اليد بغير اختيار العبد فأصابت الآلة من جهة الارتعاش نفساً فجرحته، فالجرح لا يكون صادراً من العبد بإرادته واختياره، بل هو مقهور عليه في صدوره منه لا محالة، وهذا هو واقع الجبر وحقيقته، وإذا فرضنا أنّ يد العبد مشلولة لا يتمكّن من تحريكها إلاّ مع إيصال الحرارة إليها بالقوّة الكهربائيّة أو بغيرها،

  صفحه 70  


فأوصل المولى القوّة إليها بواسطة سلك يكون أحد طرفيه بيد المولى، فذهب العبد باختياره إلى قتل نفس والمولى يعلم بذلك، فالفعل بما أنّه صادر من العبد باختياره فهو اختياريّ له، وليس بمقهور عليه، وبما أنّ السلك بيد المولى وهو الذي يعطي القوّة للعبد آناً فآناً فالفعل مستند إليه، وكلّ من الإسنادين حقيقيّ من دون أن يكون هناك تكلّف أو عناية، وهذا واقع الأمر بين الأمرين، فالأفعال الصادرة من المخلوقين بما أنّها تصدر منهم بالإرادة والاختيار فهم مختارون في أفعالهم من دون أن تكون هناك شائبة القهر والإجبار، وبما أنّ فيض الوجود والقدرة والشعور وغيرها من مبادئ الفعل يجري عليهم من قبل الله تعالى آناً فآناً بحيث لو انقطع عنهم الفيض آناً واحداً لما تمكّن العبد فيه من فعل أبداً، فالأفعال الاختياريّة بين الجبر والتفويض، ومنتسبة إلى المخلوقين من جهة وإلى الخالق من جهة اُخرى(1) .

وهذا هو الاحتمال الثالث من الاحتمالات الخمسة المذكورة في المتن.

وقد علّق على هذا الكلام الشيخ السبحانيّ (حفظه الله) بما يلي:

هذا التمثيل مع كونه رفيع المنزلة في تبيين المقصود، إلاّ أنّ الفلاسفة الإلهيّين لا يرضون بالقول بأنّ النفس تستخدم قواها كمن يستخدم كاتباً أو نقّاشاً، قائلين بأنّ مقام النفس بالنسبة إلى قواها أرفع من ذلك; لأنّ مستخدم البنّاء لا يلزم أن يكون بنّاءً، ومستخدم الكاتب لا يكون كاتباً، فلو كانت النفس بالنسبة لاستخدام قواها كذلك لم يجب أن تكون سميعاً وبصيراً لدى استخدام السامعة والباصرة، في حين أنّ النفس هي السميعة البصيرة، فإذا كانت نسبة النفس إلى قواها فوق التسبيب والاستخدام، فكيف


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، المشتمل على تعاليق السيّد الخوئيّ ، ص 90، وراجع المحاضرات، ج 2، ص 87 ـ  89 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

  صفحه 71  


مثله سبحانه وهو الخالق القيّوم، وما سواه قائم به قوام المعنى الحرفيّ بالاسميّ.

أقول: إنّ في المثال الذي ذكره (حفظه الله) من البنّاء والكاتب مناقشة، فإنّ السيّد الخوئيّ لم يجعل تسبيب الله سبحانه وتعالى كتسبيب مستخدم البنّاء والكاتب، فإنّ قدرة البنّاء والكاتب ليست مستمدّة آناً فآناً من الذي استخدمهما، فقد يقول السيّد الخوئيّ : إنّ من أوصل التيّار الكهربائيّ إلى يد عبده المشلول، وأعطى بيده السيف ماسكاً زمام السلك حتّى نهاية القتل يكون قاتلاً.

إلاّ أنّه مع ذلك يكون روح اعتراض الشيخ السبحانيّ وارداً في المقام برغم قصور عبارة الشيخ السبحانيّ  (حفظه الله) فيما ذكره من التمثيل، فروح المطلب هو: أنّ إضافة الخالق ـ  جلّ وعلا ـ إلى المخلوقين وإلى أفعالهم إضافة إشراقيّة كإضافة النفس إلى قواها، وليست إضافة مقوليّة كإضافة موصل السلك أو إيصاله إلى عمل العبد المشلول.

والثالث: أنّ فعل العبد من ناحية يكون قائماً بالمولى عزّ وجل; لكون الفعل وجوداً إمكانيّاً، والوجود الإمكانيّ حقيقته التعلّق والصلة والربط، كما أنّه في نفس الوقت لا يمكن إنكار دور العبد فيه، فهو فعل صادر من العبد وباختياره، فليس الفعل فعله سبحانه بحيث يكون منقطعاً عن العبد بتاتاً، ويكون دوره دور المحلّ والظرف لظهور الفعل، بل هو فاعل، كما أنّه ليس فعل العبد فقط حتّى يكون منقطعاً عن الواجب قضاءً لحقّ الإضافة الإشراقيّة، وكون الفعل والفاعل أمرين ممكنين، وكون حقيقة الوجود الإمكانيّ عبارة عن محض التعلّق والصلة والربط. وفي هذه النظريّة جمال التوحيد الأفعاليّ منزّهاً عن الجبر، وفيها محاسن العدل منزّهاً عن مغبّة الشرك والثنويّة(1).


(1) راجع الإلهيّات، للشيخ السبحانيّ، ج 1، ص 685 ـ  695.

  صفحه 72  

هذه هي الاحتمالات الخمسة في المقام، والاحتمال الأوّل ساقط بالبرهان، والثاني ساقط بالوجدان، والخامس مبنيّ على تصوّر صوفيّ لا نفهمه، فيبقى الثالث والرابع، وكلّ منهما يمكن تطبيق أمر بين الأمرين الموروث عن الأئمّة عليه.

وبعد هذا ننتقل إلى المسألة الفلسفيّة، وهي التي تنحسم بها مسألة الجبر


وهذا هو الاحتمال الخامس من الاحتمالات الخمسة المشار إليها في المتن. وهو مختارنا بعد تفسيره بهذ الشكل الذي عرفت.

وكأنّه إلى هذا يشير مثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى(1) ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ(2)، وقوله عزّ من قائل: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِين(3)، في حين أنّ السيّد الخوئيّ صاحب التمثيل السابق يؤوّل هذه الآيات بمعنى مشيئة الله سبحانه لمبادئ الأفعال المفاضة من قبل الله تعالى للعبد، أو مشيئته الطوليّة لتلك الأفعال(4).

ومَثَل الله سبحانه وتعالى في الإضافة الإشراقيّة إلى مخلوقاته ـ  كما أشرنا  ـ هي إضافة النفس إلى مخلوقاتها، ولعلّ هذا جزء ممّا يشير إليه قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَفِي الاَْرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ  * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ(5) والرواية الواردة: «من عرف نفسه عرف ربّه»(6).


(1) سورة الأنفال، الآية: 17.

(2) سورة التوبة، الآية: 14.

(3) سورة التكوير، الآية: 29.

(4) راجع المحاضرات، ج 2، ص 94 ـ  95 بحسب طبعة مطبعة الآداب في النجف.

(5) سورة الذاريات، الآية: 20 ـ  21.

(6) غرر الحكم، ص 268 طبعة النجف.

  صفحه 73  

والاختيار، حيث إنّ مجرّد اختيار المذهب الشيعيّ في المسألة الاُولى القائل بأنّ للإنسان دخلاً في الفاعليّة كما أنّ لله تعالى دخلاً فيها، أو اختيار المذهب المعتزليّ القائل بأنّ الإنسان هو الفاعل محضاً لا يُحتّم كون الإنسان مختاراً غير مجبور في فعل، فلعلّ صدور الفعل من الإنسان كصدور الإحراق من النار بناءً على فاعليّة النار للإحراق. نعم، لو اختير في المسألة الاُولى المذهب الأشعريّ القائل بكون الفاعل هو الله محضاً، لثبت كون الإنسان غير مختار، فهذا المسلك وإن كان يكفي لإثبات الجبر لكن المسلكين الآخرين لا يكفيان لإثبات الاختيار، فلابدّ من المسألة الثانية لحسم مسألة الجبر والاختيار فنقول:

 

المسألة الفلسفيّة:

وأمّا المسألة الثانية: فهي ـ في الحقيقة ـ نشأت لدفع شبهة فلسفيّة تنفي الاختيار حتّى بعد الاعتراف بأنّ الفعل فعل الإنسان، وهذه الشبهة مركّبة من مقدّمتين:

الاُولى: أنّ الاختيار ينافي الضرورة; فإنّ الضرورة تساوق الاضطرار المقابل للاختيار من قبيل حركة يد المرتعش التي هي ضروريّة.

الثانية: أنّ صدور الفعل من الإنسان يكون بالضرورة; لأنّ الفعل الصادر منه ممكن من الممكنات، فتسوده القوانين السائدة في كلّ عالم الإمكان القائلة بأنّ الممكن ما لم يجب بالغير لم يوجد، فبالجمع بين هاتين المقدّمتين يثبت أنّ الإنسان غير مختار في أفعاله; إذ لا يصدر منه فعل إلاّ بالضرورة، والضرورة تنافي الاختيار.

وهذه الشبهة اختلفت المسالك والمباني في كيفيّة التخلّص عنها، فبعضها يرجع إلى المناقشة في المقدّمة الاُولى، وبعضها يرجع إلى المناقشة في المقدّمة الثانية، فنقول:

 
  صفحه 74  

المسلك الأوّل: ما ذهب إليه المشهور من الفلاسفة، فهم اعترفوا بالمقدّمة الثانية، وهي: أنّ فعل الإنسان مسبوق بالضرورة، ولكنّهم ناقشوا المقدّمة الاُولى، وهي: أنّ الضرورة تنافي الاختيار; وذلك أنّهم فسّروا الأختيار بأنّ مرجعه إلى القضيّة الشرطيّة القائلة: إن شاء وأراد فعل وإلاّ لم يفعل، والقضيّة الشرطيّة لا تتكفّل حال شرطها، وأنّه: هل هو موجود بالضرورة، أو معدوم بالضرورة، أو لا ، فمتى ما صدقت هذه القضيّة الشرطيّة فقد صدق الاختيار حتّى إذا فرض أنّ الشرط ـ  وهو الإرادة مثلاً  ـ كان ضروريّاً، فكان الجزاء ضروريّاً بالغير، أو كان ممتنعاً، فكان الجزاء ممتنعاً بالغير من دون فرق بين أن يكون وجوب الشرط وامتناعه بالغير كما في الإنسان، أو بالذات كما يفترضونه في حقّ الباري تعالى; لأنّ صفاته واجبة بالذات; لأنّها عين ذاته، وضرورة الفعل الناشئة من الإرادة لا تنافي الاختيار، بل تؤكّده; لأنّ الاختياريّة تكون بصدق القضيّة الشرطيّة القائلة: لو أراد لصلّى مثلاً، فإذا ثبت أنّ الصلاة تصبح ضروريّة عند الإرادة، فهذا تأكيد للملازمة، وتحقيق بتّيّ لصدق القضيّة الشرطيّة، وبدون هذه الضرورة تكذب القضيّة الشرطيّة، وليست مضمونة الصدق.

والحاصل: أنّ الاختيار صادق متى ما صدقت هذه القضيّة الشرطيّة كما في حركة يد السليم، وغير صادق متى ما لم تصدق القضيّة الشرطيّة كما في حركة يد المرتعش، وهذا لا ينافي ضرورة الفعل بالإرادة، ولا ضرورة الإرادة نفسها، وهذا مرجع ما قاله صاحب الكفاية: من أنّ الفعل الاختياريّ ما يكون صادراً عن الإرادة بمبادئها، لا ما يكون صادراً عن إرادة صادرة عن الاختيار، وهكذا.

وهذا الكلام الذي قاله هؤلاء الفلاسفة والحكماء ـ بحسب الحقيقة ـ مبنيّ على ما ذكرناه من التفسير للاختيار، وهو: أنّه عبارة عن صدق تلك القضيّة الشرطيّة، وبعد فرض التسليم بهذا التفسير يتمّ استدلالهم في المقام، وهو: أنّ هذه القضيّة

 
  صفحه 75  

الشرطيّة صادقة في جميع موارد الاختيار، ولا يضرّ به الوجوب بالذات أو بالغير.

إلاّ أنّ الشأن في صحّة هذا التفسير; فإنّه إن كان مجرّد اصطلاح للفلاسفة لأجل تغطية المسألة، فلا مشاحّة معهم في الاصطلاح، وإن كان مرجعه إلى تشخيص معنى الاختيار لغة، وأنّ واضع اللغة هكذا وضع لفظة الاختيار، فأيضاً لا كلام لنا معهم; إذ ليس بحثنا لغويّاً لنرى أنّ الواضع لأيّ معنىً وضع لفظ الاختيار، وأمّا إن كان المنظور الاستطراق إلى التكليف والحساب، وتوضيح الفارق بين حركة أمعاء الإنسان وحركة أصابعه الذي جعل الإنسان يحاسب على الثانية دون الاُولى (سواء فرضنا أنّ لكلمة الاختيار معنىً في اللغة أو لا)، فحينئذ نقول: تارةً نتكلّم على ما هو الحقّ من التسليم بالحسن والقبح العقليّين، واُخرى نتكلّم بناءً على إنكار ذلك كما أنكره الأشاعرة صريحاً، وأنكره الفلاسفة بشكل مستور، حيث أرجعوا الحسن والقبح إلى الاُمور العقلائيّة والمشهورة:

أمّا بناءً على ما هو الحقّ من التسليم بالحسن والقبح العقليّين، فلا محصّل لكلّ هذه الكلمات في تخلّصهم من المشكلة، فإنّ حركة الأصابع إذا كانت ناشئة بالضرورة من الإرادة، والإرادة ناشئة بالضرورة من مبادئها، وهي ناشئة بالضرورة من عللها، وهكذا إلى أن ينتهي الأمر إلى الواجب بالذات، فحالها تماماً حال حركة الأمعاء عند الخوف مثلاً الناشئة بالضرورة من عامل الخوف الناشيء بالضرورة من عوامل مؤثّرة في النفس الناشئة من عللها، وهكذا إلى أن ينتهي الأمر إلى الواجب بالذات، وكما تقبح المحاسبة والعقاب على الثاني كذلك تقبح على الأوّل بلا أيّ فرق بينهما، سوى أنّ واضع اللغة سمّى الأوّل اختياريّاً دون الثاني.

وأمّا بناءً على إنكار الحسن والقبح العقليّين، فلا تبقى مشكلة من ناحية قبح المحاسبة والعقاب حتّى نحتاج إلى حلها. نعم، تبقى فقط مشكلة لَغْويّة التكليف،

 
  صفحه 76  

وأنّه لا فائدة فيه بناءً على عدم الاختيار، فما الذي يدعُو المولى إلى التكليف والخطاب؟ وعندئذ يكفي ما ذكروه لحلّ هذه المشكلة; فإنّ الحركة الناشئة من الإرادة وإن كانت ضروريّة كحركة الأمعاء لكنّها سنخ فعل يمكن التدخّل التشريعيّ فيه (على خلاف سائر الاُمور الضروريّة) بالتكليف والتخويف بالعقاب، فمن يشتهي الأكل من الطعام الحرام لو علم بأنّه يضرب ضرباً أشدّ من لذّة الطعام، لأحجم عن ذلك ولو بلا اختيار، بخلاف حركة الأمعاء مثلاً; فإنّه حتّى لو عرف الضرب على تقدير الحركة تبقى الأمعاء تتحرّك.

هذا صفوة ما يمكن أن يقال في التعليق على هذا المسلك.

المسلك الثاني: يعاكس المسلك الأوّل، فيسلّم بالمقدّمة الاُولى، وأنّ الضرورة تساوق الاضطرار المنافي للاختيار، ويناقش في المقدّمة الثانية، فينكر قوانين العلّيّة، ويفرض أنّ الشيء ينتقل رأساً من عالم الإمكان إلى عالم الوجود بلا حاجة إلى توسيط الضرورة. ومال إلى هذا المسلك بعض الفلاسفة المتأخّرين من غير المسلمين، وتخيّلوا: أنّ هذا يساوق الاختيار والحرّيّة; إذ يبقى الفعل ممكناً حتّى حين صدوره.

وهذا المسلك حاله حال أصل الشبهة في ارتكاب الخطأ، فإنّ أصل الشبهة جعلت الضرورة بقول مطلق منافية للاختيار، وهذا المسلك جعل الإمكان ونفي الضرورة ونفي مبادئ العلّيّة مساوقاً للاختيار، وكلاهما غير صحيح:

أمّا الأوّل: فلأنّ الضرورة إذا كانت في طول الاختيار فهي لا تنافي الاختيار، وإلاّ فهي تنافيه، وسيأتي ـ  إن شاء الله  ـ الكلام في ذلك.

وأمّا الثاني: فلأنّ مجرّد كون الفعل ليس ضروريّاً لا يكفي في كونه اختياريّاً للفاعل; فإنّ إنكار مبادئ العلّيّة معناه ـ  بحسب الحقيقة  ـ التسليم بالصدفة، ومن الواضح: أنّ الصدفة غير الاختيار، فلو فرض ـ  محالاً  ـ أنّ الماء غلى بلا علّة وبلا

 
  صفحه 77  

نار، فهذا معناه: تحقّق الغليان صدفة، وليس معناه: أنّ الغليان كان اختياريّاً للماء; لأنّه وجد بلا علّة; فإنّ هذا غير ما يراه العقل اختياراً.

المسلك الثالث: ما قد يتفصّى به أيضاً بعض المحدّثين، وحاصله: أنّ الكائنات التي تعيش في ظلّ هذه الطبيعة نرى أنّها مختلفة في مقدار تحديد الطبيعة لها في مجال سيرها، فمثلاً الحجر الذي قذف به إلى أعلى يكون مجال سيره محدّداً مِائة بالمِائة ومن جميع الجهات، فقد فرض عليه أن يسير إلى أعلى بنحو مخصوص وإلى حدّ معيّن إلى أن تنتهي قوّة الدفع، فيرجع إلى أسفل محدَّداً أيضاً سيره من جميع الجهات بحيث يمكن التنبّؤ بالدقّة عن حال صعوده ونزوله، وتعيين وضعه في السير صعوداً ونزولاً بالضبط، هذا حال الحجر. وأمّا الحيوان الذي يضرب بحجر فيفرّ، فالطبيعة لم تحدّد له سيره تحديداً كاملاً، بل له عدّة فرص، ولذا لا يتاح لنا بالدقّة التنبّؤ بأنّه من أيّ جهة سيهرب؟ وأكثر منه فرصةً الإنسان; وذلك لأمرين:

الأوّل: أنّ ميوله وغرائزه أكثر تعقيداً وأشدّ من الحيوان، فمثلاً بينما الحيوان يفرّ حينما يرى الحجر متوجّهاً إليه قد يميل الإنسان إلى أن يقف ويتلقّف الحجر.

والثاني: أنّه اُوتي عقلاً يحكّمه في أفعاله ويلحظ المصالح والمفاسد.

وهذه الفرص كلّها تصعّب التنبّؤ بما سوف يفعل، والاختيار ينتزع من هذه الفرصة التي تعطيه الطبيعة.

وهذا الكلام وإن صدر من جملة من الفلاسفة المحدثين إلاّ أنّه لا يرجع إلى محصّل; إذ مرجعه إلى أنّ الاختيار أمر وهميّ; إذ كون الفرصة في الإنسان أكثر منها في الحيوان، وفيه أكثر منها في الحجر، فتمنع الفرصة عن التنبّؤ مرجعه إلى عدم الإطلاع للمتنبّئ على كلّ الخصوصيّات الدخيلة في تصرّف الإنسان أو الحيوان لشدّة تعقيدها، وهذه الفرصة انتزعت وهماً من هذه الخصوصيّات

 
  صفحه 78  

المجهولة عند المتنبّئ، ولو أنّه اطّلع على كلّ الخصوصيّات، لتنبّأ كما يتنبّأ حال الحجر، وهذا هو عين القول بالجبر.

المسلك الرابع: ما ذهب إليه المحقّق النائينيّ ، حيث إنّه سلّم بالمقدّمة الاُولى والثانية معاً، إلاّ أنّه لم يقبل إطلاق المقدّمة الثانية، وقال بأنّ قوانين العلّيّة لا تشمل الأفعال الاختياريّة للإنسان، فالإنسان حينما يلتفت إلى عمل ما كالصلاة، وتنقدح في نفسه الإرادة الجدّيّة الكاملة لا يحصل وجوب وضرورة للصلاة بمعنىً يخرجها عن قدرة الإنسان، فالنفس حتّى بعد الإرادة يبقى بإمكانها أن تتحرّك نحو الصلاة أو لا تتحرّك، وحينما تصدر منها الصلاة قد صدر ـ  في الحقيقة  ـ من النفس بعدما تمّت عندها الإرادة عملان طوليّان:

أحدهما: فعل خارجيّ وهو الصلاة، والآخر: فعل نفسانيّ قائم بصقع النفس، وهو أسبق رتبة من الفعل الخارجيّ، وهو تأثير النفس وحملتها وإعمالها للقدرة، فالفعل يوجد بإعمال القدرة والاختيار، وهذا الفعل النفسانيّ ـ  وهو إعمال القدرة والتحرّك والتأثير  ـ نسبته إلى النفس نسبة الفعل إلى الفاعل، لا نسبة العرض إلى محلّه كالإرادة، وهذه الحملة والتحرّك التي هي فعل نفسانيّ ليست معلولة للإرادة وفقاً لقوانين العلّيّة، بل النفس بعد الإرادة يبقى بإمكانها أن تتحرّك نحو الفعل وأن لا تتحرّك.

وإذا لاحظنا هذين الفعلين نرى أنّهما اختياريان: أمّا فعلها الأوّل وهو توجّه النفس وتأثيرها فهو أمر اختياريّ; إذ لم يتحتّم ولم يصبح وجوده ضروريّاً بالإرادة حتّى يلزم خروجه من الاختيار. وأمّا فعلها الثاني وهو الفعل الخارجيّ كالصلاة، فهو وإن أصبح ضروريّاً بعد الاختيار لكن هذه الضرورة لا تنافي الاختيار; لأنّها ضرورة نشأت من الاختيار; إذ نشأت من الفعل الأوّل الذي هو عين اختيار النفس وإعمالها لقدرتها، والضرورة في طول الاختيار لا تنافي الاختيار.

 
  صفحه 79  

أقول: إنّنا نقبل من المحقّق النائينيّ بنحو الإجمال ما ذكره: من أنّه لابدّ من رفع اليد في الأفعال الاختياريّة عن إطلاق قوانين العلّيّة وقاعدة (أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد) كما سيأتي توضيحه، ولكن ما ذكره في مقام تفصيل ذلك من افتراض فعلين للنفس، وشرحه بالنحو الذي عرفت توجد لنا حوله عدّة تعليقات:

الاُولى: أنّ ما جعله فعلاً نفسيّاً وراء الفعل الخارجيّ ـ وهو تأثير النفس واختيارها وإعمالها لإمكانيّاتها في إيجاد الصلاة  ـ ليس بحسب الحقيقة أمراً وراء الفعل الخارجيّ; فإنّ الإعمال عين العمل، والتأثير عين الأثر، وهذه عناوين انتزاعيّة منتزعة من نفس العمل والأثر، فالإعمال والعمل، والإيجاد والوجود، والتأثير والأثر مفهومان مختلفان بالاعتبار، متّحدان خارجاً، فمثلاً الاحراق تارةً يلحظ منسوباً إلى الفاعل فيسمّى إحراقاً وإيجاداً للاحتراق، واُخرى يلحظ منسوباً إلى المحلّ فيسمّى وجوداً أو احتراقاً.

الثانية: أنّ إدخال فرضيّة وجود عمل نفسانيّ وراء العمل الخارجيّ، وتوسيطه بين الإرادة والفعل لا دخل له في حلّ الشبهة، فيمكننا أن نلتزم رأساً في الفعل الخارجيّ بما التزم به المحقّق النائينيّ في الفعل النفسيّ من خروجه عن قانون (أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد)، فإن كان هذا التخصيص لذاك القانون كافياً لرفع الشبهة، أمكن أن يطبّق ابتداءً على الفعل الخارجيّ، وإن لم يكن كافياً لذلك، فافتراض فعل آخر متوسّط بين الإرادة والفعل لا يؤثّر في رفع الشبهة.

الثالثة: أنّنا إذا لاحظنا الفعل الخارجيّ ونسبته إلى الفعل النفسانيّ، رأينا أنّ حاله حال سائر الحوادث في عالم الطبيعة، أي: ينطبق عليه قانون (أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد); إذ هو وليد الفعل النفسانيّ. وأمّا إذا لاحظنا الفعل النفسانيّ، فقد افترض أنّه خارج عن قانون (أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد)، وسواء فرضنا: أنّ هذا الفعل النفسانيّ هو الخارج عن هذا القانون أو فرضنا: أنّ الفعل الخارجيّ

 
  صفحه 80  

ابتداءً هو الخارج عن هذا القانون، نقول: إنّه من الواضح: أنّ هذا القانون لم يكن قانوناً تعبّديّاً يقبل التخصيص تعبّداً، وإنّما هو قانون عقليّ، فيأتي السؤال عن أنّه، ما هو المصحّح لوجود هذا الفعل بعد فرض عدم وجوبه الذاتيّ، وكيف وجد به؟

فنقول: إنّ الأمر في ذلك لا يخلو من أحد فروض:

1 ـ أن يكون المصحّح لوجوده هو الوجوب بالغير والضرورة المكتسبة من العلّة، وهذا خلف الخروج من قاعدة (أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد).

2 ـ أن يكون المصحّح له مجرّد الإمكان الذاتيّ، أي: أنّ مجرّد إمكان صدوره من الفاعل يكفي في صدوره، وهذا أيضاً غير صحيح; إذ من الواضح بالفطرة: أنّ الإمكان الذاتيّ الذي معناه: كون نسبة الشيء إلى الوجود والعدم على حدّ سواء لا يكفي مرجّحاً لجانب الوجود، ويأتي السؤال عن أنّه: ما هو الفرق بين الإمكان هنا والإمكان في سائر المجالات، حيث لم يكفِ الإمكان في سائر المجالات للوجود، وكفى له هنا؟

هذا، مضافاً إلى أنّ ذلك لا يصحّح الاختيار; إذ هذا معناه الصدفة لا الاختيار، والصدفة غير الاختيار.

3 ـ أن يفترض: أنّ الفعل الخارجيّ صادر بهجوم النفس على حدّ تعبير المحقّق النائينيّ ، وذاك الهجوم صادر بهجوم آخر وهكذا، وهذا أيضاً باطل للزوم التسلسل، فلم يبقَ إلاّ الفرض الرابع الذي هو الفرض المعقول في المقام، والذي قصر عنه المنقول من كلمات المحقّق النائينيّ ، فلعلّ هذا هو المقصود، ولكن قصرت العبارة عن أدائه.

4 ـ أن نطرح مفهوماً ثالثاً في مقابل مفهومي الوجوب والإمكان، وهو مفهوم السلطنة، وهذا الوجه هو الذي يبطل به البرهان على الجبر، كما نوضّح ذلك في خلال عدّة نقاط:

 
  صفحه 81  

الاُولى: أنّ قاعدة (أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد) لو كانت قاعدة قام عليها البرهان، فلا معنى للالتزام بالتخصيص; إذ ما يقوم عليه البرهان العقليّ لا يقبل التخصيص والتقييد، ولكن الصحيح: أنّها ليست قاعدة مبرهنة، بل هي قاعدة وجدانيّة، من المدركات الأوّليّة للعقل وإن كان قد يبرهن على ذلك بأنّ الحادث لو وجد بلا علّة ووجُوب، للزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجّح، وهو محال، لكنّك ترى: أنّ استحالة الترجيح أو الترجّح بلا مرجّح هي عبارة اُخرى عن أنّ المعلول لا يوجد بلا علّة، إذن فلابدّ من الرجوع في هذه القاعدة إلى الفطرة السليمة مع التخلّص من تشويش الاصطلاحات والألفاظ، لنرى ما هو مدى حكم الفطرة والوجدان بهذه القاعدة، فننتقل إلى النقطة الثانية.

الثانية: أنّ الفطرة السليمة تحكم بأنّ مجرّد الإمكان الذاتيّ لا يكفي للوجود. وهنا أمران إذا وجد أحدهما رأى العقل أنّه يكفي لتصحيح الوجود:

أحدهما: الوجوب بالغير، فإنّه يكفي لخروجه عن تساوي الطرفين، ويصحّح الوجود.

والثاني: السلطنة، فلو وجد ذات في العالم يملك السلطنة، رأى العقل بفطرته السليمة أنّ هذه السلطنة تكفي للوجود.

وتوضيح ذلك: أنّ السلطنة تشترك مع الإمكان في شيء، ومع الوجوب في شيء، وتمتاز عن كلّ منهما في شيء:

فهي تشترك مع الإمكان في أنّ نسبتها إلى الوجود والعدم متساوية، لكن تختلف عن الإمكان في أنّ الإمكان لا يكفي لتحقّق أحد الطرفين، بل يحتاج تحقّقه إلى مؤونة زائدة، وأمّا السلطنة فيستحيل فرض الحاجة معها إلى ضمّ شيء آخر إليها لأجل تحقّق أحد الطرفين; إذ بذلك تخرج السلطنة عن كونها سلطنة، وهو خلف، بينما في الإمكان لا يلزم من فرض الحاجة إلى ضمّ ضميمة خلف

 
  صفحه 82  

مفهوم الإمكان، إذن فالسلطنة لو وجدت، فلابدّ من الالتزام بكفايتها.

وهي تشترك مع الوجوب في الكفاية لوجود شيء بلا حاجة إلى ضمّ ضميمة، وتمتاز عنه بأنّ صدور الفعل من الوجوب ضروريّ، ولكن صدوره عن السلطنة ليس ضروريّاً; إذ لو كان ضروريّاً لكان خلف السلطنة، وفرق بين حالة (له أن يفعل) وحالة (عليه أن يفعل)، وقد فرضنا أنّنا وجدنا مصداقاً للسلطنة، وأنّ له أن يفعل، وينتزع العقل من السلطنة ـ  باعتبار وجدانها لهذه النكات  ـ مفهوم الاختيار، لا من الوجوب ولا من الصدفة.

وقد تحصّل: أنّ المطلوب في هذه النقطة الثانية أنّه لو كانت هناك سلطنة في العالم، لكانت مساوقة للاختيار، وكفت في صدور الفعل.

الثالثة: أنّ هذه السلطنة هل هي موجودة، أم لا؟

يمكن البرهان على إثباتها في الجملة، وتعيينها في الله(1). وهذا خارج عمّا نحن بصدده، ويرجع إلى بحث قدرة الله. وأمّا في الإنسان الذي هو الداخل في


(1) كأن يقال: لو لم يكن الله ـ سبحانه وتعالى ـ فاعلاً مختاراً، أو كان علّة تكوينيّة، لانتهت الحركة في العالم منذ زمان قديم; لأنّ الحركة الجوهريّة في الموادّ والأشياء تعني خروج ما  بقوّتها إلى الفعل، وما  بقوّتها محدودة، وخروجها إلى الفعل محدود ويحتاج إلى زمان محدود، وأيّ مقدار من الزمان نفترض الحاجة إليه لانتهاء ما  بقوّة المخلوقات إلى الفعل فقد مضى على ذلك أكثر من ذلك الزمان; لأنّ الخالق قديم، وهو ـ بحسب الفرض ـ علّة لتلك المخلوقات، والمعلول لاينفكّ عن علّته، إذن فهو قديم، فكيف لم تنتهِ حركة تلك المخلوقات حتّى يومنا هذا؟! ولو فرضنا: أنّه انتهت الحركة في المخلوقات الاُولى، ثُمّ بدأ الخالق بخلق جديد، لكان هذا أيضاً دليلاً على الخلق بالسلطنة لا بالعلّيّة; لأنّه لو كان بالعلّيّة لكان هذا الخلق أيضاً قديماً بقدم علّته، وكان حاله حال الخلق الأوّل في انتهاء حركته.

  صفحه 83  

محلّ البحث، فلا برهان عليها، بل ينحصر الأمر في إثبات ذلك بالشرع أو بالوجدان، بأن يقال مثلاً: إنّنا ندرك مباشرة بالوجدان ثبوت السلطنة فينا، وإنّنا حينما يتمّ الشوق الأكيد في أنفسنا نحو عمل لا نقدم عليه قهراً، ولا يدفعنا إليه أحد، بل نقدم عليه بالسلطنة بناءً على دعوى: أنّ حالة السلطنة من الاُمور الموجودة لدى النفس بالعلم الحضوريّ من قبيل حالة الجوع أو العطش، أو حالة الحبّ أو البغض، أو بأن يقال: إنّنا كثيراً ما نرى: أنّنا نرجّح بلا مرجّح كما يقال في (رغيفي الجائع) و(طريقي الهارب)، فلو كان الفعل لا يصدر إلاّ بقانون الوجوب بالعلّة، إذن لبقي جائعاً إلى أن يموت; لعدم المرجّح لأحدهما، بينما بناءً على قاعدة السلطنة يرجّح أحدهما بلا مرجّح. وإن عرض هذا الكلام على الحكماء، لقالوا: إنّ المرجّح موجود في علم المولى، أو بعض الملائكة المدبّرين للاُمور، إلاّ أن يقال في مقابل ذلك: إنّ الوجدان يحكم بعدم دخل المرجّح دائماً في تصميماتنا وما يصدر منّا من الأفعال في مقابل بدائله، فرجع الأمر أيضاً مرّة اُخرى إلى الوجدان(1).


(1) الواقع: أنّ الاستشهاد بــ (رغيفي الجائع) و(طريقي الهارب) لو قصدت به البرهنة على الاختيار، لأمكن ردّه باحتمال وجود المرجّح في علم المولى، أو بعض الملائكة المدبّرين للاُمور، أو قل: إنّ في الموارد المتعارفة التي اتّفقت في العالم حتّى يومنا هذا من أمثال (رغيفي الجائع) و(طريقي الهارب) إنّما لم نرَ شخصاً يقف حائراً أمام الأمرين، بل رأينا دائماً اختياره لأحد الأمرين; لأنّ المرجّح في الواقع كان موجوداً وإن خفي علينا. أمّا لو فرض عدم المرجّح صدفة، فمن الذي أخبرنا بأنّه سوف لن يقف حائراً بين الأمرين؟!

أمّا لو قصد به تنبيه الوجدان على الاختيار، فهذا الردّ غير وارد، فإنّ المقصود بمثل هذه الأمثلة عندئذ دعوى: أنّ الوجدان حاكم بأنّه حتّى لو لم يكن في الواقع، وفي علم الله، وفي علم الملائكة ترجيح لأحد الأمرين، سوف لن يقف الشخص حائراً بين الأمرين، ومتحمّلاً الجوع، أو افتراس الأسد، أو نحو ذلك.

  صفحه 84  

وعلى أيّ حال، فيكفي لإبطال برهان الجبر ما عرفته من إبداء احتمال كون الإنسان مصداقاً لمفهوم السلطنة(1).


(1) فيبقى الوجدان الحاكم بالاختيار خالياً عن المزاحمة بالبرهان. وهذا الوجدان غير الوجدان الذي مضى ذكره الذي كان حاكماً بالفرق بين حركة يد المرتعش وحركة يد السليم; فإنّه كان يكفي إشباعاً لذاك الوجدان فرض: أنّ حركة يد السليم حركة بإرادته، وليست يد السليم كعصا بيد الخالق هو الذي يحرّكها، وإلاّ لكانت مثل حركة يد المرتعش، أي: يكفي لإشباع ذاك الوجدان إنكار الجبر الأشعريّ، في حين أنّ هذا الوجدان عبارة عن وجدان نفس السلطنة; لأنّها معلومة بالعلم الحضوريّ لدى النفس، أي: هي موجودة بذاتها لدى النفس، فالوجدان يحكم بها، وهذا يبطل الجبر الأشعريّ والفلسفيّ في وقت واحد، وقد كان يقف أمام هذا الوجدان برهان القائل بالجبر الذي قد يغطّي على الوجدان، فيكفينا إبطال ذاك البرهان بلاحاجة إلى برهان على الاختيار، وقد أبطلناه.

إن قلت: لو كان يكفينا إبطال برهان الجبر بلا حاجة إلى برهان على الاختيار والسلطنة، فلماذا اعترض اُستاذنا الشهيد على المسلك الثاني من مسالك إبطال الجبر، وهو المسلك المنكر لقانون (أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد) والمؤمن في مقابل ذلك بقانون الصدفة، حيث مضى في الإشكال على ذلك ـ  بغضّ النظر عن بطلان المبنى  ـ : أنّ هذا لا يثبت الاختيار; فإنّ الصدفة غير الاختيار، فلِمَ لمْ تقولوا هناك: إنّه لم تكن المقصود البرهنة على الاختيار حتّى يقال: إنّ الصدفة لا تثبت الاختيار، وإنّما المقصود كان ردّ برهان الجبر ونفي المقدّمة الثانية، أعني: قانون (أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد) كاف في إبطال برهان الجبر.

قلنا: أوّلاً: إنّ صاحب هذا المسلك كان يحاول تفسير الاختيار بنفي الوجوب، وإنكار: أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد، فيكفي اعتراضاً عليه: أنّ مجرّد نفي الوجوب لا يساوق الاختيار.   

  صفحه 85  

هذا تمام ما أردنا أن نبيّنه في المسألة الثانية.

بقي هنا شيئان:

الأوّل: أنّه مضى في المسألة الاُولى، أي: في أنّ الفاعل هل هو الله أو الإنسان ذكر وجوه خمسة، وقلنا: إنّه في حدود تلك المسألة يكون الوجه الثالث والرابع كلاهما معقولاً، إلاّ أنّه إذا ثبتت السلطنة بالشرع أو الوجدان، بطل على ضوء هذه المسألة الوجه الرابع الذي هو مستلزم للجبر، حيث إنّه يجعل مبادئ الإرادة مجرّد مقدّمات إعداديّة وموجبة لقابليّة المحلّ، والله هو الفاعل، فإن فرضنا: أنّ الإرادة حالة نفسانيّة نسبتها إلى النفس نسبة العرض إلى المحلّ، لم يبقَ اختيار للإنسان; إذ الإرادة تحصل قهراً، وما يأتي بعدها من فعل يوجده الله. وإن فرضنا: أنّ الإرادة فعل من أفعال النفس يأتي بعدها الفعل الخارجيّ، فالوجه الرابع يقول: إنّ هذا الفعل أيضاً فعل الله، فإنّ الوجه الرابع لا يختصّ بفعل دون فعل، فلو أمكن لفعل أن يصدر من الإنسان، فليكن الفعل الآخر مثله بلا فرق بينهما، وإلاّ فكلاهما لا يمكن صدوره منه، فأيضاً لا يبقى اختيار للإنسان، فكلّ ما يثبت السلطنة للإنسان يبطل هذا الوجه.


وثانياً: إنّ هذا المسلك، أي: مسلك تعميم الصدفة على الأفعال الاختياريّة كمسلك تعميم قاعدة (أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد) على الأفعال الاختياريّة ينتهي إلى الجبر; لأنّ صدور الفعل منّا كما أنّه لو كان واجباً لكان هذا غير الاختيار، فلزم الجبر، كذلك لو كان صدفةً لكان هذا غير الاختيار، ولزم الجبر، فمن يفترض: أنّ الصلاة تصدر منّا صدفة، وكذلك شرب الخمر، كيف يمكن أن يفترض: أنّنا صلّينا باختيارنا، أو شربنا باختيارنا.

والخلاصة: أنّ كون نسبة الفعل إلينا نسبة الاختيار شيء يقابل كون نسبته إلينا نسبة الوجوب، أو كون نسبته إلينا نسبة الصدفة.

  صفحه 86  

الثاني: أنّ هذا الاختيار الذي ثبت للإنسان ليس اختياراً مطلقاً; إذ ما أكثر الأشياء التي تقع أو لا تقع برغم أنف الإنسان، فهو اختيار محدود لا محالة، وضابطه هو: أنّ الأفعال والتروك التي يكون للاعتقاد بالمصالح والمفاسد تأثير فيها وجوداً وعدماً فهي اُمور اختياريّة.

ويدخل تحت هذا الضابط أمران:

الأوّل: الأفعال الخارجيّة كالصلاة والصيام، أو المُنشَآت النفسيّة كعقد القلب، ونحو ذلك.

والثاني: نفس الحبّ والبغض والشوق المؤكّد.

أمّا الأوّل، فانطباق الضابط عليه واضح.

وأمّا الثاني، فتطبيق الضابط عليه قد يكون بأحد وجهين:

الأوّل ـ وهو الصحيح ـ : أنّ تأثّر الحبّ والبغض والشوق المؤكّد يكون بالاعتقاد بالمصلحة والمفسدة في المحبوب والمكروه، فمن يعتقد المصلحة في الأكل مثلاً يشتاق إلى الأكل، ومن يعتقد المفسدة فيه يكرهه، نظير: أنّ من يعرف بوجود صفات الكمال في عليّ يحبّه، ومن يعرف بوجود صفات اللؤم في إبليس يبغضه. وبهذا الاعتبار كانت هذا الصفات داخلة تحت الاختيار في كثير من الأوقات، وصحّ التكليف بها، فيصحّ أن يوجب المولى على العبد أن يحبّ أمير المؤمنين ; إذ بالإمكان دخله تحت الاختيار عن طريق النظر في صفاته وكمالاته ، أو أن يحبّ الصلاة; إذ بإمكانه ذلك عن طريق النظر إلى مصالحها وهكذا.

الثاني: أن تفرض المصلحة في نفس الشوق المؤكّد، فلو فرض أنّه لا يرى مثلاً أيّ مصلحة في نفس القيام، لكن قال له شخص: لو أردت القيام واشتقت إليه شوقاً مؤكّداً، أعطيتك ديناراً، سواء قمت بالفعل كما هو الواقع; لأنّ الشوق المؤكّد

 
  صفحه 87  

لا ينفكّ عن الفعل لدى الإنسان المختار، أو لم تقم كما لو طرأ العجز لدى إرادة القيام، فهو ينقدح في نفسه الإرادة والشوق المؤكّد إلى القيام، فمن هنا وقع الكلام في أنّه: هل يمكن أن تنشأ الإرادة والشوق المؤكّد من مصلحة في نفسها، أو لا؟ قد يقال: إنّ هذا ممكن وواقع عرفاً في جملة من الموارد، ومنها ما لو أراد أن يصوم وهو مسافر، فقد قالوا: يقصد إقامة عشرة أيّام، فيصحّ منه الصوم، ولكن يتّفق كثيراً أنّه ليست لديه مصلحة تدعوه إلى إقامة عشرة أيّام إلاّ نفس أن يصحّ صومه، وهذه المصلحة لا تترتّب على نفس الإقامة، بل تترتّب على قصد الإقامة وإرادتها، فلو قصد الإقامة وصام، صحّ صومه ولو لم يوفّق خارجاً للإقامة عشرة أيّام، ولو بقي خارجاً عشرة أيّام من دون قصد للإقامة لم يصحّ صومه، وكثيراً ما يتّفق أنّ الإنسان يقصد الإقامة لأجل هذه المصلحة.

والمحقّق العراقيّ قال: إنّ هذا لا يمكن; إذ حينما يكون الفعل والترك في نظر الإنسان على حدّ سواء تكون إرادته واشتياقه إلى الفعل ترجيحاً بلا مرجّح، فيستحيل اقتضاء الفعل للإرادة في حقّه دون الترك(1).

والكلام يقع أوّلاً في أصل معقوليّة ذلك وعدمه، وثانياً في هذا الفرع الفقهيّ، وأنّه إذا استحال ذلك، فكيف يصحّح صوم هذا الشخص الذي يريد أن يصوم في السفر ولا يرى مصلحة في نفس الإقامة؟

أمّا الأوّل: فالصحيح: أنّ الحبّ والبغض والشوق المؤكّد دائماً يحصل على أساس ما في المتعلّق، ويستحيل حصوله لمصلحة في نفسه. وليس الوجه في ذلك ما ذكره المحقّق العراقيّ : من أنّه يلزم من تعلّق الإرادة بالفعل مع تساوي الفعل والترك الترجيح بلا مرجّح; فإنّ هذا جوابه واضح، وهو: أ نّا لو بقينا وهذا المقدار


(1) راجع نهاية الأفكار، ج 1، ص 173 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  صفحه 88  

من البيان، لقال الخصم: إنّ المرجّح هو المصلحة في نفس الإرادة، فلو قيل للمريد: لماذا أردت الفعل مع أنّ الفعل والترك متساويان؟ لقال: أردت; لأنّ الإرادة كانت أرجح من عدمها، فلابدّ أن ندّعي قبل هذا البرهان بنحو المصادرة: أنّ الشوق المؤكّد والحبّ والبغض لا يكفي في وجودها الترجيح في نفسها. وهذه دعوىً ندّعيها بالوجدان، وفي طولها يتمّ ذلك البرهان، فكان المهمّ(1) إبراز هذه المصادرة، فالعلّة تكويناً للشوق هي الاعتقاد بالكمال أو المصلحة في المشتاق إليه، ولا ينشأ في عالم التكوين المعلول إلاّ من علّته، فالشوق لا يحصل بمجرّد الاعتقاد بمصلحة في نفس الشوق، إذن فلابدّ من قياسه إلى متعلّقه، فحينئذ يقال: إنّه لو اشتاق إلى متعلّقه مع افتراض: أنّ وجود متعلّقه وعدمه في نظره سيّان، للزم الترجيح بلا مرجّح، ووجود المعلول بلا علّة، وهو مستحيل.

وأمّا الثاني: وهو علاج الفرع الفقهيّ الذي يمكن أن يجعل نقضاً على القول باستحالة نشوء الشوق والإرادة من مصلحة في نفسه، فالمحقّق العراقيّ كأنّه حاول التخلّص من هذا الإشكال، فذكر شيئاً (2) لا يخلو مقصوده من ذلك من غموض، وحاصل ما ذكره: أنّ النكتة والمصلحة الداعية لهذا الشخص إلى قصد الإقامة قائمة بنفس الإقامة، لكن لا بمطلق الإقامة، بل بحصّة خاصّة من الإقامة،


(1) لا يخفى: أنّ دعوى حكم الوجدان بذلك موجودة في نهاية الأفكار، إلاّ أنّها لم تفرض كمصادرة في أساس ذلك البرهان، بل جعل البرهان دليلاً داعماً للوجدان، في حين أنّه ينبغي أن يكون الدليل على عدم نشوء الشوق من المصلحة في الشوق هو الوجدان فحسب، ثُمّ يكون الدليل على عدم تعلّق الشوق بالفعل مع تساوي الفعل والترك برهان لزوم الترجيح بلا مرجّح آخذين في موضوع هذا البرهان حكم الوجدان بعدم نشوء الشوق من المصلحة فيه، فلا تصلح المصلحة فيه مرجّحة لوجوده.

(2) راجع نهاية الأفكار، ج 1، ص 174 ـ  175 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  صفحه 89  

وهي الإقامة القصديّة، فهذه الحصّة من الإقامة، أو هذا(1) الباب من أبواب وجود الإقامة هي التي تكون مصبّاً للنكتة الداعية له إلى قصد الإقامة، فلا نقض.

وهذا الكلام يحتاج إلى تمحيص; لأنّه يحتمل فيه أحد أمرين:

الأوّل: أنّ المصلحة التي يتوخّاها هذا المسافر متعلّقة بحصّة خاصّة من الإقامة، أي: الإقامة المقيّدة بالقصد، أي: أنّ موضوع الحكم بصحّة الصوم هو المقيّد بالقصد مع نفس القيد بنحو التركّب الضمنيّ. فإن كان المراد هو هذا; فهذا جوابه من الفقه واضح; فإنّ نفس الإقامة لا دخل لها ولو ضمنا في الحكم، فلو نوى الإقامة وصام ثُمّ عدل ولم يقم، لصحّ صومه بلا إشكال.

الثاني: أن يكون المقصود: أنّ المصلحة تعلّقت بسدّ باب عدم الإقامة من ناحية عدم إرادة الإقامة، ولو فرض انفتاح باب آخر لعدمها كإجبار شخص إيّاه على الخروج، فكأنّ هذا حفظ لمرتبة من مراتب وجود الإقامة وشأن من شؤونها، وتقريب نحو وجودها، وحفظ لوجودها بهذا المقدار الناقص. فإن أراد هذا فهذا صحيح، إلاّ أنّ هذا عبارة اُخرى عن قيام المصلحة بنفس القصد، فإنّ سدّ باب عدم الإقامة الناشيء عن عدم القصد عبارة اُخرى عن القصد، وليس جزءاً من الإقامة إلاّ بنحو من المسامحة في التعبير، وليس سدّ باب عدم شيء بعدم إحدى مقدّماته إلاّ عبارة عن إيجاد تلك المقدّمة، فرجع الإشكال جَذعاً.

وتوضيح الكلام في هذا الفرع: أنّ ما هو الشرط في صحّة الصوم وهو إرادة الإقامة بعد وضوح: أنّ أصل الإقامة ليس هو الشرط قد يتصوّر بأحد تصوّرات ثلاثة:


(1) كأنّ هذا الترديد في التعبير يكون على أساس افتراض: أنّ عبارة المحقّق العراقيّ غائمة يمكن تطبيقها على العبارة الاُولى ويمكن تطبيقها على العبارة الثانية، ولكن الذي يظهر من مراجعة عبارة نهاية الأفكار هو الثاني، لا الأوّل.

  صفحه 90  

التصوّر الأوّل: ما يناسب اُسلوب طرحهم لهذا الفرع ونقاشهم فيه بالنحو الذي عرفت، وهو أن يكون شرط الصوم عبارة عن إرادة الإقامة على أن يقصد بالإرادة الحبّ والشوق المؤكّد، وعندئذ لا محيص عن الإشكال في أكثر فروض المسألة.

وتوضيحه: أنّه تارةً يفترض تعلّق غرضه في هذا السفر بالصوم لأقلّ من عشرة أيّام، وعندئذ فصومه لا يتوقّف على وقوع الإقامة منه، ولا يستلزمها بوجه من الوجوه; إذ لو عدل بعد الصوم عن الإقامة وكسر الإقامة، لصحّ صومه بلا إشكال، فلو حصل له حبّ الإقامة لأجل الصوم، للزم نشوء الحبّ من المصلحة فيه، وهذا هو المحال.

واُخرى يفرض تعلّق غرضه في هذا السفر بالصوم لعشرة أيّام، وأنّه صلّى أو سيصلّي صلاة رباعيّة قبل كسر نيّة الإقامة، فهنا أيضاً يستفحل الإشكال; لأنّ صومه لعشرة أيّام لا يتوقّف على الإقامة في مكان واحد ولا تستلزمها، كما يشهد لذلك أنّه لو كسر الإقامة في مكان واحد بعد أن صلّى صلاة رباعيّة وانتقل إلى مكان آخر يبعد عن الأوّل بأقلّ من المسافة الشرعيّة، لصحّ له أن يكمل صوم بقيّة الأيّام في ذلك المكان، إذن فإن نشأ منذ البدء حبّه لإقامة عشرة أيّام في مكان واحد من مصلحة الصوم المترتّب على هذا الحبّ، لزم نشوء الحبّ من مصلحة فيه، وهو المحال.

وثالثة يفرض أيضاً تعلّق غرضه في هذا السفر بالصوم لعشرة أيّام، إلاّ أنّه سنخ رجل يصوم ولا يصلّي، ولنفترض أنّنا قد أفتينا بأنّ صوم يوم واحد كصلاة رباعيّة واحدة يوجب تثبيت حكم الإقامة، وحملنا الصلاة الرباعيّة الواردة في النصّ على المثاليّة لكلّ ما يكون عملاً بوظيفة المقيم، فهنا أيضاً يستفحل الإشكال; لأنّ صومه لعشرة أيّام لا يتوقّف على الإقامة في مكان واحد ولا يستلزمها، كما يشهد لذلك أنّه لو كسر الإقامة بعد صوم يوم واحد وانتقل إلى مكان آخر يبعد عن الأوّل

 
  صفحه 91  

بأقلّ من المسافة الشرعيّة، لصحّ له أن يكمل صوم بقيّة الأيّام; لأنّنا فرضنا أنّ صومه لليوم الأوّل كالصلاة الرباعيّة في تثبيته لحكم الإقامة، فإذن لو نشأ حبّه للإقامة من مصلحة الصوم المترتّب على هذا الحبّ، لكان هذا يعني نشوء الحبّ من مصلحة في نفس الحبّ والذي قلنا: إنّه محال.

نعم، لو فرضنا أنّ هذا الإنسان كان سنخ رجل يصوم ولا يصلّي، وفرضنا أنّ المثبّت لحكم الإقامة بعد كسرها إنّما هي الصلاة الرباعيّة قبل الكسر دون الصوم، وذلك اقتصاراً على حاقّ النصّ، ومن دون حمله على المثاليّة، فعندئذ يكون صومه عشرة أيّام متلازماً مع الإقامة عشرة أيّام في مكان واحد; إذ لو انتقل في الأثناء إلى منطقة اُخرى سيبقى فيها أقلّ من العشرة، لم يصحّ منه الصوم قطعاً، والمفروض: أنّ الصوم عشرة أيّام محبوب له في سفره هذا، فسينوي الإقامة من باب نيّة ملازم المحبوب(1)، إلاّ أنّ هذا فرض نادر.

التصوّر الثاني: أن يكون المقصود بإرادة الإقامة التي تفرض شرطاً لصحّة


(1) لا يخفى: أنّ مقصوده رضوان الله عليه ليس هو تعلّق الشوق بالإقامة; لأنّ الشوق والحبّ وإن كان ينتقل من ذي المقدّمة إلى المقدّمة لكنّه لا ينتقل من أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر، وإنّما مقصوده: أنّه سوف يبني على الإقامة ويلتزم بها برغم عدم الشوق إليها; وذلك لعلمه بالملازمة بينها وبين محبوبه. والفقيه الذي يقول بأ نّ الشرط في التمام والصوم هو الشوق المؤكّد إلى الإقامة لا يحتمل بشأنه ـ  كما لا يحتمل بشأن كلّ فقيه  ـ أن لا يقول بالتمام والصوم فيما لو اختار المسافر الإقامة في مكان لكونها ملازمة لمحبوب له، ولم تكن مقدّمة المحبوب ولا مطلوبة في نفسها، فلابدّ: إمّا أن يفترض: أنّ ذاك الفقيه يرى أنّ الشوق سيسري من الملازم إلى الملازم، أو أن يقصد بأشتراط الشوق إلى الإقامة معنىً يتمّ في فرض الملازمة كجامع الشوق إلى الإقامة أو ما يلازمها، أو يكون هذا نقضاً على مبناه.

  صفحه 92  

الصوم البناء النفسيّ والالتزام بالإقامة، وهذا غير الشوق إلى الإقامة، فقد يحصل هذا البناء من دون الشوق إليها حينما تصبح الإقامة ملازمة لمحبوب له من دون فرض المقدّميّة، بل قد يبني عليها برغم كرهه لها; وذلك لأهمّيّة الملازم المحبوب، وهذا البناء فعل نفسانيّ داخل تحت سلطة الإنسان، ولا فرق بين أفعال الجوارح وأفعال النفس في دخولها تحت القدرة، وليس هذا البناء صفة من صفات النفس من قبيل الحبّ والبغض، فإذا رأى مصلحة في هذا البناء وهي صحّة صومه، فقد يقال: إنّه يقدم عليه لتلك المصلحة برغم عدم المصلحة في نفس الإقامة، والإشكال الماضي في التصوّر الأوّل وهو استحالة نشوء الشوق من مصلحة في نفس الشوق منتف هنا أساساً.

إلاّ أنّنا نقول: إنّ الإشكال السابق وإن كان غير وارد هنا ولكن يحلّ محلّه إشكال آخر، وهو: أنّ الذي يدعوه إلى هذا البناء إنّما هو تصحيح الصوم، وهو يعلم أنّ هذا الداعي سوف ينتفي عند انتهاء الصوم(1)، فيستحيل أن يتمشّى منه هذا البناء إلاّ من باب لقلقة اللسان، فإنّ الإنسان إنّما يستطيع أن يبني على شيء استقباليّ فيما إذا كان داعيه إلى البناء على ذلك موجوداً في اُفق تصوّره الآن بلحاظ ظرف العمل ولو حصل له البداء بعد ذلك. وأمّا إذا كان يعلم أنّ داعيه إلى البناء سوف يزول في ظرف العمل، فلا يعقل منه تمشّي البناء عليه الآن حقيقة.

التصوّر الثالث: أن يكون المقصود بإرادة الإقامة العلم أو الاطمئنان بالبقاء عشرة أيّام، وهذا هو الصحيح، فالشرط في التمام وصحّة الصوم ليس هو قصد


(1) أو عند انتهاء صلاة رباعيّة، أو عند انتهاء صوم يوم واحد بناءً على كفاية الصوم لاستقرار أثر الإقامة، وهنا أيضاً يأتي استثناء الفرض النادر الذي مضى استثناؤه على التصوّر الأوّل، وكذلك الحال على ما سيأتي ـ  إن شاء الله تعالى  ـ من التصوّر الثالث.

  صفحه 93  

الإقامة بمعنى الشوق إليه أو إنشاء البناء النفسيّ عليه، بل يكفي أن يكون مطمئنّاً بأنّه سوف يبقى عشرة أيّام ولو مجبوراً بلا شوق ولا بناء نفسيّ، وهنا أيضاً يكون الإشكال الأوّل غير وارد، ولكن يرد ما هو نظير الإشكال الثاني، فإنّه يقال: إنّ مصدر اطمئنانه بالبقاء لم يكن هنا جبر الظالم مثلاً، بل كان هو بناؤه النفسيّ على البقاء، وقد مضى: أنّ البناء النفسيّ على شيء في المستقبل مع افتراض علمه بأنّه سوف يزول داعيه إلى هذا البناء، ويرجع إلى أهله شوقاً إليهم بعدما انتهى صومه لا يمكن أن يتمشّى منه حقيقةً.

و قد تحصّل: أنّه في غالب الفروض (عند عدم وجود رغبة مستقلّة في نفس الإقامة) لا يمكن قصد الإقامة: إمّا من باب: أنّه لا يتولّد الشوق إلى الشيء لمصلحة في الشوق كما هو الحال على التفسير الأوّل لقصد الإقامة، أو من باب: أنّه يعلم بأنّه سوف يعدل عن الإقامة كما هو الحال على التفسير الثاني والثالث، إذن فيحتاج إلى جعل الإقامة ذات مصلحة حتّى يتمشّى منه قصدها، وذلك يكون بأنحاء: كالنذر، أو كأن يعلن عن قصده للإقامة عموماً للناس حينما تكون له حزازة في الخُلف، فتتكوّن في طول الإعلان مصلحة له في الإقامة.

وهناك فروع اُخرى مشابهة لهذا الفرع(1) داخلة في محلّ الابتلاء:

منها: من يريد أن يتوضّأ قبل الوقت ليحفظ وضوءه لصلاة الظهر مثلاً، حيث قد يقال فيه ـ  بناءً على ما  اشتهر من عدم صحّة الوضوء للصلاة قبل الوقت  ـ : ليتوضّأ بقصد قراءة القرآن بينما تكون المصلحة في نفس القصد; إذ هو لا يشتاق إلى قراءة القرآن إلاّ لأجل الوضوء، فبعد تماميّة الوضوء لا داعي له إلى قراءة القرآن، فهو


(1) أي في الإشكال الثاني، أعني: عدم إمكانيّة نيّة ما يعلم بزوال الدافع إليه في ظرفه المستقبليّ، لا الإشكال الأوّل.

  صفحه 94  

يحتاج إلى إيجاد مرغّب له في نفس القراءة كأن يفكّر في ثوابها وفضيلتها(1).

إلاّ أنّنا لسنا بحاجة إلى هذا الكلام; لأنّنا نناقش في أصل مبنى عدم صحّة الوضوء للصلاة قبل الوقت، فإنّنا لو بقينا نحن ومقتضى القاعدة، لم نكن نحتاج في مقام صحّة الوضوء إلى وجود أمر; فإنّ الدليل الأوّليّ إنّما دلّ على اشتراط أصل الوضوء في الصلاة، غاية ما هناك أن نقيّده بأن يكون الوضوء بداع من الدواعي الإخلاصيّة للمولى، ولا إشكال في أنّ داعي الصلاة به بعد دخول الوقت داع إخلاصيّ له سبحانه وإن كان الوضوء قبل الوقت، إلاّ أنّه يفرض بحسب التسالم والإجماع اشتراط كون الوضوء عباديّاً، والعباديّة لا تتحقّق بمجرّد كونه بداع إخلاصيّ، بل لابدّ فيها من أمرين:

أحدهما: أن يكون مطلوباً للمولى خطاباً وملاكاً، أو ملاكاً على الأقلّ.

والثاني: أن يُؤتى به بداع من الدواعي الحسنة والإخلاصيّة.

وكلا الأمرين حاصل في المقام:

أمّا الأوّل، فلما هو الصحيح من الاستحباب النفسيّ للوضوء، ولا نحتاج إلى وجوبه المقدّميّ أو ملاكه الذي لا يتحقّق ـ  على المشهور  ـ قبل الوقت.

وأمّا الثاني، فلأنّ قصد الصلاة التي سوف يأتي وقتها داع إخلاصيّ لله بلا إشكال، فمن يعلم بأنّ المولى سوف يعطش فيهيّء الماء سابقاً، يعدّ فعله حسناً عقلاً، ومظهراً من مظاهر الإخلاص في العبوديّة.


(1) يبدو أنّ هذا الإشكال مبنيّ على ما هو المعروف من عدم اختصاص الوجوب المقدّميّ بالمقدّمة الموصلة، أمّا على ما سيختاره اُستاذنا الشهيد في محلّه من اختصاصه بالمقدّمة الموصلة، فلا مجال لهذا الإشكال; لأنّه لو لم يقرأ القرآن انكشف أنّ الوضوء الذي صدر منه لم يكن مأموراً به; لأنّ المقدّمة لم تصبح موصلة.

  صفحه 95  

نعم، لو قلنا: إنّه لابدّ أن يقصد أمراً فعليّاً، فلا يمكن أن يتأتّى منه قصد ذلك لأجل مصلحة تصحيح الوضوء، لكن لا دليل على ذلك.

ومنها: ما لو اُوقف حوض المسجد مثلاً للوضوء للصلاة في المسجد، فإذا كان المقصود بذلك: الوقف لمن يتوضّأ بقصد الصلاة فيه ولو حصل له البداء ولم يصلِّ بعد ذلك، فمن الواضح: أنّه كان من قبيل ما نحن فيه، فالملاك يكون في نفس القصد وهو يعلم أنّه بعد انتهاء الوضوء يرتفع الداعي، وإذا كان المقصود بذلك: الوقف لمن يصلّي بالفعل في هذا المسجد بهذا الوضوء، فإذا حصل له البداء ولم يصلِّ، انكشف كون وضوئه بماء مغصوب، وبناءً على ما هو المشهور من صحّة الوضوء بالماء المغصوب إذا انكشف ذلك بعد انتهاء العمل يثبت نفس الإشكال، حيث إنّ نفس قصده للصلاة في المسجد وعلمه بأنّه سوف يصلّي فيه يكفي لصحّة وضوئه، وبعد الوضوء لو حصل له البداء، يكون وضوؤه صحيحاً، فهو يعلم سابقاً بأنّه سوف يزول من نفسه الداعي إلى الصلاة بعد الوضوء، فكيف يتمشّى منه القصد إلى الصلاة والعلم بها؟ إلاّ بإيجاد داع له إليها من قبل كالنذر مثلاً.

 

 
التالي | فهرس الكتاب