الفهرس    
         
   
  • الرواية الاُولى

  • 1 ـ حول جملة (فإنّه على يقين من وضوئه)

  • الرواية الثانية

  • شرطية الطهارة ومانعية النجاسة وثمرة القول بالفرق بينهما

  • دلالة الحديث

  • دلالة الرواية

  • الطائفة الاُولى

  • إشكال جريان الاستصحاب في المورد إنّما يعقل في صورة من أربع صور

  • جريان الاستصحاب عند ثبوت الحالة السابقة بالأصل

  • جريان الاستصحاب في الكليات

  • أصل جريان استصحاب الكلي

  • أقسام استصحاب الكلي

  • الصورة الاولى: صورة العلم بأحد الفردين والشك في الجامع بينهما

  • الجهة الأولى: جريان استصحاب الجامع بين الفردين

  • الجهة الثانية: جريان استصحاب الفردالجهة الثانية: جريان استصحاب الفرد

  • الجهة الثالثة: كفاية استصحاب الجامع عن استصحاب الفرد

  • الجهة الرابعة: كفاية استصحاب الفرد عن استصحاب الجامع

  • الصورة الثانية: صورة العلم بالجامع ضمن فرد ثم الشك فيه للشك في ذلك الفرد

  • الصورة الثالثة:صورة العلم بالجامع ضمن الفرد المردد بين الطويل والقصير

  • الجهة الأولى: في استصحاب الكلي

  • الجهة الثانية: في استصحاب الفرد

  • الجهة الثالثة: في استصحاب أقسام الفرد المردد بين الطويل والقصير

  • الجهة الرابعة: في ضابط استصحاب الفرد المردد

  • الجهة الخامسة: في موارد استغناء المكلف عن استصحاب الفرد المردد

  • الجهة السادسة: عدم جريان الاستصحاب الموضوعي في موارد الشبهات المفهومية

  • الجهة السابعة: في الشبهة العبائية

  • المطلب الأوّل: في مورد هذه الشبهة

  • المطلب الثاني: في صحة الشبهة وبطلانها

  • الجهة الثامنة: في استصحاب جامع الحكمين بعد انتفاء احدهما

  • الجهة التاسعة: في تطبيق استصحاب القسم الثاني من الكلي

  • الصورة الرابعة: صورة العلم بالجامع ضمن فرد والشك في بقائه ضمن فرد آخر

  • القسم الرابع من الكلي على غير اصطلاح الشيخ الأعظم

  • استصحاب الزمان والزمانيات

  • استصحاب الامور غير القارة

  • الأمر الأول: استصحاب الزّمان

  • الاستصحاب بنحو مفاد كان التامة

  • مناشئ الوحدة الموضوعية

  • الاستصحاب بنحو مفاد كان الناقصة

  • الآثار المترتبة على الاستصحاب بالنحوين

  • الأمر الثاني: استصحاب الزمانيات

  • استصحاب الأمور القارة المقيدة بالزمان

  • الاستصحاب التعليقي

  • تمامية الأركان في الاستصحاب التعليقي

  • القضايا المكتسبة

  • وجود معارض للاستصحاب التعليقي وعدمه

  • تنبيهات الاستصحاب التعليقي

  • في استصحاب عدم النسخ

  • استصحاب حكم هذه الشريعة

  • استصحاب حكم الشريعة السابقة

  • في الأصل المثبت

  • لوازم الأمارات والأصول

  • الآثار الشرعية المترتبة على المستصحب بواسطة أثر شرعي أو عقلي

  • الجهة الأولى: في الأثر المباشر

  • الجهة الثانية: في الأثر الشرعي غير المباشر الذي يتصل بالمستصحب بواسطة الآثار الشرعية

  • تنبيهات الأصل المثبت

  • الأمر الأول: بطلان الاستصحاب المثبت بالتعارض

  • الأمر الثالث: أقسام أخرى للاستصحاب المثبت

  • الاستصحاب في متعلقات الأحكام

  • استصحاب جزء الموضوع

  • تأثير العلم بانتقاض أحد جزئي الموضوع في جريان الاستصحاب

  • المقام الأول: استصحاب عدم أحد الجزئين إلى زمان انتفاء الآخر

  • المقام الثاني: استصحاب بقاء أحد الجزئين إلى زمان حدوث الآخر

  • فرعان تمرينيان

  • الاستصحاب في حالات توارد الحالتين

  • البحث بلحاظ نكتة المنع المختارة في البحث السابق

  • البحث بلحاظ الموانع الأخرى

  • الرجوع إلى عموم العامّ أو استصحاب حكم المخصّص

  • خاتمة

  • مسألة اشتراط بقاء الموضوع

  • نسبة الاستصحاب إلى الأمارات وسائر الأصول ووجه تقديم بعضها على بعض

  • نسبة الاستصحاب إلى الأمارات وسائر الأصول ووجه تقديم بعضها على بعض

  • المقام الأوّل: في تقدّم الأمارات على الأصول

  • المقام الثاني: في نسبة الأصول بعضها إلى بعض

  • المقام الأوّل: في الأصلين المتوافقين أو المتنافيين بلحاظ عالم الجعل تنافياً ذاتياً

  • المقام الثاني: في التعارض العرضي بلحاظ مرحلة الجعل

  • المقام الثالث: في الأصلين المتنافيين بلحاظ عالم الإمتثال

  • مبحث التعادل والتراجيح

  • الجهة الاولى: تعريف التعارض

  • الجهة الثانية: مقتضى القاعدة في الخبرين المتعارضين

  • مقدمات في التعارض غير المستقر

  • المقدمة الاولى: الورود بالمعنى الأعمّ

  • الورود من الجانبين

  • احكام الورود

  • المقدمة الثانية: نظرية الحكومة

  • النقطة الاولى: في تعريف الحكومة

  • النقطة الثانية: في نكتة تقدّم الحاكم على المحكوم

  • النقطة الثالثة: في ملاحظات عامّة حول الحكومة

  • المقدمة الثالثة: في التخصيص

  • المخصص المتصل

  • المخصص المنفصل

  • المقدمة الرابعة: الأظهر والظاهر

  • تنبيهان

  • التنبيه الأوّل: النسبة بين الدليل المتقدّم ودليل حجّيّة ما يقابله

  • التنبيه الثاني: وجه تقديم سند القرينة الظنّي على دلالة

  • المقدّمة الخامسة: في سراية التعارض من الدلالة الى السند

  • صلب البحث في مقتضى القاعدة

  • التعارض بلحاظ فردي دليل حجّيّة الظهور

  • التعارض بلحاظ فردي دليل حجية السند

  • مقتضى الأصل الاولي في الخبرين المتعارضين

  • مقتضى الأصل الثانوي في الخبرين المتعارضين

  • إمكان نفي حكم ثالث مناف لمفاد الخبرين المتعارضين وعدمه

  • التعارض بلحاظ فرد لدليل حجية السند مع فرد آخر لدليل حجية الظهور

  • حكم الخبرين المتعارضين من زاوية روايات الطرح

  • تنبيهات على موارد مشكوكة للتعارض

  • الأمر الأوّل: إذا تعارض عامّ مع مطلق

  • الأمر الثاني: تعارض المطلق البدلي والمطلق الشمولي

  • الأمر الثالث: انقلاب النسبة

  • المقام الاوّل: في تمامية كبرى انقلاب النسبة نفسها

  • المقام الثاني: امكان تقديم لحاظ العام مع الخاص واخذ النسبة بينه وبين معارضه في المرتبة المتأخرة عن لحاظه مع الخاص

  • المقام الثالث: في صغريات كبرى انقلاب النسبة

  • المقام الرابع: الموقف في موارد انقلاب النسبة

  • الجهة الثالثة: مفاد الاخبار العلاجية في الخبرين المتعارضين

  • أخبار التخيير

  • الاخبار التي تدّعى معارضتها لأخبار التخيير

  • الطائفة الاولى: ما تأمر بالرد اليهم

  • الطائفة الثانية: ما تأمر بالأحدث

  • الطائفة الثالثة: ما تأمر بالارجاء والوقوف

  • أخبار الترجيح

  • الجهة الاولى: في سند رواية الراوندي

  • الجهة الثانية: في دلالة رواية الراوندي

  • الجهة الثالثة: في قياس رواية الراوندي بباقي أخبار الترجيح

  • المقبولة والمرفوعة وقياسهما إلى رواية الراوندي

  • الجهة الاولى: في دلالتهما

  • الجهة الثانية: في النسبة بين المقبولة والمرفوعة بعد فرض

  • الجهة الثالثة: في نسبة المقبولة والمرفوعة إلى رواية الراوندي

  • تنبيهات

  • الأمر الأوّل: التخيير الفقهي والتخيير الاُصولي

  • الأمر الثاني: هل يستفاد التخيير الابتدائي او الاستمراري؟

  • الأمر الثالث: هل تشمل الأخبار العلاجية موارد امكان الجمع العرفي

  • الأمر الرابع: هل تشمل الأخبار العلاجية المتعارضين بالعموم من وجه؟

  • الأمر الخامس: دعوى تقدّم المرجّح الصدوري على المرجّح الجهتي

width="328" valign="top" style="width:246.35pt;padding:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt" bgcolor="#FFFFFF" background="../../moalafat/fikh-alnnsaa/images/back01.jpg">

  • تأثير العلم بانتقاض أحد جزئي الموضوع في جريان الاستصحاب


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 15

 

مباحث الأصول الجزء الرابع

الاستصحاب

المقدّمة

 1- حقيقة الاستصحاب جعلاً واستدلالاً واصطلاحاً.

2-  مسأهل الاستصحابلة اُصوليّة؟

3- الفرق بين الاستصحاب وقواعد اُخرى مشابهة له.

 
 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 17

 

تشتمل المقدّمة لبحث الاستصحاب على ثلاثة أبحاث:

 

 حقيقة الاستصحاب جعلاً واستدلالاً واصطلاحاً:

والبحث الأوّل: في تحقيق حول كيفية الاستصحاب جعلاً واستدلالاً واصطلاحاً.

ويظهر المقصود من كلّ واحد من هذه العناوين الثلاثة ضمن البحث عنه. فهنا يقع البحث في اُمور ثلاثة:

الأمر الأوّل ـ في الكيفية الممكنة ثبوتاً لجعل الاستصحاب:

وقبل الدخول في بيان ذلك نستذكر نكتتين سابقتين في الأبحاث الماضية:

الاُولى: في حقيقة الحكم الظاهري، حيث قلنا: إنّ حقيقته هي الحكم الناتج عن إعمال المولى لقوانين تزاحم الأغراض في عالم المحرّكيّة لدى وقوع الخلط والشكّ فيها، بناءً على الطريقية على ما مضى من شرح ذلك في بحث الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة.

الثانية: في كيفية إعمال المولى لقوانين باب التزاحم، وهي عبارة عن تقديم الأهمّ لو كان، فعند أهمّيّة الغرض اللزومي يجعل الاحتياط أو ما بحكمه، كحجّيّة خبر إلزامي، و عند أهمّيّة غرض ترخيصي يجعل البراءة أو ما بحكمها، و الأهمّيّة تارةً تكون بملاك أقوائيّة المحتمل كيفاً، كما إذا كانت الأغراض اللزوميّة للمولى أهمّ من الأغراض الترخيصيّة، فجعل إيجاب الاحتياط عند الشك، و اُخرى تكون بملاك أقوائيّة الاحتمال بلحاظ النظر المجموعي الى

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 18

 

الأحكام، و يرجع ذلك في الحقيقة الى أقوائية المحتمل كمّاً، كما إذا كانت الأغراض اللزوميّة أكثر من

الأغراض الترخيصيّة و إن تساويتا كيفاً، فقدّم جانب الأغراض اللزوميّة بجعل وجوب الاحتياط و نحوه، و ثالثة تكون بملاك أقوائيّة الاحتمال بلحاظ النظر الاستغراقي و الأفرادي، بحيث يحسب المولى حساب خبر ثقة في نفسه بقطع النظر عن وجود أيّ خبر آخر في الأحكام و عدمه، فيجعله حجّة لأقوائيّة احتمال صدقه ولو مع فرض أنّه لم يوجد في الفقه أيّ خبر ثقة آخر غير هذا الخبر، و هذا القسم الثالث تكون مثبتاته حجّة بلا حاجة إلى مؤونة زائدة، كما سوف ياتي ـ إن شاء الله ـ، وهذا بخلاف القسمين الأوّلين [1]، فإنّ اللازم فيهما لا يثبت إلا بمؤونة خاصّة و دليل خاصّ يدل على ثبوت الجعل و التعبد على طبق اللوازم أيضاً.

ثم إذا تساوت الأغراض المتزاحمة، ولم يوجد مرجّح كمّي أو كيفي أو أحتمالي لأحد الجانبين، فعندئذ الواقع لا يتطلّب من المولى ترجيح جعل الأستصحاب اللزومي مثلاً على البراءة أو العكس، فيكون المولى مخيّراً في الجعل، و عندئذ يمكن إعمال مرجّحات ذاتية، أي: غير مربوطة بالواقع لتقديم أحد الجعلين على الآخر، ولا ينافي ذلك الطريقيّة، ولا يستلزم التصويب; لأنّ هذا الترجيح كان في طول صيرورة الواقع حيادياً لا يتطلّب تقديم أيّ واحد من الجانبين، ولا يتنفّر من تطبيق الجانب الآخر.

إذا عرفت هاتين النكتتين قلنا: ذكر بعض: أنّ الاستصحاب غير ناظر إلى الأحكام الواقعيّة و الملاكات الواقعيّة أصلاً، و إنّما هو أصل تعبّدي صرف كاصالة الإباحة.

أقول: إنّ مثل أصالة الإباحة أيضاً لابُدّ أن يكون ناظراً إلى حفظ الأحكام الواقعيّة و ملاكاتها، و كذلك كلّ حكم ظاهري بناءً على إنكار السببيّة، و إلاّ لم يكن جواب على شبهة ابن قبة، فجعل الاستصحاب بهذا النحو غير معقول.

وذكر بعض آخر: أنّ الاستصحاب حاله حال أصالة الاحتياط في أنّه ينظر إلى الواقع و التحفّظ عليه بقطع النظر عن مسألة الأماريّة و الكاشفيّة.

وهذا الكلام يرجع بحسب لغتنا إلى أنّ الاستصحاب جعل على أساس المرجّح المحتملي الكيفي، وهذا إنّما يكون معقولاً في أصالة الاحتياط، ولا يكون معقولاً في الاستصحاب; وذلك لأنّ نوعيّة الغرض في الاستصحاب غير معلومة و معيّنة، حتى يلحظ أنّه هو الأهمّ أو

 

__________________________________________

[1] لنا كلام مفصّل حول هذا الموضوع مضى في أوّل البراءة فراجع.

 


 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 19

 

الغرض الآخر المزاحم له في الحفظ، فإنّ الاستصحاب قد يثبت حكماً إلزامياً، لو لا ذلك الاستصحاب لنفيناه بالقواعد الاُخرى. وقد يثبت حكماً ترخيصياً، لو لا ذلك الاستصحاب لم نكن نأخذ بذاك الترخيص، بل كنّا نأخذ بجانب الاحتياط بحسب القواعد الاُخرى، فلا يوجد ضابط لموارد جريان الاستصحاب و تحقق اليقين السابق تميّز به نوعيّة الغرض إطلاقاً، كي يحكم عليه بأنّه أهمّ من الغرض الآخر المزاحم له.

والصحيح: أنّه يمكن جعل الاستصحاب بلحاظ الترجيح بقوّة الاحتمال بالنظر المجموعي، بأن يكون المولى معتقداً بكون بقاء ما كان في موارد الشكّ أكثر من زواله. ويمكن أيضاً جعله بلحاظ قوّة الاحتمال بالنظر الاستغراقي، بأن يعتقد المولى كاشفية اليقين السابق و أماريته. ويمكن هنا الجعل بنحو ثالث، وهو أن يفرض أنّ الأغراض المتزاحمة كانت متكافئة، ولم يكن بعض أقسامها أهمّ من بعض آخر بقوّة المحتمل ولا بقوّة الاحتمال، فحصل التخيير من ناحية الواقع في مقام الجعل و حفظ أحد الغرضين، أي: أنّ الواقع صار حياديّاً من ناحية ترجيح أيّ واحد من الجانبين على الآخر، فوصلت النوبة إلى مرجّحات ذاتية غير مرتبطة بالواقع، ولنفرض مثلاً كون ذلك المرجّح المطابقة للطبع العقلائي، أو أيّ شيء آخر، فالمرجّح اقتضى في غير موارد اليقين السابق جعل البراءة، و في موارد اليقين السابق جعل الاستصحاب.

 

الأمر الثاني ـ في كيفية الاستصحاب استدلالاً:

قد اعتاد الفقهاء (قدس سرهم)على أن يجعلوا الدليل على المدّعى عند الاستدلال بخبر الثقة نفس خبر الثقة لا دليل حجّيّة خبر الثقة، كآية النبأ مثلاً، و يجعلوا الدليل على المدّعى عند الاستدلال بالاستصحاب دليل الاستصحاب، و هو صحيحة زرارة مثلاً لا نفس الاستصحاب.

و ليس هذا مجرّد بحث لفظي، بل مردّ ذلك إلى أنّه إذا وجد معارض يدلّ على خلاف المقصود، ففي باب خبر الثقة يجعل معارضه نفس ذلك الخبر لا آية النبأ، فإذا كان الخبر أخصّ من ذلك المعارض قدّم عليه بالأخصّية و إن كانت النسبة بين آية النبأ و ذلك المعارض عموماً من وجه، و في باب الاستصحاب لا يجعل المعارض نفس الاستصحاب في ذلك المورد الجزئي حتّى يقدّم عليه بالأخصّية، بل يجعل المعارض صحيحة زرارة التي تكون النسبة بينها و بين الخبر المعارض عموماً من وجه.


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 20

 

وذكر السيّد بحر العلوم(قدس سره): أنّه لا وجه للتفكيك بين خبر الثقة و الاستصحاب، ففي الاستصحاب ـ أيضاً ـ نقول بأنّ المعارض هو خصوص الاستصحابات الجزئية في الموارد الجزئية، فعند تعارض الاستصحاب مع قاعدة الحلّ نخصّص قاعدة الحلّ بالاستصحاب، و لا نلحظ النسبة بين قوله:كل شيء حلال حتّى تعرف... و دليل الاستصحاب.

فكأنّه(قدس سره) يرى إلحاق الاستصحاب فقط بخبر الثقة في هذه الجهة، و لا يرى إلحاق أصالة الحلّ به، و لعلّه ينظر ـ و لو ارتكازاً - في تفكيكه بين أصالة الحلّ و الاستصحاب إلى ما سوف يأتي ـ إن شاء الله ـ من بعض الأصحاب المتأخرين.

وأعترض الشيخ الأعظم(قدس سره) [1] على السيّد بحر العلوم(رحمة الله) بأنّ الاستصحاب ليس كخبر الثقة، فإنّ الاستصحاب بنفسه حكم ببقاء ما كان، فلا معنى لأن يجعل دليلاً على الحكم. و هذا بخلاف خبر الثقة، فإنّه ليس حكماً و إنّما هو دليل على الحكم.

أقول: إنّ هذا الكلام بهذا المقدار لا يحسم أصل الإشكال، فإنّنا ننقل الكلام إلى اليقين السابق مثلاً الذي هو أمارة على البقاء، فإنّه هو الذي يكون بمنزلة خبر الثقة لا الحكم بالبقاء الذي هو بمنزلة حجّيّة خبر الثقة.

ولعله لهذا ذهب بعض الأصحاب المتأخرين[2] الى موافقة السيّد بحر العلوم(رحمة الله)فقال كلاماً ينبىء عن موافقته إيّاه، يفصّل فيه بين تجريد الاستصحاب عن الأماريّة رأساً و إعطائه لوناً من الأماريّة، و أحتمل أن يكون مقصوده من ذاك الكلام هو: أنّ الاستصحاب إن لم يكن فيه شوب من الأماريّة و كان أصلاً صِرفاً كأصالة الحلّ، لم يكن حاله حال خبر الثقة لأنّه حكم صِرف، و ليس كاشفاً عن الحكم، لكن بما أنّه ليس كذلك، بل فيه لون من الأماريّة و لو بنحو التنزيل مثلاً، فهو دليل، فحاله حال خبر الثقة.

أقول: إنّ تقديم خبر الثقة على العامّ المعارض له ليس بملاك أماريّته، بحيث كلّما تعارضت أمارتان إحداهما أخصّ من الاُخرى قُدّمت الأخصّ، فلو تعارضت بيّنتان إحداهما أخصّ لا يجمع بينهما بالتخصيص، بل يعامل معهما معاملة البيّنتين المتعارضتين، و إنّما الملاك في ذلك هو: أنّ العامّ و الخاصّ كلاهما كلام صادر من شخص واحد يكون أحدهما قرينة على مراد متكلّمه من الآخر، و كان موضوع حجّيّة ظهور الأوّل عدم ورود القرينة

 

 

_________________________________________

[1] راجع الرسائل; ص 320 بحسب طبعة رحمة الله.

[2] يقصد به السيّد الإمام الخميني(قدس سره).

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 21

 

على الخلاف، و دليل حجّيّة الثاني يعبّدنا بورود القرينة، و هذا لا يجري في العامّ مع الاستصحاب الجزئي المعارض له، و إنّما يجري في العامّ مع دليل الاستصحاب; لكونهما كلامين صادرين من شخص واحد يقدّم ما هو قرينة على الآخر لو كان.

وعليه، فالصحيح هو ما اعتاده الأصحاب(قدس سرهم) من الفرق بين الاستصحاب و خبر الثقة بجعل الدليل المعارض للعامّ في الثاني هو نفس الخبر لا دليل حجّيّته، و في الأوّل هو دليل حجّيّته لا نفس الاستصحاب.

الأمر الثالث ـ في كيفية الاستصحاب اصطلاحاً:

أي: في تعريفه بحسب الاصطلاح الاُصولي.

قد عُرِّف الاستصحاب بأنّه: إبقاء ما كان، أي: الحكم ببقائه، وكذا ما أشبه هذا التعريف ممّا جعل الاستصحاب حكماً.

و أورد على ذلك السيّد الاُستاذ بأنّ تعريف الاستصحاب يختلف باختلاف المباني، و لا وجه لجعل هذا تعريفاً له إطلاقاً، فلو بنينا على كون الاستصحاب أصلاً عمليّاً فهو حكم، فيصحّ تعريفه بمثل هذا التعريف. و أمّا لو بنينا على كونه أمارة، فليس حكماً، فإنّ الأمارة إنّما هو اليقين السابق و الشكّ اللاحق، فيجب أن يعرّف الاستصحاب باليقين السابق و الشكّ اللاحق[1].

أقول: بناءً على الانسياق مع هذا المنهج من الكلام يجب أن يعرّف الاستصحاب بالحدوث، فإنّ حدوث الشيء هو الذي يكون أمارة على بقائه لا اليقين السابق ولا الشك اللاحق. أمّا عدم دخل الشكّ اللاحق في الأمارية فواضح. نعم، الشكّ هو موضوع حجّيّة الأمارة. وأمّا عدم دخل اليقين السابق في الأمارية فأيضاً واضح بأدنى تأمّل، فإنّ الملازم للبقاء هو ذات الحدوث، و اليقين كاشف عن الحدوث و يقينٌ بالأمارة، من قبيل أن يتيقّن الشخص بصدور خبر الثقة الذي هو أمارة على حكم.

ثمّ هل المقصود أنّ أصل مبنى الأمارية في باب الاستصحاب يلازم عقلاً تعريف الاستصحاب باليقين السابق مثلاً، أو المقصود هو مجرّد استظهار لمراد الأصحاب الذين كانوا يقولون بالأمارية؟

 

 

_________________________________________

[1] راجع مصباح الاُصول: ج 3، ص 5 ـ 6.

 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 22

 

فإن كان المقصود هو الأوّل، فمن الواضح عدم هذه الملازمة، إذ من الممكن أن يجعل اليقين السابق مثلاً أمارة حجَّةً يثبت به الحكم بالبقاء، ولكن لا يسمّى هذا اليقين بالاستصحاب، بل يسمى هذا الحكم الثابت ببركة هذا اليقين بالاستصحاب. وإن كان المقصود هو الثاني، بأن يقال: إنّهم قد عبّروا بلفظ الأمارة، فقالوا: إنّ الاستصحاب أمارة، فهذا شاهد على أنّهم يسمّون نفس اليقين السابق مثلاً بالاستصحاب; لأنّه هو الذي يكون أمارة، قلنا: هذا التعبير إن دلّ في لسان من يقول: (بأنّ الاستصحاب أمارة) على أنّه يسمّي اليقين السابق بالاستصحاب فهو يدل في لسان من يقول: (بأنّ الاستصحاب ليس أمارة) ـ أيضاً ـ على ذلك، فإنّه يقصد نفي أمارية اليقين السابق، لا نفي أمارية الحكم، فإنّ عدم كون الحكم الشرعي هو الأمارة مما لا كلام فيه.

والخلاصة: أنّ هذا التعبير المناسب مثلاً لتعريف الاستصحاب باليقين السابق يوجد في لسان كلا الطائفتين، كما أنّ التعبير بما يناسب تعريف الاستصحاب بالحكم كأنْ يقال: إنّ الاستصحاب هو حرمة نقض اليقين مثلاً ـ أيضاً ـ قد يوجد في لسان كلا الطائفتين.

هذا. ولا شغل لنا بالفحص و صرف العمر في استظهار مقصود الأصحاب بالتتبع في كلماتهم، لنرى أنّه ـ بحسب ما يظهر من مجموعها ـ هل يجعلون الاستصحاب اسماً لهذا أو لذاك.

ثمّ إنّ المحقّق الإصفهانيّ(قدس سره) أورد على تعريف الاستصحاب بكونه إبقاء ما كان إشكالات عديدة [1] أَقتصِرُ  على ذكر واحد منها، و هو: أنّه هل المقصود الإبقاء العملي، أو المقصود الإبقاء الحكمي و الجعلي؟ أمّا الأوّل فهو وإن كان ينسجم مع فرض كون مدرك الإستصحاب هو الروايات، لكونها آمرة بالإبقاء العملي، ومع فرض كون مدركه بناء العقلاء; لان العقلاء يبنون على العمل، لكنّه لا ينسجم مع فرض مدركه العقل; لأنّ العقل يدرك بقاء الحالة السابقة ظنّاً، وهذا غير الإبقاء العملي. وأمّا الثاني فهو وإن كان ينسجم مع فرض كون مدرك الاستصحاب هو الروايات لأنّها تحكم بالبقاء، ومع حكم العقل ـ ولو مسامحة ـ بأن يسمّى إدراك العقل حكماً، ولكنه لا ينسجم مع فرض كون المدرك بناء العقلاء; لأنّ بناء العقلاء يكون على العمل، وهذا هو الإبقاء العملي، لا الحكم بالبقاء.

أقول: يمكن الأخذ بكلّ واحد من الفرضين مع دفع إشكاله:

 

 

_________________________________________

[1] راجع نهاية الدراية: ج 3، ص 1 ـ 5.

 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 23

 

فأوّلا: نأخذ الفرض الأوّل وهو الإبقاء العمليّ، و نقول: إنْ كان العقل يدرك لزوم الإبقاء العملي كما أدرك بقاء الحالة السابقة ظنّاً، فقد انسجم التعريف مع فرض كون مدرك الاستصحاب هو العقل، وإنْ لم يكن يدرك ذلك فلا معنى لجعل مدرك حجّيّة الاستصحاب العقل.

وثانياً: نأخذ الفرض الثاني وهو البقاء الحكمي و نقول:

أوّلا: إنّنا نقصد ببناء العقلاء بناءهم بما هم موالي بالنسبة لعبيدهم، والعقلاء بما هم موالي لهم أحكام.

وثانياً: إنّ بناء العقلاء بما هو ليس حجّة، وإنّما حجّيّته بملاك الكشف عن حكم الشارع على وفقه، فينسجم التعريف مع كون المدرك هو بناء العقلاء.

وعلى أيّة حال، فإن اُريد بتعريف الاستصحاب تعريف ما سمّاه الأصحاب بالاستصحاب، فهو مربوط بالتتبع في كلماتهم، وقد نظفر بمصطلحات عديدة في ذلك متخالفة و متطوّرة في تأريخ هذا البحث، وإن اُريد بذلك ذكر شيء يصلح أن يكون محوراً للبحث في هذا المقام على جميع أدلّة الاستصحاب، وعلى جميع المباني فيه، ككونه أمارة وعدم كونه أمارة ونحو ذلك، قلنا: إنّ ذلك عبارة عن مرجعيّة الحالة السابقة.

وقد عدلنا عن التعبير بإبقاء ما كان إلى هذا التعبير لما في ذاك التعبير من إجمال في المراد من الإبقاء، فلو كان هو الإبقاء العملي فالاستصحاب ليس هو العمل، ولو كان المراد الحكم بالبقاء فالاستصحاب على بعض المباني شيء ادركه العقل، كحجّيّة الظنّ على الحكومة، وليس حكماً شرعياً، إلاّ أن يقصد بالإبقاء معنىً وسيع، فيقال: إنّ الحكم العقليّ ـ أيضاً ـ نوع إبقاء، ولو كان المراد هو مرجعيّة الحالة السابقة فهي التي ذكرناها.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 24

 

هل الاستصحاب مسألة اُصولية؟

 

البحث الثاني: في أنّ بحث الاستصحاب هل هو مسألة اُصولية أو لا، وهذا يرتبط بتعريف علم الاُصول الذي قد تكلّمنا فيه في أوّل الدورة، وفي أوّل بحث البراءة، وأتكلّم فيه هنا بنحو الاختصار، فأذكر تعريفين منها:

أحدهما: للمحقق النائينيّ(قدس سره) و مدرسته، وهو: أنّ المسألة الاُصولية هي التي تقع كبرى في طريق الاستنباط.

واُورد على ذلك بانطباق هذا التعريف على بعض القواعد الفقهية، كقاعدة(لا ضرر) ونحو ذلك.

وقد أجبنا عن هذا الإشكال في محله، فلا ندخل هنا في البحث عنه.

ونقتصر هنا على ذكر الإشكال الصحيح الوارد على هذا التعريف، وهو: أنّ المسألة الاُصولية لا تقع دائماً كبرى في طريق الاستنباط، بل إنّ بعض المسائل تقع صغرى لذلك، كأبحاث الظهورات من قبيل: أنّ الأمر ظاهر في الوجوب، والنهي ظاهر في الحرمة، ونحو ذلك ممّا ينقّح الصغرى لكبرى حجّيّة الظهور، وبعض المسائل لا تقع كبرى ولا صغرى، بل تكون دخيلة في الصغرى، بمعنى إثبات بعض قيودها، كما في بحث إمكان الترتّب و إمكان اجتماع الأمر و النهي، ونحو ذلك ممّا يستفاد منه ـ لو ثبت ـ أنّ صيغة الأمر و النهي الواردتين في المقام مثلاً ظاهرتان في أمر ممكن، وهذا صغرى لكبرى حجّيّة الظهور قد ثبت قيده، وهو كون الأمر الظاهر فيه ممكناً ببحث إمكان الترتب، أو اجتماع الأمر و النهي.

وعلى أيّ حال، فالاستصحاب في الشبهة الحكمية ـ بناءً على هذا التعريف ـ داخل في علم الاُصول; لأنّه يقع كبرى للاستنباط.

وثانيهما: ما هو المختار: من أنّ علم الاُصول منطق الفقه، توضيح ذلك: أنّ الأشياء الدخيلة في الاستنباط الفقهي للحكم الكلّي على قسمين، ومنذ البدء كما ترى خرج ما يكون دخيلاً في الحكم الجزئي لا الكلي، كقاعدة الفراغ، و التجاوز، و اليد، و الاُصول العملية في الشبهات الموضوعيّة:


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 25

 

القسم الأوّل: ما اُخذت فيه مادّة من مواد الفقه، و مواد الفقه هي كل عنوان أوّلي أو ثانوي متعلّق لحكم واقعيّ، كالصعيد مثلاً الذي هو عنوان أوّلي، و كالضرر الذي هو عنوان ثانوي، وهذا ليس داخلاً في علم الاُصول، وبهذا خرجت قاعدة لا ضرر، و البحث عن معنى الصعيد و نحوه.

والقسم الثاني: ما لم تؤخذ فيه مادّة من موادّ علم الفقه، كما هو شأن منطق كل علم، فعلم المنطق المعروف هو منطق لكلّ العلوم; ولذا لم تؤخذ فيه أيّ مادّة من أيّ علم، و يكون صورة فارغة صرفاً يمكن ملؤها بموادّ مختلفة من علوم مختلفة، و من كل علم بحسب موادّه كما هو واضح، وبعد علم المنطق توجد بحوث منطقية اُخرى هي منطق لما تحتها من العلوم و ليست خالية من المادة صِرفاً، وإلاّ لدخلت في علم المنطق، ولكنها خالية من مادّة علم تكون منطقاً له، فمثلاً مبدأ استحالة انفكاك المعلول عن العلّة الذي هو مبدأ فلسفي يكون منطقاً لكل العلوم الطبيعية، وهكذا.

إذا عرفت ذلك، قلنا: إنّ علم الاُصول هو العلم الذي لا يكون ضيّقاً بنحو تؤخذ فيه مادّة من المواد الفقهية فلا يصبح منطقاً لعلم الفقه، ولا يكون وسيعاً بنحو يكون منطقاً لعلوم اُخرى أيضاً، بل اُخذت فيه الموادّ بدرجة سَقَطَ عن قابليّة كونه منطقاً لسائر العلوم، و بقي منطقاً لعلم الفقه و دخيلاً في الاستنباط، بلا اشتراط أن يقع كبرى في طريق الاستنباط.

هذا. و البحث عن وثاقة الراوي وإن كان ـ أيضاً ـ دخيلاً في الاستنباط، ولكن هنا قيد آخر ثابت بالارتكاز المميّز بين علم الاُصول و مثل علم الرجال، وهو أنّ علم الاُصول يجب أن يكون مربوطاً بالحكم، بمعنى أن يكون هو حكماً ظاهرياً كحجّيّة خبر الثقة، أو يكون من مقتضيات الحكم في إحدى المراحل الثلاث: (الجعل) و (الإبراز) و (التنجيز و التعذير). فالأوّل كمباحث إمكان الترتّب، و الملازمة بين وجوب شيء و وجوب ذيه، و نحو ذلك من الاُمور التي يقتضيها الحكم بحسب عالم جعله. والثاني كمباحث دلالة الأمر على الوجوب، والنهي على الحرمة، والمشتق على ما انقضى عنه المبدأ أو المتلبس، ونحو ذلك. والثالث كمباحث منجّزيّة الاحتمال أو معذّريّته عقلاً.

وبناءً على هذا التعريف يدخل الاستصحاب في الشبهة الحكمية في علم الاُصول; لكونه دخيلاً في استنباط الحكم الكلّي من أخذ مادّة فقهية فيه، وليس وسيعاً إلى درجة يكون منطقاً لعلم آخر أيضاً، وليس كبحث وثاقة الراوي ممّا هو غير مربوط بالحكم، بل هو حكم ظاهري، كحجّيّة خبر الواحد و نحوها من أحكام تذكر في علم الاُصول.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 26

 

الفرق بين الاستصحاب و قواعد اُخرى مشابهة له:

 

البحث الثالث: في الفرق بين الاستصحاب و قواعد اُخرى، وهي قاعدة الاستصحاب القهقرائي، و قاعدة اليقين، وقاعدة المقتضي و المانع، فنقول:

أمّا الاستصحاب القهقرائي فهو الذي يتمسّكون به في باب الظهورات، وهو أصل عقلائي، ويذكرون في الفرق بينه و بين الاستصحاب الطردي: أنّه في الاستصحاب الطردي يكون المتيقّن متقدّماً زماناً على المشكوك، وفي الاستصحاب القهقرائي الثابت بالارتكاز العقلائي في باب تغيّر اللغة يكون المشكوك متقدّماً زماناً على المتيقّن.

أقول: بما أنّ هذا الاستصحاب في باب الظهورات مدركه هو الارتكاز العقلائي، فلا بُدّ من تحليل هذا الارتكاز لتتّضح حقيقة هذا الاستصحاب، والارتكاز العقلائي هنا ليس على أساس تعبّد صِرف، وإنّما هو على أساس الأماريّة و الكشف، باعتبار أنّ العقلاء لم يروا باُمّ أعينهم تغيّر اللغة إلاّ نادراً; لكون تغيّرها في غاية البطء، وهذا بخلاف تغيّر ظواهر كثيرة في العالم، كالحياة والموت، والصحّة والمرض وغير ذلك; ولهذا يكون ثبوت معنىً لغوي عندهم مستلزماً لبقائه ولو بنحو الغلبة الشديدة التي أوجبت ارتكاز أصالة الثبات في نظرهم، فاللفظ إذا كان له معنىً وشكّ في تغيّر ذاك المعنى على إجماله وبقطع النظر عن تعيينه، بنوا على أصالة عدم التغيّر، وهذا ما ينطبق عليه الاستصحاب الطردي، ثمّ إذا تعيّن معنى اللفظ في زماننا، ضمّ ذلك إلى هذا الاستصحاب الذي هو في الحقيقة أمارة لاأصل، وتكون مثبتاته حجّة، واستنتج من ذلك باعتبار حجّيّة مثبتاته كون معنى اللفظ في ما سبق ـ أيضاً ـ هو هذا المعنى.

فتحصّل: أنّ الاستصحاب القهقرائي ـ بحسب الحقيقة ـ غير موجود أصلاً، وأنّ الاستصحاب الثابت في باب اللغة بالمعنى المرتكز في أذهان العقلاء مرجعه الى الاستصحاب الطردي نفسه.

وأمّا قاعدة اليقين فقد ذكر: أنّ الفرق بينها وبين الاستصحاب هو: أنّ الاستصحاب يكون متقوّماً بالشكّ في البقاء بعد القطع بالحدوث، وأمّا في قاعدة اليقين فيسري الشكّ إلى نفس المتيقّن السابق، ويجعله مشكوكاً.


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 27

  

أقول: إنّ هذا الكلام صحيح في الجملة، إلاّ أنّه لا بدّ لنا من تعميقه، وبيانه: أنّ ركن الاستصحاب ليس في الحقيقة هو الشكّ في البقاء، وإنّما ركنه هو شكّ اُخذ فيه الفراغ عن الحدوث، وثمرة ذلك هي: أنّه إذا علمنا إجمالاً بحدوث شيء إمّا في الآن الأوّل أو في الآن الثاني، وعلى تقدير حدوثه في الآن الأوّل يحتمل بقاؤه الى الآن الثاني، فهنا يجري الاستصحاب، لكن لا على أساس كون الشكّ في البقاء بناءً على عدم كفاية الشكّ في البقاء التقديري، فإنّ البقاء هنا تقديري، أي: أنّه فرع حدوث الحادث في الآن الأوّل المشكوك فيه، بل على أساس أنّ هذا شكّ فرغ فيه عن الحدوث، وهذا الشكّ يمسّ اليقين على حدّ مسّ الشكّ في البقاء لليقين بالحدوث أو أشدّ، فيشمله قوله:لا تنقض اليقين بالشكّ.

نعم، لو علم إجمالاً بأنّ هذا الشيء إمّا كان ثاتباً في الآن الأوّل فقط، أو في الآن الثاني فقط، فهنا لا يكمن إجراء الاستصحاب لاثبات وجوده في الآن الثاني; لأنّ الشكّ هنا يرى عرفاً مقوّماً للعلم الإجماليّ، حيث إنّ أحد طرفي العلم الإجمالي هو ثبوته في الآن الأوّل المساوق بالفرض لعدمه في الآن الثاني ،فلا يرى عرفاً هذا داخلاً في باب نقض اليقين بالشكّ [1].

فتحصل: أنّ الفرق بين الاستصحاب وقاعدة اليقين ـ بحسب الأركان ـ هو: أنّ ركن الاستصحاب شكّ فرغ فيه عن الحدوث، وركن قاعدة اليقين هو شكّ في نفس الحدوث الذي كان قبل هذا متيقّناً.

وأمّا الفرق بينهما بحسب النكتة الارتكازية لهما ـ بناءً على أنّ الاستصحاب أصل عقلائي كقاعدة اليقين ـ فهو: أنّ الأمارة على المقصود في باب الاستصحاب هي نفس حدوث الشيء، بدعوى ملازمته غالباً للبقاء مثلاً، وأمّا في باب اليقين فالأمارة على المقصود هي اليقين، بدعوى كون اليقين غالباً مطابقاً للواقع مثلاً.

وأمّا قاعدة المقتضي والمانع فقد ذكر في بيان الفرق بينها وبين الاستصحاب: أنّ متعلّق اليقين والشكّ في باب الاستصحاب شيء واحد بقطع النظر عن الفرق من حيث الحدوث والبقاء، وأمّا متعلّق اليقين والشكّ في باب المقتضي والمانع فهو أمران: فاليقين تعلّق بالمقتضي والشكّ تعلّق بالمانع.

أقول: إنّ هذا الفرق صحيح، لكنّه لا بأس بالتعمّق ـ أيضاً ـ في بيان الفرق; لإبراز الفرق في النكتة الارتكازية بينهما بناءً على رجوع الاستصحاب إلى أصل ارتكازي عقلائي، وبيان ذلك: أنّ مرجع قاعدة المقتضي والمانع ـ لو كان عندنا مثل هذه القاعدة ـ هي أصالة

 

 

_________________________________________

[1] ظاهر كلامه(رحمة الله) في بحث الأصل المثبت ينافي ذلك فراجع.


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 28

 

عدم المانع; فان العقلاء لا يبنون على تحقّق النتيجة بمجرّد ثبوت المقتضي تعبّداً صِرفاً، وإنّما يبنون على تحقّقها باعتبار نفي وجود المانع بأمارة من الأمارات، وهذا الأصل لو قسناه إلى استصحاب عدم المانع، فالفرق بينهما هو: أنّ الاستصحاب قائم على أساس أمارية ثبوت العدم سابقاً على ثبوته لاحقاً، وأصالة عدم المانع قائمة على أساس أماريّة ثبوت المقتضي على عدم المانع، بدعوى: أنّ الغالب في المقتضيات عدم اقترانها بالمانع.

وأمّا لو قسنا القاعدة إلى الاستصحاب الجاري في الممنوع دون الجاري في المانع، فهنا إن فرض أنّ الممنوع ـ وهو الاحتراق مثلاً ـ كان ثابتاً بواسطة المقتضي ـ وهو الملاقاة مع النار ـ وشكّ في بقائه من جهة الشكّ في حدوث المانع، فنتيجة الاستصحاب متّحدة مع نتيجة قاعدة المقتضي والمانع، وعند ئذ إن قلنا: بأنّ الاستصحاب المرتكز عقلائياً إنّما هو  في فرض إحراز المقتضي، فالاستصحاب يرجع هنا تقريباً إلى قاعدة المقتضي والمانع، وإلاّ فالفرق بينهما هو: أنّ الأمارة على بقاء الإحراق في الاستصحاب هي ثبوته سابقاً، بدعوى: أنّ الغالب في الشيء الحادث بقاؤه، والأمارة على بقاء الإحراق في القاعدة هي وجود المقتضي، بدعوى: أنّ الغالب في المقتضي عدم اقترانه بقاءً بمانع.

وأمّا ان فرض أنّ الممنوع كان مسبوقاً بالعدم، فهنا يقع التنافي بين قاعدة المقتضي والمانع وقاعدة الاستصحاب، والفرق بينهما هو: أنّ الاستصحاب يكون بنكتة أمارية عدم المعلول في الآن الأوّل على عدمه في الآن الثاني، والقاعدة تكون بنكتة في طرف العلّة، وهي أمارية وجود المقتضي على عدم المانع.

وهنا حساب العلّة مقدّم على حساب المعلول بملاك الأضيقيّة; لأنّ حساب الدائرة الأضيق تقدّم على حساب الدائرة الاوسع، فلو علمنا مثلاً أنّ الغالب في الحيوانات عدم الذكاء، وعلمنا أنّ الغالب في الفرس هو الذكاء، ثمّ رأينا فرساً شككنا في ذكائه وعدم ذكائه، كان الحساب الجاري بشأنه هو حساب الدائرة الضيّقة وهي دائرة الفرس، لا حساب الدائرة الواسعة وهي دائرة الحيوانات، وما نحن فيه من هذا القبيل، فحينما يحسب حساب المعدومات إطلاقاً يقال: إنّ الشيء المعدوم يبقى غالباً على ما هو عليه من العدم مثلاً، وحينما يحسب حساب دائرة ضيّقة منها وهي الدائرة التي وجد فيها المقتضي لانقلاب العدم الى الوجود يقال: إنّ هذا المقتضي غالباً لا يقترن بمانع، والحساب الثاني يقدّم على الحساب الأوّل.

هذا تمام الكلام في المقدّمة.

ولنشرع الآن في أدلّة حجّيّة الاستصحاب.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 29

 

الاستصحاب 2

 

أدلّة حجّيّة الاستصحاب

 

1- حجّيّة الاستصحاب على أساس إفادته للظن.

2- حجّيّة الاستصحاب على أساس السيرة العقلائية.

3- حجّيّة الاستصحاب على أساس الأخبار.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 31

 

حجّيّة الاستصحاب على أساس إفادته للظن:

الدليل الأوّل: هو الظنّ، فيقال: إنّ الحالة السابقة تورث الظنّ، فيكون الظنّ دليلاً على حجّيّة الاستصحاب، وذلك إمّا من باب الظنّ النوعي، أو من باب الظنّ الشخصي، والفرق بينهما هو: أنّه إن قلنا: إنّ الحالة السابقة ـ لو خلّيت وطبعها ـ تورث الظنّ، فتكون حجّة حتّى في مورد لم تخلّ وطبعها، أي: اقترنت بمانع يمنع عن حصول الظنّ، كان هذا معناه حجّيّة الاستصحاب من باب الظن النوعيّ. وأمّا إن قلنا: إنّ الحالة السابقة ـ لو خلّيت وطبعها ـ تورث الظنّ فمهما خلّيت وطبعها كانت حجّة، كان هذا معناه حجّيّة الاستصحاب من باب الظنّ الشخصيّ.

ونقطة الفراغ في هذا الدليل هي مسألة حجّيّة الظن التي لم يتعرّض لحالها في هذا الدليل، فلو فرضت حجّيّة هذا الظنّ بدليل الانسداد أو بدليل آخر، وضمّت هذه الكبرى الى ما فرض من الصغرى، وهي إفادة الحالة السابقة للظنّ، كان مجموع ذلك دليلاً كاملاً على حجّيّة الاستصحاب.

ويستشهد للصغرى في المقام بما يذكر في الدليل الثاني من السيرة العقلائية، فيقال: إنّ هذه السيرة من قبل العقلاء لا يحتمل تحققها من باب التعبّد الصرف، وإنّما هي من باب ما يرون في المقام من الطريقية.

والصحيح: أنّ هذا الوجه لا محصّل له لا كبرىً ولا صغرىً.

أمّا الكبرى: فلعدم ثبوت حجّيّة هذا الظنّ لا بدليل الانسداد; لعدم تماميّته على ما مضى

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 32

 

في محلّه، ولا بدليل خاصّ; لعدم أيّ دليل خاصّ على حجّيّته، وإذا اُريد التمسّك بالسيرة وعدم الردع كان ذلك رجوعاً إلى الدليل الثاني.

وأمّا الصغرى: فلأنّ كون الحالة السابقة مورثة للظنّ بالبقاء ـ لو خلّيت وطبعها ـ ممنوعة، فإنّ هذا الظنّ ناشئ من حسابات الاحتمالات المختلفة جدّاً باختلاف الموارد والاشخاص ومقدار البقاء، ومجرد الحالة السابقة لا تورث أيّ ظنّ بالبقاء. وأمّا الاستشهاد على حصول الظن بالسيرة العقلائية فغير صحيح، لأنّ بناءهم على البقاء باعتبار تحقق الحالة السابقة بما هي كذلك وإن كان ثابتاً في الجملة، ولكن ليس ذلك على أساس ظنّ منطقي، وإنّما هو على أساس وهميّ، وهو أساس الاُنس بالحالة السابقة، وبما أنّ هذا الأساس ثابت في الحيوانات، فلذا ترى أنّ هذا الجري ثابت في الحيوانات أيضاً، وبما أنّ هذا الوهم إنّما يتحقّق عندما يتكلّم في فرد معيّن لا في فرد مبهم، ترى أنّ هذا الميل النفسي إلى الحكم بالبقاء عند العقلاء إنّما يوجد عند تعيّن الفرد، فمن أنس ذهنه بصديق له عاش ستّين سنة مثلاً، ثمّ لم يره إلى سنة لسفر ونحوه، ولم يكن له أيّ إطّلاع على حاله، فلو سُئِل عن حياته يُرى أنّه يميل إلى فرض حياته، ولكن لو اُبدل هذا الشخص بشخص آخر مبهم، فقيل له: إنّ شخصاً عاش ستّين سنة ثم مضت عليه سنة ليس لنا اطّلاع على حاله، فهل هو حيّ يرزق أو لا؟ فهنا لا يميل إلى الحياة، بل يظهر الجهل المطلق، فلو كان البناء على البقاء على أساس منطقي لم يكن يفرّق بين الحالين.


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 33

 

حجّيّة الاستصحاب على أساس السيرة العقلائية:

الدليل الثاني: قيام السيرة العقلائية على البناء على بقاء الحالة السابقة، بل استشهد بعض بثبوت السيرة عند البشر و الحيوانات.

وقد ناقش في السيرة السيّد الاُستاذ وغيره بأنّ ما يرى من البناء على الحالة السابقة من قبل العقلاء ليس على أساس الحالة السابقة والاستصحاب، وإنّما هو لاُمور اُخرى إتّفاقيّة كثبوت الإطمئنان بالبقاء أحياناً، أو الظن به اُخرى، أو كون ذلك جرياً على الرجاء والاحتياط ثالثةً، أو كونه من باب الغفلة وعدم الالتفات رابعةً [1].

ولكنّ الصحيح ما مضى من أنّ هذه السيرة موجودة في الجملة على أساس الوهم واُنس الذهن بالحالة السابقة، ونفس ما ذكروه من الغفلة يكون منشأها عادةً هو ذاك الوهم، والجري على وفق الظنّ بالحالة السابقة يكون في كثير من الأحيان في موارد لا يكتفون بالظنّ، لكن يؤثّر ضمناً ذاك الوهم الذي يوجب نوعاً من سكون النفس وعدم الاضطراب، ويشهد لهذه السيرة ذكر كثير من العلماء لها، حتى إنّه قيل: لولا هذه السيرة والبناء على الحالة السابقة لاختلّ نظام المعاش، وهو كذلك في الجملة، فكثير من الاُمور يمشي ببركة هذه الغفلة والوهم المانع من الاحتياط واضطراب النفس.

وبعد، فالكلام في المقام تارةً يقع في الصغرى وهي فرض سيرة يكشف عدم الردع عنها عن الإمضاء [2]، واُخرى يقع في الكبرى وهي عدم الردع.

أمّا الكلام في الصغرى فافتراض سيرة يكون عدم الردع عنها دليل الإمضاء يُتصور

 

 

_________________________________________

[1] راجع مصباح الاصول: ج 3، ص 11.

[2] في كون عدم الردع دليلاً على الإمضاء في المقام إشكال، وهو: أنّ من المحتمل أن تكون الأغراض الواقعيّة نسبتها إلى جعل البراءة وجعل الاستصحاب على حدّ سواء، وأن يكون المولى قد جعل البراءة لكنه لم يهتمّ بإيصال ذلك الى العبيد، باعتبار أنّ ما يصنعه العبيد ليس بأسوأ حالاً من فرض التمسّك بالبراءة; لأنّ انحفاظ الغرض الحقيقي بعد الردع وقبله يكون بدرجة واحدة.

وقد أجاب اُستاذنا الشهيد(رحمة الله) على ذلك بأنّ الإمام(علیه السلام) يهتمّ بإيصال الأحكام مطلقاً، فلو كان الحكم هو البراءة لردع عن الاستصحاب ولو فرض أنّ نسبة الملاك الواقعي إليهما كانت على حدّ سواء.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 34

 

بثلاثة أنحاء:

1 ـ دعوى أنّ السيرة العقلائية ثابتة في الجري العملي في أغراضهم التكوينية، وقد سرت من موارد أفعالهم وأغراضهم التكوينية إلى موارد الأحكام بمرأىً ومسمع من الإمام(علیه السلام).

2 ـ دعوى أنّ سيرتهم في الجري العملي في أغراضهم التكوينية وإن لم تسرِ إلى باب الأحكام لكنّها تشكّل خطراً على أغراض المولى: إذ هي ـ على أيّ حال ـ في معرض السريان لا محالة، فلو لم يرضَ بذلك الشارع لردع عنه.

3 ـ دعوى السيرة بين العقلاء بما هم موالي، فيُرى في المولويات العرفية الإلزامية ـ كما هو الحال في الأب بالنسبة لا بنه مثلاً، أو الالتماسية كالصديق بالنسبة لصديقه ـ الاستصحاب منجّزاً ومعذّراً، وهذا أيضاً يشكّل ـ لا محالة ـ خطراً على أغراض المولى، فلو لم يرضَ المولى بذلك للزم الردع عنه.

والتحقيق: أنّ دعوى السيرة بالنحو الثالث غير ثابتة، وعهدتها على مدعيها، وكذلك الدعوى الاُولى، فإنّ السيرة ليست محكمة إلى درجة لا يحتمل عدم إسراء العقلاء لها إلى باب الأحكام، ولو من باب ثبوت ارتكاز ذهني لهم على أنّ الأحكام الشرعية يجب اتّخاذها من الشارع، خصوصاً أنّ القول بحجّيّة الاستصحاب لم يكن رائجاً بين العلماء الأقدمين، بل إنّ المحدّثين من أصحابنا قد اكّدوا على عدم حجّيّة الاستصحاب، و ادّعوا الإجماع على ذلك، ومن البعيد جداً أن يفترض بناء أصحاب الائمة(عليهم السلام) على الاستصحاب، ثمّ ابتعاد ذهن العلماء عن قبول الاستصحاب الى هذا المستوى فلا يبقى إذن عدا دعوى مجرّد السيرة الثابتة لدى العقلاء في أغراضهم التكوينية، وعدم الردع عنها الكاشف عن الإمضاء باعتبار أنّها تشكّل خطراً على أغراض المولى.

وأمّا الكلام في الكبرى فما يتصوّر رادعاً عن السيرة في المقام هي الأدلّة الناهية عن العمل بغير العلم مع أدلة البراءة أو الأحتياط، وقد جعل المحقّق الخراساني(رحمة الله) ذلك رادعاً عن السيرة هنا [1]، ولم يقبل رادعيّتها عنها في باب خبر الثقة [2]، ومن هنا اعترض عليه المحقّق النائيني(رحمة الله) [3] بأنّه لا وجه لهذا الفرق، فإمّا أن تكون رادعة في كلا المقامين، أو لا

 

 

_________________________________________

[1] راجع الكفاية: ج 2، ص 280، بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة المشكينيّ.

[2] راجع نفس المصدر، ص 99.

[3] راجع فوائد الاُصول: ج 4، ص 119، وأجود التقريرات: ج 2، ص 358.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 35

 

تكون كذلك في كلا المقامين.

أقول: إنّنا لا ندخل هنا في البحث عن أنّ هذه الأدلّة هل يمكن دعوى عجزها عن الردع ولو في خصوص خبر الثقة أو لا، لأنّ هذا ما بحثناه في باب خبر الثقة وقد اخترنا هناك عجزها عن ذلك، وإنّما نبحث هنا عن أنّه ـ بعد فرض الفراغ عن عجزها عن الردع في خبر الثقة ـ هل تعجز عن الردع حتّى في المقام، أو يمكن إبداء فرق بين المقامين بحيث إنّ الاستدلال بالسيرة لو تمّ في ذاك المقام لا يتم هنا بغضّ النظر عن أنّ هذا الفرق كان منظوراً للمحقّق الخراساني(رحمة الله) ومقبولاً عنده، أو لا؟

وهناك وجوه لإبداء الفرق بين المقامين نحن نذكر هنا سبعة منها:

الوجه الأوّل: أنّ السيرة كلّما كانت أقواى احتاجت إلى ردع أقوى، والسيرة في خبر الثقة قويّة إلى درجة لا يمكن الاقتصار في ردعها على هذا المقدار من عموم أو إطلاق من هذا القبيل، وهذا بخلاف المقام الذي تحتمل ـ على الأقلّ ـ الكفاية في ردع السيرة بمثل هذه العمومات والإطلاقات; لعدم قوّة السيرة بتلك المرتبة.

الوجه الثاني: ما ذكره السيد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ بعد فرض عدم أولوية جعل هذه الأدلّة رادعة عن جعل السيرة مخصِّصة وبالعكس: من أنّ الردع لم يكن في أوائل البعثة، فالسيرة كانت ممضاة [1] آنذاك، فنستصحب الحجّيّة في باب خبر الثقة، ولكن لا يمكننا استصحاب الحجّيّة في باب الاستصحاب; لأنّ هذا يعني إثبات حجيّة الاستصحاب بالاستصحاب، وهو غير معقول [2].

أقول: يرد على هذا الوجه:

أوّلا: أنّ الاستصحاب مدركه هو خبر الثقة، فكيف نثبت حجيّة خبر الثقة بالاستصحاب؟

وثانياً: أنّ خصوص أصالة عدم النسخ ثابتة بالإجماع ونحوه، ولو أنكرنا الاستصحاب في سائر الموارد إذن يمكننا التمسّك بأصالة عدم النسخ في كلا البابين [3].

 

 

_________________________________________

[1] ثبوت الإمضاء بالسكوت الذي يواكب تدريجيّة الشريعة في صدر التشريع مشكل.

[2] راجع مصباح الاُصول: ج 3، ص 12.

[3] ثبوت أصالة عدم النسخ بقطع النظر عن الاستصحاب في حكم ثبت بمجرّد السكوت في أوائل الشريعة مشكل; لأنّ دليله إمّا ظهور الكلام في دوام الحكم، وهذا غير ثابت في السكوت المواكب لتدريجيّة الشريعة، وإمّا الوجوه اللبّيّة كالإجماع وسيرة المتشرّعة، والمتيقّن منها غير هذا الفرض.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 36

 

هذا، ولكنّ السيّد الاُستاذ لا يقول بأصالة عدم النسخ بقطع النظر عن دليل الاستصحاب.

الوجه الثالث: أنّ ما دلّ على المنع عن العمل بغير العلم إرشادي يدلّ على وجوب كون المبدأ في عمل المكلّف علماً، وهذا شيء مسلّم لا يرتبط بالردع عن السيرة في شيء من المقامين. وأمّا أخبار البراءة فهي لا تردع عن خبر الثقة; لثبوتها بخبر الثقة، ولكنه لا مانع من ردعها عن الاستصحاب.

وهذا الوجه مبنيّ على القول بكفاية عدم ثبوت الردع في حجّيّة السيرة، وعدم الحاجة الى ثبوت عدم الردع.

الوجه الرابع: أنّ السيرة في خبر الواحد ـ كما يستفاد من عبارة المحقق الخراساني(رحمة الله) [1] ـ كانت سارية إلى باب الأحكام، وعليه فنفس السيرة دليل بدرجة الاطمئنان على عدم ردع نفسها، فإنّه لو حصل الردع من أمير المؤمنين والحسن(عليهما السلام) لما استمرّت السيرة في باب الأحكام إلى زمان العسكري(علیه السلام).

نعم، لو وجد دليل قويّ في مقابل هذا الدليل يدلّ على الردع بحيث يقابل في تأثيره في النفس دلالة نفس السيرة على عدم الردع، وقع التزاحم بينهما في التأثير، وعند النتيجة لا يثبت الإمضاء، ولا يكفي لذلك مجرد عموم وإطلاق.

وأمّا في المقام فحيث إنّ السيرة لم يثبت سريانها إلى باب الأحكام، بل المظنون عدم سريانها، فهي بنفسها لا تدلّ  على عدم الردع، وعندئذ لا طريق إلى استكشاف عدم الردع، لأنّ طريقه هو أن يقال: إنّه لو ردع لوصل الردع، لكن نقول في المقام: إنّه لعل نفس هذا العموم والإطلاق كان بقصد الردع.

الوجه الخامس: أنّ ارتكاز حجّيّة خبر الثقة في الأحكام عند أصحاب الأئمة ـ حتى لو قلنا بأنّه لا يكشف عن عدم الردع; لاحتمال ثبوت ردع لم يلتفتوا إليه ـ يوجب إجمال دليل البراءة لمورد خبر الثقة الدال على الإلزام، فنضطرّ الى الأخذ بجانب الإلزام، ومثل هذا الارتكاز لم يثبت وجوده في باب الاستصحاب.

الوجه السادس: أنّ السيرة بين الموالي والعبيد ـ بحسب عالم التنجيز والتعذير ـ ثابتة في باب خبر الثقة، وغير ثابتة في باب الاستصحاب، وعندئذ يمكن إرجاع ذلك في باب خبر

 

_________________________________________

[1] راجع الكفاية: ج 2، ص 98، بحسب الطبعة المشتملة في حاشيتها على تعليقة المشكيني.


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 37

 

الثقة ـ كما هو ظاهر عبارة الشيخ الآخوند(رحمة الله) [1] ـ إلى دعوى قصور في حقّ الطاعة، بحيث لا يشمل مورد دلالة خبر الثقة على عدم الإلزام، وهذا لو تمّ فلا حاجة إلى ثبوت الإمضاء. نعم، لو ثبت الردع كان التعويل على خبر الثقة عندئذ مخالفة قطعيّة، وهذا مناف لحقّ الطاعة حتماً.

والخلاصة: أنّه يدّعى في باب خبر الثقة قصور في حقّ الطاعة ما لم يصل الردع، فلا حاجة إلى إثبات عدم الردع. وأمّا في المقام فيقصد إثبات حجّيّة الاستصحاب باثبات جعل المولى له حجّة عن طريق إمضاء السيرة الثابت بعدم الردع، فلابدّ من إثبات عدم الردع، ولم يثبت.

وهذا الوجه يقرب جدّاً من ارتكاز الشيخ الآخوند(قدس سره) وإن لم يكن مقبولاً عندنا.

الوجه السابع: ما يناسب مباني المحقّق النائيني(رحمة الله) الذي اعترض على المحقّق الخراساني(رحمة الله) بعدم الفرق بين المقامين، وهو أن يقال: إنّ بناء العقلاء في الاستصحاب لم يكن على وجه الأمارية، وفي باب خبر الثقة كان على وجه الأمارية وما فيه من الكشف، مع تتميم كشفه وجعله علماً تعبداً، فيصبح حاكماً على(رفع ما لا يعلمون) أو الدليل الرادع عن العمل بغير العلم. وهذا بخلاف الاستصحاب.

 

 

_________________________________________

[1] راجع الكفاية: ج 2، ص 100 بحسب الطبعة المشتملة في حاشيتها على تعليقة المشكيني.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 38

 

حجّيّة الاستصحاب على أساس الأخبار:

الدليل الثالث: الأخبار، وهي عدة روايات:

الرواية الاُولى:

صحيحة زرارة، قال: قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والاُذن، فإذا نامت العين والاُذن والقلب وجب الوضوء، قلت: فإن حرّك إلى جنبه شيء وهو لا يعلم به؟ قال: لا، حتّى يستيقن أنّه قد نام، حتّى يجي من ذلك أمر بيّن، وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه، ولا تنقض اليقين أبداً بالشكّ، وإنّما تنقضه بيقين آخر [1].

وأصل دلالة الرواية في الجملة على الاستصحاب في غاية الوضوح رغم ما سيأتي من وجه المناقشة فيها في تنبيه نعقده في ذيل الحديث عن هذه الرواية، وسيأتي الجواب ـ أيضاً ـ هناك إنشاء الله.

شبهة اختصاص الرواية بباب الوضوء:

ولكن وقع البحث لدى الأصحاب ـ قدّس الله أسرارهم ـ حول أنّ دلالة الرواية على الاستصحاب هل تختصّ بباب الوضوء، أو أنّ لها إطلاقاً لسائر الأبواب؟

والوجه في إثارة احتمال الاختصاص بباب الوضوء هو احتمال كون اللام في قوله: لا تنقض اليقين بالشكّ للعهد، وإشارةً لما مضى في عبارة الرواية من اليقين بالوضوء.

وللجواب على هذا الإشكال وجوه:

الوجه الأوّل: ما ذكره المحقّق الخراساني(رحمة الله) من أنّ الأصل في اللام كونه للجنس ما لم تقم قرينة على الخلاف، وحمله على معنىً آخر بلا قرينة خلاف الظاهر[2].

 

 

_________________________________________

[1] الوسائل: ج 1، باب 1 من نواقض الوضوء، ح 1، ص 245 بحسب طبعة آل البيت.

[2] راجع الكفاية: ج 2، ص 284، حسب الطبعة المشتملة في حاشيتها على تعليقة المشكيني.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 39

 

أقول: إنّنا تارة نفترض أنّ اللام مشترك لفظي بين التعيّن الجنسي والتعيّن العهدي ونحو ذلك، واُخرى نفترض أنّه ظاهر في الاستغراق والجنس، وثالثة نفترض أنّه لا يدلّ على أيّ واحد من هذه التعيّنات، وإنّما هو موضوع للزينة أو نحوها، كما ذكر الآخوند في باب الإطلاق [1]، ورابعة نفترض أنّه موضوع لجامع هذه التعيّنات، وخصوصيّة العهد أو الجنس ونحوهما تستفاد بدالّ آخر.

فعلى الأوّل لا يكون اللام دالاًّ على العموم; لفرض كونه مشتركاً ومجملاً، وأمّا الإطلاق وإجراء مقدّمات الحكمة في مدخول اللام فيبطله احتفاف الكلمة بما يصلح للقرينية; لأنّ اللام على أحد معانيه قرينة على العهد.

وعلى الثاني يكون اللام بنفسه دالاًّ على العموم، ويثبت المقصود بلا حاجة إلى الإطلاق وإجراء مقدّمات الحكمة.

وعلى الثالث والرابع نحتاج إلى الإطلاق ومقدّمات الحكمة، واللام ـ عندئذ ـ  وإن لم يكن صالحاً للقرينيّة على العهد; لأن العهد لا يستفاد في موارد العهد من اللام حسب الفرض، وإنّما يستفاد من السياق، لكنّنا ننقل الكلام ـ على هذا ـ إلى السياق ونقول: إنّ السياق قد يكون ظاهراً في العهد، وقد يكون بنحو مجمل وصالح للقرينيّة على العهد باعتبار ذكر حصّة خاصّة من قبل، كما في المقام، فأيضاً لا يتمّ الإطلاق.

وعليه نقول: إنّ المحقّق الخراساني(رحمة الله) لو قصد بقوله:(إنّ اللام ظاهر في الجنس) الوجه الثاني، بأن يكون الشمول مستفاداً بنحو العموم من اللام، فهذا غير صحيح; لما حقّقناه في محله من أنّ اللام ليس موضوعاً للاستغراق، وإنّما هو موضوع لجامع التعيّن، ولو كان مقصوده ما يناسب الوجه الثالث والرابع فهذا لا يكفي في إثبات المطلوب بإجراء مقدّمات الحكمة; لكون السياق صالحاً للقرينيّة، ومانعاً عن إجراء مقدّمات الحكمة.

الوجه الثاني: دعوى: أنّ قوله:لا تنقض اليقين بالشكّ تعليل للجزاء المحذوف في قوله:وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه بناءً على ما هو المشهور من أنّ الجزاء محذوف، تقديره: وإلاّ فلا يجب عليه الوضوء، فيقال: إنّ التعليل يقتضي التعدّي وعدم الاختصاص بالمورد، فلا بد من ان يكون الحكم لكل يقين لا لخصوص اليقين بالوضوء.

وهذا التقريب بهذا المقدار واضح البطلان، فإنّنا نتكلم في أنّ قوله:لا تنقض اليقين

 

 

_________________________________________

[1] راجع الكفاية: ج 1،ص 380، حسب الطبعة المشتملة في حاشيتها على تعليقة المشكيني.


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 40

 

بالشك هل قصد به مطلق اليقين، أو أنّ اللام للعهد مثلاً، فقصد به اليقين بالوضوء، وكون هذا تعليلاً لا يؤثّر شيئاً في المقام أبداً، فإنّ تعليليّته لا تعطيه شمولاً، ومجرّد كونه تعليلاً لا يوجب التعدّي من المورد، وإنّما علينا أن نرى مقدار سعة العلّة، فإن كان بمقدار المورد يقتصر على المورد، وإن كان أوسع من المورد يتعدّى من المورد، وكونه بمقداره أو أوسع هو مصبّ البحث في المقام.

ولكن المحقّق العراقي(قدس سره) غيّر صياغة الكلام فذكر: أنّ المنساق عرفاً من هذا التعليل في المقام هو الشكل الأوّل من القياس، فيجب أن يكون اليقين المحكوم عليه بعدم النقض أوسع من اليقين بالوضوء [1].

والمحقّق الأصفهاني(قدس سره) ذكر تماماً عكس ذلك، فذكر في المقام بعد أن كان من المفروغ عنه عنده حمل هذا الحديث على الشكل الأوّل: أنّ الأوسط في الكبرى يجب أن يكون مساوياً تماماً للأوسط في الصغرى، وفي المقام الأوسط المتكرّر هو اليقين، وهو في الصغرى مقيّد بالوضوء، فيجب أن يكون في الكبرى ـ أيضاً ـ مقيّداً به، فيصبح قوله:لا تنقض اليقين بالشكّ مختصّاً باليقين بالوضوء، فَلِكي تستفاد من الحديث القاعدة الكلّيّة لا تكفي دعوى: أنّ اللام في اليقين ليس العهد، بل لابدّ من إثبات أنّ اليقين في قوله:فانه على يقين من وضوئه أيضاً غير مقيّد بالوضوء، فعندئذ يتّجه الاستدلال بالحديث.

 

_________________________________________

[1] راجع المقالات: ج 2،ص 344 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلامي، وراجع ـ أيضاً ـ نهاية الأفكار: القسم الأوّل من الجزء الرابع، ص 42.

[2] راجع نهاية الدراية: ج 3، ص 43 بحسب طبعة آل البيت.

ولا يخفى: أنّ المفهوم من عبارة المحقّق الأصفهاني(رحمة الله) ليس هو دعوى وحدة ما وقع محمولاً في الصغرى، وهي قوله:فانه على يقين من وضوئه وما وقع موضوعاً في الكبرى وهي قوله:لا تنقض اليقين بالشك بل هو دعوى اتّحاد الحدّ الأوسط بقيوده المقوّمة، بمعنى الجامع بين أن يكون الموضوع في الكبرى والمحمول في الصغرى كلاهما عبارة عن اليقين بالوضوء، أو أن يكون قيد الوضوء في الصغرى مذكوراً من باب الموردية لا المقوّميّة، فالحدّ الأوسط في كلّ من الصغرى والكبرى هو جامع اليقين رغم وجود قيد الوضوء في طرف المحمول في الصغرى بلحاظ الموردية.

والمحقق العراقي(رحمة الله) حينما ادّعى أنّ المناسب للشكل الأوّل هو أن يكون اليقين المحكوم عليه في الكبرى بعدم النقض أوسع من اليقين بالوضوء لا يقصد به دعوى الأوسعية بلحاظ القيود المقوّمة للمحمول في الصغرى، فلا تقابل إذن بين ما يقوله المحقّق العراقي وما يقوله المحقّق الأصفهاني(رحمهما الله)، ولذا نرى أنّ عبارة(نهاية الأفكار) جمعت بين كلتا المقالتين، أيّ أنّه من ناحية ادّعت لزوم اتّحاد الحدّ الأوسط في الصغرى والكبرى بقيوده، ومن ناحية اُخرى ادّعت ضرورة كون الموضوع في الكبرى جامع اليقين.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 41

 

أقول: إنّ الحقّ في المقام مع المحقّق العراقي(قدس سره) ونوضّح ذلك بذكر مقدمتين:

الاُولى: أنّ الشكل الأوّل له حدود ثلاثة متغايرة، ولا يمكن أن يكون الحدّ الأصغر مع الحدّ الأوسط متّحداً، كأن يقال: الإنسان إنسان، والإنسان حيوان، فالإنسان حيوان. فإنّ هذا ليس استدلالاً، وإنّما مردّه الى قضية واحدة.

الثانية: أنّ العرف حينما يرى كون ثبوت الأوسط للأصغر في غاية الوضوح يقلب التعبير بإثبات الأوسط للأصغر الى التعبير بثبوت الأصغر بنحو مفاد كان التامّة، فمثلاً حينما يسأل السائل: هل يجوع الحيوان الناطق؟ والمجيب يرى أن الجواب مايلي: (الحيوان الناطق حيوان، والحيوان يجوع، فالحيوان الناطق يجوع) فهو في التعبير العرفي يستبدل الصغرى بإثبات الأصغر بنحو مفاد كان التامّة فيقولّ: هو حيوان ناطق، والحيوان يجوع، فهو يجوع.

وبعد هاتين المقدّمتين نقول: إنّ الأوسط في المقام إمّا أن يفرض هو اليقين، أو يفرض هو اليقين بالوضوء، فإن فرض الأوّل انطبق الحديث تماماً على ما قلناه، أيّ: أنّ الصغرى كانت هكذا: (اليقين بالوضوء يقين)، وبما أنّ ثبوت الأوسط للأصغر كان في غاية الوضوح من قبيل قولنا: (الحيوان الناطق حيوان) انقلب الكلام بمقتضى ما ذكرناه في المقدمة الثانية من هذا التعبير الى التعبير بثبوت الأصغر بقوله: فانه على يقين من وضوئه، وبناءً على هذا الوجه يثبت المطلوب.

وإن فرض الثاني، أيّ: أنّ الأوسط في المقام هو اليقين بالوضوء قلنا: إذن ما هو الأصغر في المقام؟! فإن قيل: إنّ الأصغر هو اليقين بالوضوء كالأوسط لزم اتّحاد الأصغر والأوسط، وهذا خلف ما ذكرناه في المقدّمة الاُولى، وإن قيل: إنّ الأصغر هو اليقين الجزئي في قضية معيّنة قلنا: لم يسبق في الحديث ذكر يقين جزئي معيّن، وإنّما المذكور هو قضيّة فرضية، والشيء الفرضي يكون تشخّصه بنفس العناصر المفروضة فيه لا بوجود خارجي، والعناصر المفروضة فيه هي اليقين وكونه يقيناً بالوضوء، فيصبح الكلام في قوّة أن يقال: اليقين بالوضوء يقين بالوضوء، فرجع الإشكال بلزوم اتّحاد الأصغر والأوسط. وعليه فانحصر الأمر في أن يكون الأوسط هو اليقين، فيدلّ الحديث على الاستصحاب في مطلق اليقين، وهو المطلوب [1].

 

_________________________________________

[1] لا يخفى: أنّه من الممكن افتراض أنّ الأصغر عبارة عن الرجل الذي لم يأته أمر بيّن، فيقول: هذا الرجل على يقين من وضوئه، واليقين من الوضوء لا ينقض بالشكّ.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 42

 

وأظنّ ظنّاً اطمئنانياً أنّ هذا هو مقصود المحقّق العراقي(قدس سره) وإن كان في عبارته قصور.

الوجه الثالث: دعوى: أنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي عدم اختصاص الحكم باليقين بالوضوء، بتقريب: أنّ النقض إنّما استعمل مع اليقين باعتبار ما لليقين من الإبرام والاستحكام، وهذه المناسبة لا يكون لتعلّق اليقين بالوضوء أيّ دخل فيها، وإنّما طرف هذه المناسبة هو نفس اليقين، فنتعّدى من المورد إلى مطلق موارد اليقين بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع [1].

أقول: إنّ هذا الوجه فيه خلط بين مناسبة الحكم والموضوع ومناسبة الألفاظ بعضها مع بعض، فإنّ ما ذكر من أنّ اليقين مستبطن للإبرام والاستحكام، فصحّت نسبة النقض اليه الذي لا يسند إلاّ إلى شيء مبرم ليس بياناً لمناسبة الحكم والموضوع، وإنّما هو بيان لمناسبة إسناد النقض إلى اليقين بحسب عالم اللغة، وهذه المناسبة تصحّح إسناد النقض إلى اليقين بحسب عالم اللغة من دون فرق بين أن يسند إلى جامع اليقين أو إلى قسم خاصّ من اليقين مقيّد بشيء، وعدمُ دخل ذلك القيد في تلك المناسبة لا يبطل صحّة هذا الإسناد كما هو واضح.

نعم، هنا بيان آخر لصحّة اسناد النقض الى اليقين وهو: أنّ اليقين يقتضي بحسب الارتكاز العرفي الجري على طبقه حتى بعد زواله، فمخالفته بعد زواله نقض له، وهذا يبيّن لنا ـ في الحقيقة ـ مناسبة للحكم الاستصحابي مع موضوعه، ومع وجود هذه المناسبة العرفية والارتكاز العرفي ينصرف الكلام من حيث سعة الحدود وضيقها الى ذلك، كما سوف نشير إليه في أحد الوجوه الآتية، فلو أنّهم بيّنوا المطلب بهذا اللسان لكان صحيحاً.

الوجه الرابع: أنّ التعبير بهذا اللسان، أي: بلسان عدم نقض اليقين بالشكّ قد تعدّد وروده في أبواب عديدة من الفقه، فيستكشف من ذلك أنّها قاعدة كلّية، وأنّه قصد باليقين جنس اليقين، حيث إنّ الظاهر إرادة معنىً واحد من هذا التعبير بهذه الصياغة الواحدة في الموارد المتعدّدة [2].

والتحقيق: أنّ هذا لا يورث القطع بالمقصود. نعم، الانصاف: حصول الظنّ بذلك، ولكن

 

_________________________________________

[1] راجع فوائد الاُصول: ج 4، ص 337 ـ 338 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وأجود التقريرات: ج 2، ص 360.

[2] ذكر صاحب الكفاية هذا الوجه بعنوان التأييد، وذلك في الجزء الثاني، ص 284، بحسب الطبعة المشتملة في حاشيتها على تعليقة المشكيني.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 43

 

ليس هذا ظنّاً لفظيّاً حتّى يدخل في كبرى حجّيّة الظهور، فلا دليل على حجّيّة مثل هذا الظنّ.

الوجه الخامس: أنّنا نستفيد من قوله: فإنّه على يقين من وضوئه بالرغم من أخذ كلمة الوضوء في الكلام، وكذا من قوله: ولا ينقض اليقين بالشكّ ـ حتّى لو جعل اللام للعهد ـ القاعدة الكلية غير المختصّة بالمورد; وذلك لأنّ التعليل في كلام الإمام(علیه السلام)ظاهر في كونه مسوقاً مساق التقريب إلى الذهن، والتقريب إلى الذهن إنّما يكون إذا اُخذ بالتعليل المركوز في الأذهان، والتعليل المركوز في الأذهان إنّما هو اقتضاء نفس اليقين لعدم النقض بالشكّ، وأمّا اقتضاء اليقين بالوضوء ـ بما هو يقين بالوضوء ـ لعدم النقض فليس أمراً مركوزاً، ولا يصلح لمقربيّة الحكم إلى الذهن، إذن فتلغى بهذه القرينة خصوصية المورد[1].

وهذا الكلام بهذا المقدار غير تامّ، فان التعليل في كلام الإمام(علیه السلام) ليس ظاهراً في خصوص كون الداعي له التقريب إلى الأذهان، بل قد يكون لداع آخر، وهو داعي إعطاء قاعدة عامّة وتعميم الحكم من المورد، وعليه فلعلّ الداعي في ما نحن فيه من ذكر التعليل هو داعي تعميم الحكم من المورد وهو الشكّ الناشىء من احتمال النوم إلى سائر احتمالات الحدث، ولم يكن الشكّ من ناحية النوم موجوداً في كلام الإمام(علیه السلام) حتّى يفرض اللام في الشكّ ـ أيضاً ـ عهدياً.

نعم، يمكن تطوير هذا الوجه، وذلك بأن يقال: إنّ التعليل في كلام الإمام(علیه السلام) إذا كان بشيء مركوز في الأذهان ـ ولو بنحو يختلف حدوده سعةً وضيقاً عمّا في العبارة ـ يوجب انصراف الكلام إلى ذلك الشيء المرتكز بحدوده من السعة والضيق، وحيث إنّ المركوز في المقام هو عدم نقض اليقين بما هو يقين بلا خصوصية لباب الوضوء أو باب الطهارة، فيفهم من الكلام الحكم العام [2]. وهذه هي مناسبة الحكم والموضوع التي أشرنا إليها في ذيل الوجه الثالث.

بقي هنا شيء، وهو أنّ فرض التعليل إشارة إلى أمر ارتكازي إنّما يتّم على ما سلّمناه نحن من ارتكازية الاستصحاب للعقلاء ولو على أساس الوهم. وأمّا الأصحاب الذين أنكروا ذلك عند ذكر الاستدلال على الاستصحاب بالسيرة العقلائية، فذكرهم لهذا الارتكاز هنا

 

_________________________________________

[1] راجع الكفاية: ج 2، ص 284، حسب الطبعة المشتملة في حاشيتها على تعليقة المشكيني.

[2] راجع أجود التقريرات: ج 2، ص 360، وفوائد الاُصول: ج 4، ص 338 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 44

 

تهافت في الكلام.

وأذكُر من بحث السيد الاُستاذ: أنّه حينما وقع في مثل هذا الشيء أجاب بأنّ المقصود من الارتكاز هنا إنّما هو ارتكاز قاعدة: أنّ الشخص لا يرفع اليد عن طريق غير مخطور الى طريق مخطور عند ما يواجه طريقين من هذا القبيل، وهذه القاعدة لا إشكال في ارتكازيّتها [1].

أقول: يرد على هذا: أنّه وان كانت هذه القاعدة ارتكازية لكنّه لو اُريد تطبيقها في المقام تطبيقاً حقيقيّاً فغير ممكن; لأن العمل باليقين السابق ليس سلوكاً لطريق غير مخطور واقع في مقابل طريق مخطور; إذ المفروض احتمال الانتقاض، فالعمل به ـ أيضاً ـ سلوك لطريق مخطور. ولو اُريد دعوى: أنّه طبّقت هذه القاعدة في المقام تعبّداً كان ظهور هذا الكلام في كونه اشارة الى أمر ارتكازي معارضاً بظهوره في كون التطبيق حقيقياً لا تعبدياً.

هذا، مضافاً إلى أنّه لو حمل ذلك على قاعدة ارتكازية طبّقت في المقام تعبّداً فلا يمكن الاستفادة من ارتكازيته بالتعدّي إلى غير المورد; لأنّها وإن كانت ارتكازيّة ولكن تطبيقها كان تعبدياً، ولابدّ من الاقتصار في التعبّد على المورد.

نعم، يمكن التمسّك بالارتكاز في مقام التعميم مع فرض البناء على ما ذكروه من إنكار ارتكازية الاستصحاب بدعوى: أنّ الميل إلى البناء على الحالة السابقة وإن لم يكن بدرجة يصبح ارتكازاً عقلائياً للاستصحاب ولكنه يكون بدرجة تشكّل ارتكاز عدم الفرق بين مورد ومورد، فإذا ورد دليل على الاستصحاب في مورد اُلغيت خصوصية المورد بارتكاز عدم الفرق.

الوجه السادس: أنّ الخصوصيّة المأخوذة في العلّة إذا كانت منتزعة من المورد كان تصدّي المولى للتعليل ظاهراً عرفاً في إلغاء تلك الخصوصية، وذلك كما في قوله:(لا تشرب الخمر لانه مسكر، أو لإسكاره، أو لإسكاره بالتخمّر)، وما نحن فيه من هذا القبيل; فإنّ خصوصية الوضوء منتزعة من المورد.

ويرد عليه: أنّ هذا إنْ تمّ فإنّما يتمّ في ما لو كانت الخصوصية ثابتة في نفس الجملة المعلَّله الواردة في الكلام، ولا يكفي مجرد ثبوتها في المورد، وفي المقام لا يكون الوضوء الذي هو متعلّق اليقين مأخوذاً في المعلَّل، فإنّ المعلّل هو عدم وجوب الوضوء، فكأنّه قال:(وإلاّ فلا

 

_________________________________________

[1] راجع مصباح الاُصول: ج 3، ص 19.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 45

 

يجب عليه الوضوء، فإنّه على يقين من وضوئه).

نعم، هذا الشيء المعلَّل مورده هو فرض اليقين بالوضوء، لكن هذا المقدار غير كاف لإلغاء الخصوصيّة [1].

_________________________________________

[1] قد تقول: هذا الكلام غير واضح; لأَن خصوصيّة الوضوء كانت ثابتة في الجملة المعلَّله، وهي مثلاً جملة: (لا يجب عليه الوضوء).

نعم، اليقين بالوضوء لم يكن ثابتاً فيها، وهذا تماماً من قبيل: (لا تشرب الخمر لأَنّه مسكر); فإنّ الخمريّة كانت مذكورة في الجملة المعلَّله، ولكن مسكريّة الخمر لم تكن مذكورة فيها، فكما يقال في هذا المثال: إنّ العلّة هي المسكريّة لا مسكرية الخمر، كذلك فلنقل في المقام: إنّ العلّة هي اليقين لا اليقين بالوضوء.

والجواب: أنّ الوضوء المأخوذ في الجملة المعلَّلة يحتمل أن يكون غير الوضوء المذكور في العلّة; لأَنّ الوضوء المذكور في العلّة عبارة عن الوضوء السابق، أمّا الوضوء المذكور في الجملة المعلَّلة فقد يكون عبارة عن وضوء جديد، وذلك إذا فرضنا التقدير: (لا يجب عليه الوضوء). نعم، لو فرضنا التقدير مثلاً: (فوضوؤه باق) اتّحد الوضوءان، لكن الشكّ والتردّد بين التقديرين كاف في عدم إمكانيّة التعدّي.

والواقع: هو أنّ مقياس التعدّي عن خصوصية موضوع الجملة المعلّلة هو أن لا تكون تلك الخصوصية في الجملة المشتملة على العلّة إلاّ بأن يكون موضوعاً في تلك الجملة، فتلك الخصوصية إن لم تكن مأخوذة في العلّة أصلاً فالتعدي يكون واضحاً; لأن العلّة غير مقيّدة بها، فتفيد العموم لا محالة، وإن كانت مأخوذة في جملة العلّة على شكل الموضوع حمل العرف ذلك على كونه هو الأصغر، والمحمول هو الأوسط، فقوله: (يحرم الخمر لأنّه مسكر) يحمل على أنّ ذكر الخمر في جملة العلّة، أعني: (أنّه مسكر) إنّما كان لأجل كونه هو الحدّ الأصغر، فأراد حمل الأوسط على الأصغر لا لأجل كونه قيداً في العلّة.

ولا فرق في هذا المقياس بين أن تكون تلك الخصوصية مأخوذة في الجملة المعلّله، أو تكون مورداً لها، فلو قال: (لا تأكل الرمان; لأنّه حامض) اُلغيت خصوصية الرمان المأخوذة في الجملة المعلّله; لأنّها غير ماخوذة في محمول الجملة التي بيّنت العلّة. ولو قال مشيراً الى الرّمان: (لا تأكل هذا; لأنّ الرمان حامض) اُلغيت ـ أيضاً ـ خصوصية الرّمان لنفس النكتة رغم أنّ خصوصية الرّمان لم تكن مأخوذة في الجملة المعلّلة، بل كانت مورداً لها. ولو قال: (لا تأكل هذا الرمان; لأنّه رمّان حامض) لم تلغ خصوصية الرمان; لأنّها اُخذت في محمول الجملة المبيِّنة للعلة، فأصبحت قيداً في الأوسط. ولا نقصد بالموضوع والمحمول ما يكون كذلك في مصطلح علم النحو في صياغة المبتدأ والخبر، أو الفعل والفاعل، بل كلّما يراه العرف في قوّة ذلك دخل في الحساب، فلو قال مثلاً: (لا تشرب الخمر لإسكاره)، أو قال: (لا تأكل الرمان لحموضته)، أو قال مشيراً الى رمّان: (لا تأكل هذا لحموضة الرمان) قلنا أيضاً: إنّ الخمر أو الرمّان: موضوع، وهو الأصغر، والسكر أو الحموضة هو الأوسط المحمول على الأصغر، فالمقياس في تشخيص ذلك هو الذوق العرفي، لا محض صياغة الكلام.

إذا عرفت ذلك قلنا: إنّ فيما نحن فيه وإن كان قيد الوضوء مأخوذاً بلحاظ صياغة الكلام في المحمول لا في الموضوع، ولكن لقائل أن يقول: إنّ العرف يفرضه موضوعاً وحدّاً أصغر، فكأنّه قال: وإلاّ فوضوؤه متيقّن، كما أنّ لقائل أن يقول: إنّ الموضوع والحدّ الأصغر عبارة عن الضمير في قوله: فإنّه أي: هو على يقين من وضوء، وكلّ من كان على يقين من وضوء لا ينقض يقينه بالشكّ، فعلى الثاني لا يدّل الحديث على أكثر من الاستصحاب في باب الوضوء، وعلى الأوّل يدّل الحديث على الاستصحاب في جميع موارد اليقين السابق والشكّ.

وبهذا يتّضح أنّ من يستظهر من الحديث بفهمه العرفي الاستصحاب في جميع موارد اليقين السابق والشك لا مجال لإقامة البرهان على بطلان كلامه عن طريق احتمال كون اللام للعهد، فيكون من المحفوف بما يصلح للقرينية; وذلك لإمكان استظهار أنّ الموضوع في جملة العلّة هو الوضوء، وهو داخل في مورد الجملة المعلّله، فتلغى خصوصيته، ولا يبعد القول بأنّه متى ما لم تكن في جملة العلّة قرينة على إرادة دخل القيد المأخوذ من موضوع الجملة المعلَّله في الأوسط يكون نفس دخله في موضوع الجملة المعلَّله قرينة على أنّه من الحدّ الأصغر لا الاوسط، كما في قولنا: (لا تشرب الخمر لإسكاره) فخمريّة الخمر داخلة في الحدّ الأصغر بقرينة أخذها في موضوع الجملة المعلّله. أمّا إذا كانت في جملة العلّة قرينة على ذلك، فقد دخل في الأوسط رغم أخذه في موضوع الجملة المعلّله، مثاله: (لا تأكل الرمّان; لأنّه رمّان حامض)، فإنّه لو لا دخل الرمّانيّة في الأوسط يرى أنّ تكرار الرمان في جملة العلّة يكون بلا نكتة; إذ كان بالإمكان الاكتفاء بذكره الثابت ضمن الضمير في: (فإنّه)، ولم تكن حاجة الى التكرار.

أمّا في رواية: (فإنّه على يقين من وضوئه) فبما أنّ موضوع الجملة المعلّله يمكن أن يفرض هو الوضوء، أي: وإلاّ فوضوؤه باق; لأنّه على يقين منه، ولا ينقض اليقين بالشكّ. ويمكن أن يفرض نفس ذلك الشخص، أي: وإلاّ فهذا الشخص لا يتوضّأ; لأنّه على يقين من وضوئه، ومن يكون على يقين من وضوئه لا يتوضّأ، جاء في الحديث احتمالان: كون الوضوء من الحدّ الأصغر أو من الحدّ الأوسط، ولا برهان على امتناع استظهار الأوّل


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 46

 

الوجه السابع: ماذكره المحقّق النائيني(رحمة الله) من أنّ اليقين من الصفات الحقيقية ذات الإضافة، ويستحيل انفكاكه عن المضاف إليه، ولذا جعل له في المقام مضاف إليه، وهو الوضوء، فلا  يكون ذكر الوضوء قرينة على التقييد [1].

وعبارته(قدس سره) وإن كانت قاصرة فقد تحمل على أنّ ذكر الوضوء في المقام يكون من باب استحالة انفكاك اليقين من المضاف إليه، وعندئذ يرد عليه: أنّ هذا خلط بين وجود اليقين في عالم النفس وذكر مفهوم اليقين في عالم اللفظ، فإنّ الذي لا ينفكّ عن الإضافة إنّما هو الأوّل لا الثاني، فليكن ذكر الوضوء في عالم اللفظ قرينة على التقييد.

ولكن صدور هذا المعنى من المحقّق النائيني(رحمة الله) مستبعد والظاهر أنّ مقصوده: أن كون اليقين من الصفات الحقيقية ذات الإضافة، واستحالة انفكاكه في عالم النفس عن الإضافة يجعل عرفاً ذكرَ المضاف إليه خالياً عن مؤونة زائدة، فلا يدلّ على التقييد.

وهذا المقدار كاف في مقام الاستدلال بالرواية رغم أن قوله: على يقين من وضوئه ليس ظاهراً في عدم دخل القيد; إذ غاية الأمر أنّ كون اليقين ممّا لا ينفكّ عن الإضافة مَنَعَ القيدَ عن الظهور الفعلي في القيديّة، لكنه لا يخرج عن احتمال صلاحيته للقرينية، فيوجب

 

_________________________________________

[1] راجع أجود التقريرات: ج 2، ص 359 ـ 360، وفوائد الاُصول: ج 4، ص 337 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 47

 

الإجمال لا محالة. والوجه في كفاية ذلك في الاستدلال هو: أنّ عدم الظهور الفعلي لجملة: (فإنّه على يقين من وضوئه) في التقيّد بالوضوء يرفع المانع عن التمسّك بإطلاق قوله: لا ينقض اليقين بالشكّ; إذ مجرّد ذكر شيء مجمل في ما قبل ذلك يكون على أحد معنييه صالحاً للقرينية على إرادة العهد والإشارة إلى حصّة خاصّة من اليقين لا يكون قرينة على ذلك، ولا صالحاً للقرينيّة عليه في نظر العرف [1].

 

________________________________________

[1] يمكن أن يراد بهذا الكلام أحد تقريبات ثلاثة:

الأوّل: أنّ العهد الذكري لا يحسن عرفاً إلاّ إذا كان المعهود مذكوراً ذكراً قطعياً لا احتمالياً، و اليقين الخاصّ ليس مذكوراً ذكراً قطعياً; لأنّنا فرضنا إجمال قوله: على يقين من وضوئه لاحتمال كون ذكر قيد الوضوء لأجل محاكاة وضع اليقين الذي هو من الصفات الحقيقية ذات الإضافة التي لا تنفكّ عن المضاف إليه، لا لأجل التقييد.

والجواب: أنّ المعهود مذكور ذكراً قطعياً، غاية ما هناك أنّه مردّد بين اليقين الخاصّ وطبيعة اليقين.

والثاني: أن يقال: إنّ إجمال قوله: على يقين من وضوئه وتردّده بين ما يصلح للقرينيّة على العهد إلى خصوص اليقين الخاصّ وما لا يصلح للقرينية على ذلك يجعله غير صالح للقرينيّة، ففرق بين تردّد شيء بسبب الإجمال بين ما يكون قرينة بالفعل وما لا يكون قرينة، وبين تردّده بين ما يصلح للقرينية وما لا يصلح، فالأوّل ينزّله من القرينيّة الفعلية إلى ما يصلح للقرينيّة، والثاني ينزّله من الصلاحية للقرينية إلى عدم الصلاحية.

والجواب: أنّه إذا كان لا دافع لاحتمال العهد; لأنّ اللام مشترك لفظي بين الجنس والعهد، أو لأنّ السياق صالح للقرينية على العهد، وإذا كان على تقدير العهد لا دافع لاحتمال العهد إلى اليقين الخاصّ; لأنّ القيد مردّد بين محاكاة وضع اليقين الذي يستحيل انفكاكه في النفس من المضاف اليه وبين القيدية، إذن لا دافع ـ لا محالة ـ لاحتمال كون اللام عهداً إلى اليقين الخاصّ. ولا نقصد بصلاحية القرينية إلاّ ذلك، ولا مبرّر لتنزيل الإجمال والتردّد بين ما يصلح للقرينية وما لا يصلح إلى عدم الصلاحية.

والثالث: أن يقال: إنّ اللام ليس للعهد، بل لجامع التعيين، فقرينة العهد لا تكون إلاّ السياق، والسياق لا يقتضي العهد إلاّ إذا كان اليقين السابق ذكره يقيناً خاصّاً، وهذا المعهود غير مذكور ذكراً قطعياً في ما سبق; لاحتمال كون ذكر القيد في ما سبق مجاراةً ومحاكاةً لحالة اليقين النفسية، لا لتخصيص اليقين، في حين أنّه لا يحسن العهد الذكري إلاّ مع ذكر المعهود ذكراً قطعياً.

إلاّ أنّ دعوى: أنّ السياق لا يقتضي العهد إلاّ عهدية اليقين الخاصّ عهدتها على مدّعيها.

على أنّ هذا كلّه مبنيّ على ظاهر عبارة المتن من افتراض الإجمال في قوله: فإنّه على يقين من ضوئه بمعنى تردّده بين كون ذكر الوضوء من باب القيدية أو من باب المحاكاة عن حالة اليقين النفسية.

ولكنّنا لو حملنا قوله: فإنّه على يقين من وضوئه على الجملة الإخبارية فافتراض هذا الإجمال في المقام غير مفهوم مادام هذا الكلام ليس بياناً للحكم الشرعي حتى نقول: إنّه هل هو بيان للحكم على مطلق اليقين أو على يقين خاصّ، وإنما الحكم الشرعي قد بيّن بعد ذلك بقوله: لا ينقض اليقين بالشكّ والمحكي بهذا الإخبار كان في واقعه يقيناً خاصّاً، أي: يقيناً بالوضوء، وذكر الوضوء تقييد للحكاية لا محالة، غاية ماهناك: أنّ الدافع لهذا التقييد مردّد بين دخله في ما سيأتي من الحكم وهو النهي عن نقض اليقين بالشكّ، وحكايته لواقع حال اليقين الذي كان، أو محاكاته لوضع اليقين بشكل عامّ المستحيل انفكاكه عن المضاف إليه، ولكن على أيّة حال لا يخرج الوضوء عن كونه قيداً للمحكيّ، إذن فالمعهود حتى لو كان هو اليقين الخاصّ فهو مذكور في الكلام ذكراً قطعياً، فالسياق يصلح للقرينيّة لا محالة.

ولعلّ مقصود اُستاذنا الشهيد(رحمة الله) كان شيئاً آخر قصرت عبارتنا عن إفادته.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 48

 

الوجه الثامن: ما ذكره المحقّق الخراساني(رحمة الله) من أنّه يقوى احتمال كون (من وضوئه) متعلقاً بالظرف لا باليقين، فكأنّه قال: فإنّه من وضوئه على يقين، فليس اليقين المذكور قبل جملة: (لا ينقض اليقين بالشك) خاصّاً، فضلاً عن أن يجعل اليقين في تلك الجملة خاصّاً من باب اشتماله على لام العهد[1].

والكلام في ذلك تارةً يقع في الصغرى، وهي صحّة حمل هذه العبارة على كون (من وضوئه) متعلقاً بالظرف لا باليقين، واُخرى في الكبرى، أي: أنّه بعد تسليم تعلّقه بالظرف يقع الكلام في تماميّة دلالته على المقصود.

أمّا الأوّل، فالظاهر[2] من مثل هذا التركيب في لغة العرب كقولك: (على سلامة من دينه) وقولك: (على بيّنه من ربّه) وقولك: (أنا على بصيرة من ديني) ونحو ذلك هو كون الجار والمجرور متعلقاً بالظرف لا بالمجرور، فإنّك ترى أنّ هذا التركيب وهو: (على يقين من وضوئه) و (على بصيرة من أمره) ونحو ذلك مستساغ صحيح، مع أنّ المجرور وهو كلمة اليقين أو البصيرة ونحوهما ممّا لا يصح في لغة العرب تعدّيه بمن[3]، فلا يقال: (أنا أتيقّن من وضوئي) أو (أنا بصير من أمري) وإنّما يقال: (أنا أتيقّن بوضوئي) أو (أنا بصير بأمري).

هذا، مضافاً إلى أنّ المجرور في بعض هذه الأمثلة لا يمكن جعله متعلّقاً للجار والمجرور من حيث المعنى ولو فرض استعمال كلمة(من) مكان الباء مثلاً، فالجار والمجرور في قولك: (على سلامة من ديني) لا يمكن من حيث المعنى أن يتعلّق بالسلامة ولو اُبدلت كلمة(من) بأيّ حرف جرّ آخر، وفي قولك: (على بيّنة من ربّه) لا يمكن تعليق الجار والمجرور من حيث المعنى بالبيّنة، فإنّه لم يكن المقصود ظهور وجود الربّ له حتى يعلّق الجار والمجرور بالبيّنة.

 

________________________________________

[1] راجع الكفاية: ج 2، ص 284 ـ 285، بحسب الطبعة المشتملة في حاشيتها على تعليقة المشكيني.

[2] راجع بهذا الصدد نهاية الدراية: ج 5، ص 46 بحسب طبعة آل البيت.

[3] لا يخفى: أنّ هذه التعليلات لا تصلح دليلاً على أنّ هذا التركيب في لغة العرب ظاهر في تعلّق الجار والمجرور الثاني بالظرف على الإطلاق، وإنّما تصلح دليلاً على ذلك في كلّ مورد تمّ شيء من هذه التعليلات، ومن تلك الموارد ما نحن فيه.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 49

 

والخلاصة: أنّ الظاهر أنّ كلمة (من وضوئه) متعلّقة في المقام بالظرف، أي: بما تعلّق به (على يقين) لا باليقين.

وأمّا الثاني، فقد استشكل المحقّق العراقي(قدس سره) في إجداء صرف القيد من اليقين إلى الظرف في تتميم الاستدلال بالحديث، بدعوى: أنّ اليقين ـ على أيّ حال ـ قيّد بالوضوء: إمّا بتضييقه بلسان ذكر متعلّقه بأن يكون الجار والمجرور متعلّقاً باليقين، وإمّا بتضييقه بلسان ذكر منشأه، بأن يقال: إنّه يكون على يقين، ويكون وصف كونه على يقين ناشئاً من الوضوء [1].

أقول: إنّنا إذا جعلنا (من وضوئه) متعلّقاً بالظرف، أي بالفعل العام الذي تعلق به (على يقين) كان معنى ذلك: أنّ شيئاً واحداً وهو الكون قيّد بقيدين عرضيين وهما (على يقين) و (من وضوئه) وإن كان التقييدان طوليين، أيّ: أنّ الكون إنّما قيّد بقيد (من وضوئه) بالنظر إلى كونه مقيّداً بعلى يقين، لكن هذا لا ينافي كون القيدين في عرض واحد، كما هو مقتضى تعلّق كلا الجارّين والمجرورين بشيء واحد، وإذا كانا في عرض واحد فيستحيل تقيّد أحدهما بالآخر، فيكون ـ لا محالة ـ اليقين مطلقاً، فحتّى لو كان اللام للعهد لا ينافي ذلك إطلاق المدخول; ولذا ترى أنّه لو قدّم (من وضوئه) على جملة (على يقين) بأن قال: (فإنّه من وضوئه على يقين، ولا ينقض اليقين بالشكّ) يفهم منه الإطلاق بلا إشكال.

تنبيهات:

وفي ختام البحث عن هذه الصحيحة ننبّه على اُمور:

1 ـ حول جملة (فإنّه على يقين من وضوئه):

الأمر الأوّل: في البحث عن جملة: (فإنّه على يقين من وضوئه) هل هي قضية خبرية

 

________________________________________

[1] راجع المقالات: ج 2، ص 345 ـ 346 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلامي. ونهاية الأفكار: القسم الأوّل من الجزء الرابع، ص 43.

ولا يخفى: أنّ المحقق العراقي(رحمة الله) ملتفت إلى عدم تقيّد اليقين بمنشأه بناءً على تعلّق (من وضوئه) بالظرف، كما هو ظاهر من عبارته في المقالات وفي نهاية الأفكار، فهو يرى أنّ المعلول في معلوليّته لا يتقيّد بعلّته، فإنّ الناشيء من العلّة إنّما هي نفس الذات لا بقيد النشوء عنها، إلاّ أنّه يدّعي أنّ اليقين ـ عندئذ ـ رغم عدم تقيّده بمنشأه ـ وهو الوضوء ـ لا يبقى له إطلاق وسعة ليقين آخر ناشيء من منشأ آخر، وهذا مبتن على فكرته عن الحصّة التوأم، فإبطال كلامه في المقام لا يكون ببيان عرضيّة القيدين، بل يكون بمناقشة فكرة الحصّة التوأم. ولعل اُستاذنا(رحمة الله) سامح في مقام البيان حذراً من التعقيد في البحث، وإلاّ فمن البعيد غفلته(رحمة الله) عن ذلك.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 50

 

تخبر عن اليقين الواقعي، أو لا؟ وعلى أيّ واحد من هذين التقديرين هل هذه الجملة هي الجزاء، أو الجزاء هو ما بعدها، أو هو محذوف؟ وهذه الفروض هل لها دخل في اقتناص المقصود وعدمه من هذه الصحيحية، أو لا؟ فالبحث يقع في نواحي ثلاث:

هل الجملة خبرية أو إنشائية؟

الناحية الاُولى: في أنّ هذه الجملة هل هي إخبار عن اليقين الواقعي، أو لا؟

لا شكّ في أنّ هذه الجملة ـ بحسب ظهورها الأوّلي ـ ظاهرة في الإخبار دون الإنشاء، كما اعترف بذلك المحقّق النائيني(رحمة الله) الذي حملها على الإنشاء [1].

نعم، هي قابلة للحمل على الإنشاء خلافاً لما ذكره السيّد الاُستاذ من أنّه لا يمكن حملها على الإنشاء; لأنّ الجملة الخبرية التي تأتي للإنشاء إنّما هي الجملة الفعلية مثل: (تسجد سجدتي السهو) أو (تصلّي)، بمعنى اسجد أو صلِّ، دون الجملة الاسمية من قبيل: (هو ساجد) أو (هو مصلٍّ) [2].

أقول: إنّ هذا الكلام إن تمّ فإنّما يتمّ في الإنشاء بمعنى الطلب، لا الإنشاء الذي يقصد به إيجاد المحمول من قبيل: (أنتِ طالق) ونحو ذلك ممّا هو جملة اسمية أفادت الإنشاء، فقد يكون ما نحن فيه من هذا القبيل، أي: يقصد بقوله: فانه على يقين من وضوئه ايجاد اليقين واعتباره تعبّداً[3].

نعم، هذا في نفسه خلاف الظاهر، كما لا شكّ ـ أيضاً ـ في أنّ حمل اليقين المخبر عن وجوده على اليقين التعبّدي خلاف الظاهر في نفسه، فالجملة ظاهرة في الإخبار عن اليقين الوجداني.

إلاّ أنّ هناك تقريباً لدعوى حملها على الإنشاء أو على تعبديّة اليقين، وهو: أنّ ما عرفته من الظهورين معارَضان بظهور آخر وهو ظهور هذه الجملة في كون اليقين ثابتاً بالفعل لا

 

________________________________________

[1] راجع فوائد الاُصول: ج 4، ص 336 ـ 337 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

[2] راجع مصباح الاُصول: ج 3، ص 17.

[3] قد ورد في مصباح الاُصول الاعتراف بأنّ اختصاص الجملة الفعلية بصحّة استعمالها مكان الإنشاء دون الاسمية إنّما هو في الإنشاء الطلبي. أمّا إنشاء المحمول فتأتي فيه الجملة الاسمية كأنت طالق، ولكنّي لا أدري كيف وقعت الغفلة عن أنّ فرض الإنشاء في ما نحن فيه يمكن تصويره بإنشاء المحمول، فكون الجملة في المقام اسمية لا يرفع احتمال الإنشاء؟!

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 51

 

ثابتاً في زمان سابق قد انقضى، ومن المعلوم أنّه لا يوجد له بالفعل يقين وجداني بالوضوء; إذ المفروض أنّه شكّ في الوضوء، إلاّ أن يحمل اليقين بالوضوء في المقام على إرادة اليقين بحدوث الوضوء، لكنّ هذا الحمل لا ينسجم مع ما بعد هذه الجملة، وتوضيح المقصود: أنّه تارةً يؤخذ قيد الحدوث والبقاء في متعلّق اليقين والشكّ، واُخرى يغضّ النظر عن هذا القيد ويلتفت إلى ذات الوضوء، وبهذا النظر يُرى اليقين عرفاً مجارياً لنفس الوضوء، أي: أنّه إذا علم أو احتمل ذهاب وضوئه يقال: إنّ يقينه قد زال، فلو لوحظ في جانب متعلِّق اليقين ذات الوضوء، فبهذا النظر لا يكون اليقين ثابتاً بالفعل، فلابدّ من حمل الكلام على الإنشاء أو الإخبار عن يقين تعبّدي، ولو لوحظ فيه جانب الحدوث لزم من ذلك لحاظ جانب الحدوث ـ أيضاً ـ في اليقين في قوله: لا ينقض اليقين بالشكّ تحفظاً على وحدة المقصود من لفظي اليقين الواردين في سياق واحد. وبهذا النظر يكون متعلّق الشكّ غير متعلّق اليقين; فإنّ اليقين تعلّق بالحدوث، والشكّ تعلّق بالبقاء، ومع فرض اعتبار التغاير بين متعلّق اليقين ومتعلّق الشكّ لا معنى لإسناد النقض بالشك إلى اليقين، بأن يقال: (لا ينقض اليقين بالشكّ). وعليه فينحصر الأمر في حمل قوله: فإنّه على يقين من وضوئه على الإنشاء أو الإخبار بيقين تعبّدي.

 ويرد على هذا التقريب:

 أوّلا: ما سوف ياتي ـ إن شاء الله ـ من تصحيح إسناد النقض إلى اليقين بوجه ينسجم مع لحاظ جانب الحدوث والبقاء في اليقين والشكّ.

 وثانياً: أنّه لو غضضنا النظر عن ذلك، وفرض وقوع التعارض بين الظهورين الأوّلين والظهور الثالث وهو الظهور في وجود اليقين بالفعل، قلنا: إنّ الظهورين الأوّلين أقوى من الظهور الثالث بحيث يصبحان قرينة على رفع اليد عن هذا الظهور الثالث.

 وثالثا: أنّه لو حمل اليقين مثلاً على اليقين التعبدي، فماذا نصنع باليقين المذكور في قوله: لا تنقض اليقين بالشكّ هل نحمله ـ أيضاً ـ على اليقين التعبّدي أو لا؟ فإن حملناه على اليقين التعبّدي لزم من ذلك:

 أوّلا: ركاكة قوله: لا تنقض اليقين بالشكّ; إذ يكون معناه: لا تنقض ما هو حجّة بالشك، في حين أنّ عدم جواز نقضه بالشكّ هو المفروض في حجّيته، فلا معنى للنهي عن نقضه بالشك.

 وثانياً: أن يفرض المولى الشخص متيقّناً تعبّداً فيقول: لا تنقض اليقين وشاكاً في نفس

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 52

 

الوقت; ولذا يقول: بالشك، وهذا وإن لم تكن فيه استحالة عقلية لعدم المنافاة بين اليقين والشك عقلاً عند فرض التعبّد، لكن يُرى في ذلك التهافت عرفاً.

 وإن حملناه على اليقين الوجداني لزم بذلك عدم وحدة المقصود من لفظي اليقين الواردين في سياق واحد، وعدم تحقّق ما مضى أنّ الحديث ظاهر فيه من تألّف القياس من الصغرى والكبرى من هاتين الجملتين، وكون قوله: لا تنقض اليقين بالشكّ تكراراً صِرفاً لقوله: فإنّه على يقين من وضوئه لا كبرى وتلك صغراها.

 فالصحيح هو التحفّظ على ظهور جملة: (فإنّه على يقين من وضوئه) في الإخبار باليقين الحقيقي.

 

 هل الجملة هي الجزاء ؟

 الناحية الثانية: في أنّ هذه الجملة وهي قوله: فإنّه على يقين من وضوئه هل هي الجزاء أو غيرها هو الجزاء؟

 وقد ذكرت في هذه الجملة في المقام احتمالات ثلاثة:

 الأوّل: كونها من متمّمات الجواب، بأن يكون الجواب محذوفاً، أي: وإلاّ لا يجب عليه الوضوء، فإنّه على يقين من وضوئه.

 والثاني: كون الجواب هو قوله: ولا ينقض اليقين بالشكّ فقوله: فإنّه على يقين من وضوئه إمّا هو من متمّمات الشرط أو من مقدّمات الجواب.

 والثالث: كون هذه الجملة بنفسها جواباً.

 ولندرس هذه الاحتمالات تارةً بناءً على كون هذه الجملة إخباراً، واُخرى بناءً على كونها إنشاءً، ونقصد بالإنشاء ما يعمّ كون نفس الجملة إنشاء وكونها إخباراً عن يقين تعبدي، فنقول:

 أمّا بناءً على الإخبار فالاحتمال الأوّل احتمال متين ومنسجم مع الذوق العرفي، وما قد يقال في مقام استبعاده: (أوّلا: من أنّه يلزم التكرار; إذ الجزاء المحذوف وهو قوله: لا يجب عليه الوضوء تكرار لما سبق من قوله: لا، حتّى يستيقن، وثانياً: من أنّ التقدير خلاف الأصل، إذن فهذا الاحتمال يكون على خلاف الظاهر) غير صحيح:

 أمّا الأوّل; فلأنّ المفروض هو حذف أحد المكرّرين، فلم يلزم تكرار في اللفظ، وما يوجد فيه شيء من القبح أو الركّة في الكلام إنّما هو التكرار الفعلي في اللفظ لا التكرار

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 53

 

التقديري، بمعنى كون الشيء المقدّر تكراراً لشيء مذكور.

وأمّا الثاني; فلأنّ ما يكون على خلاف الأصل هو أن يعتمد المتكلّم في فهم شيء على مجموع الكلام والقرائن الحاليّة والمقاليّة ونحو ذلك من دون أن يصرّح بذلك الشيء، وأمّا في ما نحن فيه فهو صرّح أوّلاً بعدم وجوب الوضوء بقوله: لا، وجعل لذلك غاية، وهي قوله: حتّى يستيقن أنّه قد نام، ثمّ فرض عدم الغاية بقوله: وإلاّ، والمترقّب ـ عندئذ ـ أن يأتي الجواب لفرض عدم الغاية بعين ما مضى من التصريح به من الحكم المغيّى بالغاية التي نفيت، إلاّ انّه إعتمد على ذلك التصريح، فلم يذكر الجواب، وليست في ذلك أيّة مؤونة بحسب النظر العرفي.

وأمّا الاحتمال الثاني فغير صحيح; إذ لو فرضت جملة: (فإنه على يقين من وضوئه) مقدّمة للجواب، وقوله: (ولا ينقض...) هو الجواب، ورد عليه: أنّه لا يصحّ دخول الواو على جواب الشرط. ولو فرضت تلك الجملة تتمة للشرط، وقوله: (ولا ينقض...) جواباً، ورد عليه مضافاً إلى ذلك: أنّه لا يصحّ دخول الفاء على ما هو تتمّة للشرط [1]، فهذا الاحتمال غير منسجم مع المحاورات العرفية.

وأمّا الاحتال الثالث، فقد ناقش فيه المحقّق الخراساني(رحمة الله) بأنّ الجزاء لا بدّ أن يكون مرتبطاً بالشرط، وكونه على يقين من وضوئه غير مرتبط بعدم تيقّنه بالنوم [2].

وذكر المحقق الإصفهاني(قدس سره) أنّ الربط بينهما موجود باعتبار ملازمة اليقين بالوضوء لعدم اليقين بالنوم [3].

أقول: إنْ اُريد اليقين بالوضوء حدوثاً أو اليقين بذات الوضوء بغضّ النظر عن حدوثه وبقائه، فهذا ثابت في نفسه بلا فرق بين أن يشكّ في النوم أو يقطع بوجوده أو عدمه. وإن اُريد اليقين بالوضوء بالفعل فهذا كذب; لأنّ المفروض هو الشكّ. وإن اُريد اليقين التعبدّي كان هذا خلف مفروض الكلام فعلاً.

 

________________________________________

[1] صحّة وعدم صحة دخول الفاء على تتمة الشرط ترتبط بكيفية كون تلك التتمّة تتمّةً، فقد تكون سنخ تتمّة ترتّب على الجزء الأوّل من الشرط بالفاء ،كقولك: (إن ضربت زيداً فمات وجبت عليك ديّة كاملة)، وفي المقام قوله: فإنّه على يقين من وضوئه لا ينسجم معناه في ذاته مع كونه تتمّة للشرط، وكلمة (إنّ) ـ أيضاً ـ تأبى ذلك، وكون الشرط محذوفاً باستثناء حرف لا ـ أيضاً ـ يأبى ذلك، فليس من المقبول العطف على المحذوف سواء بالفاء أو بغير الفاء.

[2] راجع تعليقة الآخوند على الكفاية: ص 179، بحسب طبعة بصيرتي.

[3] راجع نهاية الدراية: ج 5، ص 42 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 54

 

نعم يمكن تخريج جملة: (فإنّه على يقين من وضوئه) على الاحتمال الثالث بنحو صحيح عرفيّ ،وذلك بأن نفرض جملتي: (فإنّه على يقين من وضوئه) و (لا ينقض اليقين بالشكّ) معاً جزاءً للشرط، لكن جزائيتهما باعتبارهما قياساً ودليلاً، أي: بلحاظ مرحلة الإثبات، فكأنّه قيل: وإن لم يستيقن أنّه قد نام جرى في حقّه هذا القياس: أنّه على يقين من ضوئه، ولا ينقض اليقين بالشكّ.

وأمّا بناءً على الإنشاء، فالاحتمال الأوّل يأتي هنا بنفس البيان الذي وضّحناه حرفاً بحرف.

والاحتمال الثاني يكون باطلاً كما كان باطلاً على الإخبار بنفس البيان أيضاً.

وأمّا الاحتمال الثالث فهو صحيح هنا من دون حاجة إلى التوجيه الذي وجّهناه به على الإخبار من جعل مجموع الجملتين جزاءً; فإنّ ثبوت اليقين بالوضوء فعلاً تعبّداً فرع عدم اليقين بالنوم، فلا بأس بجعله جزاءً له.

هل يخل بعض الفروض السابقة بالاستدلال ؟

الناحية الثالثة: في أنّه هل يخلّ بعض هذه الفروض بالاستدلال بالحديث على الاستصحاب في جميع الأبواب أو لا؟

قد يتراءى أنّ استفادة القاعدة الكلّية من هذا الحديث لا تتمّ لو جعلنا قوله: لا ينقض اليقين بالشكّ جواباً; لأنّ الجواب إنّما يكون على حدّ الشرط وبمقداره سعةً وضيقاً، فيلزم أن يختصّ ذلك بباب الوضوء باعتبار اختصاص الشرط في الكلام به.

ولكن لو جعلنا قوله: لا تنقض اليقين بالشكّ جواباً بحسب عالم الإثبات، أي: باعتبار دليليته وكبرويته كما مضى منّا في توجيه الاحتمال الثالث، لم يلزم منه ذلك; فان غاية الأمر هي أنّ الإثبات المقصود في الحديث مختصّ بهذا الباب، ولا ينافي ذلك التمسّك بكلّيّة الكبرى في سائر الموارد.

على أنّه لو لم يتمّ اقتناص كبرىً كلّية من هذا الكلام في نفسه، كفانا بعض الوجوه السابقة في مقام فهم القاعدة الكلّية التي لم تكن مربوطة بدعوى كلّية نفس النصّ عموماً أو إطلاقاً، وذلك كما في التعدّي والتعميم بواسطة الارتكاز، فلا تبقى لهذه الفروض التي مضت في المقام ثمرة في مقام إمكان اقتناص المقصود وعدمه من الحديث فيما نحن فيه.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 55

 

2 ـ شبهة استفادة قاعدة المقتضي والمانع من الرواية:

الأمر الثاني: قد يناقش في دلالة هذه الصحيحة على الاستصحاب بدعوى عدم معلوميّة كونها بصدد بيان الاستصحاب، وإنّما هي بصدد بيان قاعدة المقتضي والمانع، ويكون لاستفادة قاعدة المقتضي والمانع من هذا الحديث تقريبان:

التقريب الأوّل: أنّه قد اُسند اليقين في الحديث إلى الوضوء حيث قال: كنت على يقين من وضوئك ومن المعلوم أنّ الوضوء ليس شيئاً يدوم فنشكّ في انتقاضه وعدمه، وإنّما الوضوء عمل مخصوص ينتهي بانتهاء مدّة العمل. نعم، هو مقتض للطهارة التي تبقى إلى أن يأتي مانع عن البقاء وهو النوم، والمفروض في المقام احتمال تحقّق النوم، فالحديث ينطبق تماماً على قاعدة المقتضي والمانع دون الاستصحاب.

ويرد عليه: أنّ الوضوء ـ على ما ثبت في الفقه ـ قد اعتبره الشارع تعبداً طهارة، واعتبره ـ أيضاً ـ باقياً، فلو نظرنا إلى الوضوء بما هو فعل من الأفعال، لا معنى لاستصحابه كما بيّن في الإشكال. ولو نظرنا إليه بما هو طهارة قابلة للبقاء. صحّ إسناد اليقين إليه وفرض الشك في بقائه، وقد نظر الشارع إلى الوضوء بهذه النظرة في كثير من الروايات، كالروايات التي تقول: (إنّ العمل الفلاني من النوم أو غيره ينقض الوضوء) فإنّ الوضوء بما هو فعل من الأفعال لا معنى لنقضه بذلك، وفي نفس هذا الحديث قد نُظر إلى الوضوء بهذه النظرة، حيث قال الراوي في أوّل الحديث: قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء وهذا يعني: أنّه نُظِر إلى الوضوء بما هو طهارة باقية إلى زمان النوم، فعبّر بتعبير: نام عليها، فظهر أنّ هذا الحديث لا يأبى عن حمله على الاستصحاب.

ولكن الحديث يأبى عن حمله على قاعدة المقتضي والمانع; وذلك لأنّ حذف متعلّق اليقين والشك مع وحدة سياقهما دليل على اتّحاد متعلقهما، فلا يناسب فرض متعلّق اليقين الوضوء، ومتعلق الشكّ النوم.

أضف إلى ذلك: أنّ الشكّ إذا كان متعلّقاً بشيء واليقين متعلّقاً بشيء آخر لم تكن من المناسب نسبة النقض بهذا الشك الى ذاك اليقين، فلا بدّ أن يكون ذلك باعتبار المتيقّن والمشكوك، وهو خلاف الظاهر، إذن فلا بدّ من حمل الحديث على الاستصحاب.

التقريب الثاني: أنّه لو كان الحديث ناظراً إلى الاستصحاب لكان يُجرى استصحاب عدم النوم الحاكم على استصحاب الطهارة، ولا مجال لاستصحاب الطهارة لثبوت الاستصحاب في جانب السبب، وهو ناقض الطهارة، وهذا بخلاف ما لو حملناه على قاعدة المقتضي

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 56

 

والمانع; فإنّه لا توجد هنا قاعدة اُخرى سببيّة تحكم على القاعدة المذكورة في الحديث، فهذا شاهد على إرادة قاعدة المقتضى والمانع.

وقد يجاب على ذلك: بأنّ مورد الرواية هي الشبهة المفهومية; لأنّ الراوي يسأل عن الحالة التي يحرّك في جنب النائم الشيء وهو لا يعلم هل هذه الحالة تعتبر نوماً فيبطل الوضوء أو لا؟ وعليه، فلا مجال للاستصحاب الموضوعي الحاكم في المقام بناءً على ما هو الصحيح من عدم جريان الاستصحاب الموضوعي في الشبهات المفهوميّة.

ويرد عليه: أنّه لا يمكن حمل الرواية على الشبهة المفهومية، بل الراوي سأل أوّلاً عن الشبهة المفهوميّة وعرف الضابط فيها بتفصيل الإمام(علیه السلام) بين نوم العين ونوم القلب والاُذن، ثمّ وصلت النوبة إلى الشبهة المصداقية، وعدم التفاته إلى ما حرّك في جنبه منشأ لشكّه في النوم، فسأل عن هذه الشبهة المصداقية، ولو كانت الشبهة مفهومية لكان السؤال عن حدود النوم المبطل للوضوء، وعندئذ لا معنى لأن يجيبه الإمام(علیه السلام) بالاستصحاب، بل لا بدّ من بَيانه(علیه السلام) للحكم الواقعي، وإنّما الذي يجري الاستصحاب في الشبهات الحكمية هو الفقيه غير العارف بالحكم الواقعي، لا الإمام(علیه السلام) الذي شأنه بيان الأحكام الواقعية، إذن، فلا بدّ من استيناف الجواب عن هذه الشبهة.

ويمكن أن يجاب عنها بما يلي:

1 ـ ما سوف يظهر ـ إن شاء الله ـ من أنّ حكومة الأصل السببي على المسبّبي ممّا لا أساس له، وإنّما يقدّم بوجه عرفي الأصل السببي على المسبّبي إذا كانا متعارضين، وفيما نحن فيه لا تعارض بينهما، فلا بأس بالتمسّك باستصحاب الطهارة.

2 ـ لو سلّمنا صحّة مبنى الحكومة في نفسه قلنا: إنّ مقتضى هذا الحديث تقييد نكتة الحكومة وتخصيصها بخصوص الأصل السببي المعارض للمسبّبي دون الموافق له، فإنّه إذا دار الأمر بين رفع اليد عن إطلاق ذلك أو عن الظهور الذي بيّناه للحديث في الاستصحاب كان المتعيّن هو الأوّل حتماً.

3 ـ أن يفرض في المقام أنّ النوم حدّ للطهارة لا مانع عنها، بمعنى كون عدمه مأخوذاً في موضوع الحكم ببقاء الطهارة، وعندئذ لا يترتّب على استصحاب عدم النوم أثر شرعيّ إلاّ بالملازمة، حيث إنّ لازم عدم ثبوت الحدّ والغاية ثبوت المغيّى، وليس ثبوت المغيّى أثراً لعدم النوم مترتباً عليه على حدّ ترتب الحكم على موضوعه، فعندئذ لا يجري استصحاب عدم النوم.


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 57

 

 ويرد عليه: أنّ العرف لا يتعقّل التفكيك بين فرض عدم النوم داخلاً في موضوع الحكم ببقاء الطهارة وفرض النوم حدّاً وغايةً، بل يفهم من الثاني ـ أيضاً ـ الأوّل، على أنّ هذا الكلام إنّما يتوجّه بناءً على فرض الحكم عبارة عن الاعتبارات والإنشاءات ونحو ذلك. وأمّا بناءً على ما هو الحقّ من أنّه لا بدّ من لحاظ نفس الحبّ والبغض، فلا محالة يكون عدم النوم دخيلاً في عالم الحبّ والبغض، وإلاّ لما جعل النوم غاية وحدّاً للحكم، فيرجع ذلك إلى كون عدم النوم موضوعاً، ولا يبقى فرق بينهما.

4 ـ أن يقال: إنّ الطهارة من الاُمور التكوينية التي كشف الشارع عنها، وليست حكماً شرعياً مترتّباً بقاؤها على عدم النوم حتّى يمكن إثباتها باستصحاب عدم النوم، فلا بدّ من استصحاب نفس الطهارة، ولا يكفي استصحاب عدم النوم المستلزم تكويناً لبقاء الطهارة.

ويرد عليه: عدم صحّة المبنى، أعني: كون الطهارة من الاُمور التكوينية لا حكماً شرعياً. وتحقيق ذلك موكول إلى الفقه.

3 ـ شبهة أنّ السلب في (لا تنقض اليقين) للعموم لا للعامّ:

الأمر الثالث: جاء في كلام الشيخ الأعظم(قدس سره) ذكر شبهة في المقام، وهي: أنّ قوله: لا تنقض اليقين بالشكّ قد يكون سلباً للعموم لا سلباً للعامّ، فلا يدلّ على الاستصحاب بنحو القضية الكلّية. واستظهر هو(قدس سره) كونه سلباً للعام لا للعموم [1].

وهذه الشبهة في نفسها لم تكن تستحقّ الذكر، إلاّ أنّ المحقّق النائيني(رحمة الله) ذكرها وفصّل الكلام في تحقيق الحال فيها، ولعلّه لأجل استخلاص قانون عام يفيد في كثير من الموارد، فذكر(قدس سره): أنّ العموم إذا كان مستفاداً بمعنىً اسمي أمكن فيه توجه السلب إلى العموم; لكونه منظوراً إليه بالاستقلال، كما أمكن توجّهه إلى العامّ. وأمّا إذا كان مستفاداً بمعنىً حرفي من قبيل اللام بناءً على إفادته للعموم، أو بنفس كون اسم الجنس في سياق النفي، كما في قوله: لا

 

________________________________________

[1] راجع الرسائل: ص 331، بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة رحمة الله.

وقد أجاب الشيخ(رحمة الله) على الشبهة:

أوّلا: بأنّ اللام لا يدلّ على عموم واقع في سياق النفي حتّى يحمل ذلك على نفي العموم، وإنّما العموم مستفاد من وقوع الجنس في سياق النفي; وذلك يدلّ على سلب العامّ.

وثانياً: بأنّه لو سلّم أنّ اللام للاستغراق، فدلّ على العموم، وكان العموم في سياق النفي، قلنا: إنّ الظاهر بقرينة المقام والتعليل وقوله: أبداً هو عموم السلب، لا سلب العموم.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 58

 

تنقض اليقين فلا يمكن أن يكون السلب متوجّهاً إلى العموم. أمّا في الأوّل فلأنّ العموم مستفاد بمعنىً حرفي، والمعنى الحرفي غير منظور إليه استقلالاً، فلا يمكن توجيه السلب إليه. وأمّا في الثاني فلأنّ العموم مستفاد بحكم العقل من باب أنّ سلب الطبيعة لا يكون عقلاً إلاّ بسلب تمام أفرادها، وهذا كما ترى عموم في طول السلب فيستحيل توجه السلب إليه [1].

ويوجد في تقرير الشيخ الكاظمي(قدس سره) [2] تشويش في المقام، حيث ذكر في عنوان المطلب الفرق بين العموم والإطلاق بكون الأوّل معنىً اسمياً يلحظ مستقلاً، فيصحّ توجّه السلب إليه، والثاني معنىً حرفياً غير ملحوظ استقلالاً. ثمّ ذكر في مقام بيان الفرق: أنّ الإطلاق ومقدّمات الحكمة يكون في طول الحكم، فيستحيل توجّه السلب إليه [3].

وهذا الكلام ـ بغضّ النظر عن أنّه يغاير ما عنون به المطلب ـ إن كان صادراً من المحقّق النائيني(قدس سره) يوجب تهافتاً في مبانيه، وذلك لأنّه(قدس سره) يرى أنّ العامّ دائماً يحتاج إلى الإطلاق ومقدّمات الحكمة; لكون أداة العموم إنّما تدلّ على شمول ما اُريد من مدخوله بالإرادة الجدّية من الأفراد، فلا بدّ من تعيين ذلك بالإطلاق، وإذا كان الإطلاق في طول الحكم إذن فالسلب لا يتسلّط على العموم بلا فرق بين العام و المطلق.

وعلى أيّ حال، فما ذكره(قدس سره) ـ من أنّ العموم إذا كان بنحو المعنى الحرفي لا يمكن تسلط النفي عليه لكونه غير ملحوظ استقلالاً ـ يرد عليه: أنّ تسلّط النفي عليه ليس معناه لحاظه استقلالاً وتوجيه النفي إليه، وإنما معناه تسلط النفي على العامّ بما هو عامّ، لا على ذات العامّ، كما هو الحال عند إرادة نفي أيّ قيد حرفيّ، فمثلاً إذا اُريد نفي تقيّد الجلوس بكونه في الدار لا نفي أصل الجلوس، يقال: (ما جلست في الدار)، فقد نفيت هنا النسبة الظرفيّة، لكن لا بمعنى توجيه النفي ابتداءً إلى النسبة الظرفيّة حتى يقال: إنّ المعنى الحرفي لا يلحظ مستقلاًّ، بل بمعنى توجيه النفي إلى المقيّد بما هو مقيّد، فينفى ـ لا محالة ـ القيد.

وأمّا ما ذكره(قدس سره) من أنّ الإطلاق إذا كان بملاك وقوع الطبيعة في سياق النفي فهذا إطلاق عقليّ في طول النفي ولا يمكن أن يتوجّه إليه النفي، فيرد عليه: أنّ العقل إنّما يحكم بأنّ ما نفي لا بدّ من انتفاء تمام أفراده. وأمّا أنّه هل نفيت ذات الطبيعة بلا قيد حتّى ينتفي تمام أفرادها، أو

 

________________________________________

[1] راجع أجود التقريرات: ج 2، ص 361.

[2] ج 4، ص 121، بحسب الطبعة التي هي من منشورات مؤسّسة النصر ومكتبة النصر بطهران. وص 338 ـ 339 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

[3] ليس هذا نقلاً لكل ما ورد في فوائد الاُصول، وإنّما هو نقل لما ذكره بلحاظ المفرد المحلّى باللام.


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 59

 

نفيت الطبيعة مقيّدة بقيد حتى ينتفي تمام أفراد المقيّد، فهذا غير مرتبط بحكم العقل، ولا بدّ من تعيين الأول بمقدّمات الحكمة، فلا يبقى إلاّ أن يقال: إنّ العموم الحَكَميّ معنىً حرفي لا يلحظ مستقلاًّ، فلا يتوجّه إليه النفي. وقد عرفت ما فيه، أو يقال: إنّ العموم الحَكَمي في طول الحكم، فلا يتوجّه إليه النفي، وهذا ما قلنا: إنّه يوجب التهافت بين مبانيه(قدس سره).

وإن كان الصحيح عندنا هو هذا، أعني: التفصيل بين العموم والإطلاق بأنّ الأوّل يمكن توجّه السلب إليه; لعدم كونه في طول الحكم، والثاني لا يمكن توجيه السلب إليه; لكونه في طول الحكم.

توضيح ذلك: أنّ هنا فرقاً جوهرياً بين العامّ والمطلق، وهو: أنّ العامّ يحكي بذاته عن الأفراد بغضّ النظر عن الحكم الثابت عليه. وأمّا المطلق فلا يحكي عن الأفراد، ولا يكون ذاته حاكياً إلاّ عن الماهيّة الجامعة بين الأفراد، وإنما الإطلاق معناه وقوع الماهية موضوعاً للحكم بلا دخل لأيّ قيد في ذلك، فيسري الحكم إلى تمام الأفراد، فقبل الحكم لا يتصوّر إطلاق وشمول للأفراد، وإنّما يكون ذلك في طول الحكم، وعليه فلا يمكن توجّه السلب إلى الإطلاق، فيكون المسلوب نفس المطلق.

هذا. ويشبه هذا البحث ما يقال في مثال: (إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء) من أنّه هل المعلّق على الشرط مطلق السلب، فينتج مفهوماً عامّاً، أو السلب المطلق، فلا ينتج مفهوماً عامّاً؟

وفي الحقيقة هنا ربطان:

الأوّل: ربط المحمول بالموضوع في الجزاء، أيّ: سلب التنجيس عن الشيء، وهذا يكون داخلاً في ما بيّناه من أنّ شموله يكون بالإطلاق الذي هو في طول الحكم، فلا يكون النفي متوجّهاً إلى الإطلاق.

والثاني: تعليق الجزاء على الشرط، وحيث إنّ هذا يكون بعد تكوّن الإطلاق، فتوجّه التعليق إلى الإطلاق معقول كما يعقل تعليق ذات المطلق. فعلى الأوّل لا ينتج مفهوماً عامّاً، وعلى الثاني ينتج ذلك، وقد استظهرنا في ما سبق في بحث المفاهيم كون المعلّق في باب القضايا الشرطية ذات المطلق، فينتج مفهوماً عامّاً، لكنّنا استثنينا في الفقه من ذلك ما يكون من قبيل قوله: (الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شيء)، فقلنا: إنّه في مثل ذلك يكون المعلّق هو الحكم المطلق بما هو مطلق، لا مطلق الحكم، فلا ينتج مفهوماً عامّاً. وشرح الكلام في ذلك من حيث المستثنى والمستثنى منه خارج عن المقام.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 60

 

4 ـ شبهة اقتصار الاستصحاب على موارد الارتكاز:

الأمر الرابع: قد مضى أنّ أحد الوجوه الصحيحة لتعميم حكم الاستصحاب في هذه الصحيحة عن مورده هو التمسّك بالارتكاز العرفي، وقد يقال إشكالاً على هذا الوجه: إنّه لا يثبت به إطلاق الحكم بالنحو المقصود، بل لا بدّ من الاقتصار على موارد الارتكاز، ففي مثل مورد الظنّ بالخلاف مثلاً يشكل إثبات الاستصحاب بهذا الحديث; لعدم معلوميّة ثبوت الارتكاز فيه.

والجواب: أنّ الارتكاز العرفي قد يكون جليّ الأطراف واضح الحدود في نظر العرف، فيصرف الحكم ـ لا محالة ـ إلى نفسه بحدوده وقيوده، وقد يكون ارتكازاً مطّاطاً مختلف المراتب غير واضح الحدود ولا جليّ الأطراف، وهذا هو الحال في ما نحن فيه، وهذا الارتكاز غاية ما يصنعه أنّه يُلغي خصوصية المورد; لكون دخول خصوصيّته على خلاف الارتكاز، وفي طول ذلك يجري الإطلاق ومقدّمات الحكمة لنفي خصوصية اُخرى محتملة الدخل في الحكم، فيثبت في المقام الحكم الاستصحابي بإطلاقه.

الرواية الثانية:

وهي صحيحة ثانية لزرارة، قال: قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من المني، فعلّمت أثره إلى أن أصبّ عليه الماء (اصيب له الماء ـ خ ـ) فحضرت الصلاة ونسيت أنّ بثوبي شيئاً، فصلّيت ثمّ إنّي ذكرت بعد ذلك؟ قال: تعيد الصلاة وتغسله. قلت: فإن لم أكن رأيت موضعه، وعلمت أنّه قد أصابه، فطلبته ولم أقدر عليه، فلمّا صلّيت وجدته؟ قال: تغسله وتعيد. قلت: فإن ظننت أنّه أصابه ولم أتيقّن، فنظرت ولم أرَ شيئاً، فصلّيت فرأيت فيه؟ قال: تغسله ولا تعيد. قلت: لمَ ذلك؟ قال: لأنّك كنت على يقين من طهارتك، فشككت، وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً. قلت: فإنّي قد علمت أنّه قد أصابه ولم أدرِ أين هو فأغسله؟ قال: تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنّه قد أصابها حتّى تكون على يقين من طهارتك. قلت: فهل عليّ إن شككت أنّه أصابه شيء أن أنظر فيه؟ قال: لا، لكنّك إنّما تريد أن تذهب بالشكّ الذي وقع في نفسك. قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة؟ قال: تنقض الصلاة، وتعيد إذا شككت في موضع منه ثمّ رأيته، وإن لم تشكّ ثمّ رأيته رطباً، قطعت الصلاة وغسلته، ثمّ بنيت على الصلاة;

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 61

 

لأنّك لا تدري لعلّه شيء اُوقع عليك، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ [1].

فقه الرواية:

وهذه الرواية قد تكفّلت ستّة أسئلة من قبل زرارة مع أجوبتها من قبل الإمام(علیه السلام).

1 ـ إذا صلّى الإنسان في ثوب نجس نسياناً لنجاسته بعد علمه بها، والجواب هو: وجوب إعادة الصلاة.

2 ـ لو علم إجمالاً بوقوع النجاسة في بعض نواحي الثوب ولم يقدر على تعيين موضعها بالفحص، فهل يكفي فحصه وعدم رؤيته لها بالرغم من علمه الإجمالي بوجودها، أو لا؟ والجواب يكون بالنفي. وقوله: لم أقدر عليه ظاهر في أنّ أصل وجود ما عُلم سابقاً يكون لا زال مفروغاً عنه لكنه لم يقدر على وجدانه، لا أنّ علمه الإجمالي تبدّل إلى الشكّ في أصل النجاسة. نعم، لو كان يعبّر بقوله: (لم أره) بدلاً عن قوله: (لم أقدر عليه) لأمكنت دعوى احتمال تبدّل علمه إلى الشكّ.

3 ـ لو ظننت الإصابة، ففحصت ولم أجد، فصلّيت فرأيت فيه، فقال(علیه السلام): تغسله ولا تعيد باعتبار أنّك كنت على يقين من الطهارة فشككت، ولا ينبغي نقض اليقين بالشكّ. وهذه الفقرة مع الفقرة السادسة هما محل الشاهد في هذا الحديث.

وهذا السؤال من زرارة يتصوّر فيه احتمالات أربعة، أحدها فاسد يقيناً، والباقي محتمل على اختلاف درجات الاحتمال.

الأوّل: أن يقصد أنّه فحص إلى أن حصل له العلم بعدم وجود النجاسة، ثمّ صلّى، وبعد الصلاة وجدها، وعلم بأنّها هي النجاسة التي ظنّ بها ولم يجدها.

وبناءً على هذا الاحتمال لا يكون حال السائل من موارد الاستصحاب، ولا من موارد قاعدة اليقين; لأنّه لم يكن شاكّاً لا في حال الصلاة، لعلمه بالطهارة، ولا بعدها لعلمه بالنجاسة في حال الصلاة. ومن هنا يكون هذا الفرض غير محتمل، باعتبار أنّ المفروض في جواب الإمام(علیه السلام) هو تطبيق قاعدة من قواعد الشكّ، وفرض وجود شكّ في المقام.

الثاني: أنّه علم بالعدم عند الفحص وعدم الظفر، وبعد الوجدان عقيب الصلاة احتمل كونها نفس ما فحص عنها وعدمه، فينطبق على المقام الاستصحاب بلحاظ حال السؤال،

 

________________________________________

[1] التهذيب: ج 1، ح 1335.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 62

 

لا حال الصلاة، باعتبار اليقين بالطهارة قبل طروّ هذه النجاسة، كما تنطبق على المقام قاعدة اليقين باعتبار اليقين بالطهارة في حال الصلاة الزائل بعد الصلاة بالشكّ الساري.

الثالث: عكس الصورة السابقة، أي: أنّه عند الفحص لم يحصل له العلم بالعدم، وبعد الصلاة حصل له العلم بأنّ ما وجده هو ما كان يفحص عنه، فينطبق على المقام الاستصحاب بلحاظ حال الصلاة وحال السؤال معاً; إذ كان على يقين من طهارة الثوب قبل هذه النجاسة، ولم يتيقّن في حال الصلاة ولا بعدها بنجاسته في حال الصلاة، ولا تنطبق قاعدة اليقين لعدم يقين بالطهارة زائل بعد ذلك بالشكّ الساري.

الرابع: عكس الصورة الاُولى، أي: لا يحصل له كلا العلمين: لا العلم بالعدم عند الفحص، ولا العلم بعد الصلاة بأنّ ما وجده هو الذي كان يفحص عنه، وعندئذ ينطبق على المقام ـ أيضاً ـ الاستصحاب بلحاظ كلا الحالين، ولا تنطبق قاعدة اليقين.

4 ـ السؤال عن مورد العلم الإجمالي بالإصابة وعدم تعيّن موضعها، والجواب: أنّه يغسل أطراف العلم الإجمالي.

5 ـ عند الشكّ البدوي في أصل النجاسة هل يجب الفحص؟ فأجاب(علیه السلام) بالنفي.

6 ـ لو وجدت النجاسة في أثناء الصلاة لا بعدها فماذا أصنع؟ فالإمام(علیه السلام) ذكر فرضين، فقال: تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثمّ رأيته، وإن لم تشكّ ثمّ رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته، ثمّ بنيت على الصلاة; لأنّك لا تدري لعلّه شيء اُوقع عليك، ولا ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً.

وهذا الجواب يحتمل فيه احتمالان:

الأوّل: أن يكون المقصود بالشكّ في موضع منه الشك البدوي، وبقوله: إن لم تشكّ أيضاً نفي الشكّ، فبيّن(علیه السلام) حكم فرضين: الأوّل: ما إذا شكّ في النجاسة ثمّ رآها وعلم أنّها نفس ما شكّ فيها، فحكم بالبطلان. والثاني: ما إذا لم يكن كذلك، فاحتمل كون النجاسة وقعت الآن; إذ رآها دفعة من دون احتمالها قبل ذلك، فحكم(علیه السلام) بالصحّة.

الثاني: أن يكون المقصود بالشكّ في موضع منه الشكّ في الموضع بعد فرض العلم الإجمالي بأصل النجاسة، وبقوله: إن لم تشكّ أيضاً نفي الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي، لا نفي مطلق الشكّ.

ويتبيّن حكم الفرض الأوّل ـ وهو ما إذا شكّ بدواً في النجاسة ثمّ رآها وعلم أنّها نفس ما شكّ فيها ـ من مفهوم التعليل، حيث قال(علیه السلام): لأنّك لا تدري لعلّه شيء اُوقع عليك،

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 63

 

فيظهر من ذلك أنّه لو علم أنّ النجاسة كانت من السابق بطلت صلاته.

ولكلّ من الاحتمالين مؤيّدات:

أمّا مؤيّدات الاحتمال الأوّل فكما يلي:

1 ـ أنّه لو كان المقصود الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي لكان هذا تكراراً لما مضى في الفقرة الثانية، ولما مضى في الفقرة الرابعة، باعتبار أنّ وجوب الغسل المذكور في الفقرة الرابعة ليس وجوباً نفسياً، بل هو مقدّمة لصحّة الصلاة، والعرف لا يفرّق بين فرض كون العلم الإجمالي ثابتاً قبل الصلاة وكونه عارضاً في أثناء الصلاة.

2 ـ أنّ الظاهر من قوله: وإن لم تشكّ نفي أصل الشكّ، كما أنّ الظاهر ـ أيضاً ـ من قوله: إن شككت بغضّ النظر عن كلمة(في موضع منه) التي قد تدّعى قرينيته على إرادة العلم الإجمالي ـ وسوف يأتي الكلام فيه ـ هو إثبات أصل الشكّ.

3 ـ وهو العمدة، أنّ الظاهر من قوله: ثم رأيته دخل الرؤية في البطلان، ومع فرض العلم الإجمالي تبطل الصلاة بقطع النظر عن الرؤية.

4 ـ أنّ قوله: تنقض الصلاة قد يستفاد منه أنّه كان للصلاة نوع استحكام، فالآن تنقضها، ومع فرض العلم الإجمالي كانت الصلاة باطلة من قبل، ولم يكن لها أيّ استحكام.

وهذا المؤيّد الأخير غير صحيح; لإنّه لو حملنا العبارة على الشكّ البدوي يقال أيضاً: إنّ الصلاة بطلت قبل أن ينقضها هو ولو آناً مّا، باعتبار أنّه بمجرد أن حصل له العلم بأنّه صلّى في ثوب نجس بطلت صلاته فقد انتفى استحكامها، فما معنى قوله: تنقض الصلاة؟! إذن فالمقصود من قوله: تنقض الصلاة هو رفع اليد عن الصلاة، ولا ربط له بفرض الاستحكام.

وأمّا مؤيّدات الاحتمال الثاني فأمران:

1 ـ أنّه إن كان المقصود الشكّ البدوي كانت كلمة(في موضع منه) زائدة، وبلا فائدة.

2 ـ أنّه إن كان المقصود الشكّ البدوي كان بالإمكان في الشقّ الأوّل أن يفرض ـ أيضاً ـ عدم العلم بأنّ النجاسة التي رآها كانت موجودة من قبل، فلماذا ذكر الإمام(علیه السلام)هذا الفرض في الشقّ الثاني فقط؟!

والتحقيق: أنّ هذين المؤيدين غير صحيحين:

أمّا الأوّل; فلأنّه ليست كلمة(في موضع منه) مناسبة لفرض العلم الإجمالي، فإنّ المناسب لفرض العلم الإجمالي إنّما هو أن يأتي بكلمة(الموضع) معرفةً بأن يقول مثلاً:(إن شككت في


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 64

 

الموضع منه) أو (في موضع النجاسة)، فكأنّ أصل وجود موضع للنجاسة معهود وقد شكّ في الموضع. وأمّا مع إتيانه نكرةً، فيكون معنى الكلام: أنّه وقع الشكّ في النجاسة في موضع من مواضع الثوب، لا أنّ هنا موضعاً مفروغاً عنه للنجاسة شكّ في تعيينه، ولعلّ السرّ في ذكر الموضع في المقام أنّه إذا كان شكّ في موضع معيّن ثمّ رآى النجاسة في نفس ذلك الموضع، كان هذا أقرب إلى حصول العلم بأنّ ما رآها هي نفس ما شكّ فيها، بخلاف ما إذا شكّ في وقوع النجاسة في الثوب إجمالاً ثمّ رآى نجاسة في موضع مّا من مواضعه، إذن فلا تصبح كلمة(موضع) زائدة.

وأمّا الثاني; فلأنّه يحتمل أن يكون عدم ذكر الإمام(علیه السلام) لفرض الشكّ في كون النجاسة التي رآها نفس النجاسة التي شكّ فيها مسبقاً في الشقّ الأوّل بنكتة أنّ الشكّ السابق إذا كان في موضع معيّن ـ على ما ذكرناه في الجواب على المؤيّد الأوّل ـ ثمّ رآها في نفس ذلك الموضع يحصل عادة الاطمئنان بأنّها نفس ما شكّ فيها.

أضف إلى ذلك احتمال أن تكون الفقرة السادسة تتمّة للفقرة الخامسة، توضيح ذلك: أنّ زرارة قال في الفقرة الخامسة: هل عليّ إن شككت في أنّه أصابه شيء أن أنظر فيه؟ فأجاب(علیه السلام) بالنفي، ثمّ قال في الفقرة السادسة: إن رايته في ثوبي وأنا في الصلاة؟ فإن فرض أنّ هذا تتمة للسؤال السابق، كان الضمير في(رايته) راجعاً إلى نفس النجاسة التي شكّ أنّه أصابته، فيكون فرض زرارة هو فرض العلم بأنّ ما رآه هو نفس ما كان قد شكّ فيه، فأجاب الإمام(علیه السلام) بأنّه إذا كان هكذا وجبت الإعادة، ثمّ ذكر(علیه السلام) فرعاً زائداً على سؤال زرارة وهو قوله: وإن لم تشكّ ثمّ رأيته رطباً...الخ.

ما ادّعاه الشيخ الأعظم(قدس سره) من التعارض:

بقي في المقام شيء: وهو أنّ الشيخ الأعظم(قدس سره) أوقع المعارضة بين جواب الإمام(علیه السلام)على السؤال الأخير لزرارة وجوابه على السؤال الثالث، حيث إنّه يظهر من الفقرة الأخيرة أنّه إذا رآى نجاسة في ثوبه في أثناء الصلاة، وعلم أنّها كانت موجودة من قبل بطلت صلاته، ولا يكفي له أن يطهّر موضع النجاسة من حين الرؤية (وهذا الحكم يستفاد من هذه الفقرة على كلا تفسيريها، غير أنّه بدلالة منطوقيّة على تفسير، وبمفهوم التعليل على تفسير آخر)، وهذا الحكم لا يمكن الأخذ به مع فرض صحّة الصلاة إذا وقعت تماماً في اللباس النجس جهلاً ثمّ علم بذلك بعد الصلاة على ما يستفاد من الفقرة الثالثة، فإنّ كون الصلاة نصفها واقعاً في

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 65

 

الثوب النجس ليس بأسوأ حالاً من وقوع تمامها في الثوب النجس [1]. وهذا بناءً على ما حملوا عليه الفقرة الثالثة من فرض أنّه بعد الصلاة حصل له العلم بالنجاسة في حال الصلاة.

وأجاب السيد الاُستاذ عن ذلك بأنّ ملاكات الأحكام غير معلومة لدينا، ولا يمكننا قياس بعضها ببعض، فلعلّ الملاك الواقعيّ كان بنحو اقتضى هذا التفصيل الغريب عن الذهن [2].

أقول: إن كان مراد الشيخ الأعظم(قدس سره) دعوى أنّه لا يتصوّر عقلاً التفصيل بين الموردين في الحديث بالحكم بالصحّة في المورد الأوّل والفساد في الثاني، أمكن أن يكون هذا الكلام جواباً له، ولكن قد يدّعى وجود التعارض بحسب الفهم العرفي بين الفقرتين، بدعوى: أنّ العرف يتعدّى في الفقرة الاُولى من المورد وهو وقوع تمام الصلاة في الثوب النجس إلى فرض وقوع نصفها فيه، فيرى للفقرة إطلاقاً يدلّ على الصحّة في الفرض الثاني أيضاً، وكذلك يتعدّى في الفقرة الثانية من الفرض الثاني إلى الفرض الأوّل، ويرى لها إطلاقاً للفرض الأوّل.

وهذا المقدار من التقريب يمكن الجواب عليه بارتفاع إطلاق كل منهما بنصّ الآخر.

ولكن قد يدّعى أنّ العرف لا يتعقّل هذا التفكيك بأن يكون وقوع نصف الصلاة في الثوب الطاهر موجباً لأسوئية الحال، بحيث لا يرى لهذا التعارض جمعاً، فيحصل الإجمال لا محالة.

وهذا ـ كما ترى ـ ليس جوابه ما ذكره السيد الاُستاذ من عدم معلوميّة ملاكات الأحكام لنا [3]، بل يكون حلّه بإبراز نكتة يحتمل العرف كونها فارقة. وتوضيح الحال في

   

________________________________________

[1] راجع الرسائل: ص 331، بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة رحمة الله.

[2] راجع مصباح الاُصول: ج 3، ص 52.

[3] الذي أفهمه من مصباح الاُصول هو أنّه ليس مقصود السيد الخوئي إنكار وجود قيمة لارتكازية عدم إمكان التفكيك بين فرض وقوع بعض الصلاة في النجس بالحكم ببطلانها وفرض وقوع كلّها في النجس بالحكم بصحتها وأولويّة الثاني بالبطلان من الأوّل، بل مقصوده إنكار فرض ارتكاز عرفي من هذا القبيل أساساً; وذلك لأنّ الحكم بالبطلان لم يكن حكماً له جذور عقلائية في ذهن العرف حتّى يقال: إنّ العرف لا يتعقّل التفكيك، أو أنّه يرى البطلان في الفرض الثاني أؤلى، بل كان حكماً تعبّدياً بحتاً، فلا معنىً لاستبعاد التفكيك، أو ارتكاز الأولويّة.

أقول: إنّ هذا الكلام غريب; لأنّ ارتكازية عدم التفكيك في الحكم بين أمرين أو الأولويّة ليست دائماً على أساس ارتكازية نفس الحكم أو أولويّته، بل قد تكون على أساس مناسبة مّا مفترضة لدى العرف بعد فرض ثبوت الحكم تعبداً، وما نحن فيه من هذا القبيل، فصحيح أنّ أصل بطلان الصلاة بوقوع بعضها في النجس ليس أمراً ارتكازياً أو عقلائياً، بل هو أمر تعبّدي، لكن الذهن العقلائي العرفي يستبعد بعد فرض ثبوت هذا الحكم ـ ولو تعبداً ـ عدم ثبوته في فرض وقوعها تماماً في النجس; لأنّه يرى أنّ مناسبة هذا الحكم ـ لو كان ـ تكمن في قذارة مّا وقعت فيها الصلاة التى هي معراج المؤمن الموجودة في الفرض الثاني بشكل أقوى.

وبكلمة اُخرى: أنّ مبطليّة وقوع جزء من العمل الصلاتي في النجس وإن لم تكن ارتكازية، لكن عدم مبطلية وقوع الجزء الآخر منه في الطاهر أو عدم مصحّحيّة وقوع الجزء الآخر منه ـ أيضاً ـ في النجس ارتكازي.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 66

 

ذلك: أنّ من صلّى في ثوب نجس ثمّ اطّلع في أثناء الصلاة في غير حالات الاشتغال بأعمال الصلاة على نجاسته، فطهّره وأكمل الصلاة، قد مضت عليه ثلاث حالات:

1 ـ حالة وقوع مقدار من الصلاة في الثوب النجس من دون علم بالنجاسة إلاّ متاخراً.

2 ـ حالة كونية للصلاة في الثوب النجس مع العلم بذلك من دون الاشتغال بعمل صلاتي.

3 ـ الإتيان بباقي الصلاة في ثوب طاهر.

أمّا الحالة الثالثة فلا يتعقّل العرف دخلها في الفرق، بأن يوجب ذلك أسوئيّة الحال وبطلان الصلاة.

وأمّا الحالة الثانية فأيضاً لا يتعقّل كونها هي المبطلة للصلاة بعد أن حكم الإمام(علیه السلام)في نفس الفقرة السادسة بصحّة الصلاة في الشقّ الثاني، أيّ: في غير فرض انكشاف كون النجاسة ثابتة من أوّل الأمر، فإنّ هذه الحالة موجودة هناك أيضاً.

قد تقول: إنّ النجاسة المعلومة في آن من آنات الكون في الصلاة في الشق الأوّل من تلك الفقرة كانت نجاسة بقائية، في حين أنّ النجاسة المعلومة في الشقّ الثاني من المحتمل كونها نجاسة حدوثية، فلعلّ هذا الفرق هو الفارق بأن يكون المبطل للصلاة هو العلم في آن من الآنات الكونية للصلاة بالنجاسة البقائية، لا بمطلق النجاسة ولو الحدوثية.

ولكن إن لم نقل: إنّ هذا بنفسه تفكيك غير عرفي وإنّ العرف لا يحتمل دخل حدوثية وبقائية النجاسة في الصحّة والبطلان، قلنا: إنّ هذا خلاف ظاهر تعليل الإمام(علیه السلام) لصحّة الصلاة في الشقّ الثاني باستصحاب عدم النجاسة إلى حين الرؤية; إذ لو كان المبطل هو الوجود البقائي للنجاسة لا ثبوت النجاسة من أوّل الأمر، لكان استصحاب عدم النجاسة بذاته غير مصحّح للصلاة، وإنّما الذي يصحّح الصلاة هو لازمه وهو عدم كون النجاسة الفعلية بقائية.


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 67

 

فإن قلت: لا بأس بذلك، ولتكن نفس هذه الرواية عندئذ دليلاً على حجّيّة الاستصحاب المثبت للوازم.

قلت: إنّ ظاهر تعليل الصحّة باستصحاب عدم النجاسة هو أنّ المصحّح للصلاة نفس عدم النجاسة السابقة، لا ما يلزم من ذلك من عدم كون النجاسة الفعلية بقائية.

وعليه، فالحالة الفارقة في المقام إنّما هي الحالة الاُولى، وهي وقوع القسم الأوّل من الصلاة في الثوب النجس، وإنّما كان ذلك مبطلاً للصلاة لحصول العلم بالنجاسة في أثناء الصلاة. وهذا بخلاف فرضيّة الفقرة الثالثة للحديث، فإنّ النجاسة لم يعلم بها إلى أن انتهى من الصلاة، وكون هذا فارقاً ليس على خلاف ارتكاز عرفي.

والحاصل: لو كنّا وإطلاق أدلّة ما نعيّة النجاسة لكنّا نقول بما نعيّتها مطلقاً، لكنّنا نخرج عن هذا الإطلاق بمقتضى هذا الحديث بناءً على تفسيرهم للفقرة الثالثة، وبمقتضى أحاديث اُخرى دلّت على صحّة الصلاة في الثوب النجس مع الجهل، فنقول: إنّ هنا قيداً لموضوع المانعيّة، وهو أن تصبح النجاسة معلومة في الصلاة ولو بوجودها البقائي فيها، أو تتنجّز بأيّ منجّز آخر غير العلم كالبيّنة، وحيث إنّ هذا القيد لم يكن حاصلاً في فرضيّة الفقرة الثالثة حكم الإمام(علیه السلام) بالصحّة، وحيث إنّه كان حاصلاً في فرضية الفقرة السادسة فصّل الإمام(علیه السلام) بين ما إذا علم بأنّ النجاسة كانت ثابتة من أوّل الأمر وما إذا شكّ في ذلك، فإن علم بذلك بطلت الصلاة، وإن شكّ في ذلك جرى استصحاب عدم النجاسة، وحكم بصحة الصلاة.

وأمّا كون هذه صحّة واقعيّة أو ظاهريّة؟ فإن قلنا: إنّ قيد المانعية هو تنجّز النجاسة ولو بوجودها البقائي، كانت الصحّة ظاهرية، وإن قلنا: إنّه هو تنجّز نفس القطعة المبطلة من النجاسة ولو كان تنجزها متاخّراً عنها زماناً، فالاستصحاب هنا رافع لهذا التنجز، صحّت الصلاة واقعاً. والظاهر هو الأوّل; لأنّ ظاهر استدلاله(علیه السلام) بالاستصحاب الذي هو حكم ظاهري هو الاستدلال به بما هو حكم ظاهري ينجّز الواقع ويعذّر عنه.

كيفية الاستدلال بالرواية:

وبعد هذا كلّه نشرع في الكلام في أصل ما هو المقصود إثباته من هذا الحديث وهو الاستصحاب الذي يستفاد من الفقرة الثالثة والسادسة.

ولنبدأ أوّلاً بالكلام في الفقرة الثالثة، واليك نصّ السؤال والجواب: (فإن ظننت أنّه قد

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 68

 

أصابه ولم أتيقّن ذلك، فنظرت فلم أرَ شيئاً، فصلّيت فرأيت فيه، قال: تغسله ولا تعيد الصلاة، قلت: لِمَ ذلك؟ قال: لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً).

ولا يخفى: أنّه بناءً على استفادة الاستصحاب من هذا الحديث نستفيده بنحو الكبرى الكلّيّة لا بنحو يختصّ بمورد الحديث، فإنّ الوجوه التي مضت للتعميم في الصحيحة الاُولى تاتي هنا، لا سيّما أنّ كلام الإمام(علیه السلام) هنا أظهر في كونه بصدد التعليل، حيث ذكر كبرى الاستصحاب بعد سؤال السائل عن علّة الحكم، فتكون الوجوه التي كانت مبنيّة على استظهار العلّية أقوى وأظهر في هذا الحديث منها في ذاك الحديث.

ومحتملات الرواية أمران: أحدهما: الاستصحاب، والثاني: قاعدة اليقين. والمتعيّن هو الأوّل.

توضيح ذلك: أنّ المفروض في الإمام(علیه السلام) أنّه عند بيانه للأحكام يتكلّم كإنسان متعارف، ولا يعمل علم الغيب في ذلك المقام، وعليه فجواب الإمام(علیه السلام) في هذه الفقرة ينبغي أن يكون على أساس ما يستفاد من سؤال زرارة فيها، لا على أساس علم الإمام بالغيب بما في نفس زرارة، كما هو واضح، ومن هنا يظهر أنّ تطبيق كلام الإمام على الاستصحاب صحيح، وتطبيقه على قاعدة اليقين غير صحيح، والوجه في ذلك: أنّ أركان الاستصحاب مفروضة في كلام السائل، وأركان قاعدة اليقين غير مفروضة في كلامه، ولعلّها كانت مفروضة في مقصوده، لكن المفروض أنّ الإمام(علیه السلام) لا يعمل علم الغيب في مقام بيان الأحكام:

أمّا أركان الاستصحاب فهي اليقين السابق والشكّ اللاحق: أمّا اليقين السابق فيستفاد من قوله: ظننت أنّه قد أصابه الظاهر في أنّه كان قبل ذلك عالماً بالطهارة، بل قد لا يكون من المعقول عرفاً عدم اليقين بالطهارة حدوثاً بحيث كان زرارة شاكّاً في الطهارة منذ خلق الثوب. وأمّا الشكّ اللاحق فهو مفروض على كلّ تقدير، ولذا يطبّق الإمام(علیه السلام) في المقام قاعدة من قواعد الشكّ.

وأمّا أركان قاعدة اليقين فهي اليقين السابق مع الشكّ الساري، وهذا لا ينطبق في المقام إلاّ إذا فرض أمران: أحدهما: أنّه كان في حال الصلاة عالماً بطهارة ثوبه، بأن كان فحصه وعدم وجدانه مؤدّياً الى علمه بالعدم. وثانيهما: أنّه بعد أن رآى النجاسة في ثوبه بعد الصلاة لم يحصل له العلم بأنّها نفس النجاسة التي فحص عنها، وهذا الأمر الثاني وإن كان هو الظاهر من قوله: رأيت فيه حيث لم يقل: (رايته فيه) ممّا يظهر أنّه علم بأصل النجاسة لا بكونها

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 69

 

النجاسة السابقة، لكن الأمر الأوّل لا يظهر من قوله: نظرت فلم أرَ شيئاً فإنّه لا يستفاد من ذلك حصول العلم له بالفحص بعدم النجاسة، وذلك لا لأنّ مجرّد الفحص وعدم الوجدان لا يكشف عن عدم الوجود، وأنّ عدم الوجدان أعمّ منه، فإنّ تطبيق قاعدة أعمّية عدم الوجدان من عدم الوجود في المقام مبتن على التدقيق في حساب الاحتمالات، والإنسان الاعتيادي كثيراً مّا يحصل له القطع أو الاطمئنان بالطهارة بواسطة الفحص وعدم الظفر، باعتبار غلبة كشف عدم الوجدان في أمثال هذه الاُمور الحسّيّة عن عدم الوجود، فهذه العبارة تصلح لأن تكون مُفهِمة لليقين بالطهارة وقرينة عليه فيما لو اعتمد المتكلم على الغلبة المذكورة. ويؤيّد هذا ما ذكره الإمام(علیه السلام) في جواب السؤال الخامس، حيث سأل زرارة: هل عليّ إن شككت في أنّه أصابه شيء أن أنظر فيه؟ قال: لا، ولكنّك إنّما تريد أن تذهب بالشكّ الذي وقع في نفسك، ممّا يدلّ على أنّه(علیه السلام) فهم من النظر والفحص حصول الجزم واليقين.

بل النكتة في عدم تماميّة استظهار الأمر الأوّل من هذه الفقرة هي أنّ مثل هذه العبارة وإن كانت صالحة للتعبير عن فرض حصول اليقين والاطمئنان لكنّها صالحة ـ أيضاً ـ للتعبير عن غير ذلك، باعتبار أنّه ليس دائماً يحصل للإنسان بهذا الفحص العلم بالعدم، بل كثيراً مّا لا يحصل ـ أيضاً ـ العلم بذلك، وذلك إذا لم يعتمد الفاحص على تلك الغلبة المذكورة، فليست العبارة ظاهرة في حصول الجزم والاطمئنان ما لم يعلم أنّ السائل اعتمد على الغلبة المذكورة، فتكون مجملة من هذه الناحية، ففهم حصول العلم للسائل بالعدم يتوقّف على إعمال الغيب في المقام، والمفروض خلافه. وعليه، فيتعيّن كون الفقرة ناظرة إلى الاستصحاب دون قاعدة اليقين.

وبعد هذا يقع الكلام في أنّ ما ذكر في الحديث من الاستصحاب هل هو بلحاظ حال الصلاة أو بلحاظ ما بعد الصلاة، أي: أنّ المقصود من الشكّ الذي لا ينبغي نقض اليقين به هل هو الشكّ في حال الصلاة الذي ينسجم مع فرض حصول العلم بعد الصلاة بوقوعها مع النجاسة، أو الشكّ بعد الصلاة في ثبوت النجاسة حال الصلاة; لاحتمال طروّ النجاسة بعدها؟ الصحيح هو الثاني; وذلك لما عرفت من أنّ قوله: نظرت فلم أرَ شيئاً مجمل من ناحية فرض كونه عالماً بالعدم بواسطة هذا الفحص وكونه شاكّاً، فكما أنّ حمل العبارة على فرض العلم بالعدم يحتاج إلى إعمال العلم بالغيب كما مضى،كذلك حملها على الشكّ يحتاج إلى إعمال العلم بالغيب، فلو حملنا الحديث على الاستصحاب في حال الصلاة لزم عدم اقتناص


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 70

 

الركن الثاني للاستصحاب وهو الشك حال الصلاة من كلام السائل، وهذا بخلاف ما لو حملناه على الاستصحاب فيما بعد الصلاة، فإنّ الشكّ بعد الصلاة مقتنص من قوله: رأيت فيه حيث لم يقل: رأيته فيه كما صنعه في بعض الفقرات الاُخرى، ممّا يظهر أنّه علم بأصل النجاسة فقط لا بسبقها. إذن فالرواية ظاهرة في الاستصحاب بلحاظ ما بعد الصلاة [1].

ولا يوجد شيء في مقابل هذا الاستظهار عدا القول بأنّ زرارة لو كان مفروضه هو الشكّ في النجاسة في حال الصلاة وعدم العلم بذلك حتّى بعد الصلاة، لم يكن وجه لاستغرابه من صحّة الصلاة وسؤاله للإمام عن علّة الحكم; إذ من البعيد جدّاً ـ بلحاظ جلالة مقامه، ورفعة شأنه في اطلاعه على الأحكام والقواعد ـ أنّه لم يكن يعلم بأنّ الحكم عند الشكّ هو الصحّة لأجل الاستصحاب، فيسأل بل يستغرب حينما يأتي الجواب بالصحّة، ويسأل عن علّة ذلك، وهذا بخلاف ما لو حمل على فرض العلم بعد الصلاة بالنجاسة حال الصلاة، فإنّه ـ عندئذ ـ يكون سؤاله عن الحكم واستغرابه الصحّة في محلّه.

ولكنّ التحقيق: أنّ الذي يحدس من مجموع هذه الرواية أنّ زرارة ارتكز في ذهنه ـ ولو بلحاظ سؤاله لفرض النسيان وفرض العلم الإجمالي وإجابة الإمام(علیه السلام) فيهما بالبطلان ـ أنّ النجاسة لها مانعيّة واقعيّة، ومبنيّاً على ذلك ارتكز في ذهنه أنّه لا بدّ للدخول في الصلاة من تحصيل أمارة عرفيّة مثلاً على نفي هذا المانع الواقعيّ، حتّى يكون معتمداً على طريقة

 

________________________________________

[1] لا يخفى: أنّه لو بنينا على صحّة الصلاة واقعاً في النجس عن جهل فقد يقال: إنّ تعليل صحّة الصلاة بالاستصحاب بلحاظ ما بعد الصلاة مع فرض كفاية ما كان له في حال الصلاة من اليقين بالطهارة أو استصحاب الطهارة بعيد; إذ لو كان قد علم بعد الصلاة بوقوع الصلاة في النجاسة لكانت صلاته صحيحة; لما كانت لديه في حال الصلاة من طهارة خيالية أو استصحابية، فلماذا تعلّل صحّة الصلاة بالاستصحاب الجاري بلحاظ ما بعد الصلاة؟

ولكن قد يقال بالمقابل: إنّ المصحّح للصلاة هو الجامع بين إحراز الطهارة أو عدم النجاسة في داخل الصلاة ولو خياليّاً أو ظاهريّاً، وإحراز ذلك بعد الصلاة على فرق بينهما، وهو أنّ الأوّل لو انكشف خلافه بعد الصلاة لم يضرّ ذلك بالحكم بالصحّة على ما هو المستفاد من بعض الروايات من صحّة الصلاة لدى الجهل بالنجاسة، في حين أنّ الثاني لو انكشف خلافه بطلت الصلاة; إذ لا دليل على كفاية إحراز خيالي أو ظاهري بعد الصلاة آناً مّا، ومع انكشاف الخلاف فإذا كان المصحّح للصلاة هو الجامع بين الأمرين كان من حقّ الإمام(علیه السلام) أن يعلّل صحّة الصلاة بأيّ فرد شاء من فردي هذا الجامع، وقد علّلها بالفرد الثاني.

أو يقال: إنّ المصحّح للصلاة هو الجامع بين الطهارة الواقعية والطهارة الظاهرية أو الخيالية حين الصلاة، وإنّ الفرد الأوّل وهو الطهارة الواقعية أكمل الفردين، فالإمام(علیه السلام) تمسّك لإثبات صحّة الصلاة بإثبات الفرد الأوّل إثباتاً ظاهرياً بعد الصلاة.

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 71

 

عقلائية في مقام إحراز القيد الدخيل في صحّة الصلاة، ولهذا فرض في الفقرة الثالثة أنّه حينما ظنّ بالإصابة فحص ولم يرَ شيئاً، فدخل في الصلاة، أي: أنّه إنّما صلّى على أساس هذه الأمارة العرفية، وهي الفحص وعدم الظفر. وعليه انفتح باب السؤال عن أنّه لو فرض أنّ هذه الأمارة سقطت عن الأماريّة بعد الصلاة، بأن رأى النجاسة بعد الصلاة فاحتمل كونها نفس ما كان يفحص عنه، فإنّه في مثل هذا الفرض يسقط عادة الفحص السابق عن الأمارية، فماذا يصنع؟ هل تصحّ الصلاة مع أنّ الأمارة التي كان المركوز في الذهن أنّه لا بدّ منها للدخول في الصلاة سقطت عن الأماريّة بعد الصلاة، أو لا؟ فسأل عن ذلك، فأجاب الإمام(علیه السلام) بأنّ الصلاة صحيحة; لأنّ ما كان هو الوجه في صحّة الصلاة لم يكن في الحقيقة هو الفحص الزائل أماريّته، بل هو الاستصحاب. وأمّا مسألة كون زرارة عارفاً بالأحكام والقواعد، فكيف يعقل أن يسأل بل يستغرب الحكم بالصحّة مع فرض الشكّ وعدم العلم حتّى بعد الصلاة؟ فجوابها: أنّ زرارة بالتدريج أصبح عارفاً بالأحكام والقواعد، ولا ندري تأريخ سؤاله للإمام(علیه السلام) عن هذه المسألة، وأنّه هل وقع بعد صيرورته عارفاً بالأحكام وعالماً جليلاً، أو قبلها. وتشهد لعدم اطّلاعه على القواعد وعدم استيعابه لأحكام من هذا القبيل عند صدور هذه الرواية جملة من أسئلته في نفس هذه الرواية، كسؤاله عن فرض الشكّ البدوي في النجاسة، وأنّه يجب الفحص أولا، مع أنّ من الواضح فقهياً عدم وجوب الفحص، وكسؤاله عن أنّه لو علم إجمالاً بنجاسة موضع من ثوبه فماذا يصنع، مع وضوح أنّه لا بدّ من غسل أطراف العلم الإجمالي، وكسؤاله عن الصلاة في الثوب مع علمه إجمالاً بنجاسة موضع منه، مع وضوح بطلان هذه الصلاة، وأنّه لا يصحّ له من أوّل الأمر الدخول فيها.

وقد تلخّص ممّا ذكرناه: أنّ الظاهر من هذا الحديث هو فرض كونه شاكّاً في النجاسة وغير عالم بها حتّى بعد الصلاة.

ومن هنا يتبيّن أنّه لا موضوع للإيراد المشهور على الرواية من أنّه ليست إعادة الصلاة في المقام نقضاً لليقين بالشكّ، وإنّما هي نقض لليقين باليقين; لأن المفروض أنّه تيقّن بعد الصلاة بالنجاسة، فكيف علّل الإمام(علیه السلام) الصحّة وعدم الإعادة بمسألة عدم جواز نقض اليقين بالشكّ؟

نعم، بناءً على التفسير المشهور للرواية من حملها على فرض العلم بعد الصلاة بالنجاسة في حال الصلاة يكون لهذا الإشكال مجال، وعند ئذ يقع الكلام في جهات ثلاث:

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 72

 

1 ـ أنّ هذا الإشكال إن لم يمكن حلّه فهل يضّر بالاستدلال بهذه الفقرة على الاستصحاب أو لا؟

2 ـ أنّه هل يمكن حلّ هذا الإشكال أو لا؟ وما هو حلّه؟

3 ـ في تحقيق أصل المطلب، أي: كيفيّة دخل طهارة الثوب ونجاسته في صحّة الصلاة وبطلانها، وأنّه هل هذا قيد علمي أو قيد واقعي أم ماذا؟ وهل الطهارة شرط أو النجاسة مانعة؟

مضرّية الإشكال المشهور بالاستدلال على التفسير المشهور للرواية:

أمّا الجهة الاُولى: فقد ذكر المحقّق الخراساني(رحمة الله) في الكفاية: أنّ هذا الإشكال لو لم يمكن حلّه لا يضّر باستدلالنا بالاستصحاب بهذه الفقرة; لأنّه ليس إشكالاً مختصّاً بفرض حملها على الاستصحاب كي يصبح قرينة على حملها على قاعدة اليقين، فإنّ المفروض أنّه قد حصل له العلم بالنجاسة، فيكون هذا نقضاً لليقين باليقين لا نقضاً لليقين بالشكّ، سواءً فرض الشكّ سارياً أو غير سار [1].

وكأنّه(قدس سره) يرى أنّ الإشكال في المقام يكون على مستوى الفهم العرفي، ويحتمل عدم وروده واقعاً.

أقول هذا كي لا يلزم من كلامه الأخذ بما يرد على تطبيقه الإشكال قطعاً سواءً حملناه على الاستصحاب أو على القاعدة، والتسليم بورود الإشكال على ما يفترض كونه كلاماً للإمام(علیه السلام).

وعلى أيّة حال، فهذا الكلام بهذا المقدار قد اعترض عليه المعلّقون كالمحقّق الإصفهاني(رحمة الله) [2]، ونعم ماصنعوا، فإنّ الذي يستفيد قاعدة اليقين من الرواية لا يفرض أنّها ناظرة إلى قاعدة اليقين بالنسبة لحال الصلاة ـ كما كان يمكن فرض ذلك بناءً على الاستصحاب ـ ، فإنّ شكّه في حال الصلاة لم يكن شكّاً سارياً كما هو واضح، بل يفرض أنّها ناظرة إلى ما بعد الصلاة، أي: أنّه يحمل قوله: رأيت فيه على فرض العلم بأصل النجاسة والشكّ في تقدّمها، فحمل الرواية على قاعدة اليقين ملازم لحمل قوله: رأيت فيه على

 

 

________________________________________

[1] راجع الكفاية: ج 2، ص 294، بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة المشكيني.

[2] راجع نهاية الدراية: ج 5، ص 81 بحسب طبعة آل البيت.


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 73

 

فرض الشكّ في سبق النجاسة.

نعم، للمحقّق الخراساني(رحمة الله) أن يقول: إنّ الذي أوجب في المقام دفع الإشكال ليس هو في الحقيقة حمل الرواية على قاعدة اليقين، بل ما يلزمه من حمل قوله: رأيت فيه على فرض الشكّ في تقدّم النجاسة، وحمل الرواية على قاعدة اليقين وإن لم يمكن تفكيكه عن حمل جملة: (رأيت فيه) على فرض الشكّ في سبق النجاسة، لكن العكس ممكن. وعليه، فغاية ما يصنعه الإشكال في المقام ـ إن لم نتمكّن من حلّه ـ  هو أنّه يوجب الاضطرار إلى رفع اليد عن ظهور كلمة: (رأيت فيه) في العلم بسبق النجاسة، وهذا ما لا بدّ منه حتى على فرض حمل الرواية على قاعدة اليقين، فليس هذا موجباً لصرف الرواية عن الاستصحاب إلى قاعدة اليقين.

وتحقيق الكلام في هذا المقام هو: أنّه لا بدّ أن نرى ما هو الوجه في استفادة الاستصحاب من هذه الفقرة؟ فإن كان الوجه في استفادة ذلك نفس ظهور قوله: رأيت فيه في العلم بسبق النجاسة، حيث إنّه مع العلم بسبق النجاسة يستحيل انطباق قاعدة اليقين على المقام، ولكن يمكن استفادة الاستصحاب في المقام ولو بلحاظ حال الصلاة، كان العجز عن حلّ هذا الإشكال مخلاًّ بالاستدلال; لأنّ هذا إشكال على نفس هذا الظهور، ولو رفعنا اليد عن هذا الظهور كانت نسبة الرواية الى الأستصحاب والقاعدة على حدّ سواء، وتكون مجملة من هذه الناحية. وأمّا إذا كان الوجه في استفادة الاستصحاب شيئاً آخر من قبيل ما مضى منّا من أنّ أركان الاستصحاب مستفادة من كلام السائل، وأركان قاعدة اليقين غير مستفادة منه، فلا بدّ من حمل الرواية على الاستصحاب، فقد يقال: إنّ عدم حلّ هذا الإشكال لا يضرّ بالاستدلال; لأنّ هذا الإشكال مصبّه هو ظهور غير مرتبط باستفادة الاستصحاب، ويستفاد الاستصحاب من الحديث حتى بغضّ النظر عن هذا الظهور، وحمله على خلاف ظاهره من فرض عدم العلم بسبق النجاسة.

إلاّ أنّ الصحيح هو: أنّ هذا الإشكال ـ لو عجزنا عن حلّه ـ يضرّ بالاستدلال حتّى مع فرض كون نكتة استفادة الاستصحاب غير الظهور الذي انصبّ عليه هذا الإشكال; والوجه في ذلك هو: أنّ هذا الإشكال ليست غاية مفعوله رفع اليد عن ذلك الظهور حتّى يقال: إنّ هذا لا يضرّ بالاستدلال; لعدم ارتباطه بذلك الظهور حسب الفرض، بل هذا الإشكال يولّد ـ لا محالة ـ  الظنّ بوقوع سقط أو خلل في الرواية، فيكون إخبار الراوي وشهادته على أنّ هذا المقدار هو الصادر من الإمام(علیه السلام) بدون أيّ خلل موهوناً، باعتبار

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 74

 

اقترانه بأمارة عقلائية توجب ذلك، وهي التهافت وعدم الانسجام بين الجواب والسؤال، وفي مثل ذلك يخرج الإخبار عن تحت دليل الحجّيّة; إذ لا يكفي عندنا وثاقة الراوي، بل لا بدّ من موثوقيّة الرواية على ما نقّحناه في بعض أبحاثنا [1] من أنّ وثاقة الراوي لوحظت بنحو الطريقية والآلية نحو موثوقية الخبر، ونحن لا ندري هل الحديث بعد فرض إصلاح ذلك الخلل يبقى ظاهراً في الاستصحاب أو لا؟ إذن هذا الإشكال على تقدير العجز عن جوابه يسقط الحديث عن قابليّة الاستدلال به على المقصود.

لا يقال: إنّ غاية ما يفرض هنا هو وجود خلل بالنسبة إلى ظهور الكلام في العلم بسبق النجاسة. وأمّا ظهوره في الاستصحاب فهو باق على حاله من كونه مجرىً لأصالة صحّة شهادة الراوي بعدم الخلل فيه، فإنّ شهادة الراوي بعدم الخلل تنحلّ بعدد الظهورات في المقام، ولا يمكن فرض العكس، بأن يكون الخلل في خصوص الظهور الاستصحابي; لأنّ الإشكال وارد حتّى على فرض حمل الحديث على القاعدة.

فإنّه يقال: إنّ هذا الكلام غير صحيح، لا لأنّه كمايحتمل كون الخلل في ظهور الكلام في العلم بسبق النجاسة دون غيره كذلك يحتمل كونه في دلالة الكلام على استفادة قاعدة في فرض الشك راساً، سواء كانت هي الاستصحاب أو قاعدة اليقين، كي يقال في الجواب: إنّ كون الرواية في مقام بيان قاعدة ظاهريّة لا يمكن إنكاره، وليست قابلة لغير هذا الفرض ولو بضمّها إلى قرينة تغيّرُ مفادها; بل لأنّ العرف غير مساعد على هذا الانحلال في شهادة الراوي والأخذ بإحدى الشهادات دون الاُخرى، فمهما كان عندنا ظهوران وحصل العلم بخلل في أحدهما المعيّن، واحتملنا أنّ ذاك الخلل لو صحّح بإرجاع ما سقط مثلاً كان هذا الساقط من طرف هذا الظهور مؤثّراً في الظهور الآخر أيضاً، ومع وجوده ينتفي كلا

 

 

________________________________________

[1] قد يقال: حتّى لو اكتفينا بوثاقة الراوي لا يمكننا هنا الأخذ بشهادة الراوي; وذلك لأنّ أصالة صحّة شهادته معارضة بأصالة الظهور; إذ لو صحّت شهادته لزم من ذلك ارتكاب مخالفة الظاهر في المقام; لأنّ قوله: رأيت فيه ظاهر حسب الفرض في العلم بسبق النجاسة، فإجابة الإمام(علیه السلام) بجواب لا ينسجم إلاّ مع الشكّ في سبق النجاسة إنّما يكون على أساس إعمال الغيب والاطّلاع على أنّ مراده كان ذلك، وهذا خلاف الظاهر، وبعد التساقط والتعارض لا يبقى عندنا دليل على صحّة شهادة الراوي، وبالتالي يبقى احتمال الخلل بلا مؤمّن، ومن المحتمل كون ذلك الخلل دخيلاً فيما هو المقصود، فيسقط الحديث عن الاستدلال به.

وذكر(رحمة الله) في مقام التعليق على هذا الوجه: أنّه إن حصل لنا العلم والاطمئنان بأنّه(علیه السلام) لم يعمل علم الغيب في المقام فهنا نجزم بالخلل، لا أنّه يحصل تعارض بين الأصلين، وإلاّ فأصالة عدم الخلل مقدّمة على أصالة الظهور; لأنّ العقلاء يرون حجّيّة الظهور بعد الأخذ بكلّ ما في المقام من قرينة أو معارض ونحو ذلك بعين الاعتبار.


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 75

 

الظهورين، فهنا لا يأخذ العرف بشيء من الظهورين. وبكلمة اُخرى: إنّ الراوي لا يشهد بعدم عنوان القرينة على الخلاف حتّى يقال: إنّ هنا عنوانين للقرينيّة، فتصحّ شهادته بلحاظ أحدهما وتبطل بلحاظ الآخر، وإنما يشهد بعدم واقع القرينة، فإذا بطلت هذه الشهادة، واحتملنا كون ذلك الواقع قرينة لصرف ظهور آخر أيضاً، اختلّ ـ لا محالة ـ  الأخذ بذلك الظهور الآخر.

إمكان حلّ الإشكال المشهور:

وأمّا الجهة الثانية، فقد اشتهر جوابان رئيسان عن هذا الإشكال، أعني: إشكال أنّ الإعادة في المقام نقض لليقين باليقين:

1 ـ أنّ جوابه(علیه السلام) مبتن على كفاية الطهارة الظاهرية في صحّة الصلاة، بمعنى: أنّ الشرط الواقعي مثلاً هو الأعمّ من الطهارة الواقعية والطهارة الظاهرية في حال الصلاة، فانكشاف الخلاف لا يضرّ بصحّة الصلاة، فبالرغم من حصول العلم بعد الصلاة بالنجاسة في حال الصلاة لا بأس بتعليل عدم الإعادة بالاستصحاب.

2 ـ أنّ جوابَه(علیه السلام) مبتن على إجزاء الأوامر الظاهرية وعدم لزوم الإعادة بعد انكشاف الخلاف، فأيضاً لا بأس بالتعليل بالاستصحاب بالرغم من انكشاف الخلاف، لعدم مضرّيّة ذلك بعد فرض إجزاء الأمر الظاهري.

وقد اختلف موقف المحقّق الخراساني(قدس سره) في الكفاية من هذين الجوابين، فسلّم الجواب الأوّل من دون أيّ دغدغة وإشكال، ولكنّه استشكل في الجواب الثاني وإن كان ذكر له بعد ذلك توجيهاً [1].

وقد ذكر المحقّق النائيني(قدس سره) في المقام: أنّه لا وجه للتفصيل بين الجوابين، بل لا بدّ إمّا من قبولهما معاً، أو ردّهما معاً; فإنّ محصّل كلا الجوابين هو: أنّ الإمام(علیه السلام) بيّن في مقام تعليل صحّة الصلاة الاستصحاب، وهذا التعليل يصحّ بفرض كبرىً محذوفة في المقام وهي كبرى كفاية الطهارة الاستصحابيّة والظاهريّة واقعاً، أو كبرى إجزاء الطهارة الاستصحابية والظاهرية من باب إجزاء الحكم الظاهري، فإن لم نستسغ في المقام وجود كبرىً محذوفة لم يصحّ كلا الجوابين، وإن استسغناه صحّ كلاهما، ونحن نستسيغه، فإنّ حذف الكبرى هو الشيء

 

________________________________________

[1] راجع الكفاية: ج 2، ص 290 ـ 293، بحسب الطبعة المشتملة في حاشيتها على تعليقة المشكيني.


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 76

 

المتعارف في تمام موارد التعليل، كما يقال: لا تشرب الخمر لأنّه مسكر. فإنّ هنا كبرىً محذوفة، أي: وكلّ مسكر حرام [1].

وذكر السيد الاُستاذ في المقام: أنّ هذين الجوابين في الحقيقة هما جواب واحد، وليسا جوابين حتّى يقال بصحّة التفصيل بينهما بقبول أحدهما دون الآخر، أو عدم صحّته، فإنّه لا معنى لإجزاء الحكم الظاهري إلاّ بتوسعة دائرة الواقع، ومن دون ذلك لا يتعقل الإجزاء، فمعنى كفاية الطهارة الظاهرية في المقام ليس على أيّ حال إلاّ توسيع دائرة شرط الصحّة، وهو الطهارة، فلا يوجد أيّ فرق بين الجوابين [2].

أقول: الفرق بين الجوابين هو: أنّ معنى توسعة دائرة الشرط الواقعي هي سعة الواجب، بمعنى أنّه ليس الواجب هو خصوص الصلاة مع الطهارة الواقعية، بل الواجب هو الصلاة مع الجامع بين الطهارتين، أو قل: الجامع بين الصلاة مع الطهارة الواقعيّة والصلاة مع الطهارة الظاهريّة; لكون الصلاة مع الطهارة الظاهريّة واجدة للملاك تماماً كالصلاة مع الطهارة الواقعية، ومعنى إجزاء الأمر الظاهري ليس هو توسعة دائرة الواجب باعتبار عدم اختصاص الملاك بخصوص الطهارة الواقعيّة، بل معناه تضييق دائرة الوجوب، وكون وجوب الصلاة مع الطهارة الواقعية مقيّداً بعدم الصلاة مع الطهارة الظاهريّة باعتبار كون الصلاة مع الطهارة الظاهرية مفوّتة للملاك، ومانعة عن إمكان تحصيل الملاك بعدها بالإتيان بصلاة أُخرى مع الطهارة الواقعية. وبهذا البيان يظهر مدى الفرق الكبير بين الجوابين. هذا ما يتعلّق بكلام السيّد الاُستاذ.

وأمّا ما ذكره المحقّق النائيني(رحمة الله) من عدم إمكان التفصيل بين الوجهين في الصحّة والبطلان; لأنّنا إن لم نستسغ  وجود كبرىً محذوفة بطل كلا الوجهين، وإن استسغناه صحّ كلا الوجهين، فبإمكان المحقّق الخراساني(رحمة الله) أن يفصّل بين الوجهين إذا أخذ بالشقّ الأوّل، وهو عدم استساغة الحذف ـ كما هو الصحيح بالمعنى الذي سوف نبيّن إن شاء الله ـ ، وهذا التفصيل يتّجه بناءً على المبنى الذي اختاره المحقّق الخراساني(رحمة الله) في بحث الإجزاء، حيث ذكر هناك: أنّ مثل قاعدة الطهارة والحلّية (وقال: بل واستصحابهما في وجه قويّ) يدلّ على

 

________________________________________

[1] راجع فوائد الاُصول: ج 4، ص 350 ـ 351 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وأجود التقريرات: ج 2، ص 366.

[2] راجع مصباح الاُصول: ج 3، ص 57 ـ 58.


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 77

 

توسعة دائرة الشرط الواقعي [1].

فبناءً على هذا المبنى نقول: إنّ الجواب الأوّل ـ وهو الجواب بتوسعة الشرط الواقعي ـ صحيح، ولا يلزم من ذلك حذف الكبرى، وهي هذه التوسعة; لأنّ هذه التوسعة مستفادة من نفس دليل الاستصحاب، أي: من نفس هذه الفقرة، وهي قوله: وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ والجواب الثاني غير صحيح; لأنّه(قدس سره) لا يقول باستفادة إجزاء الأمر الظاهري من نفس دليل الاستصحاب، فيقع الاحتياج إلى حذف الكبرى.

بقي الكلام في أصل صحّة هذين الوجهين في المقام وعدمها، والواقع: أنّ حمل الحديث على مسألة إجزاء الأمر الظاهري أو توسعة دائرة الشرط الواقعي كتوجيه للحديث أمر معقول، لكنّه ليس هذا تفسيراً موافقاً لظاهر الحديث، بل يبقى بعد ذلك التهافت وعدم الانسجام بين ظاهر السؤال في نفسه وظاهر الجواب في نفسه ثابتاً على حاله بنحو يحصل الظنّ بحصول خلل في الحديث، فيسقط عن قابلية الاستدلال به; وذلك لأنّ ظاهر الجواب في نفسه لا ينسجم مع هذين الوجهين، ونبيّن ذلك ضمن وجوه:

1 ـ أنّ ظاهر الاستدلال بحكم ظاهريّ ـ كما وقع في الحديث ـ  إنّما هو الاستدلال به بما هو حكم ظاهري وطريق الى الواقع، لا بما هو موضوع لحكم واقعي [2]، وهذان الوجهان مفادهما هو النظر إلى الطهارة الظاهريّة بما هي موضوع لحكم واقعيّ من الإجزاء أو سعة دائرة الشرط، ومفيدة للصحّة الواقعيّة للصلاة.

2 ـ أنّه في هذا الحديث ذكر أوّلاً الحكم بعدم الإعادة، ثمّ علّل هذا الحكم بحكم آخر،

 

________________________________________

[1] راجع الكفاية: ج 1، ص 133، بحسب الطبعة المشتملة في حاشيتها على تعليقة المشكيني.

[2] قد يقال: إنّنا لو أردنا التحفّظ على ما يفهم من روايات اُخرى وعليه الفتوى من صحّة صلاة من صلّى في النجس جاهلاً وإن انكشف له واقع الحال بعد الصلاة، فلا بدّ لنا من مخالفة هذا الظهور حتّى لو لم نقبل بما فهمه المشهور من حمل هذه الصحيحة على الاستصحاب في حال الصلاة، وقبلنا بما اختاره اُستاذنا من حملها على الاستصحاب بعد الصلاة، فان الصحّة 

ـ على أيّ حال ـ واقعيّة; لأنّ الصلاة في النجس كانت عن جهل. نعم، قد يقال: إنّ مخالفة الظهور هذه إنّما كانت نتيجة دليل منفصل، وهي الروايات الاُخرى الدالّة على الصحّة الواقعيّة، فهذا لا يؤدّي إلى التهافت الداخلي في مفاد هذه الصحيحة الموجب لسقوط الاستدلال بها على الاستصحاب.

وقد يقال: لا مانع من تمسّك الإمام(علیه السلام) بالصحّة الظاهرية في المقام رغم ثبوت الصحّة الواقعية، وذلك بدعوى: أنّ مصحّح الصلاة واقعاً وإن كان هو الجامع بين الطهارة الواقعية والخيالية أو الظاهرية، إلاّ أنّ الفرد الأوّل هو أكمل الأفراد فآثر الإمام(علیه السلام) أن يثبت لزرارة الصحّة بالمستوى الأكمل ظاهراً بدلاً عن إثبات الصحّة بالمستوى النازل واقعاً.


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 78

 

وهو عدم جواز نقض اليقين بالشكّ، ومثل هذا ينصرف بذاته بحسب الفهم العرفيّ إلى أن يكون تعليلاً لحكم أخصّ بحكم أعمّ لا تعليلاً لحكم بحكم آخر مباين وملازم له، أي: أنّه ينصرف بطبعة الأوّلي إلى أن يكون من قبيل قولنا: يجب إكرام زيد; لأنّه يجب إكرام العالم لا من قبيل قولنا: يجب إكرام زيد لأنّه يجب إكرام عمرو عند ما يكون وجوب إكرام عمرو مستلزماً لوجوب اكرام زيد، وعلى هذا فيلزم أن تكون الإعادة في المقام بنفسها صغرىً من صغريات نقض اليقين بالشكّ، مع أنّ الإعادة بنفسها ليست كذلك في المقام; لأنّه لو أعاد فهو يعيد لأجل حصول العلم له بعد الصلاة بالنجاسة. نعم، الحكم بعدم جواز نقض اليقين بالشكّ يستلزم ـ بعد فرض إجزاء الحكم الظاهريّ أو توسعة الشرط الواقعيّ ـ الحكم بعدم الإعادة، فيكون من قبيل قولنا: يجب إكرام زيد; لأنّه يجب إكرام عمرو، وهذا خلاف الطبع الأوّلي لمثل هذا السياق.

والخلاصة: أنّه مهما ذكر حكم وعلّل بحكم، وأمكن أن يكون الحكم الثاني تعميماً للحكم الأوّل، أي: لم يكن من قبيل تعليل أمر بنهي، أو من قبيل تعليل وجوب إكرام زيد بوجوب إكرام عمرو، انعقد للكلام ظهور في أنّ المولى ليس بصدد بيان حكم جديد، وإنّما هو بصدد تعميم نفس الحكم الإوّل.

3 ـ أنّ هذين الوجهين، أعني: حمل الحديث على مسألة الإجزاء أو سعة الشرط الواقعي يستدعيان تقدير كبرىً محذوفة في المقام، وهي كبرى إجزاء الأمر الظاهريّ أو سعة الشرط الواقعيّ كما مضى ذلك في نقل كلام المحقّق النائيني(رحمة الله) وما وجّهنا به تفصيل المحقّق الخراساني(قدس سره) في المقام من دعوى عدم احتياج توسعة الشرط إلى كبرىً محذوفة إنّما يتم على مبنى المحقّق الخراساني(رحمة الله) الذي نقلناه آنفاً من استفادة التوسعة من نفس لسان دليل الأصل، وحيث إنّنا لا نقبل هذا المبنى فيبقى الاحتياج إلى كبرىً محذوفة ثابتاً على حاله. وعليه نقول: إنّ وجود كبرىً محذوفة من هذا القبيل في المقام ليس منسجماً مع البيان العرفيّ، وإنّ الحذف في نفسه خلاف الظاهر المستساغ ما لم تكن هناك نكتة عرفيّة تجعل الحذف عرفيّاً. وما مضى من المحقّق النائيني(رحمة الله) ـ من دعوى: أنّ حذف الكبرى في التعليل هو الشيء المألوف دائماً في موارد التعليل كما في قولنا: لا تشرب الخمر; لأنّه مسكر فإنّ هنا كبرىً محذوفة، وهي قولنا: وكلّ مسكر حرام ـ [1] في غير محلّه، فإنّه بعد أخذ المدلول السياقي

 

________________________________________

[1] كأنّ هذا المقطع مستنبط من كلام الشيخ النائيني(رحمة الله) وإلاّ فلا يوجد في شيء من التقريرين النقض بمثل (لا تشرب الخمر; لأنّه مسكر).

 


 

 

مباحث ‏الأصول/ج5 / 79

 

بعين الاعتبار يرى أنّه ليس هناك شيء محذوف في مثل قولنا: (لا تشرب الخمر; لأنّه مسكر). توضيح ذلك: أنّه (بناءً على صحّة ما اشتهر في لسان الأصحاب من أنّ التعليل يلغي خصوصية المورد، وأنّ تلك الخصوصيّة لا تؤخذ في نفس العلّة، وأنّ التعدّي في قولنا: لا تشرب الخمر; لأنّه مسكر ليس لخصوص نكات مركوزة في هذا المثال من قبيل مناسبة الحكم والموضوع، بل يكون لنكتة عامّة في المقام، وهي: أنّ العلّة ـ بحسب قانون التعليل ـ تكون نفس الإسكار (لا إسكار الخمر بأن يؤخذ قيد الخمر في العلّة) نقول: إنّ الوجه في التعدّي في موارد منصوص العلّة هو أنّ العر