الفهرس    
         
   

 

 

   
   

مباحث‏ الأصول/الصفحة17/ الجزء الثالث

 

 

مباحث الأصول الجزء الثالث   

مبحث أصول العملية   

 

تمهيد في ذكر مقدّمات   

 

1 - الأصول العمليّة في الفقه الشيعي.   

2 - روح الحكم الظاهري.  

3 - الفرق بين الأمارات و الأصول.   

4 - نتائج الفهم الخاطئ للأمارات و الأصول

5 - الفرق بين  الأصول العقليّة و غيرها.   

6 - الأصول التنزيليّة.   

7 - حصر الأصول العمليّة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة19/ الجزء الثالث

 

الأصول العمليّة في الفقه الشيعي:  

المقدمة الأولى: أنّ الرجوع إلى الأصول العمليّة في الفقه من  المميّزات الجوهريّة بين الفقه الشيعي و الفقه السنّيّ، و توضيح  المقصود: أنّ المدار في الفقه السنّي دائما هو التوصل إلى الحكم  الواقعي، و بهذا الصدد يتمسّكون أولا بالأدلة المشروعة من  الكتاب و السنّة، فإن لم يوجد ذلك تمسّكوا بمطلق الأمارات من  الظنّ و القياس و نحو ذلك، و إن لم يوجد ذلك تمسّكوا بأيّ  مناسبة و اعتبار. و أمّا الفقه الشيعيّ فقد قام على مرحلتين من  الاستنباط، ففي المرحلة الأولى يفتّش الفقيه عن الدليل على الحكم  الشرعيّ، فإن وجد دليلا مشروعا على الحكم أخذ به، و إلاّ لم يفكّر  في التعويض عن الدليل المشروع بنطاق أوسع من الأدلّة من  الأمارات، أو التخمينات و الترجيحات، بل انتقل إلى المرحلة  الثانية و هي الأخذ بما هو مقتضى الوظيفة العمليّة في مقام  الخروج عن عهدة التكليف المحتمل، و هذا ما يتعيّن بمباحث  الأصول العمليّة.   إلاّ أنّ هذا المميّز الأساس للفقه الشيعيّ لم يطرح من أوّل   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة20/ الجزء الثالث

 

الأمر بصيغة محدّدة دقيقة كما يعرف اليوم، بل الأصل العمليّ الّذي  كان يبنى عليه الاستنباط في الفقه الإمامي كان مندرجا من أوّل  الأمر تحت عنوان دليل العقل الّذي يورث القطع، و من هنا ذكر  السيّد علم الهدى و ابن إدريس -قدّس سرّهما- في مقام بيان  المصادر و الأدلّة التي يعتمدون عليها في مقام الاستنباط: إنّنا  نعتمد على أدلّة كلّها علميّة، و لا يجوز إعمال دليل لا يفيد العلم  كخبر الواحد و القياس و نحو ذلك من الأدلّة الظنّية، و الأدلّة  القطعيّة عندهما هي الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل، ثمّ يطبّقان  الدليل العقليّ في الفقه على أصل البراءة.   فجوهر الأصل العمليّ كان موجودا عندهم، فكانوا يرجعون لدى  عدم الأمارة المشروعة إليه لا إلى أمارة غير مشروعة أو المناسبة  و التخمين، لكن كانوا يسمّون ذلك بالدليل العقليّ و كانوا  يجعلونه في عرض الكتاب و السنّة، و مقصودهم بالبراءة التي  جعلوها من الدليل العقليّ البراءة العقليّة - طبعا - لا الشرعية.   ثمّ حينما توسّع البحث في الدليل العقليّ ذكروا تحته عنوانا مستقلا  و هو الاستصحاب، و جعلوا البراءة ترجع بنحو من الأنحاء إلى  الاستصحاب، لأنّ البراءة عبارة عن استصحاب براءة الذّمّة الثابتة  بحكم العقل، و سمّوها باستصحاب حال العقل.   و أيضا وجد في كلماتهم تقريب البراءة بحكم العقل بقبح التكليف  بما لا يطاق، لكون التكليف بغير المعلوم تكليفا بما لا   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة21/ الجزء الثالث

 

يطاق كما هو الحال في كلمات المحقّق -قدّس سرّه-.   و أضيف بعد ذلك (كما في المعتبر و الدروس) إلى تقريبات  البراءة: التقريب بأنّ عدم الدليل دليل على العدم، لأنّ المبلّغين  بلّغوا الأحكام الشرعيّة، ففي المورد الّذي لا نجد دليلا على الحكم  الشرعيّ يستكشف من عدم الدليل عدمه، و كلّ هذا كان بروح  المعاملة مع أصالة البراءة معاملة دليل عقليّ قطعيّ.   ثمّ لمّا شاع العمل بالأمارات الظنّيّة و بخبر الواحد، و توسّع البحث  في نطاق الأمارات الظنّيّة تدريجا، جعل أصل البراءة دليلا ظنّيا و  أمارة ظنّيّة، و ميّزوا بينها و بين الاستصحاب، و جعلوا  الاستصحاب أيضا حجّة بملاك الظّن. حتى أنّه في كتاب المعالم  توجد تصريحات تدل على أنّ بناءهم على حجّيّة أصالة البراءة كان  من باب الظنّ، بل مثل هذه الفكرة امتدت إلى بعض المتأخّرين  كصاحب القوانين -قدّس سرّه- على ما ينقل عنه الشيخ الأعظم  رحمه اللّه - مستغربا منه هذا الكلام.   و قد بدأ علم الأصول يحدّد مفهوم الأصل العمليّ و الوظيفة العمليّة  على يد المتأخّرين عن صاحب المعالم و الشيخ البهائي (قدّس  سرّهما). و لعلّ من أوائل من تنبّه إلى ذلك - كما أشار إليه الشيخ  الأعظم رحمه اللّه - صاحب شرح الوافية السيّد جمال الدين رحمه  اللّه.   ثمّ تحدّد هذا المفهوم الموجود عندنا اليوم بشكل دقيق مضبوط  على يد الأستاذ الوحيد البهبهانيّ -قدّس سرّه- و مدرسته   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة22/ الجزء الثالث

 

خصوصا الشيخ محمّد تقيّ صاحب الحاشية رحمه اللّه، و بعده تحدّد  على يد الشيخ الأعظم و بلغ تحقيقه بيده الشريفة إلى الغاية التي  بلغها اليوم في الدقّة، فأصبح مفهوم الأصل العمليّ عبارة عن  وظيفة عمليّة لا يطلب فيها الفقيه العلم أو الظنّ بالحكم الشرعي  الواقعي، بل يطلب فيها ما هي الوظيفة العمليّة التي يخرج بها عن  عهدة التكليف عند عدم معرفته.   و الشيخ الأعظم رحمه اللّه ينقل عن الوحيد البهبهانيّ في أوّل أصل  البراءة: أنّه أطلق اسم الأدلّة الفقاهتيّة على الأصول العمليّة، و اسم  الأدلّة الاجتهاديّة على الأمارات، و يقول -قدّس سرّه-: إنّ النكتة  في ذلك هي تعريف الفقه و الاجتهاد، حيث عرّف الاجتهاد  باستفراغ الوسع لتحصيل الظنّ بالحكم الشرعيّ، و عرّف الفقه  بأنّه العلم بالحكم الشرعيّ. و الأستاذ الأكبر رحمه اللّه حمل الحكم  الشرعيّ في تعريف الاجتهاد على الحكم الواقعيّ، و الظنّ به عبارة  عن الأدلّة و الأمارات الظنّيّة التي تؤدي إليه من قبيل الظّواهر و  خبر الواحد و نحو ذلك، و لهذا أسماها بالأدلّة الاجتهاديّة، و حمل  الحكم الشرعيّ في تعريف الفقه على الحكم الشرعيّ الظّاهري،  فأطلق على الأصول العمليّة اسم الأدلّة الفقاهتية، لأنّها تؤدّي إلى  العلم بالحكم الشرعيّ الظاهريّ.   

 

و الخلاصة: أنّ تحديد مفهوم الأصل العمليّ بهذا الطرز الدّقيق وجد  بعض التمهيدات له قبيل العصر الثالث من عصور علم الأصول، و  دقّق في العصر الثالث الّذي نسمّيه بعصر الأستاذ   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة23/ الجزء الثالث

 

الوحيد البهبهانيّ رحمه اللّه على يد هذا الأستاذ الأكبر و من جاء  من بعده و ساهم و شارك في تكوين العصر الثالث، و هذا أحد  الأمور التي دعتنا إلى أن نجعل ظهور الأستاذ الوحيد و مدرسته  و ما تلاه من البحث العلميّ عصرا برأسه في قبال ما قبله، فإنّ  تحدّد فكرة الأصل في قبال فكرة الدليل مطلب أساس في عمليّة  الاستنباط، و هو من المظاهر الرئيسة لهذا العصر الثالث، و التي  بها و بأمثالها استحق أن يكون عصرا جديدا من عصور هذا العلم،  و لهذا ذكر صاحب الحدائق -قدّس سرّه- في كتاب الدرر النجفيّة  في درة عقدها لبحث أصالة البراءة، و تكلم عن أصالة البراءة  بالمعنى الّذي يناسب كونها دليلا، و ناقش في ذلك و أبطل كونها  دليلا. ذكر بعد ذلك: أنّه لأجل هذا ذهب بعض فضلاء متأخّري  المتأخّرين إلى أنّ أصالة البراءة مرجعها إلى نفي تكليفنا بالحكم،  لا إلى كونها دليلا على نفي الحكم، و هذا مرجعه إلى ما قلناه، و  لعلّه يقصد ببعض فضلاء متأخّري المتأخرين بعض مشايخ الأستاذ  الوحيد، لأنّ صاحب الحدائق معاصر للأستاذ الوحيد.   ثمّ إنّ الأصل العمليّ كان يكتب في الأصول بحسب الترتيب السابق  ضمن الدليل العقلي، حتى عند من ميّز ثبوت الفرق الجوهريّ بينه  و بين أدلّة الحكم الواقعيّ، إلى أنّ بنى الشيخ الأعظم -قدّس سرّه-  ترتيب علم الأصول على هذا الأساس، فجعل في ترتيب العلم و  تبويبه مائزا بين الأمارات و الأصول، فكان هذا تحوّلا للعلم  بحسب الترتيب.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة24/ الجزء الثالث

 

روح الحكم الظاهري:  

 

 المقدمة الثانية: قد عرفت فيما مضى من مبحث الجمع بين الحكم  الظاهريّ و الواقعيّ. أنّ روح الحكم الظاهري في الأمارات و  الأصول عبارة عن إبراز المولى لدرجة اهتمامه و عدم اهتمامه  بأغراضه الواقعيّة الإلزاميّة و الترخيصيّة عند التزاحم في مقام  الحفظ و المحركيّة، حيث إنّ الترخيص كثيرا مّا ينشأ من مصلحة  في الترخيص لا مجرد عدم ملاك للإلزام، فإن قدّم جانب  الأغراض الإلزاميّة أوجب الاحتياط، و إن قدّم جانب الأغراض  الترخيصيّة رخّص في المخالفة. هذا هو روح المطلب، و للمولى أن  يتفنّن في التعبير، كأن يعبّر تارة بجعل الحجّيّة، و أخرى بجعل  العلم، و ثالثة بقوله: (أخوك دينك، فاحتط لدينك)، و رابعة بقوله:  (صدّق العادل) و ما إلى ذلك ممّا تساعد عليه اللغة و الفهم العرفيّ.  و في هذه الروح لا فرق بين الأمارات و الأصول أصلا، و يظهر  الفرق بينهما ممّا يأتي.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة25/ الجزء الثالث

 

الفرق بين الأمارات و الأصول:   

 

المقدّمة الثالثة: في بيان الفارق الواقعيّ بين الأمارات و الأصول.   قد مضى أنّ جعل الأمارات، و جعل الأصول كلاهما نتيجة للتزاحم  بين الأغراض اللزوميّة و الترخيصيّة في مقام حفظ المولى  لأغراضه و تحريكه للعبد نحوها، و عندئذ نقول: إنّ تقديم أحد  الغرضين على الآخر في هذا المقام تارة ينشأ من قبل المحتمل، و  أخرى ينشأ من قبل الاحتمال، فتارة يقدّم المولى الغرض  الترخيصيّ على اللزوميّ، أو بالعكس من باب أهميّة إحدى  المصلحتين من الأخرى في دائرة من الشبهات كمّا أو كيفا، و  أخرى يقدّم أحدهما على الآخر من باب قوّة الاحتمال و رجحانه،  فلمّا كان خبر الثقة مثلا احتمال صدقه أقوى من كذبه و أرجح منه  عبدنا بجانب الصدق، و لم يجعلنا مخيّرين بينه و بين نقيضه، و لم  يعبّدنا بجانب الكذب، فكلّما كانت حجّيّته ناشئة من الترجيح من  قبل المحتمل كان أصلا، و كلّما كانت حجّيّته ناشئة من الترجيح  من قبل الاحتمال كان أمارة، و لا فرق في ذلك بين أن يبيّن  الترجيح بلسان جعل العلم، أو جعل الاحتياط، أو جعل الحكم  الظاهري، أو أيّ لسان آخر.   نعم، هناك مناسبة عرفيّة بين بعض البيانات و بعض المبيّنات،  فالتعبير بجعل العلم أو الكاشفيّة مثلا يناسب الترجيح بقوّة   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة26/ الجزء الثالث

 

الاحتمال، لأنّ هذا ترجيح بنكتة الكشف، بينما لا يناسب هذا  التعبير الترجيح الناشئ من قوّة المحتمل، فلو قال مثلا: »متى  احتملت الوجوب فقد جعلت هذا الاحتمال علما في حقّك، أو ليس  لك التشكيك في الوجوب« صحّ ذلك، و لكن لم يكن في هذا  التعبير ذاك الجمال اللغوي، و تلك الحلاوة التعبيريّة الموجودة  في مثل قوله: (ليس لأحد التشكيك فيما يروي عنّا ثقاتنا).   و ليس مقصودنا من الترجيح في جانب المحتمل هو الترجيح  الكيفيّ فحسب، بل قد يكون الترجيح بلحاظ الكمّ. و لا ينبغي  الخلط بين الترجيح بأقوائيّة المحتمل بلحاظ الكمّ، و الترجيح  بأقوائيّة الاحتمال. و توضيح ذلك:   أنّنا لو فرضنا أنّ المولى عالم بالغيب، و بان على إعمال علمه  الغيبيّ في تشريعه للحكم الظاهريّ، فهنا لا يتصور فرض إعمال  الترجيح بقوّة الاحتمال، و إنّما الّذي يتصوّر هو الترجيح بقوّة  المحتمل كمّا أو كيفا، فلو كان المحتمل لدينا المعلوم لدى المولى  دائما هو الإلزام، أو دائما هو الترخيص، أو لم تكن لدينا عدا شبهة  واحدة، و الحكم الواقعيّ فيها عند اللّه هو الإلزام، أو هو الترخيص،  و لم ير المولى من المصلحة إعلامنا بالواقع، و قرّر جعل الحكم  الظاهريّ لنا، و كان الحكم الظاهريّ طريقيّا صرفا، فهنا لا يبتلي  المولى أصلا بالتزاحم بين أغراضه في الحفظ، بل يحفظ أغراضه  تماما، إمّا بجعل الاحتياط لو كانت أغراضه جميعا إلزاميّة، أو بجعل  الترخيص و البراءة لو   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة27/ الجزء الثالث

 

كانت أغراضه جميعا ترخيصيّة، و إنّما يقع له التزاحم بين أغراضه  في الحفظ حينما يفترض أنّه في موارد الشبهة للعبيد توجد  أغراض إلزاميّة أحيانا، و أغراض ترخيصيّة أحيانا أخرى. و لم يرد  المولى من المصلحة إيصال الحكم الواقعيّ إلى العبد، فهنا يقع  التزاحم بين مصالحه الإلزاميّة و الترخيصيّة، إذ لو جعل الاحتياط  خسر المصالح الترخيصيّة، و لو جعل البراءة خسر المصالح  الإلزاميّة، و هنا يحسب المولى حسابين: الأوّل حساب الأهميّة  الكيفيّة. و الثاني حساب أكثريّة أحد سنخي الأغراض من الآخر، و  يقدّم ما هو الأرجح بعد الكسر و الانكسار.   و قد تختلف النتيجة باختلاف دوائر الشبهات، فيرى أنّ الأغراض  الترخيصيّة في غير دائرة خبر الثقة أهمّ من الأغراض اللزوميّة،  فيجعل الأصل الأوّلي هو البراءة، لكن لو عمّم هذا الأصل لدائرة  أخبار الثقات الدالّة على الإلزام خسر مصالحه الإلزاميّة في تلك  الدائرة، و هو يعلم أنّها أهمّ كمّيّة من مصالحه الترخيصيّة فيها التي  سيخسرها بسبب كذب الثقات مثلا، فيجعل خبر الثقة حجّة تحفظا  على هذه النكتة، و على هذا لا موجب لحجّيّة مثبتات خبر الثقة  بمقتضى القاعدة، أي انه لو لم نستفد من دليل جعل الحجّيّة  التوسعة في الجعل التعبّدي بأن تكون اللوازم أيضا بذاتها مشمولة  لدليل الجعل، فمجرّد حجّيّة الدلالة المنطوقيّة لا تستلزم حجّيّة  اللوازم، إذ من المحتمل أن يكون الأهمّ في نظر المولى في دائرة  المنطوق بعد ملاحظة الكمّ و الكيف معا هي الأغراض اللزوميّة، و  لا يكون الأهم في   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة28/ الجزء الثالث

 

نظره في دائرة اللوازم لوازم الغرض اللزوميّ، بل يكون العكس  مثلا.   و أما لو فرضنا أنّ المولى لا يعلم الغيب، فلا يدري أين تقع الشبهة  في الحكم لدى عبده، فيتصور بشأنه التزاحم في حفظ الغرض حتى  لو لم تتّفق في الواقع لعبده عدا شبهة واحدة، أو اتّفقت له شبهات  متماثلة في حكمها الواقعيّ لزوما أو ترخيصا، و يتصور بشأنه -  إضافة إلى ما مضى من المرجّح المحتمليّ كمّا و كيفا - مرجّح آخر:  و هو المرجّح الاحتمالي، فإنّ نسبة الشبهة إلى الجانبين قد تكون  على حدّ سواء، و قد لا تكون على حدّ سواء، و من المعلوم أنّ ذلك  دخيل في التحريك نحو الأغراض، فالإنسان لو دار أمره بين  غرضين أحدهما أهم، و لكن احتمال الآخر كان أقوى بكثير من  احتمال الغرض الأهمّ، فقد تراه يقدّم جانب الغرض الآخر رغم  أهمّية مزاحمه، و ذلك لقوّة الاحتمال في جانبه، و كذلك نفترض  فيما نحن فيه: أنّه و إن كانت الأغراض الترخيصيّة في نفسها في  نظر المولى أهمّ من الأغراض اللزوميّة لكن النسبة الاحتماليّة  تتغيّر بقيام خبر الثقة على حكم إلزامي، فقد تتغيّر النتيجة، إذ  يصبح جانب الإلزام أرجح من جانب الترخيص بالمرجّح  الاحتمالي، إذ خبر الثقة أقرب إلى الصدق منه إلى الكذب، و هذا  المرجّح ثابت. و لو فرض أنّه لم تكن هنا إلاّ شبهة واحدة، أو كانت  الشبهات في الحكم الواقعيّ متماثلة، فتحفظا على هذه النكتة يجعل  المولى خبر الثقة حجة، و تترتب على هذا حجّيّة مثبتاته بالنحو  الّذي   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة29/ الجزء الثالث

 

يأتي تحقيقه في مبحث مثبتات الأمارات و الأصول -إن شاء اللّه-.   و مولانا - سبحانه و تعالى - و إن كان عالما بالغيب، لكن قد  يفترض أنّ مصلحة مّا اقتضت أن يجعل تشريعه وفق حالة مولى لا  يعلم الغيب.   و الدليل على إعمال المرجّح الاحتمالي في خبر الثقة هو ظاهر  دليل الحجّيّة، فإنّ قوله مثلا: (اسمع له و أطع، فإنّه الثقة المأمون).  ظاهر في أنّ موضوع الحجّيّة هو الوثاقة و الأمانة الموجبة لقوّة  الاحتمال، بحيث لو لم تكن في البين عدا شبهة واحدة كانت  الوظيفة فيها هي قبول خبر الثقة لوثاقته و أقربيّة قوله إلى الواقع  [1].    

_____________________________________________

 

[1] لا يخفى أنّ ما أفاده (رضوان اللّه تعالى عليه) في المقام، من أنّ  مقياس أماريّة الأمارة الموجب لاستلزام حجّيّة المطابقيّة لثبوت  اللوازم كون حجّيّتها على أساس قوّة الاحتمال، لا على أساس قوّة  المحتمل كيفا و لا كمّا هو المطابق لما ذكره (رضوان اللّه عليه)  أيضا في أوّل بحث الاستصحاب، حيث أفاد هناك: أنّ الترجيح إن  كان بملاك أقوائيّة المحتمل كيفا، كما إذا كانت الأغراض اللزوميّة  للمولى أهمّ من الأغراض الترخيصيّة فأوجب الاحتياط عند الشكّ،  لم يستلزم ذلك حجّيّة المثبتات و إن كان بملاك أقوائيّة الاحتمال  بلحاظ النّظر المجموعيّ إلى الأحكام، و يرجع ذلك في الحقيقة إلى  أقوائيّة المحتمل كمّا، كما إذا كانت الأغراض اللزوميّة أكثر من  الأغراض الترخيصيّة و ان تساوتا كيفا فقدّم جانب الأغراض  اللزوميّة بجعل وجوب الاحتياط و نحوه، لم يستلزم ذلك أيضا  حجّيّة المثبتات و إن كان بملاك أقوائيّة الاحتمال بلحاظ النّظر  الاستغراقيّ و الأفراديّ، بحيث إنّ المولى يحسب حساب خبر   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة30/ الجزء الثالث

 

_____________________________________________

 

..........  - ثقة في نفسه بقطع النّظر عن وجود أيّ خبر آخر في الأحكام و  عدمه، فيجعله حجّة لأقوائيّة احتمال صدقه الثابتة حتى مع فرض  أنّه لم يوجد في الفقه أيّ خبر ثقة آخر غير هذا الخبر، استلزم ذلك  حجّيّة المثبتات بلا حاجة إلى مئونة زائدة تثبت إطلاق دليل  الحجّيّة للدلالة الالتزاميّة.   أقول: كأنّ مقصوده رحمه اللّه: أنّ قوّة الاحتمال في الدلالة  المطابقيّة تستلزم لا محالة قوّة الاحتمال في اللوازم، فتسري  الحجّيّة إليها. أمّا قوّة المحتمل كيفا في المطابقيّة فلا تستلزم قوّة  المحتمل كيفا في اللوازم، فقد يكون نقيض الالتزاميّة الكاذبة أهمّ  من الالتزاميّة الصادقة، بينما كان الغرض المحفوظ بالظهورات  الصادقة أهمّ من الغرض الّذي يخسره المولى بسبب الظهورات  الكاذبة. و أمّا قوّة المحتمل كمّا في المطابقيّة كما إذا كانت  الأغراض اللزوميّة أكثر من الأغراض الترخيصيّة فأيضا لا تستلزم  قوّة المحتمل كمّا في اللوازم، إذ قد تكون الأغراض اللزوميّة في  المطابقيّة أكثر من الأغراض الترخيصيّة عددا، و تكون في اللوازم  أقلّ من الأغراض الترخيصيّة عددا، إذن فلا تكون حجّيّة المطابقيّة  إذا كانت على أساس قوّة المحتمل كيفا أو كمّا مستلزمة لحجّيّة  المثبتات.   أقول: إنّ تأثير الترجيح الكمّيّ في الحجّيّة يتصوّر على نحوين:   

الأوّل: أنّ يفترض أنّ الأخبار الإلزاميّة مثلا كانت حجّيّتها في  صالح المولى من باب أنّ الأحكام الواقعيّة الإلزاميّة الموجودة في  موارد الأخبار الصادقة منها كلّها قائمة على أساس مصلحة في  الإلزام، و لكن الأحكام الواقعيّة الترخيصيّة الموجودة في موارد  الأخبار الكاذبة منها لم تكن كلّها قائمة على أساس مصلحة في  الترخيص، بل قسم منها قائم على أساس عدم مصلحة في الإلزام،  فبهذه النكتة أصبحت عدد المصالح الإلزاميّة أكثر من عدد  المصالح الترخيصيّة.   و الثاني: أن يفترض أنّ الأخبار الصادقة منها أكثر من الكاذبة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة31/ الجزء الثالث

 

_____________________________________________

 

..........  - فإن فرض الترجيح الكميّ قائما على الأساس الأوّل، فحجّيّة  المطابقيّة لا تستلزم حجّيّة اللوازم، إذ قد تكون الترخيصات في  موارد الالتزاميات الدالّة على الإلزام كذبا كلّها قائمة على أساس  مصلحة في الترخيص مثلا، بينما الترخيصات في موارد  المطابقيّات الدالّة على الإلزام كذبا قسم منها قائم على أساس عدم  المصلحة في الإلزام، فقد يوجب هذا اختلاف حساب اللوازم من  المطابقيّات.   و إن فرض الترجيح الكمّي قائما على الأساس الثاني فحسب، و  هو أكثريّة الصدق دون الأول، فهذا يوجب استلزام حجّيّة  المطابقيّة لحجّيّة المثبتات، لأنّ أكثريّة الصدق في المطابقيّة تلازم  لا محالة أكثريّة الصدق في المثبتات، و افتراض أنّ مصالح  الترخيص في جانب المثبتات أكثر من مصالح الإلزام بخلاف  المطابقيّة لا منشأ له إلاّ أحد أمور ثلاثة:   

الأوّل: كون الترخيصات المخالفة للدلالة الالتزاميّة قائمة على  أساس مصالح في الترخيص مثلا، بينما الترخيصات المخالفة  للمطابقيّة قسم منها قائم على أساس عدم مصلحة الإلزام. و قد  فرضنا أنّ هذا لم يكن دخيلا في الحساب.   

و الثاني: كون الكذب في الالتزاميّة أكثر منه في المطابقيّة، و هذا  مستحيل.   

و الثالث: كون اللوازم أكثرها ترخيصيّة، بينما مطابقيّاتها كانت  في الغالب إلزاميّة مثلا، و هذا لا يضرّ بحجّيّة المثبتات كما هو  واضح.   و عليه، فما قاله أستاذنا الشهيد رحمه اللّه من أنّ الترجيح الكمّي  إن كان هو الأساس للحجّيّة لم يستلزم حجّيّة المثبتات إن قصد به  الترجيح الكمّيّ بالمعنى الأوّل، و ذلك بأن يكون مقصوده بقوّة  الاحتمال ما يشمل الترجيح الكمّيّ بالمعنى الثّاني، فهو صحيح و إن  قصد به الترجيح الكمّيّ حتى على أساس أكثريّة الصدق من الكذب  فهذا غير صحيح. و كلامه رحمه اللّه قابل للحمل على ذلك الأمر  الصحيح لو لا ما ذكره في المقام من أنّ الترجيح بقوّة الاحتمال لا  يتصوّر في المولى إلاّ إذا كان   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة32/ الجزء الثالث

 

_____________________________________________

 

..........  - لا يعلم الغيب، أو رأى من المصلحة أن يتصرف تصرف من لا يعلم  الغيب، و ذلك لأنّ الترجيح الكمّيّ بمعنى ملاحظة أكثريّة الصدق  من الكذب، و النّظر المجموعيّ إلى الأخبار لا الاستغراقي  الأفرادي معقول حتى بالنظر إلى عالم الغيب. و من حسن الحظّ أنّ  هذا الجزء من الكلام - أي شرط افتراض المولى غير عالم بالغيب  واقعا، أو تنزيلا غير موجود في كلامه رحمه اللّه في بحث  الاستصحاب -.   و ممّا يشهد لحمل كلامه رحمه اللّه و لو ارتكازا على المعنى  الصحيح، و هو إلحاق الترجيح بأكثريّة الصدق بالترجيح بقوّة  الاحتمال ما جاء منه في بحث الأصل المثبت في باب الاستصحاب  من الاستدلال على عدم كون نظر المشرّع في حجّيّة خبر الثقة إلى  الترجيح بقوّة المحتمل، بأنّه لم يؤخذ في دليل حجّيّة الخبر سنخ  معيّن من المحتمل من حلّ أو حرمة، أو أي شي‏ء آخر. و هذا - كما  ترى - لا ينسجم إلاّ مع إلحاق المرجّح الكمّيّ للصدق بقوّة الاحتمال  دون قوّة المحتمل، و إلاّ فعدم أخذ سنخ معيّن من المحتمل في دليل  حجّيّة الخبر لا يدلّ على أنّ الملحوظ فيها قوّة الاحتمال دون قوّة  المحتمل، إذ من المعقول افتراض أنّه إنّما جعل خبر الثقة حجّة  بقطع النّظر عن كون المفاد هو الحلّ، أو الحرمة، أو أيّ شي‏ء آخر،  لما في خبر الثقة من غلبة كمّيّة الأفراد الصادقة منها و أكثريّتها  من الأفراد الكاذبة.   و لا يخفى أنّنا لو جعلنا المقياس في أماريّة الأمارة و حجّيّة  مثبتاتها كون ملاك الحجّيّة أقوائيّة الاحتمال بالمعنى المقابل  للترجيح الكمّيّ بغلبة الصدق، ورد النقض على ذلك بأنّه لو ثبتت  حجّيّة لوازم خبر الثقة ببيان أنّ تمام الملاك في حجّيّته كان هو  الكشف، و هو ثابت في اللوازم بنفس درجة ثبوته في الدلالة  المطابقيّة، للزمت من ذلك حجّيّة كلّ ظنّ يساوي الظنّ الناشئ من  خبر الثقة، أو كلّ أمارة تساوي خبر الثقة في الكشف، لأنّ الملاك  للحجّيّة كان هو الكشف الموجود هنا أيضا. أمّا إذا أدخلنا في  الحساب المرجّح الكمّيّ في الصدق فقد انتفى هذا النقض، إذ يجاب  عليه   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة33/ الجزء الثالث

 

_____________________________________________

 

..........  - عندئذ، بأنّ من المحتمل أن يكون الحساب الكمّيّ في الشهرات  مثلا، بعد جعل الحجّيّة لخبر الثقة قد اختلف عنه لو لا حجّيّة خبر  الثقة، فصحيح: أنّ الشهرة كخبر الثقة تصيب الواقع في ثمانين  بالمائة من مواردها مثلا، لكن بعد جعل الحجّيّة لخبر الواحد قد  انحفظت بسببها الأغراض الكامنة في الشهرات المطابقة لأخبار  الثقات، و لم تبق عدا الأغراض الكامنة في موارد الشهرات التي لم  يرد على طبقها خبر ثقة، و لا نعلم أنّ تلك الشهرات أيضا تكون  نسبته الصادقة منها إلى الكاذبة ثمانين بالمائة مثلا، فمن المحتمل  أنّ حساب الكمّ قد انقلب في نظر المولى عمّا كان عليه قبل حجّيّة  خبر الثقة، و لهذا اكتفي المولى بجعل الحجّيّة لخبر الثقة، و كانت  الغلبة في ما بقي من الشهرات لملاك الترخيص، فلم يجعل الشهرة  حجّة كي نرجع إلى البراءة و نثبت بها الترخيص.   و لا يأتي عين هذا البيان في جانب لوازم خبر الثقة بأن يقال: لعلّ  حجّيّة الدلالة المطابقيّة لم تبق مجالا لجعل الحجّيّة في المثبتات،  لأنّ قسما من مواردها صادفت التطابق مع دلالات مطابقيّة أخرى،  فلعلّ نسبة الكمّيّة فيما في ما بقي منها قد انقلبت، فلم يبق مبرّر  لجعل الحجّيّة للمثبتات.   فإنّه يقال في مقام الجواب على ذلك: إنّنا نشير إلى ذاك العدد من  أخبار الثقات التي لم ترد دلالة مطابقيّة في روايات أخرى على  طبق مثبتاتها. و نقول: إنّ هذا العدد من الأخبار نسبة مساهمة  مداليلها المطابقيّة في خلق المرجّح الكمّيّ لجانب الصدق في أيّ  دائرة تفترض لا تكون أكبر من نسبة مساهمة مثبتاتها في خلق  ذاك المرجّح حينما تجعل في نفس تلك الدائرة بدلا عن الدلالات  المطابقيّة، إذ المفروض أنّه لا يحتمل كذب اللوازم مع صدق  المطابقيّة، فنستدلّ بحجّيّة دلالاتها المطابقيّة على حجّيّة اللوازم.   و لا يقال: إنّ هذا استدلال بلوازم دليل حجّيّة المطابقيّة بينما دليل  حجّيّة   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة34/ الجزء الثالث

 

_____________________________________________

 

..........  - المطابقيّة بنفسه أمارة من الأمارات، و التمسك بلازمها أوّل  الكلام.   فإنّه يقال:

أولا: أنّ دليل حجّيّة الخبر و إن فرض - بغضّ النّظر عن  نكتة الفرق بين الأمارة و الأصل - عدم شمول إطلاقه للوازم  الخبر، و إلاّ فلسنا بحاجة في إثبات حجّيّة مثبتاته إلى التمسك  بنكتة الفرق الجوهريّ بين الأمارة و الأصل، و لكن بالنظر إلى  هذه النكتة نقول: إنّ تمام الموضوع للحجّيّة في منطوق هذا الدليل  هو قوّة الاحتمال - و لو بالمعنى الشامل للترجيح الكمّيّ -، و هذا  ثابت في اللوازم. إذن فدليل الحجّيّة بمدلولها المطابقي - أي  بظهوره شمل اللوازم لا بالملازمة -.   هذا إذا كان دليل الحجّيّة عبارة عن ظهور من الظهورات. أمّا إذا  كان دليل الحجّيّة عبارة عن السيرة، فهي من أوّل الأمر تشمل  المطابقيّة و اللوازم معا بلا حاجة إلى البحث عن الفارق الجوهريّ  بين الأمارة و الأصول.   

و ثانيا: أنّنا في إثبات الحجّيّة يجب أن ننتهي أخيرا إلى دليل  قطعيّ و لو بوسائط، و متى ما انتهينا إلى دليل قطعيّ فهو أمّا أن  يكون شاملا ابتداء للمطابقيّة و اللوازم، كما لو كان ذاك الدليل  هو السيرة، فلا يبقى إشكال عندئذ، و إمّا أن لا يكون شاملا ابتداء  للوازم، كما لو كان ذاك الدليل عبارة عن نصّ قطعيّ الصدور و  الدلالة، دلّ بمدلوله المطابقي على حجّيّة المطابقيّة فحسب، و  عندئذ يكون إيماننا بالملازمة بين حجّيّة المطابقيّة و حجّيّة  اللوازم سببا للتعدّي إلى اللوازم، لأنّ دليل حجّيّة المطابقيّة كان  قطعيّا. و القطع بالملزوم يؤدي إلى القطع باللازم بلا إشكال.   و على أيّة حال، فتفصيل أستاذنا الشهيد رحمه اللّه بين مثبتات  خبر الثقة و أمارة أخرى تساوي أو تفوق خبر الثقة في الكشف  بتعدّيه من المطابقيّة إلى المثبتات، و عدم تعدّيه من خبر الثقة إلى  أمارة أخرى شاهد آخر على حمل كلامه رحمه اللّه على المعنى  الصحيح، و هو إلحاق المرجّح الكمّيّ على أساس أكثريّة الصدق  بقوّة الاحتمال في استلزامه لحجّيّة المثبتات.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة35/ الجزء الثالث

 

الأمارات الترخيصيّة:  

 ثمّ إنّ موارد الأمارات الترخيصيّة يكون المرجّح الاحتماليّ و  المحتمليّ كلاهما ثابتا فيها، و ليس الثابت خصوص المرجّح  الاحتماليّ الّذي أوجب أماريّة الأمارة.   و الدليل على ذلك أمور:   

_________________________________________

 

....... - و استظهار أستاذنا الشهيد من مثل قوله: (فاسمع له و أطعه،  فإنّه الثقة المأمون) كون موضوع الحجّيّة هو قوّة الاحتمال شاهد  ثالث على حمل كلامه على المعنى الصحيح، فإنّ هذا الاستظهار إنّما  يتمّ بناء على إلحاق قوّة المحتمل من ناحية غلبة الصدق بقوّة  الاحتمال. أمّا لو جعلت قوّة الاحتمال أمرا في مقابل أكثريّة الأخبار  الصادقة من الكاذبة، فهذه العبارة و أمثالها لا تعيّن الأولى في  مقابل الثانية، إذ لو كان المقصود أنّ الوثوق أو الأمانة باعتباره  سببا واضحا في نظر العقلاء لقوة الاحتمال يكون أخذه في  الموضوع دالاّ عرفا على أنّ المقياس هو قوّة الاحتمال. قلنا:   إنّ الوثوق أو الأمانة سبب واضح أيضا لغلبة الصدق في الخبر من  حيث الكمّ على الكذب.   و لو كان المقصود: أنّ هذا الحديث يشمل بإطلاقه فرض انحصار  خبر الثقة بخبر واحد مثلا، و في هذا الفرض ليس الوثوق إلاّ سببا  لقوة الاحتمال لا للترجيح الكمّي بغلبة الصدق. قلنا: لو سلّمنا تماميّة  الإطلاق بالنسبة لفروض خياليّة من هذا القبيل بعيدة عن طبيعة  وضع العالم من دون وجود ارتكاز خاصّ يتمّم الإطلاق. لقلنا في  خصوص المقام: إنّ الإطلاق غير تامّ، لأنّ احتمال كون الوثوق أو  الأمانة إشارة إلى ما يستلزمه في الوضع الحقيقيّ الخارجيّ من  الترجيح الكمّي بغلبة الصدق يكون صالحا للقرينيّة على عدم هذا  الإطلاق.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة36/ الجزء الثالث

 

 

أولا: أنّنا لا نحتمل الفرق بين موارد الأخبار المرخّصة و موارد  الشبهات التي لم يرد فيها خبر، بأن تكون الأغراض الترخيصيّة  في موارد تلك الشبهات أهمّ، و لا تكون في موارد تلك الأخبار  أهمّ.   

و ثانيا: أنّ دليل أصالة البراءة شامل لمورد الأخبار المرخّصة على  ما هو مختارنا من أنّ حكومة الأمارة على الأصل إنّما هي في مورد  التخالف بينهما لا في مورد التطابق.   

و ثالثا: أنّ نفس دليل حجّيّة الخبر ظاهر في أنّه جعل الخبر حجّة  لتغيير الوظيفة - أي أنّ الوظيفة بقطع النّظر عن حجّيته و أماريّته  تكون هي الرجوع إلى الأصول الفوقانيّة -، و إنّما جعل الخبر  حجّة لأنّ ذلك قد يغيّر الوظيفة كما لو كان الأصل ترخيصيّا و  الخبر إلزاميّا، إذن فالوظيفة في الخبر الترخيصيّ بقطع النّظر عن  أماريّة الخبر و ما يشتمل عليه من المرجّح الاحتمالي هي الرجوع  إلى البراءة، و هذا دليل على ثبوت المرجّح المحتملي لجانب  الترخيص.   

و رابعا: أنّنا إذا استظهرنا من الدليل أنّ مصلحة مّا اقتضت أن  يجعل المولى تشريعه وفق حالة مولى لا يعلم الغيب [1]، و لذا  وصلت النوبة إلى جعل الأمارة، إذن فكأنّه غير عالم بأنّه من باب  الصدفة وجدت الترخيصات الأهمّ كمّا أو كيفا في غير موارد  الخبر لا في الأخبار المرخّصة.    

_____________________________________________

 

[1] قد مضى في التعليق السابق النقاش في هذا الاستظهار.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة37/ الجزء الثالث

 

نتائج الفهم الخاطئ للأمارات و الأصول:   

 

المقدّمة الرابعة: أنّ الاتجاه السائد في العصر الثالث من عصور علم  الأصول الّذي دقّق في التفرقة ما بين الأصل و الأمارة هو الاتّجاه  الّذي تمسّك بالقشر، و تناسى اللبّ، ففرض أنّ الفرق بين الأمارة  و الأصل يكون على أساس ما هو المجعول في عالم إنشاء الحكم. و  قد بيّنا أنّ الفرق الواقعيّ إنّما هو في طريقة إعمال قوانين باب  التزاحم، و أنّ ألسنة الحكم لا تجعل شيئا أمارة أو أصلا، غاية الأمر  أنّ اللسان قد يختلف بحسب المناسبة نتيجة لما عرفته من الفرق  الواقعيّ الثبوتيّ، و من الممكن أن لا يختلف.   و أعلى مراتب هذا الاتّجاه السائد تحقّق على يد المحقّق النائينيّ  -قدّس سرّه- و مدرسته، فذكر: أنّ الفرق بين الأمارات و الأصول  هو أنّ المجعول في باب الأمارات هو الطريقيّة و العلم و الكاشفيّة،  و في باب الأصول هو الجري العمليّ و البناء العملي، فجعل هذه  الألسنة روح الفرق، بينما هي مجرّد ألسنة.   و هذا الخلط بين مقام الثبوت و الإثبات ترتّبت عليه عدة مطالب  في الأصول، فجعل بعض الأشياء المترتّبة على الفرق الثبوتي آثارا  للفرق الإثباتي، مع أنّها في الواقع آثار للفرق الثبوتيّ، و بعض  الأشياء التي هي آثار لصياغتين للسان دليل الحجّيّة فرض آثارا  للأمارة و الأصل بما هما أمارة و أصل.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة38/ الجزء الثالث

 

و فيما يلي نذكر نموذجا من الفوارق التي ذكروها بين الأمارات  و الأصول بالشكل المشتمل على ما ذكرناه من الخلط:   

 

1 - حول المثبتات:   

الفرق الأوّل: ما استقرّ عليه بناء الفقهاء في العصر الثالث منذ  عصر الشيخ الأعظم -قدّس سرّه- و قبيله إلى أيّام المحقّق النائينيّ  رحمه اللّه من أنّ مثبتات الأمارات حجّة، و مثبتات الأصول ليست  بحجّة، فجعل هذا الفرق في كلام من فلسف ذلك من لوازم فرق  بين الأمارة و الأصل لا يعدو في واقعه أن يكون من الفوارق  الصياغيّة و الشكليّة، و أوصل المحقّق النائينيّ رحمه اللّه هذا الاتّجاه  إلى آخره، و برهن على ذلك: بأنّ أماريّة الأمارة تكون بكون  المجعول فيها هو العلم، و من الواضح أنّ العلم بشي‏ء يستلزم العلم  بلوازمه. و أمّا في باب الأصل فالمجعول هو الجري العمليّ، و لا  يلزم من الجري العمليّ على طبق الأصل الجري العمليّ على لوازمه.   و جاء السيّد الأستاذ و رأى أنّ هذا البرهان غير صحيح، لأنّ العلم  التعبّديّ بشي‏ء لا يستلزم العلم التعبّديّ بلوازمه، كما يستلزم العلم  الوجداني بشي‏ء العلم الوجداني بلوازمه، و إنّما يكون ثبوت  اللوازم و عدمه تابعا لإطلاق دليل الاعتبار للوازم و عدمه، فأنكر  هذا الفرق بين الأمارة و الأصل.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة39/ الجزء الثالث

 

و تحقيق صحّة هذا الفرق و عدمه يأتي -إن شاء اللّه- في بحث  الأصل المثبت في الاستصحاب، و إنّما المقصود هنا: أنّ الفرق -  بناء على صحّته - مرتبط بجوهر الفرق بين الأمارة و الأصل، لا  بكون اللسان في الأولى جعل العلم و في الثانية جعل الجري العمليّ  مثلا، فالواقع أنّ إعمال قوانين باب التزاحم من قبل المولى بين  أغراضه في مقام حفظها التشريعيّ بالحكم الظاهريّ إن كان  بلحاظ ما للأمارة من حظّ من الكاشفيّة التكوينيّة، فهذه الكاشفيّة  نسبتها إلى المدلول المطابقي و الالتزاميّ على حدّ سواء، فإن تكن  هذه الكاشفيّة هي المرجّحة في مقام الحفظ فنسبة هذا الترجيح  إليهما على حدّ سواء، فبعد فرض الفراغ عن الإيمان بأنّ الأحكام  الظاهريّة طريقيّة محض، و ليست ناشئة من مصالح في أنفسها، أو  مصالح زائدة على ملاكات الواقع في متعلقاتها، و إنّما هي وليدة  لقوانين التزاحم بين ملاكات الواقع فحسب. و عدم الإيمان بمثل  السببيّة و الفراغ عن عدم وجود نكتة نفسيّة أثّرت في جعل  الحجّيّة لأمارة مّا، و أنّ ملاك حجّيّة الخبر مثلا. إنّما هو قوّة  الكشف، يكون هذا أساسا لحجّيّة مثبتات الأمارات، و يأتي تحقيقه  في محلّه -إن شاء اللّه-، و هذا بخلاف الأصول، ففي بعض الشبهات  إن كان جانب الإباحة أهمّ بنظر المولى من جانب الحرمة مثلا،  فجعل البراءة لا تلزم من ذلك أهميّة لوازم تلك الإباحات من لوازم  تلك الحرمات.   هذا هو الّذي أوجب بحسب الحقيقة ارتكاز حجّيّة مثبتات الأمارات  دون الأصول في العصر الثالث.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة40/ الجزء الثالث

 

 

2 - الأماريّة عند الشك:  

الفرق الثاني: ما يقال من أنّه في فرض الشكّ لا يتصوّر جعل  الحجّيّة الأماريّة، كما صرّح بذلك الشيخ الأعظم -قدّس سرّه-»«. و  صرّح به أيضا المحقّق النائينيّ رحمه اللّه»«. و فلسفه أيضا على  طريقته بأنّ الشكّ نسبته إلى الطرفين على حدّ سواء فكيف  يفرض جعله كاشفا و علما بالنسبة لأحد الطرفين دون الآخر؟ و  أورد عليه المحقّق العراقيّ، و السيّد الأستاذ: بأنّه لا موجب  لاشتراط إفادة الأمارة للظنّ، لأنّ الملحوظ في باب الأمارات هو  الطريقيّة الاعتباريّة، و اعتبار العلم أمر سهل المئونة.   لكنّ الصحيح: أنّ هذا الفرق إنّما يرتبط بالفارق الجوهريّ بين  الأمارة و الأصل، حيث إنّه في الأمارة قد فرض الترجيح بواسطة  الاحتمال، و إذا كانت نسبة الكاشفيّة إلى الطرفين على حدّ سواء  لم يعقل هذا الترجيح، و هذا بخلاف الأصل الّذي يكون الترجيح فيه  بلحاظ المحتمل [1].    

_____________________________________________

 

[1] قد يقال: إنّ هذا الكلام يتوقف على فرض كون الحجّيّة للأمارة  على   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة41/ الجزء الثالث

 

 

3 - أخذ الشك في موضوع الحجّيّة:  

 الفرق الثالث: ما ذكر من أنّ الأصل يؤخذ في موضوع حجّيّته  الشكّ، بخلاف الأمارة. و هذا إن أريد به أنّ حجّيّة الأمارة لا يؤخذ  في موضوعها الشكّ بحسب عالم الجعل فهذا غير معقول، لأنّ  فرض عدم أخذ الشكّ في موضوعها هو فرض إطلاقها و شمولها  لفرض العلم بخطئها، و هذا محال، فلا بدّ أن يكون نظرهم في  التفرقة إلى أنّه في دليل الأمارة لم يؤخذ  - أساس قوّة الاحتمال بالمعنى المقابل للترجيح الكمّيّ للصدق على  الكذب. أمّا على ما اخترناه من إلحاق الترجيح الكمّيّ للصدق على  الكذب بقوّة الاحتمال، و إمكان جعله ملاكا في حجّيّة الأمارة، فهذا  يتصور في فرض الشكّ أيضا، و ذلك لأنّ المعتبر في الترجيح  الكمّيّ إنّما هو الترجيح الكمّيّ عند المولى لا الترجيح الكمّي عند  العبد، لأنّ المولى يلحظ حساب تزاحم أغراضه في الحفظ في نظره  لا في نظرنا.   فقد تكون الأمارة المفيدة للشكّ نوعا عندنا أقرب إلى الصدق  منها إلى الكذب عند المولى لغلبة صدقها على كذبها في علم  المولى.   و لكنّ الواقع: أنّ ما في المتن يتمّ حتى على إلحاق الترجيح الكمّيّ  للصدق بقوّة الاحتمال، و ذلك لأنّ المولى لو أخبرنا بأنّ هذه  الأمارة صدقها غالب في علمه على كذبها، إذن تصبح مورثة للظنّ  لنا لا الشك، و إلاّ فهذه الحجّيّة لا تفيد فائدة الأمارة، لأنّنا لا نعلم  أنّ حجّيّتها كانت على أساس الترجيح الكمّيّ كي نتعدّى إلى  اللوازم، فالمقصود من الترجيح بقوّة الاحتمال و بالكمّ في الصدق  الّذي جعلناه مقياسا لأماريّة الأمارة، إنّما هو الترجيح المفهوم لنا  لا الترجيح المفهوم عند المولى المخفيّ علينا.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة42/ الجزء الثالث

 

الشكّ، و في دليل الأصل أخذ الشكّ. و هذا المطلب إن أردنا أن  نعبّر عنه بعبارة واضحة قلنا: إنّ الشكّ أخذ بنحو القرينة المتّصلة  في دليل الأصل، و أخذ بنحو المخصّص اللبّيّ في دليل الأمارة  بلحاظ حكم العقل باستحالة شمول الحجّيّة لفرض العلم بالخطإ، و  أنت ترى أنّ مثل هذا مربوط بلسانين لدليل الحجّيّة، و ليس  مربوطا بالأمارة و الأصل و لو فرض تماميّة ذلك في دليل الأمارة  و الأصل فإنّما هو على سبيل الصدفة و الاتّفاق، لا أنّ أماريّة  الأمارة تكون بعدم أخذ الشك في موضوعها، و أصليّة الأصل  تكون بأخذ الشك في موضوعه، فلو فرض أنّ شخصا لم يثبت  حجّيّة خبر الواحد إلاّ بقوله تعالى: فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا  تعلمون لم ينقلب على هذا الأساس من الأمارة إلى الأصل. نعم هذه  الخصوصيات الاتفاقيّة في لسان الدليل قد تنفع في مقام تقديم  أحد الدليلين على الآخر، فلو بني مثلا على أنّ دليل الأمارة و دليل  الاستصحاب كلاهما متكفّلان لجعل الطريقيّة، لكنّ الأوّل لم يؤخذ  في موضوعه الشكّ، و الثاني أخذ فيه الشكّ، فقد ينفع ذلك في  تقديم الأوّل على الثاني.   

 

4 - حكومة الأمارات على الأصول:   

الفرق الرابع: ما حقّقوه من حكومة الأمارات على الأصول، لأنّ  الأصل أخذ في موضوعه الشكّ، و الأمارة ترفع موضوعه   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة43/ الجزء الثالث

 

لكونها علما بالتعبّد.   و الصحيح: أنّ الأمارة بما هي أمارة ليست حاكمة على الأصل بما  هو أصل، و إنّما الحكومة ترتبط بلسان جعل الحجّيّة، فقد يقدّم أحد  اللسانين على الآخر لسوقه مساق رفع موضوع الآخر، و قد لا  تكون أمارة مّا حاكمة على أصل مّا كما لو بيّنت الأمارة بغير  اللسان المناسب للحكومة كجعل الطريقيّة و إلغاء احتمال الخلاف،  و مع ذلك تكون هذه أمارة و ذاك أصلا، و هذه مثبتاتها حجّة  بخلاف ذاك.   

و الخلاصة: أنّ هناك فروقا بعضها مربوط بجوهر أماريّة الأمارة  و أصليّة الأصل، و أضيف اشتباها إلى سنخ اللسان، حيث تخيّل أنّ  الفارق اللساني هو الفارق الجوهريّ، و ذلك كالأوّلين، و بعضها  مربوط باللسان، و أضيف إلى الجوهر بتخيل أنّ اللسان و  الجوهر شي‏ء واحد كالأخيرين.   

 

الفرق بين الأصول العقليّة و غيرها:  

 المقدّمة الخامسة: أنّ الفارق الجوهريّ الّذي ذكرناه بين الأصل و  الأمارة إنّما كان نظرنا فيه إلى الأصول الشرعيّة، فإنّها هي التي  تكون كالأمارة نتيجة لإعمال قوانين باب التزاحم و تفترق عنها  في كيفيّة إعمالها، و أمّا الأصول العقليّة فليست نتيجة لإعمال  قوانين باب التزاحم، و ترجيح بعض الأغراض على بعض، فإنّ هذا  وظيفة المولى لا وظيفة العقل، و العقل ليس   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة44/ الجزء الثالث

 

من شأنه التشريع، و إنّما مرجعها إلى دائرة حقّ الطاعة سعة و  ضيقا، و هذا فرق جوهريّ بين الأصول العقليّة من ناحية، و  الأمارات و الأصول الشرعيّة من ناحية أخرى، فالأولى مردّها إلى  دائرة حقّ الطاعة، و الثانية مردّها إلى تشريعات مولويّة على  أساس إعمال قوانين باب التزاحم في دائرة الحفظ و المحرّكيّة.   و هذا الفرق يستوجب تقديم الأمارات و الأصول الشرعيّة ذاتا على  الأصول العقليّة و ورودها عليها، لكون حكم العقل في ذلك معلّقا  على عدم مجي‏ء تقرير آخر من قبل الشارع، فمجي‏ء ذلك من قبله  يرفع تكوينا موضوع حكم العقل.  

 

 الأصول التنزيليّة:   

المقدّمة السادسة: أنّ الأصحاب قسّموا الأصول العمليّة الشرعيّة إلى  الأصول التنزيليّة و غير التنزيليّة، و فرّقوا بينهما بعبارات مختلفة.  

و حاصل ما أفاده المحقّق النائينيّ رحمه اللّه من الفرق بينهما هو:  أنّ الأصول التنزيليّة لوحظ فيها الواقع كما هو الحال في الأمارة،  بل بلحاظ البناء العمليّ و الجري على طبقه، حيث إنّ للعلم شئونا  أربعة:   

1 - الكيفيّة النفسانيّة.   

2 - حكايته عن الواقع الخارجيّ.   

3 - اقتضاؤه للبناء العمليّ على طبقه، فالعطشان إذا علم بوجود  ماء في مكان كذا طبّق جريه في مقام العمل على طبق علمه.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة45/ الجزء الثالث

 

 

4 - التنجيز و التعذير، فلو كان وجود الماء في مكان كذا  موضوعا لحكم شرعيّ كان علمه بذلك منجّزا لذلك الحكم مثلا.   و الشأن الأوّل مختصّ بالعلم، و لا معنى لجعله لغير العلم.   و الشأن الثاني مجعول تعبّدا في باب الأمارات.   و الشأن الثالث مجعول تعبّدا في باب الأصول التنزيليّة.   و الشأن الرابع مجعول في الأصول غير التنزيليّة لا بمعنى كون  المجعول ابتداء هو المنجّزيّة و المعذريّة، بل المجعول حكم تكليفيّ  يترتّب عليه التنجيز و التعذير [1].    

 

_____________________________________________

 

[1] لا يخفى أنّ الفرق بين الشأن الثالث و الشأن الرابع من شئون  العلم بالنحو الّذي يفترض الأصل تارة ملحقا بالعلم في ذاك  الشأن، و أخرى ملحقا به في هذا الشأن غير واضح، فإنّه إن كان  المقصود بالجري العمليّ وفق العلم هو الجري العمليّ الشخصيّ  المستقلّ عن التنجيز و التعذير، و الّذي قد يكون على خلاف  متطلّبات التنجيز و التعذير، إذ قد يكون شخص مّا لو علم أنّ  المائع الفلاني خمر، لكان تأثير العلم في نفسه في مقام البناء و  الجري العمليّ أنّه سيشربه رغم تنجيز الحرمة عليه، فمن الواضح  أنّ المولى لا يجري الأصل مجرى العلم في هذا الشأن الثالث، بأن  يقول لشرّاب الخمر مثلا: لو شككت في بقاء المائع على خمريّته  فاشربه، و إن كان المقصود به الجري العمليّ وفق ما يتطلّبه  التنجيز و التعذير، فهذا رجوع إلى الشأن الرابع، و لا يتصوّر قيام  الأصل تارة مقام الشأن الثالث للعلم، و أخرى مقام الشأن الرابع.   أمّا المستفاد ممّا ورد في تقرير بحث المحقّق النائينيّ رحمه اللّه  فهو أنّ للعلم شئونا ثلاثة - و هي الشئون الثلاثة الأولى - و أن  الأمارات جعلها الشارع علما   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة46/ الجزء الثالث

 

أقول: حاصل هذا الكلام هو التفرقة بين الأصول التنزيليّة و غير  التنزيليّة فيما هو المجعول في المقام. و هذه الفكرة في  

_____________________________________________

 

...... - بلحاظ الشأن الثانيّ، و أنّ الأصول التنزيليّة جعلها الشارع علما  بلحاظ الشأن الثالث، و أنّ الأصول العمليّة غير التنزيليّة أعطاها  الشارع أيضا التنجيز و التعذير، لكن لا بلسان جعلها علما كما  كان الأمر في الأصول التنزيليّة، و إنّما بمجرّد لسان حكم تكليفيّ  طريقيّ يؤدّي إلى التنجيز و التعذير»«، و أنّ هذا سبب في حكومة  الأصول التنزيليّة على الأصول العمليّة غير التنزيليّة، لأنّ الأصول  التنزيليّة فرضت علما تعبّدا بلحاظ مستوى من المستويات،  فرفعت موضوع الأصول العمليّة غير التنزيليّة.   و الواقع أنّ هذا البيان أيضا لا يرجع إلى محصّل معقول، لأنّ الغاية  في الأصول غير التنزيليّة إنّما هي العلم بما لها من مرتبة الكشف،  و التي هي حقيقة العلم، كما هو الحال في التنزيليّة، و ليست الغاية  فيها مجرّد العلم و بلحاظ الشأن الثالث، حتى إذا فرض إثبات ذلك  تعبّدا للأصول التنزيليّة تصبح حاكمة على الأصول غير التنزيليّة.   هذا، مضافا إلى أنّ الدليل على التفريق بين الأمارات و الأصول  التنزيليّة بجعل الأمارات علما في الشأن الثاني - و هو الكشف - و  الأصول التنزيليّة علما في الشأن الثالث الّذي هو اقتضاء الجري  العمليّ مفقود، عدا القول بأنّ الأمارات بما أنّ لها حظّا من الكشف  كانت قابلة لتتميم الكشف تعبّدا، بخلاف الأصول التنزيليّة التي  ليس لها حظّ من الكشف. و هذا جوابه: أنّ اعتبار الكشف تعبّدا  سهل المئونة، و ما دمنا نتكلم على مستوى ألسنة الدليل لا فرق من  هذه الناحية بين الأمارة و الأصل التنزيليّ الّذي جعل علما تعبّدا، و  لا مبرّر لحمل الثاني على إعطاء الشأن الثالث من شئون العلم إيّاه  بخلاف الأوّل.   و قد تحصّل: أنّ التفكيك بين الأصل التنزيليّ و الأصل العمليّ غير  التنزيليّ بالوجه الّذي ذكره المحقّق النائينيّ رحمه اللّه لا أساس له.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة47/ الجزء الثالث

 

نفسها صحيحة، و هي كون مردّ الفرق إلى عالم الجعل و الاعتبار،  و ليس الفرق بينهما فرقا جوهريّا، و إنّما هو فرق عنائيّ، و  العناية التي بها يكون الأصل تنزيليّا أحد أمرين غير ما أفاد  المحقّق النائينيّ -قدّس سرّه-:   

الأوّل: اعتبار الكاشفيّة في الأصل التنزيليّ. و لا أقصد بذلك جعل  الكاشفيّة و الطريقيّة بالمعنى الّذي يقول به المحقّق النائينيّ (قدّس  سرّه)، بل أقصد بذلك أنّه كما كان جعل الحجّيّة في باب الأمارة  بلحاظ ما لها من الكشف الظنّي، كذلك يفرض الشارع أنّ  الاستصحاب من هذا القبيل، فاليقين السابق بالرغم من عدم  كاشفيّته و لو كشفا ناقصا و ظنّيا يفرض الشارع أنّه كاشف و  أمارة، فيجعل له الحجّيّة، فكأنّ نكتة جعل الحجّيّة له كانت هي ما  فيه من الكشف، كما هو الحال في الأمارة، و الكشف كان ثابتا في  الأمارة حقيقة. أمّا هنا فقد فرضه الشارع ادّعاء و عناية - أي  فرضه أمارة فحكم عليه بالحجّيّة - و لهذا يقول: (ليس ينبغي لك  أن تنقض اليقين بالشكّ)، فكأنّه يقول: إنّه مع وجود الأمارة على  المطلب و هو اليقين السابق لا ينبغي للإنسان ترك هذا اليقين  السابق لأجل ما طرأ من الشكّ. و هذا القسم من الأصل التنزيليّ  مصداقه الاستصحاب [1].    

_____________________________________________

 

[1] و قد يترتّب على ذلك تقدّمه على الأصل غير التنزيليّ، لأنّه  فرض علما، فرفع بذلك تعبّدا موضوع الأصل العمليّ على نقاش  في ذلك موكول إلى بحث الاستصحاب.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة48/ الجزء الثالث

 

الأصل تنزيليّا، كما هو الحال في أصالة الطهارة في قوله: (كل  شي‏ء طاهر)، فإنّ الظاهر من قوله: (طاهر) أنّه طاهر بالمعنى  الّذي يقابل القذر الّذي جعل العلم به غاية لذلك في قوله: (حتى تعلم  أنّه قذر) و ذلك القذر قدر واقعيّ، فالمقصود بالطاهر هو الطاهر  الواقعيّ لا الطاهر الظاهريّ، فهو إنشاء للطهارة الواقعيّة تعبّدا، و  هذا أيضا نحو من العناية لها فائدتها في مقام الاستنباط، إذ بناء  على هذا ترتّب آثار الطهارة الواقعيّة على محتمل الطهارة، بخلاف  ما إذا كان اللسان لسان جعل طهارة ظاهريّة على محتمل  الطهارة، فإنّه عندئذ لا يترتّب عليه إلاّ أثر الجامع بين الطهارة  الواقعيّة و الظاهريّة، لا أثر خصوص الطهارة الواقعيّة [1]. و كذلك  الكلام في أصالة الحلّ في قوله: (كلّ شي‏ء  

 

_____________________________________________

 

[1] فمثلا لو شككنا في نجاسة ذاتيّة لشي‏ء مّا، و أجرينا بشأنه  أصالة الطهارة، ثمّ لاقى نجسا بالرطوبة، فعلمنا إجمالا بأنّه بعد  الملاقاة نجس. إمّا بالنجاسة الذاتيّة، أو بالنجاسة العرضيّة، ثمّ  غسلناه بالماء، فشككنا في زوال النجاسة، إذ لو كان نجسا  بالنجاسة الذاتيّة فهو لا زال نجسا، و لو كان نجسا بالنجاسة  العرضيّة فقد طهر، فهل نجري هنا استصحاب النجاسة، أو نحكم  بطهارته؟ جواب ذلك مبنيّ على أن نرى أنّ أصالة الطهارة هل هي  أصل غير تنزيليّ و مجرّد حكم بالطهارة الظاهريّة، أو أصل  تنزيليّ و حكم بالطهارة الواقعيّة تعبّدا؟ فعلى الأوّل يجري في  المقام استصحاب النجاسة، لأنّ أصالة الطهارة كانت مغيّاة بالعلم  بالنجاسة، و قد حصلت الغاية فانقطعت أصالة الطهارة، و بعد  الشكّ في بقاء النجاسة يجري لا محالة استصحابها، و على الثاني  نحكم بطهارة هذا الشي‏ء بعد غسله بالماء، إذ من آثار الطهارة  الواقعيّة أنّ الشي‏ء الطاهر لو لاقى نجسا تنجّس بالنجاسة  العرضيّة، و لو غسل بعد ذلك بالماء   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة49/ الجزء الثالث

 

لك حلال حتى تعرف أنّه حرام) [1]، و هذا بخلاف أصالة البراءة  في قوله: (رفع ما لا يعملون)، إذ ليست فيها هذه العناية، فلا تكون  أصلا تنزيليّا.   

 

حصر البحث في الأصول الأربعة:   

المقدمة السابعة: أنّهم تعرّضوا في الأصول العمليّة لأصول أربعة:  البراءة، و الاشتغال، و التخيير، و الاستصحاب،  - زالت عنه النجاسة، و قد لاقى هذا الشي‏ء الّذي ثبتت طهارته  الواقعيّة تعبّدا النجاسة، ثمّ غسل بالماء فقد زالت نجاسته.   

_____________________________________________

 

[1] و يترتّب على ذلك - كما جاء في الجزء الثاني من الحلقة الثالثة  من دروس في علم الأصول ص 16 و 17. أنّ أصالة الإباحة (بناء  على تنزيليّتها) تثبت طهارة مدفوع الحيوان الّذي أثبتنا إباحة  لحمه بأصالة الإباحة مثلا، بخلاف ما لو لم تكن تنزيليّة -.   و ذكر أستاذنا الشهيد رحمه اللّه في بحث الاستصحاب تفسيرا  ثالثا للأصل التنزيليّ - و هو أن يكون الأصل التنزيليّ هو الأصل  الّذي لوحظ فيه الترجيح الاحتماليّ و المحتمليّ معا - كما قد يقال  بذلك في قاعدة الفراغ، و ذكر رحمه اللّه في الحلقة الثالثة ص 18:  أنّه يترتّب على هذا بعض الآثار من قبيل عدم شمول القاعدة  لموارد انعدام الأماريّة و الكشف نهائيّا، و به يثبت شرط  الأذكريّة في قاعدة الفراغ، و قد سمّى رحمه اللّه الأصل في الحلقة  الثالثة ص 18 - 16 في التفسير الثاني - و هو تنزيل المؤدّى منزلة  الواقع بالأصل التنزيليّ، و في التفسير الأوّل و الثالث بالأصل  المحرزة   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة50/ الجزء الثالث

 

و من هنا تكلّم بعضهم في أنّه ما هو وجه اختصاص البحث بهذه  الأصول الأربعة مع وجود أصول أخرى غيرها، و محطّ الإشكال  على حصر الكلام في هذه الأربعة تارة هي الأصول الجارية في  الشبهات الموضوعيّة، و أخرى هي الأصول الجارية في الشبهات  الحكميّة.   أمّا الاستشكال بلحاظ الأصول في الشبهات الموضوعيّة كقاعدة  اليد، و الفراغ، و التجاوز، و الفراش، و أصالة الصحّة - بناء على  أنّها من الأصول - فالجواب عن ذلك واضح، كما بيّن في كتب  الأصول، و ذلك لخروجها عن علم الأصول الدخيل في عملية  استنباط الحكم الفرعي الكلّيّ، فإنّ الأصل الجاري في الشبهات  الموضوعيّة ليس كذلك، فإنّه يثبت الأحكام الجزئيّة بحسب  جريانه في كلّ واقعة واقعة، بخلاف هذه الأصول الأربعة. أمّا  البراءة و التخيير و الاشتغال فواضح. و أمّا الاستصحاب فيكون  كذلك بناء على القول بجريانه في الشبهات الحكميّة.   و أمّا الاستشكال بلحاظ الأصول الحكميّة فلم يمثّل لها في كلماتهم  إلاّ بأصالة الطهارة الجارية في الشكّ بنحو الشبهة الحكميّة، و ذكر  المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه: أنّه لعلّ عدم ذكر أصالة الطهارة  يكون لأجل اختصاصها بباب، و عدم جريانها في سائر الأبواب،  أو لأجل وضوحها و عدم الكلام و الخلاف   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة51/ الجزء الثالث

 

فيها»«.   و صرّح بعض أكابر تلامذته: بأنّ عدم جريان أصالة الطهارة في  سائر الأبواب هو الداعي إلى عدم ذكرها و إخراجها من علم  الأصول [1].   أقول: تارة يتكلّم في كون أصالة الطهارة بحسب الحقيقة من علم  الأصول و عدمه، و أخرى يتكلّم في نكتة عدم ذكرهم للأصول  الحكميّة غير الأصول الأربعة بناء على كون غير الأصول الأربعة  أيضا من علم الأصول.   

أمّا الكلام الأوّل: فقد يقال: إنّه بناء على كون علم الأصول هو العلم  بالعناصر المشتركة تكون أصالة الطهارة من علم الأصول، إذ  ليست مختصة بمادّة دون أخرى، إلاّ في طول ضيق ذاتي في نفس  الصورة و الحكم، و هو الطهارة التي لا تقبل إلاّ التعلق بالأعيان  دون الأفعال. و قد يقال: إنّ مجرّد عدم أخذ التقييد بمادّة مّا لا  يكفي في إدخال المسألة في علم الأصول، بل لا بدّ أيضا من سريان  ذلك العنصر في أبواب الفقه، و عدم اختصاصه بباب واحد، و إلاّ  أصبح منطق ذلك الباب لا منطق الفقه، و أصالة الطهارة من هذا  القبيل لاختصاصها بباب الطهارة.    

_____________________________________________

 

[1] لم أعرف بقدر فحصي الناقص من يعلل إخراج أصالة الطهارة  من علم الأصول بعدم جريانها في سائر الأبواب.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة52/ الجزء الثالث

 

و لكن يمكن أن يقال: إنّ أصالة الطهارة معناها التعبّد بترتيب  آثار الطهارة التي منها جواز الأكل و الشرب، و منها جواز الوضوء  و التيمّم، و منها جواز الصلاة فيه، و منها جواز بيعه بناء على  اشتراط الطهارة في البيع، و نحو ذلك، فأصبحت سارية في أبواب  الفقه، و لكن مع هذا المناسب جعل أصالة الطهارة منطق كتاب  الطهارة لا الفقه.   و التحقيق في المقام: أنّ أصالة الطهارة خارجة عن علم الأصول،  لاختصاصها ببعض الموادّ، لا في طول عدم قابلية الحكم للشمول  ذاتا. و توضيح ذلك: أنّ الطهارة التي هي حكم وضعي إن قلنا  بانتزاعها عن الأحكام التكليفيّة، فالطهارة منتزعة عن حلّيّة الأكل  و الشرب، و جواز الوضوء و الصلاة، و نحو ذلك، و من الواضح أنّ  منشأ الانتزاع مختصّ ببعض الموادّ دون بعض لا من باب عدم  قابليّته للشمول، فأصالة الطهارة معناها بحسب الروح أصالة حلّيّة  خصوص الأكل و الشرب، و جواز خصوص الوضوء و الصلاة مثلا،  و هذا يعني أنّها ليست من قبيل دلالة الأمر على الوجوب عنصرا  مشتركا، بل تختص ببعض الموادّ دون بعض.   و إن قلنا بتأصّلها قلنا: إنّ روح أصالة الطهارة ليست عبارة عن  ثبوت ذاك الأمر الواقعي المسمّى بالطهارة حقيقة، و إنّما هي  عبارة عن التعبّد بآثار تلك الطهارة، و هي حلّيّة الأكل و الشرب،  و جواز الوضوء و الصلاة مثلا، فالكلام هنا هو الكلام على الفرض  الأوّل، إلاّ أنّه على الفرض الأوّل تكلّمنا في منشأ انتزاع   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة53/ الجزء الثالث

 

الطهارة، و هنا نتكلّم في آثار الطهارة.   و أمّا الكلام الثاني: فليس الإشكال في الحقيقة منحصرا بالنقض  بما ذكروه من أصالة الطهارة التي عرفت عدم ارتباطها ببحث  الأصول، بل يمكن إضافة أصالة عدم النسخ التي نقل الشيخ الأعظم  -قدّس سرّه- في مبحث الاستصحاب (على ما أتذكّر) دعوى  الإجماع عليها بعنوانها في قبال استصحاب عدم النسخ [1]، أو  أصالة الإطلاق في لسان الدليل.   و الظاهر أنّ الّذي يطّلع على تاريخ المسألة بالنحو الّذي حقّقناه  يعرف النكتة في الاقتصار على هذه الأصول الأربعة في تاريخ علم  الأصول، فإنّ فكرة الأصل العمليّ لم تنشأ بهذا النحو الكامل منذ  وجد علم الأصول، و إنّما الأصول العمليّة نشأت شعبة من شعب  الأدلّة العقليّة، و فقهاء الشيعة الذين كانوا يتمسّكون بالأصل  العمليّ كانوا يتمسّكون بالأصول العمليّة العقليّة، و يعتبرونها من  الأدلّة العقليّة، حتى أنّ الاستصحاب كانوا يحكمون بحجّيّته من  باب العقل، و لم يذكر أحد منهم الاستدلال بالأخبار على حجّيّة  الاستصحاب إلاّ المتأخّرون، و أوّل من ذكر الاستدلال بها على  ذلك والد الشيخ البهائي رحمه اللّه.   فالعقل في نظرهم تارة يستقلّ بالبراءة، و أخرى بالاحتياط، و  ثالثة بالتخيير و رابعة بالاستصحاب، و من الواضح أنّ أصالة  الطهارة و أصالة عدم النسخ و نحو ذلك ليست من الأحكام  

 

_____________________________________________

 

[1] لم أجد شيئا من هذا القبيل في الرسائل في فحصي الناقص.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة54/ الجزء الثالث

 

العقليّة، و لم يتوهّم أنّها أحكام عقليّة حتى تذكر أيضا تحت عنوان  الدليل العقليّ، و حتى حينما حقّقت فكرة الأصل و ميّز ما بينها و  بين فكرة الأمارة على يد الأستاذ الوحيد -قدّس سرّه-. بقي أيضا  تصنيف علم الأصول بهذا النحو، و كانت تذكر الأصول الأربعة  تحت عنوان الدليل العقليّ، و أوّل من غيّر تصنيف الأصول و أقامه  على أساس هذه الفكرة الجديدة للأصل هو الشيخ الأعظم رحمه  اللّه. و لما غيّر التصنيف لم يكثّر في العدد، بل اتّبع نفس طريقتهم،  فالاقتصار على هذه الأربعة مرتبط بتأريخ المسألة و تطوّر الفكر  العملي للمسألة، و غير مربوط بنكتة من النكات الدقيقة لنبحث  عنها إلى أن نكتشفها. هذه تمام المقدّمات التي ينبغي أن تذكر في  المقام، و بعد ذلك ندخل في صميم المطلب، و نبدأ بأصالة البراءة.   و الكلام فيها يقع في مقامين: الأوّل في البراءة العقليّة.   و الثاني في البراءة الشرعيّة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة55/ الجزء الثالث

 

الأصول العمليّة 1   

أصالة البراءة   

1 - البراءة العقليّة.   

2 - البراءة الشرعيّة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة57/ الجزء الثالث

 

أصالة البراءة 1  

 

 البراءة العقليّة   

1 - نظريّة قبح العقاب بلا بيان.   

2 - نظريّة حقّ الطاعة.   

3 - تاريخ البراءة العقليّة.   

4 - مناشئ الالتزام بالبراءة العقليّة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة59/ الجزء الثالث

 

أمّا المقام الأوّل: فيقع فيه البحث عن البراءة العقليّة.   

 

نظريّة قبح العقاب بلا بيان:   

و المعروف بين محقّقي العصر الثالث من عصور علم الأصول عدم  الخلاف في حكم العقل بالبراءة، و قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و  هذه القاعدة بحسب الحقيقة تحتلّ مركزا أساسا في التفكير  الأصولي في هذا العصر الثالث، بل يمكن أن نعتبر هذه القاعدة  أحد الركنين الأساسين اللّذين قام عليهما التفكير الأصولي في هذا  العصر في باب الأدلة العقليّة، و الركن الآخر مضايف هذه القاعدة  و هي قاعدة حسن العقاب مع البيان التي مرجعها إلى حجّيّة القطع،  فإنّ الفكر الأصولي في هذا العصر افترض أولا: أنّ مولويّة المولى  شي‏ء مفروغ عنه، و أنّ المولويّة سنخ حقيقة واحدة لا زيادة فيها  و لا نقصان مفروغ عن ثبوتها لمولانا (تبارك و تعالى). و بعد  فرض ذلك يتكلّم في أنّ هذا المولى هل يكون القطع بتكاليفه و  أحكامه حجّة أو لا،   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة60/ الجزء الثالث

 

فأجابوا بالإيجاب، و فرضوا أنّ هذه الحجّيّة من اللوازم الذاتيّة -  بالمعنى الّذي يذكر في كتاب البرهان - للقطع بما هو كشف تامّ  و إن اختلفوا في أنّه هل هي من لوازم الماهية كالزوجيّة بالنسبة  للأربعة، أو من لوازم الوجود كالحرارة بالنسبة للنار؟.   و ترتّب على ذلك منطقيّا القاعدة المضايفة لقاعدة حجّيّة القطع -  و هي قاعدة قبح العقاب بلا بيان -، إذ لمّا كانت الحجّيّة من  ذاتيّات القطع بما هو كاشف تامّ، فبانعدام الكشف التامّ تنعدم  الحجّيّة لا محالة، و لا معنى لكون ذاتيّ شي‏ء ثابتا في ذات شي‏ء  آخر، و معنى انعدام الحجّيّة هو كون العقاب قبيحا. لأنّ العقاب بلا  حجّة قبيح، فبهذا ترتّبت القاعدة الثانية، و هي قاعدة قبح العقاب  بلا بيان.   و من هنا التزموا بأنّ الظنّ يستحيل أن يكون حجّة من دون جعل،  لأنّ حجّيته بنفسه خلف قاعدة قبح العقاب بلا بيان و تخصيص  لها، و تخصيص القانون العقليّ غير معقول، و حصول غير الذاتي  بلا سبب أيضا غير معقول.   و تفرّع على ذلك في تفكيرهم الأصولي أنّهم حاروا في أنّه كيف  تصبح الأمارات منجّزة مع أنّها ليست إلاّ ظنونا، و اللابيان الّذي  فرض موضوعا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان ثابت عندها. و  تخصيص القاعدة العقليّة محال. و ثبوت غير الذاتي بلا سبب  محال. و من هنا التزموا بأنّ الأمارات قد جعلت فيها البيانيّة و  الطريقيّة، و نشأت من هنا مباني جعل الطريقيّة و الكاشفيّة  بعرضها العريض الّذي تكلّم عنه المحقّق النائيني رحمه اللّه   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة61/ الجزء الثالث

 

و غيره من المحقّقين، كلّ ذلك لأجل أن يقولوا: إنّ منجّزيّة الأمارة  تكون من باب رفع موضوع القانون العقلي، و من باب التخصّص  لا التخصيص، لأنّ الشارع جعل الأمارة كاشفا تامّا، و علما، فلا  محذور في تنجّز الواقع به. و تحيّروا بنحو أشدّ في باب الأصول  التي لا يقال فيها بجعل العلم و البيان [1]، حتى أنّ الشيخ الأعظم  -قدّس سرّه- ذهب إلى أنّ العقاب عند وجوب الاحتياط الشرعيّ  يكون على نفس ترك الاحتياط لا على ترك الواقع لعدم بيان  الواقع.   و نشأ من فكرة جعل الأمارة علما و كاشفا تامّا تخيّل أنّ التفرقة  بين الأمارات و الأصول إنّما هي في اللسان. و رتّبت على هذا ما  رتّبوها على الفرق بين الأمارات و الأصول كحكومة الأمارات على  الأصول إلى غير ذلك من الآثار المنبثّة في المباحث العقليّة.   

 

نظريّة حق الطاعة:   

و هذا المنهج لتحقيق هذه المطالب باطل أساسا، فإنّنا بحسب  الحقيقة يجب ان نتكلّم في الرتبة السابقة في حدود نفس  

 

_____________________________________________

 

[1] نعم قال المحقّق النائيني رحمه اللّه في الأصول التنزيليّة - إنّها  جعلت علما بلحاظ الشأن الثالث من شئون العلم - فلو كفى هذا  لرفع اللابيان، و قلنا بأنّ المستفاد من (لا تنقض اليقين) التعبّد  بالكاشفيّة، فما ذا يقال في الأصول العمليّة غير التنزيليّة؟   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة62/ الجزء الثالث

 

المولوية التي فرضوها غير قابلة للزيادة و النقصان، و أمرا  محدّدا غير مشكّك، فقالوا: إنّه متى ما ثبتت هذه الحقيقة غير  المشكّكة ترتّب على ذلك قانونان: حجّيّة القطع، و عدم حجّيّة  الاحتمال، و نحن نقول: إنّ المولويّة أمر مشكّك، و تحقيق حالها  هو الّذي يتحكم في كلّ هذه الأمور، فإنّ معنى المولويّة إنّما هو  ثبوت حقّ الطاعة، و حقّ الطاعة قد يفرض ثبوته في الأحكام  المقطوعة و المشكوكة معا، فلا يبقى مجال لقبح العقاب بلا بيان،  إذ ترك التكليف المشكوك عندئذ مخالف للحقّ، و العقاب على  مخالفة الحقّ ليس قبيحا، و قد يفرض اختصاصه بقسم خاصّ من  الأحكام المقطوعة - و هو ما يهتمّ بها المولى اهتماما شديدا، أو ما  تتوقّف عليه حياة المولى مثلا -، فلو حصل القطع بحكم ليس في  تلك الدرجة من الأهميّة لا يكون حجّة. و لا يصحّ أن يقال: إنّ  الحجّيّة ذاتيّة للقطع فلا تنفكّ عنه، فإنّ هذا قلب لجوهر المسألة، و  إنّما المسألة مسألة المولويّة، فلا حجّيّة القطع قاعدة برأسها، و لا  قاعدة قبح العقاب بلا بيان قاعدة برأسها فضلا عمّا تفرّعت  عليهما من الآثار المنبثّة في التفكير الأصولي. و خلاصة الكلام: أنّ  المولويّة تتصوّر بأنحاء كثيرة، و درجات مختلفة، فلو أريد  الالتزام بقانون قبح العقاب بلا بيان يجب أن يفسّر بعدم ثبوت  حقّ المولويّة بلا بيان، و التفكير في هذه المطالب يجب أن يبدأ من  الالتفات إلى دائرة مولويّة المولى سعة و ضيقا.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة63/ الجزء الثالث

 

و الشي‏ء الّذي ندركه بعقلنا العمليّ هو أنّ اللّه (تعالى) مولانا في  التكاليف المقطوعة و المظنونة و المشكوكة و الموهومة، فله حقّ  الطاعة حتى مع عدم العلم لو لم يثبت عندنا الترخيص من قبله و  رضاه بفوات التكاليف الواقعية في ظرف الشكّ بالنحو الّذي  فصّلناه في الترخيص الظاهري، و بهذا ننتهي إلى أنّ قاعدة قبح  العقاب بلا بيان لا أساس لها، لأنّ العقاب يكون عقابا على حقّه، و  ليس العقاب على الحقّ قبيحا.   و بما أنّ إنكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان يبدو في هذا الزمان  غريبا، لأنّ هذه القاعدة لقّنت تلقينا شديدا و متواصلا في الكتب  الدراسية و غيرها منذ أكثر من مائة سنة إلى يومنا هذا، فلهذا لا بدّ  لنا من التغلّب على هذا التركز الذهني الموجود للقاعدة لأجل رفع  الاستيحاش من إنكارها، و بيان أنّها ليست من البديهيات، و  ليست من مدركات العقل الفطري بل إنّما هي من منتجات علم  الأصول. فنتكلم في هذه القاعدة من ناحيتين:   الأولى: من الناحية التأريخيّة، و أنّ هذه القاعدة هل هي من القواعد  التي أدركها العلماء في كلّ عصر و زمان بالنحو المفهوم في هذا  العصر، أو أنّها بهذا النحو لم تكن موجودة في ذهن العلماء قبل  سبعمائة سنة أو أكثر، و نبيّن أنّ هذه القاعدة مستحدثة، اختلف  محدثوها في حدودها و شئونها بنحو يدلّ على أنّها أبعد ما تكون  عن الفطريّة و البداهة.   و الثانية: من الناحية الإثباتيّة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان،   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة64/ الجزء الثالث

 

و بيان المنشأ لالتزام الأكابر بهذه القاعدة، و حلّ هذا المنشأ حلا  صناعيا.   

 

تاريخ البراءة العقليّة:   

أما الناحية الأولى: فالبراءة العقليّة لا نعرف لها عينا و لا أثرا قبل  الشيخ المفيد -قدّس سرّه-. نعم الصدوق رحمه اللّه صرّح بأنّ الأصل  هو الإباحة، لكن كلامه قابل للانطباق على الإباحة الثابتة  بالنصوص و الروايات، و لا يعلم و لا يظنّ بأن يكون نظره إلى  قاعدة عقليّة في المقام.   و أمّا الشيخ المفيد و الشيخ الطوسيّ (قدّس سرّهما) فهما ذهبا إلى  عكس هذه القاعدة، و ذلك في مسألة الحظر و الإباحة، حيث إنّ  هناك مسألة في الأصول القديم و انقطع عنوانها بعد الرسائل - و  هي مسألة الحظر و الإباحة - و قد ذهب علماء الأصول القائلون  بالتحسين و التقبيح العقليين، بأنّ العقل تارة يحكم بقبح الشي‏ء  بمستوى شديد و هو التحريم العقلي، أو بمستوى خفيف و هو  الكراهة، أو بحسنه الشديد و هو الوجوب، أو الخفيف و هو  الاستحباب. و أمّا إذا لم يدرك العقل وجود مصلحة و لا مفسدة. و  لم يتبيّن له شي‏ء يقتضي حسنه و لا قبحه، فهل يحكم العقل هنا  بالقبح و هو الحظر، أو عدم القبح و هو الإباحة؟. وقع الخلاف في  ذلك، و ذهب الشيخ الطوسيّ، و كذا الشيخ المفيد (على ما في  العدة) إلى التوقّف، بمعنى أنّ   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة65/ الجزء الثالث

 

العقل لا يحكم بالثبوت و لا بالنفي، لأنّه شاكّ فلا موجب لحكمه  بأحد الطرفين. و فرّع الشيخ الطوسيّ في (العدة) على التوقّف  وجوب الاحتياط بحكم العقل، لأنّ الإقدام على ما لا يؤمن المحذور  و المفسدة فيه قبيح كالإقدام على ما يعلم بوجود المفسدة فيه.  ففي مقام الحكم و إن كان العقل يتوقّف و لكن في مقام العمل  يلزم المكلّف بالاحتياط، ثمّ يقول: و هذه القاعدة - أي قاعدة  وجوب الاحتياط بحكم العقل - لا نرفع اليد عنها إلاّ بما ثبت في  الشرع من النص القائل عنهم عليهم السلام: (إنّ كلّ شي‏ء حلال  حتى يأتي فيه النهي). و هذا الكلام من الشيخ الطوسيّ الّذي يضيفه  إلى شيخه و هو المفيد (رضوان اللّه عليهما) واضح في خلاف فكرة  قاعدة قبح العقاب بلا بيان.   و أمّا ابن زهرة فبعد مائة سنة بعد الشيخ الطوسيّ رحمه اللّه ذكر  في (الغنية) الحكم بالبراءة العقليّة لكن لا بمعنى قاعدة قبح العقاب  بلا بيان، بل من باب قبح التكليف بما لا يطاق، و من الواضح أنّ  هذا أجنبي عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و لهذا قيل عليه: لما ذا  لا يطاق التكليف بغير المعلوم؟ بل يطاق امتثاله و لو بالاحتياط، و  قد تعرّض الشيخ الأعظم -قدّس سرّه- لكلام ابن زهرة و وجّهه  بأنّ مقصوده من التكليف بما لا يطاق، التكليف بما لا يطاق امتثاله  بقصد الامتثال، لأنّه مع الشكّ لا يتحقّق قصد الامتثال»«. هذا ما  وجّه به الشيخ الأعظم كلام ابن زهرة. فكأنّ ابن زهرة كان يعتقد  بقبح التكليف بما لا يطاق امتثاله بقصد الامتثال.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة66/ الجزء الثالث

 

و على أيّة حال فكلامه - كما ترى - غير مربوط بقاعدة قبح  العقاب بلا بيان.   و أمّا المحقّق الّذي هو من تلامذة تلامذة من كان معاصرا لابن  زهرة و هو ابن إدريس، فقرّب البراءة ببيانين:  

 أحدهما: ما ذكره في أحد كتابيه»«. من أنّ البراءة عبارة عن  استصحاب حال العقل، حيث إنّ الإنسان بحسب حالته السابقة كان  بري‏ء الذّمّة فيستصحب هذه البراءة حتى ترتفع بدليل. و جرى هذا  الكلام في كلام كثير ممّن تأخّر عن المحقّق، و شاع إرجاع البراءة  إلى الاستصحاب، و كانوا يقولون بحكم العقل بالاستصحاب  بلحاظ كاشفيّة الحالة السابقة في نظرهم لا بلحاظ باب الحسن و  القبح، فالبراءة عندهم غير مربوطة بالمعنى الّذي نتكلّم عنه من  قبح العقاب بلا بيان.   

ثانيهما: ما ذكره في كتابه الآخر من أنّ الفقيه يقوم بعمليتين:  

إحداهما: أن يحصر ما هي الأدلّة التي يعتمد عليها الشارع في مقام  إيصال الأحكام كالكتاب و السنّة و الإجماع.  

و الثانية: أنّ يحصل له بالفحص القطع بأنّ هذا الحكم المشكوك لم  يدلّ عليه أي واحد من هذه الأدلّة، و عندئذ يقول:   هذا التكليف غير موجود، لأنّ التكليف بما لا دلالة عليه من قبل  الشارع تكليف بما لا يطاق، فإن قيل: لعلّ هناك دلالة و لم تصل   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة67/ الجزء الثالث

 

إلينا؟ قلنا: هذا خلاف العمليّة الأولى، لأنّنا فرضنا حصر الدلالات.   و فرق هذا الكلام عمّا مضى من كلام (ابن زهرة) أنّه بناء على هذا  الكلام لو فرض احتمال وجود دلالة أخرى لم تصل و بطلت العملية  الأولى، فلا قبح في التكليف، و ظاهر كلام (ابن زهرة) كان هو  دعوى قبح التكليف بما لا طريق لنا إلى العلم به بالفعل. و على أيّة  حال فهذا - كما ترى - غير مربوط بقاعدة قبح العقاب بلا بيان.   و بعد زمان (المحقّق) شاع إدراج البراءة في الاستصحاب، و  ترتّب عليه جعل البراءة من الأدلّة الظنّيّة، حيث إنّ الاستصحاب  عندهم دليل ظنّي فتنزّلت البراءة عن كونها دليلا قطعيا على  الحكم - كما كان يعتقده ابن إدريس - إلى كونها دليلا ظنّيّا عليه،  فحجّيّة البراءة إنّما هي من باب إفادتها الظنّ كما صرّح بذلك  صاحب المعالم و الشيخ (البهائي) في (الزبدة) [1]، فإلى أيّام  صاحب (المعالم) و صاحب (الزبدة) لم يقل أحد بقاعدة قبح العقاب  بلا بيان، و إنّما قالوا بالبراءة من باب الظنّ، و اعترف بذلك  الشيخ الأعظم -قدّس سرّه- في (الرسائل)، فإنّه ذكر: أنّ  

 

_____________________________________________

 

[1] لم أر ذلك بحسب فحصي الناقص في الزبدة. أمّا ما رأيته في  المعالم فهو ما جاء في نقله لأدلّة القائلين بحجّيّة الاستصحاب، حيث  نقل الدليل الرابع من أدلّتهم و هو: (أنّ العلماء مطبقون على وجوب  إبقاء الحكم مع عدم الدلالة الشرعيّة على ما تقتضيه البراءة  الأصلية، و لا معنى للاستصحاب إلاّ هذا).   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة68/ الجزء الثالث

 

ظاهر كلمات صاحب (المعالم) و الشيخ (البهائي) أنّ اعتبار أصالة  البراءة من باب الظّنّ، بل تسرّبت هذه الفكرة إلى بعض المحقّقين  من العصر الثالث كالمحقّق (القمّي) رحمه اللّه حيث نقل عنه الشيخ  الأعظم بعض كلمات توهم بذلك، أو تشعر به.   و قاعدة قبح العقاب بلا بيان إنّما طرحت من قبل الأستاذ الوحيد  -قدّس سرّه- و لدى بعض الممهّدات و الإرهاصات لهذه المدرسة،  و حتى بعد أن طرحت هذه القاعدة و قرّبها الشيخ (محمّد تقي) في  حاشيته على المعالم، و شريف العلماء على ما في تقرير بحثه، و  بعدهما الشيخ الأعظم نابغة هذا العصر في كتابه كان الاتّجاه إلى  فهمها لغويّا لا إلى فهمها عقليّا، و لهذا كانوا يشكّكون دائما في  إطلاقها و عدم إطلاقها، و وقع الإشكال من قبل جملة من  المحقّقين في شمول هذه القاعدة لموارد الشبهة المفهوميّة، كما إذا  قال المولى: (الغناء حرام) و شكّ في حرمة حداء الإبل من ناحية  الشكّ في دائرة المفهوم، لأنّ البيان موجود من قبل الشارع، غاية  الأمر أنّه مجمل. و جاء من تعمّق في هذه القاعدة بشكل أكثر، و  قال: إنّ البيان هنا ليس موجودا، لأنّ مرادنا من البيان ليس ما هو  ظاهر عرفا من الكلام الدالّ على معنى في نفسه، بل الكلام الدالّ  عند السامع، و المفروض أنّ الكلام لم يدلّ عند السامع. انظروا  إلى الأوّلين الذين لم يجروا البراءة في الشبهة المفهوميّة كيف  انساقوا مع طبع ظهور اللفظ و كأنّهم عاملوا معها معاملة الدليل  اللفظي، أو أنّ عقلهم لم يدرك القبح في مثل ذلك، ثمّ جاء آخرون  و قالوا: إنّ القاعدة لا تجري في   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة69/ الجزء الثالث

 

الشبهات الموضوعيّة، لأنّ البيان هو ما يكون راجعا إلى المولى، و  ما يرجع إلى المولى قد تمّ في المقام، و ليس من وظيفة المولى أن  يقول مثلا: هذا خمر، و هذا خمر، و إنّما من وظيفته أن يقول:   الخمر حرام، و قد قال. ثمّ جاء من تعمّق في القاعدة أكثر من ذلك  و قال: ليس المراد بالبيان ما هو ظاهره - أي الكلام الصادر من  الشارع، بل المراد به هو العلم و الوصول - فمرجع القاعدة إلى  قاعدة قبح العقاب بلا علم و بلا وصول، و لا فرق في ذلك بين  الشبهة الموضوعيّة و الشبهة الحكميّة.   إذن، فهذه القاعدة بعد أن طرحت في الكتب الأصوليّة لم تكن  واضحة عندهم، بل كان يقع الإشكال في إطلاقها و عمومها.   و كان المعيار الارتكازي في الإشكال هو ظهور القاعدة، أي  كانوا يعملون معها معاملة الدليل اللفظي، و استظهار شي‏ء منها، و  على أساس الاستظهار كانوا يعلمون أنّ لها إطلاقا أولا.   اذن، فهذه القاعدة و إن عشنا نحن أهمّيّتها و جلالتها إلاّ أنّها  ليست بهذا المستوى من الجلالة في الواقع، و كيف تكون هذه  القاعدة من بديهيات العقل السليم مع أنّها لم تدرك، و لم تذكر من  قبل أحد من العلماء العقلاء إلى أيّام الأستاذ الوحيد رحمه اللّه، و  بعد أن طرحت و ادّعيت ادّعيت بشكل مشوّش و مرتبك، فترى  بين حين و آخر يدّعي بعض خروج بعض الموارد عنها، و الآخر  يدّعي عدم الخروج، كلّ هذا يقتضي أن تكون هذه القاعدة غير  بديهيّة، و إنّما هي - لو كانت صحيحة - نظريّة ثابتة عند بعض  الأشخاص دون بعض، و ليست كما قال المحقّق العراقي رحمه اللّه   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة70/ الجزء الثالث

 

بمستوى لا يتوهم إنكارها ممّن له أدنى مسكة»«.   (إن قلت): كم من المطالب التي لم يدركها المحقّقون السابقون و  أدركها المتأخّرون كوجوه التوفيق بين الحكم الظاهري و  الواقعي، و الفرق بين الواجب المشروط و المعلق، و المطلق و  المنجّز، فليكن ما نحن فيه من هذا القبيل.   (قلت): عدم إدراك السابقين لمثل تلك المطالب يكون لأحد  وجهين:   

الأوّل: دقّة المطلب و عمقه، فتفلسف اجتماع الحكم الظاهري و  الواقعي مثلا ليس إلاّ أمرا دقيقا يناسب عدم إدراك السابقين له  من هذه الجهة، و المفروض أنّ البراءة العقليّة حكم من أحكام العقل  العمليّ المدرك للحسن و القبح، و أمر بديهي فلا يعقل فيه هذا  المنشأ لعدم الإدراك.   

و الثاني: عدم تصوّرهم لأطراف المطلب و التفاتهم إليها حتى  يدركوا حكما في المقام، فلم يكونوا قد تصوّروا انقسام الحكم إلى  واقعي و ظاهري حتى يدركوا وجه الجمع بينهما، و لم يكونوا قد  تصوّروا: أنّ الحكم مشروط تارة و معلّق أخرى، أو مطلق تارة و  منجّز أخرى كي يدركوا الفرق بين المشروط و المعلّق، أو بين  المطلق و المنجّز. لكن الالتفات إلى تصوّرات القضيّة فيما نحن فيه  كان حاصلا لهم، فإنّك تراهم تكلّموا في   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة71/ الجزء الثالث

 

الحظر و الإباحة، و الشكّ في المصلحة و المفسدة، و أنّ الأصل هل  هو البراءة أو الاحتياط، أو هو الحظر أو الإباحة أو التوقف على  اختلاف تعبيراتهم، و ما إلى ذلك [1].   فالذي يتلخّص من كلّ هذا أنّ هذه القاعدة من شئون نفس تطوّر  الفكر الأصولي لا من الأحكام العقليّة البديهيّة.   

 

مناشئ الالتزام بالبراءة العقليّة:   

و أمّا الناحية الثانية: فقد ذكرت البراءة العقليّة في لسان الأصحاب  بتقريبين:   بأحدهما: تقريب ساذج - ذكره جملة من المحقّقين كالشيخ الأعظم  -قدّس سرّه- و غيره ممّن سبقه كشريف العلماء و صاحب الحاشية  على المعالم و من لحقه - و هو أنّنا لمّا نلاحظ الموالي و العبيد  العرفيّين نرى أنّه لو كان للمولى أمر لم يطّلع عليه العبد و لم  يمتثل، فقال له المولى: (لم لم تفعل كذا(؟ يقول له العبد: (ما علمت  بصدور الأمر منك بذلك) فلو قال له المولى:    

_____________________________________________

 

[1] و قد يتّفق أنّ الأمر البديهيّ يقع التشكيك فيه أو الإنكار من  قبل بعض لشبهة حصلت له، كالماركسيّين الذين أنكروا استحالة  اجتماع النقيضين لأجل شبهات حصلت لهم إن كانوا حقّا فاهمين  المعنى الّذي يقصده القائلون باستحالة اجتماع النقيضين، و ما  نحن فيه ليس من هذا القبيل أيضا، فإنّ القدماء الذين لم يعترفوا  بقبح العقاب بلا بيان لم يذكروا أيّ شبهة حول المطلب.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة72/ الجزء الثالث

 

(لم لم تحتط) يقول له العبد: (ما علمت أنّك أوجبت الاحتياط)  فعندئذ - على حدّ تعبير المحقّق الشريف رحمه اللّه تنقطع حجّة  المولى، و ليس للمولى حقّ أن يعاقبه. هذا ما يدركه العقلاء في  أمورهم، و هو المسمّى بقاعدة قبح العقاب بلا بيان.   أقول: كأنّهم فرضوا المولويّة شيئا محدودا معيّنا، فلمّا رأوا جريان  البراءة في المولويّات الثابتة لدى المجتمعات تخيّلوا أنّها لا تنفكّ  عن المولويّة، فأجروها بالنسبة للمولى الحقيقي أيضا، مع أنّه لا  مجال لمثل هذا القياس، لأنّ المولويّة مقولة بالتشكيك، و تفترق  مولويّة اللّه (تعالى) فرقا جوهريّا عن مولويّة الموالي العرفيّة. و  توضيح المقصود: أنّ المولويّة عبارة عن ثبوت حقّ الطاعة، و هو  قد يكون ذاتيّا و لا يحتاج إلى جعل جاعل، و ذلك منحصر في من  هو مالكنا و خالقنا، و قد يكون جعليّا مجعولا من قبل المولى  الحقيقي كمولوية الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام، أو من قبل نفس  الأفراد المولّى عليهم كمولوية السلاطين الذين تمّت سلطنتهم على  يد نفس الرعيّة و باختيارهم، أو من قبل نفس هذا المولى جبرا و  إكراها كمولويّة السلاطين الذين تسلّطوا بالإجبار و الإكراه لا  برضا الرعيّة و رغبتهم، أو من قبل مولى جعليّ آخر فرغ عن  مولويته في المرتبة السابقة، و ينتهي أمر جعل مولويته إلى مولى  من أحد الأقسام الثلاثة الأولى. و المولويّة المجعولة تتبع في سعة  دائرتها و ضيقها نفس جعل الجاعل، و المولويات العرفية تجعل  فيها المولويّة و حقّ الطاعة في خصوص الأحكام المقطوعة، و لذا  لو خالف العبد في غير الأحكام المقطوعة لم   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة73/ الجزء الثالث

 

يكن للمولى عقابه، فيا ترى هل أنّ المولويّة الذاتيّة الثابتة للّه  (تعالى) كتلك المولويّات المجعولة لدى العرف تختص بالأحكام  المقطوعة أو لا؟ و مجرّد ثبوت البراءة في تلك المولويات  المجعولة لا يوجب قياس المولويّة الذاتيّة بذلك.   و في أكبر الظنّ أنّ نكتة اشتباه الأكابر في المقام هي أنّهم لمّا  تخيّلوا أنّ المولويّة شي‏ء واحد محدّد لا يقبل التشكيك تغلّب  وجدانهم في باب المولويات العرفيّة المجعولة على وجدانهم في  باب المولويّة الحقيقيّة، و أوجب ذلك التباس الأمر في نظرهم  الشريف. و الصحيح: أنّ العقل العمليّ في باب مولويّته (تعالى)  يحكم بسعة دائرة المولويّة و شمولها للأحكام المظنونة و  المشكوكة و الموهومة [1]..  

_____________________________________________

 

[1] و قد يتراءى للذهن أنّه من الواضح أنّ المولى (سبحانه) لو لم  يصدّر أمرا بشي‏ء و احتملنا كون ذلك الشي‏ء مطلوبا له رغم عدم  الأمر، لم يجب علينا عقلا الإتيان به، و لم نستحقّ العقاب على  تركه، و ليس هذا إلاّ عبارة عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و لكن  الواقع أنّ هذا قد يكون على أساس أنّ أغراض المولى البالغة في  الضعف مرتبة لا تحرّك المولى نحو بيانها لا يحكم العقل بوجوب  امتثالها، و هذا غير قاعدة قبح العقاب بلا بيان المفروض  جريانها في ما احتملنا صدور الأمر من المولى به، و لكن لم يصلنا  الأمر صدفة لضياع الأخبار أو لأيّ سبب آخر. و قد يقول قائل: إذا  كان المفهوم وفق المولويات العرفية قبح العقاب بلا بيان لضيق  دائرة المولوية فيها، فتتمّ البراءة لديهم، فلو لا منع الشارع عن  العمل بالبراءة في الشرعيات فالناس بطبعهم الأوّلي سيتعدّون  من العرفيات إلى الشرعيات و يعملون بالبراءة فيها، فسكوت  الشارع دليل على إمضاء البراءة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة74/ الجزء الثالث

 

و الثاني: تقريب أعمق من التقريب السابق جي‏ء به على يد المحقّق  النائيني رحمه اللّه و مدرسته، و هو: أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان  مرجعها إلى قاعدة قبح العقاب بلا مقتض للتحريك، و ذلك لأنّ  الأشياء الخارجيّة بوجوداتها الواقعية لا تقتضي العزم و الإرادة في  عالم النّفس، و بالتالي حركة الإنسان نحو ذلك الأمر أو نحو  الفرار منه، و إنّما المقتضي للعزم و الإرادة في عالم النّفس، و  بالتالي لحركة الإنسان نحو ذلك الشي‏ء، أو الفرار منه، إنّما هو  الأشياء الخارجيّة بوجوداتها العلميّة في عالم النّفس، فالعطشان  قد يموت من العطش مع وجود الماء خلفه و هو لا يشربه لأنّه لا  يدري به، و إذا علم بذلك حصل له العزم و أراد تحصيله و تحرك  نحو شربه. و السبع قد يباغت الإنسان فيأكله لأنّه بوجوده  الواقعيّ ليس محركا للإنسان نحو الفرار، و إنّما يكون محرّكا  بوجوده الواصل، فإذا علم به الإنسان فرّ منه. نعم قد يحتاط  الإنسان في غير مورد العلم، فلا يجتاز مسبعة الأسد مثلا، و لكن  هذا يكون بنكتة أخرى واصلة إليه، فالمحرّك  - إلاّ أنّ هذا الكلام لو تمّ فإنّما يثبت البراءة الشرعيّة لا البراءة  العقلية، نعم تثبت بذلك البراءة الشرعيّة التي هي بمستوى البراءة  العقليّة، أي أنّ أدلّة الاحتياط لو تمّت ترفع موضوعها، و لو سقطت  بالتعارض مع روايات البراءة كانت هذه البراءة هي المرجع.   و قد يقال: إنّ هذا الكلام من أساسه غير صحيح، لأنّ الفرق بين  المولويّة الذاتيّة و المولويّات العرفية في السعة و الضيق لعلّه واضح  بالفطرة ممّا يمنع الناس عن التعدّي إلى الشرعيات.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة75/ الجزء الثالث

 

بالآخرة هو الوجود الواصل، و هكذا الحال في التكاليف المولويّة،  فإنّها إنّما تقتضي التحريك بوجودها العلميّ و الواصل في أفق  النّفس دون مجرّد وجودها بحسب الواقع، و بذلك يظهر قبح  العقاب بلا بيان، إذ مع عدم البيان لا مقتضي للتحريك حتى يقول  المولى للعبد: (لما ذا لم تتحرّك)»«؟.   

و التحقيق: أنّ هذا التقريب لا يرجع إلى محصّل. بيان ذلك:   أنّ المحرّك على قسمين: محرّك ذاتي، و محرّك مولوي، و  مقصودنا بالأوّل ما يقتضي التحريك على أساس الملائمة أو  المنافرة لطبع الإنسان بمرتبة من مراتب وجوده من عقله، أو  طبعه الحيواني، أو غير ذلك، و من هذا القبيل تحريك الماء  للعطشان نحو شربه، و تحريك الأسد للإنسان نحو الفرار، و  مقصودنا بالثاني ما يقتضي التحريك على أساس الحسن و القبح،  و حقّ المولى و لا بديّة الطاعة و ترك المعصية بحكم العقل العملي.   أمّا المحرّك الذاتي و هو الملائمة و المنافرة للطبع ففي الحقيقة  إنّما يكون محرّكا بوجوده العلميّ إذا كانت الملائمة و المنافرة  بدرجة تغلب على ما قد يكون في التحرك من التعب و المئونة  مثلا، فالعطشان الّذي لا يجد ماء إلاّ تحت الأرض بالحفر قد يكون  عطشه بمقدار يكون تحمله للعطش أسهل من تحمله لمئونة الحفر،  فلا يتحرّك نحو الحفر، و قد يكون بمقدار يتحرّك نحو الحفر  رغم ما فيه من المئونة و الشدّة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة76/ الجزء الثالث

 

ثمّ الغرض الواصل إلى درجة المحركيّة عند القطع هل يكون  محركا عند عدم القطع أو لا؟ الصحيح: أنّه تارة تفرض الغفلة  نهائيّا عن الأمر كالعطشان الغافل رأسا عن احتمال وجود الماء  خلفه، و عندئذ لا معنى للتّحريك، فإنّ الشي‏ء بمجرّد وجوده  الواقعي لا يكون مؤثرا في النّفس و موجدا للعزم و الإرادة و  بالتالي محرّكا نحو ذلك الأمر، و أخرى يفرض احتماله لذلك لا  غفلته عنه نهائيّا، و عندئذ كون وجوده الاحتمالي الّذي هو أيضا  وصول كالعلم و إن كان بمرتبة نازلة محرّكا أو لا، مربوط  بدرجة اهتمامه بذلك الغرض، فقد لا يكون عطشه بمقدار يحرّكه  نحو النّظر إلى خلفه بمجرّد احتمال وجود الماء خلفه، و قد يكون  عطشه بمقدار يحرّكه نحو حفر الأرض بمجرّد احتمال وجود عين  ماء هناك.   و أمّا المحرّك المولوي و هو حكم المولى فبعد أن عرفت أنّ  التحريك المولوي قائم على أساس الحسن و القبح و حكم العقل بلا  بدّية الطاعة و ترك المعصية عملا بحقّ المولى تعرف أنّ كونه  محرّكا بوجوده الاحتمالي و عدمه متفرّع على مقدار سعة حقّ  المولويّة و تلك اللابدّية، فإن فرض ثبوت حقّ المولويّة في  الأحكام المحتملة ثبت هذا المقتضي للتحريك، و إلاّ فلا، و هذا  ليس مطلبا صناعيّا يجب أن يبيّن في صياغة فنّيّة، و إنّما هو أمر  ساذج يجب أن يراجع فيه كلّ إنسان عقله العمليّ كي يرى أنّه هل  يحكم عقله بحقّ الطاعة في الحكم المشكوك أو لا؟ فأيّ حاجة إلى  ما صنعوه من تطويل المسافة و اصطنعوه   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة77/ الجزء الثالث

 

من صورة الاستدلال و الصناعة للمطلب؟ و نحن نسأل المحقّق  النائيني رحمه اللّه عن مراده بقبح العقاب بلا مقتض للتحريك، فهل  المراد هو المقتضي الذاتي للتحريك، أو المراد هو المقتضي  المولوي للتحريك؟ فإن كان المراد هو الأوّل فانتفاء المقتضي  الذاتي للتحريك لا يقبّح العقاب، و إلاّ لزم قبح عقاب الفسّاق و  الفجّار، إذ لا يوجد لديهم مقتض ذاتي للطاعة و ترك المعصية، و  إن كان المراد هو الثاني، فعدم المقتضي المولوي للتحريك عند  الشكّ أوّل الكلام [1]، فإنّه مربوط بسعة دائرة حقّ المولى و ضيقه.  و نحن نقول بصراحة و بعبارة ساذجة من دون صورة صناعية:  إنّ عقلنا العمليّ يحكم بأنّ المولى له حقّ الطاعة في التكاليف  المحتملة ما لم يرد ترخيص ظاهري من قبل المولى.   هذا تمام الكلام في البراءة العقليّة، و قد ظهر عدم تماميّة ما  استدل به عليها كما ظهر من خلال الكلام المنشأ الّذي أدّى إلى  تكوّن مثل هذا الاعتقاد في أذهان العلماء و المحقّقين، و هو الغفلة  عن ما مضى من الفرق بين حقّ المولويّة الحقيقيّة و حقّ المولويّات  العرفيّة، و عدم الالتفات إلى أنّ المولويّة مقولة بالتشكيك، فقاسوا  تلك المولويّة بهذه المولويات.    

_____________________________________________

 

[1] و من الطريف ما جاء في أجود التقريرات من الاستدلال على  عدم محرّكية الاحتمال بتساوي نسبة الاحتمال إلى طرفي الوجود  و العدم.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة79/ الجزء الثالث

 

أصالة البراءة 2  

البراءة الشرعيّة   

1 - أدلّة البراءة الشرعيّة.   

2 - أدلّة الاحتياط.   

3 - علاج التعارض بين أدلّة البراءة و الاحتياط.   

4 - تنبيهات.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة81/ الجزء الثالث

 

و أمّا المقام الثاني: فيقع فيه البحث عن البراءة الشرعيّة، و هي على  قسمين:   أحدهما: ما يكون في مستوى البراءة العقليّة، أعني البراءة التي أخذ  في موضوعها عدم البيان بنحو يرتفع حتى ببيان الاحتياط، كما  هو الحال في البراءة العقليّة عند من يقول بها.   و ثانيهما: ما يكون في مستوى أرفع، و هو ما أخذ في موضوعها  عدم البيان بنحو لا يرتفع إلاّ ببيان نفس الحكم، فلو لم يبيّن  الحكم لكنّ بين وجوب الاحتياط وقع التعارض بين دليل البراءة و  دليل الاحتياط، و نحن نذكر -إن شاء اللّه- أدلّة البراءة الشرعيّة، و  نشير في كلّ واحد منهما إلى ما يكون على مستوى قاعدة قبح  العقاب بلا بيان، و ما يكون أرقى من القاعدة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة83/ الجزء الثالث

 

أدلّة البراءة الشرعيّة  

 

 البراءة في الكتاب الكريم  

 فمن الأدلّة التي استدلّ بها على البراءة الشرعيّة الكتاب، و فيه  آيات:   

 

الآية الأولى:  

قوله تعالى: لا يكلّف اللّه نفساً إلاّ ما آتاها»« و تقريب الاستدلال  بها أن يقال: إنّ اسم الموصول يحتمل فيه بدوا عدّة احتمالات:   

1 - أن يكون المراد به التكليف - أي لا يكلّف اللّه نفسا   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة84/ الجزء الثالث

 

تكليفا إلاّ التكليف الّذي آتاها - و يكون إيتاء التكليف و إعطاؤه  بمعنى إيصاله إلى المكلّف خارجا.   

2 - أن يكون المراد به المال، و إيتاؤه عبارة عن الرزق - أي لا  يكلّف اللّه نفسا مالا إلاّ المال الّذي رزقه إيّاه .

3 - أن يكون المراد به الفعل. و إيتاء الفعل و إعطاؤه عبارة عن  الإقدار عليه - أيّ لا يكلّف اللّه نفسا بفعل إلاّ الفعل الّذي أقدره  عليه.   

4 - ان يكون المراد به الجامع بين هذه الأمور، و يكون المراد  بالإيتاء إعطاء كلّ بحسبه، فإعطاء التكليف إيصاله، و إعطاء  المال رزقه، و إعطاء الفعل الإقدار عليه.   و الآية الشريفة على الاحتمال الأوّل و الرابع تدلّ على البراءة، و  على الثاني و الثالث أجنبية عنها. و المتعيّن من الاحتمالات هو  الرابع، فإنّ الاحتمال الأوّل و هو إرادة التكليف بالموصول لا  يناسب مورد الآية، إذ في صدر الآية أمر الأزواج أن ينفقوا في  العدّة بمقدار قدرتهم و سعتهم المالية، ثمّ قال: لا يكلّف اللّه نفساً  إلاّ ما آتاها و أمّا الاحتمال الثاني، و هو أن يراد بالموصول المال،  فهو:   

أولا: خلاف إطلاق اسم الموصول في نفسه، و مجرّد خصوصيّة  المورد لا توجب التقييد، غاية الأمر أنّها توجب كون المال قدرا  متيقّنا في مقام التخاطب، و القدر المتيقن في مقام   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة85/ الجزء الثالث

 

التخاطب لا يضرّ بالإطلاق - كما حقّق في محله -.   

و ثانيا: أنّنا يمكن أن نستشعر من سياق الآية أنّ هذه الجملة قد  سيقت مساق بيان كبرى كلّيّة للمورد، فهذا الظهور يناسب  أوسعيّة الكبرى و عدم مطابقتها للصغرى في مدى سعة دائرة  الموضوع [1]. و أمّا الاحتمال الثالث و هو أن يراد بالموصول  الفعل، فهو أيضا خلاف الإطلاق و مقدمات الحكمة، فيتعيّن الرابع،  و به يتمّ الاستدلال بإطلاق الآية الشريفة على البراءة.   و أورد على ذلك الشيخ الأعظم -قدّس سرّه-»«: بأنّه يلزم من حمل  الآية على المعنى الرابع أن يكون اسم الموصول بلحاظ شموله  للتكليف مفعولا مطلقا، لأنّه مادّة الفعل، و بلحاظ شموله للمال أو  للفعل مفعولا به، لأنّه امر آخر مغاير لمادّة الفعل، فتكون هيئة  الربط بين الفعل و المفعول مستعملة في نسبتين متباينتين، لأنّ  نسبة الفعل إلى المفعول المطلق غير نسبة الفعل إلى المفعول به،  فنسبة الفعل إلى المفعول المطلق هي نسبة الشي‏ء إلى طور من  أطواره، و شأن من شئونه، و نتيجة من نتائجه.    

_____________________________________________

 

[1] قلت له (رضوان اللّه عليه): إنّ انتزاع الكبرويّة في المقام  يناسب حتى فرض كون المراد بالموصول خصوص المال، فإنّ  مورد الآية مورد خاصّ من التكليف بالمال المأتيّ، فقال (رضوان  اللّه عليه): نعم، و لكن يختلف مقدار انتزاع الكبرويّة و السعة، و  الابتعاد عن خصوصيّة المورد باختلاف الأذواق.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة86/ الجزء الثالث

 

و أمّا نسبة الفعل إلى المفعول به فهي نسبة المغاير إلى المغاير.   و المفعول به شي‏ء يفرض له نحو من الثبوت في المرتبة السابقة  على طروّ الفعل، كما في ضربت زيدا و درست كتابا، فلزم  استعمال الهيئة في معنيين، و هو كاستعمال اللفظ في معنيين غير  ممكن، أو غير صحيح، فيتعيّن حمل الموصول على المعنى الثالث، و  هو الفعل بعد إن كان حمله على المعنى الأوّل غير مناسب للمورد،  و حمله على المعنى الثاني لا يناسب كلّية الكبرى.   و قد تصدّى (المحقّق العراقي) و (المحقّق النائيني) (قدّس سرّهما)  لدفع هذا الإشكال، فكلّ منهما أجاب بجواب:   أمّا المحقّق العراقي فقد أجاب على الإشكال»«: بأنّنا ننتزع جامعا  بين النسبتين تكون هي نسبة الفعل إلى الجامع بين المفعول  المطلق و المفعول به، و تحمل الآية على هذا المعنى بمقتضى  الإطلاق.   و يرد عليه: أنّه إن أراد بذلك تصوير نسبة ثالثة تكون من حيث  سعة أطرافها و ضيقها بمقدار مجموع النسبتين فتتعين إرادتها  في المقام بالإطلاق و مقدّمات الحكمة. قلنا: إنّ مقدّمات الحكمة لو  أجريت بلحاظ النسبة ورد عليه أنّ هذه النسبة أن تمّ تصويرها في  نفسها مباينة مفهوما للنسبتين الأوّليتين، و مقدّمات   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة87/ الجزء الثالث

 

الحكمة إنّما تجري فيما لو تعيّنت إرادة معنى واحد من اللفظ.   و دار الأمر بين ثبوت قيد إضافي في عالم الثبوت و عدمه، فيدفع  القيد بمقدّمات الحكمة، لا فيما لو كان للفظ معنيان متباينان  أحدهما أوسع صدقا من الآخر و دار الأمر بين إرادة هذا و إرادة  ذاك، كأن نفرض أنّ كلمة الدابّة لها معنيان: أحدهما: الحمار و  الآخر: مطلق ما يدبّ على وجه الأرض، فعندئذ لا يمكننا أن نثبت  بالإطلاق كون المراد هو الثاني، هذا حال إجراء مقدّمات الحكمة  في نفس النسبة كما يقصده المحقّق (العراقي) -قدّس سرّه- [1].   و أمّا إن أريد إجراؤها في طرفي النسبة، حيث إنّهما سعة و ضيقا  يساويان النسبة، فتجري المقدّمات في الطرفين و تثبت بالملازمة  سعة النسبة، ورد عليه: أنّ الطرفين مكتنفان بما يصلح للقرينيّة، و  هو الهيئة المفروض اشتراكها بين نسبة وسيعة و نسبة ضيّقة، و  ضيقها قرينة على ضيق ما أريد من الطرفين.   و إن أراد بذلك: أنّ نسبة الفعل إلى المفعول به و نسبته إلى  المفعول المطلق بينهما جزء مشترك من قبيل اشتراك الإنسان  بين الإنسان الأسود و الإنسان الأبيض، و الهيئة موضوعة لذلك  القدر المشترك و مستعملة فيه من دون فرض نسبة ثالثة في  المقام، و ما به الامتياز لإحدى النسبتين منفيّ بمقدّمات الحكمة،  ورد عليه: أنّ خصوصيات النسب - كما حقّقنا في بحث المعاني  الحرفيّة - مقوّمة لتلك النسب و ذاتيّة لها، و كلّ  

_____________________________________________

 

[1] بل مقصود المحقّق العراقي رحمه اللّه إجراؤها في أطراف  النسبة كما يظهر بمراجعة المقالات و نهاية الأفكار.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة88/ الجزء الثالث

 

نسبة مباينة للنسبة الأخرى مفهوما، فالجامع بينهما لا يكون إلاّ  جامعا انتزاعيّا و معنى اسميّا لا واقع النسبة، فإنّ أيّ واقع نسبة  فرضنا عدم ثبوت خصوصيتي هاتين النسبتين له تكون نسبة  ثالثة مباينة لهما.   و أمّا المحقّق النائينيّ رحمه اللّه فقد أجاب على الإشكال بأنّه إنّما  يلزم كون اسم الموصول في الآية الشريفة مفعولا به و مفعولا  مطلقا لو فرض إرادة التكليف منه بالمعنى المصدريّ مضافا إلى  إرادة المال و الفعل، و لكن يمكن إرادة التكليف منه بمعنى اسم  المصدر، فإنّ التكليف تارة يعتبر بما هو حدث، و أخرى يعتبر  بما هو نتيجة الحدث. و بهذا الاعتبار يكون مغايرا للمعنى الأوّل،  فعندئذ لا يكون مفعولا مطلقا، بل يكون مفعولا به، لأنّ المفعول  المطلق هو ما كان نفس مصدر الفعل و مادّة الفعل، و هذا غير  مادّة الفعل بالاعتبار»«.   و هذا الجواب أيضا غير صحيح، و ذلك لأنّه و إن كان بالإمكان  إيجاد فرد بالاعتبار مغاير للمعنى الحدثي و هو النتيجة، إلاّ أنّ  إطلاق اسم الموصول في نفسه لا يثبت وجود مثل هذا الاعتبار من  قبل المتكلّم، بل لا بدّ من قيام قرينة على اعتبار المتكلّم ذلك حتى  يتمسّك بإطلاق اسم الموصول لشموله، و بكلمة أخرى: أنّ اسم  الموصول يشمل بمقتضى   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة89/ الجزء الثالث

 

الإطلاق كلّ ما هو فرد للمفعول له في نفسه، أمّا حقيقة أو اعتبارا،  فشمول الإطلاق للتكليف متوقّف على كونه فردا للمفعول به في  الرتبة السابقة على الإطلاق، و لم يعلم كونه فردا له لا حقيقة لعدم  المغايرة الحقيقية بينه و بين المصدر، و لا اعتبارا لعدم العلم  باعتبار المتكلّم في المقام فردا مغايرا للحدث يسمّى بالنتيجة.   و التحقيق في المقام: هو أنّ اسم الموصول هنا لا يصحّ جعله مفعولا  مطلقا بقطع النّظر عن محذور الجمع بين النسبتين، و ذلك لأنّ  المستفاد من الآية الشريفة هو أنّ التكليف إنّما يتعلّق بشي‏ء يكون  متّصفا بإيتاء اللّه إيّاه للعبد، و لا يتعلّق بشي‏ء غير متّصف بالإيتاء،  و هذا يعني فرض ثبوت الإيتاء في الرتبة السابقة على التكليف، و  توقّف التكليف على ذلك، فما هو المراد بالموصول يكون أمرا  ثابتا مأتيا بقطع النّظر عن التكليف، و قد تعلّق التكليف به، فكيف  يعقل أن يفرض مفعولا مطلقا ليس له نحو من الثبوت بقطع النّظر  عن فعله، و يكون ثبوته بنفس ثبوت الفعل، و يكون طورا من  أطوار الفعل و نتيجة من نتائجه، كما في ضربت ضربا، و درست  درسا.   و لا منشأ لتوهّم صيرورته في المقام مفعولا مطلقا عدا تخيّل أنّ  المراد بالفعل في قوله: لا يكلّف اللّه هو نفس المراد بالموصول،  أعني التكليف بمعناه الاصطلاحيّ المساوق لجعل الحكم، و ليس  الأمر كذلك، بل المراد به هو التكليف بمعناه اللغوي، و هو جعل  الإنسان في الكلفة و المشقّة   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة90/ الجزء الثالث

 

و تثقيل كاهله، و إنّما يعبّر عن الحكم الشرعيّ بالتكليف باعتبار  التعبير عن السبب بمسبّبه، و بما ينشأ عنه و التكليف بهذا المعنى  اللغوي يتعلّق بالتكليف بمعنى الحكم الشرعيّ على حدّ تعلّقه  بالمال و الفعل - أي أنّه يتعلّق به تعلّق الفعل بالمفعول به، لا  بالمفعول المطلق - لوضوح المغايرة بينهما، إذن فالاسم  الموصول إذا حملناه بالإطلاق و مقدّمات الحكمة على الجامع بين  المال و الفعل و التكليف، كانت نسبة الفعل إليه نسبة الفعل إلى  المفعول به، و لا يلزم من ذلك الجمع بين النسبتين، و بذلك يتمّ  الاستدلال بالآية الشريفة على البراءة تمسّكا بإطلاق الموصول [1].   إن قلت: إنّ الإيتاء و إن كان قد يستعمل في إيصال التكليف  

_____________________________________________

 

[1] و قد جاءت في المقالات، ج 2، ص 53

كلمة مختصرة تشير إلى  إمكان حمل النسبة في الآية على نسبة الفعل إلى المفعول به رغم  فرض شمول إطلاق الموصول للتكليف، و كنت أحدس أنّ هذا  إشارة إلى جواب المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) عن الإشكال،  فالمحقّق العراقيّ -قدّس سرّه- له جوابان عن الإشكال أحدهما: ما  مضى عنه في المتن، و الثاني: ما مضى عن المحقّق النائينيّ رحمه  اللّه في المتن، ثمّ رأيت في نهاية الأفكار التي هي تقرير لبحث  المحقّق العراقيّ رحمه اللّه في القسم الثاني من الجزء الثالث، ص  203

ذكرا لما ذكره أستاذنا الشهيد رحمه اللّه من حمل التكليف  في قوله: لا يكلّف اللّه على معنى الكلفة و المشقّة، و عليه ففي أكبر  الظنّ أنّ تلك الكلمة المختصرة الواردة في المقالات إشارة إلى  ذلك، فللمحقّق (العراقيّ« جوابان على الإشكال: أحدهما ما مضى  عنه، و الثاني حمل النسبة على نسبة الفعل إلى المفعول به بنكتة  حمل التكليف على معنى الكلفة و المشقّة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة91/ الجزء الثالث

 

للإنسان، إلاّ أنّ هذا استعمال مجازي، فلا يمكن إثباته بالإطلاق  في الآية.   قلت: إنّ هذا خلاف الإنصاف، فإنّ الإيتاء بمعنى الإعطاء المضايف  تقريبا للأخذ لا يكون مفهومه مقيّدا بالمصداق المادّي للإعطاء، و  كما أنّ الأمور المادّيّة قابلة للإعطاء و الأخذ كذلك الأمور  المعنويّة قابلة للإعطاء و الأخذ، و يستعمل فيها الإعطاء و الأخذ  بلا عناية أصلا، و قد استعمل الإيتاء كثيرا في القرآن الكريم في  الأمور المعنويّة، كالملك و الحكم و النبوّة و العلم و الهدى و  الرحمة. نعم لم يستعمل صريحا في الأحكام و الفرائض، و لكن لا  يبعد أن يكون هو المقصود في قوله تعالى:   ما آتاكم الرسول فخذوه»«، و كذلك قوله تعالى: خذوا ما آتيناكم  بقوّة»«، فإنّ سياق الحديث القرآني يناسب أن يكون المقصود بما  آتيناكم الشريعة و الأحكام، و فسّر بذلك في الروايات. نعم لعلّ  من الملحوظ في سائر الموارد نكتة كون المأتيّ به في مصلحة  الشخص، و هذه النكتة موجودة فيما نحن فيه - أي الأحكام - فإنّها  خير للبشر و هداية له من الضلالة و العمى إلى السعادة و الرشاد.  و كذلك كلمة الأخذ أيضا التي هي في قبال كلمة الإعطاء و الإيتاء  استعملت في الروايات في الأحكام. كما في قوله: (يونس بن عبد  الرحمن ثقة آخذ عنه   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة92/ الجزء الثالث

 

معالم ديني(؟ و خلاصة الكلام: أنّه ليست هناك أيّ عناية في  استعمال الإيتاء و الأخذ في الأحكام و معالم الدين [1].   إن قلت: أنّ غاية ما يستفاد من الآية هي أنّ اللّه (سبحانه) لا  

_____________________________________________

 

[1] لا ينبغي الإشكال في أنّ الإيتاء الّذي هو بمعنى الإعطاء لا  يختص بالأمور الماديّة، بل يستعمل بمعناه الحقيقي في الأمور  المعنويّة أيضا، و إعطاء كلّ شي‏ء بحسبه، و ليس إعطاء الملك، و  النبوة، و الرحمة و نحو ذلك إلاّ أمثلة لإعطاء الأمور المعنوية و  إيتائها، و لكن الكلام إنّما هو في استعمال الإيتاء بمعناه الحقيقيّ  في مورد الإعلام، و كون الإعلام مصداقا حقيقيّا للإيتاء، و واقع  الأمر هو أنّه حينما ينسب الإيتاء بمعنى الإعلام إلى الأمور الذهنيّة  فلا إشكال في كونه حقيقة، فإنّ إيتاء كلّ شي‏ء بحسبه، و إيتاء  الأمور الذهنية إلى الذهن، أو إعطاؤها إيّاه هو إعلامها إيّاه، و من  هنا كان استعمال الإيتاء في مورد العلم أو الحكمة بأن يقال: (آتاه  اللّه العلم)، أو يقال: (آتاه اللّه الحكمة) استعمالا حقيقيّا. أمّا إذا نسب  الإيتاء إلى واقع خارجي لا إلى الواقع الذهني و قصد به الأعلام و  الإيصال إلى الذهن، فهذا مجاز لا محالة، فإنّ إيتاء الواقع الخارجي  و إعطائه ليس عبارة عن إعلامه، و إعلامه إنّما يكون إيتاء  لصورته الذهنيّة، و من هنا يتّضح أنّ نسبة الإيتاء إلى التكليف  بوصفه معرفة من المعارف و صورة علميّة في ذهن من يعلم به  تكون على نحو الحقيقة لا المجاز. أمّا نسبته إلى واقع التكليف،  بمعنى إعلامه و إيصال صورته إلى الذهن فمجاز. و من هنا يتّضح  أنّ فرض شمول الآية المباركة للإيتاء بمعنى الإعلام لا يتمّ على  نحو الحقيقة، إذ لو فرض شمول (ما) الموصولة في الآية للتكليف  فالمقصود بذلك هو واقع التكليف لا الصورة العلميّة للتكليف، لأنّ  واقع التكليف هو الّذي ينقسم إلى ما علم به، و ما لم يعلم به، فيمكن  حصر ثبوت المشقّة بالقسم الّذي علم به. أمّا الصورة العلميّة  للتكليف فلا تنقسم إلى هذين القسمين، إذن ففرض شمول الإيتاء  في الآية للإعلام خلاف الظاهر، و لا يتمّ الإطلاق عندئذ في  الموصول، و الآية أجنبيّة عن البراءة الشرعيّة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة93/ الجزء الثالث

 

ينجّز على العباد التكاليف إلاّ إذا بيّنها لهم، و هذا غير ما نحن  بصدده، فإنّ كلامنا ليس في فرض عدم البيان من اللّه، و نحن نعلم  أنّ اللّه (تعالى) قد بيّن تمام الأحكام على لسان رسوله صلّى اللّه  عليه و آله و سلّم و الأئمّة الطاهرين عليهم السّلام، و إنّما نشأ  شكّنا في التكليف من ناحية احتمال استتار البيان علينا باعتبار  ظلم الظّالمين. و هذا لا يكون مشمولا للآية الكريمة.   قلت: هذا أيضا خلاف الإنصاف، فإنّ الآية لا تقول: (لا يكلّف اللّه  نفسا إلاّ ما بيّنه في نفسه) بل تقول: لا يكلّف اللّه نفسا إلاّ ما آتاها  فلا بدّ من فرض الإيتاء لكلّ نفس نفس حسب القضيّة الحقيقيّة، فلا  بدّ أن يكون المقصود بالإيتاء هو الإيصال بالمعنى المفيد في  مورد الكلام، لا مجرّد البيان و إن لم يصل.   بقي الكلام في أنّ الآية الشريفة هل تدلّ على البراءة الشرعيّة التي  هي على مستوى البراءة العقليّة عند مدّعيها - أي أنّه يكفي في رفع  موضوعها بيان إيجاب الاحتياط، أو تدلّ على ثبوت البراءة ما لم  يبين نفس التكليف و لم يصل إلى العبد - فلو دلّ دليل على إيجاب  الاحتياط لا على نفس التكليف وقعت المعارضة بينهما.   و التحقيق في ذلك: أنّه لا بدّ أن يرى أنّ النسبة بين الفعل و ما  أثبتنا إرادته من الموصول بالإطلاق و هو التكليف هل هي نسبة  السببيّة، أو نسبة المورديّة؟ فإن كانت النسبة هي نسبة السببيّة  كان معنى الآية: أنّ اللّه (تعالى) لا يوجد كلفة على العباد   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة94/ الجزء الثالث

 

ناشئة من تكليف غير و أصل سواء سمّينا الموصول عندئذ  بالمفعول به أو لا، و إن كانت النسبة هي نسبة المورديّة كان  معنى الآية: أنّ اللّه (تعالى) لا يوجد كلفة على العباد بإزاء تكليف لم  يصل، أي لا يكلفه بذلك الحكم.   فإن فرض الأوّل كفى في ارتفاع موضوع البراءة في حدودها  المستفادة من الآية وصول دليل إيجاب الاحتياط، و لا تعارض  الآية دليل الاحتياط لو تمّ في نفسه، فإنّ الكلفة الحاصلة عندئذ  نشأت من إيجاب الاحتياط الواصل لا من الحكم غير الواصل.   و إن فرض الثاني فالآية بنفسها تنفي إيجاب الاحتياط، و تعارض  دليل إيجابه، لأنّ وجوب الاحتياط ينجّز الواقع و يصحّح العقاب  على الواقع، فيصبح الإنسان مبتلى بالواقع مع انّ الواقع غير مأتيّ  به للإنسان، و هذا خلاف الآية الكريمة الدالّة على أنّ الواقع غير  الواصل لا يقع موردا للابتلاء بالنسبة للمكلّف.   و الظاهر من المعنيين هو الثاني، و كون نسبة الفعل في الآية إلى  الموصول نسبة السببيّة خلاف الظاهر في نفسه، مضافا إلى أنّه لا  يجتمع مع إرادة المال من الموصول، و لا بدّ من كون المال مرادا  من الموصول حتى يلائم مورد الآية، و كون نسبة الفعل إلى المال  نسبة النشوئيّة و السببيّة خلاف الفهم العرفي، فإنّ الذوق العرفيّ  يعتبر المال الواجب إنفاقه موردا للكلفة لا منشأ للكلفة،   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة95/ الجزء الثالث

 

فبقرينة ذلك نعرف أن نسبة الفعل إلى التكليف أيضا في الآية  نسبة المورديّة [1]. هذا تمام الكلام في هذه الآية الشريفة.   و الإنصاف أنّها خير دليل على البراءة الشرعيّة بمعنى لا يرتفع  موضوعه بإيجاب الاحتياط.   و لا حاجة إلى تتميم الاستدلال بالآية، أو تأييده بورود خبر في  المقام، و هو ما رواه (عبد الأعلى)، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه  السّلام: (أصلحك اللّه هل جعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة(؟  قال، فقال: لا، قلت: (فهل كلّفوا المعرفة(؟ قال: (لا) على اللّه البيان،  لا يكلّف اللّه نفسا إلاّ وسعها، و لا يكلّف اللّه نفسا إلاّ ما آتاها.(»«..  و تقريب الاستدلال بهذا الحديث: أنّه و إن كان المفروض في  مورد الحديث هو عدم القدرة، لأنّه نفي وجود أداة ينالون بها  المعرفة و لا بدّ من حمله على معرفة المطالب الإلهية  

_____________________________________________

 

[1] لا يخفى أنّ النسبة النشوية و ان كانت لا تناسب المال و لكنها  تناسب الفعل، و كان أحد محتملات الموصول أن يكون المراد به  هو الفعل، و هذا أيضا يناسب مورد الآية، فإذا فرضنا كون هذا  الاحتمال أظهر من احتمال إرادة المال، لأنّه يحفظ كلّية الكبرى، أو  فرضناه مساويا للاحتمال الأوّل، فإثبات الجمع بينهما بالإطلاق لا  يمكن، لأنّ احتمال نشوية النسبة صالح للقرينيّة على عدم إرادة  المال، إلاّ أنّ يقال: إنّ عدم إرادة المال مع كونه منظورا إليه في  المورد غير عرفيّ رغم كفاية إرادة الفعل في شمول الآية للمورد.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة96/ الجزء الثالث

 

و شئونه (جل جلاله) بنحو التفصيل الّذي يكون خارجا عن قدرة  العباد ما لم يبيّن لهم اللّه (تعالى) تلك التفاصيل، و لكنه إنّما وقع  في الحديث الاستشهاد بالآية الشريفة بعد قوله: (على اللّه البيان)،  و هذا يدلّ عرفا على أنّ الإيتاء في الآية الشريفة شامل للبيان،  كما يكون شاملا للإقدار على الفعل و إعطاء المال، و أنّ الموصول  شامل للتكليف كما يكون شاملا للمال و الفعل، فتدلّ الآية على  عدم التكليف بلا بيان و هو المقصود.   و يرد عليه: أنّ هذا إنّما يتمّ لو كان المقصود بالبيان بيان  التكليف، فالظاهر عندئذ من الحديث هو تعليل عدم كون العباد  ملزمين بالمعرفة بعدم بيان تكليفهم بالمعرفة و الاستشهاد لهذا  التعليل بالآية الشريفة، فالنظر في الاستشهاد بها يكون إلى  عنوان عدم بيان التكليف لا إلى عدم القدرة على المكلف به و إن  كان عدم القدرة أيضا مفروضا في الحديث، لكنّ الظاهر من هذا  الحديث بقرينة الاستشهاد بقوله (تعالى) لا يكلّف اللّه نفسا إلاّ  وسعها هو كون المقصود بالبيان بيان نفس التفاصيل الّذي  تتوقف عليه القدرة على المعرفة، و لا أقلّ من الإجمال، فالنظر  على هذا الفرض في الاستشهاد بالآية ليس إلى عنوان عدم بيان  التكليف الّذي هو الموضوع للبراءة، بل النّظر في ذلك إلى عدم  بيان التفاصيل باعتبار كونه موجبا لعدم القدرة و الوسع،  فالحديث إنّما يكون شاهدا لشمول الآية لباب عدم القدرة على  الفعل.   و على أيّة حال فقد عرفت أنّ الاستدلال بالآية الشريفة   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة97/ الجزء الثالث

 

في نفسه تامّ بلا حاجة إلى فرض ضمّ هذا الحديث.   

 

الآية الثانية:  

 قوله تعالى: و ما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولا»«.   و تقريب الاستدلال بها: أنّ خصوصيّة الرسول ملغاة بحسب  الارتكاز العرفي، و يكون موضوع الحكم المستفاد من الآية عرفا  مطلق البيان، و الرسول إنّما ذكر باعتبار كونه مبيّنا للحكم، إذن  فالآية تدلّ على مضمون قاعدة قبح العقاب بلا بيان.   و قد استشكل في ذلك تارة بأنّ الآية إنّما تدلّ على نفى العذاب لا  على نفي الاستحقاق و عدم الإلزام الّذي هو المقصود، و نفي  الفعليّة أعمّ من ذلك، و أخرى بأنّ المقصود بالعذاب العذاب  الدنيويّ الواقع في الأمم السابقة لا العذاب في الآخرة، و الظاهر أنّ  هذا إنّما استفيد ممّا في الآية الشريفة من التعبير بصيغة الماضي،  إذ ليس هنا شاهد آخر على كون الآية في مقام التحدّث عن الأمم  الماضية و العذاب الواقع في تلك الأزمنة.   و يندفع الأوّل بأنّه إنّما كان له مجال لو كان النفي داخلا على  العذاب ابتداء بأن يقول: (لا نعذّب)، أو (ما عذّبنا) كما هو   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة98/ الجزء الثالث

 

طبع القضية ابتداء في مقام الإخبار عن عدم العذاب، فإنّ ما يقصد  الإخبار عن عدمه يدخل النفي عليه، و العدول عن هذا التعبير إلى  إدخال أداة النفي على مادّة الكون بتعبير نفي كونه معذّبا أو كونه  ليعذّب، فهذا لا يناسب نفي الفعليّة فحسب، بل هذا العدول إلى  التعبير الثاني نكتة في نظر العرف لظهور الكلام في نفي الشأنيّة،  و أنّ كون المتكلم و وجوده لا يناسب هذا الفعل، كما في قولك:  (لم أكن لأخون صديقي)، أو (لم أكن خائنا لصديقي)، أو (لم أكن  لأعصي اللّه)، أو (عاصيا للّه)، و هذا السياق من التعبير في مورد  عدم الشأنيّة وارد في جملة الآيات القرآنيّة [1].    

_____________________________________________

 

[1] قد يقول قائل: إنّ هذا السياق لو كان يناسب نفي الاستحقاق  فحسب لا نفي خصوص الفعلية، لزم عدم مناسبة هذا السياق  للمورد في قوله تعالى: و ما كان اللّه ليعذّبهم و أنت فيهم، و ما  كان اللّه معذّبهم و هم يستغفرون»« بداهة أنّ وجود الرسول صلّى  اللّه عليه و آله و سلّم فيه لا ينفي الاستحقاق، و إنّما ينفي الفعليّة، و  كذلك الاستغفار لا يرفع استحقاق العقاب، و إنّما يرفع فعليّة  العقاب منّة من اللّه (تعالى) على العباد.   و الجواب: أنّ المدّعى ليس هو كون هذا السياق مناسبا لنفي  الاستحقاق فحسب، بل المدّعى كونه مناسبا لنفي الشأنيّة فحسب،  و نفي الشأنيّة في العقاب الأخرويّ يكون بنفي الاستحقاق، إلاّ أنّ  قوله (تعالى): ما كان اللّه ليعذّبهم و أنت فيهم... ينظر إلى العقاب  الدنيويّ، و نفي الشأنيّة في العقاب الدنيوي ليس بنفي   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة99/ الجزء الثالث

 

و من هنا يظهر دفع الوجه الثاني بعد ما عرفت من أنّه لا شاهد  على كون الآية بصدد التحدّث عن العذاب الواقع في الأمم السالفة  عدا التعبير بصيغة الماضي، و وجه الاندفاع هو أنّ التعبير  بالماضي يكون بنكتة أنّ المقصود هو نفي الشأنيّة لا نفى الفعليّة،  و الشأنيّة منفيّة من أوّل الأمر.   على أنّ سياق الآية يناسب أن يكون النّظر إطلاقا، أو اختصاصا  إلى العذاب الأخرويّ، إذ في ما قبل الآية [1] يتحدث عن يوم  القيامة، و في نفس هذه الآية يتكلّم عن قانونين: أوّلهما:   قانون أخرويّ، (قال تعالى): من اهتدى فإنّما يهتدي لنفسه، و من  ضلّ فإنّما يضلّ عليها، و لا تزر وازرة وزر أخرى، و ما كنّا  معذّبين حتى نبعث رسولاً فالقاعدة الأولى هي: أنّ غير العاصي لا  يعذّب بعذاب العاصي، و كلّ شخص تكون هدايته و ضلاله له و  عليه، و هذا من قوانين جزاء الآخرة، بل لا ينطبق  - الاستحقاق فحسب، بل هناك تأثيرات وضعية و نظم خاصّة  مرتبطة بشأنيّة إنزال العذاب في الدنيا، فاللّه (تعالى) يخبر بأنّه  ليس من شأنه إنزال العذاب الّذي هو بدافع هداية الآخرين على  الأمّة مع وجود الرسول فيهم رغم استحقاق الأمّة لما فيه من هلاك  الرسول معهم المرسل لهداية الناس، و ليس من شأنه أيضا إنزال  العذاب في الدنيا و هم يستغفرون، لأنّ العذاب في الدنيا يكون  بدافع الهداية، و الاستغفار هداية و حصول للمقصود، فلا معنى  لإنزال العذاب.   

_____________________________________________

 

[1] و الآيتان اللتان وقعتا قبل هذه الآية ما يلي: و كلّ إنسان  ألزمناه طائره في عنقه، و نخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه  منشورا، اقرأ كتابك، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة100/ الجزء الثالث

 

على عذاب الدنيا أصلا، فإنّ الّذي لا يتعدى العاصي إلى غيره إنّما  هو عذاب الآخرة الّذي بابه باب الحسن و القبح، دون عذاب الدنيا  الّذي بابه باب الآثار الوضعيّة، فقد يكون الأثر الوضعيّ أعمّ و  أشمل من المعصية، و يبتلي به غير العاصي بواسطة عصيان  العاصي، كما صرّحت جملة من الأخبار بذلك، و أشار إليه قوله  (تعالى): و اتّقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة»«. و  القاعدة الثانية هي عدم العذاب من دون بعث الرسول المفروض  التعدّي منه إلى مطلق البيان، فمقتضى السياق كون هذا ناظر أيضا  إلى عالم الآخرة.  

 و التحقيق: مع ذلك كلّه عدم تماميّة الاستدلال بالآية الشريفة على  البراءة الشرعية لا المساوية درجة مع البراءة العقلية و لا الأرقى  منها و ذلك، لأنّ عدم البيان على قسمين: تارة يكون بمعنى عدم  بيان المولى لمطلوبه - أي عدم إبرازه - و أخرى يكون بمعنى  عدم الوصول بعد فرض صدور أصل البيان، و بعث الرسول  يكون من القسم الأوّل من البيان الّذي هو أعمّ من الوصول إلى كلّ  فرد فرد، و بعد فرض عدم الموضوعيّة لبعث الرسول كما يقتضيه  الارتكاز العرفي نتعدّى إلى مطلق البيان بالمعنى الأوّل، فتدلّ  الآية الشريفة على عدم شأنيّة العذاب عند عدم إبراز المولى  لمطلوبه، و هذا ممّا يستقلّ به العقل، فإنّ العقل حاكم بأنّ الغرض  الّذي ليس في أهمّيته لدى   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة101/ الجزء الثالث

 

المولى بدرجة يحرّك المولى نحو إبرازه و تحصيله بالبيان و  يبقى ساكتا عنه لا يجب على العبد تحصيله، و نحن إنّما أنكرنا  قبح العقاب عند عدم البيان بمعنى عدم الوصول، لا بمعنى عدم  الإبراز، و كم فرق بين هذه الآية التي علّقت العذاب على بعث اللّه  (تعالى) للرسول، فدلّت على أنّه يشترط في العذاب صدور البيان  من اللّه، و الآية السابقة التي أضافت البيان إلى النّفس، فدلّت على  اشتراط وصول البيان إلى كلّ نفس نفس، لأنّ القضيّة انحلاليّة.  

 

 الآية الثالثة:   

قوله (تعالى): و ما كان اللَّه ليضلّ قوما بعد إذ هداهم حتى يبيّن  لهم ما يتّقون»« دلّت الآية على عدم مؤاخذة العبد عند عدم البيان،  و هو المقصود بالبراءة، و ليس المراد نفي مجرّد الفعليّة لما  عرفت من أنّ هذا التركيب يستعمل في نفي الشأنيّة، و ليس  المقصود من نفي الشأنيّة نفي إمكان صحّة العقاب ذاتا، حتى يقال:  إننا لم ننكر صحة العقاب ذاتا، إذ قلنا بعدم قبح العقاب بلا بيان،  فيكون العقاب بمجرّد عدم جعل البراءة صحيحا، أو يقال: إنّه يصحّ  العقاب و لو لأجل صحة جعل الاحتياط، و إنّما المقصود من نفي  الشأنيّة أنّه ليس من شأن هذا المولى بما هو مولى رءوف بعباده  أن يؤاخذهم، و يجعلهم في ضيق بلحاظ أمر مّا ما لم يبيّن لهم، و  هذا عرفا من ألسنة بيان   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة102/ الجزء الثالث

 

جعل البراءة و العذر. و قد أورد على الاستدلال بهذه الآية بوجوه:   

الأوّل: سنخ ما مضى في الآية السابقة من أنّها في مقام التحدّث عن  معاملته (تعالى) مع الأمم السابقة في العذاب الدنيويّ، و لا علاقة لها  بعذاب الآخرة.   و قد ظهر جوابه ممّا سبق، فإنّه لا منشأ لذلك عدا الآتيان بصيغة  الماضي، و هذا لا يوجب الحمل على التحدّث عمّا مضى في الأمم  السابقة، فإنّه لمّا كان بصدد نفي الشأنية الثابت من أوّل الأمر  دون الفعلية ناسب الإتيان بصيغة الماضي.   الثاني: أنّ الآية دلّت على نفي قسم من أقسام العذاب لا تمام  أقسامه، و هذا - في الحقيقة - إنّما يرد على أحد الاحتمالين في  الآية. و توضيح ذلك: أنّ الإضلال تارة يفسّر بمعنى النسبة إلى  الضلال كما يقال: (فسّقت زيدا - أي نسبته إلى الفسق -)، و أخرى  يفسّر بمعنى إيجاد الضلال، فعلى الأوّل لا إشكال في دلالة الآية  على البراءة، فإنّ ظاهر قوله: (لا أنسبهم إلى الضلال ما لم يحصل  لهم البيان) هو أنّهم معذورون من قبلي.   و أمّا على الثاني فليس المقصود بالضلال خروج الإنسان من  دائرة التديّن إلى دائرة عدم التديّن الّذي هو مربوط باختيار  نفس الإنسان [1]، و إنّما المقصود نوع من أنواع العذاب و هو -  على حدّ  

 

_____________________________________________

 

[1] بل يحتمل أن يكون هذا مقصودا، و يكون وزان هذه الآية  وزان الآيات الناسبة لهداية الناس و ضلالهم إلى اللّه، و هما بالفعل  منتسبان إلى اللّه بمعنى لا ينافى   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة103/ الجزء الثالث

 

تعبير أصحاب هذا الاحتمال - الخذلان و الطرد عن كثير من  أبواب الرحمة، فالآية دلّت على نفي بعض أقسام العذاب، و لكن لم  تدلّ على نفي العقاب إطلاقا، و لعلّ هذا هو مقصود الشيخ الأعظم  -قدّس سرّه- من قوله: (إنّ توقف الخذلان على البيان غير ظاهر  الاستلزام للمطلب، اللّهم إلاّ بالفحوى(»«.   و الإنصاف: انّ هذا الإشكال أيضا في غير محلّه، فإنّنا إن سلّمنا أنّ  المراد بالإضلال نوع خاصّ من العقاب. قلنا: إنّ الخصوصيّة ملغاة  بالارتكاز العرفيّ، كما كانت خصوصية الرسول في الآية السابقة  ملغاة بذلك، و العرف يفهم من ذلك تعليق طبيعيّ العقاب على  البيان بلا حاجة إلى التمسّك بالفحوى و الأولويّة حتى يستشكل  في ذلك.   الثالث: أنّ هذه الآية إن دلّت على البراءة فإنّما تدلّ على ما يساوق  البراءة العقلية، فإنّ بيان الاحتياط أيضا بيان لما يتّقون، فهذه الآية  لا تعارض دليل الاحتياط، بل يرتفع موضوعها بدليل  الاختيار. و لا يخفى أنّ الآية لو حملت على هذا المعنى، أو على معنى  النسبة إلى الضلال فدلالتها على البراءة ليست بحاجة إلى ضمّ  مقدّمة كون السياق دالاّ على نفى الشأنية لا فعليّة العذاب، و يكفي  في الدلالة أنّها نفت الضلال بمعنى عدم التديّن، و هذا لا يكون إلاّ  مع فرض جعل البراءة. أمّا لو حملت على معنى الخذلان و الضلال  عن رحمة اللّه فنحن بحاجة إلى ضمّ تلك المقدّمة لتتميم الدلالة، لأنّ  نفي فعليّة الخذلان أعمّ من نفي الاستحقاق.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة104/ الجزء الثالث

 

الاحتياط، و حيث إنّ الأصحاب كانوا يعتقدون بقبح العقاب بلا  بيان بحكم العقل لم يكن يهمّهم إثبات ما يساوق البراءة العقلية في  الرتبة بدليل شرعي، و إنّما كان مقصودهم خصوص إثبات  البراءة التي هي أرقى مرتبة من البراءة العقليّة، و لا يرتفع  موضوعها ببيان الاحتياط، فأشكل على هذه الآية بهذا الإشكال:   و هو عدم دلالتها على ما هو أرقى من البراءة العقليّة.   أقول: كأنّ هذا نشأ من تخيّل أنّ المراد بالموصول في قوله ما  يتّقون هو ذات الحكم، فيقال: إنّه لا فرق بين بيان الحكم الواقعيّ و  بيان الحكم الظاهريّ، فبيان وجوب الاحتياط الّذي هو حكم  ظاهري أيضا بيان لما يتّقون و رافع لموضوع الآية.  

 و التحقيق: أنّ الظاهر من الموصول ليس هو الحكم، فإنّ الحكم  ليس ممّا يتّقى منه، و هو ثابت على أيّ حال بجعل الشارع، و إنّما  الّذي يتّقى منه إمّا هو العقاب، و إمّا هو مخالفة الحكم، - أي فعل  الحرام - و المقصود بالموصول ليس هو العقاب، فإنّ الآية جعلت  العقاب متأخرا رتبة عن البيان، و المفروض تعلّق البيان بما  يتّقون، فيحب أن يكون ما يتّقى منه ثابتا في الرتبة السابقة على  البيان و التنجّز، فليس هو العقاب، فيتعيّن الثاني و هو فعل  الحرام، فإذا اتّضح لك أنّه يجب أن يفرض ما يتّقى شيئا ثابتا يتّقى  منه في الرتبة السابقة على البيان و التنجّز، و هو عبارة عن  موضوع المنع الشرعي، قلنا: من الواضح أنّ الّذي يتّقى منه قبل  التنجّز، أي يحسن الاتّقاء منه بمجرد الاحتمال - و إن كان غير  منجز - إنّما هو موضوع المنع   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة105/ الجزء الثالث

 

الواقعي لا موضوع المنع الظاهري، فإنّ الممنوع ظاهرا بما هو  كذلك لا يتّقى منه قبل التنجّز [1]. فالرافع لموضوع الآية أنّما هو  بيان الحكم الواقعيّ، فدلّت الآية على البراءة الشرعيّة بالمرتبة  الأرقى التي لا يرتفع موضوعها ببيان الاحتياط.   و يؤيد ذلك ما ورد في حديثين من تفسير قوله: حتى يبيّن لهم ما  يتقون بأنه حتى يعرّفهم ما يرضيه و ما يسخطه«« [2]، فقد فسّر  الموصول بالموضوع - أي الفعل و الترك -  

_____________________________________________

 

[1] و بكلمة أخرى: أنّ المقصود بالاتّقاء في الآية الّذي يبيّن ليس  هو الاتّقاء من مخالفة التنجيز حتى يقال: لا فرق بين تنجيز الواقع  بوصول الحكم الواقعي و تنجيزه بوصول الحكم الظاهري، فإنّ  المفروض في الآية أنّ التنجيز متأخّر رتبة عن بيان ما يتّقى، و  إنّما المقصود هو نفس الفعل الّذي يحسن اتّقاؤه قبل التنجيز، و  ليس هذا إلاّ ما هو محرّم واقعا.   أقول: حمل الاتّقاء على الاتّقاء الحسن و ليس الاتّقاء الواصل إلى  مستوى اللزوم خلاف الظّاهر، و الظاهر أنّ المقصود ممّا يتّقون  ما يكون مطلوبا للمولى بدرجة اللزوم اتّقاء العبد عنه و هذا قبل  التنجيز لا يكون إلاّ في متعلّق الحرمة الواقعية دون الظاهريّة.   

[2] و الحديث الأوّل ضعيف سندا، فهو ما رواه الكليني رحمه اللّه  عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن ابن فضّال،  عن ثعلبة بن ميمون، عن حمزة بن محمد الطيّار، عن أبي عبد اللّه  عليه السلام في قول اللّه عز و جل: و ما كان اللَّه ليضلّ قوماً بعد إذ  هداهم حتى يبيّن لهم ما يتّقون قال: (حتى يعرّفهم ما يرضيه و ما  يسخطه). و السند إلى ثعلبة بن ميمون تامّ، و لكن حمزة بن محمد  الطيّار   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة106/ الجزء الثالث

_____________________________________________

 

..........  لا يدلّ على وثاقته عدا ما ورد في الكشي بسند تامّ عن هشام بن  الحكم، قال: قال لي أبو عبد اللّه عليه السلام: (ما فعل ابن الطيّار؟  قال، قلت: مات، قال: (رحمه اللّه و لقّاه نضرة و سرورا، فقد كان  شديد الخصومة عنّا أهل البيت). و ما ورد فيه أيضا بسند تامّ عن  أبي جعفر الأحول، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، فقال: (ما فعل ابن  الطيّار(؟، فقلت: توفّي، فقال: رحمه اللّه، أدخل اللّه عليه الرحمة، و  نضرة، فإنّه كان يخاصم عنّا أهل البيت). و لو سلّمنا تماميّة  دلالتهما على التوثيق يبقى الكلام في مدى الوثوق بكون المقصود  بابن الطيّار فيهما هو حمزة بن محمد الطيّار، و قد جزم السيد  الخوئي رحمه اللّه»« بأنّ هذين الحديثين راجعان إلى أبيه محمد  الطيّار، بدليل ما جاء فيهما من موته في زمان الإمام الصادق عليه  السلام. و أمّا حمزة فقد أدرك الإمام الكاظم عليه السلام، و روى  عنه على ما ورد في الروضة من حديث عن حمزة الطيّار، قال:  كنت عند أبي الحسن الأوّل عليه السلام فرآني أتأوّه: فقال ما لك؟  قلت: ضرسي، فقال لو احتجمت فاحتجمت فسكن، فأعلمته، فقال  لي ما تداوى الناس بشي‏ء خير من مصة دم، أو مزعة عسل، قال،  قلت: جعلت فداك ما المزعة عسل؟ قال لعقة عسل»«. و أيضا روى  عن حمزة محمّد بن سنان الّذي لم يدرك الإمام الصادق عليه  السلام على ما ورد في أصول الكافي عن محمد بن سنان، عن  حمزة بن الطيّار، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: (لو بقي اثنان  لكان أحدهما الحجّة على صاحبه(»«، إذن فهاتان الروايتان  المادحتان راجعتان إلى أبيه.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة107/ الجزء الثالث

 

 

_____________________________________________

 

..........  - محمّد بن عبد اللّه الطيّار، و نفهم من هاتين الروايتين أنّ الطيّار  كان لقبا لعبد اللّه أبي محمّد بن الطيّار، كما يؤيد ذلك أيضا ما  رواه في التهذيب، ج 4 ح 9، عن عبد اللّه بن بكير، عن محمد بن  الطيّار و إن ورد نفس الحديث في الاستبصار ج 2، ح 9، عن عبد  اللّه بن بكير، عن محمّد الطيّار»«، و يشهد أيضا لرجوع الروايتين  المادحتين إلى محمّد أبي حمزة لا إلى حمزة ما جاء فيهما من  (مخاصمته عنّا أهل البيت) الدالّ على أنّه كان من المناظرين، و  هذه صفة محمّد لا صفة حمزة بناء على ما رواه الكشيّ عن حمزة  بن الطيّار، قال: سألني أبو عبد اللّه عليه السلام عن قراءة القرآن؟  فقلت ما أنا بذلك، قال: لكن أبوك قال، و سألني عن الفرائض؟  فقلت و ما أنا بذلك، فقال: لكن أبوك، ثمّ قال: إنّ رجلا من قريش  كان لي صديقا، و كان عالما قارئا، فاجتمع هو و أبوك عند أبي  جعفر (عليه السلام)، و قال ليقبل كلّ واحد منكما على صاحبه، و  يسأل كلّ واحد منكما صاحبه، ففعلا، فقال القرشيّ لأبي جعفر  عليه السلام: قد علمت ما أردت، أردت ان تعلمني أن في أصحابك  مثل هذا، قال: (هو ذاك، فكيف رأيت ذلك(؟ أقول: يكفينا في عدم  ثبوت تماميّة الحديث الّذي نحن بصدده الشكّ في أنّ الروايتين  المادحتين - لو تمّت دلالتهما على الوثاقة - هل هما راجعتان إلى  حمزة أو إلى أبيه؟.   و أمّا الحديث الثاني، فهو ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن  محمد بن عيسى، عن يونس، عن حمّاد، عن عبد الأعلى، قال: قلت  لأبي عبد اللّه عليه السلام، أصلحك اللّه هل جعل في الناس أداة  ينالون بها المعرفة؟ قال، فقال: لا، قلت: فهل كلّفوا المعرفة؟ قال:  لا، على اللّه البيان لا يكلّف اللَّه نفسا إلاّ وسعها، و لا يكلّف   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة108/ الجزء الثالث

 

 

_____________________________________________

 

..........  - اللّه نفساً إلاّ ما آتاها قال: و سألته عن قوله: و ما كان اللَّه ليضلّ  قوماً بعد إذ هداهم حتى يبيّن لهم ما يتّقون، قال: (حتى يعرّفهم ما  يرضيه و ما يسخطه). و سند الحديث إلى عبد الأعلى تامّ، و عبد  الأعلى مشترك بين أشخاص عديدين ثبتت وثاقة بعضهم، و لم  تثبت وثاقة بعض آخر، إلاّ أنّه لا شكّ في انصراف عبد الأعلى إلى  أحد شخصين مشهورين

الأوّل: عبد الأعلى بن أعين العجليّ»« الّذي  قال الشيخ المفيد بشأنه في رسالته العدديّة، هو من فقهاء أصحاب  الصادقين عليهما السلام و الأعلام و الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال  و الحرام و الفتيا و الأحكام، و الذين لا يطعن عليهم، و لا طريق  إلى ذم واحد منهم، و هم أصحاب الأصول المدوّنة و المصنّفات  المشهورة. و الثاني عبد الأعلى مولى آل سام، و هو كثير الرواية  و لا دليل على وثاقته»«، و قد ورد حديث صفوان بن يحيى الّذي لا  يروي إلاّ عن ثقة عن عبد الأعلى، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال:  قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم (كلّ معروف صدقة(»«.  إلاّ أنّنا لم نعلم أنّ المقصود به عبد الأعلى مولى آل سام، فلعلّ  المقصود به عبد الأعلى بن أعين، و قد يدّعى وحدة الشخصين -  أي أنّ عبد الأعلى بن أعين هو مولى آل سام و ذلك بدليل ما ورد  في الكافي الجزء 5، كتاب النكاح، باب فضل الأبكار عن عبد  الأعلى بن أعين مولى آل سام، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، و في  التهذيب ج 7، الحديث 1598، عن عبد الأعلى بن أعين مولى آل  سام عن أبي عبد اللّه عليه السلام، و عندئذ قد يجمع بين كون هذا  مولى آل سام، و كون ابن أعين عجليّا، أي مولاهم، كما ورد في  رجال الشيخ، أو بجليّا كما عن بعض   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة109/ الجزء الثالث

 

فإنّه الّذي يرضيه و يسخطه لا بالحكم الشرعيّ، و ما يرضيه و  يسخطه هو الّذي يكون مركزا لمبادئ الإرادة و الكراهة، و هو  متعلقات الأحكام الواقعية لا متعلقات الأحكام الظاهريّة.   و لا يتعدّى العرف في اقتناص النتيجة من هذه الآية من بيان الحكم  الواقعيّ إلى بيان الاحتياط، كما كان يتعدّى من الرسول في الآية  الثانية إلى مطلق البيان و لو عن طريق الرسول، فإنّ من المحتمل  عرفا كونه في مقام بيان عدم جعل الاحتياط، فكيف يتعدّى إلى  بيان الاحتياط؟ و مع عدم التعدّي يتحقّق للآية الظهور في بيان  عدم جعل الاحتياط.    - نسخ رجال الشيخ بافتراض أنّ آل سام يكون من عجل أو بجيلة.   إلاّ أنّ السيّد الخوئي رحمه اللّه ناقش في ذلك بإبداء احتمال أن  يكون عبد الأعلى مولى آل سام غير عبد الأعلى العجليّ، مع  اتفاقهما في اسم الأب - أي أنّ (أعين) كان اسما لعبد الأعلى  العجليّ و لعبد الأعلى مولى آل سام - و ذكر أنّه يشهد للتعدّد أنّ  الشيخ ذكر كلاّ منهما مستقلا في أصحاب الصادق عليه السلام، و  هو أمارة التعدّد و يرى السيّد الخوئي رحمه اللّه»« أنّ اسم عبد  الأعلى من دون تقييد ينصرف إلى عبد الأعلى بن أعين العجلي،  فإن تمّ هذا الانصراف حتى في مقابل عبد الأعلى مولى آل سام لما  مضى عن المفيد رحمه اللّه من أنّه من الأعلام و الرؤساء المأخوذ  عنهم الحلال و الحرام و الفتيا و الذين هم من أصحاب الأصول و  المصنفات المشهورة فقد تمّ سند الحديث الّذي نحن بصدده، و إلاّ  فلا.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة110/ الجزء الثالث

 

الآية الرابعة:  

 قوله تعالى: قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً على طاعم يطعمه، إلاّ  أن يكون ميتة، أو دما مسفوحا، أو لحم خنزير، فإنّه رجس، أو  فسقاً أهلّ لغير اللَّه به، فمن اضطر غير باغ و لا عاد فإنّ ربّك  غفور رحيم»«.   و تقريب الاستدلال بها: أنّ اللّه (تعالى) لقّن نبيّه صلى اللّه عليه و  آله و سلّم كيفيّة المحاجّة مع اليهود فيما يرونه محرّما، و ذلك  بنفي الحرمة بدليل عدم وجدانه فيما أوحي إليه، و فرق بين جعل  الدليل عدم الوجود فيما أوحي إليه و جعله عدم الوجدان، فإنّه على  الثاني يكون ظاهرا في أنّ عدم الوجدان بنفسه كاف للحكم  بالنفي بلا حاجة إلى عدم الوجود، و في خصوص المورد و ان كان  عدم الوجدان مساوقا لعدم الوجود إذ لا يحتمل وجوده فيما أوحي  إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إليه، لكن هذا لا يغيّر من  ظهور الكلام في أنّ العبرة بنفس عدم الوجدان، فيدلّ على عدم  البراءة عند عدم الوجدان.   و التحقيق في المقام: أنّ عدم الوجدان بما هو ليس موضوعا للعذر  كما هو واضح، و إنّما العبرة في الحقيقة بما هو مسبّب عن عدم  الوجدان، و هو عبارة عن أحد أمرين: عدم العلم،   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة111/ الجزء الثالث

 

و العلم بالعدم، فإنّ عدم الوجدان قد يوجب عدم العلم، و قد يوجب  العلم بالعدم، و الحكم بالعذر عند عدم الوجدان يكون في نفسه  ظاهرا في البراءة عند الشكّ، لنكتة إنّ عدم الوجدان غالبا يوجب  عدم العلم لا العلم بالعدم، لكن في خصوص ما نحن فيه يكون  وضوح سببيّة عدم الوجدان للعلم بالعدم لا لعدم العلم نكتة مكتنفة  بالآية صالحة للقرينيّة لكون المراد من الآية بيان معذريّة عدم  الوجدان باعتبار أدائه إلى العلم بالعدم، و بهذا ينهدم ذاك  الظهور.   و لو قطعنا النّظر عن هذا الإشكال قلنا: إنّ عدم الوجدان على  قسمين: أحدهما: عدم الوجدان مع فرض وصول تمام الأحكام إلى  الإنسان و الفحص فيها كما هو الحال في مورد الآية، و عندئذ لا  يتصوّر منشأ لعدم الوجدان إلاّ الغفلة و النسيان و نحو ذلك. و  ثانيهما: عدم الوجدان لأجل عدم وصول قسم كبير من تراث  الشيعة و أخبار الشريعة إلينا لظلم الظالمين، و هذا هو محلّ  الابتلاء غالبا في باب البراءة، و الآية الشريفة بعد تسليم دلالتها  على البراءة إنّما تدلّ عليها في القسم الأوّل، و هو عدم الوجدان مع  فرض حضور تمام الأحكام لدى الإنسان كما هو مورد الآية، و لا  يقال: إنّ مقتضى إطلاق الآية ثبوت البراءة في كلا القسمين، فإنّ  الآية الشريفة لم تكن بصدد بيان الحكم بالبراءة على موضوع  عدم الوجدان حتى يتمسّك بإطلاق الكلام الدالّ على كون عدم  الوجدان تمام الموضوع، و إلاّ لزم نقض الغرض،   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة112/ الجزء الثالث

 

بل إنّما هي بصدد بيان الاحتجاج على اليهود في نفي حرمة ما  حرّموه بعدم الوجدان فيما أوحي إليه صلى اللّه عليه و آله و سلّم و  لو فرض أنّه بحسب الواقع تكون البراءة مختصّة بالقسم الأوّل  الّذي هو مفروض الآية كان الاحتجاج تامّا و الغرض حاصلا، و لا  يلزم نقض الغرض.   و قد تلخّص مما ذكرناه أنّ فهم الآيات الدالّة على البراءة من  القرآن الكريم الّذي هو فهم أدلّة البراءة هي الآية الأولى و الثالثة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة113/ الجزء الثالث

 

حدود البراءة المستفادة من الكتاب:   

و لنبحث الآن عن معرفة حدود البراءة المستفادة من الكتاب  الكريم، فإنّ ذلك في نفسه مفيد، و يفيد أيضا في مقام عرض  أخبار البراءة و الاحتياط على الكتاب الكريم، و ملاحظة النسبة  بين الكتاب الكريم الدالّ على البراءة و أخبار الاحتياط، و هنا  نطرح ثلاثة أسئلة:   

1 - هل البراءة المستفادة من الكتاب الكريم تعمّ الشبهة  الموضوعية و الحكميّة، أو تختصّ بإحداهما؟

2 - هل البراءة  المستفادة من الكتاب الكريم تعمّ الشبهة الوجوبيّة و التحريميّة، أو  تختصّ بإحداهما؟

3 - هل البراءة المستفادة من الكتاب الكريم  تختصّ بما بعد الفحص، أو تعمّ ما قبل الفحص؟ و لنتكلّم في مقام  الجواب على هذه الأسئلة في كلّ واحدة من الآيات الماضية، فنقول:   أمّا الآية الأولى: و هي قوله (تعالى) لا يكلّف اللَّه نفساً إلاّ ما آتاها  فبالنسبة للسؤال الأوّل قد يتخيل أنّها مختصّة بالشبهة الحكميّة،  لأنّ الإيتاء من قبله (تعالى) يكون بالنسبة للأحكام الكلّيّة دون  الموضوعات الخارجيّة، لكن التحقيق: أنّ   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة114/ الجزء الثالث

 

هذا مبنيّ على حمل الإيتاء على إيتائه (تعالى) بما هو مولى لا  إيتائه بما هو مكوّن الكون و معطي كل شي‏ء فان الإيتاء المولوي  هو الّذي يختص بالاحكام و حمل الإيتاء على هذا المعنى خلاف  مورد الآية الّذي هو المال، فلا بدّ من حمله على الإيتاء التكوينيّ  الّذي يعمّ إيتاء المال بمعنى رزقه، و إيتاء الفعل بمعنى الإقدار  عليه، و إيتاء الحكم بمعنى إيصاله، سواء كانت الشبهة حكميّة أو  موضوعيّة.   و بالنسبة للسؤال الثاني لا إشكال في إطلاق الآية للشبهة  الوجوبيّة و التحريميّة، و لا وجه لفرض اختصاصها بإحداهما.   و بالنسبة للسؤال الثالث نقول: إنّها مختصّة بما بعد الفحص، فإنّنا  و إن قلنا: إنّ الإيتاء في الأحكام بمعنى الإيصال لكن الإيتاء إنّما  استعمل في مفهومه الجامع الّذي يكون الإيصال أحد مصاديقه، و  هو الإعطاء الّذي يكون في المال بالرزق، و في الفعل بالإقدار، و  من المعلوم أنّه يكفي في إعطاء الحكم جعله في معرض الوجدان  بحيث لو فتّش عنه لوجده، و لا يتوقّف صدق إعطائه على حصول  هذا التفتيش و الوجدان، و هذا الاختصاص بما بعد الفحص له أثر  كبير في مقام ملاحظة النسبة بين هذه الآية و أخبار الاحتياط، فإنّه  لو كانت الآية مطلقة من هذه الناحية كما كانت مطلقة من النواحي  الأخرى، و كان إخراج ما قبل الفحص منها بحاجة إلى تقييد  خارجي، فأخبار الاحتياط - إن تمّت دلالتها - تتقدّم على هذه  الآية، سواء فرضنا اختصاصها بالشبهات الحكميّة التحريميّة، أو  اختصاصها   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة115/ الجزء الثالث

 

بمطلق الشبهات الحكميّة، أو شمولها للحكميّة و الموضوعيّة أيضا،  فإنّها - على أيّ تقدير - أخص من هذه الآية، إذ الآية إنّما دلّت على  البراءة و نفي الاحتياط بالإطلاق، لكون ما آتاها شاملا بالإطلاق  للمال المرزوق و الفعل المقدور و الحكم المعلوم، فتقيّد الآية  بإخراج الثالث عنها بأخبار الاحتياط، و لكن لمّا كانت الآية  بنفسها مختصّة بما بعد الفحص فأخبار الاحتياط - و لو فرض  اختصاصها بالشبهات الحكميّة التحريميّة - تكون أعم من وجه من  الآية، إذ ما قبل الفحص ليس داخلا في الآية، و هو داخل في إطلاق  أخبار الاحتياط، بل هو قدر متيقن منها.   و أمّا الآية الثانية: و هي قوله (تعالى): و ما كنّا معذّبين حتى نبعث  رسولاً فقد عرفت أنّها إنّما تدلّ على البراءة في فرض عدم صدور  البيان بمعنى أصل الإبراز، و بمجرّد احتمال صدور البيان يرتفع  موضوع التمسّك بها فضلا عن ورود دليل على الاحتياط [1].   و أمّا الآية الثالثة: و هي قوله (تعالى): و ما كان اللَّه ليضلّ  

 

_____________________________________________

 

[1] و بعد فرض التسليم تكون الآية مخصوصة بما بعد الفحص،  فإنّ بعث الرسول ليس كناية عن الوصول النهائيّ، بل كناية عن  حصول البيان في معرض الوصول بحيث لو فحص لوجد البيان،  فإنّ هذا هو شأن الرسول، و ليس شأنه الإيصال النهائيّ، و الآية  مطلقة للشبهات الوجوبيّة و التحريميّة، و مختصّة بالشبهات  الحكميّة، لأنّ شأن الرسول إنّما هو تبليغ الحكم، إلاّ إذا قطعنا  بالتعدّي إلى الشبهات الموضوعيّة كما قطعنا بالتعدّي من الرسول  إلى مطلق البيان، و عهدة دعوى القطع بالتعدّي على مدّعيه.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة116/ الجزء الثالث

 

قوماً بعد إذ هداهم حتى يبيّن لهم ما يتقون فبالنسبة للسؤال الأوّل  نقول: إنّها مختصّة بالشبهة الحكميّة لما فيها من جعل الغاية البيان  الظاهر في الخطاب الّذي هو في دائرة الأحكام، فيكون ذلك  قرينة على كون المغيا هي البراءة في الشبهات الحكميّة.   و بالنسبة للسؤال الثاني قد يقال: إنّها مختصّة بالشبهة التحريميّة،  لأنّ الاتّقاء بمعنى الاجتناب المطعم بالتحذّر و التخوّف، و  الاجتناب يطلق عرفا في باب الأفعال، و شموله للاجتناب عن  الترك يحمل مئونة زائدة.   و على أيّة حال فنحن لا نحتاج إلى إثبات هذا الاختصاص، فإنّ  الآية إن لم تكن مختصّة بالشبهات التحريميّة فلا أقلّ من كون  الشبهة التحريميّة قدرا متيقّنا من نفس مفهوم هذا الكلام، فإنّ  الاتّقاء و الاجتناب إن سلّم شموله للاجتناب عن الترك فشموله له  و للاجتناب عن الفعل ليس على حدّ سواء، بل نسبة المفهوم إلى  المصداق الثاني - أعني الاجتناب عن الفعل أوضح إلى حدّ يجعله  قدرا متيقّنا من نفس الخطاب - و هذا يكفي في ترتّب الفائدة التي  نقصدها من فرض اختصاص الآية بالشبهة التحريميّة التي ستظهر  -إن شاء اللّه-.   و بالنسبة للسؤال الثالث نقول: إنّها مختصّة بما بعد الفحص، فإنّنا  و إن قلنا: إنّ اللام في قوله: يبيّن لهم أوجبت فرقا بين هذه الآية و  الآية الثانية، فجعلتها ظاهرة في إرادة   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة117/ الجزء الثالث

 

الوصول لا مجرّد الوصول، كما في الآية الثانية، لكن ليس  المستفاد عرفا من البيان لهم أن يطرق المولى أبواب بيوتهم و  يخبرهم بالحكم واحدا بعد واحد، و إنّما المستفاد عرفا من ذلك  بيان الحكم بمعنى جعله بين أيديهم بحيث لو فحصوا لوجدوه.   إذن فهذه الآية من أنفس الأدلّة في قبال أخبار الاحتياط بناء على  تماميّة دلالتها، فإنّها أخصّ حتى من أخص مضمون يفترض في  أخبار الاحتياط، و هو ما يختصّ بالشبهة الحكميّة التحريميّة، إذ  يشمل ذلك ما قبل الفحص و ما بعده، و الآية مختصّة بما بعد  الفحص، فتقدّم على دليل الاحتياط بالأخصّيّة، بل لو فرضنا  تساوي الآية و أخبار الاحتياط من هذه الناحية فأخص مضامين  الاحتياط ساقط عن الحجّيّة بمعارضة الكتاب الكريم، فإنّ الخبر  المعارض للكتاب في غير فرض القرينيّة ساقط عن الحجّيّة، كما  حققناه في بحث خبر الواحد.   بل لو سلّمنا كون الآية أعمّ من أخبار الاحتياط أمكن أن يقال: إنّ  سياقها آب عن التخصيص بتقريب أنّ لسانها لسان ما كان اللّه  ليفعل كذا، و ليس من شأننا العذاب قبل البيان، و لا يناسبنا ذلك،  و هذا لا يناسب التخصيص و إخراج بعض الموارد عنه.   و أمّا الآية الرابعة: و هي قوله (تعالى) قل لا أجد فيما أُوحي إليّ  محرّماً على طاعم يطعمه.. فقد عرفت عدم دلالتها   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة118/ الجزء الثالث

 

على البراءة رأسا، إلاّ أنّنا نقول: إنّها - على تقدير دلالتها - تكون  مختصّة بالشبهة الحكميّة، كما أنّها مختصّة بالشبهة التحريميّة، أو  أنّ القدر المتيقّن منها في نطاق نفس العبارة هو الشبهة  التحريميّة، و مختصّة أيضا بما بعد الفحص.   أمّا اختصاصها بالشبهة الحكميّة فلإضافة الوجدان إلى دائرة  الوحي، و ما يوجد في دائرة الوحي إنّما هو الجواب على الشبهات  الحكميّة لا الجواب على الشبهات الموضوعيّة.   و أمّا اختصاصها بالشبهات التحريميّة، أو كونها قدرا متيقّنا منها  فلما ترى من أنّ الشبهة التحريميّة هي مورد الآية بصريح قوله:  محرّماً على طاعم يطعمه فإنّ ألغيت الخصوصيّة عرفا، فكونها  قدرا متيقّنا ممّا لا إشكال فيه.   و أمّا اختصاصها بما بعد الفحص فلأنّه أضاف عدم الوجدان إلى  دائرة الوحي، و ظاهر عدم الوجدان المضاف إلى دائرة مّا هو  عدم الوجدان فيها بعد الفحص، فمثلا لو قيل: ما وجدت هذا الخبر  في الوسائل، فمعناه أنّي فحصت فيه و ما وجدت، لا أنّي لم أجد و  لو من باب عدم الفحص.   الحكميّة.   و بالنسبة للسؤال الثاني قد يقال: إنّها مختصّة بالشبهة التحريميّة،  لأنّ الاتّقاء بمعنى الاجتناب المطعم بالتحذّر و التخوّف، و  الاجتناب يطلق عرفا في باب الأفعال، و   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة119/ الجزء الثالث

 

للاجتناب عن الترك يحمل مئونة زائدة.   و على أيّة حال فنحن لا نحتاج إلى إثبات هذا الاختصاص، فإنّ  الآية إن لم تكن مختصّة بالشبهات التحريميّة فلا أقلّ من كون  الشبهة التحريميّة قدرا متيقّنا من نفس مفهوم هذا الكلام، فإنّ  الاتّقاء و الاجتناب إن سلّم شموله للاجتناب عن الترك فشموله له  و للاجتناب عن الفعل ليس على حدّ سواء، بل نسبة المفهوم إلى  المصداق الثاني - أعني الاجتناب عن الفعل أوضح إلى حدّ يجعله  قدرا متيقّنا من نفس الخطاب - و هذا يكفي في ترتّب الفائدة التي  نقصدها من فرض اختصاص الآية بالشبهة التحريميّة التي ستظهر  (إنّ شاء اللّه).   و بالنسبة للسؤال الثالث نقول: إنّها مختصّة بما بعد الفحص، فإنّنا  و إن قلنا: إنّ اللام في قوله: يبيّن لهم أوجبت فرقا بين هذه الآية و  الآية الثانية، فجعلتها ظاهرة في إرادة الوصول لا مجرّد الوصول،  كما في الآية الثانية، لكن ليس المستفاد عرفا من البيان لهم أن  يطرق المولى أبواب بيوتهم و يخبرهم بالحكم واحدا بعد واحد، و  إنّما المستفاد عرفا من ذلك بيان الحكم بمعنى جعله بين أيديهم  بحيث لو فحصوا لوجدوه.   إذن فهذه الآية من أنفس الأدلّة في قبال أخبار الاحتياط بناء على  تماميّة دلالتها، فإنّها أخصّ حتى من أخص مضمون يفترض في  أخبار الاحتياط، و هو ما يختصّ بالشبهة الحكميّة   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة120/ الجزء الثالث

 

التحريميّة، إذ يشمل ذلك ما قبل الفحص و ما بعده، و الآية مختصّة  بما هو بعد الفحص، فتقدّم على دليل الاحتياط بالأخصّيّة، بل لو  فرضنا تساوي الآية و أخبار الاحتياط من هذه الناحية فأخص  مضامين الاحتياط ساقط عن الحجّيّة بمعارضة الكتاب الكريم، فإنّ  الخبر المعارض للكتاب في غير فرض القرينيّة ساقط عن الحجّيّة،  كما حققناه في بحث خبر الواحد.   بل لو سلّمنا كون الآية أعمّ من أخبار الاحتياط أمكن أن يقال: إنّ  سياقها آب عن التخصيص بتقريب أنّ لسانها لسان ما كان اللّه  ليفعل كذا، و ليس من شأننا العذاب قبل البيان، و لا يناسبنا ذلك،  و هذا لا يناسب التخصيص و إخراج بعض الموارد عنه.   و أمّا الآية الرابعة: و هي قوله (تعالى) قل لا أجد فيما أُوحي إليّ  محرّما على طاعم يطعمه.. فقد عرفت عدم دلالتها على البراءة  رأسا، إلاّ أنّنا نقول: إنّها - على تقدير دلالتها - تكون مختصّة  بالشبهة الحكميّة، كما أنّها مختصّة بالشبهة التحريميّة، أو أنّ القدر  المتيقّن منها في نطاق نفس العبارة هو الشبهة التحريميّة، و  مختصّة أيضا بما بعد الفحص.   أمّا اختصاصها بالشبهة الحكميّة فلإضافة الوجدان إلى دائرة  الوحي، و ما يوجد في دائرة الوحي إنّما هو الجواب على الشبهات  الحكميّة لا الجواب على الشبهات الموضوعيّة.   و أمّا اختصاصها بالشبهات التحريميّة، أو كونها قدرا   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة121/ الجزء الثالث

 

متيقّنا منها فلما ترى من أنّ الشبهة التحريميّة هي مورد الآية  بصريح قوله: محرّماً على طاعم يطعمه فإن ألغيت الخصوصيّة  عرفا، فكونها قدرا متيقّنا ممّا لا إشكال فيه.   و أمّا اختصاصها بما بعد الفحص فلأنّه أضاف عدم الوجدان إلى  دائرة الوحي، و ظاهر عدم الوجدان المضاف إلى دائرة مّا هو  عدم الوجدان فيها بعد الفحص، فمثلا لو قيل: ما وجدت هذا الخبر  في الوسائل، فمعناه أنّي فحصت فيه و ما وجدت، لا أنّي لم أجد و  لو من باب عدم الفحص.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة122/ الجزء الثالث

 

البراءة في الأخبار:   

و ممّا استدل بها على البراءة الشرعيّة الأخبار:   

 

1 - رواية: »كلّ شي‏ء مطلق...«:   

فمنها: ما روي عن الصادق عليه السلام من أنّه قال: (كلّ شي‏ء مطلق  حتى يرد فيه نهي(»«. و التقريب الابتدائي للاستدلال بذلك هو أنّه  عليه السلام ذكر: أنّ كلّ شي‏ء محكوم بالإطلاق و السعة ما لم يرد  فيه النهي، و هذا هو مفاد البراءة المبحوث عنها في هذا المقام. و  تفصيل الكلام في هذا الحديث يقع في جهتين: إحداهما في الدلالة،  و الأخرى في السند.   أمّا الجهة الأولى: فتماميّة دلالة الحديث في المقام تتوقّف على  كون المراد من الورود الوصول لا الصدور، و إلاّ لدلّ الحديث على  البراءة قبل الصدور التي هي خارجة عن محل كلامنا، و لو سلّمنا  كون المراد بالورود هو الوصول، فدلالة الحديث على البراءة  بالدرجة الثانية التي لا يرتفع موضوعها ببيان وجوب الاحتياط  تتوقّف على أن يكون المراد بالنهي المأخوذ غاية في الحديث هو  النهي الواقعيّ، لا ما يشمل النهي   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة123/ الجزء الثالث

 

بعنوان إيجاب الاحتياط، و إلاّ لارتفع موضوع البراءة المستفادة  من هذا الحديث ببيان إيجاب الاحتياط، فهذان الأمران لو تمّا، دلّ  الحديث على البراءة بالدرجة الثانية - أي التي لا يرتفع موضوعها  ببيان إيجاب الاحتياط -. و لو تمّ الأوّل فقط، دلّ على البراءة  بالدرجة الأولى - أي التي تكون في مرتبة البراءة العقلية -، و التي  يرتفع موضوعها ببيان إيجاب الاحتياط - و لو لم يتمّ الأوّل، لم  تتمّ دلالة الحديث على البراءة لا بالدرجة الثانية و لا بالدرجة  الأولى، فلا بدّ من تحقيق حال هذين الأمرين:   أمّا الأمر

الأوّل: فقد ذهب السيد الأستاذ إلى أنّ المراد بالورود  هو الوصول لا الصدور. و تقريب ذلك: أنّ الإطلاق المذكور في  هذا الحديث لا يخلو حاله عن أحد احتمالات ثلاثة:   الاحتمال

الأوّل: ما احتمله المحقّق النائينيّ رحمه اللّه من الإطلاق  العقليّ المقابل للحرج العقليّ، بحيث يكون محصّله هو حكم العقل  بقبح العقاب بلا بيان، فالحديث ليس إلاّ إرشادا محضا إلى حكم  العقل من دون إعمال للمولويّة.   الاحتمال الثاني: الإباحة المجعولة من قبل المولى - بما هو مولى -  إباحة واقعيّة.   الاحتمال الثالث: الإباحة المجعولة بنحو الحكم الظاهريّ. و ما هو  المدّعى و محلّ البحث في المقام إثباتا و نفيا هي الإباحة بالمعنى  الثالث، و عندئذ يقال:   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة124/ الجزء الثالث

 

إنّ المعنى الأوّل مخالف لظهور الخطاب الصادر من المولى في  المولويّة. و المعنى الثاني غير صحيح على كلا التقديرين في معنى  الورود - أي سواء أريد به الوصول أو الصدور - فإنّه لو أريد به  الوصول، لم يكن مجال للمعنى الثاني، لأنّ الحكم الواقعيّ لا يؤخذ  في موضوعه عدم العلم بحكم واقعيّ آخر، و إلاّ لزم عند ثبوت  ذلك الحكم الآخر واقعا اجتماع حكمين واقعيّين و هو محال. و لو  أريد به الصدور، لم يكن أيضا مجال للمعنى الثاني سواء أريد  تعليق الحلّيّة الواقعيّة - المقصود بها مطلق ما يقابل الحرمة، لا  الإباحة بالمعنى الأخصّ - على عدم الحرمة، أو أريد مجرّد بيان  الملازمة بينهما، فإنّه إن أريد الأوّل، فقد أريد المحال، لاستحالة  توقّف أحد الضدّين على الآخر. و إن أريد الثاني كان لغوا و  فضولا من الكلام من قبيل أن يقال: كلّ شي‏ء متحرّك حتى يسكن،  أو كلّ شي‏ء ساكن حتى يتحرّك، فتعيّن المعنى الثالث و هو  الإباحة الظاهريّة، و يكون ذلك قرينة على أنّ المراد بالورود هو  الوصول لا الصدور، فإنّ الصدور لا يرفع موضوع الحكم  الظاهريّ، و هو الشكّ في الواقع، و إنّما يرتفع موضوعه  بالوصول.   أقول: إنّ هنا احتمالا لم يبطل بهذه الإشكالات، و هو أن يكون  الحديث في مقام بيان الملازمة بين الحلّيّة الواقعيّة و عدم صدور  النهي بمعنى الخطاب الخارجيّ، لا بمعنى الاعتبار النفسانيّ، أو  المبغوضيّة. و هذا ليس فضولا من الكلام و بيانا للملازمة بين أحد  الضدّين و عدم الآخر مع وضوح ذلك، و إنّما   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة125/ الجزء الثالث

 

هو إخبار عن أنّه مهما لم يصدر من المولى خطاب، فالحكم الثابت  في عالم الثبوت، هو الحلّ في مقابل أن يحتمل شخص - بالرغم  من عدم صدور خطاب بالحرمة - أن يكون الحكم في عالم  الثبوت هو الحرمة [1].   إلاّ أنّ هذا الاحتمال أيضا مدفوع عندنا، و ذلك لأنّ حمل النصّ  على بيان الملازمة بين الحلّ و عدم ورود النهي لا التعليق خلاف  الظاهر، فإنّ الظاهر من ذكر المولى حكما مع تقييد مدلول كلامه  بشي‏ء كون ذلك الشي‏ء موضوعا لذلك الحكم، لا ملازما لموضوعه  مثلا.  

 و التحقيق: أنّ هذا الوجه - حتى مع هذه الضميمة في المقام - لا يتمّ،  و لا يمكن إبطال جميع الاحتمالات سوى  

 

_____________________________________________

 

[1] جاء في مصباح الأصول الجزء الثاني، ص 281 جواب على هذا  الاحتمال، و هو أنّ هذا الاحتمال إنّما يناسب زمن الرسول صلى  اللّه عليه و آله و سلّم الّذي هو زمان تكميل التشريع بالتدريج،  فيقال: كلّ ما لم يرد فيه النهي فهو حلال، و لا حاجة إلى السؤال و  الفحص عن حكمه. أمّا في زمان الصادق (عليه السلام) فالمفروض  أنّ التشريع مكتمل، و الشكّ إنّما يكون بلحاظ الشكّ في الورود،  و يجب فيه الفحص، و حمل الرواية على عصر الرسول صلّى اللّه  عليه و آله و سلّم خلاف الظاهر، فإنّ ظاهر قوله: (كلّ شي‏ء مطلق)  هو الإطلاق الفعليّ و الإباحة الفعليّة بلا تقييد بزمان دون زمان.   أقول: إنّ هذا البيان يرد عليه ما سيورده أستاذنا الشهيد رحمه  اللّه في المتن قريبا من الجوابين على إشكال أورده على ما لديه  من احتمال معنى رابع للإطلاق و الإباحة، فراجع.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة126/ الجزء الثالث

 

الاحتمال المساعد على المقصود، و ذلك لوجهين:   

الأوّل: أنّ هنا معنى رابعا للإطلاق و الإباحة، و إن شئت جعلته شقّا  ثانيا لما مضى من المعنى الثاني، و هو الإباحة الواقعيّة. و توضيح  ذلك: أنّ المولى تارة يفرض أنّه اطّلع على المفسدة في أمور، و  عدم المفسدة في أمور، فحرّم القسم الأوّل، و أحلّ القسم الثاني،  فهذه حرمة واقعيّة حقيقيّة مع ما يقابلها من حلّيّة واقعيّة حقيقية، و  أخرى يفرض أنّه بعد أن شرّع التحريمات و الإباحات رأى أنّه قد  يختفي على العبد ما شرّعه مولاه و يشكّ في ذلك، ففي ظرف  الشكّ في ذلك إمّا أن يوجب عليه الاحتياط، أو يرخّصه في الترك،  و هذه هي الحرمة الظاهريّة مع ما يقابلها من الحلّيّة الظاهريّة، و  ثالثة يفرض أنّه لم يشرّع بعد تمام أحكامه إمّا لأنّه لم يتأمّل بعد  في تمام الأمور حتى يقف على ما يشتمل على المفسدة و ما لا  يشتمل عليها، أو أنّه و إن تأمّل في تمامها - أو لا يحتاج أصلا إلى  التأمّل كما في مولانا (سبحانه و تعالى) - إلاّ أنّ هناك مصلحة في  التدرّج في تشريع الأحكام مثلا كما هو الواقع في أحكام شريعتنا،  فعندئذ - قبل أن يتمّ تشريعاته - قد يفرض أنّه يحرّم على العبد  كلّما لم يصدّر بعد حكمه احتياطا منه و حفظا لعبده عن ارتكاب ما  فيه المفسدة قبل تماميّة التشريع. و هذا ليس من التحريمات  الواقعيّة المتعارفة، لعدم نشوئه من المفسدة في نفس الشي‏ء  المحرّم بالخصوص، و ليس تحريما ظاهريا لعدم كون موضوعه   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة127/ الجزء الثالث

 

الشكّ في الواقع و المفروض عدم ثبوت واقع بعد وراء هذا الحكم.  و بكلمة أخرى: أنّ هذا تحريم أنشأه المولى احتياطا منه، لا أمر  باحتياط العبد في مقام التحذّر عمّا حرمه المولى حتى يكون حكما  ظاهريّا، و كم فرق بين تكليف المولى احتياطا منه و بين التكليف  بالاحتياط، فهذه حرمة احتياطيّة متوسّطة بين الحكم الواقعيّ و  الظاهريّ أنشئت تحفظا على ملاكات الترك، و إن شئنا عبّرنا عن  ذلك بالحكم الواقعيّ الطريقيّ في قبال الأحكام الواقعيّة المتعارفة  الحقيقية. و في قبال هذه الحرمة حلّيّة من سنخها، و هي ترخيص  المولى و عدم تحفّظه على تلك الملاكات قبل إصدار الحكم، فهذه  حلّيّة موضوعها عدم ورود النهي بمعنى الصدور لا بمعنى الوصول  يحتمل أن تكون هي المقصود من هذا الحديث.   إن قلت: إنّ هذا الحديث إنّما ورد بعد بيان تمام الأحكام، إذ هو  وارد عن الصادق عليه السلام، و ليس واردا في عصر التشريع  الّذي كان يتمّ بالتدريج.   قلت:

أولا: أنّ تشريع الأحكام - على ما يشهد له بعض الأخبار -  كان متدرّجا حتى بلحاظ زمان الأئمة المعصومين عليهم السلام  [1]، حتى أنّ بعض الأحكام استبقي  

 

_____________________________________________

 

[1] لعلّه رحمه اللّه ينظر إلى بعض الروايات الواردة في أصول  الكافي، ج 1 كتاب الحجّة باب التفويض إلى رسول اللّه صلّى اللّه  عليه و آله و سلّم، و إلى الأئمة عليهم السلام في أمر الدين، 265 -  268.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة128/ الجزء الثالث

 

لزمان ظهور الحجّة عجّل اللّه تعالى فرجه [1].   

و ثانيا: أنّ مقصود الحديث هو بيان شأن من شئون الشريعة في  نفسها، و لا يضرّ فرض عدم بقاء موضوع لذلك بعد عصر  الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم.  

الثاني: أنّنا لو غضضنا النّظر عمّا عرفته من المعنى الوسط بين  الإباحة الواقعيّة و الإباحة الظاهريّة، قلنا: إنّ من الممكن حمل  الإطلاق في هذا الحديث على الإباحة الواقعيّة و الورود على  الصدور، و لا يلزم من ذلك محذور تعليق أحد الضدّين على عدم  الآخر، و لا محذور اللّغوية و توضيح الواضحات، و ذلك لأنّه لم  يعلّق ملاك الإباحة على عدم ملاك الحرمة حتى  

 

_____________________________________________

 

[1] لعلّه رحمه اللّه ينظر إلى ما في البحار ج 52، ب 27 من تاريخ  الإمام الثاني عشر، ج 2، ص 309، عن أبي حمزة عن أبي عبد اللّه  عليه السلام، و أبي الحسن عليه السلام قالا: (لو قد قام القائم لحكم  بثلاث لم يحكم بها أحد قبله، يقتل الشيخ الزاني، و يقتل مانع  الزكاة، و يورّث الأخ أخاه في الأظلّة - قيل يعني عالم الأرواح و  الأشباه قبل هذا العالم -)، و أيضا ورد في البحار، ج 52، ب 27 من  تاريخ الإمام الثاني عشر، ج 9، ص 332، عن أبي خديجة، عن أبي  عبد اللّه عليه السلام قال: (إذا قام القائم جاء بأمر غير الّذي كان).   و أيضا وردت في الكافي روايات في أنّ الإمام صاحب الزمان  عجّل اللَّه فرجه سيحكم بالواقع لا بالبيّنات و الأيمان. راجع أصول  الكافي، ج 1، باب (في أنّ الأئمة عليهم السلام إذا ظهر أمرهم  حكموا بحكم داود و آل داود، و لا يسألون البيّنة)، ص 397، و  398. و لكن أكثر الروايات الراجعة إلى الحجّة عجّل اللّه فرجه أو  كلّها تدلّ على تبدل التشريع بالنسبة له، لا على فراغ في التشريع  يكتمل في زمانه.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة129/ الجزء الثالث

 

يقال: إنّهما متضادّان، أو متناقضان، و لا يعقل تعليق أحدهما على  عدم الآخر، بل علّقت نفس الإباحة على عدم ورود النهي، و النهي  معناه الخطاب و التبليغ من قبل الشارع، فلعلّ هذه الرواية تكون  بصدد بيان أنّ الملاكات الواقعيّة للحرمة لا تؤثر في الحرمة ما لم  يتصدّ الشارع للتبليغ من قبله و يجعل الخطاب على طبقها - أي أنّ  صدور التبليغ من قبل الحجج قيد في تماميّة ملاك التحريم - [1]. و  فائدة ذلك أنّنا لو اطّلعنا عن طريق العقل على ملاك للحرمة من  دون صدور الخطاب من الشارع، لم نحكم بقاعدة الملازمة  بالحرمة شرعا. و هذا سنخ ما ذكره الشيخ الأعظم -قدّس سرّه-  في توجيه كلام الأخباريّين الذين ذكروا: أنّ القطع المستند إلى  الدليل العقلي ليس حجّة، من أنّه لعلّ مرادهم أنّ توسيط الحجج له  دخل في تماميّة موضوع الحكم - أي أنّ الملاكات اللّزوميّة الواقعيّة  لا تتمّ إلاّ إذا فرض وقوع التبليغ على طبقها -، و هذا مطلب مفيد  ليس من باب توضيح الواضحات، و ليس أمرا غير معقول، فبقي  إجمال كلمة (الورود) على حاله، فلا بدّ من تحقيق حال كلمة  (الورود) في  

 

_____________________________________________

 

[1] قد يقال: إنّ التبليغ لو كان قيدا في تماميّة ملاك التحريم لم  يبق للمولى داع إلى التبليغ.   و الجواب: أنّ التبليغ قد يكون دخيلا في تحصيل الملاك لا في أصل  عنصر المطلوبيّة، فيتمّ التبليغ بداعي تحصيل الملاك، و في نفس  الوقت نقول: لو لا التبليغ لانتفى الحكم، لأنّ العلم بمتعلّق الحكم  قبل التبليغ لا يحقّق الملاك المطلوب. و أمّا المحذور العقليّ في  تصوّر دخل تبليغ الحكم في الحكم، فهو من قبيل محذور دخل  العلم بالحكم في الحكم، ينحلّ بمثل القول بدخل تبليغ الجعل في  المجعول.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة130/ الجزء الثالث

 

نفسها دون تحقيق كلمة الإطلاق أوّلا، و تفسير الورود على ضوئه  كما فعله السيّد الأستاذ.   و تحقيق الحال في ذلك: أنّه و إن كان ظاهر كلام المحقّق  الخراسانيّ رحمه اللّه المناقشة في دلالة الحديث بإبداء احتمال  حمل الورود في المقام على معنى الصدور، إلاّ أنّه بالإمكان أن  يقال: إنّ استعمال كلمة (الورود) في الصدور محضا بلا ملاحظة  شي‏ء يتحقق وصول الورود إليه و انتهاءه إليه غير صحيح بحسب  الاستعمالات العرفية، و لذلك يقال في كتب اللّغة: إنّ الورود في  قبال الصدور، فهناك فرق لغة و عرفا بين الورود و الصدور،  فالصدور تلحظ فيه جهة المبدأ الّذي يصدر منه الصادر، و الورود  تلحظ فيه جهة المنتهى الّذي ينتهي إليه الوارد.   و الشاهد على هذا موارد الاستعمالات، ففي مورد لا تلحظ هناك  جهة للانتهاء إليها و الوصول إليها لا يعبّر بكلمة الورود.   هذا المطلب قريب، إلاّ أنّه مع هذا لا يكفي في مقام دفع الإجمال، بل  يبقى الإجمال أيضا على حاله، لأنّ غاية ما يتحصّل من مثل هذه  الدعوى، هي أنّ استعمال كلمة (الورود) بحاجة إلى جهة ينتهى  إليها. و أمّا الوصول بالمعنى الّذي يفيدنا و الانكشاف و علم العبد  بالحكم فهو ليس معنى (الورود) جزما، و يمكن أن نتصوّر في  المقام جهة ينتهي إليها النهي تصحيحا لاستعمال كلمة (الورود) من  دون أن يكون ذلك مساوقا لوصول الحكم إلى هذا الفرد من  المكلّف بالخصوص، أو ذاك، و ذلك لوجهين:   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة131/ الجزء الثالث

 

 

الأوّل: أن تكون تلك الجهة الملحوظة نفس الشي‏ء المنهيّ عنه لا  المكلّف، و على هذا يكون قوله: (حتى يرد فيه نهي) بمعنى: حتى  يرده النهي، كقولنا: ورد في المشرعة - أي ورد المشرعة -.   الثاني: أن تكون تلك الجهة نفس المكلّف، لكنّ المكلّف هنا لم يدلّ  عليه لفظ حتى يقال: إنّ لفظ المكلّف اسم جنس، و هو ظاهر في  الانحلال، فلعلّ المنتهى إليه هو الأمة باعتبار ملاحظتها بنحو  العموم المجموعيّ، فكأنّه قيل: كلّ شي‏ء مطلق حتى تبلّغ الأمة  بتحريمه. و تبليغ الأمة بنحو العموم المجموعيّ عبارة عن تبليغ  أبعاضها و أجزائها، و قراءة الحكم عليهم، لا التبليغ إلى كلّ فرد  من أفرادها كما يقال: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم و  الأئمة عليهم السلام بلّغوا الأمة بتمام الأحكام مع أنّهم لم يذهبوا  إلى كلّ فرد مكلّف و يبلّغوه بتمام الأحكام.   فاتّضح أنّ صياغة الإشكال ينبغي أن تغيّر عن النحو الموجود في  الكفاية و غيرها من الكتب من تردد أمر الورود بين الصدور و  الوصول، فإنّ استعمال الورود في الصدور محضا من دون  ملاحظة جهة ينتهي إليها الورود لعلّه غير صحيح بحسب  الاستعمالات العرفيّة، و إنّما الإشكال يكون من ناحية تحقيق الجهة  التي ينتهى إليها.   و أمّا الأمر الثاني: فالتحقيق أنّه لو سلّمنا أنّ الورود في الحديث  بمعنى الوصول، قلنا: إنّ الحديث دالّ على البراءة   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة132/ الجزء الثالث

 

بالدرجة الثانية، لتماميّة الأمر الثاني، و هو كون النهي هنا بمعنى  النهي الواقعيّ.   و توضيح ذلك: أنّ ظاهر الحديث هو كون مصبّ النهي الّذي جعل  غاية، و مصبّ الإطلاق الّذي جعل مغيا واحد.   و مصبّ الإطلاق في هذا الحديث و إن كان مركّبا من جزءين: ذات  الشي‏ء، و عدم وصول النهي، لكنّ الجزء الثاني ليس مستفادا من  نصّ المغيا، أعني قوله: (كلّ شي‏ء مطلق)، و إنّما استفيد ذلك في  طول فرض الغاية، أعني قوله: (حتى يرد فيه نهي)، فظاهر ذلك  تعليق الغاية، و هي النهي بالجزء المستفاد من الصدر الّذي جعل  مغيا من دون دخل الجزء الآخر، لأنّه مستفاد في طول فرض هذه  الغاية، فلا تكون الغاية ناظرة إليه، و هو موضوع الإطلاق و  الإباحة بقطع النّظر عن ربط الغاية و هو ذات الشي‏ء، كشرب  الدخان مثلا، لا عنوان الشي‏ء الّذي لم يرد فيه النهي و شكّ في  النهي عنه. و يتحصّل من ذلك: أنّ الغاية هي النهي الواقعيّ، لا ما  يشمل النهي الظاهريّ، لأنّ النهي الظاهري موضوعه هو عنوان  الشي‏ء الّذي لا يعلم النهي عنه، لا ذات الشي‏ء - أي ذات شرب  الدخان مثلا -.   إلاّ أنّ تماميّة الأمر الثاني لا تنفع في المقام بعد أن لم يتمّ الأمر  الأوّل. فلم تتمّ دلالة الحديث على البراءة.   ثمّ إنّ المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه بعد أن ذكر عدم تماميّة دلالة  الحديث على البراءة لاحتمال كون المراد من الورود   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة133/ الجزء الثالث

 

الصدور، ذكر: أنّه مع الشكّ في الصدور يمكن استصحاب عدم  الصدور، فيتنقّح بذلك موضوع هذا الحديث، فيتمسّك به، إلاّ أنّ  هذا ليس عبارة عن أصالة البراءة، و إنّما هذا تعبّد بالإباحة  الواقعيّة ببركة استصحاب موضوعها. و ذكر -قدّس سرّه-: أنّ هذا  لا يتمّ على إطلاقه، لأنّ إطلاقه ينتقض بفرض توارد الحالتين بأن  علمنا بأنّ الشي‏ء الفلاني كان منهيّا عنه في وقت، و حلالا في وقت  آخر، و لم يعلم ما هو المتقدّم ممّا هو المتأخّر، ففي هذا الفرض لا  يتمّ هذا الوجه، و علّل ذلك على ما يظهر من عبارته بأنّ الغاية هي  ورود النهي، و المفروض وروده، فقد حصلت الغاية، فلا موضوع  للتمسّك بالحديث»«.   إلاّ أنّ المحقّق الأصفهانيّ رحمه اللّه استظهر من عبارة صاحب  الكفاية أن يكون مقصوده هو إبطال التمسّك في فرض توارد  الحالتين بهذا الحديث بعدم جريان الاستصحاب، لابتلائه في  موارد توارد الحالتين بالتعارض، أو بانفصال زمان الشكّ عن  زمان اليقين. و عندئذ اعترض عليه: بأنّنا إن فرضنا في مفاد  الحديث أنّ موضوع الإطلاق حدوثا هو نفس الشي‏ء بعنوانه  الأوّلي، و قد جعل الإطلاق مغيا بورود النهي لم يعقل الشكّ في  تقدّم النهي، أو الإباحة المعلومين، بل نقطع بتقدّم النهي على تلك  الإباحة الخاصّة المعلومة، إذ لو كانت الإباحة الخاصّة هي المقدّمة  على النهي لعاصرت الإباحة العامّة الثابتة   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة134/ الجزء الثالث

 

بقوله: (كلّ شي‏ء مطلق). و هذا يعني اجتماع إباحتين على عنوان  واحد، و هو مستحيل. إذن فلا علاقة للمورد بإشكال الاستصحاب  في فرض توارد الحالتين.   و أمّا إن فرضنا في مفاد الحديث كون موضوع الإطلاق من أوّل  الأمر هو ما لم يرد النهي عنه، فالإطلاق ليس حكما ثابتا على نفس  عنوان الشي‏ء، بل هو حكم ثابت على الشي‏ء بعنوان أنّه لم يرد  النهي عنه، فهنا يكون الشكّ في تقدّم النهي على الإباحة الخاصّة و  بالعكس معقولا، لعدم ورود إشكال اجتماع إباحتين على عنوان  واحد، لأنّ الإباحة العامّة ثابتة على الشي‏ء بعنوان أنّه لم يرد النهي  عنه، و الإباحة الخاصّة ثابتة على نفس الشي‏ء بعنوانه [1]، لكننا  نقول: إنّه أساسا لا مجال في ما نحن فيه  

 

_____________________________________________

 

[1] لا يخفى أنّ تعدد العنوان لا يحلّ الإشكال في المقام، فإذا  استحال اجتماع إباحتين على شي‏ء واحد بعنوان واحد كذلك،  يستحيل اجتماعهما على شي‏ء واحد بعنوانين، إلاّ إذا كان بين  الإباحتين عموم من وجه، كي يظهر أثر التعدّد في موردي  الافتراق. و في ما نحن فيه تكون النسبة بين إباحة ما لم يرد فيه  النهي، و الإباحة الخاصّة لهذا الشي‏ء قبل النهي عموما مطلقا، فتلغو  الإباحة الخاصّة. هذا إذا كانت الإباحة العامّة إباحة واحدة لجميع  الأشياء. و أمّا إذا كانت تجميعا لإباحات خاصّة لزم اجتماع  إباحتين متساويتين على شي‏ء واحد و لكنّي أظنّ أنّ مقصود  المحقّق الأصفهانيّ رحمه اللّه ليس هو حلّ الإشكال بمجرّد تعدّد  العنوان، بل حلّه بتعدّد نفس الشي‏ء المنهي عنه، أي أنّه يفترض  تارة: أنّ الإطلاق ثابت و مجعول ابتداء على جميع الأشياء، ثمّ  يرتفع عمّا يرد فيه النهي. و هذا معنى فرض ورود النهي غاية  للإطلاق، و أخرى: أنّ الإطلاق العامّ ليس مجعولا من أوّل الأمر على  جميع   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة135/ الجزء الثالث

 

لاستصحاب عدم ورود النهي حتى يستشكل فيه بإشكال  الاستصحاب في باب توارد الحالتين، لأنّ النهي وارد حتما حسب  الفرض، و الموضوع في الحديث هو عدم ورود النهي، فنحن نقطع  بانتفاء الموضوع.   ثمّ ذكر: أنّه من الممكن حمل عبارة الكفاية على إرادة عدم شمول  الحديث في نفسه لهذا الفرض.   أقول: يرد عليه:

أولا: أنّ العلم بالإباحة التي هي إحدى الحالتين  المتواردتين يمكن تصويرها بنحوين:   

الأوّل: العلم بإباحة خاصّة غير الإباحة العامّة الموضوعة على كلّ  شي‏ء ما لم يرد فيه نهي.   و الثاني: العلم بالجامع بين إباحة خاصّة و تلك الإباحة العامّة. فإن  فرض الأوّل لزم من فرض تقدّم الإباحة المعلومة إجمالا على النهي  المعلوم إجمالا اجتماع إباحتين على موضوع واحد. أمّا إذا فرض  الثاني لم يلزم من تقدّم الإباحة المعلومة على النهي اجتماع  إباحتين، لإمكان أن تكون تلك  - الأشياء، بل مجعول على خصوص ما سوف لن يرد فيه النهي. و  هذا معنى فرض ورود النهي قيدا في موضوع الإطلاق العامّ من  أوّل الأمر. فعلى الفرض الأوّل يلزم من تقدّم الإباحة الخاصّة على  النهي اجتماع إباحتين على مورد واحد العامّة و الخاصّة.   و على الفرض الثاني لا يلزم ذلك، لأنّ ما ورد أخيرا فيه النهي  كان سابقا مباحا بالإباحة الخاصّة دون العامّة. راجع عبارة  المحقّق الأصفهاني رحمه اللّه في نهاية الدراية، ج 2، ص 190.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة136/ الجزء الثالث

 

الإباحة نفس الإباحة العامّة. و هذا الفرض كاف للنقض على إطلاق  دعوى استفادة معنى مساو في النتيجة للبراءة من هذا الحديث  ببركة الاستصحاب.   

و ثانيا: أنّنا نمنع عدم إمكان اجتماع الإباحة الخاصّة مع تلك  الإباحة العامّة المستفادة من هذا الحديث بناء على ما مضى من  تصويرنا إباحة متوسطة بين الإباحة الواقعيّة و الإباحة الظاهريّة،  بأن لا يكون قوله: (كلّ شي‏ء مطلق) تجميعا في العبارة بين  إباحات واقعيّة وضعت كلّ واحدة منها على فرد من أفراد الشي‏ء  بالخصوص بلحاظ ما فيه من المصالح و المفاسد، بل يكون إباحة  مجعولة على عنوان (كلّ شي‏ء) باعتبار أنّ الأشياء قد يوجد فيها  ما يكون ذا مفسدة، و قد يوجد فيها ما يكون غير ذي مفسدة،  فكان من الممكن أن يحتاط المولى بجعل الحرمة عليها، لكنّه لم  يفعل ذلك، و فرضها غير محرّمة، و جعل غاية هذه الإباحة صدور  النهي، و أنت ترى أنّ هذه الإباحة تجتمع مع الإباحة الواقعيّة كما  تجتمع الإباحة الظاهريّة مع الإباحة الواقعيّة، فإنّ الشي‏ء يمكن  تحريمه بإحدى جهتين:   بجهة المفسدة الواقعيّة، و بجهة التحفّظ على الملاك الثابت بالنسبة  لبعض الأشياء، و الاحتياط من ناحيته. فإذا فرض المولى عدم  الحرمة من كلتا الناحيتين، فقد اجتمعت الإباحتان سواء فرض  مورد هذا التحفّظ مورد التحريم البرزخ بين التحريم الواقعيّ و  الظاهريّ، أو فرض مورد التحريم بمعنى جعل الاحتياط الّذي هو  حكم ظاهريّ، ففي الأوّل اجتمعت الإباحة   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة137/ الجزء الثالث

 

الواقعيّة مع الإباحة البرزخيّة، و في الثاني اجتمعت مع الإباحة  الظاهريّة.   ثمّ إنّ المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه ذكر في المقام بعد ما مضى من  النقض بمورد توارد الحالتين: أنّه لا يمكن دفع هذا النقض  بالإجماع على عدم الفرق بين هذا المورد و غيره، لأنّ الإجماع و  إن كان يوجب الملازمة بين هذا المورد و غيره في ثبوت البراءة  و الإطلاق و عدمه، لكنّ موضوع هذا الإطلاق إنّما ثبت في غير  مورد توارد الحالتين بالاستصحاب فثبت الإطلاق بمعونة  الاستصحاب، و مثبتات الاستصحاب ليست حجّة، إذن لا يثبت في  المقام الإطلاق في مورد توارد الحالتين رغم الملازمة بين  الإطلاقين، لأنّ أحد المتلازمين لم يكن ثابتا بمحض الدليل اللّفظي  كي نتعدّى إلى لازمه، بل ثبت بمعونة الأصل. هذا ما يستفاد من  ظاهر عبارة المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه في المقام.   إلاّ أنّ المحقّق الأصفهانيّ رحمه اللّه أفاد: أنّ هذا غير صحيح، و أنّ  مقصود الخراسانيّ شي‏ء آخر، و هو أنّ الإجماع إنّما قام على  الملازمة بين براءة و براءة، لا بين استصحاب و براءة، و أمّا مجرّد  أنّ البراءة في ما نحن فيه ثبتت بالأصل لا بالدليل اللّفظي، فهذا لا  يوجب عدم التعدّي إلى مورد توارد الحالتين كما ذكر المحقّق  الخراسانيّ بنفسه في أصالة البراءة المستفادة من أصالة الإباحة  في قوله: (كلّ شي‏ء لك حلال حتى تعرف أنّه حرام) أنّنا نتعدّى من  البراءة في الشبهة التحريميّة إلى البراءة في الشبهة الوجوبيّة،  للإجماع على عدم اختصاص   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة138/ الجزء الثالث

 

البراءة في الشبهة التحريميّة، فلا يضرّنا اختصاص النصّ بالشبهة  التحريميّة، فقد تعدّى من البراءة في الشبهة التحريميّة إلى البراءة  في الشبهة الوجوبيّة، مع أنّ الدليل المفروض على البراءة في  الشبهة التحريميّة هنا هي أصالة الإباحة التي هي أصل عمليّ لا  أمارة من الأمارات، و أيّ فرق بين ما نحن فيه و هذا المقام؟»«.   أقول: أمّا قياسه -قدّس سرّه- - لما نحن فيه بأصالة البراءة  المستفادة من قوله: (كلّ شي‏ء لك حلال حتى تعرف أنّه حرام) -  فمن غرائبه، فإنّ هذا الكلام دليل لفظي دلّ على أصالة الإباحة التي  هي قسم من أصالة البراءة، و هي البراءة في الشبهات التحريميّة  مثلا. و أين هذا ممّا نحن فيه الّذي يكون الدليل فيه على البراءة هو  الاستصحاب؟.   و أمّا قوله: إنّ الملازمة إنّما قامت بين براءة و براءة لا بين  استصحاب و براءة، فلعلّ مقصوده من ذلك هو أنّ المفروض أنّ  الإطلاق في الحديث إباحة واقعيّة، فيترتّب على استصحاب عدم  صدور النهي الإباحة الواقعيّة، ظاهرا لا البراءة، فالحكم الظاهريّ  هنا ينحصر في الاستصحاب، بخلاف ما لو كان المقصود من  الإطلاق في الحديث البراءة، فإنّه عندئذ كانت تثبت البراءة  بالاستصحاب. و الإجماع إنّما قام على الملازمة بين البراءتين، و  لا يجري في ما هو المفروض من انحصار الحكم   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة139/ الجزء الثالث

 

الظاهريّ في استصحاب الحكم الواقعيّ. فكأنّ في كلامه (قدّس  سرّه) مقدّمة مطويّة، و هي ما ذكرناه من أنّ الإطلاق في الحديث  إباحة واقعيّة، فهي المترتّبة على الاستصحاب، فالحكم الظاهريّ  منحصر فيه.  

 و التحقيق: أنّ التعدّي من غير مورد توارد الحالتين إلى مورد  توارد الحالتين يرد عليه كلا الإشكالين، أي يرد عليه:   

أولا: أنّ التلازم بين البراءتين لا يوجب ثبوت إحداهما بثبوت  الأخرى بالاستصحاب، لعدم حجّيّة مثبتات الاستصحاب.

و ثانيا:  أنّ الإجماع إنّما قام على الملازمة بين البراءتين. و الاستصحاب  هنا إنّما ترتّبت عليه الإباحة الواقعيّة لا البراءة حتى يتعدّى إلى  لازمها من البراءة في مورد توارد الحالتين.   نعم يمكن دعوى الإجماع بوجهين آخرين، بناء على أحدهما  يرتفع كلا الإشكالين، و بناء على الآخر يرتفع الإشكال الثاني  فقط، إلاّ أنّ الصحيح أنّه إن كان هنا إجماع فإنّما هو بالنحو الأوّل  لا بهذين الوجهين الآخرين، و هذان الوجهان ما يلي:   

الأوّل: أن يدّعى الإجماع على الملازمة بين الموردين في جامع  المؤمّن، فيرتفع الإشكال الأوّل، لأنّه عندئذ نتمسّك بالدلالة  الالتزاميّة لنفس دليل الاستصحاب الّذي هو دليل لفظيّ، كما  يرتفع الإشكال الثاني، لأنّ المفروض ثبوت التأمين   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة140/ الجزء الثالث

 

في غير مورد توارد الحالتين و استلزامه للتأمين في ذلك المورد.   و الثاني: أن يدّعى الإجماع على الملازمة بين الإباحة الواقعيّة في  غير مورد توارد الحالتين و الإباحة الظاهريّة في مورد  تواردهما، أو بين الإباحة الواقعيّة في غير ذلك المورد مع ثبوتها  فيه تعبّدا، و الإباحة الظاهريّة في ذلك المورد، و عندئذ يرتفع  الإشكال الثاني، لأنّ ما أثبتت في غير مورد توارد الحالتين من  الإباحة الواقعيّة تكون بنفسها، أو مع ما تحقّق من ثبوتها التعبّدي  مستلزم للبراءة في مورد توارد الحالتين و لا يرتفع الإشكال  الأوّل، لأنّ الإباحة الواقعيّة في غير مورد توارد الحالتين ثبتت  بالأصل العملي، و هو الاستصحاب، لا الأصل اللّفظي.   و أمّا الإجماع على الملازمة بين الإباحتين الواقعيّتين فلا يتعقّل  دعواه.   و على أيّة حال، فهذه المباحث لا أثر لها، فإنّه إن صار البناء على  تتميم الاستدلال بهذا الحديث بالاستصحاب، قلنا:   إنّ الاستصحاب بنفسه مؤمّن مستقلّ عن التكليف المشكوك - كما  يأتي بيانه إن شاء اللّه - بلا حاجة إلى ضمّه إلى هذا الحديث.   بقي هنا شي‏ء، و هو أنّه على تقدير تماميّة دلالة هذا الحديث على  البراءة يمكن دعوى اختصاصه بالشبهة التحريميّة لقوله: (حتى  يرد فيه نهي)، و اختصاصه بالشبهة الحكميّة، لأنّ كلمة النهي يمكن  أن يستظهر منها الخطاب.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة141/ الجزء الثالث

 

ففرق بين أن يقال: (حتى يرد فيه نهي)، أو يقال: (حتى ترد فيه  الحرمة)، بل حتى لو عبّر بالتعبير الثاني يمكن استظهار  الاختصاص بالشبهة الحكميّة، لأنّ الورود و إن فرض بمعنى  الوصول لكنّه ظاهر في الوصول من قبل الشارع.   و أمّا الجهة الثانية: و هي الكلام من حيث السند، فهذا الحديث  مرسل، أرسله الصدوق رحمه اللّه بلسان (قال الصادق عليه السلام،  فلا حجّيّة فيه بناء على ما هو المختار من عدم حجّيّة المرسل حتى  إذا كان بمثل هذا اللسان، فلا فرق في عدم الحجّيّة بين أن يقول  مثلا: قال الصادق عليه السلام، أو يقول مثلا:   روي عن الصادق عليه السلام [1].   

 

2 - حديث الرفع:  

 و منها: حديث الرفع. و الكلام فيه يقع في مقامات أربعة:   

الأوّل: في دلالة فقرة (رفع عن أمّتي ما لا يعلمون) على البراءة في  الجملة و عدمها.   

و الثاني: في أنّها - على تقدير دلالتها على البراءة - هل تشمل  الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة معا، أو لا؟  

 

_____________________________________________

 

[1] و ذلك لأنّ إخبار الصدوق عن الإمام الصادق عليه السلام  إخبار عن حدس، و لا نعلم أنّ مستند حدسه هل كان عبارة عن  توثيقه الحسّي للرواة، أو غير ذلك.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة142/ الجزء الثالث

 

و الثالث: في فقه تمام الحديث.   

و الرابع: في سند الحديث.  

 

 مقطع الاستدلال:  

 أمّا المقام الأوّل: و هو الكلام في دلالة فقرة (رفع عن أمتي مالا  يعلمون) على البراءة و عدمها. فالآن نفترض أنّ هذه الفقرة  منفصلة عن سائر فقرات الحديث، و نفترض أنّ المراد بالموصول  هو التكليف إلى أن يأتي، البحث عن سائر الجهات، فإن ثبت شي‏ء  بنحو يوجب احتمال تغيير في النتائج السابقة درسنا ذلك.   و بناء على ذلك فقوله: (رفع عن أمّتي ما لا يعلمون) قد دلّ على  رفع التكليف عند عدم العلم، و يقع الكلام في أنّ هذا الرفع هل هو  ظاهريّ حتى تكون هي البراءة المقصودة في المقام، أو رفع  واقعيّ للتكليف فلا يكون براءة؟  

 

 شبهة الرفع الواقعيّ:   

قد يقال: إنّ حمله على الرفع الظاهريّ بحاجة إلى مئونة زائدة لا  داعي إليها، فليحمل الحديث على الرفع الواقعيّ،   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة143/ الجزء الثالث

 

و بذلك تبطل دلالة الحديث على البراءة. إذن فنحن بحاجة إلى  البحث عن واقعيّة هذا الرفع و ظاهريّته.   

لا يقال: إنّ غرض الأصولي من إثبات البراءة هو تحصيل الأمن، و  هذا يثبت بالحديث سواء فرض الرفع ظاهريّا أو واقعيّا.   

فإنّه يقال: إنّ الثمرة تظهر في مورد حصول القطع بدليل خاصّ  بشمول الحكم الواقعيّ لفرض عدم العلم على تقدير ثبوته في  نفسه، فعندئذ لو قلنا بدلالة هذا الحديث على البراءة ثبت الأمن، و  لو قلنا بدلالته على نفي الواقع بعدم العلم فالمفروض أنّنا قاطعون  بأنّ عدم العلم لا ينفي الواقع، فيقيّد الحديث بغير هذا المورد و لا  يثبت الأمن فيه.   

 

موقف المحقّق العراقي:  

 و قد أجاب المحقّق العراقي رحمه اللّه عن شبهة حمل الحديث على  الرفع الواقعيّ بوجهين، أحدهما عرفيّ، و الثاني فنّيّ.  

 أمّا الوجه الأوّل: فهو أنّ قوله: (رفع عن أمّتي) ظاهر في سوق  الحديث مساق الامتنان، و بهذه القرينة يجب أن نلتزم بأنّ المقدار  المرفوع هو المقدار الّذي يكون ثبوته خلاف الامتنان، و يكون  رفعه امتنانا، و هذا المقدار عبارة عن وجوب الاحتياط، فإنّه  يوجب الكلفة على العبد، و يكون رفعه امتنانا. و أمّا رفعه   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة144/ الجزء الثالث

 

برفع منشأه، أي رفع كلّ من وجوب الاحتياط و الواقع معا، فالزائد  فيه ليس توسعة على العباد، و ليس فيه امتنانا عليهم، فإنّ مجرد  ثبوت الواقع لا يوجب كلفة على العباد»«.   و يرد عليه:

أولا: أنّ هذه القرينة مبنيّة على المبنى المشهور من  جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان، إذ على ذلك لا تكون مشقّة في  التكليف الواقعيّ في نفسه بقطع النّظر عن إيجاب الاحتياط، و إنّما  يوجب التكليف المشقّة عند عدم العلم بتوسيط إيجاب الاحتياط،  فليرفع الوسط في مقام الامتنان لا أصل التكليف. و أمّا بناء على ما  حقّقناه من إنكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فالتكليف الواقعيّ  بوجوده الاحتماليّ موضوع لحكم العقل بلزوم الامتثال بلا حاجة  إلى توسيط إيجاب الاحتياط.   و لا نقول: إنّ الموضوع لحكم العقل بالامتثال هو التكليف الواقعيّ  بوجوده الاحتمالي زائدا اهتمام المولى به في ظرف الشكّ، حتى  يقال: إنّ نفي الاهتمام هو الّذي يتجسّد فيه الامتنان، و ليس في  نفي الواقع زائدا على نفي الاهتمام امتنان، بل نقول: إنّ الموضوع  لحكم العقل بالامتثال هو التكليف الواقعيّ بوجوده الاحتماليّ  زائدا عدم وصول الترخيص، فلو لم يصل الترخيص وجب الامتثال  لنفس عدم وصول الترخيص مع احتمال التكليف، لا من باب  احتمال اهتمام المولى بالتكليف في ظرف الشكّ، فالامتنان يكون  بأحد أمرين في عرض واحد،   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة145/ الجزء الثالث

 

إيصال الترخيص [1]، و رفع التكليف الواقعيّ.   

و ثانيا: أنّنا لو سلّمنا أنّ التكليف الواقعيّ في نفسه لا يتطلّب  الامتثال، و إنّما يوجب الكلفة بتوسّط إيجاب الاحتياط، قلنا: إنّ  التكليف الواقعيّ و إن لم يوجب الكلفة مباشرة، لكنّه واقع في  طريق تحقّق الكلفة، فيكون رفع هذا التكليف واقعا في صراط  الامتنان و موجبا للامتنان، باعتبار أنّه مع رفع التكليف الواقعيّ  المشكوك لا يبقى موضوع لذلك الوسط و هو إيجاب الاحتياط،  فيقع التوسع للعباد. نعم، الامتنان لا يكون متوقّفا على رفع  التكليف، و إنّما هو متوقّف على رفع إيجاب الاحتياط بنفسه، أو  برفع منشأه و هو التكليف. لكنّنا لا نسلّم ظهور الحديث في كون  الرفع متوقّفا عليه الامتنان، و إنّما نسلّم ظهوره في كونه امتنانيّا  و واقعا في صراط الامتنان و التوسعة على العباد [2].    

_____________________________________________

 

[1] الظاهر أنّ إيصال الترخيص إنّما يرفع حكم العقل بوجوب  الامتثال، لكونه إيصالا لعدم اهتمام المولى بالحكم، و الموضوع  الواقعيّ لحكم العقل بالامتثال لدى الشكّ، إنّما هو احتمال التكليف  زائدا احتمال اهتمام المولى به.   فإبراز عدم وجود تكليف يهمّه، هو الّذي يرفع موضوع حكم  العقل. و أمّا إبراز عدم أصل التكليف فأمر زائد لا يتوقّف عليه  الامتنان.   

[2] لا يخفى أنّنا لو قلنا: بأنّ الحكم عبارة عن الحبّ و البغض، فمن  الواضح أنّ الامتنان إنّما يكون بنفي إيجاب الاحتياط لا بنفي  الحكم الواقعيّ، لا للتقريب الماضي عن المحقّق العراقي رحمه اللّه،  بل لأنّ معنى نفي الحكم عدم   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة146/ الجزء الثالث

 

و أمّا الوجه الثاني: و هو بيان قرينة صناعيّة»« في المقام فبيانها  يتوقّف على مقدّمتين:   الأولى: أنّ رفع كلّ شي‏ء نقيض وجوده، و النقيضان في مرتبة  واحدة، فالرفع و المرفوع دائما في مرتبة واحدة.   و الثانية: أنّ الرفع المذكور في حديث الرفع متأخّر رتبة عن  الشكّ و عدم العلم بالحكم الواقعيّ لأخذ ذلك في موضوعه،  - الحبّ أو البغض، و مع عدمه لا مقتضي لثبوت الكلفة على العباد  كي يمتنّ عليهم بالرفع. و أمّا لو قلنا: بأنّ الحكم عبارة عن الجعل  و الاعتبار، و هو أمر وسط بين الحبّ و البغض من ناحية، و  الإبراز من ناحية أخرى، فمن الصحيح أن يقال: إنّ نفي هذا الجعل  يكون امتنانيّا عند ما تكون المبادئ من المصالح و المفاسد و  الحبّ و البغض ثابتة، و لكنّ المولى نفي الجعل و الاعتبار بغرض  إفهام عدم اهتمامه بتلك المبادئ توسيعا على العباد، و هذا  امتنان، إلاّ أنّه يتمّ على هذا الفرض من الناحية الواقعيّة ما مضى من  أنّه لا أثر عمليّ لمعرفة أنّ مفاد الحديث هل هو البراءة، أو نفي  الحكم الواقعيّ؟ فعلى أيّ حال يتمّ التأمين، و هو المقصود. و ما  مضى من أنّ الأثر يظهر لدى علمنا صدفة بدليل خاصّ بشمول  الحكم الواقعيّ - على تقدير ثبوته - لظرف الشكّ و إن كان  صحيحا عقلا و فلسفيّا، و لكن لا مورد له خارجا، فلئن كان من  حقّنا أن ندّعي القطع بثبوت الحكم بمعنى الحبّ و البغض في مورد  الشكّ في كثير من الموارد، كالخمر مثلا بمثل الضرورة الفقهيّة  فليس من حقّنا عند دوران الأمر بين الترخيص الظاهريّ و رفع  مجرد الجعل و الاعتبار واقعا مع ثبوت المبادئ دعوى القطع  بشمول الجعل و الاعتبار - لو كان - بضرورة من هذا القبيل، و  من البعيد افتراض ورود نصّ يدلّ على ذلك.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة147/ الجزء الثالث

 

و الشكّ في الحكم الواقعيّ متأخّر عن نفس الحكم الواقعي، فالرفع  المذكور في حديث الرفع أصبح متأخّرا عن الحكم الواقعيّ، فلا  يمكن أن يكون رفعا لنفس الحكم الواقعيّ، و إلاّ لزم - بحكم  المقدّمة الأولى - أن يكون الحكم الواقعيّ في هذه المرتبة  المتأخّرة، و هي مرتبة الرفع، لما مضى من اتّحاد مرتبة الرفع و  المرفوع، و يكون بحكم هذه المقدّمة الثانية في مرتبة سابقة على  الرفع، فلزم تقدّم الشي‏ء على نفسه و وجوده في مرتبتين.   و هذا المحذور بنفسه هو المحذور الّذي ذكره المحقّق العراقي  رحمه اللّه في بحث أخذ العلم بالحكم موضوعا لشخص ذلك الحكم،  من أنّ العلم بالحكم مؤخّر رتبة عن نفس الحكم، فلو فرض أخذه  موضوعا له صار الحكم المتقدّم عنه رتبة مؤخّرا عنه تأخّر الحكم  عن الموضوع، و لزم محذور الدور و تقدّم الشي‏ء على نفسه [1].   و في الحقيقة يكون هذان العنوانان - أعني عنوان أخذ القطع  بالحكم في موضوع شخص ذلك الحكم - و عنوان، رفع التكليف  غير المعلوم - وجهين لمطلب واحد، فإنّ رفع التكليف  

 

_____________________________________________

 

[1] و من هنا يظهر أنّ التقريب ليس بحاجة إلى نكتة كون  النقيضين في رتبة واحدة حتى يبطل عند من ينكر هذه القاعدة،  بل يكفي في المقام أن يقال: إنّ رفع الحكم عن فرض الشكّ يعني  أخذ العلم في موضوعه، بينما لا يمكن أخذ العلم بالحكم في  موضوعه لتأخّره عنه.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة148/ الجزء الثالث

 

عن الشاكّ مساوق لاختصاص التكليف بالقاطع، و لهذا يأتي  الإشكال الواحد في كلا الموردين - أعني جانب الوضع، و جانب  الرفع - مع اختلاف العبارة بحسب اختلاف الوجهين.  

 و جوهر الإشكال في كلا الموردين واحد.   و عندئذ نقول: إنّ الجواب في هذا المقام أيضا هو نفس الجواب  في ذاك المقام، و هو منع المقدّمة الثانية، فإنّه إن أريد بتأخّر  القطع، أو الشكّ عن الحكم تأخّره عن المقطوع أو المشكوك  بالعرض، أي الحكم بوجوده الخارجي الّذي هو مصبّ الرفع  الواقعيّ فتأخّره عنه غير صحيح، كما حقّقناه في مسألة أخذ القطع  بالحكم في موضوع شخص ذلك الحكم، و لذا قد يوجد احتمال أو  قطع مع عدم المحتمل أو المقطوع في الخارج. و إن أراد تأخّرهما  عن المقطوع أو المشكوك بالذات فهو ليس مصبّا للرفع، و إنّما  مصبّه الحكم الخارجي [1].  

 

 وجه التحقيق في المسألة:   

و التحقيق في المقام: أنّ هذا الحديث ليس ظاهرا في الرفع  الواقعيّ، بل هو على بعض التقادير ظاهر في الرفع الظاهريّ،  

 

_____________________________________________

 

[1] نعم، كان لدينا وجه صحيح لاستحالة أخذ العلم بالحكم في  متعلّق نفس المعلوم، و لكن عولج ذلك بمثل فرض أخذ العلم  بالجعل في متعلّق المجعول على تحقيق و بيان مضى في محلّه.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة149/ الجزء الثالث

 

و على بعض التقادير مجمل، و نحن يكفينا الإجمال في اقتناص  جميع النتائج المطلوبة من معنى البراءة. و الثمرة التي مضى  ذكرها في ما سبق من أنّنا لو علمنا في موارد مّا بدليل خاصّ عدم  اختصاص الحكم الواقعيّ بفرض العلم، أمكن التمسّك بحديث الرفع  لو كان مفاده البراءة، و لا يمكن التمسّك به لو كان مفاده نفي  الواقع، أقول: هذه الثمرة إنّما تمنعنا عن التمسّك بحديث الرفع في  هذا الفرض على تقدير ظهور الحديث في نفى الواقع. أمّا على  الإجمال فمن حقّنا أن نتمسّك به لإثبات جامع الأمن. إذن لا بدّ لنا  هنا من توضيح أمور ثلاثة:   

الأوّل: أنّ الحديث ليس ظاهرا في الرفع الواقعيّ.   و الثاني: أنّه على تقدير إجمال الحديث و تردّده بين الرفع  الواقعيّ و الرفع الظاهريّ نحن نقتنص منه جميع النتائج المطلوبة  من معنى البراءة.   و الثالث: أنّ الحديث على بعض التقادير ظاهر في البراءة.   أمّا الأمر

الأوّل: و هو عدم ظهور الحديث في الرفع الواقعيّ، فبيان  ذلك: أنّ نكتة دعوى ظهور الحديث في الرفع الواقعيّ إنّما هي  اشتمال الرفع الظاهري على عناية زائدة، و تلك العناية الزائدة  يمكن أن تتصوّر بأحد نحوين:   

الأوّل: أن يقال: إنّه لو كان الرفع ظاهريّا لزم كون مصبّ الرفع  في الحديث غير مصبّ عدم العلم فيه، لأنّ مصبّ عدم   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة150/ الجزء الثالث

 

العلم هو التكليف الواقعيّ، و مصبّ الرفع هو إيجاب الاحتياط  الظاهريّ، و ظاهر الحديث وحدة المصبّ فيهما، فيحمل الرفع على  الرفع الواقعي كي لا نقع في مخالفة ظهور الحديث في وحدة  المصبّ.   

لا يقال: إنّ المرفوع و إن كان هو الحكم الظاهريّ، لكنّنا لا  نفرضه مرفوعا بقيد كونه ظاهريّا، بل ذات الحكم يكون مرفوعا،  فالحكم هو متعلّق عدم العلم و هو المرفوع، فقد اتّحد مصبّ  الأمرين.   فإنّه يقال: إن أريد بذات الحكم ذاته بنحو سار في تمام أفراده،  لزم رفع الحكم الواقعيّ أيضا، و هو خلف. و إن أريد به الحكم  بنحو الإهمال، بمعنى أنّ حكما مّا يكون مرفوعا و حكما مّا يكون  متعلّقا لعدم العلم، قلنا: إنّ حكما مّا - أي حصّة من الحكم - الّذي  تعلّق به الرفع إن كان في الواقع نفس حكم مّا الّذي تعلق به الشكّ  و عدم العلم و هو الحكم الواقعيّ، لزم أيضا رفع الحكم الواقعيّ و  إن كان في الواقع الفرد المرفوع غير الفرد المشكوك، فمصبّ  الرفع غير مصبّ الشكّ و عدم العلم و مجرّد كون كليهما حكما ما  لا يعني اتحاد المصبّين، فإنّ حكما مّا الّذي تعلّق به الرفع غير حكم  ما الّذي تعلّق به عدم العلم. و الحديث ظاهر بأقوى ظهور في اتّحاد  مصبّ الأمرين مصداقا لا مجرّد اتّحادهما في مفهوم حكم ما.  

 و التحقيق: أنّنا نلتزم بظهور الحديث في وحدة المصبّين،   
 

التالي