الفهرس

   
   
 
  • الظهور

  • الإجماع

  • خبر الواحد الثقة

  • الظن

 

 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  11/ الجزء الثاني

 

 

 

مباحث الأصول.

 

 

الأمارات الظنّيّة

 

 

 

1 - المقدمة

2 - الظهور

3 - الإجماع

4 - خبر الواحد الثقة

5 - الظن (مقدمات الانسداد)


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  13/ الجزء الثاني

 

بسم اللّه الرحمن الرحيم

 

الحمد للّه ربّ العالمين، و أفضل الصلوات على أفضل النبيّين (محمّد) و على آله الطّيبين الطاهرين.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  15/ الجزء الثاني

 

الأمارات الظنّيّة

 

 

المقدّمة

 

 

1 - حجّيّة الظن ذاتا و عدمها

2 - استحالة جعل الحجّيّة للظنّ و عدمها

3 - مقتضى الأصل عند الشك في الحجّيّة

4 - بحث السيرة


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  17/ الجزء الثاني

 

المقدّمة

 

 

بحث المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللَّه) قبل شروعه في بيان الأمارات الظنّيّة التي ثبتت حجّيّتها أمورا ثلاثة:

 

1 - حجيّة الظنّ ذاتا و عدمها.

2 - استحالة جعل الظن حجّة و عدمها.

3 - ما هو مقتضى الأصل عند الشك في الحجّيّة.

و الأوّلان بحثان ثبوتيّان و الأخير بحث إثباتي.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  19/ الجزء الثاني

 

حجّيّة الظنّ ذاتا و عدمها

 

أمّا الأمر الأوّل: فقد أفاد المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه: أنّ الظنّ ليس حجّة بالذات لكونه مشوبا بالشك و عدم تماميّة الوصول. و الشي‏ء ما لم يتمّ وصوله إلى العبد لا يتنجّز عليه. هذا في مرحلة ثبوت التكليف، و كذلك الأمر في مرحلة سقوطه، فإنّه إذا صار الاشتغال يقينيّا استدعى ذلك البراءة اليقينيّة و لا يمكن الاكتفاء في البراءة بغير العلم.

أقول: أمّا مسألة لزوم تحصيل العلم في جانب البراءة فسيأتي بحثها - إن شاء اللّه - في مبحث البراءة و الاشتغال، حيث نبحث هناك: أنّه متى يتنجّز التكليف بمرتبة وجوب الموافقة القطعيّة؟. فإذا تنجّز التكليف بهذه المرتبة لم يبق إشكال في عدم جواز الاكتفاء بالامتثال الظنّي أو الاحتمالي، إذ هو خلف.

و أمّا مسألة لزوم العلم في تنجّز التكليف و عدم حجّيّة الظنّ ذاتا الّذي هو محل الكلام. فما أفاده (قدّس سرّه) فيها مبتن على الفكرة المشهورة في باب حجّيّة القطع من أنّ القطع حجّة ذاتا لكونه عين الوصول، و أنّه مع عدمه تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و قد بنوا على هاتين القاعدتين


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  20/ الجزء الثاني

 

أعني قاعدة حجّيّة القطع ذاتا و قاعدة قبح العقاب بلا بيان تمام المباحث العقليّة في علم الأصول.

و قد مضى منّا أنّه لا أساس لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و أنّ قاعدة حجّيّة القطع ذاتا لا تتمّ إلاّ على شكل الضروريّة بشرط المحمول، إذ ما لم تفرض مولويّة المولى في أحكامه المقطوعة لا معنى لحجّيّة القطع بأحكامه، كما لا يقول أحد بحجّيّة القطع بحكم زيد أو عمرو أو غيرهما من الناس من الذين لا مولويّة لهم علينا. و إذا فرضت مولويّة المولى في أحكامه المقطوعة فقد فرضت في الموضوع تماميّة التنجيز، فالقول بحجّيّة القطع ليس إلاّ ضروريّة بشرط المحمول. و بهذا يظهر أنّ رأس الخيط في التفكير يجب أن يكون عبارة عن مولويّة المولى، و المفروض أنّ أصل مولويّة المولى مفروغ عنها قبل الشروع في علم الأصول، و يبقى هنا التفكير في مدى سعة دائرة هذه المولويّة و ضيقها.

فإن فرض اختصاص دائرتها بالأحكام المقطوعة لم يكن الظن أو الشك منجزا للحكم على العبد، لانتفاء المولويّة في موردهما. و إن فرضت سعة دائرة المولويّة لموارد الأحكام المظنونة و المشكوكة كان الظنّ و الشك أيضا حجّة على حدّ حجّيّة القطع. و بين الفرضين فروض متوسّطة كثيرة، فإذا فرض مثلا أنّ دائرة المولويّة تشمل الأحكام المقطوعة و المظنونة دون المشكوكة كان القطع و الظن حجّة دون الشك.

و التحقيق عندنا - كما مضى في بحث القطع و يأتي (إن شاء اللّه) في بحث البراءة العقليّة -: أنّ العقل العملي يحكم بثبوت المولويّة و حقّ الطاعة للّه تعالى في التكاليف المشكوكة بشرط احتمال اهتمام المولى بهذا التكليف إلى حد لا يرضى بفواته في حال الشك، فيكفي في تنجّز التكليف احتماله مع احتمال كونه على فرض وجوده مهمّا عند المولى إلى حد لا يرضى بفواته عند الشك.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  21/ الجزء الثاني

 

و قد تحصّل أنّ بحثهم عن حجّيّة القطع و حجّيّة الظنّ ذاتا و عدمها لا أساس له أصلا.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  23/ الجزء الثاني

 

استحالة جعل الحجّيّة للظن و عدمها

 

و أمّا الأمر الثاني: فتارة يستشكل في جعل حجّيّة الظن من باب منافاته لحكم العقل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان باعتبار أنّ حكم العقل لا يقبل التخصيص، و أخرى يستشكل فيه من باب منافاته للحكم الواقعي في مورده. فهنا مقامان:

 

منافاة الحجّيّة لقبح العقاب بلا بيان:

أمّا المقام الأوّل: فقد مضى البحث عنه مفصّلا فيما سبق و حاصله:

إنّه بناء على المبنى المختار لا موضوع لهذا الإشكال رأسا، إذ نحن نقول بثبوت حقّ المولويّة بمجرد احتمال التكليف مع احتمال اهتمام المولى به إلى حدّ لا يرضى بفواته في فرض الشكّ، و عدم ثبوت هذا الحقّ عند القطع بعدم اهتمام المولى به إلى هذا الحدّ. و شأن الأدلّة الملزمة هو إثبات اهتمام المولى فيدخل التكليف في موضوع حق المولويّة. و شأن الأدلّة المرخّصة إثبات عدم اهتمام المولى، فيخرج التكليف عن موضوع حق المولوية، و ليس هناك تخصيص لقاعدة عقليّة أصلا. يبقى هنا شي‏ء واحد و هو أنّه كيف يمكن فرض عدم اهتمام المولى بتكليفه في حال الشك


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  24/ الجزء الثاني

 

و رضاه بتركه رغم بقاء أصل التكليف في هذه الحال؟ و لكنّ هذا رجوع إلى بحث المقام الثاني من المنافاة للحكم الواقعي، و سنبحثه إن شاء اللّه.

هذا كله بناء على مبنانا من إنكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

أمّا بناء على تسليم تلك القاعدة فيتجه الإشكال و لو صوريّا في خصوص الحكم الظاهري الإلزاميّ، أمّا الترخيص فهو مطابق للحكم العقلي.

و الصحيح في الجواب: أنّ القاعدة لو تمّت فإنّما تتمّ في ما لو شككنا في الحكم و شككنا أيضا في اهتمام المولى به على تقدير وجوده، فيكون لنا شك في شك. أمّا إذا علمنا باهتمام المولى به على تقدير ثبوته فالحكم على تقدير وجوده يكون منجّزا، و احتمال التكليف المنجّز منجّز.

و على هذا نقول: إنّ الحكم الظاهري الإلزاميّ - سواء كان بلسان جعل الطريقيّة، أو جعل المنجّزيّة أو بأيّ لسان آخر - يدلّ بالدلالة العرفيّة على اهتمام المولى بالحكم على تقدير وجوده، كدلالة الإنشاء الواقعي بالدلالة العرفيّة على ثبوت روح الحكم في نفس المولى فارتفع الإشكال.

أمّا ما أفاده المحقّق النائيني رحمه اللّه في مقام حل الإشكال من أنّ الصحيح هو جعل العلم و الطريقيّة، و به يتمّ البيان و يرتفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و هذا بخلاف فرض كون مفاد الحكم الظاهري هو جعل المنجّزيّة، فإنّ تنجيز الحكم الّذي لم يتمّ بيانه ليس بيانا له، بل هو تخصيص لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فالتخلّص من الإشكال إنّما يكون بجعل البيان و العلم تعبّدا.

أقول: ما أفاده رحمه اللّه قد مضى فيما سبق مع دفع ما أورد عليه و تسجيل الإيراد الصحيح عليه.

و حاصل الإيراد الصحيح عليه هو: أنّه إن فرض رفع موضوع القاعدة بلسان جعل الطريقيّة من ناحية دلالته العرفيّة على اهتمام المولى بالحكم، فلا فرق في هذه الدلالة بين لسان جعل الطريقيّة و لسان جعل المنجّزيّة و غير


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  25/ الجزء الثاني

 

ذلك. و إن أنكرنا اختصاص القاعدة بفرض عدم العلم باهتمام المولى، فلا محيص - في مقام فرض تنجّز الحكم في بعض الأوقات بدون ثبوت العلم التكويني - عن دعوى توسعة ما في الغاية، بأن يكون الغاية عبارة عن الجامع بين العلم التكويني و شي‏ء آخر. و ليست دعوى التوسعة من ناحية جعل العلم الّذي ليس إلاّ عبارة عن فرض العلم و اعتباره، بأولى من دعوى التوسعة من ناحية أخرى كجعل المنجزيّة و فرضها.

 

الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ

و امّا المقام الثّاني: فالإشكال في الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ تارة ينشأ من ناحية العقل النظريّ، و أخرى ينشأ من ناحية العقل العمليّ:

أمّا الأوّل، فبأحد بيانين:

الأوّل: لزوم اجتماع الضدّين أو المثلين، فلو كان الحكم الظاهري مطابقا للحكم الواقعي لزم اجتماع المثلين، و لو كان مغايرا له لزم اجتماع الضدّين. لتضادّ الأحكام من حيث المبادئ.

و الثاني: لزوم نقض الغرض و هو محال لاستحالة انفكاك المعلول عن علّته، فإنّ الغرض علّة غائيّة لما اشتمل عليه من فعل أو ترك، و الالتفات إليه يحرّك الفاعل نحو الفعل أو الترك، فإذا التفت المولى إلى غرضه الواقعي الّذي يفوت بجعل الحكم الظاهري و لم يتحرك نحو ترك هذا الجعل كان هذا يعني انفكاك المعلول عن علته.

و أمّا الثاني، فبيان أنّ الترخيص في مقابل الأحكام الواقعيّة تفويت للمصلحة على العبد و إضرار به لأدائه إلى فوات ملاكات الأحكام الواقعيّة الناشئة عن المصالح و المفاسد، و هذا قبيح لا يصدر من المولى الحكيم. نعم لا استحالة في صدوره من المولى غير الحكيم. و هذا بخلاف الوجهين الأوّلين غير المربوطين بالعقل العملي، فإنّ اجتماع المثلين أو الضدّين أو انفكاك


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  26/ الجزء الثاني

 

المعلول عن العلة محال حتى لو كان المولى غير حكيم.

هذا. و كأنّ الشيخ الأعظم رحمه اللّه شعر بأنّ من المناسب أن يذكر وجه لإمكان الحكم الظاهري في قبال ما فعل من ذكر وجه لاستحالته، فذكر (قدّس سرّه) ما يرجع إلى مقدمتين:

الأولى: إنّا لم نجد وجها للاستحالة لما سوف يأتي من دفع شبهة ابن قبة للاستحالة.

الثانية: إنّ العقلاء يبنون - في مورد عدم وجدان نكتة للاستحالة - على الإمكان و يرتّبون آثاره.

و أورد المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه على الشيخ وجوها ثلاثة، نذكرها على غير ترتيب الكفاية من حيث التقديم و التأخير.

الأوّل: إنّه لا ثمرة لهذا البحث إذ لو قام دليل قطعيّ على الحكم الظاهريّ كان هو دليلا على الإمكان، فإنّ الدليل على الوقوع الّذي هو أخصّ من الإمكان دليل لا محالة على الأعم و هو الإمكان. و لو لم يقم دليل قطعيّ على الحكم الظاهريّ فلا ثمرة لإثبات إمكانه.

و الثاني: إنّ كون بناء العقلاء على أصالة الإمكان عند الشك في ذلك و عدم وجدان ما يدلّ على الاستحالة ممنوع.

و الثالث: إنّه بعد تسليم ثبوت هذا البناء من العقلاء، فغاية ما يمكن افتراضه هي الظن بالإمضاء من قبل الشارع و حجّيّة الظن أوّل الكلام.

و هذا هو المقدار الموجود في عبارة الكفاية في هذا الإشكال.

و التقريب التّام له أن يقال: إنّه لو فرض القطع بإمضاء هذه السيرة فهو قطع بالحكم بأصالة الإمكان من قبل الشارع، و هذا بنفسه حكم ظاهريّ فهذا يعني القطع بإمكان الحكم الظاهري، و هو خلف فرض الشك في الإمكان و البناء على أصالة الإمكان. و إن فرض الظن بإمضائها فحجّيّة الظن أوّل الكلام.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  27/ الجزء الثاني

 

و الوجه في هذا التتميم إنه مع قطع النّظر عنه يقال: لما ذا فرض في المقام الظن بالإمضاء؟ و أيّ فرق بين هذه السيرة و مثل السيرة القائمة على حجّيّة الظهورات التي سلّم المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه في محله إفادتها للقطع؟.

فتتميم الإشكال يكون ببيان الفارق بأن يقال: إنّ إفادتها للقطع فيما نحن فيه خلف الفرض.

هذا. و جاء في الدراسات: إنّ إشكالات المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه إنّما ترد على الشيخ لو كان مراده دعوى أصالة الإمكان مطلقا، لكن من المحتمل أو المطمئنّ به أنّ مراده دعوى أصالة الإمكان عند ما تقوم أمارة ظنيّة معتبرة على الحكم الظاهريّ، كما إذا دلّ ظاهر كلام المولى على جعل حكم ظاهريّ، فإنّه لا إشكال - عندئذ - في أنّ العقلاء يأخذون بهذا الظاهر و لا يرفعون اليد عنه بمجرّد احتمال الاستحالة. و هذا كلام صحيح، فوزان ما نحن فيه وزان ما إذا قال المولى مثلا: (أكرم العلماء) و احتملنا عدم وجود الملاك في إكرام العالم الفاسق المساوق لاحتمال استحالة وجوب إكرامه.

و من الواضح أن العقلاء يأخذون بمدلول هذا الكلام حتى بالنسبة للعالم الفاسق و لا يعتنون باحتمال الاستحالة.

أقول: لعل هذا من سهو القلم، لأنّه لا يعقل جعل البحث في خصوص فرض قيام الأمارة الظنّيّة المعتبرة على الحكم الظاهري، إذ ننقل الكلام عندئذ إلى تلك الأمارة الظنّيّة و نقول: هل ثبتت حجّيّتها بالقطع أو الظنّ، و هكذا إلى أن يتسلسل أو ينتهي الأمر إلى القطع بالحجّيّة. و إذا قطعنا بالحجّيّة فقد قطعنا بتحقّق الحكم الظاهريّ.

و قياس ما نحن فيه بمثال الأمر بإكرام العلماء في غير محله إذ في هذا المثال إنّما فرض الشك في إمكان مدلول الدليل، لا في حجّيّة الدليل التي هي مدلول دليل آخر و المفروض الفراغ عن إمكانها و وقوعها و ثبوت المصلحة في جعل الظهور حجّة و طريقا إلى مقاصد المولى. بينما في ما نحن فيه


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  28/ الجزء الثاني

 

تكون نكتة الشك في إمكان مدلول الدليل سارية إلى حجّيّته التي هي مدلول دليل آخر، لأنّ حجّيّة هذا الدليل بنفسها حكم ظاهريّ شككنا في إمكانه.

أمّا التحقيق في المقام - بغضّ النّظر عمّا أفاده الأعلام - فهو أنّ بإمكاننا دعوى أصالة الإمكان بنحو تسليم عن جميع تلك الإشكالات.

أما إشكال اللغويّة، فبالإمكان علاجه في المقام سواء فرضنا عدم قيام دليل قطعيّ على الحكم الظاهريّ أو فرضنا قيامه عليه.

أمّا على الفرض الأوّل، فتظهر الثمرة فيما إذا كان عدم قطعيّة الدليل الدال على الحكم الظاهريّ من ناحية احتمال عدم الإمكان بحيث لو لا هذا الاحتمال لكان قطعيّا بالفعل، كما إذا كان الدليل عبارة عن السيرة العقلائيّة و عدم ردع الشارع، و كانت السيرة بمستوى نحتمل اكتفاء الشارع في مقام ارتداع الناس باحتمال عدم الإمكان عن التصريح بالردع، فإذا فرض عندئذ جريان أصل عقلائي يقتضي الإمكان بنحو يثبت اللوازم أيضا ثبت بهذا ذاك الحكم الظاهريّ تعبّدا، كما ثبت أصل الإمكان تعبّدا.

و أمّا الإشكال بأنّنا ننقل الكلام إلى نفس هذا التعبّد إذ هو حكم ظاهريّ و القطع به خلف الفرض و حجّيّة الظن به أوّل الكلام، فهذا راجع إلى الإشكال الثالث.

و أمّا على الفرض الثاني، فبيان الثمرة أنّه إذا افترضنا قيام دليل قطعيّ على الحكم الظاهريّ - على أن نقصد بالحكم الظاهريّ الحكم المختص بفرض الشك - فمرجع احتمال عدم إمكان الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ هو احتمال عدم إمكان بقاء الحكم الواقعيّ في حال الشك، فيتمسك في إثبات بقائه الّذي تترتب عليه ثمرات كعدم الإجزاء - على ما قيل في بحث الإجزاء - بإطلاق دليل الحكم الواقعيّ. و حجّيّة الإطلاق و إن كانت حكما ظاهريا لكنّا فرغنا عن إمكان الحكم الظاهريّ بمعنى


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  29/ الجزء الثاني

 

الحكم المختص بفرض الشك، و إنّما نحتمل استحالة مدلول هذا الإطلاق، فهذا يكون عينا من قبيل مثال الأمر بإكرام العلماء مع احتمال استحالة وجوب إكرام العالم الفاسق الّذي مضى أنّ بناء العقلاء فيه على ترتيب آثار الإمكان و الأخذ بظاهر كلام المولى، إذ الشك إنّما هو في إمكان مدلوله، و يكفي في الحجّيّة احتمال الصدق.

و أمّا الإشكالان الأخيران فلا محيص عنهما بناء على المبنى المتعارف في الأصول من أنّ حجّيّة غير القطع يجب أن تكون بجعل من الشارع.

و لكنّنا نقول: إنّ دائرة حقّ المولويّة أوسع من دائرة الأحكام الواصلة بطريق القطع، و تشمل الأحكام الواصلة بالطريق الّذي اتخذه المولى عادة له في مقام إيصال أحكامه. و لا إشكال في أنّ ظهور الكلام من هذا القبيل، فيكون الظهور حجّة لا بمعنى جعل الحجّيّة له كي يتكلّم في إمكان ذلك و استحالته، بل بمعنى أنّ من حقّ المولى امتثال ظاهر كلامه. و عندئذ إذا فرضت دلالة ظاهر كلام المولى على جعل طريق و حكم ظاهريّ، فلا إشكال في أنّ بناء العقلاء على ترتيب أثر إمكان ذلك الحكم الظاهريّ و الأخذ بظاهر كلام المولى، لأنّ الشك إنّما هو في إمكان مدلول ذلك الظاهر لا في حجّيّته، و يكون من قبيل مثال الأمر بإكرام العلماء مع احتمال استحالة وجوب إكرام العالم الفاسق [1]..

________________________

[1] و بهذا يندفع الإشكال الأوّل أيضا و هو إشكال عدم الثمرة.

و واقع الحال أنّنا بالنسبة لإمكان أصل الحكم الظاهري (بمعنى الحكم المختصّ بظرف الشك) في الجملة لسنا بحاجة إلى أصالة الإمكان، لأنّ الحكم الظاهريّ الأوّل في تسلسل الأحكام الظاهريّة و هو حجّيّة الظهور قطعيّ نأخذ به حتى على مبنى القوم من اختصاص الحجّيّة الذاتيّة بالقطع. و بعد ذلك يصبح دليل الأحكام الظاهريّة الأخرى و بقاء الحكم الواقعيّ في ظرف الشكّ حالهما حال مثال الأمر بإكرام العلماء. أي أنّ الشك يكون في المدلول لا في حجّيّة الدليل.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  30/ الجزء الثاني

 

بقي الكلام في تحقيق الحال فيما مضت من وجوه استحالة الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ. و قد عرفت أنّها على قسمين إذ بعضها يرجع إلى الإشكال من ناحية العقل النظريّ، و بعضها يرجع إلى الإشكال من ناحية العقل العملي.

 

الإشكال من ناحية العقل النظريّ

أمّا القسم الأوّل، فقد عرفت أنّ له تقريبين: أحدهما: لزوم اجتماع الضدّين أو المثلين. و الثاني: لزوم نقض الغرض. و قد ذكر في مقام الجواب عن هذا القسم وجوه. و لا أقصد بذلك أنّهم أرادوا الجواب عن كلا الإشكالين، إذ لم يذكر كلا الإشكالين بهذا الشكل في كلام كلّ من تعرّض للإشكال و الجواب. و إنّما المقصود: أنّهم دفعوا إشكال استحالة الجمع بين الحكمين من وجهة العقل النظريّ و لو في الجملة بأحد وجوه:

الوجه الأوّل: منع كون الحكم الظاهريّ حكما تكليفيّا كي ينافى الحكم الواقعيّ، و إنّما هو عبارة عن جعل الطريقيّة، أو جعل المنجّزيّة، أو جعل الحجّيّة، أو غير ذلك. على اختلاف تعبيراتهم و تقريباتهم لذلك.

فذكر المحقّق النائيني رحمه اللّه جعل الطريقيّة [1]، و ذكر المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه جعل المنجّزيّة [2]، و نحن جعلنا الجميع جوابا واحدا باعتبار ما عرفته من الجامع بينها.

و الواقع إنّ هذا الوجه لا يدفع شيئا من الإشكالين.

أمّا إشكال نقض الغرض، فلأنّ الحكم الظاهريّ بأيّ لسان كان إن لم تترتب عليه صيرورة المكلّف في سعة من ناحية مخالفة الحكم الواقعيّ

 

_______________________

[1] في الأمارات أو فيها و في الأصول المحرزة أيضا بمعنى من المعاني.

[2] و استثنى في كفايته من هذا الجواب مثل أصالة الإباحة.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  31/ الجزء الثاني

 

كان هذا خلفا، و كان الحكم الظاهريّ لغوا، و لم يكن منتجا للأثر المقصود و النتيجة المطلوبة من الأحكام الظاهريّة. و إن ترتبت عليه هذه السعة لزم نقض الغرض، لأنّ المكلّف يترك الواقع المطلوب اعتمادا على هذه السعة الثابتة له من قبل المولى.

و أمّا إشكال اجتماع الضدّين، فلأنّ الإشكال لم يكن متمركزا في نفس صياغة الحكمين التكليفين و كيفيّة الجعل و الاعتبار، كي يقال: إنّ الحكم الظاهريّ ليس حكما تكليفيّا و إنّما هو حكم وضعيّ و جعل للطريقيّة أو لغيرها من الأمور الاعتباريّة. و إنّما التضاد متمركز في مبادئ هذه الاعتبارات من المصالح و المفاسد و ما في نفس المولى من الحبّ و البغض، و لا تؤثّر في حساب ذلك صيغة الجعل و الاعتبار. فما أفادوه في المقام من بيان أقسام جعل الحكم الظاهريّ من جعل الطريقيّة و المنجّزيّة و الحجّيّة و غير ذلك غير مرتبط بالمقام أصلا، و إن أثّر ذلك في تصعيد مستوى علم الأصول على أساس ما ترتبت عليه من ثمار في مقامين:

أحدهما: في تقديم أحد الأدلّة على غيره في مقام التعارض و عدمه، إذ التعارض مربوط بباب اللّفظ و التعبير و تؤثّر فيه الصياغات. و يأتي الكلام في ذلك إن شاء الله.

و الثاني: فيما مضى من بحث قيام الأمارات مقام العلم و قد مضى تفصيله.

الوجه الثاني: إنّ مبادئ الحكمين ليست مرتكزة على مورد واحد حتّى تقع المنافاة. فمبادئ الحكم الواقعي ثابتة في المتعلّق، و مبادئ الحكم الظاهريّ ثابتة في نفس الحكم.

و يرد عليه: إنّ مبادئ الحكم الظاهري لو كانت ثابتة في نفس الحكم - بأن لم يكن وراء إيجاد الحكم غرض للمولى يحصل بالإتيان بمتعلّقه - لم يحكم العقل بلزوم اتباع هذا الحكم أصلا، و بتعبير آخر: قد مضى منّا أنّ


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  32/ الجزء الثاني

 

المحرّكيّة العرضيّة للحكم بواسطة حكم العقل متمّمة للمحركيّة الذاتيّة، و مع فرض عدم تعلّق غرض للمولى وراء إصدار الحكم بالإتيان بمتعلّقه ليست للحكم محركيّة ذاتيّة للعبد - بملاك حبّ العبد لإنجاز أغراض المولى - إذ المولى وصل إلى أغراضه بإيجاد الحكم و لا يريد شيئا آخر.

و إن شئت فقل: إنّ غاية ما يتصوّر في العبد من دافع الامتثال و حالة الطواعيّة و الخضوع للأوامر أن يكون العبد بمنزلة جوارح المولى، و كما أنّ جوارح المولى لا تتحرّك نحو المتعلّق إذا لم يكن غرض فيه كذلك حال العبد المطيع.

و لو أمكن الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ بهذا الوجه لأمكن الجمع بين حكمين واقعيين به أيضا حينما لا يتنجّز كلاهما كي ينتهي الأمر إلى التضادّ من حيث التنجّز. فلو ورد (أكرم العلماء) و ورد (لا تكرم الفساق) ففي مادّة الاجتماع إن لم يتنجّز كلاهما بحصول القطع بعلم زيد و بفسقه مثلا، أمكن الجمع بينهما بافتراض أنّ الملاك في أحدهما في المتعلّق و في الآخر في نفس الحكم.

هذا. و نحن لا ننكر أنّه كثيرا مّا يكون ملاك الحكم في نفس الحكم دون متعلّقه، لكن لا بمعنى أن لا يكون هناك غرض للمولى وراء الحكم، بل بمعنى أنّ الإتيان بالمتعلّق بعنوانه الأوّليّ ليس مطلوبا، و إنّما المطلوب هو امتثال حكم المولى فيحكم المولى بالمتعلّق كي يمتثله العبد فتتحقّق هذه المصلحة خارجا. و لعلّ هذه المصلحة هي الملحوظة في جلّ العبادات أو كلّها.

الوجه الثالث: ما أفاده المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللَّه) في المقام - بغضّ النّظر عن الجواب الأوّل - و نحن نذكر هنا ما يستنبط عادة من عبارته مع تحقيق الحال في ذلك، تاركين الكلام عن محتملات مقصوده و تحقيق بعض عبائره و خصوصيّات كلامه.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  33/ الجزء الثاني

 

فنقول: إنّ ما يفسّر به عادة كلامه هو أنّ للحكم مرتبة الإنشاء، و هي عبارة عن الحكم الّذي يكون مشتركا بين العالم و الجاهل. و مرتبة الفعليّة، و هي التي تكمن فيها مبادئ الحكم. فالمنافاة إنّما تقع بين الحكمين لو فرضا معا فعليّين بينما الحكم الفعلي بشأن المكلّف في موارد وجود الحكم الظاهريّ إنّما هو الحكم الظاهريّ، و أمّا الحكم الواقعيّ فهو إنشائيّ فلا منافاة بينهما.

و ليس الحكم الواقعي إنشائيّا صرفا كي يقال: إنّ لازم ذلك إذن هو عدم تنجّز الحكم الواقعيّ حتى بالعلم إذ لا قيمة للعلم بصرف الإنشاء و الاعتبار، بينما لا إشكال في تنجزه بالعلم، و إنّما المقصود بإنشائيّة الحكم الواقعيّ هو عدم فعليّته من ناحية الشك فقط، أي أنّ كل الأمور الدخيلة في فعليّة الحكم ثابتة عدا العلم بهذا الإنشاء، فالعلم به هو أحد الأمور الدخيلة في فعليّة الحكم و هو منتف حسب الفرض. فالحكم الواقعيّ فعليّ من غير ناحية الشك و يكون العلم به موضوعا للفعليّة الكاملة، فإذا علم به وجب عليه امتثاله، و إذا لم يعلم به جاء الحكم الظاهريّ و كان هو الفعليّ بشأنه، و لا ينافيه الحكم الواقعيّ لأنّه ليس فعليّا من جميع الجهات.

و أورد المحقّق النائيني (رحمه اللَّه) على هذا الوجه بأنّ التفكيك بين مرتبة الإنشاء و الفعليّة في المقام غير معقول. فمرتبة الإنشاء عبارة عن مرتبة الجعل و الاعتبار الثابتة بمجرّد إصدار الحكم. كقوله تعالى: و للَّه على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا. و مرتبة الفعليّة إنّما تتحقّق بتحقّق الموضوع و هو الاستطاعة في مثال الحجّ مثلا، و هذه هي فعليّة المجعول و المعتبر. و الخلاصة إنّ الحكم بنحو القضيّة الحقيقيّة ما لم يوجد موضوعه خارجا يكون في مرحلة الإنشاء و الجعل، فإذا انطبق خارجا على موضوعه صار فعليّا، و إذا وقع الشك في حكم من الأحكام، فإن فرض العلم و عدم الشك جزءا لموضوع هذا الحكم، إذن فهذا الإنسان الشاك خارج عن موضوع هذا الحكم و لا يوجد بشأنه حكم فعليّ و لا إنشائيّ. و إن فرض عدم


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  34/ الجزء الثاني

 

كون ذلك جزءا للموضوع إذن الحكم بشأنه فعليّ، فالتفكيك بين المرتبتين بلحاظ ما نحن بصدده أمر غير معقول.

و هذا الإيراد من المحقّق النّائيني (رحمه اللَّه) على المحقّق الخراسانيّ (قدّس سرّه) خلط بين مصطلحات المحقّق الخراسانيّ و مصطلحات المحقّق النّائيني، و تحميل لمصطلحات المحقّق النائيني (رحمه اللَّه) على عبارة المحقّق الخراسانيّ.

فليس مقصود المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللَّه) من مرتبتي الإنشاء و الفعليّة هما مرتبتا الجعل و المجعول بالمعنى المعروف عن المحقّق النائيني (رحمه اللَّه) كي يرد عليه هذا الإشكال، بل مقصوده هو التفكيك بين مدلولين تصديقيّين للكلام.

توضيحه: إنّ لصيغة (افعل) مثلا دلالة تصوّريّة و هي دلالته على النسبة الطلبيّة مثلا بحسب عالم التصوّر، و دلالة تصديقيّة نهائيّة و هي دلالته على وجود مبادئ الحكم في النّفس، و دلالة تصديقيّة أخرى متوسطة بين الدلالتين، و هي على مذاق المشهور - و منهم المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللَّه) - إيجاديّة، و بهذا يميّزون الإنشائيّات عن الإخبار، فصيغة (افعل) مثلا توجد الطلب في الخارج، و على مذاق آخر ليست إيجاديّة و إنّما هي دلالة على اعتبار نفسانيّ أوجده المولى في نفسه، و هو اعتبار الفعل في ذمّة المكلّف مثلا، و من وراء هذا ما مضى من المدلول التصديقيّ النهائيّ و هو المبادئ.

و هاتان الدلالتان التصديقيّتان قد تكونان تامّتين و قد توجد قرينة على انتفاء الدلالة التصديقيّة النهائيّة. و الحكم المشتمل على كلا المدلولين يصطلح عليه المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللَّه) بالحكم الفعليّ. و الحكم المنسلخ عن المدلول النهائيّ يصطلح عليه بالحكم الإنشائيّ. و مقتضى إطلاق دليل الحكم و إن كان هو ثبوت كلا المدلولين في ظرف الشك، لكنّ جعل الحكم الظاهريّ في ظرف الشك بعد فرض استحالة الجمع بينه و بين


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  35/ الجزء الثاني

 

حكم فعليّ آخر قرينة على عدم إرادة المدلول التصديقي النهائيّ [1]، لكن لا مطلقا كي يكون الحكم الواقعي إنشائيّا صرفا و لا يتنجّز بحصول العلم، بل بمقدار وجود الحكم الظاهريّ، إذ في الزائد على ذلك لا قرينة على عدم إرادة المدلول التصديقيّ النهائيّ، و الضرورة تتقدّر بقدرها. كما أنه إنّما يرفع اليد عن المدلول التصديقيّ النهائيّ و هو ثبوت مبادئ الحكم في نفس المولى بمقدار الإلزام دون أصل الرجحان لعدم منافاته مع الحكم الظاهريّ، فأصل الرجحان ثابت و من هنا يتمّ حسن الاحتياط في ظرف الشك. هذا.

و الحكم الإنشائيّ هو المشترك بين العالم و الجاهل و الّذي به ترتفع مشكلة التصويب.

و أورد المحقّق العراقي (قدّس سرّه) على المحقّق الخراسانيّ أنّ لازم ما ذكره عدم تكفّل الخطابات الواقعيّة إلاّ لذاك الحكم الإنشائيّ دون المدلول التصديقيّ النهائيّ مطلقا، أي حتّى في ظرف العلم، و ذلك لأنّ الحكم الفعليّ و هو المدلول التصديقيّ النهائيّ مشروط بالعلم - على الفرض - و العلم الدخيل فيه هو العلم بالخطاب لا العلم بنفسه، إذ العلم بشي‏ء يستحيل أن يكون موضوعا لنفس ذلك الشي‏ء، فيكون المدلول التصديقيّ في طول العلم بالخطاب الّذي هو في طول الخطاب، فيستحيل دلالة الخطاب عليه، إذ لا تعقل دلالته على ما في طوله.

و الجواب: إنّ الخطاب بعد فرض التقييد بالحكم الظاهريّ يدلّ على فعليّة الحكم على تقدير العلم بالخطاب. أي يدلّ على قضيّة شرطيّة و هي

 

_______________________

 [1] يشبه حلّ المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللَّه) للإشكال - أو يرجع إليه - الحلّ الّذي كان يتبنّاه أستاذنا المرحوم آية اللَّه الشاهرودي (رحمه اللَّه) من التفصيل بين الجانب الوضعيّ للتكليف و هو انشغال الذمّة و الجانب التكليفيّ له و هو المطالبة بالأداء، فالأوّل هو المشترك بين العالم و الجاهل، و الثاني هو المختص بالعالم. و كان يعبّر (رحمه اللَّه) أحيانا بأنّ الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهريّ - يعني التكليفين - مستحيل.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  36/ الجزء الثاني

 

إنه لو علم المكلّف بالخطاب لأصبح الحكم بشأنه فعليّا، فإذا تحقّق الشرط تحقّق الجزاء، و هذا غير افتراض دلالة الخطاب ابتداء على فعليّة الجزاء كي يرد عليه: أن الجزاء في طول العلم بالخطاب فكيف يدلّ عليه الخطاب؟ فهذا خلط بين دلالة الخطاب على الفعليّة التنجيزيّة و دلالته على الفعليّة على تقدير، فإذا علمنا نحن بتحقّق التقدير علمنا بتحقّق الفعليّة.

و قد اتضح أنّ الإشكالين اللذين أوردا على المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللَّه) غير واردين عليه.

نعم الكلام في أنّ ما أفاده المحقّق الخراسانيّ هل هو دفع للإشكال أو التزام به؟ [1] و يختلف ذلك باختلاف الاعتقاد بمقدار بطلان التصويب و اشتراك الحكم بين العالم و الجاهل الّذي هو أساس الإشكال في الحكم الظاهري.

فإن قلنا بأنّ المقدار المسلّم اشتراكه بين العالم و الجاهل إنّما هو هذا الحكم الإنشائيّ الّذي هو اعتبار نفساني أو إيجاد للطلب مثلا، فلا يبقى إشكال في الحكم الظاهريّ [2]. و إن قلنا بأنّ المشترك بينهما هو لبّ الحكم و هو المدلول التصديقي النهائيّ، فكلام المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللَّه) التزام بالإشكال و إنكار لوجود هذا القدر المشترك، و ليس دفعا للإشكال.

 

_______________________

 [1] و على تقدير أن يكون دفعا للإشكال و صحيحا. فهو و إن كان في نفسه جوابا صحيحا و يكفي لإبطال شبهة الاستحالة، و لكن بما أنّه يشتمل على رفع اليد عن ظهور الخطاب في الفعليّة لا ينبغي أن يصار إليه ما أمكن حلّ الإشكال مع التحفظ على الظهور، كما سترى إن شاء الله.

[2] لو كان دليلنا على بطلان التصويب هو الاستحالة العقليّة كان حلّ المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللَّه) كافيا لعلاج مشكلة التصويب، كيف لا و يكفي للعلاج ما هو أقلّ من فرض الاشتراك في ذاك الاعتبار النفسانيّ أو الأمر الإيجادي، إذ يكفي في رفع استحالة توقف الشي‏ء على العلم به أخذ العلم بالجعل في متعلّق المجعول بالمصطلح الميرزائي، على تحقيق مضى في بحث القطع. و لو كان دليلنا على بطلانه الإجماع فالإجماع إن كان فهو على لبّ الحكم و واقعه لا على الاشتراك في صيغة جوفاء.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  37/ الجزء الثاني

 

هذا بغضّ النّظر عن أنّ هذا الاعتبار النفسانيّ أو الأمر الّذي يوجد بالإنشاء غير ثابت في باب الأحكام على الإطلاق، إذ لو بيّن الحكم بغير الإنشاء لم يتحقّق ذلك. أمّا بناء على كون ذلك عبارة عن أمر يوجد بالإنشاء كما هو مبنى المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللَّه). فواضح لفرض عدم الإنشاء. و أمّا بناء على كونه اعتبارا نفسانيا فلأنّ ثبوته لغو صرف، لأنّا لا نحتمل وجود ملاك في نفسه، و في باب الإنشاء كان يوجد هذا الاعتبار تحفّظا على الجهة اللغويّة، إذ المفروض أنّ الإنشاء موضوع لإبراز ذلك. أمّا مع انتفاء الإنشاء فلا وجه لإيجاد هذا الاعتبار أصلا [1].

الوجه الرابع: ما نسب إلى المحقّق العراقي رحمه اللّه و هو التبعيض في مبادئ الحكم. توضيحه: إنه كما أن الشي‏ء المركّب من أجزاء قد تتبعّض فيه مبادئ الحكم من الملاك و الإرادة، فيكون الملاك و الإرادة متعلّقين به من جهة الجزء الأوّل مثلا، أو قل: إنّ الملاك و الإرادة متعلّقان بالجزء الأوّل لا بكلّ المركّب، كذلك يمكن افتراض جهات عديدة للوجود بعدد مقدّماته و تبعّض المبادئ بلحاظها، فقد تتعلّق إرادة المولى بذاك الوجود بقدر المقدّمة الفلانية دون سائر المقدّمات، فمن مقدّمات حصول واجب مّا من العبد إبراز المولى طلبه لذلك بالخطاب الواقعي، و منها إيصال الحكم إلى العبد بجعل الاحتياط أو غيره، فلذاك الواجب جهتان من الوجود باعتبار هاتين المقدّمتين، فمن الممكن أن تتعلّق إرادة المولى بخصوص الجهة الأولى من جهتي وجوده، و هذا إنّما يستدعي إبراز المولى طلبه بالخطاب الواقعي

 

_______________________

 [1] لا نكتة لوضع الإنشاء لإبراز ذاك الاعتبار دون إبراز مبادئ الحكم رأسا إلاّ افتراض أن هذا طبع عقلائيّ و أسلوب يعتمدونه لتنظيم أحكامهم و صياغتها في صيغة عقلائيّة. و لو صحّ هذا الكلام فالإخبار عن الحكم سيكون إخبارا عن هذا الاعتبار. نعم لو كان دليلنا على افتراض إنشاء شي‏ء وراء الحبّ و البغض كون الإنشاء إيجادا و لا يمكن إيجاد الحبّ و البغض بالإنشاء، فهذا الدليل لا يرد في الاخبار. فهذا الإشكال وارد على المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللَّه) مبنائيا.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  38/ الجزء الثاني

 

و قد فعل، أمّا إيصال ذلك إلى العبد فالمفروض عدم تعلّق إرادة المولى بجهة وجود الواجب من ناحيته، فلا محذور في عدم تصدّي المولى لإيجاد هذه المقدّمة بل تصدّيه لخلافها و جعل أصالة البراءة مثلا.

أقول: إنّ تعدّد الجهات يتصوّر في طرف الوجود بلحاظ الأجزاء لانبساط وجوده على الأجزاء، و لكن لا يتصوّر بلحاظ المقدّمات إلاّ في طرف العدم دون طرف الوجود، لأنّ الشي‏ء لا تتعدّد جهة وجوده بتعدّد مقدّماته و أجزاء علّته، و إنّما التعدّد ثابت في ناحية العدم، فإنّه يشترط في وجود الشي‏ء وجود مجموع أجزاء علّته، و لكن يكفي في عدمه عدم واحد منها، فعدم أيّ جزء من أجزاء العلّة باب من أبواب عدم المعلول.

فلكي يرجع هذا الوجه إلى وجه معقول نسبيّا ينبغي أن يكون المراد منه: افتراض أنّ إرادة المولى تعلقت بسدّ باب عدم الشي‏ء من ناحية خاصة دون سدّ باقي أبواب عدمه، فأحد أبواب عدم الواجب كان هو عدم إبراز المولى لإرادته بالخطاب الواقعي و قد سدّه، أمّا الباب الآخر و هو عدم إيصال الحكم إلى العبد بجعل الاحتياط مثلا فلم يسده، لعدم تعلّق إرادته بسدّ كلّ الأبواب، بل تعلّقت إرادته بما ينافي سدّ هذا الباب و يبقيه مفتوحا على مصراعيه بجعل أصالة البراءة مثلا.

فلو ارجع هذا الوجه إلى البيان الّذي بيّناه فجوابه الفنّي أن يقال: إنّه إذا فرض تعلّق إرادة المولى بسدّ باب عدم صلاة الجمعة مثلا من ناحية عدم إبرازه لإرادتها فقد فرضت في المرتبة السابقة على إرادة سدّ باب العدم إرادة أخرى متعلّقة بوجود الصلاة، فيقع الكلام في هذه الإرادة المتعلّقة بوجود الصلاة فإن أرجعت هذه الإرادة أيضا إلى إرادة سدّ باب عدم صلاة الجمعة من ناحية عدم إبراز إرادة الصلاة فقد فرضنا مرة أخرى في المرتبة السابقة إرادة متعلّقة بوجود الصلاة، و هكذا إلى أن يتسلسل أو نستقر على إرادة متعلّقة بوجود الصلاة و إذا استقررنا على إرادة متعلّقة بوجود


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  39/ الجزء الثاني

 

وقعت المنافاة بين الحكم الواقعيّ و الظاهريّ بلحاظ هذه الإرادة [1].

نعم لو فرض سلخ ذاك الإبراز رأسا عن مبادئ الحكم من الملاك و الإرادة رجع هذا إلى الوجه الثالث، و ضمّ بقيّة الخصوصيات إليه من قبيل ضمّ الحجر إلى جنب الإنسان.

الوجه الخامس: ما أفاده المحقّق العراقي (رحمه اللَّه) في مقالاته و هو مبتن على القول بالطريقيّة، لا بمعنى جعل الطريقيّة الّذي يقول به المحقّق النائيني (رحمه اللَّه) في قبال جعل المنجّزيّة مثلا، بل بمعنى كون مبادئ الأحكام الظاهريّة هي نفس مبادئ الأحكام الواقعيّة، و أنّها شرّعت للحفاظ على الأحكام الواقعيّة، في قبال السببيّة بمعنى كون قيام الأمارة مثلا محدثا لملاك آخر في مقابل ملاك الواقع. و فرض طريقيّة الحكم الظاهريّ بهذا المعنى يساوق فرض عدم الإشكال من ناحية تضادّ الحكمين، إذ التضادّ بينهما كان من ناحية المبدأين و المفروض عدم وجود مبدأ مستقل للحكم الظاهريّ في قبال مبادئ الواقع.

نعم يبقى إشكال نقض الغرض، حيث يؤدّي الحكم الظاهريّ أحيانا إلى ترك الواجب مثلا، بينما المفروض تعلّق الغرض اللّزوميّ للمولى به في الواقع، و هذا نقض للغرض. و قد تصدّى المحقّق العراقيّ (رحمه اللَّه) لدفع هذا الإشكال بجواب يقوم على أساس مقدّمة:

و تلك المقدّمة هي: أنّ مقدّمات الواجب على قسمين:

 

_______________________

 [1] بل حتّى لو تكلّمنا في مقدّمات أخرى غير إبراز إرادة العمل قلنا: إنّ سدّ أيّ باب من أبواب العدم المنفتح من جهة مقدّمة أو جزء علّة ليس إلاّ مقدّمة من مقدّمات وجود المعلول لا عينه أو جزءه كما هو واضح، و معه يستحيل أن تكون إرادته عين إرادة المعلول أو جزؤها، فإنّ معروضي الإرادتين إذا تباينا فلا بدّ من تباين العارضين و هما الإرادتان، فإرادة سدّ باب من أبواب العدم بإيجاد المقدّمة أو جزء العلّة إنّما هي معلولة لإرادة المعلول و مترشّحة منها لا عينها، فالتنافي بلحاظ إرادة المعلول قائم على حاله.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  40/ الجزء الثاني

 

القسم الأوّل: ما يكون مقدّمة لنفس الفعل بما هو بغضّ النّظر عن إرادة المولى، كطي المسافة الّذي هو مقدّمة للحجّ مثلا، بلا ربط لذلك بتعلّق إرادة المولى بالحجّ و عدمه.

و القسم الثاني: ما يكون مقدّمة للفعل في طول تعلّق إرادة المولى بالفعل، و هذه المقدّمة تارة تكون راجعة إلى المولى، كإبراز المولى إرادته بالخطاب، فهو مقدّمة لصدور الفعل من العبد، إذ به يتنجّز الحكم على العبد، و يتحرّك بذلك نحو الفعل. و ليس هذا الإبراز مقدّمة للفعل بما هو فعل، بل هو مقدّمة له في طول تعلّق إرادة المولى به، إذ إنّما يكون ذاك الإبراز مقدّمة بما هو كاشف عن الإرادة المولويّة، و الكاشف يكون في طول المنكشف. و أخرى تكون راجعة إلى العبد، كإرادة العبد للفعل، فإنّها من المقدّمات الّتي تكون في طول إرادة المولى، إذ هي الّتي توجب انقداح الداعي و الإرادة في نفس العبد. هذه هي المقدّمة.

و بعد ذلك نقول: إنّ إرادة الفعل إنّما تكون محرّكة نحو مقدّمات الفعل الّتي ليست في طول الإرادة، و لا تحرّك نحو المقدّمات الّتي هي في طولها، لاستحالة محرّكيّة الشي‏ء نحو ما يكون في طوله. و على هذا الأساس يقول المحقّق العراقي (رحمه اللَّه): إنّه تستثنى في وجوب المقدّمة من تمام المقدّمات إرادة الفعل فهي لا تتّصف بالوجوب المقدّمي لكونها في طول إرادة المولى.

هذا بلحاظ المقدّمات الرّاجعة إلى العبد.

و كذلك الكلام بلحاظ ما يرجع إلى المولى، فإبراز المولى إرادته بالخطاب لا يعقل تحرّك المولى نحوه بنفس إرادة الفعل لكونه في طولها، و إنّما يكون تحرّكه نحوه بإرادة أخرى في عرض تلك الإرادة، و هذه الإرادة الثانية تختلف باختلاف شدّة ملاك الفعل و ضعفه، فقد يكون ملاك الفعل قويّا إلى حدّ تتعلّق إرادة المولى بسدّ كلّ أبواب العدم الراجعة إلى نفسه، فيبرز إرادته للفعل و يوصلها إلى العبد بأيّ نحو أمكن من الخطاب


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  41/ الجزء الثاني

 

الواقعي، و جعل وجوب الاحتياط، و عنوان صدّق العادل، و لا تنقض اليقين بالشك، و غير ذلك، و قد لا يكون الفعل بهذه الدرجة من الأهمية فلا تتعلّق إرادة المولى بإبراز إرادته للفعل إلاّ بمقدار الإبراز الّذي يتحقّق بنفس الخطاب الواقعي مثلا، و أمّا إبرازها بمثل جعل وجوب الاحتياط كي لا يتفق في الخارج ترك المأمور به من ناحية عدم الوصول إلى العبد، فلم تتعلّق إرادة المولى به. بل قد تتعلّق إرادته بخلافه و لا تنافي بين هذه الإرادة و إرادة الفعل، و لا بينها و بين إرادة الإبراز. أمّا الأول: فلأنّ المفروض أن إرادة الفعل لا تحرّك نحو الإبراز كي تنافيها إرادة خلافه. و أمّا الثاني: فلأنّ المفروض ضيق دائرة إرادة المولى للإبراز، و عدم شمولها لمثل جعل الاحتياط فلا تنافي إرادة خلاف ذلك.

هذا ما يستفاد من مقالات المحقّق العراقي (رحمه اللَّه) و يرد عليه:

أوّلا: - منع كون مقدّمة الفعل من طرف المولى - أعني إبراز المولى لإرادته - في طول الإرادة (و المقصود كون مقدّميّته في طول الإرادة)، فإن مقدّميته له تكون باعتبار كاشفيته، و دخل الكاشفيّة في ذلك يكون باعتبار كون الانكشاف موضوعا لحكم العقل بالتنجّز، و قد مرّ في بحث التجرّي أن ما هو الموضوع لحكم العقل بالتنجّز هو جامع الانكشاف لا خصوص الانكشاف المطابق للواقع، و جامع الانكشاف ليس في طول الواقع، فمقدّميّة هذا الإبراز ليست في طول الواقع و هو الإرادة الموجودة في نفس المولى، و هو ما يسمّى بالمنكشف بالعرض، و إنّما هو في طول المنكشف بالذّات، و هو عنوان إرادة المولى الموجود في نفس المنكشف له.

و ثانيا: - إنّا لو سلّمنا مثلا أن الإبراز مقدّمة للفعل بماله من الانكشاف المطابق للواقع. قلنا: وقع هنا خلط بين كون ذات المقدّمة في طول الإرادة و كون مقدّميتها في طولها.

بيان ذلك: أنّ ما هو في طول إرادة المولى إنّما هو وجود ذات إبراز


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  42/ الجزء الثاني

 

الإرادة. و أما مقدّمية هذا الإبراز للفعل - بمعنى توقّف الفعل عليه في لوح الواقع بحيث لا يوجد في الخارج الفعل لو لم يوجد الإبراز المطابق للواقع مثلا - فهي ثابتة سواء تحقّقت الإرادة من المولى أو لا، فما هو في طول إرادة المولى إنّما هو وجود الانكشاف لا مقدّمية الانكشاف، فحال هذه المقدّمة هي حال سائر مقدّمات الفعل الّتي تحرّك إرادة الفعل نحوها، و ذلك لأنّ نكتة المحرّكية نحو المقدّمة هي مقدّميتها لا وجودها. كيف لا؟ و وجود الشي‏ء إنّما يكون موجبا لانتهاء أمد التحرّك نحو إيجاده و انتفائه لا موجبا لوجوده [1].

 

_______________________

 [1] و ثالثا - هب أنّ مقدّميّة شي‏ء كانت في طول إرادة المولى، فلما ذا يكون هذا سببا لعدم تحريك تلك الإرادة نحو تلك المقدّمة؟ علما بأنّ تحريك تلك الإرادة تكون بمعنى خلقها لإرادة ثانية تتعلّق بالمقدّمة، لا بمعنى تعلّقها هي بالمقدّمة كي يستحيل تعلّقها بما في طولها، فمثلا لو كانت إرادة المولى لكون العبد على السطح سببا لمقدّميّة وضع الدرج للكون على السطح، فلو لا إرادة المولى لذلك لكان العبد قادرا على الكون على السطح بلا حاجة إلى الدرج، و لكن إرادة المولى لكون العبد على السطح خلقت هذه المقدّميّة، أ فلا يشتاق المولى عندئذ إلى وضع الدرج، رغم علمه بأنّ مطلوبه قد توقف لأيّ سبب من الأسباب على وضعه؟ إلاّ أنّ الّذي أفهمه من كلام المحقّق العراقي (رحمه اللَّه) في مقالاته هو غير ما فهمه أستاذنا الشهيد (رحمه اللَّه) من كلامه، فليس المفهوم من كلامه (رحمه اللَّه) افتراض أنّ المقدّمة الّتي تكون مقدّميّتها في طول إرادة المولى لا تترشح إليها الإرادة، كما أنّه لم يذكر هنا شيئا عن عدم الوجوب المقدّمي لإرادة المكلف للفعل الواجب (على أنّ مقدّميتها ليست في طول إرادة المولى و إنّما هي ذاتها في طول إرادة المولى).

و إنّما الّذي أفهمه من كلامه (رحمه اللَّه) هو أنّ الخطاب إنّما يدلّ على فعليّة الحكم و إرادة المولى له و لمقدّماته بقدر المقدّمات الّتي ليس وجودها في طول الخطاب، أمّا المقدّمة الّتي يكون وجودها في طول الخطاب، من قبيل وصول الخطاب إلى العبد و حصول العلم به للمكلّف، فالخطاب لا يدلّ على لزوم حفظها و حفظ متعلّق الحكم من ناحيتها. إذن: فالخطاب لا يدلّ على وجوب تحصيل العلم به على المكلّف في صورة ما إذا كان المكلّف قادرا على تحصيل العلم، فضلا عما لو لم يكن قادرا عليه، إذ حينئذ لا يكون للعبد محرّك في هذه المرتبة إلاّ بإحداث خطاب آخر شامل لمرتبة الجهل بالخطاب الأول كالأمر بالاحتياط، و هذا غير لازم على المولى فله تفويت هذه المقدّمة و الاقتصار على أصل الخطاب الأوّل. و هذا الكلام راجع إلى ما يقرب من الوجه


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  43/ الجزء الثاني

 

____________________

..........الرابع الّذي مضى عن أستاذنا الشهيد (رحمه اللَّه) أنّه نسب إلى

المحقّق العراقي، من دون تأويله بما مضى عن أستاذنا الشهيد (رحمه اللَّه) من مسألة التبعيض و تقطيع الإرادة على أبواب العدم، بل المقصود هو تبعيض فعليّة الحكم بلحاظ جهات الوجود. أمّا الإشكال عليه بأنّ الوجود لا تتعدّد جهاته بتعدد المقدّمات لعدم انبساط الوجود إلاّ على الأجزاء فقد يقال: إنّه غير وارد على المحقّق العراقي، فإننا لو تكلمنا في مجموع المقدّمات الّتي تكون كلّ واحدة منها جزء علّة، و لا بد من اجتماعها كي يحصل ذو المقدّمة، و افتراضنا التبعيض في تعلّق الإرادة بتلك المقدّمات بمعنى تصدّي المولى لإيجاد بعضها دون بعض رغم عدم انتهاء ذلك إلى تحقّق ذي المقدّمة لفقدان بعض أجزاء علّته، لورد عليه هذا الإشكال، و لكن المقصود ليس هو هذا، و إنّما المقصود أنّ الخطاب مقدّمة لتحقّق الفعل قد تنتهي إلى الفعل لاقترانها صدفة بالمقدّمات الأخرى كالعلم به، و إرادة المولى للفعل - بقدر ما دلّ عليه الخطاب - لم تثبت بأكثر من أنّ يهتمّ المولى به بقدر إصدار الخطاب برجاء أن ينتهي صدفة إلى صدور الفعل أمّا تعلّقها به بمستوى يوجب تحريك المولى نحو إيجاب تحصيل العلم، أو إيجاب الاحتياط، أو ما شابه ذلك، فلم يدلّ عليه الخطاب كي ينافي الحكم الظاهري، و إن شئت فعبر عن ذلك بأنّ إرادة المولى للفعل كانت بمستوى يدعوه إلى سدّ بعض أبواب العدم لا جميعها.

و لعلّ الّذي جعل أستاذنا الشهيد (رحمه اللَّه) يفسّر عبارة المحقّق العراقي (رحمه اللَّه) بالتفسير الّذي مضى، هو ما جاء في عبارته من تحديد مقدار دلالة الخطاب بحفظ مرامه بمقدار استعداد خطابه و هو ليس إلاّ حفظ المقصود بجميع مقدّماته المحفوظة في الرتبة السابقة عن خطابه، بلا شمول الخطاب بمضمونه للإرادة على حفظ مرامه من قبل المقدّمات المتأخّرة عن الخطاب و لو بمثل تطبيق العبد خطاب مولاه على المورد مقدّمة لحركته... إلخ. بينما هذا النص لا ينظر إلى المقدّمات الّتي تكون مقدّميتها في طول الخطاب، و إنّما ينظر إلى المقدّمات الّتي تكون بذاتها وليدة للخطاب كالعلم بالخطاب. و لعلّ قوله: (و لو بمثل تطبيق العبد خطاب مولاه على المورد مقدّمة لحركته) هو الّذي فهم منه أستاذنا الشهيد (رحمه اللَّه) استثناء إرادة الفعل من الوجوب المقدّمي، بينما الظاهر أن مقصوده بالتطبيق تحصيل العلم، كما يشهد له قوله بعد هذا النص مباشرة: »و حينئذ يخرج مثل هذه المقدّمات عن حيطة فعليّة الخطاب بمضمونه فلا بأس حينئذ من ترخيص المولى على تفويت مرامه و لو بترخيصه على ترك تطبيق خطابه على المورد بتحصيل علمه بخطابه، فضلا عن صورة عدم تمكّن العبد عن التطبيق«. نعم من الصحيح أن تستثنى إرادة الفعل من الوجوب المقدّمي من باب أنّها غير اختياريّة، و أنّها تتولد في النّفس من إرادة المولى قهرا.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  44/ الجزء الثاني

 

____________________

.......... و على أيّ حال فيرد على كلام المحقّق العراقي (رحمه اللَّه): أنّ تصدّي المولى لتحقيق المقدّمة الثانية بإيجاب الاحتياط - كما تصدّى لتحقيق المقدّمة الأولى مثلا - لو كان يستدعي منه صرف نشاط إضافي يتعبه مثلا. فقد يقال: إنّ إرادة المولى للفعل لم تكن بمستوى يحرّك المولى نحو تحقيق كلتا المقدّمتين، و إنّما كانت بمستوى يحرّك المولى نحو تحقيق المقدّمة الأولى برجاء حصول باقي المقدّمات صدفة. إذن: فعدم تصدّيه لتحقيق المقدّمة الثانية، لا ينافي تعلّق إرادته الإلزاميّة بذي المقدّمة، و لكن هذا لا يحلّ مشكلة المنافاة بين الترخيص في ترك الفعل عند الشك، و تعلّق الإرادة الإلزاميّة بالفعل، ففرق بين افتراض أنّ المولى رغم تعلّق إرادته الإلزاميّة بالفعل لا يوجب الاحتياط عند الشك فيبقى العبد و ما يحكم به عقله من البراءة العقليّة، فقد يترك الفعل اعتمادا على البراءة العقليّة، و قد لا يتركه لعدم إيمانه بالبراءة العقليّة أو لعدم رغبته في الاعتماد عملا على البراءة العقليّة و اقتراض أنّ المولى رغم تعلّق إرادته الإلزامية بالفعل يرخص في ترك الفعل عند الشك، ممّا قد يؤدي إلى ترك العبد للفعل حتى إذا لم يكن يؤمن بالبراءة العقليّة، أو لم يكن يرغب في الاعتماد عملا على البراءة العقليّة لكن لا مانع لديه من الاعتماد على ترخيص الشارع نفسه، فالإشكال هو أنّ هذا الترخيص نقض للغرض. هذا و جاء في ذيل عبارته (رحمه اللَّه) التفكيك بين فعليّة الشوق و فعليّة الإرادة، فذكر ما يستفاد منه: أنّ المصلحة أوجبت الحبّ و الاشتياق، و لكنّها لم توجب فعليّة الإرادة في مرتبة الجهل بالخطاب ما دام المولى لم يوجب الاحتياط. و جعل هذا نكتة لإثبات أنّ الأصل في الأحكام الظاهريّة هو الطريقيّة لا السببيّة، إذ على السببيّة يلزم افتراض رفع اليد عن اقتضاء المصلحة للإرادة بجميع مبادئها حتى عن مقام الحبّ و الاشتياق، كي لا يلزم التضادّ بحسب المبادئ.

أقول: لا يتوهم أنّ افتراض التفكيك بين عالم الشوق و عالم الإرادة قد حلّ الإشكال، فإنّ الشوق إن كان أكيدا فهو الإرادة، و إن لم يكن أكيدا فهذا هو إشكال التصويب. و هذا هو معنى عدم الجمع بين الحكم الظاهري و الحكم الواقعي.

و الخلاصة: أنّ هذا الوجه لم يوضّح لنا كيف يكون الشوق الأكيد فعليّا بالنسبة للواجب، و في نفس الوقت يرخصّ المولى بالترك بمثل جعل البراءة، إلاّ إذا فرض حقيقة أنّ لوجود الفعل عدة جهات بعدد المقدّمات، و أنّ إرادة المولى أو شوقه تعلّقت ببعض جهات الوجود لا جميعها، كما يتصور ذلك في باب الأجزاء. و هذا هو الّذي يرد عليه إشكال أستاذنا الشهيد (رحمه اللَّه) من الفرق بين باب الأجزاء و باب المقدّمات، فتعدد الجهات و التبعيض في الإرادة إنّها يتصور في باب الأجزاء لانبساط الوجود عليها، أمّا من باب المقدّمات فلا ينبسط الوجود عليها، كي


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  45/ الجزء الثاني

 

الوجه السادس: هو الكلام الموروث من العلمين: الميرزا الشيرازي الكبير و الشيخ الأعظم - قدّس سرّهما - من أنّ الحكم الظاهريّ يكون في طول الحكم الواقعيّ، و هما في مرتبتين فلا تنافي بينهما [1].

 

يعقل التبعيض بهذا الشكل.

و إن شئت قلت: إنّه ينبغي أن يكون كلام المحقّق العراقي (رحمه اللَّه) ناظرا إمّا إلى تقطّع الإرادة المتعلّقة بالفعل بلحاظ تعدّد المقدّمات، أو إلى اختلاف درجات الإرادة الإلزاميّة، فبعضها يدعو المولى إلى إيجاد المقدمة الأولى مثلا فحسب، و بعضها يدعوه إلى إيجاد كلتا المقدّمتين، أو إلى تبعيض الإرادة بالاختلاف الحالات

بمعنى عدم فعليّة الإرادة في مرتبة الجهل بالحكم.

و الأوّل يرد عليه: ما مضى عن أستاذنا الشهيد (رحمه اللَّه) من عدم انبساط وجود الشي‏ء على مقدّماته، كي يتصور التقطيع و التبعيض في الإرادة.

و الثاني يرد عليه: أنّ هذا إن تمّ فإنّما يبرّر عدم حفظ المولى للمقدّمة الثانية، و لكن لا يبرّر تصدّيه للترخيص في الخلاف.

و الثالث يرد عليه: إنّ هذا هو عين العجز عن الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي.

لا يقال: أنّنا نختار الثاني و نقول: إنّا لبراءة الشرعية إخبار عن عدم جعل الاحتياط، لا ترخيص في الخلاف، و التأمين إنّما يتمّ بالبراءة العقليّة.

فإنّه يقال: إنّ نفاد البراءة الشرعيّة هو الترخيص في الخلاف، و لذا يتمسّك بها حتى لو لم نقل بالبراءة العقليّة، و لذا من رأي عدم جريان البراءة العقليّة في الأقل و الأكثر الارتباطيّين و رأى أنّ العلم الإجمالي الموجود فيه لا يمنع عن البراءة الشرعيّة أجرى البراءة الشرعيّة في ذلك. على أنّ دليل الترخيص قد يكون أمارة لا مجرد أصل البراءة، كي يتوهم رجوعه إلى الإخبار عن عدم جعل إيجاب الاحتياط.

_______________________

 [1] حلّ الإشكال بتعدّد الرتبة نسبه المشكيني - في تعليقته على

الكفاية - إلى السيّد محمّد الأصفهاني (رحمه اللَّه)، و نسبه المحقق النائيني (رحمه اللَّه) - على ما في أجود التقريرات إلى العلاّمة الشيرازي (رحمه اللَّه).

أمّا الشيخ الأعظم (رحمه اللَّه) فلم أر له هذا الكلام في رسائله. نعم ذكر في أوّل بحث البراءة الطوليّة و تعدّد الرتبة بين الحكم الواقعي و الظاهري لكن لا كجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري بل كنتة لتقديم الدليل الّذي يثبت الواقع على الأصل الّذي موضوعه الشك في الواقع.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  46/ الجزء الثاني

 

و هذا الوجه قد فسّر بتفسيرين: أحدهما على يد المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللَّه) و الآخر على يد المحقّق النائيني (رحمه اللَّه):

أمّا التفسير الأوّل: - فهو أنّ الحكم الظاهري يكون في طول الشك في الحكم الواقعي، إذ هو موضوع للحكم الظاهريّ، و الشك في الشي‏ء يكون في طول الشي‏ء، فيكون الحكم الظاهري متأخرا عن الحكم الواقعي برتبتين فلا تبقى منافاة بينهما.

و أجاب المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللَّه) عن ذلك بأنّ الحكم الظاهري و إن لم يكن يصعد إلى درجة الحكم الواقعي لكن الحكم الواقعي ينزل إلى درجة الحكم الظاهري، و يكون منحفظا معه فيجتمعان في مرتبة واحدة.

 

و هذا الجواب لا يرجع إلى محصل، إذ بعد فرض أنّه أخذ في موضوع الحكم الظاهري ما هو في طول الحكم الواقعي لا يعقل اجتماعهما في رتبة واحدة، بل دائما يوجدان في رتبتين طوليتين لا يصعد هذا إلى تلك المرتبة و لا ينزل ذاك إلى هذه المرتبة.

و الصحيح في الجواب عن هذا الوجه أمران:

الأوّل: - أنّ التأخّر الّذي يمكن توهّمه للشك في الشي‏ء عن نفس ذلك الشي‏ء هو التأخّر الطبيعي، و التحقيق عدم تأخّر الشّكّ في الشي‏ء عن ذلك الشي‏ء هو بالتأخّر الطبيعي، فإنّ ميزان التأخر الطبعي هو أن يكون الشي‏ء بحيث مهما انعدم ذاك انعدم هذا دون العكس، لا من باب كون الأول لازما للثاني، مثاله: تأخر الإثنين عن الواحد و تأخر المعلول عن جزء العلّة. و هذه النكتة كما ترى غير موجودة فيما نحن فيه، فإنّه قد يشك في الشي‏ء بدون أن يكون ذلك الشي‏ء موجودا [1].

 

_______________________

 [1] نعم الشكّ في الشي‏ء لا ينفكّ عن المشكوك بالذات، و بالإمكان أن يقال بتأخّره


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  47/ الجزء الثاني

 

الثاني: - أنّا لو سلّمنا تعدّد الرتبة فهو لا يفيد شيئا في المقام، فإنّ مشكلة التضاد لا ترتفع بتعدّد الرتبة، و لذا لو أخذت الحرمة مثلا موضوعا للوجوب و جعل وجوب شي‏ء مشروطا بحرمته لم ترتفع مشكلة التضاد بين الوجوب و الحرمة، كما هو وضاح بالوجدان، كما أنّ مشكلة نقض الغرض لا ترتفع بذلك إذ لو كان في الفعل غرض لزومي و كان الحكم الظاهري المتأخر عن الحكم الواقعي عبارة عن الإباحة مثلا، فإن لم تترتب على هذه الإباحة التوسعة على المكلف بأن لا يكون له مانع شرعي عن الترك فهذا خلف المفروض في الحكم الظاهري و مستلزم للغويّة الحكم الظاهري. و إن ترتّب عليه ذلك كان هذا لا محالة نقضا للغرض، فإنّ تأثير ذلك في ترك العبد للواجب و تفويت الغرض المترتّب عليه غير مربوط بفرض اتحاد رتبة الحكم و تعدّدها.

و أمّا التفسير الثاني: - فهو ما ذكره المحقّق النائيني (قدّس سرّه) بعد نقله للتفسير الأوّل و إيراده عليه بما مضى عن المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللَّه) من الإيراد حيث أفاد: أنّ هذا الكلام قد أسي‏ء فهمه و ليس معناه ما ذكر.

و إنّما معناه شي‏ء آخر، فذكر (قدّس سرّه) كلاما يكون بحسب ما في التقرير معقّدا، و مشوّشا بتشويش كثير، و الّذي يتحصّل منه: أنّ الحكم الظاهري يكون في طول الحكم الواقعي بمعنى أنّ الحكم الواقعي هو الّذي يقتضي الحكم الظاهري و يكون سببا لوجوده، و بدونه لا يعقل تحقّق الحكم الظاهري. و على هذا فيستحيل كون الحكم الظاهري دافعا للحكم الواقعي و مانعا عنه و موجبا لانتفائه، إذ الشي‏ء لا يكون مانعا عمّا يتوقف عليه و إلاّ لزم من وجوده عدمه.

 

عن المشكوك بالذات تأخّر العارض عن معروضه، لكن لا ينبغي أن يوجب هذا توهّم تأخّر الشكّ عن المشكوك بالعرض الّذي هو المفيد في المقام.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  48/ الجزء الثاني

 

هذا حاصل ما يستفاد من عبارة التقرير و إن لم يكن لها صورة فنيّة بهذا المقدار [1].

و يرد عليه: أنّه لا ثمرة في افتراض كون الحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي و متوقفا عليه أصلا، إذ لو سلّم التضاد بين الحكمين بقطع النّظر عن هذا التوقف لم يكن رفع الإشكال بدعوى التوقف، إذ غاية ما يقتضيه التوقف هي أنّ الحكم الظاهري لا يصير مانعا عن الحكم الواقعي، لكن الحكم الواقعي يصير مانعا عن الحكم الظاهري. و بعبارة أخرى نقول: إنّ كون أحد الضدين موجبا لوجود الضد الآخر مستحيل، لاستلزامه اجتماع الضدين، فلا بدّ من دفع التضاد قبل دعوى التوقف

 

_______________________

 [1] الّذي أستفيده من عبارة التقريرين هو أنّ المحقّق النائيني (رحمه اللَّه) مؤمن بأنّ تعدّد الرتب يرفع مشكلة التنافي، و يورد على التفسير الأول لتعدّد الرتب في المقام - و هو كون الحكم الظاهري في طول الشك و الشك في طول الحكم الواقعي - بمنع الصغرى، لأنّ الحكم الواقعي موجود في رتبة الحكم الظاهري و إن لم يكن الحكم الظاهري موجودا في تمام رتب الحكم الواقعي. و حينئذ أصبح بصدد بيان تعدّد الرتب في المقام بمعنى آخر و هو أنّ الحكم الظاهري بيان للوظيفة تجاه الحكم الواقعي و الموقف من الحكم الواقعي، و هذا هو تفسير الطولية في المقام بينهما و هذا هو معنى قوله (رحمه اللَّه) »إنّ الشك أخذ في موضوع الحكم الظاهري لا بما هو صفة من الصفات و حالة من حالات المكلف، بل بما هو موجب لتحيّر المكلف من حيث العمل«.

و الحاصل أنّ البراءة و الاحتياط هما في مرتبة قبح العقاب بلا بيان، أي أنّهما يحقّقان تنجيز الحكم الواقعي أو التعذير عنه و ليسا في رتبة نفس الحكم الواقعي، إذن لا تنافي بينهما و بين الحكم الواقعي. هذا مضافا إلى ماله (رحمه اللَّه) من بيان آخر لنفي التنافي بالنسبة لأصالة الاحتياط، و هو أنّها إن وافقت الواقع فهي عين الواقع، و إن خالفت الواقع فليست إلاّ خيالا باطلا.

و يرد عليه: أنّ الطوليّة حتى بهذا المعنى لا علاقة لها برفع التنافي، و لا تستوجب عدم كون الحكم الظاهري نقضا للغرض، و عدم كون البراءة العقلية نقضا للغرض ناتج من أنّها ليست عملا للشارع حتى يقال: إنّ الشارع نقض غرضه، و إنّما هو حكم للعقل. و أما البراءة الشرعيّة فهي فعل الشارع، و لم نعرف حتى الآن كيف لا تكون نقضا للغرض، و لا علاقة للطولية بهذا المعنى بنفي كونها نقضا للغرض، كما أنّ كون أصالة الاحتياط عند المخالفة خيالا باطلا ممنوع.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  49/ الجزء الثاني

 

و الطولية، و مع دفع التضاد في الرتبة السابقة على ذلك لا تبقى ثمرة لتسليم هذه الطولية أو عدمه.

 

المختار في المسألة:

بقي الكلام فيما هو المختار في دفع إشكال التنافي بين الحكمين بحسب العقل النظريّ. فنقول: تارة نتكلم بناء على طريقيّة الأحكام الظاهريّة، و أخرى بناء على سببيتها و كون الأمارة سببا لحدوث المصلحة، فهنا مقامان من الكلام:

المقام الأوّل: في دفع الإشكال بناء على طريقيّة الأحكام الظاهريّة، و معنى طريقيّتها أنّه ليست لها مبادئ وراء مبادئ الأحكام الواقعيّة، و يتّضح ذلك مشروحا من ثنايا الكلام. و يظهر ارتفاع الإشكال بذكر مقدمات ثلاث:

المقدّمة الأولى: - أنّ عدم تعين متعلّق الغرض لا يوجب توسعة دائرة الغرض، و إنّما يوجب توسعة دائرة المحركيّة بلا فرق في ذلك بين الغرض التكويني و التشريعي. مثلا لو تعلّق الغرض التكويني للشخص بإكرام العالم، و تردد العالم بين جماعة كلّهم جهلاء ما عدا واحد منهم، فهذا الشخص قد يكون مهتما بإكرام العالم إلى درجة تبعثه نحو إكرام كل هؤلاء حفاظا على إكرام العالم، و لكن هذا لا يعني توسعة دائرة غرضه، فغرضه لا زال متعلقا بإكرام العالم، أمّا إكرام الجاهل فلا غرض له فيه. و تردّد العالم بين جماعة لا يوجب سراية حبّه إلى إكرام باقي الأشخاص الذين هم في الواقع جهلاء و لا يحبّ إكرامهم لا حبّا نفسيا و لا حبّا مقدّميا، أمّا الأول فلأن ملاك الحبّ النفسيّ للإكرام عنده إنّما هو العلم و لم يسر العلم إلى الجهلاء حتى يحبّ إكرامهم. و أمّا الثاني فلأن إكرام الجاهل ليس مقدّمة لإكرام العالم. فإكرامه لتمام هؤلاء الجماعة ليس من باب توسعة الغرض،


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  50/ الجزء الثاني

 

و إنّما هو من باب محركيّة نفس ذلك الغرض إلى إكرام الجميع، فكما أنّ ذاك الغرض يحرّكه نحو إكرام من يقطع بعالميته و هذا التحريك يكون بواسطة القطع، كذلك يحرّكه - لشدّة اهتمامه به - نحو إكرام من يحتمل انطباق المعلوم بالإجمال عليه و هذا التحريك يكون بواسطة ذاك الاحتمال. هذا في مثال الغرض التكويني.

و قس عليه الغرض التشريعي فإن تعلّق غرض المولى بإكرام عبده للعالم، و تردّد العالم لدى العبد بين جماعة، فقد يأمره المولى - لشدّة اهتمامه بغرضه - بإكرام الجميع، و هذا لا يعني توسعة دائرة الغرض، بل يعني توسعة دائرة المحركيّة، و إنّما الفرق أنّ الغرض هنا تشريعي و هناك تكويني، فكان التحرّك هناك إلى إكرام الجميع مباشرة، و هنا إلى تشريع وجوب الاحتياط و الأمر بإكرام الجميع. و لتوهّم وقوع التوسعة في دائرة الغرض منشئان:

الأول: - توهم أنّ إكرام الجهلاء أصبح مقدّمة لإكرام العالم الّذي وقع بينهم. و لكن نقول كما مضى: إنّ إكرام الجاهل لم يصبح مقدّمة لإكرام العالم، و إنّما أصبح مقدّمة لحصول العلم بإكرام العالم.

و الثاني: - أنّ توسعة دائرة الغرض مقدّمة لوصول المولى إلى غرضه من إكرام العالم، إذ بذلك يجب على العبد إكرام كلّ الجماعة فيحصل ضمنا إكرام العالم، و لو لا ذلك لم يتنجّز على العبد شي‏ء فيترك الإكرام و بالتالي يخسر المولى غرضه.

و فيه: أنّ توسعة غرض المولى ليست اختياريّة للمولى حتى

يوسّعها مقدّمة لحصول إكرام العالم، و إنّما الحبّ أمر قهريّ يحصل من ملاك و مصلحة يراها المحبّ في المتعلّق. و قد حققنا في ما مضى: أنّ حصول الحبّ بملاك و مصلحة يراها المحب في نفس الحبّ محال.

هذا مضافا إلى أنّ هذه التوسعة بلا موجب، فإنّه يكفي في تحرّك العبد


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  51/ الجزء الثاني

 

إبراز المولى شدّة اهتمامه بإكرام العالم بحيث لا يرضى بفواته حتى في هذه الحال، فتتحقّق بذلك المحركيّة العقليّة نحو إكرام الجميع.

و هذا هو الفرق في النتيجة بين القول بكون الحكم الظاهري من باب إبراز شدّة الاهتمام و ناشئا من نفس ملاكات الواقع، و القول بكون الحكم الظاهري ناشئا من ملاك في نفس الحكم، فإنّه على الثاني لا يوجب التحريك لما مضى من أنّ المحركيّة العرضيّة تابعة للمحركيّة الذاتيّة، و إذا كان الملاك في نفس الحكم فقد وصل المولى إلى غرضه بنفس الحكم، و لا يبقى شي‏ء يوجب التحرّك الذاتي للعبد المخلص نحو الامتثال، و فرض الإخلاص على العبد غير المخلص بالعقل العملي، و الإنذار بالنار، و التبشير بالجنّة، لا يزيد على الإخلاص الحقيقي، و إنّما هو مكمّل للإخلاص الحقيقي و متمّم لنقصانه، فإذا لم يكن الإخلاص الحقيقي في العبد المخلص حقيقة محركا نحو شي‏ء فلا يتحرك بفرض الإخلاص عليه و المحرّكيّة العرضيّة. بينما على الأول - أعني كون الحكم الظاهري مبرزا لاهتمام المولى بغرضه الواقعي - تكون المحركيّة الذاتيّة في العبد المخلص موجودة، إذ لو عرف العبد باهتمام المولى بغرضه حتى في ظرف الشك يتحرّك بإخلاصه نحو الاحتياط، فالمحركيّة العرضيّة أيضا موجودة للحكم الظاهري.

المقدّمة الثانية: - إنّ التزاحم على ثلاثة أقسام:

الأوّل: - تزاحم الملاكين في موضوع واحد، كما إذا كانت في فعل مّا مصلحة و مفسدة فلا محالة يقع بينهما الكسر و الانكسار، و يكون الحب أو البغض الفعلي على طبق الأهم، و لا يبقى للآخر إلاّ الحب أو البغض الشأني، أي لو لا ابتلائه بالمعارض لكان موجبا للحبّ أو البغض، فإنّ اجتماع الحبّ و البغض على شي‏ء واحد مستحيل، و هذا يسبّب تعارض دليلين يكشف كل منهما عن ملاك يزاحم ملاك الآخر في موضوعه. و هذا القسم من التزاحم لا يختص بالحكمين الإلزاميين فقد يجتمع في شي‏ء واحد


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  52/ الجزء الثاني

 

ملاك للحرمة، مثلا، مع ملاك للإباحة و يقع بينهما الكسر و الانكسار.

الثاني: - تزاحم مبادئ الحكم في موضوعين بلحاظ عالم الامتثال لضيق قدرة المكلف، كما في مثال إزالة النجاسة عن المسجد و الصلاة مع ضيق الوقت. و في هذا القسم أيضا يقدّم ما هو الأهم، لكن لا يوجب تقديمه سقوط مبدإ الحكم بالنسبة للآخر عن الفعليّة. و في هذا القسم لا يعقل التزاحم بين الحكم الإلزاميّ و الحكم الترخيصي، إذ لا امتثال للحكم الترخيصي.

و هذا القسم هو التزاحم المصطلح عند المحقّق النائيني (رحمه اللَّه).

الثالث: - تزاحم الحكمين بلحاظ عالم المحرّكيّة، كما لو وجب إكرام العالم و حرم إكرام الجاهل، و تردد العالم و الجاهل بين مجموعة بعضهم عالم و بعضهم جاهل فيقع التزاحم بلحاظ الأفراد لا في التأثير في تحقّق الحبّ و البغض الفعليين، إذ هما على موضوعين لا على موضوع واحد، و لا بين المبادئ بلحاظ عالم الامتثال إذ المكلّف قادر على امتثال كليهما، بل يقع التزاحم في عالم المحركيّة. و هنا أيضا يقدّم الأهم فيجعل المولى الحكم الظاهري على طبق ما هو الأهم الّذي لا يرضى المولى بفواته حتى في هذه الحال. و تقديم الأهم في هذا القسم أيضا لا يوجب سقوط مبادئ الآخر عن الفعليّة، فإنّ تقديم أحد المتزاحمين إنّما يوجب سقوط الآخر عمّا تزاحما فيه و هي المحرّكيّة في المقام لا المبادئ.

المقدّمة الثالثة: - إنّ مبدأ الإباحة قد يقبل التزاحم بالمعنى الثالث بينه و بين مبدأ الأحكام الإلزامية، فإنّ الإباحة تارة تنشأ من عدم مبادئ الوجوب و الحرمة، و أخرى تنشأ من تعلّق المبادئ بمشي المكلّف حسب مقتضى طبعه بقطع النّظر عن الإيجاب و التحريم المولويين، و التزاحم بين مبادئ الإلزام و مبادئ الإباحة في القسم الأوّل غير معقول لعدم المزاحمة بين المقتضي و اللااقتضاء. و لكنه في القسم الثاني معقول كما لو اقتضى ملاك لوجوب إكرام العالم و ملاك آخر لجري المكلّف على مقتضى طبعه في إكرام


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  53/ الجزء الثاني

 

الجاهل، و وقع الاشتباه بينهما فيجعل المولى الحكم الظاهري وفق الأهم منهما الّذي يريد حفظه في هذه الحالة.

و إذا اتضحت هذه المقدّمات قلنا: إنّه لا إشكال في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري، لا بلحاظ التضاد، و لا بلحاظ نقض الغرض:

أمّا بلحاظ التضاد فتارة نفترض الحكم الظاهري إلزاميا و أخرى نفترضه ترخيصيا:

أمّا إذا افترضناه إلزاميا فلا تضاد بينه و بين الترخيص الواقعي أصلا، فإنّ الأحكام الظاهرية الإلزامية تكون عند احتمال الحكم الواقعي الإلزاميّ تحفظا على الأحكام الواقعية الإلزامية، بناء على ما هو المفروض من الطريقيّة. و قد عرفت في المقدّمة الأولى أنّ الغرض لا يتسع بعدم تعيّن مصبّه فلم يسر مبدأ الإلزام إلى موارد الترخيص الواقعي، كي يلزم التضاد بلحاظ المبادئ. كما عرفت في المقدّمة الثانية أنّ تقديم الأهم بحسب عالم المحركيّة لا يوجب زوال المهم، و إنّما يوجب زوال محركيّته. إذا: فتقديم جانب الإلزام بالحكم الظاهري لم يوجب زوال الترخيص الواقعي كي يلزم التصويب.

و أما إذا افترضناه ترخيصيا فالأمر أيضا كذلك. فإنّ هذا الحكم الترخيصي جاء للتحفظ على ملاك الإباحة الواقعية و أهميّته من ملاك الحكم الإلزاميّ فقدّم عليه بدون أن يلزم من ذلك زوال الحكم الواقعي، أو اجتماع الضدين. و هذا متصور في الحكم الترخيصي على ما عرفته في المقدّمة الثالثة من أنّ الترخيص لا يجب أن يكون دائما ناشئا من عدم ملاك للحكم الإلزاميّ، بل قد يكون ناشئا من ملاك في كون المكلّف في سعة من قبل مولويّة المولى و جاريا على ما يقتضيه طبعه بقطع النّظر عن إلزام المولى.

و أمّا بلحاظ نقض الغرض فأيضا يظهر اندفاع هذا الإشكال مما ذكرناه. إذ تبين ممّا مضى أنّ ما وقع من نقض الغرض إنّما هو نقض


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  54/ الجزء الثاني

 

الغرض للتحفظ على غرض أهم، و نقول: إنّ ما فيه المحذور إنّما هو نقض الغرض لا بملاك التزاحم، و أمّا نقض الغرض بملاك المزاحمة لغرض أهمّ فلا محذور فيه بل لا بدّ منه.

هذا و قد ظهر ممّا ذكرناه معنى ما كنّا نقوله: من أنّ الحكم تارة يكون بدرجة من الأهميّة في حال الشك بحيث لا يرضى المولى بفواته في هذه الحالة، و أخرى لا يكون بتلك الدرجة و يرضى بتركه في هذه الحالة، فمعناه أنّه تارة تكون مصلحة الحكم الإلزاميّ غير مزاحمة لمصلحة الحكم الترخيصي بحيث يرضى المولى بفواتها في سبيل درك مصلحة الحكم الترخيصي و أخرى تكون مزاحمة لها بهذا النحو [1].

 

_______________________

 [1] لا يخفى أنّ افتراض أنّ الغرض و الحبّ و البغض لا تتسع بوقوع التردّد في المصداق قد يكون على ظاهره قابلا للمناقشة، توضيح ذلك: إنّ الحبّ و البغض الراجع إلى الأعيان لا إشكال في أنّها سريان من الصورة الكليّة إلى الصورة الجزئيّة بواسطة مراتب الانكشاف، فمن أحبّ كلّي الإنسان الكريم، مثلا، ثم اعتقد و لو خطاء أنّ زيدا إنسان كريم سرى حبّه إلى زيد، و هذا واضح لا غبار عليه. و إنّما الكلام في ما يتعلّق الحبّ و البغض بإيجاده و هو الفعل، فلو أنّ أحدا أحبّ إكرام الإنسان الكريم، و اعتقد أنّ زيدا كريم فهل يسري حبه إلى صورة إكرام زيد التي هي أضيق من صورة إكرام الكريم أو لا؟.

إنّ القول بعدم السريان يجب أن يرجع إلى إحدى دعويين:

الدعوى الأولى: - دعوى أنّ الحب لا يسري من الجامع إلى الحصص، فالحبّ إذا تعلّق بإكرام الإنسان الكريم لا يسري إلى إكرام هذا الكريم و إكرام ذاك الكريم.

و هذه الدعوى إضافة إلى أنّها خلاف الوجدان يمكن البرهنة على بطلانها، بأنّ نكتة حبّ صورة الجامع و هي فناء الصورة في ذي الصورة المشتمل على المصلحة بالمعنى المعقول من الفناء موجودة في الحصة أيضا، فهي أيضا فانية بالمعنى المعقول من الفناء في ذي الصورة المشتمل على المصلحة، فإنّ المصلحة إذا كانت في الجامع على شكل مطلق الوجود إذن: كل فرد من الأفراد يكون مشتملا على المصلحة. و إذا كانت في الجامع على شكل صرف الوجود، فكل فرد مشتمل على المصلحة على تقدير عدم باقي الأفراد، و هذا يؤدي إلى سريان الحبّ من الجامع إلى كل حصة على تقدير عدم باقي الحصص (و هذا القيد - أعني قيد على تقدير - قيد للمحبوب لا الحب و إن


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  55/ الجزء الثاني

 

____________________

 

.......... شئت فعبّر عنه بحبّ القضيّة الشرطيّة) و قد مضى من أستاذنا الشهيد (رحمه اللَّه) في بحث اجتماع الأمر و النهي الاعتراف بسريان الحبّ من الجامع إلى الحصة.

الدعوى الثانية: - دعوى أنّ الحبّ إنّما يسري من الجامع إلى واقع الحصة لا بواسطة مراتب الانكشاف. و هذه أيضا واضحة البطلان، بداهة أنّ من أحبّ إكرام الصديق ثم اعتقد في زيد خطاء أنّه عدوّه بينما كان في الواقع من أشدّ المحبّين له لا يحب إكرامه و لا تكون صورة - إكرام زيد - الّذي هو حصة من إكرام الصديق محبوبة له، و هذا يعني أنّ الملاك في حبّ الصورة إنّما هو مطابقة الصورة لذي الصورة و فناؤها بالمعنى المعقول من الفناء في رؤية المحبّ لا في الواقع، و البرهان على ذلك هو أنّ الفناء بالمعنى المعقول، - و هو النّظر إلى الشي‏ء بالحمل الأولي لا بالحمل الشائع - إنّما يتم بلحاظ رؤية المحبّ و نظره، أمّا الفناء الواقعي فلا معنى له أصلا.

هذا، و السريان بواسطة الانكشاف في الأعيان الخارجيّة كسريان حبّ كلّي الإنسان الكريم إلى زيد الّذي اعتقادنا كرمه لئن كان أكثر وجدانية من السريان في باب الأفعال، فلعل السر في ذلك أنّه في باب الأعيان لا يوجد إلاّ الحبّ دون المحركيّة و لكن في باب الأفعال الحبّ سيستتبع التحريك فقد يتوهم أنّ حب الجامع إنّما ولد التحريك نحو الحصّة من دون سريان الحبّ إلى الحصة، و الحاصل أنّه قد يقع الاشتباه بين الحبّ و التحريك في باب الأفعال بينما لا مورد لهذا الاشتباه في باب الأعيان.

ثم إذا فرغنا عن بطلان كلتا الدعويين لم يبق مجال لتوهم عدم توسع دائرة الحبّ بسبب توسّع دائرة التردّد في المصداق إلاّ بإحدى دعويين:

الدعوى الأولى: - أنّ يقال: إنّ الحبّ يسري من الجامع إلى الحصّة بواسطة الانكشاف، شريطة أن يكون الانكشاف مطابقا للواقع.

و هذا غير صحيح، لأنّ الفناء بالمعنى المعقول (و هو النّظر إليه بالحمل الأولى لا بالحمل الشائع) الّذي هو سرّ تعلّق الحبّ بالصورة متقوّم بذات الانكشاف، بغض النّظر عن مطابقته للواقع أو مخالفته له.

الدعوى الثانية: - أن يقال: إنّ الحبّ إنّما يسري من الجامع إلى الحصّة بواسطة الانكشاف التام، و هو العلم أمّا الاحتمال و التردّد فقد يوسّع من دائرة المحركيّة حينما توجد أهميّة قصوى للمحبوب و لكن لا يوسّع من دائرة الحبّ. و هذه الدعوى لا برهان على خلافها، و إنّما يمكن نفيها بالوجدان الحاكم بأنّ تلك الأهميّة توجب مباشرة توسيع دائرة الحبّ، و بسبب توسع دائرة الحبّ تتسع دائرة المحركيّة.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  56/ الجزء الثاني

 

ثمّ إنّ ما ذكرناه إلى الآن كان مبنيّا على فرض أنّه لا يوجد عنصر دخيل في الحكم الواقعي - الّذي نبحث عن أنّه هل ينافي الحكم الظاهري أو لا؟ - غير المبادئ، و التشريع، و الخطاب، و قد ظهر أنّ كل هذا لا ينافى الحكم الظاهري.

و لكن هناك عنصر آخر قد يدّعى دخله في الحكم، و هو عبارة عن كون الخطاب بداعي البعث و التحريك. و عندئذ قد يقال: إنّ هذا العنصر ينافى الحكم الظاهري لعدم إمكانيّة اجتماع داعي البعث و التحريك مع الترخيص في الخلاف، فإذا ثبت الترخيص في الخلاف فقد ثبت انتفاء داعي البعث و التحريك، و هذا يخالف فرض اشتراك العالم و الجاهل في الحكم بناء على أنّ ما ثبت بدليل الاشتراك ليس هو مجرد الاشتراك في المبادئ و الجعل و الخطاب فقط، بل ذلك كلّه مع داعي البعث و التحريك، فإذا لم يعقل بعث و تحريك من كان حكمه الظاهري الترخيص لزم من جعل الحكم الظاهري التصويب.

 

إلاّ أنّ هذه الملاحظة لو تمّت فهي لا تضرّ بصحّة الجمع الّذي اختاره أستاذنا الشهيد (رحمه اللَّه) بين الحكم الظاهري و الواقعي، و ذلك لأنّ هذا الكلام إنّما يأتي في الأفعال المباشرة، و في الأحكام المولوية حينما تكون على شكل القضية الخارجية، و يكون أمر تشخيص المصداق بيد المولى، و المولى يأمر بالمصاديق وفق تشخيصه، أمّا الحكم المولوي الّذي يكون على شكل القضية الحقيقيّة، فهو يعني الحب و البغض القائمين على الجامع، أمّا ما يسري في نفس المولى إلى الصور الخاصة بسبب علمه بالانطباق أو تردّده في الانطباق فليس العبد مسئولا عنه، و لذا لو علم المولى خطأ بانطباق ما فيه الغرض على مصداق، و علم العبد بخطإ المولى فعلى العبد أن يعمل وفق علمه هو. و هذا بخلاف الحكم الّذي كان على شكل القضية الخارجية و أمر المولى فيه وفق تشخيصه فعلى العبد عندئذ أن يعمل وفق تشخيص المولى و إن علم خطأه. هذا و التردّد الّذي هو محل الكلام إنّما هو تردّد العبد و ليس تردّد المولى. و من الواضح أنّ تردّد العبد لا علاقة له باتساع دائرة حبّ المولى بلحاظ المصاديق، و إنّما له علاقة بإبراز المولى شدّة اهتمامه بغرضه إلى حدّ لا يرضى بفواته حتى في هذه الحالة، و هذا هو روح جعل الاحتياط.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  57/ الجزء الثاني

 

و نحن نجيب على هذا الإشكال تارة على سبيل الإجمال و أخرى على سبيل التفصيل:

أمّا الجواب الإجمالي - فهو أنّ غاية ما يمكن تسليمه هي أنّ المقدار المشترك بين العالم و الجاهل إضافة إلى المبادئ و الجعل و الخطاب هو كون الإبراز بداعي البعث و التحريك، بمقدار ما يقتضيه نفس هذا الإبراز، أي بداعي سدّ باب عدم التحريك من ناحية عدم الإبراز، و هذا المقدار قد حصل لا محالة، لأنّ هذا الباب قد انسدّ بالإبراز و ليس الشي‏ء الواجب اشتراكه هو داعي البعث و التحريك الفعليين، و إلاّ لكان الحكم الواقعي منافيا للوظيفة العقلية أيضا، إذ لا يعقل بعث من تمّت عنده البراءة العقلية.

و إن شئت فقل: إنّه يجب أن يكون المراد من الإشكال في الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي أنّه يلزم من وجود الحكم الظاهري انتفاء شي‏ء من الحكم الواقعي مشترك بين العالم و الجاهل حتى في مورد البراءة العقلية، فيكون عدم لزوم الاشتراك في داعي البعث و التحريك الفعليين مفروغا عنه، لعدم ثبوته في فرض البراءة العقلية، و إنّما القدر المشترك هو داعي البعث بمقدار سدّ باب العدم من ناحية عدم الإبراز و هذا ثابت حتى مع البراءة الشرعيّة.

و أمّا الجواب التفصيليّ: فتوضيحه (بعد وضوح أنّه لا دليل مباشرة على اشتراك العالم و الجاهل في البعث بعنوانه): أنّ دعوى دخول داعي البعث و التحريك في القدر المشترك بين العالم و الجاهل يجب أن تنشأ من أحد أمور ثلاثة:

الأوّل: أن يقال: إنّ المفهوم من كلمة الحكم يشتمل على داعي البعث و التحريك، أي إنّه لا تصدق هذه الكلمة عرفا إلاّ إذا أبرزت المبادئ الموجودة في نفس المولى بالخطاب بداعي البعث و التحريك، و هذا


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  58/ الجزء الثاني

 

بحث إثباتي تظهر ثمرته فيما إذا رتّب حكم على عنوان الحكم.

و تضمّ إلى هذه الدعوى دعوى أنّ معقد إجماع المخطئة على الاشتراك هو عنوان الحكم، فقالوا: إنّ الحكم مشترك بين العالم و الجاهل و إنّه لا تصويب في الحكم.

و بمجموع هاتين المقدّمتين يثبت أنّ داعي البعث و التحريك داخل في القدر المشترك بين العالم و الجاهل.

و يرد عليه: أولا: إنّ إجماع الإمامية على بطلان التصويب إنّما ثبت متصيّدا من ذوق العلماء و كلماتهم في الموارد و المسائل المختلفة، و ليست هناك عبارة معينة في معقد الإجماع نتمسك بظهورها.

و ثانيا: إنّنا نمنع دخل داعي البعث و التحريك في صدق عنوان الحكم عرفا بأزيد مما يقتضيه نفس الخطاب من البعث و التحريك، و هو سد باب العدم من ناحية عدم الخطاب، و هذا المقدار ثابت حتى مع وجود الحكم الظاهري، لأنّ المفروض أنّ الخطاب قد صدر و قد تمّ سدّ باب العدم من هذه الناحية.

و ثالثا: إنّنا لو سلّمنا أنّ معقد الإجماع هو الحكم، و سلّمنا كون الحكم ظاهرا في داعي البعث و التحريك الفعليين، قلنا: إنّ ظواهر معقد الإجماع ليست كظواهر الآيات و الأخبار فإنه يأتي في محلّه - إن شاء الله - أنّ ظهور معقد الإجماع ليس حجة، و ليس حاله حال ظهور الآيات و الأخبار [1].

الثاني: أن يقال: إنّ صيغة الحكم كقوله: (صلّ) ظاهرة في كونها بداعي البعث و التحريك، و هذا أيضا بحث إثباتي عرفي تظهر ثمرته في

 

_______________________

 [1] أظن أنه (رحمه اللَّه) عدل في محلّه عن هذا الرّأي حيث أنّه بعد فرض ثبوت الملازمة بين الإجماع و الحكم الشرعي بأي سبب من الأسباب يكون ظهور معقد الإجماع ظهورا لأحد المتلازمين، و بمقتضى حجّيّة مثبتات الأمارات يثبت الملازم الآخر و هو الحكم الشرعي على طبقه.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  59/ الجزء الثاني

 

دلالة الخطاب على ثبوت الملاك بشأن غير القادر و عدمه. فإن دلّ الخطاب على داعي البعث و التحريك فقد يقال بعدم شموله للعاجز لعدم إمكانية بعثه فلا يدلّ على ثبوت الملاك بشأنه، فيكون مقتضى الأصل الأوّلي في الأحكام عدم ثبوت ملاكاتها بشأن العاجز و إن لم يدل على كونه بهذا الداعي شمل العاجز، و يكون الأصل الأولى في الأحكام ثبوت ملاكاتها بشأن العاجز و تترتّب على ثبوت الملاك بشأن العاجز آثار منها عدم جواز

التعجيز.

و على أي حال فقد تدّعى في المقام دلالة الخطاب على البعث و التحريك و لذا يكون مختصا بالقادر، و تضم إلى هذه الدعوى دعوى إجماع الإمامية [1] على اشتراك ما هو المستفاد من الخطاب بين العالم و الجاهل.

إذن: فالبعث و التحريك يجب أن يكونا ثابتين بشأن الجاهل، و هذا لا ينسجم مع الترخيص الظاهري في الخلاف.

و الواقع: أنّه إن فرضت دعوى دلالة الخطاب على ذات البعث و التحريك فهذا غير معقول، فإنّ البعث و التحريك أثر للخطاب و في طوله و لا يعقل كشف الخطاب عنه. و أمّا دعوى دلالة الخطاب على داعي البعث و التحريك فقد تفترض أنّها دلالة عقليّة و أخرى تفترض أنّها دلالة عرفيّة:

أمّا الدلالة العقلية فمن المعلوم أنّ وجود الخطاب إنّما يدل عقلا على

 

_______________________

 [1] و حتى لو لم نضم إليها دعوى الإجماع على الاشتراك أمكن القول بأن الخطابات الواقعية عادة لها إطلاق لفرض الجهل بحيث لا نستطيع أن نثبت بدليل الحكم الظاهري عدم الحكم الواقعي في مورده خاصّة في الشبهات الموضوعيّة التي لا يمكن نفي الحكم الواقعي فيها إلاّ بنفي الموضوع، و لا يدل دليل الحكم الظاهري على عدم الموضوع، و عليه يقع التصادم بين الحكم الواقعي و الظاهري إلاّ أن نفترض أنّنا نرفع يدنا بالنسبة لحالة الجهل عن ظهور الخطاب على تقدير وجوده في داعي البعث جمعا بينه و بين الحكم الظاهري.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  60/ الجزء الثاني

 

وجود داعي المحركيّة بالمقدار الّذي يترتّب عليه من المحركيّة دون المقدار المترتب على غيره من المقدّمات، إذ صدور أي فعل من العاقل المختار إنّما يدلّ عقلا على وجود داعي أثره في نفس الفاعل دون داعي أثر آخر، و هذا يعني أنّ الخطاب إنّما دلّ عقلا على داعي سدّ باب عدم التحريك من قبله، و هذا المقدار ثابت حتى مع وجود الحكم الظاهري كما هو واضح.

و أمّا الدلالة العرفية: فالتحقيق أنّ الخطاب إنّما يدل عرفا على كونه بداعي المحركيّة الفعليّة على تقدير الوصول و لهذا يختص بالقادر، إذ لا تعقل المحركيّة الفعليّة بشأن غير القادر على تقدير الوصول، و لذا ترى أنّه لا يصح أن يقال: صلّ سواء قدرت أو لا [1]. و أمّا دلالته عرفا على أزيد من ذلك فممنوعة، و هذا المقدار ثابت حتى مع وجود الحكم الظاهري، إذ على تقدير الوصول ينتفي الحكم الظاهري و يكون الحكم الواقعي محرّكا بالفعل.

 

_______________________

 [1] إن قلت: كذلك لا يصح أن يقال: صلّ سواء قامت الحجّة على عدم وجوب الصلاة أو لا.

فلئن دلّ عدم صحّة قولنا (صلّ سواء قدرت أو لا) على عدم إمكان اتجاه الحكم إلى العاجز، كذلك يدلّ عدم صحّة قولنا (صلّ سواء قامت الحجّة على عدم وجوب الصلاة أو لا) على عدم إمكان ثبوت الحكم الواقعي عند تحقّق الحكم الظاهري على نفيه.

قلت: ما نحسّه عرفا من عدم صحّة القول: (صلّ سواء قامت الحجّة على عدم وجوب الصلاة أو لا) إنّما هو من قبيل ما نحسّه عرفا من عدم صحّة القول: (صلّ سواء جرت البراءة العقليّة لنفي التنجيز أو لا)، أو (صلّ سواء قطعت بعدم وجوبها أو لا)، أو (صلّ سواء أتيت بالصلاة أو لا).

و كل هذا ليس من قبيل (صلّ سواء قدرت أو لا) و إنّما السرّ في عدم مقبوليّة التصريح بالتسوية في هذه الأمثلة إنّ التصريح بالتسوية بين فرضين في الحكم يفيد عرفا عدم التعرض لحال طرف التسوية من حيث الوجود و العدم، أي عدم اقتضاء الخطاب لهما وجودا أو عدما، بينما يكون من الواضح أنّ صلّ يقتضي وجود الإتيان بالصلاة و عدم تركها، و هذا هو السرّ في عدم صحّة قولنا:

)صلّ سواء أتيت بالصلاة أو لا)، و كذلك يقتضى الخطاب بمرتبة من الاقتضاء وصوله و عدم قيام الحجّة على خلافه، و هذا هو السرّ في عدم صحّة قولنا: (صلّ سواء جرت البراءة العقلية أو لا)، أو (صلّ سواء قطعت بعدم وجوبها أو لا)، أو (صلّ سواء قامت الحجّة على عدم وجوب الصلاة أو لا).


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  61/ الجزء الثاني

 

ثمّ لو سلّمنا دلالة الخطاب على داعي المحركيّة الفعليّة مطلقا، أي حتى على تقدير عدم الوصول. قلنا: هل المقصود مطلق المحركيّة و لو لم تكن بدرجة الإلزام، أو المقصود هو المحركيّة بدرجة الإلزام؟ فإن قصد الأول فهذا ثابت مع وجود الحكم الظاهري فإنّ الحكم عند احتماله يكون محرّكا في الجملة بعنوان حسن الانقياد و إن لم يكن بدرجة اللزوم، نعم لو كان الحكم الظاهري لزوميا أيضا في قبال الحكم الواقعي كما لو كان الحكم الواقعي هو الوجوب و الحكم الظاهري هو الحرمة يكون الحكم الواقعي ساقطا عن المحركيّة رأسا، لكن هذا الإشكال لم ينشأ من الحكم الظاهري بما هو حكم ظاهري بل يكون ثابتا حتى لو قطع العبد بحرمة ما هو واجب في الواقع [1].

و إن قصد الثاني أي ضرورة فعليّة التحريك الإلزاميّ حتى مع عدم الوصول لزم عدم انحفاظ الحكم الواقعي في موارد قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

الثالث: أن يقال: إنّ داعي البعث و التحريك داخل في ما يحكم العقل بوجوب امتثاله، أي أن ما يجب امتثاله عقلا و يكون - على حدّ تعبيرنا - داخلا في دائرة حق المولوية إنّما هو الحكم المبرز بالخطاب الّذي يكون بداعي البعث و التحريك و هذا بحث ثبوتي، و تضمّ إلى هذه الدعوى دعوى قيام الإجماع على اشتراك كلّ ما هو دخيل في وجوب الامتثال و حق المولوية على تقدير الوصول بين العالم و الجاهل فلا يصح مثلا ما ذكره المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللَّه) في مقام الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي من تخصيص القدر المشترك بين العالم و الجاهل بمجرد الإنشاء و الاعتبار، إذ لا يجب امتثال مجرّد الإنشاء و لو على تقدير الوصول. و مما يكون دخيلا في

 

_______________________

 [1] و من هنا نستطيع أن نقول: إنّه كما لا إشكال في ثبوت الحكم الواقعي عند القطع بخلاف كذلك إذن لا إشكال من هذه الناحية في ثبوت الحكم الواقعي الوجوبيّ عند كون حكم الظاهري هو الحرمة.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  62/ الجزء الثاني

 

وجوب الامتثال و حق المولوية هو كون الخطاب و الإبراز بداعي البعث و التحريك، فلو لم يكن بهذا الداعي لم يجب امتثاله. إذن: داعي البعث و التحريك مشترك بين العالم و الجاهل، و هذا لا يجتمع مع الحكم الظاهري المرخص في الخلاف.

و الجواب: بعد وضوح أنّ افتراض تعلّق غرض المولى بذات البعث و التحريك نفسيا ليس دخيلا في حكم العقل بوجوب الامتثال، و إنّما الّذي يؤثر في حكم العقل بوجوب الامتثال هو تعلّق الغرض المقدّمي بالبعث و التحريك بأن يكون داعي البعث و التحريك بنحو المقدّمية، و يكون الغرض الأصلي متعلّقا بالمحرّك إليه.

و الحاصل: أنّ غرض المولى المتعلّق بفعل من الأفعال لا يشترط عقلا في وجوب امتثاله تعلّق غرض نفسي للمولى بالبعث و التحريك و إنّما الشرط العقلي في وجوب امتثاله هو أن يكون بدرجة تحرّك المولى نحو الخطاب بداعي البعث، فأغراض المولى التي ليست بدرجة تحرّك المولى نحو الخطاب بداعي البعث لا يحكم العقل بوجوب تحرّك العبد نحو إنجازها. أقول بعد وضوح هذا:

إنّ الدخيل في حكم العقل بوجوب الامتثال هو تعلّق داعي البعث المقدّمي بالخطاب بقدر مقدّميته، أي أنّه يشترط في كون الحكم على تقدير الوصول واجب الامتثال كونه بنحو يوجب تعلّق الداعي المقدّمي بالتحريك بالخطاب لو كانت للخطاب مقدّمية و هذا المقدار ثابت حتى مع وجود الحكم الظاهري على خلاف الحكم الواقعي، فإنّ الخطاب على تقدير مقدّميته للتحريك يكون التحريك به مطلوبا بنحو المقدّميّة، غاية الأمر أنّه ساقط عن المقدّمية بالفعل.

و لو سلّمنا لزوم وجود داعي التحريك بالفعل و لو نفسيا فلا بدّ من الاكتفاء بمطلق التحريك الثابت مع وجود الحكم الظاهري لا


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  63/ الجزء الثاني

 

التحريك بدرجة اللزوم، و إلاّ سرى الإشكال إلى موارد قبح العقاب بلا بيان أيضا [1].

بقي هنا أمران:

الأمر الأول - أنّ ما ذكرناه تامّ في فرض انسداد باب العلم، أي عدم تمكّن المكلّف من تحصيل العلم بالحكم الواقعي، أمّا في مورد جعل المولى الحكم الظاهري مع فرض تمكّن العبد من تحصيل العلم بالحكم الواقعي فقد يقال: إنّه لم يقع تزاحم بين أغراض المولى حتى يتم ما ذكرناه من الجواب إذ يمكن التحفظ على كلا الغرضين اللزومي و الترخيصي المتعلقين بالمباحات و غير المباحات بتحصيل العلم و رفع الاشتباه، إذ بذلك يتميّز المباح من غيره فينحفظ الغرض المتعلّق بالتوسعة في جانب المباح و الغرض اللزومي المتعلّق بغيره.

و لكن تتميم الجواب - حينئذ - يكون بفرض أنّ تحصيل العلم و تركه الّذي هو أيضا أحد المباحات قد تعلّق غرض المولى بتوسعة حال المكلّف بالنسبة إليه و جريه على وفق طبعه بدون أن يكون ملزما بأحد الطرفين،

 

_______________________

 [1] قد تكرر الاستشهاد في الجواب الإجمالي و التفصيليّ بقاعدة قبح العقاب بلا بيان و لكن الظاهر أنّ هذا الاستشهاد في غير محلّه، إذ بإمكان الخصم أن يدّعي أنّ الحكم، أو الخطاب، أو ما يجب امتثاله ليس مقيّدا بداعي البعث الفعلي كي ينقض بمورد قاعدة قبح العقاب بلا بيان، أو بمورد قطع العبد خطأ بعدم الحكم، و ليس مقيّدا بداعي البعث الفعلي على تقدير الوصول كي يتمّ الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي عند عدم تماميّة الوصول، بل هو مقيّد بداعي البعث الفعلي على تقدير عدم وجود المعذّر العقلي.

فالمهم في المقام في جانب الحكم و الخطاب دعوى أنّ المفهوم من كلمة الحكم عرفا، أو المفهوم من صيغة الخطاب عرفا إنّما هو داعي البعث الفعلي على تقدير الوصول، و في جانب ما يجب امتثاله عقلا أنّه إنّما يكون مقيّدا عقلا بداعي البعث بمقدار سدّ باب العدم من ناحية عدم الخطاب لا أكثر من ذلك من دون الاستشهاد على ذلك كلّه بمورد البراءة العقلية اللهم إلاّ إذا كان المقصود مجرّد التنبيه على الوجدان العرفي أو العقلي.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  64/ الجزء الثاني

 

و عندئذ يقع التزاحم بين الأغراض اللزومية و الأغراض الإباحية بما فيها هذا الغرض فيتمّ ما مضى من الجواب حرفا بحرف.

الأمر الثاني - أنّ هنا إشكالين آخرين واردين على مبدأ المخطئة غير مرتبطين بالإشكال في الحكم الظاهري بما هو حكم ظاهري:

الإشكال الأوّل - إنّ ثبوت الحكم الواقعي في فرض العلم بالخلاف لغو، لعدم قابليته في هذه الحالة للمحركيّة أصلا، و لا يمكن قياسه بالحكم الواقعي في فرض الشك لصلاحه للتحريك و لو لم يبلغ درجة اللزوم، و ذلك لثبوت حسن الانقياد عند الشك. و يمكن تسرية هذا الإشكال ببعض الملاحظات إلى بعض موارد أخرى، و هذا الإشكال غير مربوط بالحكم الظاهري لتحقّقه بفرض القطع بالعدم.

الإشكال الثاني - أنّه لو ثبتت ظاهرا حرمة ما هو واجب واقعا مثلا، أو حصل للمكلف خطاء العلم بحرمته فبقاء الحكم الواقعي عندئذ تكليف بغير المقدور، بمعنى أنّ المنقاد بوصفه منقادا غير قادر على امتثاله لأنّ فرض انقياده مساوق لفرض تركه ذاك العمل، لحرمته ظاهرا، أو لعلمه بحرمته، و لا يمكنه الجمع بين هذا الانقياد و الحكم الواقعي. و هذا الإشكال غير مربوط بالحكم الظاهري لما عرفت من تحقّقه بمجرّد فرض القطع بالحرمة.

و يأتي عين هذا الإشكال أيضا فيما لو لم يقطع العبد بحرمة ما هو واجب واقعا، بل كان يحتمل وجوبه و لم تنجّز الحرمة عليه ظاهرا لكن قطع بحرمة مقدّمته أو تنجّزت عليه حرمتها ظاهرا.

و الجواب عن الإشكال الأوّل: أنّه لا يلزم محذور اللّغوية في الحكم لا بلحاظ المبادئ و لا بلحاظ الإبراز. و الأول واضح لأنّ الملاك ثابت في المتعلّق تكوينا، و الحبّ و البغض ناشئان عن الملاك قهرا، فإشكال اللغويّة إنّما ينبغي أن يكون بلحاظ الإبراز. و الجواب عليه: أنّ المولى لو لم يعلم بعدم ترتّب الفائدة على حكمه بالنسبة لجميع المكلفين لم يكن الإبراز لغوا، إذ هو


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  65/ الجزء الثاني

 

لم يخصّص الإبراز بالنسبة لشخص خاص، و إنّما أبرز له في ضمن الإبراز للمجموع، و المفروض ترتّب الفائدة على ذلك و لو بالنسبة لبعض الأفراد، و لم يكن إطلاق الإبراز مستوجبا لمئونة زائدة تحتاج إلى غرض عقلائي متعلّق به بالخصوص.

أمّا لو علم المولى بأن عبيده جميعا سوف يقطعون بخلاف حكمه مثلا، و لن يترتّب أي أثر على حكمه و مع ذلك أبرز الحكم فعندئذ لا محيص عن الالتزام بثبوت مصلحة في نفس الإبراز، و لا يكون هذا حاله حال القول بثبوت الملاك في نفس الحكم الواقعي دون متعلّقه، فإن روح الحكم هنا ثابتة و إنّما كان الإبراز محتاجا إلى مصلحة في نفسه لعدم قابليته للتحريك و هذا بخلاف ذاك الفرض المساوق لانتفاء روح الحكم.

و الجواب عن الإشكال الثاني: أنّه لا يشترط في الحكم إلاّ أمران:

الأول - كونه بداعي سدّ باب العدم من ناحيته و هذا ثابت في محل الفرض، و إنّما ثبت العدم من باب آخر و هو علمه بالحرمة مثلا.

و الثاني - القدرة و لكن لم تكن القدرة مشروطة بعنوانها حتى يقال فيما نحن فيه بانتفاء الحكم للزوم تكليف العاجز. و إنّما قلنا: إنّ ظاهر الخطاب عرفا كونه بداعي المحركيّة الفعليّة على تقدير الوصول. و هذا لا يتطلب عدا اشتراط القدرة على تقدير الوصول و هي ثابتة فيما نحن فيه، إذ على تقدير وصول الحكم الواقعي إليه يرتفع العلم بالحرمة، أو الحكم الظاهري بالحرمة و يكون قادرا على امتثال الوجوب. و هكذا الكلام في مقدّمة الواجب التي تخيّل حرمتها [1].

 

_______________________

 [1] و إن شئت قلت: إنّ اشتراط القدرة إمّا هو على أساس لغوية تكليف العاجز، أو على أساس قبحه، أو على أساس استحالته. أمّا اللغويّة فترجع إلى الإشكال الأول الّذي مضى


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  66/ الجزء الثاني

 

المقام الثاني: في دفع الإشكال بناء على السببيّة أعني سببيّة الأمارة لحدوث المصلحة.

و الجواب على الإشكال في هذا الفرض منحصر في افتراض أنّ الأمارة ليست سببا لحدوث الملاك في نفس مصبّ ملاك الواقع و هو ذات الفعل كي يلزم التنافي بين المبدأين، و إنّما هي سبب لحدوث الملاك في عنوان آخر مباين لعنوان مصبّ الحكم الواقعي تمام التباين، أي لا توجد بينهما في عالم العناوين أي جهة اشتراك إطلاقا، و إن اتحدا بحسب الخارج، و ذلك عبارة عن عنوان الانقياد بالأمارة [1] و سلوكها و موافقتها، و بهذا يرتفع محذور اجتماع الضدين، إذ الحكمان المتضادان واردان على عنوانين متباينين. و قد حقّقنا في محلّه عدم استحالة اجتماع الأمر و النهي في مورد واحد إذا تعلّقا بعنوانين متباينين في عالم العناوين. نعم لو انحصر امتثالهما خارجا في مورد واحد وقع التنافي

 

جوابه. و أمّا القبح لو سلّم فهو عبارة عن قبح تحريك من هو عاجز عن الحركة. كما أنّ الاستحالة عبارة عن استحالة تحريك العاجز، و قد عرفت أن الخطاب إنّما يدلّ على داعي التحريك الفعلي على تقدير الوصول.

_______________________

 [1] لا يخفى أنّ هذا إنّما يتصور فيما إذا كان الحكم الظاهري إلزاما فيحمل على إرادة الإلزام بسلوك الأمارة، أمّا إذا كان ترخيصا فهو لا محالة ترخيصا فهو لا محالة ترخيص في مخالفة الواقع، و لا معنى للسلوك هنا. إذن: فهذا الجواب ناقص.

و لعله إلى هذا يشير ما نقله الأخ السيد علي أكبر - حفظه اللَّه - من الدورة الأخيرة لدرس أستاذنا - رضوان اللَّه عليه - من الإشكال على هذا التقريب، بأنّه إذا تمّ في مثل ما إذا كان الفعل حراما في الواقع و قامت الأمارة على وجوبه فلا يتمّ في فرض ما إذا كان الحكم الواقعي هو الحرمة و الظاهري هو الإباحة، لأنّ هذه الإباحة التي لها ملاك حقيقي إن كان متعلّقها نفس العنوان الّذي تعلّق به الحكم الواقعي لزم وحدة العنوان، و إن كان متعلّقها هو ما يلازم ذلك العنوان من قبيل عنوان اتّباع الأمارة، فهي غير مؤمنة عن الإقدام على العنوان الآخر الملازم له المحتمل فيه الحرمة.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  67/ الجزء الثاني

 

بينهما بلحاظ التنجّز و الامتثال. و المفروض فيما نحن فيه عدم تنجّز كليهما إذ الحكم الواقعي قبل وصوله ليس منجّزا [1]، و بعد وصوله يرتفع الحكم الظاهري فلا منافاة بينهما بلحاظ التنجّز و الامتثال أيضا. أمّا إشكال نقض الغرض فحلّه: إنّ غرض الحكم الواقعي نقض لأجل الغرض الأهمّ الموجود في سلوك الأمارة، و لا محذور في نقض الغرض لأجل غرض أهمّ بل لا بد منه.

هذا و ما ذكرناه من فرض الملاك في سلوك الأمارة مأخوذ من الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) إلاّ أنّه ذكر ذلك في مقام الجواب عن الإشكال بلحاظ العقل العملي لا في ما نحن فيه من دفع إشكال العقل النظريّ. و قد ذكره الشيخ (رحمه اللَّه) بصياغة سيأتي - إن شاء الله - أنّ الاقتصار على المقدار الّذي ذكره لا يصلح جوابا عن ذلك ما لم تبدّل تلك الصياغة بالصياغة التي ذكرناها.

 

الإشكال من ناحية العقل العملي:

و أمّا القسم الثاني من قسمي الإشكال في الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي، فهو الإشكال فيه بلحاظ العقل العملي من ناحية أنّ تفويت المصلحة على العبد و إلقاءه في المفسدة قبيح من الحكيم.

و هذا الإشكال لم يبق له موضوع بناء على ما بيّنا من كون ما نحن فيه من باب تزاحم الأغراض و تقديم ما هو الأهم، و إنّما يتّجه الإشكال بناء على غير هذا المبنى.

و قد تصدى الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) لدفع الإشكال بمحاولة

 

_______________________

 [1] هذا إنّما يتمّ على مبنى القوم من قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و لا يتمّ على مبنانا و لعله (رحمه اللَّه) كان ناظرا في هذا الكلام إلى مبنى القوم.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  68/ الجزء الثاني

 

تصوير سببيّة للأمارة لوجود الملاك بنحو يتدارك به ما فات، و في نفس الوقت لا يورطنا في محذور التصويب فذكر (قدّس سرّه) للسببيّة أقساما ثلاثة:

القسم الأوّل - ما سمّي بالتصويب الأشعري و جعل أردى أنحاء التصويب و هو القول بأنّ الأفعال - بغض النّظر عن قيام الأمارات و الأصول - لا حكم لها و لا تشتمل على ملاك من ملاكات الأحكام، و إنّما قيام الأمارة أو الأصل هو السبب لتحقّق ذلك.

القسم الثاني - ما أسموه بالتصويب المعتزلي و قالوا: إنّه خلاف الإجماع، و هو الالتزام بأنّ الأفعال بذاتها تشتمل على مصالح و مفاسد و تكون محكومة بحكم من الأحكام، و لكن بقيام الأمارة أو الأصل على الخلاف تتبدّل الملاكات و الأحكام إلى ما يوافق الأمارة أو الأصل.

القسم الثالث - ما عبّر عنه المحقّق النائيني (رحمه اللَّه) بالمصلحة السلوكيّة، و هو القول بأنّ قيام الأمارة و الأصل سبب لثبوت الملاك في جري العمل على طبقه، من دون أن يتبدّل الملاك الموجود في ذات الفعل أو حكمه.

هذا. و إنّما نلتزم بالمصلحة السلوكية بمقدار ما أوجبته الأمارة من فوات ملاك الواقع، لأنّ المصلحة السلوكيّة إنّما أثبتناها بالدلالة الالتزاميّة لدليل حجيّة الأمارة المنضمّ إلى حكم العقل بقبح التفويت و هذا لا يدل على أزيد من ذلك فلو صلّى الجمعة وفقا للأمارة مثلا، ثم انكشف خطأ الأمارة و أنّ الواجب هو الظهر و كان ذلك بعد ذهاب وقت الفضيلة فالمصلحة السلوكية تثبت بمقدار الفضيلة الفائتة، و لو لم ينكشف الأمر إلا بعد القضاء فالمصلحة السلوكيّة تكون بمقدار تدارك مصلحة الوقت أيضا.

و بناء على اختيار هذا القسم من السببيّة نكون قد جمعنا بين عدم التصويب و عدم ورود إشكال تفويت الملاك. أمّا الأوّل فلأنّ المفروض


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  69/ الجزء الثاني

 

بقاء المتعلّق على ما عليه من مصلحة و حكم. و أمّا الثاني فلأنّ

المفروض تدارك ما فات بالمصلحة السلوكية.

هذا ما يظهر من كلام الشيخ الأعظم (رحمه اللَّه) في المقام.

ثم أورد (رحمه اللَّه) على نفسه بأنّ المصلحة المفروضة في العمل بالأمارة إن لم تكن تساوي المصلحة الفائتة لم يحصل التدارك التام، و إن كانت تساويها لزم انقلاب الواجب التعييني إلى الواجب التخييري، إذ الملاك نسبته إلى الواجب الواقعي و الجري على وفق الأمارة واحدة فلا وجه لوجوب أحدهما تعيينا فلزم التصويب في التعينيّة.

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بأنّه كيف يكون الحكم الظاهري في المقام موجبا للتصويب و زوال الواقع مع أنّ المفروض فيه ثبوت الواقع؟ [1].

و ذكر المحقّق النائيني (رحمه اللَّه) في شرح هذا الكلام ما حاصله: أنّ العمل بالأمارة العمياء ليس ذا ملاك، و إنّما الملاك ثابت في العمل بأمارة كانت بصدد تعيين ما هو ثابت في الواقع من الحكم، فهذا الحكم الظاهري يكون مترتّبا على ذاك الحكم الواقعي [2] فيستحيل أن ينافيه.

أقول: استحالة نفي الشي‏ء لما يترتّب عليه صحيحة، إذ تأثيره في النفي إن كان قبل وجوده فهذا يعني تأثير المعدوم في عالم الوجود و هو مستحيل، و إن كان بعد وجوده ففرض وجوده يساوق فرض وجود ما هو مترتّب عليه و هذا يعني أنّهما اجتمعا في الوجود و لم يكن منافيا له. و لكن هذا لا يفيدنا في المقام إذ لو لم نثبت مسبقا عدم التنافي بينهما قلنا: إنّ ترتّب أحد المتنافيين

 

_______________________

 [1] عبارة الرسائل في هذا الإشكال و الجواب غير فنيّة و هذا التحديد للسؤال و الجواب بهذا الوضوح جاء في عبارة أجود التقريرات.

[2] نظر المحقّق النائيني (رحمه اللَّه) في ترتّب الحكم الظاهري على الواقعي إمّا إلى أنّ الواجب هو العمل بأمارة تكون بصدد تعيين الحكم الواقعي، أو إلى أنّ ملاك السلوك يتدارك مصلحة الواقع الفائتة، أو إلى كليهما.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  70/ الجزء الثاني

 

على الآخر بنفسه مستحيل. و إن شئت فقل أنّ هذا و إن لم يكن ينافي ذاك و لكن ذاك ينافي هذا.

و لعل مقصود الشيخ الأعظم (رحمه اللَّه) كان شيئا آخر لم نعرفه:

هذا. و كان ينبغي أن يفرض الشيخ الأعظم (رحمه اللَّه) كون ملاك الواقع و ملاك السلوك سنخين مطلوبين معا متنافيين في مقام الاستيفاء.

فإن لم يتصور في المقام ما مضى منّا من القسم الثالث للتزاحم، و أنّ الأحكام الظاهريّة تكون في مقام حفظ الواقع و قد وقع التزاحم بين نفس الأحكام الظاهريّة بلحاظ عالم المحرّكيّة، فلا أقلّ من تصوير القسم الثاني من التزاحم في المقام. فإذا استبدلت فكرة التدارك بفكرة التنافي في المقام ارتفع الإشكال، فإنّ تقديم ملاك السلوك على ملاك الواقع في مقام الاستيفاء لا يعني زوال ملاك التعيين. و الصحيح عندنا جواز اجتماع الأمر و النهي في مورد واحد على عنوانين ما دام العنوانان متعددين بغض النّظر عن الاعتبار و التعمّل العقلي، و إن انحصر موردهما بمادة الاجتماع إن لم يكن كلاهما منجّزا حتى لا تقع المنافاة بينهما في مقام الامتثال. و ما نحن فيه من هذا القبيل.

هذا. و المقصود من قولنا: (بغض النّظر عن الاعتبار و التعمّل العقلي) إخراج التعدّد الّذي يكون كذلك، من قبيل تعدّد الإنسان و الحيوان الناطق المفترقين بالإجمال و التفصيل.

و الحاصل أنّه إذا التزمنا بالمصلحة السلوكية بالشكل الّذي شرحناه لم يرد محذور التصويب و لا محذور التفويت. أمّا الأوّل فلما عرفت من عدم المنافاة بين الحكمين و كونهما على موضوعين. و أمّا الثاني فلأنّ التفويت يكون بملاك التزاحم و تقديم الأهم عند عدم إمكان الجمع بينهما.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  71/ الجزء الثاني

 

مقتضى الأصل عند الشكّ في الحجّيّة

و أمّا الأمر الثالث: و هو بيان ما يقتضيه الأصل عند الشك في الحجّيّة.

فقد جاء في عبائر الأصحاب (قدّس سرّهم) أنّ الشك في الحجّيّة مساوق للقطع بعدم الحجّيّة.

 

تمهيد

و نحن نقدّم قبل الشروع في البحث عن ذلك مقدّمة مستفادة مما مضى منّا في الأمر الثاني.

فنقول: قد عرفت أنّ أدلّة الأحكام الظاهريّة أنّما تكون حجّة باعتبار ما تكشف عنه من اهتمام المولى و عدمه بأغراضه عند الشك لا باعتبار منشئاتها و معتبراتها. و لكن ظاهر المشهور هو الثاني، و لذا وقع منهم في هذا المقام بحث طويل في أنّه ما هو المنشأ و المعتبر بالدليل الظاهري؟ و ما هو المناسب لإثبات المنجّزّية و المعذّرية به؟ هل هو الطريقيّة، أو الحكم المماثل، أو الحجّيّة، أو غير ذلك؟.

و يترتّب على هذا الاختلاف بيننا و بين ما يظهر من المشهور أنّه


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  72/ الجزء الثاني

 

كان هناك حكمان ظاهريان أحدهما يقتضي التنجيز و الآخر يقتضي التعذير، فهل يتعارضان بقطع النّظر عن وصول كليهما، أو لا يتعارضان إلاّ عند وصول كليهما؟. فبناء على المبنى المشهور يتّجه الثاني، إذ لا تعارض بين إنشاءين و اعتبارين بما هما إنشاءان و اعتباران، و إنّما يتنافيان من ناحية ما يترتّب عليهما من المنجّزيّة و المعذّريّة. و إنّما يترتّب ذلك بعد الوصول لا قبله، فإذا دلّت البراءة الشرعية مثلا على ترك الدعاء عند رؤية الهلال و قد دلّ خبر الواحد على وجوبه، و شككنا في حجّيّة خبر الواحد فالبراءة لا تدلّ على عدم حجّيّة خبر الواحد، إلا تنافي بينهما إلاّ من حيث التعذير و التنجيز المترتّبين على الوصول، و المفروض عدم وصول حجّيّة خبر الواحد.

و أمّا بناء على المبنى المختار فتقع المنافاة بين الحكمين الظاهريّين بقطع النّظر عن الوصول، إذ من الواضح أنّ اهتمام المولى بغرضه عند الشك و عدمه نقيضان لا يجتمعان، و المفروض أنّ المدلول التصديقي العرفي لأدلّة الأحكام الظاهريّة الموجبة للتنجيز و التعذير هو الاهتمام بالغرض عند الشك و عدمه، كما أنّ المدلول التصديقي لأدلّة الأحكام الواقعيّة نفس الغرض، و أمّا نفس الجعل و الاعتبار بما هو فلا أثر له و لا يكون موضوعا لحكم العقل لا في الأحكام الواقعيّة و لا في الأحكام الظاهريّة. و على هذا فدليل البراءة في المثال الّذي ذكرناه - المقتضي بإطلاقه تشريع البراءة عن الدعاء عند رؤية الهلال سواء دلّ خبر الواحد على وجوبه أو لا - يدلّ لا محالة على عدم حجّيّة خبر الواحد، إذ هو يدلّ على عدم اهتمام المولى بغرضه عند الشك حتى لو اقترن الأمر بورود خبر الواحد الدال على الوجوب، بينما حجّيّة خبر الواحد لو كانت مشرّعة فهي تدلّ على اهتمام المولى بغرضه عند الشّك المقترن بورود خبر الواحد على الوجوب فهما متنافيان لا محالة.

نعم سنتمسك عندئذ بدليل حجّيّة الإطلاق الّذي هو دليل ثالث من أدلّة الأحكام الظاهريّة غير دليل البراءة و غير دليل حجّيّة خبر الثقة و نثبت


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  73/ الجزء الثاني

 

بذلك جريان البراءة في المقام، سواء وجد خبر الواحد أو لا، لأنّ دليل البراءة مطلق و هذا الإطلاق حجّة لنا ما دمنا غير جازمين بحجّيّة خبر الواحد، و حجّيّته في طول الشك في حجّيّة خبر الواحد أي أنّ نسبة هذا الحكم الظاهري الثالث إلى حجّيّة خبر الواحد في الواقع كنسبة الحكم الظاهري إلى الواقعي و ليس في عرضه فهما غير متعارضين، كما أنّ الحكم الظاهريّ و الواقعي غير متعارضين. و لا منافاة بين افتراض أنّ الشك في الدعاء عند رؤية الهلال وحده لا يكون رافعا لاهتمام المولى بغرضه عند دلالة خبر الواحد على الإلزام فيحاول حفظ الغرض عن طريق جعل حجّيّة خبر الواحد، و افتراض أنّ الشك في الدعاء عند رؤية الهلال مضافا إلى الشك في حجّيّة خبر الواحد رافع لاهتمام المولى بغرضه، ففي هذه الحالة تجري البراءة. و الحاصل أنّ المتصور في المقام ثلاثة أحكام في ثلاث طبقات:

أوّلا - وجوب الدعاء عند رؤية الهلال الّذي هو حكم واقعي محتمل مشتمل على تقدير وجوده على غرض إلزامي.

ثانيا - حكم ظاهري يعكس اهتمام المولى أو عدم اهتمامه بذاك الغرض بمجرّد الشك في الحكم الواقعي، و هذا الحكم الظاهري قد تردّد بين حجّيّة خبر الواحد التي تعكس الاهتمام، و حجّيّة البراءة التي تعكس عدم الاهتمام.

ثالثا - حكم ظاهري موضوعه الشك في أنّ الحكم الظاهري الأوّل هل هو حجّيّة خبر الواحد، أو البراءة. أو قل إنّ موضوعه الشك في اهتمام المولى و عدم اهتمامه بغرضه عند الشك في الواقع، و هذا الحكم الظاهري عبارة عن حجّيّة الإطلاق و الّتي تعيّن البراءة في مقابل حجّيّة خبر الواحد.

هذه هي المقدّمة التي أردنا تقديمها في المقام.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  74/ الجزء الثاني

 

أصالة عدم الحجّيّة

و بعد ذلك نقول: إنّ الصحيح عند الشك في الحجّيّة هو أنّ الأصل عدم الحجّيّة. و أقصد بذلك أنّ مجرّد ورود أمارة مشكوكة الحجّيّة تقتضي خلاف ما تقتضيه الوظائف العقليّة أو الشرعيّة لو لا حجّيتها لا يوجب أيّ تغيير في تلك الوظائف. و لتوضيح ذلك نمثّل فعلا بالأمارة المقتضية للإلزام فنقول:

إذا دلّ خبر الواحد على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال و قد شككنا في حجّيّته فهذا لا يوجب تغييرا في الوظيفة العقليّة و لا في الوظيفة الشرعية:

أمّا الأوّل - فلأنّ الوظيفة العقليّة النافية للإلزام على مبنى المشهور عبارة عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و من المعلوم أنّه لا ينتفي موضوعها باحتمال ثبوت الحكم الظاهري الإلزاميّ و لا يكفي ذلك في ثبوت البيان، و إلاّ لكفى نفس احتمال الواقع فيه. فاحتمال الحكم الظاهري لا يزيد على احتمال الحكم الواقعي، و ضمّ اللابيان إلى اللابيان لا يثمر البيان.

هذا حال قاعدة قبح العقاب بلا بيان بلحاظ الواقع.

و أمّا بلحاظ نفس حجّيّة خبر الواحد و الحكم الظاهري فلا معنى لجريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان لعدم ترقّب العقاب على الحكم الظاهري بما هو حكم ظاهري. هذا كلّه بناء على مبنى المشهور من قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

أمّا بناء على مبنانا من منجّزية احتمال اهتمام المولى بغرضه، فأيضا من الواضح أنّ ورود هذا الخبر لم يؤثر أيّ أثر في تغيير الوظيفة العقليّة فإنّنا نحتمل اهتمام المولى بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال، سواء ورود هذا الخبر و احتملنا حجّيّته أو لا.

و أمّا الثاني - فالوظيفة الشرعية النافية للإلزام إمّا هي مثل البراءة


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  75/ الجزء الثاني

 

الشرعية و الاستصحاب، أو العمومات و الإطلاقات. فإن فرضنا أنّ الوظيفة الشرعية كانت هي البراءة فاحتمال حجّيّة هذا الخبر لا يمنع عن جريان البراءة، لأنّ دليل جريان البراءة مطلق يشمل فرض دلالة خبر مورث للعلم على الإلزام. و إنّ دلّ دليل على حجّية خبر الواحد فهو إمّا مخصص لدليل البراءة، أو حاكم عليه و الحكومة ترجع في الحقيقة إلى التخصيص كما نبيّن ذلك - إن شاء الله - في محلّه. فالشك في حجّية خبر الواحد مساوق للشك في تخصيص دليل البراءة، و المرجع هو الإطلاق. هذا بلحاظ الواقع.

و أمّا بلحاظ الحجّيّة المشكوكة فالبراءة الجارية بالنسبة للواقع دليل اجتهادي على نفي حجّيّة الخبر المشكوكة. فعند جريان البراءة بلحاظ الواقع لا تصل النوبة إلى البحث عن جريان البراءة و عدمه بلحاظ الحجّيّة المشكوكة، و ذلك لما ذكرناه في المقدّمة من تنافي الحكمين الظاهريين العرضيين بقطع النّظر عن الوصول، فالدليل على ثبوت أحدهما بالمطابقة دليل على نفي الآخر بالالتزام فيثبت بالدليل الاجتهادي عدم حجّيّة الخبر في هذا المورد، و مع فرض القطع بعدم الفرق يثبت عدم حجّيّة الخبر مطلقا.

و الحاصل أنّنا شككنا في أنّ المولى هل اهتمّ بغرضه بجعل حجّيّة الخبر، أو نفي الاهتمام به بجعل البراءة، و إطلاق دليل البراءة عيّن الثاني في مقابل الأول.

هذا. و ما ذكرناه من نفي حجّية الخبر بالدليل الاجتهادي - و هو دليل البراءة - لا يتمّ على مبنى القوم لعدم المنافاة بين الحكميين الظاهريين بأنفسهما فليس أحدهما ملازما لعدم الآخر [1]، و هذا بخلاف ما نقحناه في

 

_______________________

 [1] و عندئذ نقول: إنّ الحكم الظاهري غير الواصل و هو حجّيّة الخبر لا أثر له و لا قيمة لاحتماله فإنّ احتماله ليس بأشد من احتمال الواقع. فنأخذ بالحكم الظاهري الواصل و هو البراءة بلا مزاحم.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  76/ الجزء الثاني

 

المقدّمة.

إن قلت: كيف يمكن ثبوت الشك في حجّيّة هذا الخبر مع التمسك بإطلاق الدليل الاجتهادي في نفيه؟ و قد مضى أنّ الحكم الظاهري إنّما يكون معذّرا عن الواقع من باب كونه موجبا للقطع بعدم اهتمام المولى بالواقع. و على هذا نقول: هل أوجب إطلاق دليل البراءة و لو بمعونة دليل حجّيّة الإطلاق القطع بعدم اهتمام المولى بالواقع أو لا؟ فإن فرض الثاني فالحكم الظاهري لم يمارس عمله المطلوب منه. و إن فرض الأول لم يبق مجال لاحتمال حجّيّة هذا الخبر، إذ إنّما يجعله المولى حجّة على فرض الاهتمام بالواقع المفروض حصول القطع بعدمه.

قلت: هذا الكلام ظهر جوابه مما مضى في المقدّمة. فإنّ الحكم الظاهري بحجّيّة إطلاق دليل البراءة يكون في طول الشك في كون الحجّيّة للخبر أو للبراءة، و نسبته إلى حجّية الخبر كنسبة الحكم الظاهري إلى الواقعي و ليس كنفس الحكم الظاهري بالبراءة ابتداء الّذي كان في عرض حجّية الخبر و لا منافاة بين احتمال عدم كون الشك في الواقع المقرون بورود خبر الواحد على الإلزام رافعا لاهتمام المولى بالواقع، و القطع بكون هذا الشك منضما إلى الشك في حجّية الخبر رافعا لذلك.

و إن فرضنا أنّ الوظيفة الشرعية كانت هي استصحاب عدم وجوب الدعاء، فأيضا يأتي عين ما ذكرناه في البراءة الشرعيّة حرفا بحرف و يكون الشك في حجّية الخبر مساوقا للشك في تخصيص دليل الاستصحاب فيتمسك بإطلاقه. هذا بلحاظ الواقع.

و أمّا بلحاظ حجّية الخبر فالاستصحاب الجاري بلحاظ الواقع يكون دليلا اجتهاديا على نفي الحجّيّة بالبيان الماضي، و لا تصل النوبة إلى البحث عن أنّه هل يمكن استصحاب عدم الحجّية أو لا؟ و أمّا إن فرضنا أنّ الوظيفة الشرعية النافية للتكليف كانت هي العموم


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  77/ الجزء الثاني

 

أو الإطلاق للدليل الدال على عدم وجوب الدعاء الشامل للدعاء عند رؤية الهلال، فأيضا يكون المرجع بلحاظ الواقع هو هذا العموم أو الإطلاق و لا يمنع احتمال حجّيّة خبر الواحد عن ذلك، لأن دليل حجّية العموم أو الإطلاق دلّ على كونه حجّة ما لم تعلم معارضته بحجّة أقوى منه، و المفروض عدم وصول حجّية هذا الخبر فيبقى العموم أو الإطلاق باقيا على حجّيته. نعم هذا العموم أو الإطلاق ليس دليلا اجتهاديا على عدم حجّية هذا الخبر كما كان كذلك في البراءة و الاستصحاب، و ذلك لأنّ هذا العموم أو الإطلاق لا يدلّ على حكم ظاهري في عرض حجّية الخبر، و إنّما يدلّ على عدم وجوب الدعاء عند رؤية الهلال واقعا و لا منافاة بين عدم وجوبه واقعا و حجّيّة الخبر الدال على وجوبه. و أمّا حجّية هذا العموم أو الإطلاق فليست في عرض حجّية خبر الثقة [1] فلا منافاة بينهما كما يظهر توضيحه مما مضى. هذا كلّه فيما لو كانت الأمارة المشكوك حجّيتها دالة على الإلزام.

و تأتي عين ما ذكرناه فيما لو كانت الأمارة المشكوك حجّيتها دالّة على الترخيص و كانت الوظيفة بقطع النّظر عنها إلزاميّة فالوظيفة العقليّة لا تختلف بمجرّد احتمال حجّيتها. و أمّا الوظيفة الشرعيّة فإن كانت ثابتة بحكم ظاهري في رتبة حجّيّة الخبر فالمرجع نفس ذلك الحكم الظاهري و يدلّ بالالتزام على نفي تلك الحجّيّة. و إن كانت ثابتة بعموم أو إطلاق فالمرجع نفس ذاك العموم أو الإطلاق، و لكن لا يثبت بالدليل الاجتهادي عدم تلك الحجّيّة لعدم التنافي بين مفاد ذاك العموم أو الإطلاق و حجّية

 

_______________________

 [1] فإنّ حجّيّة العموم أو الإطلاق موضوعها هو العموم أو الإطلاق الّذي لم تعلم معارضته بحجّة أقوى منه. إذن: فالشك في حجّية خبر الواحد الّذي عارض العموم أو الإطلاق مأخوذ في موضوع حجّية العموم أو الإطلاق و هذه الحجّيّة تؤمننا عن احتمال اهتمام المولى بغرضه الواقعي بجعل حجّية الخبر من دون أن تنفيها، ذلك لأنّ نسبتها إليها كنسبة الحكم الظاهري الترخيصي إلى الواقع الّذي يؤمننا من قبله و لكن لا ينفيه لعدم المنافاة بين الحكم الواقعي و الظاهري.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  78/ الجزء الثاني

 

خبر الواحد.

هذا. و قد تحقّق من تمام ما ذكرناه أنّ ما جاء في عبائر الأصحاب (قدّس سرّهم) من (أنّ الشك في الحجّية مساوق للقطع بعدم الحجّية) متين فإنّ الظاهر أنّه ليس مقصودهم من ذلك أخذ القطع بالحجّية في موضوع الحجّية، و إنّما مقصودهم أنّ الشك في الحجّية مساوق من حيث النتيجة للقطع بعدم الحجّية، أو أنّ المقصود بالحجّية الثانية هو ترتّب الآثار العقليّة من التنجيز و التعذير لا ثبوت الخطاب الظاهري من قبل المولى بخلاف الحجّية الأولى.

هذا تمام الكلام في هذا الوجه لكيفية تأسيس الأصل في المقام.

 

تأسيس الأصل بوجوه أخرى

و قد قرّب الأصل بوجوه أخرى:

منها - ما أفاده الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) من التمسك بالأدلّة الشرعية الدالة على حرمة الإسناد إلى الشارع بغير علم.

و هذا الوجه إنّما يرجع إلى وجه فنّي إذا فرض فيه أمور ثلاثة:

الأوّل - أن يكون جواز الإسناد لازما مساويا للحجيّة، إذ لو لم يكن لازما لها أصلا أو كان أخص لم يكن نفيه دالا بالملازمة على نفيها، لأنّ نفى الأخص لا يدلّ على نفي الأعم، كما أنّ نفي شي‏ء ما لا يدلّ على نفى ما لا تلازم بينهما أصلا.

الثاني - أن يكون جواز الإسناد لازما لواقع الحجيّة لا للحجّية الواصلة، إذ على الثاني نقطع بعدم جواز الإسناد لفرض عدم وصول الحجّية بلا حاجة إلى التمسك لإثبات عدم جواز الإسناد بتلك الأدلّة، و لا يكون عدم جواز الإسناد مثبتا لعدم الحجّيّة لفرض كفاية عدم وصولها فيه.

الثالث - أن لا يكون نفس احتمال الحجّيّة مانعا عن التمسك بعموم


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  79/ الجزء الثاني

 

دليل عدم جواز الإسناد بغير العلم، و إلاّ لم يمكننا التمسك به لنفي الحجّية.

فيجب البحث في هذه الأمور الثلاثة:

أمّا الأمر الأول - فلا مجال له بناء على مبانينا في بحث قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي فإنّه يظهر بمراجعة ما ذكرناه هناك أنّه لا ملازمة بين حجّية الأمارة و قيامها مقام القطع الموضوعي، و بالإمكان قيامها مقام القطع الموضوعي بدليل ما. إلاّ أنّ هذا يصبح من مقارنات الحجّية لا من لوازمها فقد يفرض دلالة دليل على جواز إسناد مفاد أمارة إلى الشارع لكن هذا لا يعني أنّ جواز الإسناد من لوازم حجّيته حتى يفرض أنّ دليل نفي جواز إسناده دليل على عدم حجّية تلك الأمارة.

و أمّا بناء على مباني القوم فإن كان قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي ملازما للحجّية فإنّما هو ملازم لها على بعض الفروض في ألسنة جعل الحجّية و هو لسان جعل الطريقيّة و لسان تنزيل المؤدى منزلة الواقع، و قد وقع البحث في إنتاجهما لقيام الأمارة مقام القطع الموضوعي و عدمه. و أمّا جعل المنجّزيّة و المعذّرية و كذا جعل الحكم المماثل فلا علاقة لهما بقيام الأمارة مقام القطع الموضوعي و جواز الإسناد أصلا، حيث قد عرفت أنّ نسبة جعل الحجّية إلى تمام تلك الألسنة على حد سواء. فجواز الإسناد إن كان لازما للحجّيّة فإنّما هو لازم لبعض أنحاء جعل الحجّية و ليس لازما مساويا لجعل الحجيّة بتمام أنحائها، فلا يكون نفيه نفيا لها بالملازمة.

و أمّا الأمر الثاني - فيختلف الحال فيه باختلاف مباني القول بالملازمة، و قد عرفت أنّ مباني القول بالملازمة أمران:

الأول - مبنى جعل الطريقيّة بناء على ما يقال من أنّ جعل الأمارة طريقا مثمر لترتّب آثار القطع الطريقي بالشي‏ء بالنسبة لأحكامه و أحكام متعلّقة و لترتّب آثار القطع الموضوعي بالنسبة لأحكام نفس هذا القطع و من تلك الأحكام جواز الإسناد إلى المولى الّذي أخذ في موضوعه العلم بصحة


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  80/ الجزء الثاني

 

المسند إليه و صدقه. و بناء على هذا المبنى يكون جواز الإسناد أثرا لواقع الحجّيّة لا للقطع بها فإنّ المفروض أنّ دليل حجّية الأمارة و جعل العلم الاعتباري حاكم على دليل حرمة الإسناد بغير علم. و من المعلوم أنّ هذا العلم الاعتباري محفوظ حتى مع الشك فيه فهذه الحكومة ليست إلاّ كسائر الحكومات كما في قوله: الطواف بالبيت صلاة. و قوله: لا ربا بين الوالد و ولده، مما لا تكون الحكومة فيه مختصة بفرض العلم.

الثاني - مبنى تنزيل المؤدى منزلة الواقع بناء على ما يقال من أنّ ذلك يدلّ بالملازمة على تنزيل العلم بالظاهر منزلة العلم بالواقع، و هذا ينتج كون جواز الإسناد أثرا للحجّية الواصلة لا لواقع الحجّية، إذ قبل الوصول لا يكون هناك علم بالظاهر كي يقوم مقام العلم بالواقع.

و أمّا الأمر الثالث - فهو مبني على ما سنحقّقه - إن شاء الله - في محلّه من أنّ الحكومة هل ترجع بروحها إلى التخصيص و إنّما الفرق بينهما في كيفية التعبير، أو أنّها تختلف في جوهرها عن جوهر التخصيص و تكون رافعة للموضوع كما يظهر من عبائر المحقّق النائيني (رحمه اللَّه) فعلى الأول - و هو المختار - يتمّ الأمر الثالث فإنّ الشك في الحجّية يساوق عندئذ الشك في تخصيص دليل حرمة الإسناد بغير العلم فنتمسك بإطلاقه. بينما على الثاني يكون التمسك بإطلاق هذا الدليل عند الشك في الحجّية تمسّكا بالعامّ في الشبهة المصداقيّة لنفس العام، لأنّ العام أنّما دلّ على حرمة الإسناد بغير العلم، و الشك في الحجّية يساوق الشك في كون هذا الإسناد إسنادا بالعلم أو بغير علم.

و منها - استصحاب عدم الحجّية، و بناء على ما عرفته فيما سبق لا تصل النوبة إلى هذا الاستصحاب [1] فيما لو ثبت بلحاظ الواقع حكم ظاهري في

 

_______________________

 [1] لو قلنا بأنّ الدليل الاجتهادي المطابق للاستصحاب يرفع موضوع الاستصحاب كما هو المعروف. و إن كان المختار خلافه.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  81/ الجزء الثاني

 

عرض تلك الحجّيّة كالبراءة و الاستصحاب لكون دليل الحكم الظاهري دليلا اجتهاديا على عدم الحجّية فلا بد من فرض موضوع الكلام خصوص ما لم يكن فيه حكم ظاهري في عرض الحجّية ينفيها دليله بالملازمة.

و قد ذكر في مقام الإشكال على هذا الاستصحاب تقريبان:

التقريب الأوّل - ما فهمه المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللَّه) من كلام الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) و هو أنّ الأثر المترقب ترتّبه في المقام عبارة عن حرمة الإسناد، بينما هي أثر لنفس الشك في الحجّية لا لواقع عدم الحجّية حتى يستصحب ذلك إثباتا لهذا الأثر، و موضوع هذا الأثر و هو الشك ثابت فيترتب عليه الأثر.

و أورد المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللَّه) على ذلك في تعليقته على الرسائل بوجهين:

الأول - إنّ وجود الأثر للمستصحب إنّما يشترط فيما لو كان المستصحب موضوعا من الموضوعات. أمّا استصحاب الحكم نفيا و إثباتا فلا حاجة في تصحيحه إلى أثر آخر مترتّب عليه، و ما نحن فيه من هذا القبيل فإنّ الحجّية حكم نستصحب عدمها.

الثاني - إنّا لا نسلّم عدم ترتّب الأثر على المستصحب فإنّ حرمة الإسناد كما تكون أثرا للشك في الحجّية كذلك تكون أثرا لواقع عدم الحجّية، كما يستفاد مما دلّ على حرمة الحكم بغير ما أنزل اللَّه. إذن: فهناك أمران:

أحدهما: قاعدة الشك المقتضية لحرمة الإسناد بمجرّد الشك في الحجّية.

و الثاني: استصحاب عدم الحجّية. و هو حاكم على الأول كحكومة استصحاب الطهارة على قاعدة الطهارة.

و دفع المحقّق النائيني (رحمه اللَّه) الإشكال الأول بأنّ عدم الحجّية و إن


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  82/ الجزء الثاني

 

كان في نفسه نفيا لحكم شرعي لكنه ليس بنفسه موضوعا لجري العمل عليه كما في الأحكام التكليفية. و الاستصحاب أصل في مقام الجري العملي و روحه يرجع إلى تعيين الوظيفة العملية فلا بدّ من إجرائه فيما يتطلب ابتداء الجري العملي عليه بحكم العقل، أو تترتّب عليه ثمرة كذلك، فعدم الحجّيّة حاله حال الموضوعات في احتياج جريان الاستصحاب فيه إلى الأثر.

أقول: إنّ تحقيق هذا الكلام إثباتا و نفيا سيظهر من تحقيقنا للتقريب الثاني من تقريبي الإشكال في استصحاب الحجّية [1].

و أيضا دفع المحقّق النائيني (قدس سرّه) الإشكال الثاني بأنّه بعد أن ظهر أنّ استصحاب عدم الحجّية يكون لأجل إثبات حرمة الإسناد لا لإثبات نفس عدم الحجّية و إن كان بنفسه حكما من الأحكام. قلنا: أنّه لو سلّم ترتّب هذا الأثر على الشك في الحجّية و على واقع عدم الحجّية كان استصحاب عدم الحجّية تحصيلا للحاصل، بل من أردى أنحاء تحصيل الحاصل لأنّه تحصيل لما هو حاصل وجدانا بالتعبّد. فإنّ إجراء الاستصحاب في المقام يكون لإثبات حرمة الإسناد تعبّدا مع أنّها ثابتة في الرتبة السابقة على الاستصحاب وجدانا، و ذلك لأنّ الاستصحاب متأخّر رتبة عن الشك لكونه مأخوذا في موضوعه، فلا بدّ من ثبوت الشك حتى

 

_______________________

 [1] الواقع أنّه إنّما اشترط في الأصل العملي أن يترتّب على مفاده أثر شرعي عملي، أو أن يكون مفاده بنفسه أثرا شرعيا عمليا استطراقا لترتّب التنجيز و التعذير العقليين عليه. و الحجّية المفروض استصحاب عدمها في المقام لو نظرنا إليها من زاوية حرمة الإسناد فقط جاء القول بأنّ الحجّيّة ليست حكما عمليا فهي بحاجة إلى أثر شرعي عملي كي يصح استصحاب عدمها. أما إذا نظرنا إليها من زاوية أنّ الحجّية الشرعيّة تولّد التنجيز و التعذير العقليين لأنّ استصحاب عدم الحجّيّة يرفع موضوع قبح العقاب بلا بيان مثلا، و يبدّله إلى بيان العدم و بيان العدم بنفسه يحقّق التعذير، فهذا ما سيأتي تحقيقه في البحث عن التقريب الثاني من تقريبي الإشكال إن شاء الله.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  83/ الجزء الثاني

 

يجري الاستصحاب و بمجرّد ثبوت الشك تثبت حرمة الإسناد وجدانا بثبوت موضوعه وجدانا، إذ المفروض أنّ المولى حكم حكما واقعيا على فرض الشك بحرمة الإسناد.

أقول: إنّ كون الشك و واقع عدم الحجّية معا موضوعين لحرمة الإسناد يتصور على أنحاء:

الأول - أن يكون كلّ من الشك و عدم الحجّية موضوعا مستقلا لحرمة الإسناد، بأن تكون حرمة الإسناد مجعولة بجعلين أحدهما على الشك و الآخر على عدم الحجّية.

و على هذا الفرض لا خفاء في عدم لزوم تحصيل الحاصل من الاستصحاب، إذ ما يثبت بالاستصحاب من حكم هو غير الحكم الثابت قبل الاستصحاب، نظير ما لو أريد إثبات حرمة أكل مال باستصحاب كونه ملكا للغير مع وجدانية حرمته من ناحية النجاسة.

و لا يبعد أن يكون مقصود المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللَّه) هو هذا الفرض لأنّه أشار في تعليقته في المقام إلى ما يدلّ في نظره على حرمة الإسناد مع عدم الحجّية مستقلا عن دليل حرمة الإسناد مع الشك و هو ما دلّ على حرمة الحكم بغير ما أنزل اللَّه، و هذا يشعر اختياره لهذا الفرض. و بناء على هذا الفرض لا يرد عليه إشكال المحقّق النائيني (رحمه اللَّه) [1].

 

_______________________

 [1] نعم لو استظهر أنّ الموضوع الأول من موضوعي حرمة الإسناد و هو الشك عبارة عن مطلق عدم العلم بالحجّية الشامل للعلم بعدم الحجّية لا خصوص الشك بمعنى التردّد. ورد عليه أنّ ما افترضه من حكومة الاستصحاب على قاعدة الشك في المقام في غير محلّها. و لكن يبدو أنّه (رحمه اللَّه) يرى نفس الشك هو الموضوع فتتمّ الحكومة بناء على ما هو المعروف من حكومة مثل استصحاب الطهارة على مثل أصالة الطهارة لأنّ نكتة الحكومة لو تمّت هناك فهي تامّة هنا رغم أنّ حرمة الإسناد عند الشك حكم واقعي لا حكم ظاهري ثابت بأصل عملي و على أي حال فسيتضح أنّ أصل فكرة كون المقصود بالشك خصوص التردّد غير صحيحة.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  84/ الجزء الثاني

 

الثاني - أن يكون الجامع بين الشك و عدم الحجّية موضوعا للحرمة، و يكون المقصود بالشك مطلق عدم العلم بالحجّية الشامل لفرض العلم بعدم الحجّية.

و على هذا الفرض يصحّ القول بأنّ إثبات حرمة الإسناد بالاستصحاب تحصيل للحاصل كما ذكره المحقّق النائيني (قدّس سرّه) لثبوتها وجدانا بثبوت موضوعها و هو عدم العلم بالحجّية وجدانا.

و لكن لا أثر لما ذكره المحقّق النائيني (رحمه اللَّه) من كون الحرمة ثابتة في الرتبة السابقة على الاستصحاب فإنّ ما يكون ثابتا وجدانا لا يعقل إثباته بالاستصحاب تعبّدا و لو في عرضه، و فرض الثبوت في الرتبة السابقة ليس له دخل في نكتة الإشكال [1].

على أنّ ما ذكره من الطوليّة غير صحيح في نفسه فإن الشك موضوع لأمرين: الاستصحاب، و حرمة الإسناد، فهما في عرض واحد لا طوليّان.

هذا. و لا يخفى أنّ هذا الوجه غير متصوّر في مثل استصحاب عدم الطهارة و قاعدتها إذ الحكم فيه ظاهري و لا يعقل جعله على مطلق فرض عدم العلم بالنجاسة الشامل لفرض العلم بالطهارة لعدم تعقل الحكم الظاهري مع العلم.

الثالث - أن يكون الجامع بين الشك و عدم الحجّية هو الموضوع لحرمة الإسناد أيضا، و لكن يكون المقصود بالشك التردّد لا ما يشمل فرض العلم بالعدم، و على هذا يتّجه القول بأنّ الاستصحاب يجري و لا يلزم منه تحصيل الحاصل لأنّه يرفع الفرد الأول لموضوع الحكم بالحرمة، و هو الشك في

 

_______________________

 [1] و لعل المحقّق النائيني (رحمه اللَّه) قاس تحصيل الحاصل بالوجدان تعبّدا بتحصيل الحاصل بالوجدان وجدانا أو بالتعبّد تعبّدا الّذي يعني تحصيل ما هو مفروض الحصول في الرتبة السابقة.

أمّا إن لم يكن مفروض الحصول في الرتبة السابقة فالتحصيل الثاني يرجع في واقعه إلى انضمام علّة ثانية بقاء إلى العلّة الأولى و صيرورة كل منهما جزء علة.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  85/ الجزء الثاني

 

الحجّيّة فينتفي ثبوت الحكم من هذه الناحية و يثبت الفرد الثاني تعبّدا. و هو عدم الحجّية فيثبت الحكم بثبوت هذا الفرد من موضوعه. هذا ما تقتضيه الصناعة على مبنى القوم من حكومة الاستصحاب على القاعدة و لو كانا متوافقين، لكون الاستصحاب رافعا للشك الّذي هو موضوع للقاعدة، و إن كان المبنى غير مرضي عندنا كما يأتي تحقيقه - إن شاء الله - في محلّه.

و هنا كلام و هو أنّ هناك نكتة يكون الالتفات إليها موجبا للاطمئنان هنا بخلاف ما تقتضيه الصناعة، و هي أنّه يلزم من ذلك أنّه لو كانت الحجّيّة ثابتة في الواقع فليس الإسناد حراما في الواقع أصلا، لا بملاك الشك في الحجّية لفرض ارتفاعه بحكومة الاستصحاب التي هي حكومة واقعية على ما نقحناه فيما مضى في بحث قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي من أن قيامها مقامه يكون بالحكومة الواقعية لا الظاهرية، و لا بملاك عدم الحجّية لفرض مخالفة الاستصحاب للواقع و ثبوت الحجّية واقعا. فصورة القطع بكون الحالة السابقة هي عدم الحجّية أصبحت أسوأ حالا من غيرها فيكون الإسناد حراما واقعا في غير تلك الصورة و غير حرام في هذه الصورة. و هذا مما يطمأن بخلافه فيتجه أنّ الحرمة ثابتة في هذه الصورة أيضا واقعا [1] فيكون إثبات الحرمة تعبّدا بالاستصحاب تحصيلا لما

 

_______________________

 [1] لا يخفى أنّ النكتة الوجدانية التي بيّنها أستاذنا الشهيد (رحمه اللَّه) بالقدر الّذي بينه كأنّها تقتضي الاطمئنان بالجامع بين بطلان مبنى تلك الصناعة المشروح في بحث حكومة الاستصحاب على القاعدة، و بطلان كون الشك الّذي هو موضوع لحرمة الإسناد بمعنى التردّد لا بالمعنى الشامل للعلم بالعدم. و لا أدري لما ذا لم يجر أستاذنا الشهيد (رحمه اللَّه) مع هذه النكتة إلى نهايتها و ذلك بأن يقال: إنّ أصل افتراض كون الشك الّذي هو موضوع لحرمة الإسناد بمعنى التردّد لا بالمعنى الشامل للقطع بالعدم غير معقول، إذ يلزم من ذلك كون الشك في الحجّية أسوأ حالا من القطع بعدم الحجّية. إمّا مطلقا كما هو الحال فيما لو فرض كلّ من الشك و عدم الحجّية واقعا موضوعا مستقلا للحرمة، أو في خصوص ما إذا كانت الحجّية ثابتة في الواقع كما هو الحال فيما لو فرض موضوع الحرمة هو الجامع بينهما. بينما احتمال أسوئيّة الشك في الحجّية من القطع بالعدم غير موجود، و عليه فما ذكره صاحب الكفاية (رحمه اللَّه) في تعليقته على الرسائل من حكومة الاستصحاب على القاعدة غير متصورة في المقام أصلا، و إشكال لزوم تحصيل الحاصل لو فرض الموضوع هو الجامع مسجّل عليه.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  86/ الجزء الثاني

 

هو حاصل بالوجدان تعبّدا. و هذا الإشكال لا يأتي في مثل استصحاب الطهارة و قاعدتها لأنّه لم يجعل على فرض الشك في الطهارة حكم واقعي يطمأن بوجوده عند جريان الاستصحاب و يقصد إثباته تعبّدا بالاستصحاب، و إنّما تثبت قاعدة الطهارة الطهارة الظاهرية، و الاستصحاب أيضا يثبت ذلك بعد رفع موضوع قاعدة الطهارة.

التقريب الثاني - ما يبتني على أنّ إجراء استصحاب عدم الحجّية ليس لإثبات حرمة الإسناد، لما عرفت من أنّ جواز الإسناد ليس من آثار الحجّية و لوازمها، بل هو أمر مستقل قد يقترن بالحجّية و قد لا يقترن، و إنّما هو للاستطراق إلى إثبات التنجيز و التعذير العقليين فيتحقّق مثلا ببركة استصحاب عدم الحجّية موضوع حكم العقل بقبح العقاب.

و يورد على ذلك بأنّ حكم العقل مترتّب على نفس الشك، فالعقل بمجرّد عدم البيان يستقل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان. و استصحاب عدم الحجّية لإثبات حكم العقل بقبح العقاب تحصيل للحاصل.

و يتحصّل من كلام السيد الأستاذ و المحقّق العراقي (قدّس سرّه) في مقام الجواب على هذا الوجه أنّ حكم العقل قبل الاستصحاب بقبح العقاب كان باعتبار عدم البيان، و بجريان الاستصحاب يرتفع هذا الموضوع و يرتفع حكمه لا محالة و يأتي مكانه حكم ثان للعقل بقبح العقاب مترتّب على موضوع آخر متحقّق ببركة الاستصحاب و هو بيان العدم.

و ذكر المحقّق العراقي (رحمه اللَّه): أنّ موضوع حكم العقل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان عبارة عن عدم البيان من كلا الطرفين، فكما يرتفع هذا الموضوع ببيان الحكم كذلك يرتفع ببيان العدم.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  87/ الجزء الثاني

 

و يتحصّل أيضا من كلماتهم نقوض على هذا الوجه:

الأول - النقض باستصحاب عدم التكليف الحاكم على قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و الثاني - النقض بسائر موارد حكومة أصل على أصل مع موافقتهما في النتيجة كما في استصحاب الطهارة و أصالته، و استصحاب الحل و أصالته، و الأصل السببي و المسبّبي المتوافقين في النتيجة.

و الثالث - النقض بحجيّة أمارة قامت على عدم حجّية شي‏ء ما.

و التحقيق أنّ شيئا من هذه الأجوبة الحليّة و النقضيّة غير صحيح، و ذلك لأنّ موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان لا يرتفع باستصحاب عدم الحجّية و إن بنى على كون موضوعها عدم البيان من كلا الطرفين، فإنّ المقصود من عدم البيان هو عدم بيان التكليف، و استصحاب عدم الحجّية لا يبيّن عدم التكليف و إنّما يثبت عدم كون هذا الّذي شككنا في حجّيته طريقا إليه فلا موضوع لما مضى من الجواب الحلّي.

و قد ظهر بذلك الجواب على النقض الأول فإنّ دعوى أنّ للعقل حكمين على موضوعين متغايرين إن تمّت فإنّما تثبت حكومة استصحاب عدم التكليف على قاعدة قبح العقاب بلا بيان. فيقال (بحسب تعبيرات المشهور): إنّ موضوع الحكم الأول للعقل بقبح العقاب كان عبارة عن عدم بيان التكليف، و قد انتهى ذلك و ثبت بيان العدم تعبّدا و هو موضوع لحكم ثان للعقل بقبح العقاب بنحو أشدّ من القبح الأوّل. أو يقال - بحسب تعبيراتنا: إنّ الحكم الأول كان عبارة عن قبح العقاب عند عدم بيان اهتمام المولى، و بالاستصحاب يثبت بيان عدم اهتمام المولى وجدانا فينتفي موضوع الحكم الأول، و يترتّب على بيان عدم الاهتمام وجدانا حكم ثان للعقل بقبح العقاب بنحو أشد من القبح الأول. هذا كلّه في استصحاب عدم التكليف. و أمّا فيما نحن فيه فلا مجال لذلك فإنّ استصحاب عدم


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  88/ الجزء الثاني

 

الحجّية إنّما يثبت عدم كون هذا الشي‏ء المشكوك حجّيته بيانا للتكليف أو عدم إبراز المولى اهتمامه بالتكليف بجعل الحجّية لهذا الشي‏ء، و لا يبيّن عدم التكليف أو عدم اهتمام المولى به. و موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان ليس هو عدم بيان الحجّية و إنّما هو عدم بيان التكليف لا بنفسه و لا بطريقه، أو عدم بيان اهتمام المولى به، و هذا لا ينتفي باستصحاب عدم الحجّية فقياس ذلك باستصحاب عدم التكليف قياس مع الفارق.

و كذلك لا مجال للنقض الثاني فإنّ الأصلين المتوافقين لو سلّم حكومة أحدهما على الآخر فموضوع المحكوم ينتفي بوجود الحاكم [1] فيثبت الحكم الظاهري ببركة الحاكم فقط و لا علاقة لذلك بتحصيل الحاصل. و هذا بخلاف ما نحن فيه فإنّ حكم العقل بقبح العقاب ثابت مع جريان الاستصحاب بنفس الملاك الثابت للحكم قبل الاستصحاب كما عرفت توضيحه.

و أمّا النقض الثالث فتحقيق الكلام فيه: إنّه تارة يتكلّم في فائدة ذكر الإمام عليه السّلام لزرارة مثلا عدم حجّية الأمر الفلاني، و أخرى يتكلّم في فائدة جعل الحجّية لهذا الحديث الدال على عدم حجّية الأمر الفلاني.

أمّا فائدة ذكر الإمام عليه السلام ذلك لزرارة فيكفي فيها أنّه قد يفيد كلامه عليه السلام لزرارة القطع بعدم حجّية الأمر الفلاني، و هذا بنفسه معرفة بحكم من أحكام الإسلام، و تثقيف بالنظم و القوانين الإسلاميّة، و هذا من أهم الفوائد فلا حاجة في ثبوت الفائدة إلى ترتّب التنجيز و التعذير.

و أمّا فائدة جعل الحجّية لهذا الحديث فتظهر عند المعارضة لدليل آخر يدلّ على الحجّية لما نفي هذا الحديث حجّيّته فإنّه لولاه لثبتت الحجّية

 

_______________________

 [1] و لو لم تسلّم الحكومة فالأصلان معا يجريان و يصبح مجموعهما علّة واحدة للتأمين أو التنجيز.

و هذا أيضا لا علاقة له بتحصيل الحاصل. كما أنّ استصحاب عدم الحجّية فيما نحن فيه أيضا لا يلزم منه تحصيل الحاصل على ما سنشرحه في التعليق الآتي إن شاء الله.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  89/ الجزء الثاني

 

بذاك الدليل، و هذا يصلح مانعا عن ذلك [1].

 

_______________________

 [1] لو كان الكلام في مسألة اللغوية و عدم اللغوية كفى في الجواب أن يقال بثبوت الفائدة عند وجود المعارض بل يكفي في الجواب أن يقال: إنّ هذا الخبر الّذي نفي حجّيّة القياس مثلا لم تجعل له الحجّية مستقلا كي يرد عليه إشكال اللغوية، و إنّما جعلت الحجّية لمطلق خبر الثقة و يكفي لعدم لغوية هذا الجعل ثبوت الفائدة له في موارد أخرى غير هذا المورد. كما أنّ في ما نحن فيه أيضا لا يصح الإشكال على استصحاب عدم الحجّية باللغوية، فإنّ هذا الاستصحاب لم يجعل بجعل مستقل بل جعل ضمن جعل كلّي الاستصحاب و كلّي الاستصحاب تكفيه الفوائد المرتّبة عليه في موارد أخرى.

و لكن الكلام لم يكن حول اللغوية و عدمها و إنّما الكلام كان حول لزوم تحصيل الحاصل حيث يقال: إنّ الحجّية الشرعية لا معنى لها من دون ترتّب التنجيز و التعذير العقليين عليها على تقدير الوصول، و حجّية ما نفي حجّية القياس لا يترتّب عليها على تقدير الوصول تنجيز أو تعذير، إذ يكفى الشك في حجّية القياس في المساوقة للقطع بعدم الحجّية بلا حاجة إلى حجّية الدليل الّذي دلّ على عدم حجّيته. و الحل هو أنّه لا يلزم تحصيل الحاصل لا في ما نحن فيه و لا في مورد النقض.

و ذلك لما أشرنا إليه فيما مضى من أنّ إشكال تحصيل الحاصل إن لم يكن تحصيلا للحاصل بالوجدان تعبّدا بأن كان تحصيلا للحاصل بالوجدان وجدانا، أو بالتعبّد تعبّدا، فهو يختص بما إذا كان الحاصل حاصلا في الرتبة السابقة، و إلاّ دخل الأمر في اجتماع علّتين على معلول واحد فيصبح كل منهما جزء علّة و المجموع علّة واحدة. و فيما نحن فيه بكون ما هو الحاصل عبارة عن التعذير الوجداني بقاعدة قبح العقاب بلا بيان مثلا، و استصحاب عدم حجّية ما دلّ على الإلزام أيضا يستلزم فرضا قبح العقاب أي يترتّب عليه التعذير العقلي وجدانا فليكن ذلك من باب اجتماع علّتين على معلول واحد. و كذلك في مورد النقض يكون اجتماع حجّية ما دلّ على نفي حجّية القياس مع أصالة عدم حجّيته من باب اجتماع علّتين على نفي ما كان يترتّب على القياس من تنجيز أو تعذير و إثبات عكسه و لا علاقة لهذا بباب تحصيل الحاصل أبدا.

نعم نقول فيما نحن فيه بعدم جريان استصحاب عدم الحجّية لا لإشكال تحصيل الحاصل، بل لأجل أنّه هل المقصود بهذا الاستصحاب الحصول على التعذير عن الواقع أو المقصود به الحصول على التعذير عن الحكم الظاهري بقطع النّظر عن الواقع؟. فإن قصد الأول قلنا: إنّ استصحاب عدم حجّية ما دلّ على وجوب صلاة الليل مثلا، لا يتعذر عن الواقع فإنّ عدم حجيّة هذا الدليل لا يعني التأمين عن الواقع، و إنّما يعني أنّ الواقع لا يتنجّز علينا عن طريق هذا الدليل، و أمّا عدم تنجّز الواقع في ذاته و بطريق آخر فهو مسكوت عنه، و التأمين الحيثي كما ترى


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  90/ الجزء الثاني

 

و منها - التمسك بآيات النهي عن العمل بغير العلم، كقوله تعالى لا تقف ما ليس لك به علم.

و أورد على هذا الوجه المحقّق النائيني (رحمه اللَّه) بأنّ احتمال حجّية الظّن يعني احتمال جعله علما، فالتمسك بما يمنع عن العمل بغير العلم تمسك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة [1] لعدم إحراز عنوان عدم العلم.

و يرد عليه: أنّ مفاد آيات النهي عن العمل بغير العلم ليس هو النهي التكليفي كالنهي عن إسناد ما لم يعلم أنّه من الشارع إليه، كي يقال بحكومة دليل الحجّية عليه، و إنّما مفادها هو النهي الإرشادي إلى عدم الحجّية فهي في عرض دليل الحجّية متكفلة لبيان عدم جعل غير العلم علما، فلا معنى

 

____________________

 

.........- ليس تأمينا و لا قيمة له. و إن قصد الثاني قلنا: إنّ الحكم الظاهري بما هو حكم ظاهري غير قابل للتنجيز حتى يصح التعذير عنه. هذا إذا كان الحكم الّذي دلّ عليه ذاك الدليل المشكوك حجّيته هو الإلزام كوجوب صلاة الليل، و كان المحكم لو لا حجّية ذاك الدليل هو التعذير. أمّا لو كان الحكم الّذي دلّ عليه ذاك الدليل هو الترخيص و كان المحكم لو لا حجّية ذاك الدليل هو التنجيز فأيضا استصحاب عدم حجّية ذاك الدليل لا معنى له، إذ هل يقصد بذلك تنجيز الواقع أو يقصد به تنجيز الحكم الظاهري بقطع النّظر عن الواقع؟. فإن قصد الأول: قلنا: إنّ نفي حجّية ما دلّ على الترخيص ليس نفيا لواقع الترخيص كي ينتج التنجيز.

و إن قصد الثاني قلنا: إنّ الحكم الظاهري بما هو حكم ظاهري غير قابل للتنجيز. و يأتي عين الكلام حرفا بحرف في مورد النقض، أعني حجّية أمارة نفت حجّية القياس مثلا فتصبح حجّية هذه الأمارة مع كون الأصل في القياس هو عدم الحجّية مما لا معنى لها. نعم نستثني من ذلك ما إذا كانت الوظيفة لو لا حجّية هذه الأمارة هي حجّية القياس، كما لو كان لدينا دليل يدلّ على حجّية القياس و كانت هذه الأمارة الدالة على عدم حجيّة معارضة لذاك الدليل أو مقدّمة عليه فيترتّب على هذه الأمارة تنجيز الواقع بسدّها للباب الوحيد الّذي ينفي الواقع، أو التعذير عن الواقع بسدّها للباب الوحيد الّذي يثبت الواقع، و هو ذاك الدليل الّذي دلّ على حجّية القياس، و لعلّ هذا هو مراد أستاذنا الشهيد (رحمه اللَّه) من ظهور الثمرة عند فرض وجود معارض يدلّ على الحجّية و إن كانت العبارة قاصرة.

[1] بناء على عدم رجوع الحكومة في روحها إلى التخصيص و إلاّ فالشك في تخصيص زائد.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  91/ الجزء الثاني

 

للحكومة في المقام [1].

هذا تمام الكلام في الأمور الثلاثة التي قدّمها المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللَّه) على بحث حجّية الأمارات.

 

_______________________

 [1] لا يخفى أنّ المستفاد من آيات النهي عن العمل بغير العلم ليس بأكثر من الإرشاد إلى عدم الاعتماد في الأمن على غير العلم، أي أنّ رأس الخيط في التأمين يجب أن يكون هو العلم، و هذا لا يدلّ على أصالة عدم الحجّية بقول مطلق.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  93/ الجزء الثاني

 

السيرة

بقي علينا أمر آخر نذكره أيضا قبل البحث عن حجّية الأمارات، و هو البحث عن السيرة. فالأصحاب و إن وجد في كلماتهم الاستدلال بالسيرة في بعض الموارد لكنهم لم ينقّحوا بحث السيرة على حدّ تنقيحهم لسائر الأبحاث كحجّية خبر الواحد، و الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعيّ، و غير ذلك، بينما موارد الاحتياج إلى الاستدلال بالسيرة كثيرة في الفروع الفقهيّة، مضافا إلى أنّها من مدارك بعض الأمارات الآتية. و هذا هو السرّ في ذكرنا لهذا البحث قبل مباحث حجّية الأمارات. و حجّية السيرة لو ثبتت ليست على حدّ حجّية سائر الأمارات التي جعلت حجّة تعبّدا من قبل الشارع، و إنّما تكون حجّية السيرة كما سيظهر - إن شاء الله - على أساس إفادتها للقطع.

 

بروز الحاجة إلى بحث السيرة

و قد اشتدّت الحاجة إلى بحث السيرة بعد أن بطلت عدّة مدارك للفقه كانت تعتبر في الأصول القديمة من الأمور المعتمد عليها. توضيح المقصود:


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  94/ الجزء الثاني

 

إنّ هناك حالة نفسانية ثابتة في نفس الفقيه تمنعه عن مخالفة ما كان في كلمات الأصحاب من المسلّمات و يعدّ خلافه غريبا. و لذا ترى أنّه كثيرا ما يذكر في الفقه بالنسبة لأمر ما ككون نتيجة المعاطاة الإباحة مثلا، أو الأخذ بقاعدة لا ضرر في مورد مّا، أنّه يلزم منه تأسيس فقه جديد، و يجعل هذا دليلا على بطلان ذاك الأمر. و الّذي يظهر من القرائن المحفوفة بكلماتهم و من سوابق هذا الكلام و لواحقه في الموارد المختلفة أنّه ليس المقصود بذلك إبطال ذاك الأمر بعموم أو إطلاق أو إجماع، و إلاّ لقالوا: إنّ هذا ينافي العموم الوارد في نصّ كذا أو الإطلاق أو الإجماع، فالظاهر أنّ مقصودهم بذلك دعوى ما هو أقوى من الإجماع و هو أنّ الالتزام بذاك الأمر يستلزم الالتزام بعدّة أمور يكون الالتزام بمجموعها خلاف الضرورة الفقهيّة و المسلّمات عند الأصحاب، و خلاف ما هو مقطوع به لغاية وضوحه، و لا يمكن التفصيل بين بعض تلك الأمور و بعض لأنّ كلّها من واد واحد، و نسبة الدليل إليها على حد سواء فنستكشف من ذلك إجمالا بطلان ذاك الدليل و ظهور خلافه عند الأصحاب بنحو يعدّ ذلك فقها جديدا.

و كأنّ هذه الحالة (أعني حالة رفض مخالفة المسلّمات عند الأصحاب) موجودة في نفوس علماء العامّة أيضا بالنسبة لمسلّمات عصر الصحابة مثلا، فيرون مخالفة ما كان مسلّما في عصر الصحابة شيئا لا يقبله الطبع.

و من هنا يقع الفقيه في حرج عند ما تقع المنافاة بين هذه الحالة النفسيّة له، و مقتضى الأدلّة و القواعد.

و كأنّ ما صدر من العامّة من سدّ باب الاجتهاد و حصره في دائرة علمائهم الأربعة و بعض تلامذتهم كان الدافع لهم إليه في الواقع هذه الحالة النفسيّة الكامنة في نفوسهم حيث أنّ سدّ باب الاجتهاد و حصره في تلك الدائرة يعالج لهم تلك المشكلة، إذ لا تقع بعد هذا مخالفة بين الأدلة و تلك الحالة النفسيّة، لأنّ الفقهاء الأربعة لم يخالفوا مسلّمات الصحابة


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  95/ الجزء الثاني

 

مثلا. فأراحهم هذا العمل عن لزوم تأسيس فقه جديد و حكم غريب من الأدلة، كما أنّه أراحهم أيضا عن لزوم تأسيس فقه جديد و حكم غريب من ناحية عدم المبالاة بالدين، إذ كان كثير منهم لا يبالون بدينهم و لا يخافون من جعل الحكم من عند أنفسهم و لو كان على خلاف ما هو المسلّم في نظرهم عند الصحابة مثلا.

و أمّا أصحابنا الإماميّة - رحمهم اللَّه - فهم فارغون عن الناحية الثانية إذ ليس فيهم من يجعل الحكم من عند نفسه.

و أمّا الناحية الأولى و هي مخالفة الأدلّة و القواعد لتلك الحالة النفسيّة فكانوا فارغين عنها أيضا سابقا، لأنّ أدلتهم كانت بنحو تتّسق مع المسلّمات و المشهورات بين الأصحاب، و ذلك لما كان يقوله جملة منهم من حجّيّة الإجماع المنقول، و جملة منهم من حجّية الشهرة، و جملة منهم من جبر الخبر و وهنه بعمل الأصحاب و إعراضهم، بل تعمّقوا في هذا المضمار أكثر من ذلك فقال بعضهم بانجبار الدلالة أيضا بعمل الأصحاب. و يوجد مثل ذلك في كلمات الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) مع أنّه مؤسّس صناعة الأصول الموجودة الآن بأيدينا [1] فقد يقول مثلا: لعل هذا الحديث دلالته منجبرة بعمل الأصحاب. و قد يقال: إنّ إطلاق دليل القرعة إنّما نعمل به في مورد عمل به الأصحاب، و نحو ذلك مما يوجد في كلماتهم. و هذه المباني كانت تدفع عنهم محذور الوقوع في مخالفة تلك الحالة النفسيّة.

و لكن المتأخرين من الأصحاب (قدّس سرّهم) شرعوا بالتدريج في هدم هذه المباني، فكان هدم بعض تلك المباني من قبل الشيخ الأعظم»«

 

_______________________

 [1] قد عدل أستاذي الشهيد (رحمه اللَّه) عند تأليفه لكتاب المعالم الجديدة عن القول بأنّ الشيخ الأعظم (رحمه اللَّه) هو مؤسس الأصول بمرحلته المألوفة اليوم. و اعتقد أنّ دور التأسيس للوحيد البهبهاني (رحمه اللَّه).


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  96/ الجزء الثاني

 

مثلا، سلّما لوصول المتأخرين عنه إلى آخر ما يقتضيه هذا المسلك

من هدم تمام تلك المباني، إذ كلّها كانت هواء في شبك و كان التفطّن إلى بطلان بعضها مستدعيا للتفطّن بالتدريج إلى بطلان ما يشابهه. و كأنّ السيّد الأستاذ من أوائل من بنى على عدم انجبار الخبر و وهنه بالعمل و الإعراض.

و قد كانوا في أوائل أيام الشروع في إبطال هذه المباني يبطلون هذه المباني في الأصول و يتمسّكون بها في الفروع، و لذا كان يشكل عليهم بأنّ الإجماع المنقول أصبح في الأصول غير حجّة و في الفقه حجّة، و ترى الشيخ الأعظم (رحمه اللَّه) يجعل لمثل ذلك أثرا مهمّا في الفقه و الإفتاء مع إبطاله إياه في الأصول. و واقع المطلب أنّ الدافع لهم في الحقيقة إلى الإفتاء بعدّة من الفتاوى و الأحكام هو تلك الحالة النفسيّة، و لكنّ التزامهم بالفنّ كان مانعا عن ظهور ذلك لهم بوضوح، و موجبا للاستنكاف من دعوى فتوى مع الاعتراف بعدم اقتضاء الأدلّة و القواعد لها فكان أثر هذه الحالة النفسيّة يبرز لهم في صورة الدليل، و دعوى حجّية الشهرة و الإجماع المنقول و نحو ذلك، بينما الدليل الحقيقي لهم على تلك الفتاوى إنّما هو تلك الحالة النفسيّة دون هذه الأدلّة، و لذا تراهم ينكرون تلك الأدلة في الأصول و يعملون بها في الفقه لوجود نفس الدافع السابق و الدليل الحقيقي الكامن في النّفس فكأنّ واقع الدليل لم يبطل و لا زال باقيا في النّفس، و إن بطلت الأدلّة الصوريّة التي كانت في الحقيقة وليدة لواقع الدليل و لتلك الحالة النفسيّة.

إلى أن انتهى الأمر بالتدريج إلى جعل ما في الأصول الجديد من إبطال هذه المباني مؤثرا على الفقه، فترى السيد الأستاذ يبني فتاواه في الفقه على ما يقتضيه إنكار الجبر و الوهن بالعمل و الإعراض و نحو ذلك.

و لأجل هذه التطورات بدأت تلك الحالة النفسيّة تظهر في مظهر آخر و هو حجّيّة السيرة. و لذي ترى الاستدلال بالسيرة في ألسنة المتأخرين عن


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  97/ الجزء الثاني

 

الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) كثيرا، و في لسان الشيخ الأعظم (رحمه اللَّه) قليلا فضلا عما قبل الشيخ الأعظم (قدّس سرّه).

هذا معنى ما قلناه من أنّ الحاجة إلى بحث السيرة اشتدّت بعد أن بطلت عدّة مدارك للفقه من قبيل الشهرة، و الجبر و الوهن بالعمل و الإعراض، و الإجماع المنقول. أمّا الإجماع المحصّل و اتفاق الكلّ من دعوى القطع به ليست بأهون من دعوى القطع بالحكم ابتداء.

و نحن نبحث هنا أولا السيرة ثم نبحث تلك الحالة النفسيّة، و مدى اعتبارها، و ما هي وظيفتنا تجاهها.

 

بحث السيرة:

أمّا بحث السيرة: فقبل البدء ببيان طريقة استكشاف الحكم الشرعي من السيرة نذكر أقسام السيرة فنقول:

إنّ السيرة تنقسم بشكل رئيسي إلى قسمين:

1 - السيرة العقلائيّة.

2 - سيرة المتشرعة.

و السيرة العقلائية تنقسم إلى قسمين:

القسم الأوّل - اتفاق العقلاء في أعمالهم و مسالكهم على شي‏ء إيمانا منهم و لو ارتكازا بنكتة عامّة موجودة في قريحة تمام العقلاء، فلو شذ أحدهم عن هذه الطريقة كان من قبل العقلاء موردا للملامة أو الاستغراب و السؤال و نحو ذلك بحسب اختلاف الموارد.

القسم الثاني - اتفاقهم على شي‏ء لا لإدراكهم و لو ارتكازا نكتة كان المترقّب عندهم ممن يشذّ أن يدركها، بل لحالات و أغراض شخصيّة عمّت صدفة غالب الناس، من دون فرض ملازمة بين ثبوتها عند بعض الأفراد و ثبوتها عند البعض الآخر. فقد يتّفق العقلاء مثلا على استعمال شي‏ء من


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  98/ الجزء الثاني

 

)الفيتامينات) أو غيرها لاحتياج أمزجتهم و أجهزتهم البدنيّة إلى ذلك، و يوجد شخص يختلف مزاجه عن أمزجة الآخرين فيخالف هذه الطريقة من دون أن يعاب عليه، أو يلام، أو يسأل عن أنّه كيف لم يدرك النكتة العامّة.

و الظاهر من كلمة السيرة العقلائيّة هو القسم الأول، و لعلّه المقصود للأصحاب حينما يستعملون هذه الكلمة. و إنّما لم نجزم بكون مقصودهم ذلك لأنّه لم ينقّح هذا البحث في كلماتهم، و لم يذكروا هذين القسمين و لكن عدم تقسيمهم لها إلى هذين القسمين لا يمنعنا عن هذا التقسيم بعد أن كان ذلك مؤثّرا على النتيجة من ناحية استنباط الحكم الشرعي على بعض الوجوه على ما سيأتي بيانه - إن شاء الله -.

ثم إنّ موارد القسم الأول في الفقه كثيرة، منها مسألة التملّك بالحيازة.

فالسيرة العقلائية قامت على أنّ من حاز شيئا ملك التصرّف فيه كما يشاء و لا يعارضه أحد في سلطانه المستقل عن ذلك، لنكتة عامّة ثابتة في أذهانهم و لو ارتكازا كمصلحة الاقتصاد الاجتماعي مثلا. و تطبيق القسم الأول على الموارد الفقهية واضح لا غبار عليه.

و إنّما الكلام في تطبيقه على ما يقصد في الأصول إثباته بالسيرة من الحجّيّة و التنجّز و التعذير. فإن سلّمنا في هذا الباب بما هو المشهور [1] من أنّ الحجّيّة إنّما تكون بجعل إنشاء ظاهري ناشئ من ملاك في نفس الإنشاء أمكن إدراج ذلك في القسم الأول بدعوى أنّ العقلاء بقريحتهم العامّة يدركون و لو ارتكازا مصلحة اقتصادية اجتماعيّة في نفس هذا الإنشاء مثلا.

و أمّا بناء على ما هو الصحيح من أنّ الحكم الظاهري بعد فرض عدم

 

_______________________

 [1] قال - رضوان اللَّه عليه - إنّنا حينما نطلق كلمة المشهور لا نقصد كون القائلين به أكثر عددا من القائلين بخلافه، و إنّما المقصود القول المتعارف في هذا اليوم المغاير لما نتبناه.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  99/ الجزء الثاني

 

السببيّة شغله تعيين درجة اهتمام المولى بالأغراض الواقعية. فمن الواضح عدم إمكان إدراج ذلك من جميع جهاته في القسم الأول لأنّ السيرة عندئذ تكون مرتكزة على أساس نكتتين ترجع إحداهما إلى المدرك بالقريحة العامّة للعقلاء، و الأخرى إلى القسم الثاني. و لنفترض مثلا لتوضيح المطلب أنّ خبر الثقة يطابق الواقع بالمائة ثمانين و يخالفها بالمائة عشرين.

و قامت السيرة العقلائية على أنّ كل من تقمّص بقميص المولويّة يجعل خبر الثقة المتصدّي لإيصال أغراض المولى إلى عبده حجّة عليه، لأجل أنّ اهتمام العقلاء بتلك الأغراض يكون بدرجة الثمانين بالمائة. فترى أنّ هذه السيرة مرتكزة على نكتتين:

1 - كشف خبر الثقة عن الواقع بدرجة ثمانين بالمائة.

2 - اهتمام المولى بغرضه بهذه الدرجة.

و النكتة الأولى تدرك بقريحة عامّة في العقلاء، و لكن النكتة الثانية ليست كذلك، فإنّ كلّ مولى من الموالي يحسب حساب أغراضه مستقلا، فيرى أنّه هل تكون درجة اهتمامه بها بمقدار الثمانين بالمائة أو لا. و ليست لذلك نكتة عامّة ثابتة في القرائح و إن اتفق صدفة توافقهم في الأعم الأغلب على ذلك من دون ملازمة في درجة الاهتمام بين بعض الأفراد و البعض الآخر.

و هناك احتمال آخر في باب الحجج العقلائية يختص بالطريقة التي ألفها المولى في مقام إيصال أغراضه إلى عبده، كظهور الكلام، و هو أن لا يكون حكما عقلائيا من القسم الأوّل أو الثاني، بل يكون حكما عقليا ثابتا بغض النّظر عن جعل العقلاء و سيرتهم، فالعقلاء أطبقوا على ذلك و جرت سيرتهم عليه بعقلهم لا بعقلائيتهم.

و تقريب ذلك الحكم العقلي هو أنّ حق المولويّة يكون من مدركات العقل العملي، و سعته و ضيقه بيد العقل العملي. و العقل العملي يدرك أنّ


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  100/ الجزء الثاني

 

العبد إذا طبق عمله على الطريقة التي تعارف للمولى إيصال أغراضه بتلك الطريقة لم يكن مقصّرا في ذلك بحقّ المولى، فتكون تلك الطريقة و هي الظهور مثلا حجّة على حدّ حجّية القطع الّذي حكم العقل العملي بأنّ العبد إذا طبق عمله عليه لم يكن مقصّرا بحقّ المولى.

نعم الفرق بينهما هو أنّه لا يمكن الردع عن حجّية القطع، و لكن يمكن الردع عن حجّية الظهور مثلا، لأنّ حق المولويّة المدرك بالعقل العملي في باب الظهور معلّق على عدم ردع المولى عنه، بينما في باب القطع لم يكن معلّقا على ذلك.

و على أي حال فهذا مسلك آخر لإثبات حجّية مثل الظهور في قبال مسلك السيرة بكلا قسميها. و يفترق عن مسلك السيرة بأنّ الحجّية بناء على هذا المسلك لا تحتاج إلى الجعل، و يكفي فيها نفس عدم الردع بخلافها على مسلك السيرة.

هذا و سيظهر فيما يأتي - إن شاء الله - أنّ هذا المسلك لا مجال له بالنسبة لخبر الواحد، و أنّه بالنسبة لمثل الظهور أيضا ليس قطعيّ الصحّة.

و على أيّ حال فلنشرع الآن في بيان المدرك لحجّية السيرة.

فنقول: إنّ استكشاف الحكم الشرعي من السيرة يكون بطي مرحلتين:

1 - إثبات السيرة المعاصرة للنبي صلى الله عليه و آله، أو الأئمة عليهم السّلام.

2 - استلزام ذلك لجعل الشارع الحكم على طبق تلك السيرة، فنستكشف من ذلك جعل الشارع لما يناسب تلك السيرة، على تفصيل في كيفية أخذ هذه النتيجة يأتي - إن شاء الله -. فيقع الكلام أولا في هاتين المرحلتين ثم في كيفيّة استنتاج النتيجة:


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  101/ الجزء الثاني

 

إثبات السيرة المعاصرة للشارع

أمّا المرحلة الأولى - فهي عبارة عن إثبات السيرة المعاصرة للشارع، و الوجه في التقييد بالمعاصرة ما يظهر عند الكلام في المرحلة الثانية من أنّ الملازمة إن تمّت فإنّما تتمّ بلحاظ السيرة المعاصرة [1]، و بما أنّنا لم نعاصر

 

_______________________

 [1] لا يخفى أنّ المقصود في المقام هو البحث عن السيرة التي نثبت بها حكما كليّا إلهيّا، و هذه السيرة يتوقّف الاستفادة منها على كونها معاصرة للمعصوم عليه السلام.

و هناك سيرتان أخريتان خارجتان عن محل البحث، و قد ذكرهما أستاذنا (رحمه اللَّه) في دورته الأخيرة التي لم أحضرها على نقل الأخ السيّد علي أكبر (حفظه اللَّه).

الأولى - سيرة تنقّح موضوع الحكم الشرعي. إمّا ثبوتا كالسيرة على الإنفاق على الزوجة بمستوى معين بحيث لو أنفق عليها بمستوى أقل من ذلك عدّ إمساكا و معاشرة بغير معروف، فهذه السيرة تنقّح موضوع الإمساك و المعاشرة بالمعروف للزوجة الواجب شرعا. و إمّا إثباتا كالسيرة القائمة على خيار الغبن مثلا التي تشكّل ظهورا عرفيا لكلام المتعاقدين في عدم قبول البيع الغبني إلاّ مع الخيار، و هذا ينقّح موضوع الشرط في دليل إنّ المؤمنين عند شروطهم. و فرق السيرة التي تنقّح الموضوع ثبوتا عن التي تنقّحه إثباتا، هو أنّ من شذّ عن السيرة العقلائية الموجدة للموضوع فشذوذه لا يؤثّر في فاعلية السيرة التي تحقّق الموضوع ثبوتا بشأنه فمن لم ير للزوجة احتراما و تقديرا تستحقّ معه ذاك المستوى من الإنفاق يجب عليه أن يلتزم بذاك المستوى من الإنفاق، أمّا من شذّ عن السيرة العقلائية الكاشفة عن الموضوع كما في المثال الثاني فالسيرة لا تكشف عن الموضوع بالنسبة إليه. و هذا القسم من السيرة حجّيتها ثابتة على القاعدة و تكفي فيها السيرة المعاصرة لزماننا. بل لو ثبتت سيرة معاصرة لزمان المعصوم ثم انتفت في زماننا انتهى مفعولها بانتهائها.

الثانية - السيرة التي تنقّح فهمنا للدليل فإنّ البناءات و الارتكازات

تشكّل قرائن لبّية متّصلة دخيلة في تكوين الظهور للدليل، فلو تمّ الدليل على حجّية الظهور فلا بدّ من أخذ هذه السيرة بعين الاعتبار. فمثلا لو دلّ الدليل على أنّه (لو جاء بالثمن خلال ثلاثة أيام و إلاّ فلا بيع بينهما) فإن جمدنا على حاق اللّفظ فهمنا من ذلك بطلان البيع، و أنّه لا بيع، لازما و لا متزلزلا، بينما بناء على أخذ المرتكزات العقلائية بعين الاعتبار قد يقال: إنّ المفهوم من ذلك هو نفي البيع اللازم و ثبوت خيار التأخير.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  102/ الجزء الثاني

 

الشارع الأقدس نحتاج في إثبات السيرة المعاصرة إلى طريق، و لذلك عدّة طرق:

الطريق الأول: ما يبدو في أول وهلة للنظر و هو إثبات السيرة المعاصرة للشارع عن طريق السيرة المعاصرة لنا بروحيّة الاستصحاب القهقرائي، سواء كانت سيرة عقلائية، أو سيرة المتشرعة. و تقريب ذلك في السيرة العقلائية هو الحدس بأنّ هذه السيرة إنّما نشأت من القريحة العامّة المشتركة في العقلاء الماضين منهم، و المتسلسلة إلى الموجودين، فيثبت بذلك وجود السيرة في ذلك الزمان. و في سيرة المتشرعة [1] أنّ من البعيد جدا افتراض أنّ السيرة الموجودة في زماننا حصلت دفعة بنحو الانقلاب من دون تلقّيها من زمن الشارع الأقدس، و هذا الاستبعاد واصل إلى حد الاطمئنان بالعدم، فالظاهر أنّها سيرة موروثة يدا بيد متّصلة إلى زمان الشارع، و إلاّ لكان انقلاب السيرة السابقة إلى السيرة الموجودة يعدّ من الأعاجيب، و هذا ما يطمئن بخلافه. إمّا بنفسه، أو باعتبار أنه لو كان لكان ينقل للناس على حدّ نقل الأمور الغريبة، و كان يصلنا نقل ذلك. فمثلا لو رأينا سيرة المتشرعة اليوم على الإخفات في صلاة ظهر الجمعة نعلم أنّها مأخوذة من الأجيال السابقة إلى زمان الإمام عليه السلام، و لو كانت السيرة في زمانهم على الجهر ثم انقلبت إلى ضدّها لكان ذلك من الغرائب و لكان مما يتناقل بين الناس.

 

____________________

..........- و هذا القسم من السيرة لا بدّ من ثبوتها في زمن صدور النص، كي تؤثّر على الظهور وقتئذ فإنّ الحجّية إنّما هي لظهور النص في وقت صدوره.

إلاّ أنّنا إذا أحرزنا ثبوت هذا الارتكاز في عصرنا و احتملنا ثبوته في عصر صدور الدليل كفى ذلك للتأثير على ذاك الدليل، لا باعتبار أنّه يشكّل احتمال وجود القرينة المتّصلة و لأنا في لهذا الاحتمال. أقول: لا بهذا الاعتبار فحسب بل باعتبار أنّ المسألة تدخل تحت كبرى أصالة عدم النقل التي هي حجّة في باب دلالات الألفاظ.

[1] و هذا التقريب يأتي في السيرة العقلائيّة أيضا مع جوابه، و سنشرح ذلك.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  103/ الجزء الثاني

 

و يرد عليه: إنّ ما ذكر من الحدس بأنّ هذه السيرة العقلائية ناشئة من القريحة العامّة في تمام العقلاء غير تام، و ذلك لأنّه كما تكون بين الأجيال الحاضرة و الأجيال الماضية جهة اشتراك كذلك تكون بينهما جهة امتياز في ظروفهم و معايشهم و حاجاتهم و خصوصياتهم الاجتماعية، فكما يحتمل أن تكون السيرة ناشئة من جهة الاشتراك كذلك يحتمل كونها ناشئة من جهة الامتياز [1].

و أمّا ما ذكر من استبعاد انقلاب السيرة خصوصا مع عدم وصول أيّ نقل إلينا لذلك، رغم غرابته، فيرد عليه:

أولا - إنّ هذا الانقلاب إنّما يكون غريبا لو حصل بين عشيّة و ضحاها، أمّا إذا حصل بالتدريج فهو من الأمور الاعتيادية المتعارفة. مثلا قد نفرض أنّ السيرة في زمن الإمام عليه السلام كانت على الجهر في صلاة ظهر الجمعة لوجوبه مثلا، و لكن ورد من الإمام عليه السلام خبر ظاهر في عدم الوجوب و لم يكن ظاهره مرادا، و بعد مضي مدّة على تلك السيرة رأي أحد العلماء الخبر الدال على عدم الوجوب، و قال إنّ السيرة القائمة على الجهر لا تدلّ على الوجوب لملاءمتها للاستحباب فأفتى بجواز الإخفات، و تبعه مقلّدوه في ذلك، و اختار

 

_______________________

 [1] لا يخفى أنّ السيرة العقلائية كثيرا ما يمكن لنا بما نحن عقلاء أن نحدس منشأها و أساسها، فإذا حدسنا المنشأ و الأساس و رأيناه من الجهات المشتركة أي مما لا يحتمل وقوع تغيّر فيه بلحاظ الفوارق الحاصلة بين الأجيال بسبب مرور الزمان ثبت أنّ السيرة العقلائية كانت محقّقة في زمان الإمام عليه السلام، مثلا بالنسبة للعمل بخبر الثقة إن ثبتت في زماننا سيرة عقلائية عليه فهي بسبب أنّ درجة كشفه النوعيّ عن الواقع إذا قيست بدرجة اهتمام العقلاء في الغالب بأغراضهم ناسبت الالتزام بالعمل بخبر الثقة. و نحن لا نحتمل اختلاف زمان الأئمّة عليهم السلام عن زماننا في ذلك و كذلك بالنسبة لقيام السيرة العقلائية على العمل بالظهور القائمة على أساس عدم وجود طريق آخر أفضل منه لتنظيم التفاهمات و تناسب الالتزام به لدرجة الاهتمام بالأغراض لا نحتمل الفرق في ذلك بين زماننا و زمان المعصوم عليه السلام و هذا في الحقيقة طريق سادس لكشف السيرة في زمان المعصوم غير الطرق الخمسة التي بينها رضوان اللَّه عليه.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  104/ الجزء الثاني

 

كثير منهم الإخفات عملا لسهولته مثلا، أو من باب اختيار أحد فردي التخيير، أو لأيّ داع من الدواعي الاتفاقية و غيرها. ثم كثر المخفتون اجتهادا و تقليدا بالتدريج، و بعد مضي فترة من الزمن استفاد أحد العلماء من الجمع بين الأخبار عدم استحباب الجهر و مساواته للإخفات فسبّب ذلك زيادة المخفتين، و كانوا يزدادون يوما بعد يوم إلى أن جاء من العلماء من استفاد من الجمع بين الأخبار و علاج المعارضة الموجودة في ما بينها وجوب الإخفات، و أوجب هذا إقبال الناس إلى الإخفات إلى أن استقرت سيرة المتشرعة طرّا على الإخفات. فهذه السيرة لا تدلّ على ثبوت مثلها في زمن الإمام، و بالتالي على جواز الإخفات أصلا. و لا غرابة في مثل هذا الانقلاب التدريجي و تبدّل السيرة بالتدريج إلى سيرة أخرى نقيضها، بل قد اطلعنا على وقوع مثل ذلك في الفقه، و ذلك في مسألة نزح ماء البئر إذ كانت السيرة على ذلك عند القدماء و انقلبت السيرة بالتدريج إلى السيرة على نقيض ذلك، فليكن مثل الإخفات في صلاة ظهر الجمعة من هذا القبيل.

و ثانيا - إنّه لو سلمنا غرابة انقلاب السيرة إلى ضدّها قلنا: من الممكن أنّه لم تكن في زمن الإمام عليه السلام سيرة قائمة على أحد الطرفين بل كان الحكم مختلفا فيه، و بعد ذلك استظهر العلماء من الأخبار أحد الطرفين و تبعهم الناس و حصلت السيرة كما هو الواقع في الإخفات في صلاة ظهر الجمعة على ما يظهر من بعض الأخبار حيث يقول فيه السائل للإمام عليه السلام: (إنّ بعض أصحابنا يقول بالجهر و بعضهم بالإخفات فما ترى في ذلك؟) [1].

 

_______________________

 [1] لم أر حديثا بهذا الشكل و لعلّه (رحمه اللَّه) يشير إلى ما عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: قال: لنا: صلّوا في السفر صلاة الجمعة جماعة بغير خطبة و أجهروا بالقراءة فقلت: إنّه ينكر علينا الجهر بها في السفر فقال: اجهروا بها»«


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  105/ الجزء الثاني

 

و ثالثا - إنّه قد لا تكون ما نراها من سيرة المتشرعة سيرة لهم في الأصل بما هم متشرعة [1] بل اتفقوا عليها لأمور أخرى غير الشرع بعد أن كان الشرع على خلاف ذلك، فكان عمل بعضهم لأجل الغفلة، و بعضهم لأجل النسيان، و بعضهم جريا على ذوق العقلاء، و البعض الآخر تقصيرا و هكذا. ثم جاء أبناء هؤلاء و رأوا سيرة آبائهم على ذلك فتخيّلوا صحّة هذا الأمر فعملوا على طبقه و استمرت السيرة على ذلك. و ذلك كما في مسألة معاملة الصبيان بناء على بطلانها فإنّ في ذوق العقلاء لا يفرّق في المعاملة بين البالغ و الصبي و العاقل. و اتفقت سيرة المسلمين على معاملته لا بما هم متشرعة كيف و مشهور العلماء يرون البطلان؟ بل لأمور متفرّقة من الجري على طبق الذوق، و الجهل بالمسألة، و الغفلة، و النسيان، و عدم المبالاة بالدين، و القصور، و التقصير، ثم جاء أولادهم و رأوا أنّ السيرة قائمة على معاملة الصبيان فجروا عليها.

 

_______________________

 [1] كأنّ هذا الوجه ليس إشكالا على أصل اكتشاف ثبوت السيرة في زمن المعصوم، و إنّما هو إشكال على اكتشاف كونها سيرة لهم بما هم متشرّعة كي تكشف عن حكم الشرع من باب اكتشاف العلة عن طريق المعلول الّذي هو ميزة سيرة المتشرّعة - على ما سيأتي (إن شاء الله) في بحث المرحلة الثانية - فتكون قوّة هذه السيرة كقوّة السيرة العقلائية لا المتشرّعة. و لكن لا يخفى أنّ سيرة المتشرّعة لو ثبتت و لو لم تكن بها هم متشرّعة فهي تمتاز عن سيرة العقلاء بما هم عقلاء بأنّنا لسنا في مقام إثبات إمضائها شرعا بحاجة إلى مقدّمة أنّه لو ردع عنها لوصل الردع إلينا، بل نفس ثبوتها و استمرارها في زمن الشرع دليل على عدم الردع، إذ لو ردعت لانهدمت.

ثمّ إنّ ما ذكره (رحمه اللَّه) كنكتة لاكتشاف السيرة المعاصرة لزمن المعصوم عن طريق السيرة المعاصرة لزمننا بالنسبة لسيرة المتشرّعة يمكن ذكره أيضا بالنسبة للسيرة العقلائية، فيقال أيضا:

إنّ تحوّل السيرة العقلائية من النقيض إلى النقيض غريب، و عدم نقل ذلك لنا أيضا غريب.

و يأتي هنا الجوابان الأولان من الأجوبة التي ذكرها (رضوان اللَّه عليه) فيقال: أوّلا - إنّ التحوّل إنّما يكون غريبا لو كان تدريجيا و لم يكن دفعيّا. و ثانيا: لئن كان التحوّل في السيرة من النقيض إلى النقيض غريبا فليس من الغريب افتراض أنّ سيرة مّا لم تكن منعقدة بين عقلاء صدر التاريخ ثم تكوّنت بالتدريج.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  106/ الجزء الثاني

 

و لا ينكر ما ذكرناه باعتبار كون فتوى المشهور البطلان فإنّ الكلام في السيرة العمليّة للمتشرعة لا في إجماع العلماء.

الطريق الثاني: هو التاريخ الناقل لسيرة المعاصرين للشارع الأقدس، كما هو الحال في مسألة جواز المعاملة بالنقد الأجنبي إذ ثبتت سيرة المتشرعة في زمان الإمام عليه السلام على ذلك بالوجه التأريخي للأخبار الواردة في باب الزكاة حيث يسأل فيها عن ثبوت الزكاة في النقد الأجنبي و عدمه، و ثبوتها في الدرهم المغشوش و عدمه [1] فإنّ هذا يدلّ على أنّهم كانوا يتعاملون بالنقد الأجنبي. و نحوه أيضا التاريخ الدال على ثبوت السيرة على استخراج الفرد لبعض أقسام المعادن كالعقيق و الملح، و تملّكه إياه.

و لنا في هذا الطريق كلامان:

الأول - إنّ هذا التاريخ يجب أن يكون بأحد نحوين كي يفيدنا في إثبات السيرة:

إمّا أن يكون كمّا و كيفا بنحو يوجب الاطمئنان من كثرة نقله و استفاضته، و من كيفية اقترانه بخصوصيات و شواهد للصدق، و عدم اقترانه بما يكسره. فلو نقل التاريخ مثلا استخراج الفرد للنفط و تملّكه في زمن النبي صلى اللَّه عليه و آله لم نصدقه لدلالة تاريخ أدق على أنّ معرفة الناس بعين النفط كانت متأخّرة عن ذلك.

و إمّا أن يكون جامعا لشرائط الحجّية التعبّدية كخبر الواحد الثقة بناء على حجّيته في الموضوعات [2] فيدلّ ذلك الخبر بالمطابقة على السيرة المعاصرة

 

_______________________

 [1] الظاهر أنّ هذا إشارة إلى ما ورد من حديث زيد الصائغ في الوسائل ج 6 ب 7 من زكاة الذهب و الفضة.

[2] الخبر في الموضوعات الّذي يكون من قبيل ما نحن فيه ينبغي أن نكون فارغين عن حجّيته في مقام إثبات الحكم الشرعي الملازم لذاك الموضوع سواء آمنّا بحجّية الخبر في الموضوعات، أو لا.

توضيح ذلك أنّ الخبر في الموضوعات على ثلاثة أقسام:


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  107/ الجزء الثاني

 

____________________

 

..........- 1 - الخبر عن موضوع هو مصداق لموضوع الحكم الكلّي، و يترتّب عليه حاكم جزئي كالإخبار عن خمريّة المانع أو طهارته.

2 - الخبر عن موضوع هو مصداق لموضوع الحكم الكلّي، و يترتّب عليه حكم جزئي لكن تنتهي حجّيته إلى إثبات حكم كلّي، كالإخبار عن وثاقة الراوي الّذي روى حكما شرعيا الّذي هو موضوع لحجّية خبر الثقة، و لو ثبتت حجّية هذا الخبر ثبت بالتالي ظاهرا الحكم الشرعي الّذي رواه ذاك الراوي، و هو حكم كلّي.

3 - الخبر عن موضوع يلازم الحكم الكلّي، و ذلك من قبيل الإخبار عن السيرة في زمن المعصوم الملازمة للحكم الكلّي.

فإن افترضنا ثبوت إطلاق لدليل حجّية خبر الثقة يشمل الإخبار عن الموضوعات، أو سيرة تدلّ على ذلك، فقد ثبتت حجّية خبر الثقة في الموضوعات مطلقا. و إلاّ فإن كان لدليل حجّية خبر الثقة في الأحكام إطلاق يشمل الخبر في الموضوعات الّذي يؤدي إلى حكم كلّي، ثبتت حجّية خبر الثقة في الموضوعات في القسم الثاني و الثالث، و كذلك لو كانت السيرة قائمة على ذلك.

و إلاّ فلا يبقى دليل على حجّية خبر الثقة في الموضوعات أي لا يمكن ترتيب الآثار الشرعية المترتّبة على الموضوع الّذي أخبرنا به الثقة فلا يبقى مجال لحجّية القسم الأول و الثاني. و أمّا القسم الثالث فلا أثر شرعي يترتّب فيه على الموضوع حتى يكون معنى لحجّية خبر الثقة في الموضوع. و لكن العرف لا يحتمل الفرق بين نقل الحكم الشرعي الكلّي بالمطابقة، و نقله بالملازمة على حدّ عدم احتماله للفرق في الحجّية بين الدلالة المطابقية للأمارات و الدلالة الالتزامية، و هذا يعني حجّية خبر الثقة في القسم الثالث لا لإثبات الموضوع بل لإثبات الحكم الملازم له. و ما نقوله من أنّ الدلالة الالتزامية تتبع المطابقية في الحجّية لا يشمل فرض ما إذا كان مقتضي الحجّية مختصا بالدلالة الالتزامية.

و الحاصل أنّ حجّية خبر الثقة الدال على السيرة لا علاقة لها بحجّية الخبر في الموضوعات إذ الأثر الشرعي ليس مترتّبا على هذا الموضوع كي نحتاج إلى حجّية خبر الثقة في الموضوعات، و إنّما الأثر الشرعي من لوازم هذا الموضوع فلعلّ افتراض كون المسألة مرتبطة ببحث حجّية خبر الثقة في الموضوعات مبني على تخيّل اندراج المقام تحت قاعدة تبعيّة الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجّية فيقال:

لو لم نبن علي حجّية الدلالة المطابقية في الكلام و هي الدلالة على الموضوع (لو كان هناك أثر شرعي يترتّب عليه) لما أصبحت الدلالة الالتزامية التي هي مورد حاجتنا حجّة. بينما الصحيح


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  108/ الجزء الثاني

 

للمعصوم و بالالتزام على ما يلازمها من الحكم الشرعي.

الثاني - إنّ ما عرفته من النحو الثاني إنّما يفيدنا لو كانت الملازمة ثابتة بين نفس السيرة و الحكم الشرعي عقليّة أو عاديّة لا بين العلم بها و العلم به و هي المسماة بحسب الظاهر - في كلمات الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) بالملازمة الاتفاقية. أمّا إنّه ما هو الصحيح من هذين الفرضين؟ فسيظهر - إن شاء اللّه - عند البحث عن المرحلة الثانية فإنّه يختلف الأمر في ذلك باختلاف التقريبات فيها، و إنّما المقصود هنا التنبيه على أنّه على الفرض الثاني ليس الناقل للسيرة ناقلا لجعل الشارع و لو بالملازمة لفرض عدم الملازمة بينهما، و إنّما يحصل العلم بأحد الأمرين إذا حصل العلم بالأمر الآخر من دون ملازمة بينهما بقانون خاص يبحث في بحث المنطق الذاتي، و المفروض أنّه لم يحصل لنا العلم بذاك الأمر الآخر و هو السيرة [1] فلا يثبت الحكم.

إن قلت: إذا فرض ثبوت هذا الكشف حتى عند الناقل أي أنّه كان يحصل له العلم بالجعل الشرعي لو علم بالسيرة فكأنّه حكى لنا الجعل الشرعي ما دام قد حكى لنا عن السيرة و علّمه بها فإنّا نقطع بأنّه لو سألناه عن وجود الجعل الشرعي و عدمه لأخبرنا بوجوده.

قلنا هذا النحو من الإخبار غير كاف و لو تصريحا لأنّه إخبار عن حدس [2].

____________________

 

...........- ما ذكرناه من أنّ هذه التبعيّة لا تجري فيما لو كان دليل الحجّية ابتداء مختصا بالدلالة الالتزامية لا من باب سقوط كشف الدلالة المطابقية بالمعارض، أو العلم بالكذب، أو نحو ذلك.

[1] الظاهر على ما أذكر أنّه - رضوان اللّه عليه - عدل في وقت متأخر عن أمور من هذا القبيل لأنّ المنطق الذاتي كما يوجب العلم بالأمر الثاني إذا علم بالأمر الأول كذلك يوجب العلم بقضية شرطية و هي: إنّ كان الأمر الأول موجودا فالأمر الثاني موجود و بضمّ ذلك إلى ما دلّ تعبّدا على ثبوت الشرط يثبت الجزاء تعبّدا.

[2] و لكنه قريب من الحسّ أو قل إنّه حدس عام بمعنى أن أيّ عاقل آخر يكون محل هذا


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  109/ الجزء الثاني

 

الطريق الثالث: أن يكون خلاف ما يراد إثباته بالسيرة على خلاف الطبع فيقال: لو لا انعقاد السيرة وقتئذ على المقصود لكثر السؤال و كثر الجواب و لوصل إلينا ذلك.

و توضيح الكلام في هذا الطريق هو: أنّ هذا الطريق يتقوّم بشروط أربعة عامّة في تمام موارده، و يمكن فرض شروط خاصّة لبعض موارده لخصوصيّة في ذاك المورد و لكن لا يمكن ضبط تلك الشروط. و توفّر الشروط العامّة الأربعة يكفي في الغالب في حصول العلم بالسيرة و هي كما يلي:

الشرط الأول - أن يكون ذلك الحكم حكما فرديا لا اجتماعيا راجعا إلى ولي الأمر و إلاّ لم تلزم كثرة السؤال عنه. فلو شك مثلا في وجوب الإحسان إلى الفقراء على الوالي لم يصح القول بأنّ بناء المتشرعة في زمان الإمام عليه السّلام كان على عدم التزام الشخص بالإحسان إلى الفقراء لو صار واليا و إلاّ لكانوا يحتملون الوجوب و لكثر السؤال و الجواب و كان يصل ذلك إلينا.

إذ ليس المفروض كثرة السؤال في مثل هذه المسألة التي لم تكن محل ابتلاء الأفراد، و نحن نعلم أنّ أسئلتهم كانت تنشأ غالبا من الحاجة إلى فهم الحكم و الابتلاء به.

هذا إضافة إلى أنّه لو ثبتت هذه السيرة لم تكن سيرة عمليّة بالفعل، و إنّما كانت سيرة تقديريّة بدون أن يكون المقدّر عليها - و هو فرض صيرورته واليا - ثابتا بالفعل. و هذا يولّد إشكالا بلحاظ ما سيأتي - إن شاء الله - في بحث المرحلة الثانية من أنّ ما يلازم الحكم الشرعي إنّما هو السيرة الفعلية.

الشرط الثاني - أن يكون ذلك الحكم الفردي مما يكثر ابتلاء الافراد به. و أمّا في مثل تملّك المعدن باستخراجه مثلا فلا يمكن سلوك هذا الطريق

____________________

 

........- الحادس يحدس بعين حدسه و حدسيّة الخبر بهذا الشكل لا تضرّ بالحجّية.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  110/ الجزء الثاني

 

لإثبات المقصود لأنّه لم يكن ممّا يكثر الابتلاء به كي تلزم كثرة السؤال و الجواب.

الشرط الثالث - أن لا يكون العمل على خلاف ما قصد إثباته موافقا لطبع المجتمع وقتئذ و لو طبعا مكتسبا من ناحية العادة، فمثلا لا يمكن إثبات طهارة أبوال الدواب الثلاث المأكول لحمها بهذا الطريق. إذ نحتمل أنّ مقتضى الطبع كان هو الاجتناب عنه، و لو اكتسابا من العادة الناشئة من قول العامّة الذين هم الكثرة الكاثرة في ذلك اليوم بالنجاسة مثلا، فإذا كان ذلك وفق الطبع لم تلزم كثرة السؤال عن النجاسة و الجواب.

الشرط الرابع - أن لا يكون خلاف ما قصد إثباته ممّا أفتى به كثير من فقهائنا القدامي، أو دلّت عليه روايات عديدة. و إلاّ - كما هو الحال في وجوب السورة في الصلاة - احتملنا أنّ هذا نتيجة كثرة السؤال و الجواب فلا يصح إعمال هذا الطريق لنفي وجوب السورة (مضافا إلى إمكان دعوى انتفاء الشرط الثالث أيضا بالنسبة لهذا المثال).

و كل هذه الشرائط مجتمعة في مسألة المسح في الوضوء بتمام الكف على ظهر القدم فننفي وجوب ذلك بقيام السيرة على عدم الالتزام به إذ يقال:

لو لا قيام السيرة على عدم الالتزام به لكان يكثر السؤال عن وجوبه و يكثر الجواب و كان يصلنا ذلك في عدّة روايات. و هذا حكم فردي مبتلى به من قبل تمام الأفراد دائما، و يكون الالتزام بالمسح بتمام الكف على خلاف مقتضى الطبع، و لم يفت أحد من الفقهاء بوجوبه، و لم ترد أخبار عديدة دالّة على وجوبه و إن فرض ورود حديث واحد بذلك فهو لا يضرّنا.

و هل يشترط أيضا عدم ورود روايات عديدة على طبق ما نريد إثباته بالسيرة بأن يكون ورود روايات عديدة على عدم وجوب المسح بتمام الكف مثلا مضرا بالاستدلال بالسيرة بالطريق الّذي بيناه، أو لا؟ التحقيق في ذلك أنّه تارة نريد الاستدلال بالسيرة محضا كما كان


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  111/ الجزء الثاني

 

ذلك ظاهر عبارتنا حتى الآن، و أخرى نقصد جعل السيرة جزء للدليل.

فعلى الأول يكون ورود روايات مطابقة للحكم المقصود إثباته مضرا بالاستدلال بهذا الطريق. و على الثاني لا يضر ذلك.

فتقريب الأول - أن يقال: إنّه لو لا قيام السيرة للجميع أو الغالب على عدم الالتزام بالمسح بتمام الكف لسئل الإمام عليه السّلام عن ذلك كثيرا حتى و لو فرضت السيرة على الالتزام بالمسح بتمام الكف، إذ السيرة لا تدلّ على الوجوب لملاءمتها للاستحباب، و كثير من الأصحاب يعرفون مثل هذه النكتة. و المفروض أنّ الالتزام بالمسح بتمام الكف خلاف الطبع فكان يكثر السؤال و الجواب عن ذلك و كان يصلنا ذلك ضمن روايات عديدة، فعدم ذلك دليل على قيام السيرة على عدم الالتزام بالمسح بتمام الكف. نعم لو فرض أنّ وجوب المسح بتمام الكف من قطعيات الإسلام على حدّ قطعيّة عدد ركعات صلاة الظهر مثلا، كان ذلك مغنيا لهم عن السؤال، لكن هذا واضح البطلان. و بناء على هذا التقريب يكون ورود روايات عديدة دالّة على عدم الوجوب مضرا بالاستدلال بالسيرة، فإنّ عدم السيرة على عدم الالتزام بالمسح بتمام الكف إنّما يلازم كثرة السؤال و كثرة الجواب، و لا يلازم كون الجواب خصوص الحكم بالوجوب، فقد يكون الجواب هو الحكم بعدم الوجوب. فمجرّد كثرة السؤال و الجواب يمنعنا عن إثبات السيرة سواء كان الجواب بالإثبات أو النفي.

و تقريب الثاني - أن يقال: إنّه إمّا أن تكون السيرة على عدم الالتزام بالمسح بتمام الكف أو لا. فعلى الأول لا يجب المسح بتمام الكف لما سيأتي في بحث المرحلة الثانية من الملازمة بين السيرة و الحكم الشرعي. و على الثاني يكثر السؤال عن وجوب المسح بتمام الكف و عدمه. و عندئذ، إمّا أن يكون الحكم في الواقع هو الوجوب، أو عدم الوجوب. و الثاني هو المقصود.

و الأول لو كان لكثر الجواب بالوجوب و لوصل ذلك إلينا ضمن أخبار


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  112/ الجزء الثاني

 

عديدة. فمجرّد عدم وصول أخبار دالّة على الوجوب يكفي في هذا التقريب، و لا يضرّ وصول أخبار دالّة على عدم الوجوب.

و قد ظهر بهذا العرض أنّه إن أردنا بهذا الطريق نفي حكم ليس في معرض النفي من قبل الإمام تقيّة يكفينا عدم ورود روايات مثبتة لذلك الحكم، و لا يضرّنا ورود روايات نافية له فإنّ ورودها و إن كان مضرّا بالتقريب الأول و لكن يكفينا التقريب الثاني. فهذه الروايات لا تضرّنا بل تفيدنا لأنّها مؤيدة للمطلوب.

و أمّا إن أردنا به نفي حكم يكون في هذا المعرض فيشترط فيه عدم ورود روايات وفق المطلوب. إذ هذه الروايات تبطل التقريب الأول.

و التقريب الثاني بنفسه باطل هنا، إذ من المحتمل أنّه لم تكن سيرة وفق المطلوب و كثر السؤال و جاء الجواب وفق المطلوب تقيّة فينحصر الدليل على المطلوب عندئذ بنفس تلك الروايات، فإن كانت حجّة تعبّدا، و لم يكن لها معارض ثبت المطلوب بالتعبّد. فورود روايات وفق المطلوب هنا لا ينفعنا بل عدمه أفضل، إذ على تقدير عدم ورودها تثبت السيرة، و يثبت المطلوب بالوجدان بينما على تقدير ورودها لا يثبت المطلوب في أفضل التقادير إلاّ بالتعبّد [1].

____________________

 

[1] لا يخفى أنّه لو ضمّ ما مضى منه (رحمه اللَّه) في الشرط الرابع من إلحاق إفتاء كثير من فقهائنا القدامي بورود الروايات في اشتراط العدم بأن يقال: (لو كثر الجواب لوصل الجواب إلينا، إمّا ضمن روايات، أو ضمن فتاوى) إلى ما ذكره هنا من أنّ ورود روايات موافقة للمطلوب يضرّ بالتقريب الأول، و هو الاستدلال بالسيرة محضا، لكانت نتيجة ذلك أنّ التقريب الأول باطل في مثال المسح. إذ حتى لو لم ترد أيّ رواية في المقام ففتاوى الفقهاء القدامي هي مطابقة للحكم المقصود إثباته. فنحن نحتمل كثرة السؤال و الجواب و وصول الأمر إلينا ضمن الفتاوى.

و على أيّ حال ففي مثال المسح صحيح أنّ الالتزام بالمسح بتمام الكف فيه شي‏ء من الكلفة، لكن بلوغ الكلفة إلى حدّ نجزم بكثرة السؤال عنه حتى فيما لو كانت عادة الشيعة الموروثة من


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  113/ الجزء الثاني

 

الطريق الرابع: مختص بالسيرة العقلائية و هو إثبات السيرة المعاصرة لزمان الشارع بالاستقراء الناقص بأن تستقرأ مجتمعات كثيرة في أمكنة مختلفة و أزمنة متغايرة، فيرى ثبوت هذه السيرة لجميعهم فيستكشف من ذلك ثبوتها في زمن الشارع على حدّ الاستكشاف الثابت في تمام موارد التجربة، فكما نحكم بمحرقيّة النار مع أنّ تجاربنا لم تكن إلاّ على أفراد محدودة من النار، و كما نستقرئ كميّة كبيرة من أفراد الدجاج مثلا و نرى فيها حالة خاصة و نحكم بأنّ كل فرد من أفراد الدجاج فيه اقتضاء هذه الحالة، كذلك نرى عدة مجتمعات غير مجتمع المعصوم و نرى فيها ثبوت السيرة فنستكشف ثبوتها في مجتمع المعصوم. و هذا الطريق يختلف عن الطريق الأول الّذي كان مبتنيا على روحيّة الاستصحاب القهقرائي و افتراض توارث السيرة يدا بيد فإنّ هذا الطريق ليس مبتنيا على ذلك،

____________________

 

...........- قبل عصر الاهتمام الكامل بتدوين النصوص هي المسح بتمام الكف بحجّة أنّ هذه السيرة تلائم الاستحباب غير واضح عندي. نعم رغم هذا لا يبعد الإفتاء بعدم وجوب المسح بتمام الكف، إمّا لما ورد من إجزاء المسح بشي‏ء من ظهر الرّجل فيما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع. بناء على أنّ حمله في مقام الجمع على المسح بتمام الكف الّذي هو غير مستوعب لتمام ظهر الرّجل غير عرفي، فلو تعارض مع ما دلّ على وجوب المسح بتمام الكف، و لم يمكن حمل الثاني على الاستحباب و تساقطا، فالأصل عدم وجوب أكثر من المسمى، و إمّا لأنّ ما قام من إجماع الإمامية أو ما يشبه الإجماع من قبل قدماء الأصحاب على عدم وجوب المسح بتمام الكف يسقط خبر المسح بتمام الكف الظاهر في الوجوب عن الحجيّة. و ذلك لا لمجرّد التمسّك بالإجماع كي يقال أنّه مدركي، و لا لمجرّد إعراض الأصحاب عن الحديث كي يقال بعدم ثبوت الإعراض عن سنده لاحتمال حملهم له على الاستحباب، على أنّ الإعراض لا يسقط السند. بل لوضوح أنّ المسح على الرّجل كان محل ابتلاء كل الشيعة في كل يوم عدّة مرات فافتراض أنّ الحكم بقي غامضا لديهم إلى آخر زمان الأئمّة عليهم السلام غير وارد. و لو كان وجوب المسح بتمام الكف هو الواضح لديهم فاحتمال أن ينقلب الأمر من أول عصر الغيبة إلى إجماع الفقهاء على الوجوب غير وارد. و مثل هذا البيان قد يوجب القطع أو الاطمئنان بعدم وجوب المسح بتمام الكف.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  114/ الجزء الثاني

 

و إنّما هو مبتن على روح التمسّك بالاستقراء، و استنتاج النتيجة الكلّية من الاستقراء الناقص كما هو الحال دائما في باب التجربة.

 

و تحقيق هذا المطلب بالنحو المفصل مربوط ببحث قوانين التجربة و المنطق الذاتي، و ليس هنا موضع تفصيلها.

إلاّ أنّنا نقول إجمالا: إنّه إن كان المقصود بذلك إثبات فرضية قريحة مشتركة بين المجتمعات هي السبب لتحقّق هذه السيرة، و لم نعرف هذا الشي‏ء المشترك مسبقا و إنّما أردنا اكتشافه من نفس السيرة فهذا غير صحيح لأنّ قانون التجربة إنّما ينطبق فيما لو علم بوجود شي‏ء مشترك في تمام موارد التجربة، فتستكشف من ذلك علّية ذاك الشي‏ء المشترك مثلا. و أمّا إذا لم يعلم بذلك و احتملناه فهذه التجربة لا توجب القطع بعلّية ذلك الأمر المحتمل. مثلا لو رأينا آلاف الأشخاص أكلوا قرصا معينا فماتوا علمنا أنّ ذاك القرص سمّ قاتل، أمّا لو رأينا آلاف الأشخاص ماتوا، و احتملنا أنّهم أكلوا ذاك القرص فهذا لا يكون كاشفا عن كون ذاك القرص سما قاتلا.

و ما نحن فيه من هذا القبيل فإنّنا إذا لم نعرف عنصرا مشتركا في ما بين المجتمعات يحتمل كونه هو سبب السيرة فليس من الصحيح أن نكتشف بواسطة وجود السيرة في جملة من المجتمعات علّية عنصر يفترض اشتراكه فيما بينها [1].

 

_______________________

 [1] على أنّه لو صح ذلك لم يكن لنا طريق إلى معرفة أنّ ذاك

العنصر المشترك كان موجودا في مجتمع المعصوم أيضا. هذا.

و كأنّه علاجا لهذا النقص فرض أستاذنا (رحمه اللَّه) في الحلقة الثانية من (دروس في علم الأصول) أن تكون للإنسان ملاحظة تحليليّة وجدانيّة بحيث يرى في وجدانه و مرتكزاته العقلائية أنّه منساق إلى اتّخاذ موقف معين، و يلاحظ بتحليله الوجداني عدم ارتباط ذلك بالخصوصيات المتغيرة من حال إلى حال و من عاقل إلى عاقل، و قد يدعم ذلك باستقراء حالة العقلاء في مجتمعات عقلائية مختلفة للتأكد من هذه الحالة العامّة.

قال (رحمه اللَّه): و هذا طريق قد يحصل للإنسان الوثوق بسببه، و لكنه ليس طريقا استدلاليا


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  115/ الجزء الثاني

 

نعم لو علمنا قبل الاستدلال بالسيرة بوجود أمر مشترك نفساني أو موضوعي خارجي، و رأينا بالاستقراء أنّ هذا الأمر المشترك لا ينفكّ عن تلك السيرة علمنا بحكم التجربة كون ذلك الشي‏ء علّة لتلك السيرة، لأنّها توجد متى وجد، و تنعدم مثلا متى انعدم. فإذا كنا نعلم بوجود ذلك الشي‏ء في زمان الشارع علمنا بوجود تلك السيرة في ذلك الزمان بشرط أن نرى أنّ سائر المقارنات لتلك السيرة لا يحتمل علّيتها لها فإذا وجد في كلّ مجتمع من تلك المجتمعات المشتملة على تلك السيرة مقارن آخر يحتمل علّيته لها لم يثبت المطلوب.

فمثلا نفترض أنّا رأينا بحسب التجربة التلازم بين درجة خاصّة للقدرة و التسلط للحكومة، و قيام السيرة على ملكيّة الفرد و رفض الاشتراكية مع عدم مقارن آخر يحتمل علّيته لهذه السيرة، فإذا رأينا أنّ تلك الدرجة كانت ثابتة في زمان المعصوم ثبتت هذه السيرة لأهل ذاك الزمان.

و يمكننا أن ندرج في هذا الباب حجّية الظهور بدعوى أنّا رأينا الملازمة بين كون ميزان التفهيم و التفهّم هو اللّغة، و قيام السيرة على حجّية الظهور [1].

 

موضوعيا إلاّ بقدر ما يتاح للملاحظ من استقراء للمجتمعات العقلائية المختلفة»«.. أقول: بما أنّ السير العقلائية ليست غالبا غامضة السبب كلّ الغموض، قد يمكن للإنسان الحاسّ بالسيرة العقلائية في زمانه أن يدرك علّتها لا مجرّد أن ينفي ارتباطها بالخصوصيات المتغيّرة من حال إلى حال، كي يخرج عن كونه طريقا استدلاليّا موضوعيا. فإذا كانت تلك العلّة ثابتة في مجتمع زمان المعصوم ثبت المقصود بلا دخل لمسألة استقراء عدّة مجتمعات. و هذا ما شرحناه في تعليقتنا على بحث الطريق الأوّل فراجع.

_______________________

 [1] لا يخفى أنّنا لم نر مجتمعا ليس ميزان التّفاهم عندهم هو اللّغة، كي نرى أنّه هل تنتفي عندهم السيرة على العمل بالظهور أو لا. فالمقارنة التي نراها بين كون الميزان في التفاهم هو اللّغة و السيرة على حجّية الظهور تكون من قبيل ما لو رأينا النار في كلّ مكان و الاحتراق في كلّ


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  116/ الجزء الثاني

 

فيعلم أنّ الأول علّة للثاني [1] فنستكشف من ذلك ثبوت هذه السيرة في زمن الشارع. نعم هذا الاستكشاف مشروط بدفع احتمال وجود مانع في زمان الشارع. نعم هذا الاستكشاف مشروط بدفع احتمال وجود مانع في زمان الشارع عن تأثير المقتضي في تحقّق هذه السيرة، و ذلك لأنّ تجربة المقارنة بين - أ - و - ب - إنّما تثبت أنّ - أ - مقتض ل - ب - و لا تثبت عدم وجود مانع صدفة يمنع عن تأثير فرد خاص من - أ -. و يمكن إحراز عدم مانعيّة سائر المقارنات في زمان الشارع في ما نحن فيه باعتبار أنّ المانعيّة في باب السير العقلائية مانعية مفهومة فلا تحتمل مانعية أيّ شي‏ء عنها، و ليست كالمانعية في الأمور التكوينية من قبيل مانعية الرطوبة عن إحراق النار مثلا التي لا يمكن إثباتها أو نفيها إلاّ بالتجربة فإنّ المانعية في باب السير العقلائية مرتبطة بوعي البشر و اختياره [2] فقد تنفي بحكم العقل بلا حاجة إلى التجربة. و بهذا الطريق ننفي مانعية المقارنات في زمان الشارع عن تحقّق السيرة على حجّية الظهور.

الطريق الخامس: أن يكون لما يراد إثبات وجود السيرة على طبقه في زمان الإمام عليه السّلام بدليل بحيث لا بدّ من أن تكون السيرة قائمة إمّا

____________________

 

.........- مكان، و من الواضح أنّه عندئذ لا نستطيع أن نفهم علّيّة النار للاحتراق أو تلازمهما.

[1] أو هما معلولان لشي‏ء ثالث.

[2] لا يخفى أنّه كما أنّ المانعيّة في باب السير العقلائيّة مانعيّة مفهومه فكثيرا ما يمكن القطع بانتفائها في زمان الشارع رغم أنّنا لم نعش ذاك الزمان، كذلك أصل الاقتضاء و العلّية في السير العقلائية أمر مفهوم فكثيرا ما يمكن القطع بثبوت السيرة الموجودة في زماننا في زمان المعصوم أيضا بلا حاجة إلى هذه البيانات، و هذا ما أشرنا إليه في تعليقتين سابقتين. و بالنسبة لحجّية الظهور ليست العلّة في قيام السيرة عليها مجرّد كون اللّغة هي أساس التفهيم و التفهّم بل العلّة هي كون حجّية الظهور بلحاظ ما فيه من الكشف النوعيّ تطابق عادة نتيجة التزاحمات بين الأغراض العقلائية عند الشك. و لا نشكّ أنّ نفس هذه الحالة كانت موجودة في زمن المعصوم لأنّها نابعة عن الأغراض العقلائية المتعلّقة لنا التي لا تختلف حساباتها بالفوارق الحاصلة باختلاف الزمان و المكان، تلك الفوارق التي هي أيضا مفهومة لنا.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  117/ الجزء الثاني

 

على هذا أو على ذاك، و يكون ذلك البديل بحيث لو كانت السيرة قائمة عليه في زمن المعصوم لنقل ذلك إلينا لتشكيله ظاهرة اجتماعيّة كبيرة مع كونه في نفسه ممّا يبحث عنه و يهتمّ به اهتماما كبيرا، كما هو الحال في باب حجّية الظهور فإنّه لو لم تكن السيرة في ذلك الزمان على العمل بالظهور لكان هناك طريق آخر لتلقي الأحكام لأنّهم كانوا ملزمين بالعمل بالأحكام مثلنا فحتما كانوا يتّخذون مسلكا لتلقّي الأحكام. فلو لم يكن ذاك المسلك هو الأخذ بالظهور و كان مسلكا آخر بدلا عن العمل بالظهور لشكّل ذلك ظاهرة اجتماعية واسعة، و كان ذلك في غاية الأهمية يهتمّ به منذ البدء كل من باحث أو كتب في الفقه أو الأصول و لو صل ذلك إلينا حتما، بينما لم يصلنا شي‏ء من هذا القبيل إطلاقا.

لا يقال: إنّ العمل بالظهور أيضا يشكّل ظاهرة اجتماعيّة مهمّة، و لم يصلنا نقل عن أنّهم فيما سبق كانوا يعملون بالظهور.

فإنّه يقال: صحيح أنّ هذا أيضا سلوك اجتماعيّ مهمّ، و لكن قد يكون عدم نقله لأجل الاعتماد في وصوله إلى نفس استمرار السيرة، أو لأجل كون استقرار السيرة عليه بالفعل مانعا عن الالتفات التفصيليّ إلى أهميّته [1].

و بالإمكان أن نمثل أيضا بتملّك الفرد للمعدن إذ لو لم تكن عليه السيرة في زمان الإمام عليه السّلام لانعقدت السيرة على طريق آخر للاستفادة من المعدن، و كان ذلك يشكل ظاهرة اجتماعية كبيرة لكثرة حاجة الناس إلى الاستفادة من المعدن و لكان يصل ذلك إلينا. فقيام السيرة على

 

_______________________

 [1] كأنّ المقصود إثبات سيرة المتشرّعة بالمعنى الأعمّ بعد فرض ثبوت سيرة العقلاء أو احتمالها على الأقلّ من دون احتمالها بالنسبة للبديل، فيقال: إنّ سيرة المتشرّعة لو كانت هي عين سيرة العقلاء لم تجلب انتباها كي تنقل، أو أنّها قد لا تنقل اعتمادا على نفس السيرة العقلائيّة، و لو كانت غيرها لنقلت.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  118/ الجزء الثاني

 

تملّك المستخرج للمعدن في زمان الشارع الّذي لم يمكننا إثباته بالطريق الثالث أمكننا إثباته بهذا الطريق [1].

هذا تمام الكلام في المرحلة الأولى [2].

و هذه المرحلة كنا بحاجة إليها في باب الأمارات لو فرضنا السيرة فيها سيرة عقلائية بما هم عقلاء و لم نفترض حجّيتها ذاتية كذاتيّة حجّية القطع عندنا بمعنى أنّ من طبق تمام أعماله عليها لم يكن مقصّرا في مقام العبودية بحكم العقل العملي.

أمّا بناء على هذا الوجه الّذي مضت الإشارة إليه فليس الحكم حكما عقلائيا يجب إثبات تحقّق سيرة العقلاء عليه في زمن المعصوم، و إنّما قامت سيرة العقلاء على ذلك من باب حكم العقل بذلك فهو بنفسه أمر واقعي يدركه العقل العملي كالوجوب و الإمكان اللذين يدركهما العقل النظريّ.

فالعقل العملي أدرك - حسب الفرض - أنّ دائرة حق المولويّة لا تكون واسعة بحيث تشمل لزوم إطاعة المولى فيما قامت الأمارة على نفيه فإن تمّ ذلك ثبت جواز الاعتماد على الأمارة بلا حاجة إلى إثبات السيرة في زمن المعصوم، كما هو الحال في حجّية القطع مع فارق واحد و هو أنّ حكم العقل

 

_______________________

 [1] هذه هي الطريق الخمسة لإثبات السيرة حسب ما أفاده (رحمه اللَّه) في الدورة التي حضرتها و قد مضى منّا طريق سادس لإثبات السيرة العقلائيّة.

[2] نقل الأخ السيد علي أكبر (حفظه اللَّه) عن الدورة الأخيرة لدرس أستاذنا الشهيد (رحمه اللَّه): إنّ هذه الوجوه الخمسة التي ذكرناها لإثبات المرحلة الأولى و هي أصل تحقّق السيرة في زمن المعصوم إنّما هي الوجوه العامّة التي يمكن التمسّك بها و التي تنضبط الضوابط. و هنا وجوه أخرى صغيرة متناثرة ليست لها ضوابط، فمثلا ألسنة الروايات و الجواب من قبل الإمام تكشف عن السيرة و الارتكاز في كثير من الأحايين إثباتا و نفيا و لهذا نحن استفدنا من الأدلّة التي يتمسّك بها على نجاسة أهل الكتاب أنّ السيرة وقتئذ لم تكن قائمة على نجاسة أهل الكتاب، إلى غير ذلك من الخصوصيّات الحديثيّة و التاريخيّة التي يترك أمر تفصيلها إلى الفقه. انتهى.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  119/ الجزء الثاني

 

بحجّية القطع تنجيزي، و حكمه بحجّية الأمارات و إن كان ذاتيا بمعنى عدم الحاجة إلى جعل المولى لكنّه معلّق على عدم وصول ردع الشارع عنها إلينا، فلو وصلنا من المولى المنع عن العمل بالظهور أو تجويز مخالفة الظهور سقطت حجّيته. و لا نحتاج أيضا في إثبات الحجّية بناء على هذا الفرض إلى المرحلة الثانية و هي إثبات إمضاء الشارع و ذلك لكفاية عدم وصول الردع إلينا في حكم العقل بالحجّية.

و لا بأس بأن نشير قبل الدخول في بحث المرحلة الثانية إلى مدى إمكان الاعتماد في حجّية الأمارات على هذه الدعوى أعني دعوى إرجاع السيرة في حكم العقل بالحجّية.

و لا بأس بأن نشير قبل الدخول في بحث المرحلة الثانية إلى مدى إمكان الاعتماد في حجّية الأمارات على هذه الدعوى أعني دعوى إرجاع السيرة في باب الأمارات إلى حكم العقل العملي فنقول:

إن تمّت هذه الدعوى و خلت عما سيأتي - إن شاء الله - من شائبة الإشكال يبقى الكلام في كفايتها لإثبات المقصود، و ذلك لأنّنا لو سلّمنا أنّ العقل العملي أدرك أنّ من حق المولى على العبد أن يعمل بمقاصده التي تظهر للعبد من ظاهر كلام المولى، أو من خبر الثقة مثلا ما لم يردع المولى عن ذلك، فهذا الحكم من قبل العقل لا يصلح أن يكون حاكما على أدلّة الأصول أو مخصّصا لها إذ ليس حكما مجعولا من قبل الشارع كما لو جعل المولى خبر الواحد أو الظهور حجّة كي يقال: إنّه حاكم أو مخصّص لمثل (رفع ما لا يعملون) أو (كلّ شي‏ء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام) و إنّما هذا حكم من قبل العقل المدرك لحجّية الظهور أو خبر الواحد. و إطلاق مثل حديث الرفع بنفسه ظهور مشمول لهذا الحكم و هو يدلّ على عدم اعتناء المولى بأغراضه المشكوكة المدلول عليها بالظهور أو خبر الواحد أي أنّه يدلّ على نفي حجّية تلك الظهورات و الأخبار الآحاد.

نعم هذا الإشكال إنّما يكون فيما إذا لم يكن هناك مانع عن جريان البراءة من علم إجمالي و نحوه فلا بدّ من فرض الكلام فيه بعد فرض انحلال العلم الإجمالي بوجود الأحكام بوجه من الوجوه.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  120/ الجزء الثاني

 

و يمكن دفع هذا الإشكال في خصوص باب الظواهر بدعوى أنّ ظاهر رفع ما لا يعلمون بحسب الفهم العرفي هو رفع ما لا يعلم من ظواهر خطاب المولى، فيكون وصول كلام المولى الظاهر في حكم إلزاميّ داخلا في مصاديق الغاية عرفا.

لكن هذه الدعوى لا مجال لها بالنسبة لخبر الثقة بأن يقال: إنّ الغاية تشمل عرفا وصول خبر الثقة الدال على حكم إلزامي [1].

هذا مضافا إلى أنّ أصل هذه الدعوى لا تخلو عن إشكال [2].

كما أنّ أصل دعوى حكم العقل العملي بالحجّية الذاتيّة لظهور كلام المولى مثلا، لا تخلو عن إشكال أيضا.

و وجه الإشكال في كلّ ما كان من قبيل هذه الدعاوي هو أنّا و إن كنا ندرك مثل هذا الحكم و نحسّ به بشكل واضح، و هو أنّ الإنسان الّذي يخالف ظهور كلام المولى و لا يعمل به يستحقّ العقاب، و الّذي يعمل بظاهر كلام المولى يكون قد أدّى إليه حقّه. و لكن لا سبيل لنا إلى إثبات أنّ هذا مدرك للعقل العملي في المقام المجرّد عن الشوائب و الخصوصيات فإنّنا نحتمل أنّ ما يشعرنا بقبح مخالفة ظاهر كلام المولى هو قوّة العقل العملي منضمّة إلى ارتكاز حجّيته الظهور في أذهان العقلاء ارتكازا عميقا طويلا

 

_______________________

 [1] لا يخفى أنّ وضوح بطلان هذه الدعوى في خبر الثقة ينبع من وضوح بطلان أصل دعوى الحجّية الذاتيّة في خبر الثقة. و بقدر ما يميل الإنسان إلى دعوى الحجّية الذاتيّة لطريق من طرق إيصال المقصود، أو دعوى شدّة رسوخ الحجّية العقلائية تقوّى في الذهن دعوى انصراف الغاية في رفع ما لا يعلمون إلى ما يشمل العلم بذاك الطريق فإنّ نكتة الانصراف إنّما هي كون هذا طريقا ذاتيا إلى مقاصد المولى، أو طريقا عقلائيا راسخا في غاية الرسوخ. إذن: فالفرق الأصلي بين باب الظهور و باب خبر الثقة ليس هو في دعوى كون وصوله مصداقا للغاية و عدمه، و إنّما هو في أصل مدى وضوح دعوى الحجّية الذاتيّة.

[2] لو تمّت أصل دعوى الحجّية الذاتيّة تمّت دعوى انصراف الغاية في رفع ما لا يعلمون إلى ما يشمل وصول تلك الحجّة.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  121/ الجزء الثاني

 

في تاريخ البشريّة و قيام سيرتهم على ذلك.

نعم هذه الدعوى - أعني - دعوى رجوع ذلك إلى حكم العقل العملي تؤيد و تؤكد حجّية الظهور. و إن شئت فقل: إنّ هذا الحكم إمّا عقلي صرف، أو لا. فإن كان الأول فقد ثبتت حجّية الظهور، و إلاّ فهو من نتائج ارتكاز جعل الحجّية في أذهان العقلاء الّذي أصبح بدرجة من الوضوح بحيث يتخيّل كونه عقليّا صرفا.

 

إثبات موافقة الشارع للسيرة

و أمّا لمرحلة الثانية - فهي عبارة عن إثبات موافقة الشارع للسيرة بعد فرض ثبوتها في زمانه، و الكلام في ذلك تارة يقع بلحاظ سيرة المتشرعة، و أخرى بلحاظ سيرة العقلاء:

أمّا سيرة المتشرعة - فمفروض الكلام إنّما هو سيرة أصحاب الأئمة الذين كانوا متمكنين من أخذ الحكم من الإمام عليه السّلام بطريق الحسّ أو ما يقرب من الحسّ، و كان دأبهم على هذا الطريق بحيث يكون افتراض اتفاقهم عملا على شي‏ء خطاء مساوقا للغفلة، و الخطأ في الحسّ، أو ما يقرب منه بأن يكون غفلة عن الفحص عن الحكم الشرعي و لو من باب الذهول عن احتمال كون ما يفعله خلاف الشرع، أو غفلة عن فهم ظاهر كلام الإمام و نحو ذلك. أمّا الذين يعتمدون الاجتهاد و الاستنباط عادة في فهم الحكم فاتفاقهم ليس عبارة عمّا هو محل الكلام من سيرة المتشرعة، و إنّما هو عبارة عن الإجماع الّذي سيأتي البحث عنه - إن شاء الله - في غير هذا المقام.

و الشرط الّذي ذكرناه لتحقيق سيرة المتشرعة من كونهم يأخذون عادة الحكم من الإمام عن طريق الحسّ أو ما يقرب من الحسّ كان متوفرا في كثير من أصحاب الأئمّة عليهم السّلام المعاشرين لهم و لأصحابهم، و المتكلمين معهم و مع أصحابهم في مختلف المسائل.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  122/ الجزء الثاني

 

فإذا تحقّقت السيرة من قبل أمثال هؤلاء الذين يكون خطؤهم خطأ عن حسّ أو ما يقرب من الحسّ فلا إشكال في أنّ سيرتهم تكشف عن الحكم الشرعي لأنّ اتفاق هؤلاء الجماعة على الغفلة بعيد بحساب الاحتمالات الناتج من ضرب قيمة احتمال ثبوت عامل الغفلة في أيّ واحد منهم في قيمة احتمال ثبوته في الآخر، و من الواضح أنّ الاحتمال يضعف بالتدريج بالضرب إلى أن يصبح موهوما، و قد حقّقنا في بحث المنطق الذاتي أنّ الاحتمال الموهوم يزول من النّفس تلقائيا وفق شروط معيّنة، فيحصل القطع بعدم اجتماعهم على الغفلة بعد أن كان احتمال اجتماعهم على الغفلة أوهن من أيّ احتمال آخر في المقام لأنّ الغفلات المتعدّدة بحاجة إلى علل و عوامل متعدّدة بينما الانتباه المتعدّد تكفيه علّة واحدة عامّة تقتضي التفات الجميع فلا يجري فيه الحساب الّذي أجريناه في جانب الغفلة. و لو فرضنا عدم زوال هذا الاحتمال الموهوم فلا شك في حصول الاطمئنان بخلافه، و الاطمئنان حجّة [1].

لا يقال: إنّ الاطمئنان ليس حجّة بدليل لفظي، و إنّما هو حجّة بالسيرة العقلائية.

فإنّه يقال: إنّ الاطمئنان حجّة بحكم العقل العملي فإنّ ما كنّا نحتمله في باب الظهورات من ذاتيّة الحجّية لها نقول به جزما في باب الاطمئنان.

هذا مضافا إلى أنّا نقطع بالحكم الشرعي لكونه لازما أعم لباقي المحتملات أي ملائما لذاك الاحتمال الموهوم أيضا و هو غفلة الجميع، و هذا يوجب زوال احتمال عدم الحكم الشرعي. و تحقيق ذلك موكول إلى بحث المنطق الذاتي.

 

_______________________

 [1] صحيح أنّه لو كان فرضنا لعدم زوال الاحتمال الموهوم من باب إنكار كونه أهون من الاحتمالات الأخرى التي تكون في قبالها فكل واحد من هذه الاحتمالات يطمأن بخلافه لكن لا حجّية لسائر الاطمئنات لعدم ترتّب أثر شرعي عليها كي يقع التعارض بينها.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  123/ الجزء الثاني

 

و أمّا سيرة العقلاء - فلا يمكن استكشاف الحكم الشرعي منها من ناحية أصل تكوّنها على حدّ استكشاف العلّة من المعلول كما مضى ذلك في سيرة المتشرعة، فإنّ هذا في السيرة العقلائية غير معقول، فان فرض غفلتهم [1].

هنا لا يساوق فرض اجتماع علل عديدة إذ من المحتمل كون قيام سيرتهم على ذلك ناشئا من علّة مشتركة و هي تلك القريحة العقلائية و استدعاء طبعهم العقلائي لذلك.

و لكن مع هذا يمكن استكشاف الحكم الشرعي بواسطة السيرة العقلائية بضم قضيتين شرطيتين إليها:

الأولى - إنّه لو لم يكن الشارع قد أمضى هذه السيرة لردع عنها.

و الثانية - إنّه لو ردع عنها لوصل ذلك إلينا. و بما أنّ التالي في الشرطية الثانية باطل، إذن فالمقدّم فيها الّذي هو التالي في الشرطية الأولى باطل، و به يبطل المقدّم في الشرطية الأولى فيثبت الإمضاء.

و عليه فيقع الكلام في أمور ثلاثة:

الأول - الشرطية الأولى.

و الثاني - الشرطية الثانية.

و الثالث - بطلان التالي في الشرطية الثانية.

أمّا الأمر الأول - فبرهانه هو استحالة نقض الغرض [2]. و هذا البرهان إنّما يأتي فيما لو كانت السيرة العقلائية تمتدّ من مواردهم العرفية إلى موارد الأحكام الشرعية إذ مع فرض عدم الامتداد ليس سكوت الشارع لو لم يكن

 

_______________________

 [1] يعني غفلة المتشرعة منهم.

[2] و كذلك يمكن الاستدلال على الإمضاء بالسكوت بغض النّظر عن استحالة نقض الغرض بأنّ السكوت ظاهر في الإمضاء، و لا فرق في حجّية الظهور بين ظهور الكلام، و ظهور السكوت هذا في غير إثبات حجّية نفس الظهور. و قد نقل هذا عن الدورة الأخيرة من درسه (رحمه اللَّه).


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  124/ الجزء الثاني

 

يقبل بالعمل بتلك السيرة في أحكامه نقضا للغرض، فإنّ أغراض المولى إنّما هي كامنة في أحكامه، و قد فرض عدم امتداد السيرة إلى باب الأحكام.

أمّا كيف تمتدّ السيرة إلى باب الحكم الشرعي فهذا ما يكون بأحد وجوه:

الوجه الأول - أن يكون ذلك من باب العادة فيقال مثلا: إنّ العقلاء بما أنّه جرت سيرتهم على رجوع الجاهل إلى العام في شتى الفنون صار ذلك عادة لهم فيجرون على ذلك في باب الأحكام الشرعية جريا على طبق العادة بلا التفات إلى صحّة ذلك و عدمها.

و هذا الوجه متصوّر في تمام أقسام السيرة بلا فرق بين السيرة الفقهية، كالسيرة على التملّك بالحيازة، و السيرة الأصوليّة أي السيرة التي تكشف عن الحجّية سواء قلنا بالمبنى المشهور من أنّ الحجّية تكون عبارة عن مجرّد إنشاء ظاهري ناشئ من ملاك في نفس الإنشاء، أو قلنا بما هو الصحيح من أنّ روح الحكم الظاهري - بعد فرض عدم السببيّة - عبارة عن تعيين درجة اهتمام المولى بالأغراض الواقعية، فإنّ الجري العملي و السيرة بأي نحو كان يقتضي تكوّن الاعتياد على طبقه.

الوجه الثاني - أن يكون ذلك من باب إيمان العقلاء بصحّة النكتة التي قامت على أساسها السيرة، مثلا قد يقال: إنّ العقلاء بنوا على التملّك بالحيازة لما رأوا من توقّف نظام المعاش على ذلك، و المتشرعون منهم أيضا مشوا على هذا الطريق إيمانا منهم بصحّة هذه النكتة فعملوا على طبقها في مورد الحكم الشرعي بلا التفات إلى موافقة الشارع و عدمها، إمّا غفلة، أو إهمالا.

و الفرق بين هذا الوجه و الوجه السابق أنّ الجري على طبق السيرة في مورد الحكم الشرعي في هذا الوجه لا يفرض عملا ميكانيكيا بحسب العادة كما في الوجه الأول، بل يفرض عملا عن وعي و شعور بلحاظ الإيمان بصحّة نكتتها. نعم أغفل في الحساب مسألة موافقة الشارع و عدمها.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  125/ الجزء الثاني

 

و هذا الوجه إنّما يتمّ في السيرة الفقهية كما في مثال التملّك بالحيازة دون السيرة الأصولية، و لو أخذنا فيها بمبنى المشهور من افتراض أنّ روح الحجيّة و الحكم الظاهري عبارة عن جعل شرعي بملاك في نفس الجعل. و ذلك لأنّه لو افترض أنّ سيرة العقلاء جرت على أنّ كلّ من تقمّص بقميص المولويّة جعل خبر الواحد حجّة على عبده، و أنّهم آمنوا بصحّة هذه النكتة، لم يكن افتراض أنّ إيمانهم بصحّة هذه النكتة يجعلهم يمشون على هذا الطريق في موارد الأحكام الشرعية مع إغفال موافقة الشارع و عدمها، فإنّ الحجّية - حسب الفرض - عبارة عن جعل و تشريع

للمولى و لا معنى لافتراض البناء على ثبوت هذا الجعل من قبل المولى لصحّة نكتته مع إغفال موافقة نفس المولى، فلا معنى لفرض العقلاء خبر الواحد في الشرعيات حجّة إلاّ من باب العادة و هو الوجه الأول، أو من باب إثبات موافقة الشارع لهم في النكتة و هو الوجه الثالث.

الوجه الثالث - أن يكون ذلك من باب إيمان العقلاء بصحّة نكتة السيرة مع الاعتقاد بموافقة الشارع عليها من باب أنّه لا يخطأ، فمع فرض عدم الخطأ تجب في نظرهم الموافقة إذ المفروض صحّة النكتة في نظرهم. و هذا الوجه يتمّ في السيرة الفقهية المبنية على الإيمان منهم و لو ارتكازا بنكتة عامّة موجودة في قريحة تمام العقلاء، كما في مسألة التملّك بالحيازة.

و أمّا في السيرة الأصوليّة فإنّ آمنا بمبنى المشهور من كون روح الحجّية عبارة عن نفس جعل مّا من قبل المولى لمصلحة في الجعل، فأيضا يمكن إجراء هذا الوجه فيها بدعوى أنّ العقلاء يدركون بقريحتهم العامّة مصلحة إعاشية اجتماعيّة في نفس هذا الجعل مثلا، و يعتقدون بصحّة هذه النكتة و بموافقة الشارع عليها لأنّه لا يخطأ.

أمّا بناء على ما هو المختار من أنّ روح الحكم الظاهري عبارة عن تعيين درجة الاهتمام بالأغراض، فقد مضى أنّ السيرة على هذا لا تكون مرتكزة


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  126/ الجزء الثاني

 

على أساس نكتة مدركة بالقريحة العامّة للعقلاء فحسب بل تكون مرتكزة على أساس نكتتين: إحداهما مدركة بالقريحة العامّة للعقلاء، و هي مطابقة الخبر للواقع ثمانين بالمائة مثلا، و الأخرى نكتة لا تكون كذلك بل تكون شخصية قد تختلف من شخص لآخر فلا توجد في شخص ما و إن كان الغالب وجودها في الأشخاص، و هي درجة اهتمام الشخص بأغراضه فإنّ هذا إنّما يكون بملاك خاص لكل واحد واحد، فمن المحتمل مخالفة الشارع للآخرين في درجة الاهتمام بأغراضه. فهذا المقدار لا يكفي في المقام للحصول على النتيجة.

نعم قد يضم إلى ذلك شي‏ء آخر فيأتي هذا الوجه في المقام عند انضمامه إليه، و ذلك عبارة عن دعوى جزم العقلاء بموافقة الشارع من باب حمل الشي‏ء على الأعم الأغلب، فإنّ هذا قد يوجب القطع. فقد يقيس العقلاء الشارع على غالب العقلاء و يجزمون بموافقته. هذا.

و قد عرفت ممّا ذكرناه أنّ ثمرة تشقيق السيرة العقلائية إلى الأقسام التي ذكرناها في أول البحث تظهر في مقام إثبات الشرطية الأولى.

و أمّا الأمر الثاني - و هو أنّه لو ردع الشارع لوصلنا الردع فدليله مقتضى الطبع و العادة. توضيح ذلك:

إنّ المفروض أنّ ردع الشارع يكون بملاك دفع الخطر المتشكل بسبب السيرة العقلائية على أغراضه، و من الواضح أنّه إذا استقرت سيرة العقلاء على شي‏ء و ارتكز في أذهانهم أمر سيطبّقونه على موارد الأحكام الشرعيّة و هو خطأ في نظر الشرع، فدفع هذا الخطر عن غرض المولى لا يتمّ ببيان واحد أو بيانين، بل لا بدّ من بيانات عديدة تستلزم عادة الوصول إلى غالب الناس على اختلاف مراتب الوصول فيصل البيان إلى بعض بنحو الجزم و إلى بعض آخر بنحو الاحتمال. و إذا تشكّل في أذهان جماعة احتمال كون ما استقرت سيرتهم عليه خلاف الشرع و تنبّهوا إلى ذلك ببركة تلك البيانات


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  127/ الجزء الثاني

 

فهذا يثير من جديد أسئلة عن هذا الحكم فتكثر البيانات مرة أخرى ببركة الأجوبة التي تصدر على تلك الأسئلة، و مع كثرة البيانات إلى هذا الحدّ يستبعد عدم وصولها إلينا، خاصة و إنّ الرّواة يهتمّون بضبط هذه البيانات لأهميّتها بحسب التاريخ لكونها ردعا عن سيرة عقلائية متمركزة و على خلاف طبع العقلاء، و أهميّتها بحسب الشرع، فالرواية التي ترد في بيان حكم واضح يمكن أن لا يتهم بنقلها باعتقاد عدم أهميّتها اعتمادا على وضوح الحكم، أو دلالة العمومات عليه، أو نحو ذلك، و هذا بخلاف الروايات الرادعة عن مثل هذه السيرة فاختفاء كل واحد من هذه البيانات علينا موهون في نفسه، و بضمّه إلى اختفاء بيان آخر يضعف الاحتمال نتيجة لضرب القيم الاحتمالية، و هكذا إلى أن يصبح احتمال اختفاء المجموع مما يطمأن بعدمه [1]. فعدم وصول تلك البيانات و لو بنحو الموجبة الجزئيّة دليل على عدم صدورها رأسا.

و أمّا الأمر الثالث - و هو عدم الوصول فليس المقصود بذلك نفى خصوص الوصول الحجّة بل نفي مطلق الوصول و لو بطريق ضعيف فلو وصل الردع ضمن روايات ضعيفة كفى في سقوط السيرة عن الحجّية فإنّ حساب الاحتمالات إنّما دلّ على أنّه يصلنا عادة من كل عشرين حديثا حديثان مثلا خصوصا عند توفّر دواعي الضبط. أمّا إنّ ما يصلنا سيكون رواته ثابتي الوثاقة لدينا فهذا مما لا يدلّ عليه حساب الاحتمالات فقد يكون ما وصلنا ضعيفا من حيث السند صدفة فيجب الرجوع عندئذ إلى دليل ثالث غير الحديث الواصل و غير السيرة.

و قد ظهر مما ذكرنا أنّ حجّية السيرة العقلائية مشروطة: أولا بأن تكون

 

_______________________

 [1] أو يقطع بعدمه على اعتبار أنّ احتمال تماثل الصدف أضعف من باقي أطراف العلم الإجمالي.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  128/ الجزء الثاني

 

السيرة جارية في الموارد الشرعية كي تشكّل خطرا على أغراض المولى.

و ثانيا بعدم وصول الردع و لو بروايات ضعيفة السند.

كما ظهر مما ذكرناه أنّ العبرة إنّما هي بالسيرة المعاصرة لزمان الشارع.

أمّا في سيرة المتشرعة فالأمر واضح لأنّنا استكشفنا الحكم الشرعي منها من باب استكشاف العلّة من المعلول. ببيان أنّ هذه السيرة إمّا نشأت من الغفلة، أو من السماع، و الأول باطل بحساب الاحتمالات، فيتعين الثاني.

و أمّا السيرة المتأخّرة عنهم عليهم السّلام فلا يمكن بشأن أصحابها السماع من الإمام عليه السّلام فهي إمّا أن تكون ناشئة من التسامح، أو من السماع من الفقهاء، أو غير ذلك دون السماع من المعصوم كما هو واضح.

و أمّا في السيرة العقلائية فوجود سيرة في زمن متأخر عن زمان الإمام لا يدلّ على موافقة الإمام لها بافتراض أنّه لو لم يرض بها لأصدر بيانات تصلح للردع عنها في الزمان المتأخر، و ذلك لأنّهم عليهم السّلام إنّما يتحفظون على الأحكام بالطريق الاعتيادي لا بإعمال الغيب.

ثمّ إنّ ما ذكرناه هو البيان الصحيح لإثبات حجّية السيرة العقلائية لا ما يستشمّ من كلام المحقّق الأصفهانيّ (رحمه اللَّه) من استكشاف موافقة الشارع باعتباره رئيس العقلاء و سيّدهم فهو أيضا داخل ضمن هذه السيرة بمقتضى كونه عاقلا.

فإنّ هذا يرد عليه: أولا - إنّ السيرة العقلائية كما مضى ليست دائما مبتنية على نكتة مدركة بالقريحة العامّة لهم، بل قد تكون مبتنية مثلا على غرض شخصي تطابقوا فيه صدفة، و عندئذ من المحتمل أن لا تكون حالة الشارع مطابقة في ذلك لحالتهم.

و ثانيا - إنّه حتى لو كانت سيرتهم قائمة على نكتة ثابتة عندهم بقريحتهم العامّة فليس من الواجب أن تكون تلك النكتة عقليّة بحتة دائما، بل قد تكون راجعة إلى باب الانفعالات و العواطف و نحو ذلك من الأمور الخارجة


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  129/ الجزء الثاني

 

عن دائرة العقل المؤثرة في سلوك العقلاء، و عندئذ كيف يكون مجرّد كون الشارع سيّد العقلاء و أعقلهم دليلا على موافقته لهم في ذلك؟.

و ثالثا - سلمنا أنّ النكتة دائما هي عقلية و لا ترجع إلى باب الإحساسات و العواطف و لكن من المحتمل خطأ العقلاء فيما أدركوه. فإنّ كون الشارع أعقل العقلاء يكون منشأ لاحتمال عدم الإمضاء لسيرتهم لأنّ الأعقل كثيرا ما يكتشف خطأ العاقل و يلتفت إلى ما يمنعه من قبول ما قبله العقلاء الاعتياديون، فمن المحتمل أنّ ما به امتياز عقل الشارع عن عقل غيره أوجب امتيازه عنهم في السلوك.

بقي الكلام في كيفية استنتاج النتيجة ممّا مضى شرحه من المرحلتين.

فنقول: أمّا سيرة المتشرعة فإن قامت على عدم الالتزام بشي‏ء ما دلّت على عدم وجوبه، و إن قامت على الالتزام به فتارة نعلم أنّ هذه السيرة تكون على أساس نكتة مرتكزة في أذهان المتشرعة من وجوب أو استحباب أو إباحة، و أخرى لا نعلم بذلك. ففي الفرض الأول تثبت صحّة تلك النكتة أيضا بنفس البيان الّذي تثبت به صحّة العمل فنقول:

لو لا أخذ تلك النكتة من الشارع لكان ارتكازها من باب الغفلة، و غفلة المجموع لا يمكن أن تفسر بعلّة عامّة مشتركة فهي مساوقة لاجتماع علل كثيرة للغفلة بلحاظ كثرة الأفراد الغافلين، و هذا مما يطمئن بحساب الاحتمالات، أو يقطع بخلافه، فيتعين تلقّيها من الشارع.

و في الفرض الثاني لا يدلّ نفس العمل الخارجي على أكثر من الجواز بالمعنى الأعم المقابل للحرمة، فإن فرض أنّ ذلك الفعل الّذي قامت عليه السيرة يمكن تفسير توافقهم عليه بنكتة طبيعية عامّة، لم تدلّ السيرة إلاّ على الجواز بالمعنى الأعم، و إلاّ دلّت على الاستحباب، لأنّ فرض توافقهم عليه من دون رجحان شرعي مساوق لفرض اجتماع علل كثيرة صدفة


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  130/ الجزء الثاني

 

بلحاظ الأشخاص الكثيرين أوجب توافقهم على ذلك. و هذا يطمأنّ أو يقطع بعدمه. و هذا بخلاف فرض الرجحان الشرعي. أمّا الوجوب فلا يثبت.

و أمّا سيرة العقلاء فلا شك في أنّه يستكشف من سكوت الإمام رضاه بالعمل بالمقدار الواقع في زمانه. أمّا إذا كانت هناك نكتة عامّة في أذهان العقلاء قامت على أساسها السيرة، و كان العمل الخارجي بالمقدار الثابت في ذاك الزمان من المحتمل صحّته بدون صحّة تلك النكتة فهل يمكن إثبات إمضاء النكتة، و بالتالي تصحيح تطبيقاتها الجديدة التي لم تكن تتحقّق في زمن الشارع أو لا؟. مثاله: أنّه قامت السيرة في زمان الشارع على تملّك المعدن بالحيازة، و المقدار الواقع من ذلك في ذلك الزمان هو الاستخراج المحدود وفق قدرات الآلات اليدويّة، و لكن هذه السيرة كانت مرتكزة على أساس اعتقاد عام و هو اعتقاد كون حيازة المعدن مملكة مطلقا فهل يمكن إثبات إمضاء هذه النكتة فتثبت بذلك ملكية الاستخراجات اللامحدودة في زماننا أو لا؟.

إن كان الدليل على إمضاء السيرة كون الشارع هو أحد العقلاء و سيّدهم ثبتت بذلك صحّة النكتة أيضا.

و إن كان الدليل على الإمضاء ما مضى من أنّ السيرة تؤدّي إلى نقض غرض المولى فكان على المعصوم الردع عنها، فتأثير السيرة إنّما كان بمقدار العمل الواقع وقتئذ، و لا يمكن إثبات إمضاء النكتة.

و هناك وجه آخر لإثبات إمضاء السيرة، و هو التمسّك بوجوب تعليم الأحكام و الحقائق الإسلامية على الرسول و الإمام. و هذا لا يفرق فيه بين المقدار الّذي كان السكوت عنه ناقضا للغرض و غيره. فبهذا الوجه لو تمّ يتمّ إثبات إمضاء النكتة بسعتها، إذ لو لم تصحّ لكان على الإمام عليه السّلام الردع عنها من باب وجوب إيصال الحقائق الإسلاميّة و أحكام الإسلام.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  131/ الجزء الثاني

 

و هذا الوجه صحيح في الجملة [1].

 

التحرّج عن الإفتاء وفق الصناعة

و أمّا البحث عن تلك الحالة النفسيّة، فقد ذكرنا في أول بحث السيرة أنّ هناك حالة نفسية عند كثير من الفقهاء تمنعهم عن إعمال مرّ الصناعة في مقام استنباط الحكم الشرعي في كثير من الموارد. و لعلّ هذه الحالة النفسيّة هي السبب للتفتيش عن أساليب استدلاليّة تلائم تلك الحالة النفسيّة، كدعوى حجّية الشهرة و الإجماع المنقول، و انجبار الخبر و وهنه بعمل الأصحاب و إعراضهم، بل قد جاء في كلمات الشيخ (رحمه اللَّه) ما هو أشد من ذلك حيث يقول في بعض الروايات الصحيحة: إنّه لا يمكن الأخذ بها لكونها على خلاف القواعد، و موجبة لتخصيصها فلا يؤخذ بها ما لم تعتضد بعمل المشهور. و لعل من القواعد التي اصطنعت على هذا الأساس هي مسألة السيرة و الارتكاز، و لذلك كلما بطلت تلك القوانين السابقة في أذهانهم توسعوا في هذا القانون كي يفي بتلك الحالة النفسيّة، و يقوم مقام تلك القوانين. ففي كل مورد منعتهم حالة التحرّج عن الإفتاء فيه بمرّ الصناعة، و لا يمكنهم التمسك بمثل الإجماعات المنقولة يتمسّكون بأذيال السيرة و الارتكاز.

و الكلام تارة يقع في أصل هذه الحالة التحرّجية، و أخرى في هذا

 

_______________________

 [1] إن كان المدرك للدلالة على الإمضاء هو العقل بلحاظ نقض الغرض و وجوب التبليغ، فلا يبعد التفصيل بين ما لو كان اقتضاء النكتة لسعة دائرة العمل في المستقبل مترقّبا وقتئذ، أو لا. فعل الأوّل كان السكوت دليلا على الإمضاء، بخلافه على الثاني. و إن كان المدرك للدلالة على الإمضاء هو العرف، بأن يقال: إنّ السكوت من قبل معصوم شأنه بيان الحقائق الإسلاميّة و أحكام الإسلام يدلّ عرفا على الإمضاء، فقد يقال: إنّ هذا يثبت إمضاء تمام النكتة.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  132/ الجزء الثاني

 

النزوع و الاتجاه نحو مناهج للاستدلال تناسب هذه الحالة فنتكلم في أمرين.

الأمر الأول: إنّ هذا التحرّج يصلح نشوؤه من أحد أمور ثلاثة:

الأول - الاطمئنان أو العلم الشخصي ببطلان هذا الحكم الّذي هو مقتضى الصناعة فلا محالة يتحرّج عن الإفتاء به. و بما أن هذه الحال و الاطمئنان لا يمكن نقلها تكوينا إلى الآخرين فيفتش عن دليل على طبق مذاقه كي يثبت به مطلوبه للآخرين، و يوجب لهم الاطمئنان بذلك.

الثاني - أن يرى الفقيه: أنّه و إن كان شاكّا في الحكم الفلاني لكن هذا الشك يكون على خلاف العادة و العرف لتوفّر مقتضيات الاطمئنان عنده فلا يمكنه ترتيب آثار الشك لنفسه بالرجوع إلى القواعد المؤمنة، و الأمارات و الأصول العقليّة و النقليّة، و لا يمكنه ترتيب آثار اليقين من الإفتاء بذلك الحكم.

أمّا ترتيب آثار الشكّ من الرجوع إلى القواعد المؤمنة، فقاعدة قبح العقاب بلا بيان إنّما يستقل بها العقل عند عدم تماميّة البيان بحسب مقتضى الطبع و العادة دون ما إذا كان البيان تامّا بحسب الطبع و العادة، و مع ذلك بقي الفقيه شاكّا في الحكم لوسوسة، أو نزوع خاص إلى التشكيك.

و أمّا القواعد النقليّة فلانصراف أدلّة أحكام الشكّ الواقعيّة و الظاهرية عن مثل هذا الشك. كما أنّ أدلّة أحكام القطع الموضوعي منصرفة عن قطع القطّاع.

و أمّا ترتيب آثار اليقين فانصراف عنوان الشكّ عن شكّه لا يوجب كونه متيقّنا بالإلزام حتى يمكنه ترتيب آثار الإلزام و الإفتاء بالإلزام.

و على أيّ حال فيقع هذا الفقيه في التحرّج في هذه الحالة عن الإفتاء بمرّ الصناعة من الرجوع عن الأدلّة العقليّة، و النقليّة المؤمنة.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  133/ الجزء الثاني

 

و كلا هذين الوجهين صحيح بعد فرض تماميّة الصغرى.

الثالث - أن يحصل للفقيه علم إجمالي ببطلان بعض الأحكام من عدّة أحكام. و حينئذ إن كانت القواعد تفي بإبطال قسم من تلك الأحكام بقدر المعلوم بالإجمال فلا أثر عندئذ لهذا العلم الإجمالي. و أمّا إن كانت تلك الأحكام كلّها مطابقة لمقتضى الصناعة فيقال مثلا: إنّ هذا القانون أو هذا الحديث يلزم من الأخذ به تأسيس فقه جديد، فعندئذ يجب إجراء قوانين باب العلم الإجمالي و التعارض.

فبالنسبة لنفس العلم الإجمالي نقول بوجوب الاحتياط إن كان متعلّقا بحكم إلزامي.

و بالنسبة للأدلّة الجارية في أطراف هذا العلم نقول: إنّها إن كانت أمارات سقطت بالتعارض. و إن كانت أصولا سقطت أيضا إن كانت كلّها نافية للتكليف، بخلاف ما لو وجدت فيها أصول مثبتة بمقدار المعلوم بالإجمال. و إن كان بعضها أمارة و بعضها أصلا، و كان علم إجماليّ على الخلاف في خصوص دائرة الأمارات بقيت الأصول سليمة عن المعارض فيؤخذ بها، إلاّ إذا كان هناك علم إجمالي أيضا في خصوص دائرة الأصول، و كانت الأصول نافية للتكليف. و إن لم يكن علم إجمالي على الخلاف في خصوص دائرة الأمارات فيؤخذ بالأمارات و هي تثبت بلازمها بطلان تلك الأصول أو بعضها. فإن كان لازمها بطلان أصل معيّن بالخصوص كما لو علم إجمالا بكذب هذه الأمارة أو ذاك الأصل بالخصوص، سقط ذاك الأصل عن الحجّية. و إن كان لازمها بطلان بعض تلك الأصول بنحو الإجمال فهذا يوجب تعارض الأصول في نفسها إن كانت نافية للتكليف، و إلاّ فيؤخذ بالأمارات و الأصول معا.

الأمر الثاني: إن هذا النزوع و الاتجاه نحو وجدان دليل وفق ما تقتضيه تلك الحالة النفسيّة لعلّه - و اللَّه العالم - من نتائج المنطق الأرسطي القائل


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  134/ الجزء الثاني

 

بأنّ الشي‏ء لا بدّ أن يكون ضروريا أو مكتسبا منتهيا إلى الضروري، فخلف هذا المنطق في الأذهان في مختلف العلوم - و منها علم الفقه - تخيّل أنّ الإنسان غير الساذج لا ينبغي له تسليم أيّ دعوى لا تكون ضروريّة و لا منتهية إلى الضروريات. و من هنا يحاول الفقيه أن يجد دليلا وفق مقصوده كي لا يكون مدّعيا لشي‏ء بلا دليل. و لكن الواقع أنّ العلم ليس دائما ناشئا من البرهان بل قد ينشأ عن علّة أثرت في النّفس تكوينا فأوجدت العلم بلا برهان. و العلم بنفسه أمر حادث قائم بممكن حادث تسيطر عليه قوانين العلّية و المعلوليّة، و مهما وجدت علّته يوجد العلم قهرا سواء علمت تلك العلّة أو لا، و ليس حصول العلم بحاجة إلى التفتيش عن علّته كي نجدها فيوجد العلم، و ليست نسبة العلم إلى علّته إلاّ كنسبة الحرارة إلى علّتها، فكما أنّ الحرارة توجد بوجود علّتها سواء فتشنا عن علّتها و وجدناها أو لا، كذلك الحال في العلم فلا موجب لهذا النزوع و الاتجاه. نعم لو أريد إعطاء صفة الحجّية المنطقية للعلم يجب التفتيش عن علّته، و ملاحظة مدى انطباقها على قوانين المنطق القديم [1]. هذا تمام الكلام في بحث السيرة و ما ألحقناه به.

 

_______________________

 [1] الظاهر أنّ هذا البيان صدر من أستاذنا (رحمه اللَّه) بعد استكشافه لمنطق حساب الاحتمالات و عدم برهانية كثير من العلوم الموضوعية للإنسان، و قبل انتهائه إلى تحقيقاته النهائيّة في منطق حساب الاحتمالات و ما أسماه أخيرا بالمنطق الذاتي، أمّا بعد ذلك فمن الواضح أنّ هذا البيان غير فصحيح. إنّ العلم موجود حادث و ممكن يتبع علّته لكن العلم في غير الضروريات إنّما يكون موضوعيا إذا انتهى إمّا إلى البرهان، أو إلى قوانين حساب الاحتمالات المنقّحة في بحث المنطق الذاتي، و إن لم ينته إلى هذا و لا ذاك، فهو علم غير موضوعي ناتج عن وهم، أو عن مقاييس لم يكن ينبغي للإنسان أن يحصل له العلم منها. و نفس التفتيش عن علّة هذا العلم قد يوضّح للإنسان أنّ علمه هل هو موضوعي أولا؟ فإن عرف أنّه غير موضوعي فقد تصبح نفس هذه المعرفة سببا لزوال ذاك العلم. و الإنسان الّذي يعلم بشي‏ء ميّال إلى معرفة سبب علمه، و مدى موضوعيته، و عن طريق معرفة السبب يستطيع أن ينقل علمه إلى الآخرين فليس من الصحيح القول بأنّه لا حاجة إلى التفتيش عن سبب العلم لأنّه إن حصلت علّته حصل و إلاّ فلا، كما لا يخفى.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  135/ الجزء الثاني

 

و الآن حان وقت الشروع في البحث عن حجّية الأمارات الشرعية التي يعتمد عليها في مقام استنباط الحكم الشرعي و هي عديدة:


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  137/ الجزء الثاني

 

الأمارات الظنّيّة

 

الظهور

 

1 - كبرى حجّية الظهور

2 - وسائل إثبات الظهور


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  139/ الجزء الثاني

 

الظهور الأمارة الأولى: الظهور. و الكلام فيها يقع تارة كبرويا في حجّية الظهور، و أخرى صغرويا في طريق إثبات الظهور فهنا مقامان:

المقام الأول - في البحث عن كبرى حجّية الظهور و يقع البحث فيها في جهات أربع:

الأولى - في البحث عن نفس حجّية و أنّ أي قسم من أقسام الحجّية هو الثابت للظهور؟ و الثانية - في البحث عن موضوع هذه الحجّية و هو الظهور، و أنّه ما معنى الظهور الّذي هو موضوع للحجيّة؟ و الثالثة - في البحث عن درجة أصالة الظهور و نسبتها إلى سائر الأصول اللفظيّة، كأصالة العموم، و أصالة عدم القرينة.

و الرابعة - في البحث عن تحديد هذه الحجّية سعة و ضيقا، و بيان التفصيلات فيها كالتفصيل بين من قصد إفهامه و من لم يقصد و غير ذلك، و بيان ما هو التحقيق فيها.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  141/ الجزء الثاني

 

 

كبرى حجّيّة الظهور

 

1 - إثبات أصل الحجيّة:

أما الجهة الأولى - فيقع البحث فيها في مرحلتين:

الأولى - في أنّه هل تكون للظهور حجّية ذاتيّة كالقطع أو لا؟.

و الثانية - في أنّه بناء على عدم الحجيّة الذاتيّة له هل دلّ دليل على الحجيّة التعبديّة له، أو هو باق على ما يقتضيه الأصل من عدم الحجيّة؟

 

الحجيّة الذاتيّة للظهور:

أمّا المرحلة الأولى: فقد عرفت في ما سبق أنّ معنى ثبوت الحجيّة الذاتيّة للقطع هو كون حقّ مولويّة المولى موجبا للعمل به، و أنّ من طبّق تمام أعماله نفيا و إثباتا وفق القطع بالحكم اللّزومي للمولى و القطع بعدمه كان مؤديا لحقّ المولى بحكم العقل العملي.

و يمكن دعوى مثل ذلك في باب الظهور بأن يقال: إنّ العقل العملي يحكم بأنّ العبد الّذي طبق تمام أعماله نفيا و إثباتا وفق الطريقة التي اتخذها المولى في مقام إيصال الحكم إلى العبد يعدّ عبدا مخلصا لمولاه و مؤديا حقه، و قوانين اللّغة طريقة اتخذها المولى في مقام إيصال أحكامه. نعم


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  142/ الجزء الثاني

 

هناك فرق بين القطع و الظهور، و هو أنّ حجيّة القطع غير قابلة للردع عنها لأنّ القاطع لا يحتمل خطأ قطعه فلا معنى لأن يقال للعبد القاطع بالإباحة مثلا: إنّي أوجبت عليك الاحتياط بالترك. و لكن حجّية الظهور قابلة للردع عنها فبإمكان المولى مثلا إيجاب الاحتياط عند دلالة الظهور على الإباحة لأنّ احتمال مخالفة الظهور للواقع وارد. فالحجيّة الذاتيّة للظهور تنتهي بوصول الردع عنه و تكون معلّقة على عدم وصول الردع.

و من هنا قد يقال بعدم الحجيّة الذاتيّة للظهور بالفعل لوصول الردع، إمّا بلسان دليل البراءة، أو الاحتياط عند عدم العلم، و إمّا بلسان الآيات الرادعة عن العمل بغير العلم. و الرجوع إلى البراءة إنّما هو في فرض انحلال العلم الإجمالي الكبير بالأحكام بعلم صغير، كأن يدّعى علم إجمالي بوجود تكاليف في الوسائل مثلا بمقدار ما يعلم إجمالا وجوده من الأحكام مطلقا فينحلّ العلم بالنظر إلى الأخبار الخارجة عن كتاب الوسائل.

و التحقيق: أنّه لا مجال لجعل ما ردع عن اتباع غير العلم ردعا عن حجيّة الظهور بنحو الحجيّة الذاتيّة، إذ معنى حجّية الظهور ذاتا هو أنّ نفس ظهور كلام المولى بما هو ظهور لكلامه موضوع لحقّ المولويّة، و المطلوب بالذات في دائرة العقل العملي هو العمل بظهور كلام المولى، و نحن قد علمنا بالظهور، فعملنا به يكون اتباعا للعلم لا للظنّ و الشكّ.

و أمّا الإشكال برادعية مثل البراءة فالذي يمكن جعله جوابا عنه أحد أمرين:

إمّا دعوى التوسعة في جانب المعلوم، و هي دعوى قريبة جدا بأن يقال:

إنّ المراد من »رفع ما لا يعلم« هو رفع ما لا يعلم من خطابات المولى، فإذا علمنا بخطاب المولى الظاهر في حكم إلزامي فقد حصلت الغاية فينقطع الأصل.

و إمّا دعوى التوسعة في جانب العلم بأن يقال: إنّ الغاية ليست هي


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  143/ الجزء الثاني

 

العلم بما هو علم بل هي العلم بما هو حجّة»« فيقوم مقامه كل حجّة دلّت على الحكم الإلزاميّ.

هذه غاية ما يمكن أن يقال في توجيه الحجّية الذاتيّة للظهور.

و هذه الحجيّة لا يمكن البرهنة عليها إذ مرجعها إلى دعوى أنّ حقّ المولويّة بنفسه يقتضي العمل بظواهر كلام المولى. و حقّ المولويّة و سعة دائرته و ضيقها من مدركات العقل العملي، و لا يمكن البرهنة على مدركات العقل العملي فتبقى عهدة دعوى الحجيّة الذاتيّة للظهور على مدّعيها.

 

الحجّية التعبّديّة للظهور:

و أمّا المرحلة الثانية: و هي أنّه بعد فرض عدم الحجيّة الذاتيّة للظهور هل يكون حجّة تعبّدا أو لا؟. فلا ينبغي الإشكال في حجيّة الظهور تعبّدا على تقدير عدم كونه حجّة ذاتا، على خلاف في أن حقيقة التصرّف الشرعي الّذي يمنح الحجيّة التعبديّة للشي‏ء هل هو عبارة عن جعل حكم حقيقة كما هو المشهور، أو عن الإخبار بشدّة الاهتمام بأغراضه بدرجة لا يرضى بفوتها من ناحية ترك العمل بالشي‏ء الفلاني الّذي جعله حجّة كما هو الحقّ. فعلى أيّ تقدير لا إشكال في أنّ الظهور إن لم يكن حجّة ذاتا فقد جعله الشارع حجّة

تعبّدا، و الدليل على الحجيّة التعبديّة للظهور تارة هو سيرة المتشرعة، و أخرى هو السيرة العقلائية:

 

الاستدلال بسيرة المتشرّعة:

أمّا سيرة المتشرعة: فهي أتقن دليل في المقام و أحسنه، و نقول في تقريبه:

انّه لو لم يكن الظهور حجّة عند أصحاب الأئمة عليهم السّلام لكان للظهور


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  144/ الجزء الثاني

 

بدليل يعملون به، كالاحتياط، أو الأخذ دائما بخلاف الظاهر، أو القرعة، أو غير ذلك، و لكان يصلنا هذا البديل و لو عن طريق الآحاد، فإنّه مهمّ في الغاية في تاريخ الفقه، و قد مضى تفصيل الكلام في هذا الأسلوب من إثبات السيرة المعاصرة لزمان المعصوم في بحث السيرة.

و تمسّك المتشرعة بظواهر كلمات الشارع هل هو سيرة لهم ناشئة في طول استفادة الحكم الشرعي كما يكون الأمر كذلك في غالب سير المتشرعة، أو أنه تطبيق للسيرة العقلائية مع الغفلة عن احتمال عدم الإمضاء؟. لا إشكال في أنّ عملهم ابتداء كان تطبيقا للسيرة العقلائية، و لكن من القريب جدا أن يكون عملهم في الزمان المتأخّر عن وعي و التفات و إثبات رضا الشارع بالاستيذان منه أو بعدم ردعه لعملهم في المرحلة الأولى مثلا، فإنّ المسائل الأصولية كانت منتشرة عندئذ و مبحوثة عند الناس و ملتفتا إليها عند الشيعة، فالظاهر أنّ الشيعة راجعوا الأئمة عليهم السلام في ذلك، أو على الأقل عملوا بالظواهر في طول عدم ردع الشارع عن السيرة قبل هذا فسيرتهم عقلائية ابتداء و متشرعية بقاء.

و هنا لا مجال للإشكال بأنّ هذه السيرة مردوعة من قبل الشارع بآيات النهي عن العمل بغير العلم، أو أدلّة البراءة، أو نحو ذلك لأنّنا نتكلم عن سيرة المتشرعة لا العقلائية و هي بنفسها في طول الحكم الشرعي، و نستكشف الحكم الشرعي منها من باب كشف المعلول عن علته، و نخصّص بذات الحكم أدلّة حرمة العمل بغير العلم، و أدلّة البراءة و نحوها بناء على شمولها لمحل الكلام [1].

 

_______________________

 [1] المقصود بتطبيق سيرة المتشرعة على المقام يمكن أن يكون أحد أمرين:

الأول: ما عرفته في المتن من دعوى سيرة المتشرعة بمعناها الخاصّ أعني السيرة النابعة و لو بقاء عن كونهم متشرعين.

و قد يؤيّد وجود سيرة للمتشرعة بالمعنى الخاصّ على العمل بالظهور في قبال سيرة العقلاء،


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  145/ الجزء الثاني

____________________

 ...- بوجود مورد افتراق لها عن سيرة العقلاء كما في مورد مخصّصية القياس و مقيّديّته للظهور بناء على عقلائية القياس في مقام العامّ و المطلق، فالعقلاء بما هم عقلاء قد لا يعملون بالظهور في مثل هذا المورد، و لكن المتشرعة العارفين بردع الشارع عن القياس يعملون بالظهور في ذلك.

إلاّ أن هذا التأييد في غير محلّه لأنّ العقلاء في مورد مخصّصية القياس بانون على الحجّية اللولائيّة للظهور أي أنّه لو لا حجيّة المخصّص فالظهور حجّة. فمن المحتمل أنّ المتشرعة حينما عرفوا تحقّق ما علّقت عليه الحجيّة العقلائية و هو عدم حجيّة المخصّص عملوا بالظهور بطبعهم العقلائي.

الثاني - دعوى سيرة المتشرعة بمعناها العام أي السيرة الملتزم بها عامّة المتشرعين، و لو فرض كونها نابعة عن كونهم عقلاء. و سيرة المتشرعة بهذا المعنى حتى إذا كانت حدوثا و بقاء نابعة من الطبع العقلائي فبقاؤها يكون في طول رضا الشارع، إذ لو لم يرض بها لهدمها، فلا مجال في المقام للإشكال باحتمال الردع بآيات النهي عن العمل بغير العلم، أو أدلّة البراءة مثلا، إذ لو كفى هذا لهدم السيرة لانهدمت و لما كانت ثابتة في زمان الأئمة عليهم السلام بينما المفروض خلافه، و لو لم يكف ذلك للهدم و لم يرض بها الأئمة عليهم السلام لهدموها ببيانات أخرى فاستمرارها معلول لرضا الشارع، و كاشف إنّي عن رأي الشريعة.

و قد اتّضح بما ذكرناه أنّ السيرة تارة هي عقلائية، و أخرى متشرعية بالمعنى الخاصّ و هي التي التزموا بها بما هم متشرعة، و ثالثة متشرعية بالمعنى العام و هي التي التزم بها المتشرعة إن كان التزامهم بها مأخوذا من العقلاء. و الاستدلال بالسيرة العقلائية يتوقّف على مقدّمتين:

1 - إنّ الشارع لو لم يرض بها لردع عنها.

2 - إنّه لو ردع عنها لوصل الردع إلينا.

و الاستدلال بسيرة المتشرعة بالمعنى الخاصّ ليس بحاجة إلى شي‏ء من هاتين المقدّمتين لأنّها مأخوذة من الشارع.

و الاستدلال بسيرة المتشرعة بالمعنى الخاصّ ليس بحاجة إلى شي‏ء من هاتين المقدّمتين لأنّها مأخوذة من الشارع.

و الاستدلال بسيرة المتشرعة بالمعنى العام يتوقّف على المقدّمة الأولى لأنّها مأخوذة من العقلاء لا من الشارع. و لا يتوقّف على المقدّمة الثانية لأنّ نفس استقرارها يدلّ على عدم الردع إذ لو ردع الشارع عن ذلك لانهدمت سيرة المتشرعة، و كلا القسمين مشتركان في أنّه لو كان على خلاف السيرة إطلاق أو عموم أو ظهور كانت السيرة مقيّدة للإطلاق و مخصّصة للعموم و موجبة لتوجيه الظهور و تأويله، و ليس الإطلاق أو العموم أو الظهور رادعا عنها. أمّا الأول فواضح. و أمّا الثاني فلأنّ المفروض أن يصل من الشارع ردع يهدم سيرة المتشرعة، و يمنع عن وجودها بينما المفروض ثبوتها و استقرارها.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  146/ الجزء الثاني

 

الاستدلال بالسيرة العقلائيّة:

و أمّا السيرة العقلائية: فالذي ادعاه الأصحاب - قدّس سرّهم - في المقام هو أنّ العقلاء قد قامت سيرتهم على الحجّية التعبّديّة للظهور و أنّ الشارع قد أمضى ذلك.

و نحن نتكلم تارة في الجملة الأولى من كلامهم، و أخرى في الجملة الثانية منه:

أمّا الجملة الأولى - و هي قولهم: إنّ سيرة العقلاء قامت على الحجيّة التعبّديّة للظهور. فالمراد من ذلك أحد أمرين:

الأول - ما لعلّه الظاهر من كثير من كلماتهم و هو أنّ العقلاء يعملون دائما في أمورهم المعاشيّة و مقاصدهم و أغراضهم التكوينية على طبق الظهور. فترى أنّ من يسأل الطبيب عن دوائه و يفتيه بشي‏ء مّا لا يعتني باحتمال إرادة الطبيب خلاف الظاهر، و لا يقتصر على النص الصريح من الطبيب المصون عن احتمال الخلاف، بل يعمل بظواهر كلامه. و كذلك من يراجع المهندس، أو الصديق، أو من هو طرف له في معاملة مّا، أو أيّ شخص آخر في أيّ حاجة من حاجاته يبني على ظاهر الكلام. و على هذا قام أساس معاش الناس و أغراضهم.

و لكن هذا الوجه في غاية الضعف إذ أنّ هذا العمل غير مرتبط بجعل الحجيّة أصلا، و ليس العاقل يجعل حجّية لظاهر كلام الطبيب، أو المهندس، أو غيرهما حتى يعمل به، و انّما يعمل بالظواهر باعتبار مقدار أهميّة أغراضه و درجة محرّكيّتها له. فإذا كان غرضه في غاية الأهميّة بحيث يحرّكه نحو سدّ باب الاحتمال الضعيف للفوت عمل بالاحتياط، و إذا كان بمستوى لا يحرّكه إلى أكثر من العمل بالظاهر، و لا يجد به نحو مراعاة احتمال خلاف الظاهر عمل بالظاهر بلا حاجة إلى جعل حجيّة له. و إنّما


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  147/ الجزء الثاني

 

الجعل لغو و فضول من الكلام [1].

الثاني - إنّ كل عاقل من العقلاء لو سألته عن حال عبد طبّق تمام أعماله على طبق ظواهر كلام مولاه لأجاب بأنّه نعم العبد، و أنّه مخلص لمولاه، و ليس مقصّرا بشأن مولاه.

و هذا الوجه إن قصد به أنّ كل عاقل يمدح هذا العبد و يحكم بعدم تقصيره بغض النّظر عن أنّه هل جعل مولاه حجيّة للظهور في حقّه أو لا.

فهذا في الحقيقة يرجع:

إمّا إلى حكم العقلاء بالحجيّة الذاتيّة للظهور، و هذا خلاف فرضهم فالمدّعى لهم قيام السيرة العقلائية على الحجيّة التعبّديّة للظهور، و لهذا يبحثون عن أنّ العقلاء هل جعلوا للظهور الطريقيّة، أو التنزيل، أو غير ذلك.

أو إلى أنّ كل عاقل بنفسه يجعل ظهور كلام أيّ مولى من الموالي حجّة على عبده فيمدح ذاك العبد بعمله بظاهر كلام مولاه و يثني عليه. و هذا كما ترى فضول من الكلام، فإنّ جعل الحجيّة على العبد و عدمه إنّما هو من وظيفة مولى ذاك العبد، فإن شاء جعله حجّة له، و إن لم يشأ لم يجعله حجّة له، و لا أثر لجعل شخص آخر ظاهر كلام مولى حجّة على عبده، و هو لغو صرف.

و إن قصد به أنّ كل عاقل من العقلاء لو تقمّص قميص المولويّة لجعل ظاهر كلامه حجّة لعبده. فهذا كلام صحيح لا إشكال فيه [2].

 

_______________________

 [1] نعم يمكن تتميم هذا الوجه بإضافة نكتة سيأتي بيانها من قبل أستاذنا الشهيد (رحمه اللَّه) بعد شرح كيفيّة إثبات إمضاء الشارع للسيرة العقلائية في المقام.

[2] و هنا معنى آخر يمكن أن يقصد في المقام و هو أنّ العقلاء حينما يجعلون مولوية عقلائية لأحد على أحد يجعلون مولويّته في دائرة ظواهر كلامه، و لا يعطونه مولويّة أوسع بحيث تقتضي احتياط العبد حتى بلحاظ الاحتمالات المخالفة للظهور. و هذا المعنى أيضا صحيح لا إشكال فيه.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  148/ الجزء الثاني

 

و أمّا الجملة الثانية - و هي قولهم: إنّ الشارع قد أمضى هذه السيرة العقلائية. فلإثبات هذا الإمضاء طريقان:

الأول - إثبات ذلك من باب قياس المساواة، أو الأولويّة باعتبار أنّ الشارع أحد العقلاء بل سيّدهم فلا محالة يسلك سلوك العقلاء.

و قد مضى إبطال هذا الوجه في بحث السيرة. و نقول في المقام: إنّ هذا الوجه لو تمّ في نفسه في محلّه لا يمكن تطبيقه على ما نحن فيه، لأنّ بناء الشارع على التقطيع في مقام البيان، و الاعتماد دائما على القرائن المنفصلة، و المخصّصات و المقيّدات المستقلة. بينما بالنسبة لسائر العقلاء يكون التقطيع حالة استثنائية، و نحن لم نر عاقلا غير الشارع كان بناؤه على التقطيع كي نرى أنّه هل جعل الظهور حجّة فيقاس الشارع به أو لا؟.

الثاني - إنّ بنائهم على الحجيّة في ما بينهم و جريهم عليها، و اعتمادهم دائما على الظهور يوجب تكوّن عادة و قريحة في نفوسهم بحيث يمشون عليها في الشرعيات أيضا، فلو لم يكن ذلك ممضى عند الشارع لكان يردع عنه لأنّ ذلك يشكّل خطرا على أغراض المولى و لو على مستوى مشي كثير من المتشرعة لا تمامهم وفق هذه السيرة.

و لا يقال: إنّ الردع قد حصل بأدلّة البراءة.

لأنّا نقول بالتوسعة في متعلّق العلم الّذي أخذ غاية للأصل، و أنّ المقصود به هو خطابات المولى [1].

و لا يقال أيضا بالردع بالآيات الناهية عن العمل بغير العلم. فإنّك قد عرفت أنّ الردع يكون لأجل دفع الخطر عن أغراض المولى. إذن: فكلّما كانت السيرة أقوى و أشدّ يجب أن يكون الردع أقوى و أصرح كي يقابل تلك السيرة، و يؤثر في التفات الناس و ارتداعهم. و هذه السيرة العظيمة

 

_______________________

 [1] و إن لم نقل بذلك فحال أدلّة البراءة حال الآيات الناهية عن العمل بغير علم.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  149/ الجزء الثاني

 

المستحكمة للعقلاء على العلم بالظهور لا يمكن ارتداعهم عنها، و التفاتهم بحسب الغالب إلى عدم رضا الشارع بها في الشرعيّات بهذه الإطلاقات التي لا يلتفت أحد إلى الردع بها إلاّ أفراد نادرون.

هذا. و إشكال الردع عن السيرة بمثل هذه الإطلاقات مشترك بين ما نحن فيه، و مسألة إثبات حجيّة خبر الواحد بالسيرة. و توجد أجوبة أخرى مشتركة بين البابين كهذا الجواب، و سيأتي ذكرها، و تحقيقها صحة و بطلانا في بحث خبر الواحد - إن شاء الله تعالى -.

و هنا جواب آخر عن هذا الإشكال يختص بما نحن فيه و هو أنّ هذه الإطلاقات بنفسها ظهورات فكيف تردع عن حجيّة الظهور؟. بينما في بحث خبر الواحد يجعل ظهور قوله: (لا تقف ما ليس لك به علم) الّذي ليس خبرا واحدا رادعا عن العمل بخبر الواحد. فلا يأتي فيه هذا الجواب.

و يمكن إبطال هذا الجواب في المقام بأنّ هذا المحذور العقلي و هو عدم إمكانيّة الردع عن الظهور بالظهور لعدم إمكانيّة ردع الشي‏ء بنفسه إنّما يثبت في ردع هذه الإطلاقات عن نفسها، فنفهم بقرينة هذا المحذور العقلي أنّها لا تردع عن نفسها، و أمّا ردعها عن باقي الظهورات فلا محذور فيه فنأخذ بذلك.

نعم يمكن أن يدّعى القطع بعدم الفرق بين هذا الظهور و باقي الظهورات. فإمّا أنّها حجّة جميعا، أو أنّ شيئا منها ليس بحجّة. فحجيّة هذه الإطلاقات بالنسبة لباقي الظهورات تستلزم ما هو غير معقول من حجيّتها بالنسبة لنفسها فتسقط عن الحجّية رأسا.

ثم إنّ الطريق الّذي ذكرناه في مقام إثبات الإمضاء و هو أنّه لو لا الإمضاء للزم الردع دفعا لتشكّل الخطر على أغراض المولى الناشئ من اعتياد الناس و حصول قريحة يمشون عليها تترتّب عليه فائدة و هي أنّنا لا نحتاج في مقام إثبات الحجّيّة إلى استقرار العقلاء على الحجيّة بل يكفى


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  150/ الجزء الثاني

 

استقرار بنائهم على العمل بالظهور في أغراضهم التكوينيّة و مصالحهم و مفاسدهم، فإنّ هذا أيضا يوجب الاعتياد و التطبّع بذلك.

إذن: لا نحتاج إلى التدقيق في تحقّق بناء العقلاء على حجّية الظهور أو نحو ذلك، كخبر الواحد، و فتوى أهل الخبرة، كي يستشكل بأنّ عملهم بذلك ليس من باب الحجّية عندهم بل لأمور مختلفة يوجد واحد منها في غالب الموارد من الاطمئنان، أو الاحتياط، أو الغفلة، أو تقديم الأهم عند التزاحم. فإنّه يكفينا ما هو ثابت بالحسّ و الوجدان من عمل العقلاء بذلك، و لا شغل لنا بأنّه من أيّ باب؟ فإنّه على أيّ حال يوجب العادة و التطبّع على العمل بالظهور [1] و المشي على ذلك في الشرعيات، فلو لم يرض الشارع بذلك لشكّل ذلك خطرا على أغراضه فعليه الردع. كما أنّه لا نحتاج

 

_______________________

 [1] كان يرى - رضوان اللَّه عليه - أنّ تكوّن العادة و القريحة الموجبة للعمل بخبر الواحد مثلا له تقريبان:

الأوّل - إنّه يتمركز في الذهن من كثرة جريان عمل العقلاء جيلا بعد جيل على طبق خبر الواحد أنّ هذا فعل حسن و أدب عام، و أنّ مخالفة خبر الثّقة عمل غير عقلائي فلا ينبغي صدورها من العاقل فيعملون بخبر الواحد في الشرعيات.

الثاني - إنّ نفس جريان العمل جيلا بعد جيل على ذلك يوجب الاعتياد على ذلك بغض النّظر عن تمركز العنوان المذكور في التقريب الأول في الذهن.

و كان يرى (رحمه اللَّه) أنّه على كلا التقريبين يشترط في حصول العادة بالشكل الّذي يؤدي إلى التوسعة و التعدّي إلى موارد الشرعيّات التي لم تكن نكتة ذاك الجري تقتضي التعدّي إليها أن لا تكون نكتة العمل و الأدب و الحسن واضحا، و ملتفتا إليه عند العقلاء، و إنّما تكون هي المحرّكة لهم لا شعوريا و الثابتة في أذهانهم من وراء الستار، و بشكل غير ملتفت إليه تفصيلا، و عندئذ تحصل العادة و التوسعة و التجاوز إلى الموارد التي لا توجد فيها تلك النكتة. و لا يقال: إنّ نكتة العمل بخبر الواحد و هي عدم كون الغرض بمقدار من الأهميّة يحرّك أكثر من ذلك تكون ملتفتا إليها في كثير من الموارد و هي الموارد التي يكون الغرض فيها تافها جدّاً. فإنّه يقال: إنّ المقصود بعدم الالتفات إلى النكتة تفصيلا هو عدم الالتفات إلى جامع النكتة و حدودها لا عدم الالتفات حتى إلى قدر متيقن في دائرة تلك النكتة.


    التالي