الفهرس

   
         
   
  • نداءاته الثلاثة إلى الشعب العراقي

  • مباحث الأصول – بحث القطع – المقدمة

  • حجية القطع

  • التجري

  • تنبيهات

  • أقسام القطع

  • تنبيهات

  • الموافقة الإلتزامية

  • الدليل العقلي

  • القضايا المكتسبة

  • العلم الإجمالي

  • تنبيهات

 


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 13/ الجزء الأول

 

بسم اللّه الرحمن الرحيم

 الحمد للّه ربّ العالمين. و صلّى اللّه على محمّد و آله الطيّبين الطاهرين.

وَ لا تَحْسَبَنَّ الّذينَ قُتِلُوا في سَبيلِ اللَّهِ أَمواتاً بَل أَحياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ صدق اللّه العلي العظيم.

أرى لزاما عليّ في مقدّمة هذا الكتاب الذي هو تقرير لبحث الأصول لأستاذنا الشهيد آية اللّه العظمى السيد محمّد باقر الصدر - رضوان اللّه عليه - أن أكتب ترجمة متواضعة عن حياة هذا الشهيد العظيم الذي أنار درب العلم للعلماء، و درب الشهادة للشهداء، و شق السبيل أمام العالمين للإسلام. فبأبي هو و أمّي و نفسي من قائد فذّ لا يجارى، و مرجع كبير لا يضاهي، و سلام عليه يوم ولد و يوم استشهد و يوم يبعث حيا.

أفتتح ترجمتي لحياة أستاذي الشهيد - رحمه اللّه - بحديث مختصر عن أسرته الكريمة استللت عمدة ما فيه من رسالة بعثها لي المرحوم العلاّمة المجاهد السيّد عبد الغني الأردبيلي - قدّس سرّه - و كانت هذه الرسالة مشتملة على ترجمة حياة الأستاذ و أسرته كتبها في النجف الأشرف بقرب المترجم له. و هو تلميذ من تلامذة هذا الأستاذ قد توفي قبل استشهاد أستاذنا و ذلك بتاريخ 28 - رجب - 1397 ه. و قد رثاه أستاذنا في ضمن ما رثاه بقوله:

»إذا كان القدر الذي لا رادّ له قد أطفأ في لحظة أملي في أن أمتد بعد وفاتي و أعيش في قلوب بارة كقلبه، و في حياة نابضة بالخير كحياته، فإنّي أتوسّل


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 14/ الجزء الأول

 

إليك يا ربّي بعد حمدك في كلّ يسر و عسر أن تتلقّاه بعظيم لطفك، و تحشره مع الصدّيقين من عبادك الصالحين و حسن أولئك رفيقا، و أن لا تحرمه من قربي و لا تحرمني من رؤيته بعد وفاته و وفاتي بعد أن حرمت من ذلك في حياته و أرجو أن لا يكون انتظاري طويلا للاجتماع به في مستقر رحمتك« [1].

سبحانك يا ربّ ما أسرعك في استجابة هذا الدعاء النابع من قلب مفجوع بوفاة تلميذه العزيز عليه فألحقته به في مستقرّ رحمتك، و فجع بذلك المسلمون جميعا على الخصوص العارفون بالله العاملون في سبيل اللّه. و هم لا يملكون شيئا إزاء هذه الفاجعة المؤلمة عدا أن يقولوا: »اللّهمّ تقبل منّا هذا القربان«.

 

____________________________

 

[1] دروس في علم الأصول - الحلقة الأولى ص 6.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 15/ الجزء الأول

 

الأسرة الكريمة العريقة

أسرة الشهيد الصدر معروفون بالفضل، و التقى، و العلم، و العمل، و مكارم الأخلاق. و قد كانوا مشعلا للهداية و النور، و مركزا للزعامة و المرجعيّة الدينية، و مدارا للإفادة و الإفاضة في مختلف الأجيال. و قد انحدروا من شجرة الرسالة و السلالة العلوية من أهل بيت أراد اللّه ليذهب عنهم الرجس و يطهرهم تطهيرا. و هذه الأسرة العريقة قد اتخذت ألقابا مختلفة باختلاف العصور طيلة ما يزيد على قرنين فكانوا يلقّبون:

تارة بآل أبي سبحة.

و أخرى بآل أبي حسين القطعي.

و ثالثة بآل عبد اللّه.

و رابعة بآل أبي الحسن.

و خامسة بآل شرف الدين.

و أخيرا بآل الصدر.

و ها نحن نشير إلى عدد من الفحول العظام من سلالة هذه الشجرة الطيّبة التي أنجبت أخيرا قائدا فذّا و مرجعا عبقريّا لم ترعين الزمان مثله. ألا و هو شهيدنا الغالي السيّد محمد باقر الصدر رضوان اللّه تعالى عليه:


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 16/ الجزء الأول

 

1 - السيد صدر الدين:

السيد صدر الدين محمّد بن السيّد صالح بن السيّد محمّد بن السيّد إبراهيم شرف الدين بن زين العابدين بن السيّد نور الدين الموسويّ العاملي.

هو فخر من مفاخر الشيعة، و عالم فذ من كبار علماء المسلمين، و من نوابغ العلم و الأدب قلّ من يضاهيه في الفضيلة و التقوى.

ولد في قرية (معركة) من قرى جبل عامل. و نشأ و نما علميّا في النجف الأشرف، ثم هاجر إلى الكاظميّة، و منها إلى أصفهان، ثم عاد إلى النجف الأشرف، و توفي و دفن في النجف الأشرف.

والده (السيّد صالح) من أكابر العلماء، كان مرجعا للتقليد، و زعيم الطائفة الإماميّة في بلاد الشام، هاجر من جبل عامل إلى النجف الأشرف فرار من الحاكم الظالم في جبل عامل وقتئذ (أحمد الجزار)، و توفي في سنة (1217) هجرية.

 

والدته:

بنت الشيخ علي بن الشيخ محيي الدين من أسباط الشهيد الثاني.

ولد السيّد صدر الدين في 21 من ذي القعدة من سنة (1193 ه) في جبل عامل. و هاجر في سنة (1197 ه) مع والده إلى العراق، و سكن النجف الأشرف، و اهتم بتحصيل العلوم الإسلاميّة و المعارف الإلهيّة في صغر سنّة، حتّى أنه كتب تعليقة على كتاب قطر الندى و هو ابن سبع سنين. و قد قال هو إني حضرت بحث الأستاذ الوحيد البهبهاني في سنة (1205 ه) و كنت أبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة، و كان الأستاذ معتقدا بحجّية مطلق الظنّ و مصرّا على ذلك. و حضرت في نفس السنة بحث العلاّمة الطباطبائي السيّد بحرا العلوم.

و قد قالوا إن السيّد بحر العلوم كان ينظم آنئذ ما أسماه بالدّرة، و كان يعرضها على السيّد صدر الدين لما لاحظ فيه من كماله في فنّ الشعر و الأدب.

و قد ذكر السيد حسن الصدر في تكملة أمل الآمل: إن الشيخ جابر الشاعر الكاظمي - مخمّس القصيدة الهائية الأزريّة - قال: ان السيّد الرضي أشعر شعراء قريش و السيّد صدر الدين أشعر من السيّد الرضيّ.

بلغ السيّد صدر الدين مرتبة الاجتهاد قبل بلوغه سن التكليف. و قد أجازه


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 17/ الجزء الأول

 

بالاجتهاد صاحب الرياض (رحمه اللّه) في سنة (1210 ه) و صرّح بأنّه كان مجتهدا قبل أربع سنين. و هذا يعني أنه قد بلغ الاجتهاد في السنة الثالثة عشرة من عمره الشريف. و هذا ما لم يسمع نظيره إلاّ بشأن العلامة الحلي و الفاضل الهندي، على أنه كان يفوقهما في فنّ الشعر و الأدب.

و قد ذكر السيّد حسن الصدر في تكملة أمل الآمل: إن الشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر و الشيخ حسن بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء - و هما من أكابر أساتذة النجف الأشرف - كانا يدينان بالفضل للسيّد صدر الدين عند رجوعه من أصفهان إلى النجف الأشرف، و كانا يجلسان لديه جلسة التلميذ لدى أستاذه.

دخل يوما السيّد صدر الدين على المحقّق صاحب الجواهر (رحمه اللّه) فأقبل صاحب الجواهر إليه آخذا بعضده و أجلسه محلّه و جلس أمامه و تذاكرا في العلم و الفقه، و انجرّ الكلام إلى اختلاف الفقهاء في مسألة ما، فبيّن السيد ببيان فائق اختلاف الآراء الفقهيّة في تلك المسألة مع اختلاف طبقاتهم من العصر الأوّل إلى زمانه، و فرّع الخلاف في ذلك على اختلافهم في المباني و المسالك، و شرح تلك المباني و الفروق فيما بينهما. فتعجّب الشيخ صاحب الجواهر من تبحّر السيد، و قال بعد ذهاب السيد: (يا سبحان اللّه السيّد جالس جميع العلماء و بحث معهم و وقف على أذواقهم و مسالكهم. هذا و اللّه العجب العجاب، و نحن نعدّ أنفسنا من الفقهاء. هذا الفقيه المتبحر).

و قد روى في تكملة أمل الآمل عن الشيخ الجليل عبد العلي النجفي الأصفهاني: أنّه دخل السيّد صدر الدين في ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك حرم الإمام أمير المؤمنين (ع)، و بعد أن أنهى زيارته للإمام جلس خلف الضريح المقدّس لكي يقرأ دعاء أبي حمزة، و حينما قرأ الجملة الأولى: »إلهي لا تؤدبني بعقوبتك« أخذه البكاء و كرّر الجملة مرارا و هو يبكي إلى أن غشي عليه فحملوه من الحرم الشريف إلى بيته.

و كانت للسيد (رحمه اللّه) كلمات و مقاطع خاصّة لدى مناجاته للّه تعالى منها قوله:


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 18/ الجزء الأول

 

»رضاك رضاك لا جنات عدن× و هل عدن تطيب بلا رضاكا« تزوّج السيّد صدر الدين - رحمه اللّه - ببنت الشيخ الأكبر صاحب كشف الغطاء، و ولدا ابنا اسمه السيد محمد علي المعروف ب (آقا مجتهد) و كان من أكابر عصره و نوادره.

و قد ابتلي السيّد (رحمه اللّه) في أواخر حياته في أصفهان باسترخاء في بدنه شبه الفالج. و رأى ذات يوم في عالم الرؤيا الإمام أمير المؤمنين (ع) قال له:

أنت ضيفنا في النجف الأشرف. و عرف من هذه الرؤيا أنّ وفاته قد اقتربت، فهاجر إلى النجف الأشرف، و توفي في ليلة الجمعة أوّل شهر صفر من سنة (1264) ه و دفن في حجرة في الزاوية الغربيّة من الصحن الشريف قريبا من الباب السلطاني (رضوان اللّه عليه).

مؤلفات السيد صدر الدين:

1 - أسرة العترة، كتاب فقهي استدلالي.

2 - القسطاس المستقيم، في أصول الفقه.

3 - المستطرفات في فروع لم يتعرض لها الفقهاء.

4 - شرح منظومة الرضاع، و هي ما نظم بها هو (رحمه اللّه) كتاب الرضاع بأسلوب رائع، ثمّ شرحها. كما شرحها أيضا آية اللّه الميرزا محمد تقي الشيرازي (رحمه اللّه).

5 - التعليقة على رجال أبي علي.

6 - قرّة العين، كتاب في علم العربيّة كتبه لبعض أولاده، و قد ذكر تلميذه في أوّل معدن الفوائد: إنّ كتاب قرّة العين على صغره تفوق المغني لابن هشام على طوله.

7 - شرح مقبولة عمر بن حنظلة.

8 - رسالة في حجيّة الظنّ.

9 - رسالة في مسائل ذي الرئاستين.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 19/ الجزء الأول

 

10 - (قوت لا يموت) رسالة عمليّة باللغة الفارسيّة.

مشايخه:

روى السيد صدر الدين (رحمه اللّه) عن أكثر من أربعين عالما نشير إلى بعضهم:

1 - روى عن والده و أستاذه السيّد صالح عن جده السيّد محمّد عن أستاذه الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي. بجميع طرقه المذكورة في آخر الوسائل.

و أيضا روى عن والده عن الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق عن المولى محمّد رفيع عن العلاّمة المجلسي رحمه اللّه.

2 - روى عن العلاّمة الطباطبائي بحر العلوم المتوفّى سنة (1212 ه) و كان يعبّر عنه بالأستاذ الشريف.

3 - روى عن العلاّمة المير علي صاحب الرياض المتوفى سنة (1231 ه).

و كان السيّد معجبا بصاحب الرياض و كان يعتقد أنه يفوق المحقّق القمّي صاحب القوانين (قدس سرّه) في الفقه و قوّة النظر.

4 - روى عن المحقّق السيّد محسن الأعرجي صاحب المحصول (رحمه اللّه) و كان السيّد (رحمه اللّه) معجبا بزهده و تحقيقاته توفي في سنة (1228 ه).

5 - روى عن شيخ الطائفة الشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفّى سنة (1228 ه).

6 - روى عن السيد الجليل المتبحّر الميرزا مهدي الشهرستاني الموسوي الحائري المتوفى سنة (1218 ه).

7 - روى عن الشيخ الجليل الفقيه الشيخ سليمان معتوق العاملي المتوفى سنة (1228) ه.

 

طلاّبه:

قد ربّى السيّد صدر الدين (رحمه اللّه) علماء تخرجوا على يده منهم:

1 - السيّد ميرزا محمّد هاشم، صاحب كتاب أصول آل الرسول.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 20/ الجزء الأول

 

2 - السيّد محمد باقر الموسوي، صاحب كتاب روضات الجنات.

3 - شيخ الفقهاء و المجتهدين الشيخ مرتضى الأنصاري (رحمه الله) صاحب كتاب المكاسب و الرسائل.

4 - حجّة الإسلام السيّد محمّد حسن المجدّد الشيرازي (قدّس سرّه).

5 - الشيخ شريف العلماء.

2 - السيد إسماعيل الصدر

رئيس الأمّة، و زعيم الملّة، مربّي الفقهاء، و صدر العلماء، أستاذ المجتهدين و المحقّقين، نائب الإمام، سيّد الأنام، حامي الشريعة، و فخر الشيعة، حسنة دهره، و جوهرة عصره، الإمام الزاهد، الورع التقيّ، آية اللَّه العظمى و الحجّة الكبرى (السيّد إسماعيل الصدر) الأصفهاني (قدس سرّه).

سيد جليل، و عالم كامل، و خبير ماهر، فقيه أصوليّ، محقّق عبقريّ، واحد زمانه في الزهد، و نادرة دهره في التقوى. كان أحد مراجع الشيعة في التقليد.

ولد في أصفهان في سنة (1258 ه).

والده السيد صدر الدين العاملي الأصفهاني الذي مضت ترجمته.

حينما توفي والده في سنة (1264 ه) تربى في كنف أخيه السيد محمد علي المعروف ب (آقا مجتهد) و كان متمتّعا بالذكاء الخارق حتى عدّ في أوائل بلوغه سنّ التكليف من الفضلاء و العلماء.

هاجر في سنة (1280 ه) من أصفهان إلى النجف الأشرف لغرض التتلمذ على يد الشيخ الأنصاري (رحمه اللَّه). و لكن حينما وصل إلى كربلاء توفّي الشيخ (قدّس سرّه) فلم ينثن السيّد (رحمه اللَّه) عن عزمه للهجرة إلى النجف الأشرف. فسافر إلى النجف فتتلمذ على يد الفقهاء و العلماء آنئذ، كما و اشتغل بالتدريس و تربية الطلاب أيضا.

اكتسب السيّد (رحمه اللَّه) في فترة بقائه في النجف الأشرف إضافة إلى الفقه و الأصول و الحديث معلومات أخرى عقليّة، كعلم الكلام و الفلسفة، و الرياضيات كالهندسة و الهيئة و النجوم على النسق القديم، مع الاطلاع على


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 21/ الجزء الأول

 

آراء جديدة. و لم نعرف أنّه من أين أخذ هذه العلوم، و على من تتلمذ فيها، و لم يكن يعرف أنّه مطلع على هذه العلوم إلاّ حينما كان يتعرّض لها بالمناسبة ضمن أبحاثه الأصوليّة و الفقهيّة.

و أخيرا أصبح من خواصّ تلاميذ و أصحاب المجدّد الشيرازي (قدّس سرّه).

ثم هاجر أستاذه المجدّد الشيرازيّ إلى سامراء و بقي السيّد الصدر يمارس نشاطه العلمي في النجف الأشرف.

ثم سافر في النصف من شعبان من سنة (1309 ه) إلى كربلاء لزيارة الحسين (ع)، و وصلته رسالة في كربلاء من أستاذه الشيرازي يطالبه فيها بالسفر الى سامراء بلا توان أو تأخر، فاستجاب إلى دعوة أستاذه، و ذهب إلى سامراء و كان عازما على الرجوع إلى دار هجرته النجف الأشرف. لكنه حينما وصل إلى سامراء ألزمه أستاذه على الإقامة فيها، و كان السبب في ذلك أنّ السيد المجدّد الشيرازي كان قد ترك التدريس من سنة (1300) تقريبا لكثرة الاشتغال و المراجعين و ضعف المزاج، فأحلّ السيّد الصدر في سنة (1309) محلّه في التدريس، فأصبح محورا للتدريس في الحوزة في سامراء، و كانت محاور التدريس آنئذ في حوزة سامراء ثلاثة:

1 - السيد إسماعيل الصدر الأصفهاني.

2 - الميرزا محمد تقي الشيرازي.

3 - السيد محمد الفشاركي.

و كان اجتماع أهل الفضل و العلم في درس السيّد الصدر أكثر من غيره.

و هكذا استمرت سامراء محورا لإشعاع العلم و كعبة لآمال العلماء و محطّ أنظار الفضلاء في التعليم و التعلّم و تربية الأخلاق و تهذيب النفس إلى أن فجع العالم الإسلامي و المسلمون بوفاة السيد المجدّد الشيرازي (ره).

و انتقلت المرجعيّة و الزعامة للشيعة من بعد المجدّد الشيرازي إلى السيّد الصدر. و سلّم أولاد المجدّد الشيرازي ما بقي من أموال و حقوق شرعيّة بحوزة السيّد الشيرازي إلى السيّد الصدر.

و كان السيّد الصدر (رحمه اللَّه) زاهدا في الزعامة و المرجعيّة و لهذا عزم بعد


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 22/ الجزء الأول

 

وفاة أستاذه المجدّد الشيرازي بسنتين على ترك بلد مرجعيّته وقتئذ و هو سامراء فترك سامراء مهاجرا إلى النجف الأشرف و طلب من العلماء و الأكابر أن لا يتركوا سامراء. و حينما وصل في سفره إلى كربلاء استخار اللَّه تعالى على الإقامة في النجف الأشرف، فكانت الاستخارة تدل على النهي فاتخذ من كربلاء مقرّا له. و قد هاجر من سامراء عدد من العلماء و الأكابر رغم طلبه منهم عدم المهاجرة، و التحق بهم بعد ذلك آخرون، و أصبحت كربلاء كعبة آمال العلماء و الفضلاء إلى أن تمرض السيّد الصدر في سنة (1334 ه) فسافر إلى الكاظميّة للعلاج و تحسّن حاله في أوّل الأمر، و لكن تدهورت صحّته بعد ذلك على أثر كبر السنّ و ضعف المزاج و حوادث الدهر و توفي - رضوان اللَّه عليه - بتاريخ (12 - جمادى الاولى - 1338 ه) و دفن بجوار جدّه موسى بن جعفر عليه السلام في مقبرة عائليّة لآل الصدر. و رثاه الشعراء و الأدباء و الفضلاء بقصائد و أبيات كثيرة و قال المرحوم آية اللَّه الشيخ مرتضى آل ياسين رحمه اللَّه:

لئن يك أخفى اللَّه شخصك في الثرى

فهيهات ما أخفى فضائلك القبر

لقد كنت سرّ اللَّه بين عباده

و من سنن العادات أن يكتم السرّ

فطوبى لقبر أنت فيه مغيّب

فقد غاب في (أحشاء) [1] تربته البدر

 

سيرته و أخلاقه:

كان رحمه اللَّه آية في العفّة و علوّ الهمّة و الاعتماد على النفس و التوكّل على اللَّه و حسن الأخلاق و الزهد في الزعامة و الرئاسة، كان مروّجا للدين مربّيا للعلماء مساعدا للمشتغلين بالعلم عونا للفقراء و المساكين يوصل الأموال إلى

 

____________________________

 

[1] هذه الكلمة غير موجودة في النسخة التي أرسلها لي المرحوم السيد عبد الغني الأردبيلي، و لعلها ساقطة من القلم إذ بدونها لا يستقيم البيت.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 23/ الجزء الأول

 

مستحقيها بلا منّ أو شرط، و أحيانا لم يكن يعرف أنّ المال من قبله.

كان (رحمه اللَّه) يتتلمذ على يد السيّد المجدّد الشيرازي الذي هو تلميذ لأبيه السيد صدر الدين و لأخيه السيّد محمّد علي المعروف ب (آقا مجتهد)، و لكن لم يكن يعرّف نفسه لدى السيّد المجدّد فهو لم يكن يعلم أنه ابن أستاذه، ذلك لأنه حينما هاجر من أصفهان إلى النجف الأشرف عزم على أن لا يعرّف نفسه لأحد حتى على أولاد عمّه و أسرته في بغداد و الكاظمية كي يبقى مجهولا و يكون أكثر قدرة على التكامل.

إلى أن صادف أنّه تشرّف إلى الحج ثمّ رجع إلى النجف الأشرف فأخبر السيّد الشيرازي بعض تلاميذته ممّن كان يعرف السيّد الصدر بأنّه قد قدم من الحجّ السيّد إسماعيل بن السيّد صدر الدين الأصفهاني، فعزم السيّد الشيرازي (قدّس سرّه) على زيارة ابن أستاذه و هو لا يعلم أنّه تلميذه المحبوب لديه، فحينما زاره في بيته فوجئ بأنّ هذا هو ذاك التلميذ الذي كان موردا لإعجاب الأستاذ، فوقف متعجّبا قائلا: أنت السيّد إسماعيل الصدر ابن السيد صدر الدين الأصفهاني؟ قال: بلى، فيزداد الأستاذ إعجابا بهذا التلميذ و بمكارم أخلاقه.

و قد روي أن السيّد إسماعيل الصدر كان عازما على أن لا يقترض من أحد مالا مدى العمر. و كان وفيا بعهده رغم معاناته في أيام دراسته في النجف الأشرف من الفقر و الفاقة إلى أن صادف ذات يوم أن أصبحت والدته البالغة حد الشيخوخة في حالة لا تطاق فخاف السيّد (رحمه اللَّه) على سلامتها و ذهب إلى الصحن الشريف و هو حائر بين أمرين: بين التكليف الشرعي الذي يطالبه بالمحافظة على أمّه و الذي قد يكون متوقّفا على الاقتراض، و بين عهده الذي عاهد نفسه عليه من عدم الاقتراض مدى العمر، فجلس جلسة المتحير المتفكّر في أمره أمام حجرة من حجرات الشمال الغربي، و إذا برجل غير معروف لديه يتمثل أمام السيّد و يسأله هل أنت سيد موسويّ النسب؟ قال:

بلى، فأعطاه خمسة توامين، و قال: هذا نذر للسيّد الموسوي النسب. فأخذها السيد و بقي وفيا بعهده مدى العمر.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 24/ الجزء الأول

 

و كان السيد الصدر (رحمه اللَّه) يحدّث أولاده أحيانا بأمثال هذه القصص و الحكايات بهدف تهذيب نفوسهم و تربيتهم على مكارم الأخلاق.

 

أساتذته:

1 - إخوه السيد محمد علي المعروف بآقا مجتهد كان من نوادر دهره، درس على يده السطح العالي و بعض الكتب العربيّة و الرياضيّة.

2 - حجّة الإسلام الشيخ محمد باقر الأصفهاني درس على يده بحث الخارج لمدة عشر سنين.

3 - الفقيه المتبحّر الشيخ راضي النجفي.

4 - الشيخ الفقيه أستاذ العلماء و المحقّقين الشيخ مهدي بن الشيخ علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء.

5 - الأستاذ الأكبر المجدّد الشيرازي.

طلابه:

قد ربّى السيد إسماعيل الصدر (رحمه اللَّه) تلاميذ و علماء كثيرين تخرجوا على يده في النجف و سامراء و كربلاء و الكاظميّة نكتفي بالإشارة إلى أكابر طلابه:

1 - حجة الإسلام الحاج السيّد أبو القاسم الدهكوري الأصفهاني تتلمذ على يد السيّد الصدر في سامراء، ثم هاجر إلى أصفهان و أصبح مرجعا للعوام و الخواص في تلك الديار.

2 - حجّة الإسلام الحاج السيّد حسين الفشاركي الأصفهاني الحائري تتلمذ على يد السيّد الصدر في كربلاء.

3 - حجة الإسلام و المسلمين آية اللَّه في العالمين الشيخ عبد الحسين آل ياسين الكاظمي تتلمذ على يد السيّد الصدر في سامراء و كربلاء و الكاظميّة.

و بعد وفاة أستاذه أصبح أحد المراجع الكبار في الكاظمية.

4 - حجة الإسلام و المسلمين الميرزا علي آقا الشيرازي ابن المجدّد


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 25/ الجزء الأول

 

تتلمذ على يده في سامراء.

5 - حجّة الإسلام و المسلمين الحاج السيّد علي السيستاني تتلمذ على يده في سامراء و كربلاء، و هاجر أخيرا إلى مشهد الرضا (ع) و أصبح أحد المراجع العظام في تلك الديار. كان عالما فاضلا مطّلعا على أقوال العلماء محيطا بالأحاديث الفقهيّة إحاطة كاملة.

6 - حجّة الإسلام و المسلمين أستاذ الفقهاء و المجتهدين آية اللّه العظمى الميرزا محمد حسين النائيني (ره) تتلمذ على يده في سامراء و كربلاء، كما تتلمذ أيضا على يده المجدّد الشيرازي. و هاجر بعد ذلك إلى النجف الأشرف، فصار محطا لأنظار العلماء و الفضلاء إلى أن ربّى جيلا من الفقهاء و المجتهدين و أصبح مرجعا للتقليد في النجف الأشرف.

7 - حجّة الإسلام الميرزا محمّد حسين الطبسي تتلمذ على يده في سامراء ثمّ عاد إلى بلاده و أصبح أحد العلماء و الأعلام المدرسين في تلك الديار.

8 - حجّة الإسلام و المسلمين السيّد محمّد رضا الكاشاني تتلمذ على يده في سامراء و كربلاء ثم عاد إلى بلاده.

9 - حجّة الإسلام و المسلمين الميرزا محمد علي الهروي الخراساني تتلمذ على يده في سامراء و كربلاء ثم ذهب إلى مشهد الرضا (ع) و أصبح أحد المدرّسين و المراجع في تلك الديار.

10 - حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ محمّد هادي البيرجندي، عالم فاضل و مدقّق ماهر تتلمذ على يد السيّد الصدر في سامراء و كربلاء، ثم عاد الى بلاده و كان أحد العلماء الأعلام في تلك الديار.

11 - آية اللَّه الشيخ محمد رضا آل ياسين تتلمذ على سيده السيد الصدر في كربلاء و كان صهرا له، و كان يستفيد من فيض علومه ليل نهار، و لم يكن يكتفي في الاستفادة منه بمجلس الدرس، ثم أصبح بعد ذلك أحد علماء الشيعة الكبار و المراجع العظام في النجف الأشرف.

12 - آية اللَّه المجاهد السيّد عبد الحسين شرف الدين، تتلمذ على يد السيد الصدر في كربلاء و الكاظميّة كما درس أيضا على يد صاحب الكفاية و شيخ


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 26/ الجزء الأول

 

الشرعية في النجف الأشرف، ثم أصبح أحد علماء و مراجع الشيعة في لبنان إلى أن توفي في (ج 1377 - 2 ه -) و حمل جثمانه الطاهر إلى النجف الأشرف و دفن في حجرة في الشمال الغربي للصحن الحيدريّ الشريف.

 

أولاده:

خلّف من بعده أولادا أربعة كانوا جميعا آية في العلم و محاسن الأخلاق و التقوى و هم:

1 - حجة الإسلام و المسلمين آية اللَّه السيّد محمد مهدي الصدر.

2 - حجة الإسلام و المسلمين آية اللَّه السيّد صدر الدين الصدر.

3 - حجة الإسلام و المسلمين و عماد الأعلام السيّد محمّد جواد الصدر.

4 - حجة الإسلام و المسلمين آية اللَّه السيّد حيدر الصدر.


 

 

3 - السيّد حيدر الصدر

سيد، جليل القدر، عظيم المنزلة، حامل لواء التحقيق، نابغة دهره، و نادرة عصره، عابد، زاهد، عالم، عامل، ابن السيد إسماعيل الصدر الذي سبقت ترجمته، ولد في سامراء في جمادى الثانية - 1309 ه - و قال بعض العلماء العامليين في تاريخ ولادته:

فحيدر و اليمن قد جاء معا× فناد بالتاريخ يمن قد ظهر هاجر بصحبة والده إلى كربلاء في سنة 1314 و درس المقدّمات و العلوم العربية على يد عدة من الفضلاء، ثم درس بحث الخارج على يد أبيه السيّد إسماعيل الصدر، و على يد السيّد حسين الفشاركي و المرحوم آية اللَّه الحائري اليزدي في كربلاء. و أصبح في عنفوان شبابه من العلماء المرموقين المشار إليهم بالبنان.

قال صاحب الذريعة في أعلام الشيعة:

»و قد رأيته مرارا سواء في أيام والده أو بعدها، فوقفت على غزارة علمه و كثرة فضله، و كان دائم الاشتغال كثير المذاكرة، قلّ ما دخل مجلسا لأهل الفضل و لم يفتح بابا للمذاكرة و البحث العلمي، و كان محمود السيرة حسن


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 27/ الجزء الأول

 

الأخلاق محبوبا عند الجميع«.

و قال آية اللَّه السيّد عبد الحسين شرف الدين (ره): فيما نشر عنه في مجلة (النجف) السنة الاولى العدد الثالث 15 - جمادى الثانية - 20 1376 - كانون الأول 1956 م.

»... عرفته طفلا فكان من ذوي العقول الوافرة و الأحلام الراجحة و الأذهان الصافية. و كان و هو مراهق أو في أوائل بلوغه لا يسبر غوره و لا تفتح العين على مثله في سنّه. تدور على لسانه مطالب الشيخ الأنصاري و من تأخّر عنه من أئمة الفقهاء و الأصوليين، و له دلو بين دلائهم و قد ملأه إلى عقد الكرب، يقبل على العلم بقلبه و لبّه و فراسته، فينمو في اليوم ما لا ينمو غيره في الأسبوع، ما رأت عيني مثله في هذه الخصيصة. و قد رأيته قبل وفاته بفترة يسيرة و قد استقرّ من جولته في غاية الفضل لا تبلغها همم العلماء، و لا تدركها عزائم المجتهدين...« و قال حجة الإسلام و المسلمين الشيخ محمد تقي آل صادق العاملي فيما نشر عنه في مجلة الغري:

»... لقد كان رحمه اللَّه آية بليغة في الأخلاق الفاضلة و الصفات الكريمة تلقّاه - و هو بتلك المكانة العلميّة السامية و بذلك الرداء الجميل من الشرف و المجد - طلق المحيا باسم الثغر رقيق الحواشي نديّ الحديث طري الأسلوب ليّن العريكة يتواضع للصغير حتى كأنه بعض سمرائه، و يتصاغر للكبير حتى كأنه دون نظرائه...«.

كان المرحوم آية اللَّه الصدر (رحمه اللَّه) آية في الزهد و التقوى و العفة و عدم الاكتراث بالدنيا و الشوق إلى العلم و التحقيق.

روي عن المرحوم حجّة الإسلام السيّد علي الخلخالي (رحمه اللَّه) أنه قال:

»إنّ السيّد حيدر الصدر كان يدرّس أثناء إقامته في الكاظميّة، الكفاية، فاتفق أنّ أحد أكابرة الحوزة العلميّة في النجف الأشرف ورد الكاظميّة، و طلب منه السيّد الصدر عقد مباحثة معه في الكفاية خلال الأيام التي سيبقى في هذا البلد المبارك فأبى، فطلب منه التتلمذ لديه في أيام إقامته في الكاظميّة


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 28/ الجزء الأول

 

بتدريسه للكفاية فوافق على ذلك. فكان السيّد الصدر يلقي بتدريسه هو للكفاية على جمع غفير من الطلاب ثم كان يحضر باسم التلميذ لدى هذا العالم في درس الكفاية. قال السيد علي الخلخالي: إني سألت السيد الصدر ما ذا صنعت بفلان الذي لم يكن يقبل عقد المباحثة معك في الكفاية؟ فأجاب: إني وصلت الى ما كنت أروم من الإفادة و الاستفادة ذلك أني أحضر لديه بعنوان التلميذة فيقرأ عليّ مقطعا من الكفاية، فينفتح باب المناقشة فنبقى نتباحث و نناقش في الأمر و كان هذا هو المطلوب لنا.

وفاته:

توفي (رحمه اللَّه) في الكاظميّة في ليلة الخميس 27 - جمادى الثانية - 1356 ه و دفن في مقبرة آل الصدر، و قد روي عن بعض الثقات أنه حدثته زوج المرحوم الصدر - و هي العابدة الزاهدة التقيّة النقيّة بنت المرحوم آية اللَّه الشيخ عبد الحسين آل ياسين - بأنّ العائلة إلى ما بعد مضيّ شهر من وفاة المرحوم الصدر تقريبا كانوا حائرين في لقمة العيش علما بأنّ المرحوم الصدر كان مرجعا من مراجع الشيعة. و هذا يلقي ضوءا على مدى زهده و عدم اكتراثه بالدنيا و عدم تجميع المال طوبى له و حسن مآب.

 

مؤلفاته:

1 - رسالة في مباحث وضع الألفاظ.

2 - تعليقة على الكفاية.

3 - رسالة في المعنى الحرفي.

4 - رسالة في تبعيض الأحكام لتبعيض الأسباب.

5 - الشبهة الحيدريّة في تلاقي أحد أطراف العلم الإجمالي.

6 - تعليقة على العروة الوثقى.

و عدة رسائل أخرى.

و مما يؤسفنا أنّ هذه الكتب و الرسائل كلها مفقودة اليوم عدا أنّ الشبهة


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 29/ الجزء الأول

 

الحيدريّة تعرّض لها آية اللَّه الشيخ آقا ضياء العراقي (رحمه اللَّه) في مجلس درسه فكتبت بقلم بعض طلابه في تقرير بحثه.

 

أولاده

خلّف السيّد حيدر الصدر (رحمه اللَّه) من بعده ابنين و بنتا يعتبر كل واحد منهم جوهرة ثمينة يقلّ نظيرها في العلم و التقى و هم:

1 - حجة الإسلام و المسلمين السيد إسماعيل الصدر (رحمه اللَّه) ولد في الكاظمية في شهر رمضان المبارك سنة (1340 ه -) درس المقدّمات و السطح العالي على يد علماء الكاظميّة و هاجر إلى النجف بتاريخ (1365 ه -) فتتلمذ على يد:

1 - آية اللَّه العظمى الشيخ محمّد رضا آل ياسين (رحمه اللَّه).

2 - آية اللَّه العظمى السيّد محسن الحكيم (رحمه اللَّه)

3 - آية اللَّه العظمى السيّد عبد الهادي الشيرازي (رحمة اللَّه).

4 - آية اللَّه العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي الذي يعيش الآن في النجف الأشرف.

أجازه في الاجتهاد أستاذه آية اللَّه الشيرازي.

ثم عاد بطلب عدد من المؤمنين في الكاظمية الى بلده و اشتغل بالتدريس و ترويج الدين، و كان آية في الإخلاص و الدفاع عن حقوق المظلومين و فخرا للشيعة.

ألف كتبا في الفقه و الأصول و التفسير و الرجال لم يطبع منها عدا مجلّد واحد في التعليق على التشريع الجنائي الإسلامي، كما طبعت له محاضرات في التفسير الجزء الأول.

توفي في ذي الحجة من سنة 1388 ه - و دفن في النجف الأشرف في مقبرة المرحوم آية اللَّه السيد عبد الحسين شرف الدين.

2 - آية اللَّه العظمى مفجّر الثورة الإسلامية في العراق الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدّس سرّه.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 30/ الجزء الأول

 

3 - العلوية الفاضلة آمنة المعروفة ببنت الهدى، كانت سيدة، جليلة، عالمة، فاضلة، عارفة، عابدة، مهذبة، تقيّة. ولدت في الكاظميّة في سنة 1356 ه و نمت في كنف العلم و التقى و الفضيلة. درست علوم العربية و مبادئ علم الكلام و الفقه و الأصول على يد أخيها الشهيد الى أن أصبحت من مفاخر الكاتبات الإسلاميّات، و كانت تشرف خلال سبع سنين على أربع مدارس دينية للبنات في الكاظمية و النجف و الكوت. و قد ربّت المئات من البنات الفاضلات العالمات المؤمنات و قد ألفت:

1 - صراع من واقع الحياة.

2 - الخالة الضائعة.

3 - الفضيلة تنتصر.

4 - ذكريات على تلال مكّة.

5 - المرأة مع النبي.

6 - كلمة و دعوة.

7 - ليتني كنت أعلم.

8 - امرأتان و رجل.

9 - لقاء في المستشفى.

10 - الباحثة عن الحقيقة.

11 - بطولة المرأة المسلمة.

و قد اعتقلها حزب البعث الغاشم العميل بعيد آخر اعتقال لأخيها الشهيد، و اغتالوها بأيد خبيثة خائنة. أسأل اللَّه تعالى أن يسلطنا على هذه الزمرة الكافرة كي نروي الأرض بدمائهم و نأخذ بثاراتنا و يومئذ يفرح المؤمنون بنصر اللَّه. و اللَّه لو سقيت الأرض بدمائهم جميعا لما سوى ذلك قلامة من ظفر إبهام شهيدنا الصدر أو أخته العلوية المظلومة.

كانت هذه ترجمة مختصرة لأسرة آل الصدر اشتملت على ترجمة آباء شهيدنا الغالي لثلاث طبقات.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 31/ الجزء الأول

 

والدة الشهيد الصدر

أما والدته المحترمة فهي السيدة العابدة الصالحة التقيّة الزاهدة بنت المرحوم آية اللَّه الشيخ عبد الحسين آل ياسين، و كان أبوها و إخوتها جميعا من الآيات العظام و من أكابر العلماء الأعلام رضوان اللَّه عليهم أجمعين:

فأبوها هو آية اللَّه الشيخ عبد الحسين آل ياسين أحد أعاظم فقهاء عصره المعروف بالزهد و العبادة و التقوى. ولد في الكاظمية و تربّى في كنف جده المرحوم آية اللَّه الشيخ محمد حسن آل ياسين الذي كان من مفاخر علماء الشيعة و الذي أمضى الإمام صاحب الزمان عجل اللَّه تعالى فرجه نيابته عنه على ما ورد في قصّة المرحوم الحاج علي البغدادي المذكورة في مفاتيح الجنان.

و قد قال السيد حسن الصدر في تكملة أمل الآمل عن الشيخ محمد حسن آل ياسين:

»أنموذج السلف، حسن التقرير، مضطلع في الفقه و الأصول، خبير بالحديث و الرجال، انتهت إليه الرئاسة الدينيّة في العراق بعد وفاة الشيخ العلاّمة الأنصاري، كان المرجع العام لأهل بغداد و نواحيها و أكثر البلاد في التقليد و كان المعروف بالفضل، له رسالة و كتب...«.

و المرحوم الشيخ عبد الحسين آل ياسين قد هاجر من الكاظميّة الى سامراء و تتلمذ على يد المجدّد الشيرازي. و بعد أن توفّي جدّه الشيخ محمد حسن انتقلت إليه زعامة الشيعة في بغداد و الكاظميّة، ثم هاجر إلى كربلاء و تتلمذ على يد المرحوم السيد إسماعيل الصدر و وصل إلى مرتبة عالية من الاجتهاد، و عاد الى الكاظميّة و أصبح من مراجع الشيعة في التقليد، و توفّي في 18 - صفر - 1351 ه - في الكاظميّة و دفن في النجف الأشرف في مقبرة آل ياسين.

 

اما إخوتها فهم:

1 - آية اللَّه العظمى شيخ الفقهاء و المجتهدين الشيخ محمد رضا آل ياسين، كان أستاذا و مرجعا في عصره في النجف الأشرف، توفّي في سنة 1370 ه و دفن في مقبرة آل ياسين.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 32/ الجزء الأول

 

2 - المرحوم الإمام المجاهد الشيخ راضي آل ياسين كان من أكابر علماء الإماميّة في الكاظميّة و هو صاحب تأليفات كثيرة منها كتاب صلح الحسن.

3 - المرحوم آية اللَّه الورع التقي الشيخ مرتضى آل ياسين كان من أكابر علماء الإماميّة و مرجعا للتقليد في النجف الأشرف.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 33/ الجزء الأول

 

آية اللَّه العظمى الشهيد الصدر

هو العلم العلاّمة، مفتخرة عصره، و أعجوبة دهره، نابغة الزمان، و معجزة القرن، حامي بيضة الدين، و ماحي آثار المفسدين، فقيه أصولي، فيلسوف إسلامي، كان مرجعا من مراجع المسلمين في النجف الأشرف فجّر الثورة الإسلاميّة في العراق و قادها حتّى استشهد.

ولد في 25 - ذي القعدة - 1353 الهجريّة القمريّة في الكاظميّة، و تربّى من بعد وفاة والده في كنف والدته و أخيه السيد إسماعيل الصدر.

كانت تبدو عليه من أوائل الصبا علائم النبوغ النبوغ و آثار الذكاء.

و مما يحكى عن أيام طفولته و صباه في المدرسة الابتدائيّة ما كتبه محمد علي الخليلي حاكيا قصّته مع شهيدنا أيام كانا طالبين في مدرسة منتدى النشر الابتدائيّة. و إليك نصّه الذي لم ينشر حتى الآن:

»كانت تجمعنا به مدرسة واحدة و يفرقنا فارق السنّ و المرحلة الدراسيّة إذ كان حينها في الصف الثالث الابتدائي. أمّا أنا فكنت في السنة النهائيّة من هذه المرحلة الدراسيّة.

و طبيعيّ - و للأمرين المذكورين - أن لا يكون اتصال مباشر، و على الرغم من ذلك فقد كان موضوع اهتمامنا و محط أنظارنا نحن تلاميذ المدرسة صغارا و كبارا، كما كان موضوع تقدير و احترام معلميه، و أكثر ما كان يلفت نظرنا هو


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 34/ الجزء الأول

 

اهتمام المعلّمين به دون استثناء، فقد كانت له شخصيّة تفرض وجودها و سلوك يحملك على احترامه و النظر إليه نظرة تختلف عن نظرتك لبقيّة زملائه.

كنا نعرف عنه أنه مفرط في الذكاء و متقدم في دروسه تقدّما يبز فيه زملاءه كثيرا أو ندر نظيره. و ما طرق أسماعنا أن هناك تلميذا في المدارس الأخرى يبلغ بعض ما يبلغه من فطنة و ذكاء، لذا اتخذه معلموه، نموذجا للطالب المجدّ و المؤدّب و المطيع. فما من درس يمرّ بنا إلاّ و كان حديث المعلّم عنه يطغى على ما يلقّننا من مادة، و كان ذلك يزيدنا احتراما له و إعجابا به، حتّى أخذ بعض الطلبة يجهد نفسه في تقليده في مشيته و في حديثه و في جلوسه في الصف لينال ما يناله من احترام و إعجاب، و قد بلغ احترام زملائه له و جميع تلاميذ المدرسة احترامهم لمعلّميهم إن لم يتعدّاه أحيانا. فهم يتهيّبون التحدث إليه إلاّ إذا شعروا برغبة منه في الحديث و إلاّ أن يكون هو البادئ في الحديث.

و قد تجاوز هذا الإعجاب به و الحديث عنه جدران المدرسة إلى الشارع و السوق و المدارس الأخرى و في كل مكان، حتّى إنني فوجئت يوما أنّ أبي يدعوني إلى أن أقتدي به في سلوكي و في حديثي مع الناس. و قد كان هذا شأن كثير من الآباء مع أبنائهم لو أرادوا لهم النصح.

و مما زاد تعرّف الناس عليه هو قيامه بإلقاء الخطب و القصائد التي كان يهيّئوها له معلّموه المتمكّنون من اللّغة العربيّة في المواكب الحسينيّة التي تنظّمها المدرسة كلّ عام في يوم عاشوراء أو في وفيات بعض الأئمة الأطهار، حيث كان يرتقي المنبر المعدّلة في الصحن الكاظمي ليلقي القصيدة أو الكلمة في المناسبة عن ظهر القلب و يبدو و كأنّه يرتجل مسترسلا دون توقف أو تلكّؤ و قد تعجب أيها القارئ أنّ فترة حفظه لها لا تتجاوز مسيرة الموكب من المدرسة إلى الصحن الشريف، و كثيرا ما كنت أسمع أنا و غيري من الطّلاب كلمات الاستحسان و التعجّب و التشجيع من قبل الناس المحتشدين حول موكب مدرستنا (مدرسة منتدى النشر في الكاظميّة)، و قد أعطى - و هو في هذه السنّ - لموكبنا منزلة قد تفوق منازل المواكب الأخرى، فقد كان الناس يرافقون الموكب منذ لحظة انطلاقه من المدرسة إلى الصحن الشريف حيث نجد عددا كبيرا من


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 35/ الجزء الأول

 

الناس ينتظرون الموكب بشوق و لهفة و كان تحشّدهم يزداد إذا كان هو الخطيب في ذلك اليوم. و أما إذا كان غيره ينفض عن الموكب الكثيرون منهم، فقد كان لإلقائه حلاوة و تأثير غريب في نفوس الجماهير يزيده روعة صغر سنّه.

في تلك السنين القليلة عرفنا باقر الصدر - وليتها كانت تطول - و عرفه الناس الذين يقصدون الكاظميّة من بغداد و ضواحيها لحضور المواكب و المجالس الحسينيّة.

و إنّنا زملاوه في المدرسة عرفناه أكثر في مواقفه هذه، و عرفناه طالبا مثاليّا في سلوكه و في جميع تصرّفاته. و ما أتذكر أنّه كان له حسّد من الطلاّب، بل كان حبّهم له يطغى على كلّ شي‏ء يتودّدون و يتقرّبون منه، و ذلك بسبب سلوكه العقلاني معهم و إضفاء حبّه و حنانه على من هو أصغر منه و احترامه لمن هو أكبر منه، و كنّا نشعر - و إن كبرناه سنوات - لقد كان و اللَّه معجزة و آية من آيات خلق اللَّه، و لا أجدني مبالغا مهما قلت عنه و أطنبت في امتداحه و الثناء عليه و تعداد حسناته و صفاته التي لم نجد نظيرا لها في سموّها لدى غيره من كلّ تلامذة المدارس.

كان ينتحي زاوية من زوايا المدرسة انفرد هو بها و لم يقربها غيره احتراما له، و ذلك في كل استراحة بعد كل محاضرة في الصف، و كان يلتف حوله في تلك الزاوية عدد من أترابه التلاميذ و رفاق صفّه أو من الصفوف الأعلى. كنّا نراقب هذا الاجتماع و نرقبه و هو يتحدّث إلى المحيطين و كلّهم إصغاء له، يتحدّث إليهم بهدوء، و يلفّه هدوء، و يغطّيه سكون، و الكلّ صاغون إلى حديثه، ساهمون مسحورون، و قد أثارت فضولنا هذه الحالة و هذا الاجتماع، فهممنا عدّة مرات لأن ننضمّ إليهم و لكنّ فارق السنّ - كما قلنا - كان يحول بين رغبتنا و بين تحقيقها. و جاء ذلك الذي لم أنسه و لن أنساه، كان يوما جديدا لم يمر بنا مثله حين طغت علينا غريزة حبّ الاطلاع فاندفعنا - و كأنّنا مقادون - إلى حيث يعقد اجتماعه، و انضممنا إلى الثلّة التي كانت تحيط به، و قد كانت خطواتنا هذه مفاجأة له، سكت عندها قليلا عن الحديث، و بعد أن ألقى علينا نظرات فاحصة - كأنّه كان يريد أن يقول لنا هل استمر في الحديث؟ - و بعدها


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 36/ الجزء الأول

 

راح يواصل حديثه، حديث لم نألفه من قبل، فلا هو توضيح و شرح لما نأخذ من دروس عن أساتذتنا. فقد كان حديثا تتخلّله عبارات هي بالنسبة لنا غير مفهومة أو صعب فهمها، و لأوّل مرّة سمعنا فيها كلمة الماركسيّة، و الإمبرياليّة، و الديالكتيكيّة، و الانتهازيّة، و كلمات أخرى أظنها كانت تعني أسماء لفلاسفة و علماء و شخصيات لم يحضرني منها سوى اسم (فيكتورهوغو) و (غوته) و غابت عني أكثرها، إذ مر عليها زمن طويل قارب الأربعين عاما، و لأنّها كلمات كانت في حينها يعصب علينا نطقها و تلفظها، كان غريبة علينا جدّا و لم نسمع بها أو بمثلها من الأسماء في كتبنا المدرسيّة و لم نقرأ فيها إلاّ (إديسون) و (نيوتن) و غيرهما ممّن درسنا عنهم و عن اكتشافاتهم و اختراعاتهم.

لقد كان يهيم في حديثه و يسبح في بحر من الخيال و التسامي، أو يغوص في بحر لجي يلتقط منه العبارات و المعاني و الأفكار.

لقد حملنا شوقنا إلى المعرفة أن نكرّر انضمامنا إلى مجموعته التي أطلق عليها اسم (الحوزة) و كلّنا نرغب رغبة ملحّة في أن نفهم ما يتحدّث به. و نحن لا ندري هل أنّ هؤلاء الصبية و الأطفال المحيطين به يعون و يدركون ما يتحدّث به إليهم و يتفهّمون ذلك؟. و هذا ما كان يثير اهتمامنا بقدر ما كنّا نرغب في التزوّد من معارفه آنذاك و التي كنا نراها أشياء جديدة علينا و لكن فيها متعة و لذة و إن لم ندرك أكثرها، و كنّا نستزيده فيزيد، و نطلب منه أن يعيد علينا ما حدّثنا به قبل يوم فيجيب دون أن يلتمس لنفسه عذرا أو يقابلنا برفض.

فقد كان همّه كلّ همّه أن نفهم و أن نعي ما يحدّثنا و كأنّه نذر ساعات لعبه و سهوه - و هو بهذا السنّ - ليكون معلّما و مفقها، واصلنا حضورنا حوزته هذه حتّى كانت نهاية العام، و بدأت العطلة فافترقنا حيث التحقنا نحن في المدرسة المتوسطة، و بقي هو في مدرسته قليلا حتى علمنا أنّه تركها لينصرف إلى الدرس.

كانت أياما مضيئة و جميلة، و كانت حلما حلوا مؤنسا أخذنا فيها عنه أشياء كثيرة ساعدتنا على أن نتفهم ما نقرأ من كتب غير كتبنا المدرسيّة،


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 37/ الجزء الأول

 

كتب كان يزوّدنا بها هو أحيانا كلّما التقى واحدا منا، و قليلا ما كنا نلتقيه إلاّ في داره حيث كنا نجده مكبا على قراءة كتب لا نعرف حتى أسماءها، و كتب كنا نقتنيها من المكتبات أو نستعيرها من الأصدقاء زملاء المدرسة أو من المكتبات العامة بإشارة و توجيه منه. و كنّا نهتمّ بكل كتاب ينصحنا بقراءته، و إن غمض علينا شي‏ء منه كان يعيننا على فهمه بكل سرور و رحابة صدر و هو ممتن غير مانّ.

كانت لنا معه أيام حلوة سعيدة عادت علينا بعد ذلك بمرارة لا نتحرعها و لا نتحمّل مرارتها، فقد رحل عنا شهيدنا، اغتالته فئة ضالّة باغية و تركنا إلى حيث يرتع في نعيم دائم و سعادة أبديّة، و بقينا بعده غرقى في شقاء ما مثله شقاء و حياة مليئة بالقسوة و الظلم و الإرهاب، و صارت سنوات تلك الطفولة البريئة المرحة أياما قاسية إلاّ أنه ترك فينا وعيا و معرفة أعانتنا على أن نزيدها و نبلغ بها حدا نتفهم فيه كل شي‏ء في الحياة.

تلك كانت أيام طفولتنا و صبانا مع ذلك المعلّم (الصدر) الملي‏ء بالعلم و هو طفل و قد تغذينا في حوزته و نحن أطفال«.

انتهى ما كتبه محمد علي الخليلي عن أيّام طفولة الأستاذ الشهيد في المدرسة الابتدائيّة.

أمّا ما جاء فيه من (أنّه - رحمه اللّه - كان يحفظ الخطب التي كان يهيّؤها له معلّموه فيلقي الكلمة في المناسبة عن ظهر قلب و يبدو و كأنّه يرتجل مسترسلا دون توقّف أو تلكّؤ) فهذا قد يكون صحيحا و لكنّ الذي حدّثني به الأستاذ الشهيد (رحمه اللّه) أنه كان في أيّام صباه ينشئ خطبا على الناس في المناسبات. و لا تنافي بين هذا و ذاك فلعلّه كان أحيانا كهذا و أحيانا أخرى كذاك.

و قبل أن نمضي في درس حياة أستاذنا الشهيد لكي نرى ما ذا كان بعد خروجه من المدرسة نقرأ مقطعا آخر من الحديث عن حياته في داخل المدرسة الابتدائية منقولا عن أحد أساتذة المدرسة فقد نشر في مجلة صوت الأمّة العدد (13) للسنة الثانية - رجب - 1401 ه مقال لشخص تحت اسم (أبو براء) و هذا نصّة:


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 38/ الجزء الأول

 

»شاءت الصدف أن أتخذ لي مكانا الى جانبه في أحد المجالس التأبينيّة التي أقيمت تخليدا لذكرى الشهيد الصدر. و في التفاتة منّي إليه غير مقصودة وجدت عليه أمارات الألم و الحزن الشديدين، أمارات لم أجدها ترتسم على وجوه الآخرين بل لا أغالي إذا قلت: كانت عليه سيماء الثكل و لم ينتبه إلى التفاتتي، فقد كان ساهيا منصرفا عن كل ما هو حوله و مثبتا عينيه على صورة للشهيد الصدر كانت معلّقة أمامه، و هو يصدر الآهة إثر الآهة، و يجذب الحسرة تلو الحسرة، و بين كل لحظة و أخرى تنحدر من عينيه دمعتان كان يكفكفهما بمنديل يحمله بيده، كان يبكي و يتألّم بصمت. و قد لفت نظري كثيرا رغم أنّ كلّ من كانوا في الحفل أغرقتهم فاجعة الذكرى بآلامها و أشجانها و ربما علا صوت نحيب من هنا أو هناك لبيت شعر من قصيده شاعر، أو لعبارة من كلمة خطيب تثير في النفوس شجاها و تحرّك عواطفها و أحاسيسها إلاّ هذا، فما سمعت منه إلاّ الآهات و التنهدات و الأنّات الخفيّة.

إن كلّ الذين كانوا في الحفل أو جلّهم يعرفون الصدر إمّا عن كثب أو من خلال جهاده في سبيل إعلاء كلمة الحق، اذن لا بدّ أن يكون لهذا شأن آخر، هكذا قدّرت و قد أصاب تقديري فسألته و قطعت عليه وجومه و شرود فكره، و قد جاء سؤالي كمتنفّس له وداع إلى بثّ ما في جنبيه من ألم دفين و حزن كمين، و يبدو أنّه عرفني و اطمأنّ اليّ، فراح يحدّثني و بنبرات تقطّعها الآهات و الحسرات.

قال بعد تنهدة عميقة: إنّ علاقتي بالفقيد علاقة الأخ الكبير بأخيه الصغير الوحيد كان ذلك في السنوات الأخيرة من الأربعينات يوم كان طالبا في المراحل الأولى من الدراسة الابتدائية، و كنت معلّما في المدرسة التي كان يتعلّم بها و هي مدرسة منتدى النشر الدينيّة الابتدائية في الكاظميّة، و قد رأيت أنّ هذا التلميذ يوليه المدير عناية خاصة و يرعاه رعاية يشوبها الاحترام و التقدير، فعبجت في بادئ الأمر لذلك، و أخيرا اتضح لي بأنّ هذه العناية لم يكن مبعثها لأنّه ينتمي لعائلة كريمة الحسب عرف كثير من أفرادها و اشتهروا بالعلم و التقى و الورع، أو لأنه يتيم فقد أباه و هو بعد صغير لم يبلغ الحلم. و لكنّ


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 39/ الجزء الأول

 

عنايته كانت موجهة إليه لأسباب أخرى. فأحببت أن أتعرّف أكثر على هذا الطفل سيّما و أنني حديث عهد بالعلم في المدرسة المذكورة. و شاءت الصدف أن انفرد بالسيّد المدير فأستوضح منه عمّا كان يشغل تفكيري بشأن هذا الطفل فأجابني: أرجو أن ترعاه كما يرعاه زملاؤك من الهيئة التدريسيّة، فقد سبق و أوصيتهم به خيرا لأنّني أتوسّم فيه أن يكون له مستقبل كبير باعث على التفاخر و الاعتزاز بما يقوم به و بالدرجة العلميّة التي أترقّب أنّه سيصلها و يبلغها، فرحت أرقب هذا الطفل عن كثب، فأقرّبه إلي و أتحدّث معه كلّما سنحت الفرصة مظهرا إليه حبّي و ودّي اللذين نميا مع الأيّام بل الساعات، فصار محبّا لي متعلّقا بي لا يفارقني في الصفّ أثناء الدرس أو بعده أثناء فترة الاستراحة.

و قد كان طفلا يحمل أحلام الرجال و يتحلّى بوقار الشيوخ، وجدت فيه نبوغا عجيبا و ذكاء مفرطا يدفعانك على الاعتزاز به و يرغمانك على احترامه و تقديره، كما شهدت كل المدرسين أيضا يكنّون له هذا الاحترام و هذا التقدير.

لقد كان كل ما يدرس في هذه المدرسة من كافة العلوم دون مستواه العقليّ و الفكريّ، كان شغوفا بالقراءة محبا لتوسيع دائرة معرفته ساعيا بجد إلى تنمية مداركه و مواهبه الفذة. لا تقع عيناه على كتاب إلاّ و قرأه و فقه ما يحتويه في حين يعزّ فهمه على كثير ممّن أنهوا المرحلة الثانويّة. ما طرق سمعه اسم كتاب في أدب أو علم أو اقتصاد أو تاريخ إلاّ و سعى إلى طلبه. كان يقرأ كلّ شي‏ء.

و قد حدّثني أحد الزملاء ممن كان لديهم إلمام بالماركسيّة و اطلاع على كثير من الكتب التي كتبت فيهما قائلا لي: لقد جاءني يوما مبديا رغبته في أن يقرأ بعض الكتب الماركسيّة و نظريّاتها ليطّلع على مكنونات هذه النظرية، تردّدت في بادئ الأمر عن إرشاده إلى ذلك لأنّه طفل، و خشيت أن تتشبع أفكاره بالماركسيّة و نظرياتها. و بعد إلحاح منه شديد و لما كنت لا أحب ردّ طلبه أرشدته إلى بعض المجلاّت و الكتب المبسطة في كتابتها عن الماركسيّة و في عرضها لها. و قد أخذت على عاتقي تهيئة ما تيسّر لي من هذه المجلاّت و الكتب و هي نادرة و عزيزة لأنها كانت آنذاك من الكتب المحرم بيعها في المكتبات.

و بعد أن تسلّمها منّي تهلّل وجهه فرحا ثم أعادها إليّ بعد أن قرأها مكرّرا


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 40/ الجزء الأول

 

طلبه أن أجد له كتبا أكثر موضوعيّة و أعمق شرحا و عرضا لآراء الماركسيّة، فهيأت له ما طلب و كنت أظنّ أنّه سوف لا يفقه منها شيئا لأنني أنا نفسي رغم مطالعاتي الكثيرة في هذا الموضوع أجد أحيانا صعوبة في فهمها. و بعد مدّة أسبوع واحد أعادها إليّ و طلب غيرها، و أضاف المدرس قائلا: أحببت أن أعرف ما الذي استفاده هذا الطفل من قراءته لهذه الكتب و إذا به يدخل في شرح الماركسيّة طولا و عرضا، فأخذت عن شرحه لها كل ما غمض عليّ معناه عند قراءتي لها، فعجبت لهذا الطفل المعجزة و هو لمّا يزل في المرحلة الثالثة من الدراسة الابتدائيّة. و قد زاد في اطمئناني عند ما راح يشرح لي أنّه كان يأتي على مناقشة كل رأي على حدة مناقشة العالم المتبحر في العلم فاطمأننت بأنه لم يتأثّر بالماركسيّة مطلقا، و أنّه كان يقرؤها كنا قد لا كدارس لها. و حدّثني عنه مدرّس اللّغة فقال: و اللّه لو لا الأنظمة و القوانين و لو كانت هناك حكومة تقدّر النبوغ و الكفاءة لمنحته الشهادة الثانويّة بأعلى الدرجات، و فتحت له أبواب الكلّيات ليختار منها ما يشاء و كفيته أمر الذهاب الى المدرسة و العودة منها إلى البيت، إنّ إلمامه بعلوم اللّغة العربيّة يفوق حدّ التصوّر لطفل في سنّه و كم من مرّة جعلني أقف أمامه محرجا لا أحير جوابا فأضطر أن أؤل الجواب على سؤاله إلى يوم آخر لئلاّ أكون في موضع العاجز عن الجواب أمام تلامذتي و قال هذا الشي‏ء عينه مدرّس الدين و أصناف إنه يصلح أن يكون مدرّسا للدين و أصوله.

و قال كذلك مدرّسوا العلوم الأخرى مبدين دهشتهم و حيرتهم في نبوغ هذا الطفل و مستواه خائفين أن يقتله ذكاؤه.

كان (رحمه اللّه) أوّل من يدخل الصفّ و آخر من يخرج منه و كان كلّه إصغاء و انتباه الى ما يقوله المدرّس، و كأنّ ما يتلى شي‏ء جديد بالنسبة له، و كأنّه لم يحفظ في ذاكرته أضعاف ما يتلى عليه في الصفّ. و ما وجدته يوما و قد ارتكبه الغرور أو طغى عليه العجب بنفسه أو تعالى على زملائه التلاميذ ممّا عنده من علم و معرفة. كان مؤدّبا جدّا يحترم معلّميه و زملاءه و يفرض احترامه على الجميع و كثيرا ما كنّا نفتقده متغيّبا لشهر أو حواليه من المدرسة ثم إذا به يحضر عند الامتحان فيؤدّيه فينال الدرجة العليا و لو كانت هناك درجة


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 41/ الجزء الأول

 

أعلى لاستحقها بجدارة. و كنّا عند تغيّبه نستفهم من الإرادة عن السبب، فيكون الجواب الذي اعتدناه: إنّه يحضر دروسا خاصة تشغله عن حضور المدرسة كنّا نختاره و خاصة مدرس الدروس الدينيّة في درس الصلاة إماما يؤمّ زملاءه في الصلاة فكان و اللّه جديرا بها يؤدّيها بخشوع العابد الزاهد المتوجّه إلى ربه العلي الكريم. و كان يختار من بين طلاّب كل المدرسة لإلقاء القصائد و الكلمات في الصحن الكاظمي الشريف منذ كان في الصفّ الثاني الابتدائي، و ذلك في موكب العزاء الذي اعتادت المدرسة أن تنظّمه كلّ عام.

و ليس عجيبا على مثل هذا الطفل أن يستظهر قصيدة تضمّ ثلاثين بيتا أو أكثر، أو كلمة عن ظهر قلب خلال ربع ساعة بعدها يتلوها علينا بكل فصاحة متجنّبا اللّحن حتى إذا قرئت له ملحونة.

كان شعلة ذكاء و قدوة أدب و مثال خلق قويم و نفس مستقيمة. ما فاه و اللّه بحياته في المدرسة بكلمة إلاّ و بعثت في نفس سامعها النشوة و الحبور، و ما التقت عيناه لفرط خجله مرة عيني أحد مدرّسيه، فهو لا يحدّث إلاّ و رأسه منحن و عيناه مسبلتان. أحببته طفلا صغيرا بريئا و أجللت فيه شيخا كبيرا لما ألمّ به من علم و معرفة حتى إنّني قلت له ذات يوم: إنّني أتوقّع أن يأتي يوم ننهل فيه من علمك و معرفتك و نهتدي بأفكارك و آرائك، فكان جوابه بكل أدب و احترام و قد علت وجهه حمرة الخجل: عفوا أستاذ فأنا لا أزال و سأبقى تلميذكم و تلميذ كلّ من أدّبني و علّمني في هذه المدرسة و سأبقى تلميذكم المدين إليكم بتعليمي و تثقيفي.

ثم ختم الرجل حديثه بقوله: أ تريدني بعد كلّ هذا أن لا أحزن عليه حزن الثاكل. و لكنّ الذي يبعث لنا السلوى و يمكّننا من الصبر و يسري عن نفوسنا أنّه ترك لنا أسفارا يحدّثنا فيها. فهو اليوم في كلّ بيت من بيوتنا مقيم بين صفحات كتبه و مؤلّفاته نحدّثه و يحدّثنا عن آرائه و أفكاره العلميّة الخالدة و صوره المطبوعة في قلوبنا. فرحمه اللّه و يا ليتنا كنا أو سنكون بركبه سائرين. و أنهى الحديث بآهة و دمعة انحدرت من عينيه.« الآن حال لنا أن نمضي مع حياة هذا الطالب كي نرى ما ذا جرى بعد


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 42/ الجزء الأول

 

خروجه من المدرسة الابتدائية.

و نعود هنا مرّة أخرى الى ما استفدناه من رسالة المرحوم السيد عبد الغني الأردبيلي (قدس سره):

قرأ - رحمه اللّه - في الحادية عشرة من عمره المنطق و كتب رسالة في المنطق يعترض فيها باعتراضات على بعض الكتب المنطقية.

و قد قرأ أكثر الأبحاث المسماة بالسطح العالي بلا أستاذ.

و في أوائل الثانية عشرة من عمره درس معالم الأصول على يد أخيه المرحوم السيد إسماعيل و كان من شدّة ذكائه يعترض على صاحب المعالم بإيرادات وردت في الكفاية.

منها: إنّه ورد في بحث الضد في كتاب المعالم الاستدلال على حرمة الضدّ بأنّ ترك أحدهما مقدّمة للآخر، فاعترض عليه شهيدنا الصدر بقوله: »إذن يلزم الدور«.

فقال له المرحوم السيد إسماعيل: هذا ما اعترض به صاحب الكفاية على صاحب المعالم.

هاجر الأستاذ الشهيد في سنة (1365 ه) من الكاظميّة إلى النجف الأشرف و تتلمذ على يدي علمين من أعلام النجف:

1 - آية اللّه الشيخ محمد رضا آل ياسين رضوان اللّه عليه.

2 - آية اللّه السيد أبو القاسم الخوئي الذي لا زال يعيش في النجف الأشرف.

و كان يحضر معه درس المرحوم آل ياسين ثلة من العلماء الأكابر أمثال:

1 - آية اللّه الشيخ صدرا البادكويي.

2 - و آية اللّه الشيخ عباس الرميثي.

3 - و آية اللّه الشيخ طاهر آل راضي.

4 - و حجة الإسلام و المسلمين السيد عبد الكريم علي خان.

5 - و حجة الإسلام و المسلمين السيد محمد باقر الشخص.

6 - و حجة الإسلام و المسلمين السيد إسماعيل الصدر.

و آخرين من أهل الفضل و العلم.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 43/ الجزء الأول

 

و قد انتهى بحث الشيخ آل ياسين يوما إلى مسألة أنّ الحيوان هل يتنجس بعين النجس و يطهر بزوال العين أو لا يتنجس بعين النجس فذكر الشيخ آل ياسين (رحمه اللّه): إن الشيخ الأنصاري - قدس سره - ذكر في كتاب الطهارة: إن هنا ثمرة في الفرق بين القولين تظهر بالتأمّل. و قال الشيخ آل ياسين: أنّ أستاذنا المرحوم السيّد إسماعيل الصدر حينما انتهى بحثه إلى هذه المسألة طلب من تلاميذه أن يبيّنوا ثمرة الفرق بين القولين فبيّنّا له ثمرة في ذلك. و أنا الآن أطلب منكم أن تأتوا لي غدا بعد التفكير و التأمل بثمرة القولين.

فحضر شهيدنا الصدر في اليوم التالي قبل الآخرين لدى أستاذه و قال: إني جئت بثمرة للقولين، فتعجّب الشيخ آل ياسين من ذلك لأن صغر سنّه وقتئذ كان يوحي إلى الشيخ آل ياسين بأن حضوره مجلس الدرس ليس حضورا اكتسابيّا بالمعنى الحقيقي للكلمة و إنما هو حضور ترفيهي. فذكر شهيدنا الصدر ما لديه من الثمرة ممّا أدهش الأستاذ آل ياسين لفرط ذكاء هذا التلميذ الصغير و نبوغه و قال له: أعد بيان الثمرة لدى حضور باقي الطلاب.

و حينما حضر الطلاّب الآخرون طالبهم الشيخ الأستاذ بالثمرة، فلم يتكلّم منهم أحد فيقول الشيخ: إن السيد محمد باقر الصدر أتى بثمرة للخلاف غير الثمرة التي نحن أتينا بها إلى أستاذنا. و هنا يبيّن شهيدنا الصدر ما لديه من الثمرة و يثير إعجاب الحاضرين و يعرف من ذلك الحين لدى أكابر الحوزة العلمية بالذكاء و النبوغ العلمي.

قال أخوه المرحوم السيد إسماعيل الصدر (رحمه اللّه): »سيدنا الأخ بلغ ما بلغ في أوان بلوغه«.

و في سنة 1370 توفّي الشيخ آل ياسين (رحمه الله). و علّق المرحوم الشيخ عبّاس الرميثي بتعليقته على رسالة الشيخ آل ياسين المسماة بلغة الراغبين، و لفرط اعتقاده و شدة إيمانه بذكاء شهيدنا الصدر و نبوغه طلب منه أن يحضر مجلس التحشية، فلبّى الشهيد دعوة أستاذه و اشترك في مجلس التحشية. و هو أيضا كتاب وقتئذ تعليقة على بلغة الراغبين. و كان يقول له الشيخ عباس الرميثي في ذاك التاريخ: إن التقليد عليك حرام.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 44/ الجزء الأول

 

و قد حضر شهيدنا الغالي من سنة 1365 درس أستاذه آية اللّه الخوئي فقها و أصولا. و أنهى تحصيلاته الأصولية في سنة 1378 و الفقهية في سنة 1379.

و كانت مدة تحصيلاته العلميّة من البداية إلى النهاية حوالي سبع عشرة سنة أو ثماني عشرة سنة. و لكنّ هذه المدّة رغم قصرها زمنا كانت في واقعها مدّة واسعة، حيث إنّ شهيدنا الصدر كان يستثمر من كل يوم 16 ساعة لتحصيل العلم، فمن حين استيقاظه من النوم في اليوم السابق إلى ساعة النوم في اليوم اللاّحق كان يلاحق المطالعة و التفكير عند قيامه و قعوده و مشيه.

بدأ شهيدنا الصدر بتدريس خارج الأصول في سنة 1378 في يوم الثلاثاء 12 - ج 2 و أنهى الدورة الأولى في يوم الثلاثاء 12 - ربيع الثاني - 1391 و كانت آخر كلماته في البحث ما يلي:

»و بهذا انتهى الكلام في هذا التنبيه و به انتهى الكلام في مبحث التعادل و التراجيح و به انتهت هذه الدورة من علم الأصول«.

و بدأ الشهيد بتدريس خارج الفقه على نهج العروة الوثقى في سنة 1381.

إلى هنا انتهى ما استفدناه من رسالة المرحوم السيد عبد الغني الأردبيلي (رحمه اللّه).


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 45/ الجزء الأول

 

ذكريات عن حياة شهيدنا الصدر

1 - حدثني - رحمه الله - ذات يوم: أنه حينما كتب كتاب (فلسفتنا) أراد طبعه باسم جماعة العلماء في النجف الأشرف بعد عرضه عليهم متنازلا عن حقّه في وضع اسمه الشريف على هذه الكتاب. إلاّ أنّ الذي منعه عن ذلك أنّ جماعة العلماء أرادوا إجراء بعض التعديلات في الكتاب، و كانت تلك التعديلات غير صحيحة في رأي أستاذنا الشهيد، و لم يكن يقبل بإجرائها فيه، فاضطر أن يطبعه باسمه. قال - رحمه اللّه - إني حينما طبعت هذا الكتاب لم أكن أعرف أنه سيكون له هذا الصيت العظيم في العالم و الدويّ الكبير في المجتمعات البشرية ممّا يؤدي إلى اشتهار من ينسب إليه الكتاب. و أنا الآن أفكر أحيانا أني لو كنت مطّلعا على ذلك، و على مدى تأثيره في إعلاء شأن مؤلّفه لدى الناس، فهل كنت مستعدّا لطبعه باسم جماعة العلماء و ليس باسمي كما كنت مستعدّا لذلك أو لا؟ و أكاد أبكي خشية أنّي لو كنت مطّلعا على ذلك لم أكن استعدّ لطبعه بغير اسمي.

رحمك اللّه يا أبا جعفر و هنيئا لك على هذه الروح الطاهرة و المعنويات العالية العظيمة، في حين كنت تعيش في مجتمع يتكالب أكثر أبنائه على سفاسف الدنيا أو زعاماتها، أو كسب مديح الناس و ثنائهم، أو جمع ما يمكنهم من حطام الدنيا و نعيمها من حلال أو حرام.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 46/ الجزء الأول

 

2 - انفصل أحد طلابه عن درسه و عن خطه الفكري الإسلامي. ثم بدأ يشتمه و ينال منه في غيابه أمام الناس، و كان كثير من كلماته تصل الى مسامع أستاذنا العظيم، و كنت ذات يوم جالسا بحضرته الشريفة فجرى الكلام عن هذا الطالب الذي ذكرناه فقال - رضوان اللّه عليه -: أنا لا زلت أعتقد بعدالة هذا الشخص و أنّ ما يصدر منه ناتج من خطأ في اعتقاده و ليس ناتجا من عدم مبالاته بالدين.

3 - ذكر (رحمه الله) ذات يوم لصفوة طلاّبه: إنّ ما تعارفت عليه الحوزة من الاقتصار على الفقه و الأصول غير صحيح، و يجب عليكم أن تتثقفوا بمختلف الدراسات الإسلاميّة، و أمرهم بمباحثة كتاب فلسفتنا فيما بينهم، فعقدوا بحثا في بيتي الواقع وقتئذ في النجف الأشرف في الشارع الثاني مما كان يسمى ب (الجديدة). و في أوّل يوم شرعوا في المباحثة وجدنا طارقا يطرق الباب ففتحت له الباب و إذا بأستاذنا الشهيد قد دخل و حضر المجلس و قال: إنّني إنّما حضرت الآن هذا المجلس لأني أعتقد أنه لا يوجد الآن مجلس أفضل عند اللّه من مجلسكم هذا الذي تتباحثون فيه في المعارف الإسلاميّة، فأحببت أن أحضر هذا المجلس الذي هو أفضل المجالس عند اللّه.

هكذا كان يشوق طلابه و يرغبهم في تكميل أنفسهم في فهم المعارف الإسلامية، و هو الأب الرؤوف و العطوف الحنون على طلاّبه. فو اللّه إنّنا قد أيتمنا بفقد هذا الأب الكبير فلعن اللّه من أيتمنا و فجع الأمّة الإسلامية بقتل هذا الرجل العظيم، اللّهم مزّق الذين شاركوا في دمه الطاهر تمزيقا و اجعلهم طرائق قددا، و أرنا ذلّهم في الدنيا قبل الآخرة و زدهم عذابا فوق العذاب، إنّك.

أنت السميع المجيب.

4 - حضرت بحثه في أوائل أيّام تعرّفي عليه في بحث الترتّب، و لم يكن ذلك منّي بنيّة الاستمرار و بعد إنهائه لبحث الترتّب صممت على ترك الحضور لبعض المشاكل الحياتية و الصحّية التي كانت تمنعني من الاستمرار. فاطلع - رضوان اللّه عليه - على تصميمي هذا فطلب مني - رحمه الله - أن أعدل عن هذا التصميم. و أستمر في الحضور في بحثه الشريف و قال: أنا أضمن لك أنّك


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 47/ الجزء الأول

 

بقيت مستمرا في هذا البحث مدة خمس سنين ستكون مجتهدا، فشرحت له بعض المشاكل التي تحيط بي و التي تمنعني عن الحضور. فتركت الحضور برهة من الزمن إلى أن انتهت تلك المشاكل المانعة، فاستأنفت مرّة أخرى الحضور في بحثه الشريف الى أن قدّر اللّه لي الهجرة الى إيران. و حينما مضى على حضوري في بحثه الشريف خمس سنين أو أكثر تشرفت بالحضور لدى الأستاذ ذات يوم و قلت له: أنت وعدتني بأني لو حضرت البحث خمس سنين سأكون مجتهدا. و ها هو الحضور بهذا المقدار قد حصل و لم يحصل الاجتهاد. فأجابني - رضوان اللّه عليه - بأن مفهوم الاجتهاد قد تغيّر عندك فالاجتهاد بالمستوى المتعارف عليه في الحوزة العلميّة قد حصل، و لكنك تريد الاجتهاد على مستوى هذا البحث.

5 - رأيت ذات ليلة في عالم الرؤيا أنّ نبيا من الأنبياء قد حضر بحث أستاذنا، و تشرفت بعد هذا ذات يوم بلقاء أستاذنا الشهيد في بيته الذي كان واقعا وقتئذ في شارع الخورنق و حكيت له الرؤيا. فقال لي: إنّ تعبير هذه الرؤيا هو أنّني سوف لن أوفق لتطبيق رسالتي التي نذرت نفسي لأجلها و سيأتي تلميذ من تلاميذي يكمل الشوط من بعدي. ذكر - رضوان اللّه عليه - هذا الكلام في وقت لم يكن يخطر بالبال أنه ستأتي ظروف تؤدّي الى استشهاده.

6 - كان يقول - رضوان اللَّه عليه - إنّني في الأيام التي كنت أطلب العلم كنت أعمل في طلب العلم كل يوم بقدر عمل خمسة أشخاص مجدّين.

7 - و قال أيضا - رحمه اللَّه -: إنّني كنت أعيش في منتهى الفقر و الفاقة، و لكنّني كنت اشتغل منذ استيقاظي من النوم في كل يوم بطلب العلم، كنت أنسى كلّ شي‏ء و كلّ حاجة معيشيّة إلى أن كنت أفاجأ من قبل العائلة بمطالبتي بغذاء يقتاتون به و كنت أحتار عندئذ في أمري.

8 - أدركت الأستاذ الشهيد فيما بعد أيّام فقره و فاقته حينما كان مدرّسا معروفا في الحوزة العلميّة في النجف الأشرف و مع ذلك كان يعاني من الضيق المالي، و كان يدرّسنا في مقبرة آل ياسين في حر الصيف و لم تكن وسيلة تبريد في تلك المقبرة، و لم يكن يمتلك وسيلة تبريد في بيته. و كان المتعارف وقتئذ في


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 48/ الجزء الأول

 

النجف الأشرف عدم وجود عطلة صيفيّة لطلاب الحوزة العلميّة فكان الطلبة يدرسون حتّى في قلب الحر الشديد.

و لا أنس أنّ المرحوم السيد عبد الغني الأردبيلي (رحمه اللَّه) تشرّف ذات يوم بخدمته في بيته الواقع في محلّة العمارة فيما بعد الزقاق المسمى ب (عقد الإسلام) و قال له: إنّ الحر شديد و طلابك يعانون من الحر في ساعة الدرس في مقبرة آل ياسين. فأذن لنا بشراء مبرّدة نضعها في المقبرة لتبريد الجوّ، و لي صديق من التركمان في شمال العراق من بيّاعي المبرّدات، و هو مستعد لتزويدكم بمبردة بسعر الكلفة، و هو سعر يسير و يقسّط السعر عليكم أشهرا عديدة لا يأخذ منكم في كل شهر عدا دينارين. فسكت أستاذنا الشهيد (رحمه اللَّه) خجلا و حياء من أن يقول إنّ وضعي الاقتصادي لا يسمح بهذا. و لكن المرحوم السيّد عبد الغني اعتقد أنّ السكوت من الرضا فاستورد مبرّدة و وضعها في المقبرة ثمّ أخبر أستاذنا الشهيد بما فعل، فرأيت وجه أستاذنا قد تغيّر حيرة في كيفية دفع هذا المبلغ اليسير. إلاّ أنّ المرحوم السيد عبد الغني (رحمه اللَّه) لم ينتبه إلى ذلك. و على أيّ حال فقد التزم أستاذنا الشهيد بدفع المبلغ. و لا أعرف كيف كان يؤمّن ما عليه إلاّ أنني كنت أعلم أنّه كان يدفع كلّ شهر دينارين إلى السيّد عبد الغني كي يدفعه إلى صاحبه أداء للدين.

9 - تربيته لأطفاله كان يقول - رحمه اللَّه - إنّ تربية الطفل بحاجة الى شي‏ء من الحزم و الخشونة من ناحية، و إلى اللين و النعومة و إبراز العواطف من ناحية أخرى. و قد تعارف عندنا في العوائل أنّ الأب يقوم بالدور الأوّل الأم تقوم بالدور الثاني قال - رحمه اللَّه -: و لكنّني اتفقت مع (أم مرام) على عكس ذلك فطلبت منها أن تقوم بدور الجزم و الخشونة مع الأطفال لدى الحاجة كي أتمحض أنا معهم في أسلوب العواطف و اللّين و إبراز الحبّ و الحنان. و كان السبب في ذلك أنه كان يرى نفسه أقدر على تربية أطفاله على العادات و المفاهيم الإسلاميّة، فكان يريد للأطفال أن لا يروا فيه عدا ظاهرة الحبّ و الحنان كي يقوى تأثير ما يزقّه في نفوسهم من القيم و الأفكار، فلا بدّ أن تملأ حاجتهم إلى الصلابة و الخشونة


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 49/ الجزء الأول

 

عن طريق الأمّ.

كان يقول - رحمه اللَّه - إني نفثت في نفس ابنتي مرام - و كانت وقتئذ طفلة صغيرة - الحقد على الصهاينة. قال: قد صادف أن حدثتها ذات يوم عن ظلمهم للمسلمين من قتل أو قصف. فبان عليها انكسار الخاطر و تكدّر العيش، فأردفت ذلك بذكر قصة أخرى من حكايات قصف المسلمين لإسرائيل فاهتزّت فرحا و ضحكت و استبشرت لتلك القصة.

و كثيرا ما كان يصله - رحمه اللَّه - من الحقوق الشرعيّة ما يصل عادة بيد المراجع و لكنّه (رحمه اللَّه) قال إني فهمت ابنتي مرام أنّ هذه الأموال الموجودة لدينا ليست ملكا لنا، فكانت هذه الطفلة البريئة تقول أحيانا: إنّ لدى والدي الأموال الكثيرة و لكنّها ليست له، ذلك لكي لا تتربى على توقّع الصرف الكثير في البيت بل تتربّى على القناعة و عدم النظر إلى هذه الأموال كأملاك شخصيّة.

10 - في الفترة التي عيّنت حكومة البعث الغاشم ستّة أيّام لتسفير الإيرانيين بما فيهم طلاّب الحوزة العلميّة من النجف إلى إيران رأيت أحد طلبة العلوم الدينيّة في النجف الأشرف مودّعا لأستاذنا الشهيد، فرأيت الأستاذ يبكي في حالة وداعه إيّاه بكاء الثكلي رغم أنّه كان يعرف أن هذا الرجل يعدّ في صفوف المناوئين له.

11 - و بعد تلك الأيّام حدّثني الأستاذ (رحمه اللَّه) ذات يوم فقال إنّني أتصور أنّ الأمّة مبتلاة اليوم بالمرض الذي كانت مبتلاة به في زمن الحسين عليه السلام، و هو مرض فقدان الإرادة فالأمّة تعرف حزب البعث و الرجال الحاكمين في العراق و لا تشك في فسقهم و فجورهم و طغيانهم و كفرهم و و ظلمهم للعباد و لكنّها فقدت قوة الإرادة التي بها يجب أن تصول و تجاهد في سبيل اللَّه إلى أن تسقط هذه الزمرة الكافرة عن منصب الحكم و ترفع كابوس هذا الظلم عن نفسها. و علينا ان نعالج هذا المرض كي تدب حياة الإرادة في عروق هذه الأمّة الميّتة و ذلك بما عالج به الإمام الحسين (ع) عرض فقدان الإرادة في نفوس الأمّة وقتئذ، و هو التضحية الكبيرة التي هزّ بها المشاعر و أعاد


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 50/ الجزء الأول

 

بها الحياة إلى الأمّة إلى أن انتهى الأمر بهذا السبب إلى سقوط دولة بني أميّة.

فعلينا أن نضحي بنفوسنا في سبيل اللَّه و نبذل دماءنا بكلّ سخاء في سبيل نصرة الدين الحنيف. و الخطّة التي أرى ضرورة تطبيقها اليوم هي أن أجمع ثلة من طلاّبي و من صفوة أصحابي الذين يؤمنون بما أقول و يستعدّون للفداء و نذهب جميعا إلى الصحن الشريف متحالفين فيما بيننا على أن لا نخرج من الصحن أحياء. و أنا أقوم خطيبا فيما بينهم ضدّ الحكم القائم و يدعمني الثلّة الطيّبة الملتفّة من حولي، و نثور بوجه الظلم و الطغيان فسيجابهنا جمع من الزمرة الطاغية و نحن نعارضهم (و لعلّه قال: و نحمل السلاح) إلى أن يضطرّوا إلى قتلنا جميعا في الصحن الشريف. و سأستثني ثلة من أصحابي عن الاشتراك في هذه المعركة كي يبقوا أحياء من بعدي و يستثمروا الجوّ الذي سيحصل نتيجة لهذه التضحية و الفداء.

قال (رحمه اللَّه): إن هذا العمل مشروط في رأيي بشرطين:

الشرط الأوّل - أن يوجد في الحوزة العلميّة مستوى من التقبّل لعمل من هذا القبيل. أما لو أطبقت الحوزة العلميّة على بطلان هذا العمل و كونه عملا جنونيّا أو مخالفا لتقيّة واجبة، فسوف يفقد هذا العمل أثره في نفوس الأمّة و لا يوفي ثماره المطلوبة.

و الشرط الثاني - أن يوافق أحد المراجع الكبار مسبقا على هذا العمل كي يكتسب العمل في ذهن الأمّة الشرعيّة الكاملة.

فلا بدّ من الفحص عن مدى تواجد هذين الشرطين: أمّا عن الشرط الأول فصمم الأستاذ (رحمه اللَّه) على أن يبعث رسولا إلى أحد علماء الحوزة العلميّة لجس النبض ليعرض عليه هذه الفكرة و يستفسره عن مدى صحّتها و بهذا الأسلوب سيعرف رأي عالم من العلماء كنموذج لرأي يتواجد في الحوزة العلمية. و قد اختار (رحمه اللَّه) بهذا الصدد إرسال سماحة الشيخ محمد مهدي الآصفي (حفظه اللَّه) إلى أحد العلماء، و أرسله بالفعل إلى أحدهم كي يعرض الفكرة عليه و يعرف رأيه، ثم عاد الشيخ إلى بيت أستاذنا الشهيد و أخبر الأستاذ بأنّه ذهب إلى ذاك العالم في مجلسه و لكنّه لم يعرض عليه الفكرة


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 51/ الجزء الأول

 

و كان السبب في ذلك أنّه حينما دخل المجلس رأي أنّ هذا الشخص مع الملتفين حوله قد سادهم جوّ من الرعب و الانهيار الكامل نتيجة قيام الحكومة الحكومة البعثيّة بتفسير طلبة الحوزة العلميّة، و لا توجد أرضيّة لعرض مثل هذه الفكرة عليه إطلاقا.

و أمّا عن الشرط الثاني فرأي أستاذنا الشهيد (رحمه اللَّه) أن المرجع الوحيد الذي يترقّب بشأنه أن يوافق على فكرة من هذا القبيل هو الإمام الخميني - دام ظلّه - الذي كان يعيش وقتئذ في النجف الأشرف فلا يصح أن يكون هذا العمل من دون استشارته، فذهب هو - رضوان اللَّه عليه - إلى بيت السيّد الإمام و عرض عليه الفكرة مستفسرا عن مدى صحّتها، فبدا على وجه الإمام (دام ظلّه) التألّم و أجاب على السؤال بكلمة (لا أدري). و كانت هذه الكلمة تعني أنّ السيد الإمام دام ظله كان يحتمل أن تكون الخسارة التي ستوجّه إلى الأمّة من جرّاء فقد هذا الوجود العظيم أكبر ممّا قد تترتّب على هذا العمل من الفائدة.

و بهذا و ذلك تبين أنّ الشرطين مفقودان فعدل أستاذنا الشهيد (رحمه اللَّه) عن فكرته و كان تاريخ هذه القصة بحدود سنة 1390 أو 1391 ه.

12 - كان الأستاذ الشهيد (رحمه اللَّه) يصلّي في الحسينيّة الشوشتريّة صلاة الجماعة إماما. فاتفق ذات يوم أنّه غاب عن صلاة الجماعة لعذر له، فطلب جمع من المؤمنين من السيد محمد الصدر ابن المرحوم السيّد محمد صادق الصدر أن يؤمّ الناس في ذاك اليوم بدلا عن الأستاذ، فاستجاب السيّد محمّد الصدر لطلب المؤمنين (و هو من حفدة عمّ الشهيد الصدر و من تلامذته، و كان معروفا بالزهد و الورع و التقوى) فصلّى الناس خلفه جماعة ثمّ اطلع أستاذنا الشهيد (رحمه اللَّه) على ذلك، فبان عليه الأذى و منع السيّد محمّد الصدر عن أن يتكرّر منه هذا العمل. و كان السبب في ذلك رغم علمه بأنّ حفيد عمه أهل و محلّ لإمامة الجماعة - أنه تعارف لدى قسم من أئمة الجماعة الاستعانة في غيابهم بنائب عنهم يختار من أقربائهم أو أصحابهم لا لنكتة موضوعيّة بل لأنّه من أقربائه أو أصحابه فقد يحمل ما وقع من صلاة حفيد العم في نظر الناس غير المطّلعين على حقيقة الأمر على هذا الحمل، بينما لا بدّ من كسر هذه العادة


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 52/ الجزء الأول

 

و حصر إمامة الجماعة في إطار موضوعيّ صحيح و تحت مقياس دقيق تلحظ فيه مصالح الإسلام و المسلمين زائدا على الشرائط الأوّليّة الفقهيّة لإمامة الجماعة، فلهذا منع حفيد العمّ عن هذا العمل رغم علمه بتواجد الشرائط و المصالح فيه ما دام العمل قابلا في نظر الناس للتفسير غير الصحيح.

13 - حدّثني الأستاذ (رحمه اللَّه) أنّه كان في فترة من الزمن في أيّام طلبه للعلم يتشرّف يوميّا ساعة من الزمن إلى الحرم الشريف بغرض أن يفكّر في تلك الساعة في المطالب العلميّة و يستلهم من بركات الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام). ثمّ قطع هذه العادة و لم يكن أحد مطّلعا عليها و إذا بامرأة في بيت الأستاذ و لعلها والدته الكريمة (الشك مني و ليس من الأستاذ) رأت في عالم الرؤيا أمير المؤمنين عليه السلام يقول لها ما مضمونه: قولي لباقر لما ذا ترك درسه الذي كان يتتلمذ به لدينا؟.

14 - رأى أحد طلاّبه ذات يوم في عالم الرؤيا أنّه يمشي هو و زميل آخر له من طلاب السيّد الشهيد بخدمة الأستاذ في طريقهم إلى مقصد ما، و إذا بحيوانات مفترسة هجموا على السيد الشهيد كي يقطعوه ففر الزميلان من بين يديه و جاء ناس آخرون التفّوا حول الأستاذ كي يحموه من تلك السباع فحدّث هذا الطالب بعد ذلك أستاذنا الشهيد برؤياه فقال له الأستاذ: إنّ تعبير رؤياك أنكما ستنفصلان و تبتعدان عني، و يأتي ناس آخرون يلتفّون حولي و يكونون رفاقي في الطريق. و كان هذا الكلام غريبا على مسامع ذاك الطالب لأنّه و زميله كانا آنذاك من أشدّ الملتصقين بوضع الأستاذ و لكن ما مضت الأيّام و الليالي إلاّ و ابتعدا عن الأستاذ (أحدهما بالسفر و الآخر بترك الدرس رغم وجوده في النجف).

15 - سألت الأستاذ - رحمه اللَّه - ذات يوم عن أنّه هل قلّد في حياته عالما من العلماء أولا؟ فأجاب - رضوان اللَّه عليه - بأنّي قلّدت قبل بلوغي سنّ التكليف المرحوم الشيخ محمد رضا آل ياسين، أمّا من حين البلوغ فلم أقلّد أحدا. و لا أذكر أنّه قال: كنت من حين البلوغ أعمل برأيي أو قال: كنت بين العمل بالاحتياط و العمل بالرأي.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 53/ الجزء الأول

 

16 - حدّثني - رضوان اللَّه عليه - بعد رجوع المرحوم آية اللَّه العظمى السيّد الحكيم من لندن (إذ كان ذهب إلى لندن في أواخر حياته للعلاج): أنّه رأى ذات يوم آية اللَّه الحكيم قبل مرضه في حرم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فألهم أستاذنا رضوان اللَّه عليه بأنّ هذه آخر رؤية له للسيّد الحكيم و سوف لن يتوفّق لرؤيته مرة أخرى إلى أن يتوفّى السيد الحكيم. و بعد ذلك بأيام قلائل تمرض السيّد (رحمه اللَّه) و استمر به المرض إلى أن ذهبوا به إلى لندن للعلاج و لم يشف من مرضه. و حينما رجع السيّد من لندن، و كان ينزل في مطار بغداد من درج الطائرة حاول أستاذنا (رحمه اللَّه) أن يلقي نظرة على السيد الحكيم كي يراه ليثبت بذلك أنّ ما الهم به كان وهما لا قيمة له، فيأمل أن يشفى السيّد من مرضه و يعيش صحيحا سالما إلاّ أنه لم يوفّق الأستاذ لرؤية السيد إلى أن توفي بنفس المرض - قدس اللَّه روحه الزكيّة.

17 - زار زيد حيدر عضو القيادة القومية لحزب البعث السيد الشهيد - رحمه اللَّه - ذات يوم بصحبة عبد الرزّاق الحبوبي [1] و تكلّم الأستاذ الشهيد (رحمه اللَّه) معه في جملة من المؤاخذات على الدولة بالقدر الذي كانت الظروف تسمح بالكلام معه فيها، و كان يعتبر هذا في تلك الظروف موقفا جريئا من الأستاذ (قدّس سرّه). و قد حضر المجلس ثلّة من طلاّب السيّد الشهيد و أصحابه، و كنت أنا أحد الحضّار. و لكن بما أنّ طول الزمان أنساني أكثر مضامين ما دار في تلك الجلسة أكتب هنا ما كتبه أبو محمد (الشيخ عبد الحليم) حفظه اللَّه، و لم يكن وقتئذ حاضرا في المجلس و لكنّ الأستاذ الشهيد (رحمه اللَّه) قصّ له القصّة. قال الشيخ عبد الحليم: »تحدث السيد الشهيد أمامي عن طبيعة الحديث الذي دار بينه و بين (زيد حيدر) و بحضور الحبوبي قال رحمه اللَّه: دخلت الغرفة و كان فيها (زيد حيدر) و بعد دقائق دخل الحبوبي الغرفة فسلم عليّ و ابتسم و كأنّه كان مستحيا لأنّه كان يصلّي في الغرفة الثانية و يتظاهر بالخجل من تأخيرها إلى ذلك الوقت عصرا. و بدأت

 

____________________________

 

[1] كان عبد الرزاق الحبوبي وقتئذ محافظ كربلاء أو قائم قام النجف.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 54/ الجزء الأول

 

الحديث مع زيد بحضور الحبوبي و شرحت دور الحوزة العلميّة و العلماء في تحريك الأمّة و في تربية الأمة، فعلماء الدين الشيعة يختلفون عن علماء المسيحيّة مثلا، حيث إنّ الأمّة مرتبطة بالعالم الشيعي، و بدأت بسرد الأحداث التاريخيّة التي تدلّ على دور العلماء فثورة العشرين اختلط فيها دم العالم مع دم العامل و الفلاّح مع دم الأمّة و الشعب حيث قاد العلماء الثورة. و السيّد شرف الدين (رحمه اللَّه) قاوم الاستعمار الفرنسي في لبنان، و بعد ذلك تعرّض إلى حرق مكتبته و كتبه المخطوطة و غيرها، و كانت عصارة جهده و عصارة حياته و أعزّ شي‏ء عنده (و كذلك على ما أتذكر انه ذكر قصة التنباك) ثم عرجت على دور الحوزة العلميّة في الوقت الحاضر، و ذكرت له إنّ كثيرا من أبناء الشعب يراجعونني حول جواز أو حرمة التأخر عن الدوام الرسميّ، فإذا أفتيت لهم بالجواز أو الحرمة فإنّه يؤثّر على الدولة، و كذلك يسألني الكثير من المقلّدين حول مسألة جواز سرقة أموال الدولة، فإذا أفتيت بالجواز فسوف يؤثّر على الدولة و... ثم بيّنت أنّ الدولة حاليّا لا تتعاون مع العلماء حتّى في المسائل الشرعيّة فإنّ مذبحا كبيرا في بغداد غير موجّه على القبلة، و ما ذا يضرّ الدولة إذا كان المذبح على القبلة، بينما إذا كان الذبح غير شرعي فسوف لن تشترى كثير من اللحوم.

يقول الشهيد و في هذا المقطع من الحديث التفت الحبوبي قائلا إنّي أتعجّب أن يكون الذبح هنا غير شرعي علما بأنّي عند ما أسافر إلى الخارج أحاول الحصول على لحم مذبوح على الطريقة الإسلاميّة فكيف يكون ذبح العراق غير شرعي؟ و بعد ذلك تحدّثت عن محاولة الدولة شقّ طريق يقتضي بموجبه أو اقتضى تهديم مقام الحسين بن روح أحد نواب الإمام المهدي (ع) و للشيعة ارتباط تاريخي في هذا المكان و الآن بعض أجزاء مقامه محلات و دكاكين.

هذا مضمون ما أتذكر و اللَّه العالم« انتهى ما كتبه الشيخ عبد الحليم حفظه اللَّه مع تغيير يسير في العبارة.

و من جملة ما قاله الأستاذ الشهيد في حديثه مع زيد حيدر: إنّ الدولة لو أرادت أن تعرف آراء الشعب و نظرياته يجب أن يراجع العلماء فإنهم هم معدن أسرار الأمة و محط ثقتهم و هم لسان الأمة.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 55/ الجزء الأول

 

و في نهاية المجلس خاطب الحبوبي زيد حيدر و قال له: انظر إلى هذا الرجل (يشير الى السيد الشهيد الصدر) كيف يتكلم بكلام لطيف فلنجعله عالما للبعثيين. و هنا ضحك الحضّار فقال لهم الحبوبي لما ذا تضحكون؟ فقال الأستاذ الشهيد (رحمه اللَّه): أنا عالم المسلمين و لست عالم البعثيين.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 57/ الجزء الأول

 

المقام العلمي الشامخ لأستاذنا الشهيد

تتميّز الأبحاث العلمية لأستاذنا الشهيد عن سائر الأبحاث العلميّة المألوفة بالدقة الفائقة و العمق الذي يقل نظيره من ناحية، و بالسعة و الشمول لكل جوانب المسألة المبحوث عنها من ناحية أخرى، حتى أن الباحث الجديد لها قلّ ما يحصل على منفذ للتوسيع أو التعميق الزائدين على ما أتى به الأستاذ.

إضافة إلى كل هذا، نرى من مميزات أستاذنا العلمية أن أبحاثه لم تقتصر على ما تعارفت عليه أبحاث العلماء في النجف الأشرف وقتئذ من الفقه و الأصول، بل شملت سائر المرافق الفكرية الإسلامية كالفلسفة و الاقتصاد و المنطق و الأخلاق و التفسير و التاريخ، و في كل مجال من هذه المجالات ترى بحثه مشتملا على نفس الامتيازين الملحوظين في أبحاثه الأصولية و الفقهية من العمق و الشمول.

ففي علم الأصول

نستطيع أن نعتبر المرحلة الّتي وصل إليها مستوى البحث الأصولي على يد الأستاذ، عصرا رابعا من أعصر العلم و تطوراته التي مرّ بها علم الأصول على حدّ مصطلحات أستاذنا في كتاب (المعالم الجديدة للأصول) حيث قسّم - رضوان اللّه عليه - الأعصر التي مرّ بها علم الأصول من المراحل الّتي بلغ التمايز النّوعي فيما بينها إلى ما ينبغي جعله حدا فاصلا بين عصرين، قسّمها إلى ثلاثة أعصر:


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 58/ الجزء الأول

 

الأول - ما أسماه بالعصر التّمهيدي قال: (و هو عصر البذور الأساسيّة لعلم الأصول و يبدأ هذا العصر بابن أبي عقيل و ابن الجنيد، و ينتهي بظهور الشيخ الطوسي رحمه اللّه).

و الثاني - ما أسماه بعصر العلم قال: (و هو العصر الذي اختمرت فيه تلك البذور و أثمرت، و تحددت معالم الفكر الأصولي و انعكست على مجالات البحث الفقهي في نطاق واسع. و رائد هذا العصر هو الشيخ الطوسي، و من رجالاته الكبار ابن إدريس و المحقق الحلي و الشهيد الأوّل و غيرهم من النوابغ).

و الثّالث - ما أسماه بعصر الكمال العلمي قال: (و هو العصر الّذي افتتحته في تاريخ العلم المدرسة الجديدة التي ظهرت في أواخر القرن الثاني عشر على يد الأستاذ الوحيد البهبهاني، و بدأت تبني للعلم عصره الثالث بما قدمته من جهود متضافرة في الميدانين الأصولي و الفقهي).

ثم قسّم - رضوان اللّه عليه - العصر الثالث من عصور علم الأصول إلى ثلاث مراحل بإمكانك أن تراجع تفصيل ذلك في المعالم الجديدة، قال - قدس سره -: (و لا يمنع تقسيمنا هذا لتاريخ العلم إلى عصور ثلاثة إمكانية تقسيم العصر الواحد من هذه العصور إلى مراحل من النمو، و لكلّ مرحلة رائدها و موجّهها، و على هذا الأساس نعتبر الشيخ الأنصاري - قدس سره - المتوفّى سنة (1281 ه - ق) رائدا لأرقى مرحلة من مراحل العصر الثالث و هي المرحلة التي يتمثل فيها الفكر العلمي منذ أكثر من مائة سنة حتى اليوم).

و طبعا، بيّن - رحمه اللّه - كل هذا بعد توضيح أنّ بذرة التفكير الأصولي وجدت لدى فقهاء أصحاب الأئمة عليهم السلام منذ أيام الصّادقين عليهما السلام.

و أقول: لئن كان الفارق الكيفي بين بعض المراحل و بعض حينما يعتبر طفرة و امتيازا نوعيا في هوية البحث يجعلنا نصطلح على ذلك بالأعصر المختلفة للعلم فحقا إنّ علم الأصول قد مرّ على يد أستاذنا الشهيد بعصر جديد، فلو أضفناه إلى الأعصر التي قسم إليها فترات العلم في المعالم الجديدة لكان هذا عصرا رابعا هو


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 59/ الجزء الأول

 

عصر ذروة الكمال، ترى فيه من الأبحاث القيّمة و الجواهر الثّمينة و الدّرر المضيئة ما يبهر العقول، و هي تشتمل على مباحث فريدة في نوعها، و فيها ما تكون - تارة - جديدة على الفكر الأصولي تماما، أي: أنها لم تبحث من قبل، و أخرى تكون مغيّرة لما اختاره الأصحاب في أبحاثهم السابقة ببرهان قاطع و أسلوب فائق، و ثالثة تكون معدّلة لنفس ما اختاره الأصحاب و مصلحة له ببيان لم يسبق له نظير.

فمن القسم الأوّل: ما جاء به من البحث الرائع لسيرة العقلاء و سيرة المتشرعة فقد تكرّر لدى أصحابنا المتأخرين رضوان اللّه عليهم التمسك بالسيرة لإثبات حكم ما و لكن لم يسبق أحد أستاذنا - رحمه اللّه - فيما أعلم في بحثه للسيرة و إبراز أسس كشفها، و القوانين الّتي تتحكم فيها، و النكات التي ينبني الاستدلال بها على أساسها، بأسلوب بديع و منهج رفيع و بيان متين.

و من هذا القسم - أيضا - بحثه القيّم عمّا أسماه بنظريّة التعويض، و هو و إن كان أقرب إلى فنّ البحوث الرّجالية منه إلى الأصول، و لكنه قد بحثه بالمناسبة ضمن مباحث حجية خبر الواحد و وضّح فيه كيف أننا نعوّض - أحيانا - المقطع السندي المشتمل على الضعف البارز في سند الحديث بمقطع آخر غير بارز لدى الناظر بالنظرة الأوّليّة، و هذا الأمر و إن وجدت بذوره لدى من تقدّم على الأستاذ - رحمه اللّه - و لكن لم أر أحدا قبله يتعرض لهذه الفكرة على مستوى البحث العلمي و يدقّق في أسس هذا التعويض و أقسامه.

و من القسم الثاني: بحثه البديع في حجية القطع الذي أثبت فيه أن رأس الخيط في البحث إنما هو مولوية المولى و حدودها، و انحدر من هذا المبدإ الى الآثار التي تترتب على ذلك، و انتهى إلى إبطال ما بنى عليه المحقّقون جيلا بعد جيل من قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و آمن بمنجزية الاحتمال، و أن البراءة التي نؤمن بها هي البراءة الشرعية اما البراءة العقلية فلا.

و من هذا القبيل إبطاله لحكومة الأصول بعضها على بعض حينما تكون متوافقة في النتيجة، كحكومة استصحاب الطهارة على قاعدة الطهارة، أو الأصل السّببي على الأصل المسبّبي الموافق له، و كذلك إبطاله لحكومة الأمارة


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 60/ الجزء الأول

 

على الأصل لدى توافقها في النتيجة.

و منه - أيضا - إبطاله لما اشتهر من جريان أصالة الطهارة في ملاقي بعض أطراف الشبهة المحصورة على تفصيل يأتي في محلّه إنشاء اللّه.

و منه أيضا بحثه البديع في الوضع و إبرازه لنظرية القرن الأكيد.

و من القسم الثالث بحثه الرائع عن حقيقة المعاني الحرفية، حيث يوافق فيه على أصل ما اختاره المحققون المتأخرون من كون المعاني الحرفية هي المعاني النسبية و المغايرة هوية للمعاني الاسمية، و لكن مع إدخال تعديل و إصلاح جوهريّين على ما أفاده الأصحاب - رضوان اللّه عليهم -.

و من هذا القبيل بحثه الّذي لم يسبق له نظير عن الجمع بين الأحكام الظّاهرية و الواقعية، حيث اختار نفس ما أثبته المحققون من إمكانية الجمع بينهما و عدم التنافي و التعارض فيما بينهما، و لكن مع التعديل الجوهري لطريقة الاستدلال و كيفية الجمع.

و قبل أن أترك هذه النقطة لا يفوتني أن أشير إلى أنّ من أبحاثه البديعة أيضا أبحاثه عن الترتب و عن التزاحم و عن قاعدة لا ضرر الّتي تعارف البحث عنها في الأصول رغم أنها قاعدة فقهية.

و هو - رضوان اللّه عليه - إضافة إلى ما لديه من تحقيقات جديدة و مطالب فريدة في نوعها في علم الأصول من أوّله إلى آخره، كانت له محاولتان جديدتان في أسلوب عرض علم الأصول على الحوزة العلمية و تربية الطلاب عليها:

الاولى - التغيير في ترتيب مباحث الأصول و تبويبها و التقديم و التأخير فيما بينها و طريقة تقسيم الأبحاث و هذا ما انعكس عملا في كتبه الموسومة ب (دروس في علم الأصول) و فيما كتبه تلميذه السّيّد محمود الهاشمي تقريرا لبحث الأستاذ و هو الكتاب المسمى ب (تعارض الأدلّة الشرعيّة)، و ذلك إيمانا منه (رحمه اللّه) بأن الترتيب الذي تعارف لدى السابقين لمباحث علم الأصول ليس ترتيبا فنّيا قائما على أساس نكات طبيعيّة لتقديم و تأخير الأبحاث فانتهج هو - رحمه اللّه - منهجا جديدا في ترتيب علم الأصول راعى فيه نكات فنيّة للتقديم و التأخير.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 61/ الجزء الأول

 

و الثّانية - صياغة علم الأصول فيما يسمّى بالسطح العالي في حلقات مترتبة وفق المراحل التي ينبغي أن يمرّ بها الطالب، حيث كان يعتقد - رضوان اللّه عليه - بأنّ ما درجت عليه الحوزات العلميّة من دراسة عدّة من الكتب الأصوليّة كتمهيد للوصول إلى ما يسمى ببحث الخارج و إن كان صحيحا و لكن ما تعارفوا عليه من انتخاب كتب متعددة تمثّل مراحل مختلفة من العصور الماضية لعلم الأصول ليس على ما ينبغي، و الطريقة الفضلى هي أن يصاغ آخر التّطورات العلمية ضمن مراحل متدرجة لتنمية الطالب و تعليمه، كما هو الأسلوب المتعارف في المناهج الحديثة لسائر العلوم، و هذا ما جسدّه - رضوان اللّه عليه - في كتبه المسماة ب (دروس في علم الأصول) الممنهجة على ثلاث مراحل تحت عنوان الحلقات.

و في علم الفقه:

ترى إبداعاته - رضوان اللّه عليه - لا تقل عن إبداعاته في علم الأصول، و قد طبع من أبحاثه الفقهية أربعة مجلدات باسم »بحوث في شرح العروة الوثقى« فيها من التحقيقات الرشيقة التي لم يسبقه بها أحد ما لا يحصى، و أشير هنا كمثال إلى بحثين من أبحاثه التي ينبهر بها الفقيه الألمعي.

أحدهما: بحثه الرائع في تحقيق نكات قاعدة الطّهارة الوارد في المجلد الثاني من البحوث المشتمل على عمق و شمول لا تراهما في أبحاث أخرى عن تلك القاعدة.

و الثاني: بحثه القيّم في مسألة اعتصام ماء البئر عن كيفية التخلّص عن الروايات الدالّة على الانفعال، و هو وارد - أيضا - في المجلّد الثاني من البحوث، حيث ساق البحث بأسلوب فائق لم أره لدى باحثي المسألة قبله.

و لم يوفّق - رضوان اللّه عليه - لكتابة الكثير عن الفقه المستدل ما عدا المجلدات الأربعة في الطهارة، و ما درّسه من الفقه المستدل أكثر مما كتبه، كما و قد درّس قسما من أبحاث الخمس و غير ذلك.

و الّذي كان يصبو إليه - رحمه اللّه - هو تطوير بحث الفقه من عدة جوانب،


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 62/ الجزء الأول

 

وفّق لبعضها بمقدار ما كتب أو درّس، و لم يوفق للبعض الآخر. و تلك الجوانب هي ما يلي:

1 - تعميق دراسته بنحو لم يسبق له مثيل، و قد وفّق لذلك بمقدار ما كتب أو درّس.

2 - تبديل النزعة الفردية و النظرة الموضعية إلى النزعة الاجتماعية و النظرة العالمية في البحوث التي تتطلب ذلك. و هاتان النظرتان أو النزعتان لهما الأثر البالغ في كيفية فهم القضايا الفقهية، فمثلا: أخبار التقيّة و الجهاد تفهم بإحدى النظرتين بشكل و بالنظرة الأخرى بشكل آخر، و أدلة حرمة الرّبا قد تفهم بإحدى النظرتين بشكل يمكن معه تحليل نتيجة الربا ببعض الحيل، و تفهم بالنظرة الأخرى بشكل آخر لا يؤدّي إلى هذه النتيجة. و ما إلى ذلك من الأمثلة الواسعة في الفقه.

3 - توسيع أفق البحث الفقهي لشتّى أبواب الحياة بالشكل المنسجم مع متطلبات اليوم، و بأسلوب يتجلى به أن الفقه يعالج كل مناحي الحياة، و يواكب الوضع البشري الفردي و الاجتماعي حتى النهاية، و بشكل يتضح أن البحث الفقهي متحرك يواكب حركة الحياة. و قد شرع - رحمه اللّه - لتجسيد هذا الجانب في رسالته العملية المسماة بالفتاوى الواضحة، إلاّ أنّ استشهاده قد حال بينه و بين إكمال الكتاب.

4 - تطوير منهجة عرض المسائل و تبويبها بالشكل المنعكس في مقدّمة الفتاوى الواضحة.

5 - و كان - رحمه اللّه - عازما على أن يبحث فقه المعاملات بشكل مقارن بين فقه الإسلام و الفقه الوضعي، كي يتجلّى أن الفقه الإسلامي هو الجدير بإدارة الحياة و إسعادها دون غيره، و قد حالت جريمة البعث الكبرى بينه و بين إتحافنا بهذا البحث القيّم.

و في الفلسفة:

ألّف الأستاذ الشهيد - رحمه اللّه - كتاب »فلسفتنا« الّذي قارع فيه


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 63/ الجزء الأول

 

الفلسفات المادّية و المدارس الفلسفية الحديثة الملحدة، بالأخص الديالكتيكية الماركسية، بأسلوب بديع و ببراهين قويمة و مناهج رائعة، و هذا الكتاب قد أصدره بجهود تظافرت مدّة عشرة أشهر فحسب.

و الرأي الّذي اعتنقه - رحمه اللّه - في »فلسفتنا« في نظريّة المعرفة قد عدل عنه إلى رأي آخر في كتابه المسمّى ب »الأسس المنطقية للاستقراء« يختلف عن رأيه الأوّل في عدد مهم من أقسام المعرفة البشريّة.

و قد بدأ أخيرا بتأليف كتاب فلسفي معمّق و مقارن بين آراء الفلاسفة القدامى و الفلاسفة الجدد، و بدأ ببحث تحليل الذهن البشري، و لم يوفّق لإتمامه، و لا نعلم بمصير ما كتبه في ذلك، و لعله صودر من قبل البعث العميل الكافر ضمن ما صودر من كتبه و ممتلكاته.

و في المنطق:

قد تعرّض الأستاذ الشهيد - ره - ضمن أبحاثه الأصوليّة لدى مناقشته للأخباريين في مدى حجية البراهين العقلية إلى نمط التفكير المنطقي الأرسطي، و نقده بما لم يسبقه به أحد، و بعد ذلك طوّر من تلك الأبحاث و أكملها و أضاف إليها ما لم يكن يناسب ذكره ضمن الأبحاث الأصولية، فأخرجها بأروع صياغة باسم كتاب »الأسس المنطقيّة للاستقراء«. و من جملة ما أوضحه في هذا الكتاب عدم بداهة قسم من العلوم التي يقول المنطق الأرسطي ببداهتها، كالمحسوسات بالحس الظاهري، و المتواترات، و التجريبيات، و الحدسيات، و أنّ هذا العلوم إنما تبتني على أساس حساب الاحتمالات و ليس على أساس البداهة و الضرورة.

و في الأخلاق:

تعرّض الأستاذ الشهيد (رحمه اللّه) لأرقى بحث أخلاقي علميّ ضمن أبحاثه الأصوليّة لدى البحث عن الحسن و القبح العقليّين بمنهج لم يسبق له نظير.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 64/ الجزء الأول

 

و في التفسير:

تعرّض - رضوان اللّه عليه - في أواخر حياته لأبحاث تفسيرية قيّمة تختلف في أسلوبها عن نمط التفاسير التجزيئية المتعارفة، أعطاها عنوان »التفسير الموضوعي« و تلك أبحاث ألقاها في محفل عام للبحث، و لم يكن الحضور فيه خاصا بفضلاء طلاّبه أو المحققين العلماء، و لذا لم يكن من المتوقع أن يلقي هذه الأبحاث بما هو المأمول منه من مستوى العمق و الدقّة، إذ ذلك يناسب الحضور الخاص و ليس الحضور العام، و مع ذلك ترى في تلك الأبحاث من العمق و التحليل الدقيق ما يبهر العقول، و يدل على مدى شموخ المستوى الفكري لهذا المفكّر العظيم.

 

و في الاقتصاد:

كتب أستاذنا الشهيد كتاب »اقتصادنا« لنقد المذاهب الاقتصادية الماركسية و الرأسمالية، و توضيح خطوط تفصيلية عن الاقتصاد الإسلامي، و لا أقول: انه لم يوجد قبله فحسب كتاب في الاقتصاد الإسلامي بهذا المستوى بل أقول: لم يوجد حتى يومنا هذا الذي مضى على تأليف كتاب »اقتصادنا« حوالي ربع قرن من كتب بمستواه.

 

و في التاريخ:

كتب - رحمه اللّه - تاريخا تحليليا عن قصة (فدك) و كان عمره وقتئذ حوالي سبع عشرة سنة، و ترى في هذا الكتاب الذي يمثل السنين الاولى من بلوغه سنّ التكليف، ما يعجبك من روعة التأليف و عمق التحقيق و التدقيق، و مما يزيدك إعجابا بهذا الكتاب أنه جاء فيه ببعض المناسبة بعض المناقشات الفقهية الدقيقة لما جاء في كلمات أكابر الفقهاء، و هذا ما لا يصدر عادة إلاّ من العلماء المحققين الكبار في سنين متأخرة من أعمارهم الشريفة.

فلقد ناقش - رحمه اللّه - في كتاب »فدك« ما وقع من بعض أكابر العلماء


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 65/ الجزء الأول

 

كصاحب الجواهر - رضوان اللّه عليه - من الاستدلال على نفوذ علم القاضي بكون العلم أقوى من البينة المعلوم إرادة الكشف منها، ناقش ذلك بقوله:

»و ألاحظ أنّ في هذا الدليل ضعفا ماديا لأن المقارنة لم تقم فيه بين البيّنة و علم الحاكم بالإضافة إلى صلب الواقع، و إنما لوحظ مدى تأثير كل منهما في نفس الحاكم، و كانت النتيجة حينئذ أن العلم أقوى من البيّنة لأن اليقين أشد من الظّنّ، و كان من حق المقارنة أن يلاحظ الأقرب منهما إلى الحقيقة المطلوب مبدئيا الأخذ بها في كل مخاصمة، و لا يفضل علم الحاكم في هذا الطور من المقايسة على البينة، لأن الحاكم قد يخطأ كما أن البيّنة قد تخطأ، فهما في شرع الواقع سواء، كلاهما مظنّة للزلل و الاشتباه«.

و أيضا ذكر المرحوم الشيخ آقا ضياء العراقي الذي يعتبر من أكابر المحققين في العصر المتأخر ذكر في كتابه ردا على من استدل لنفوذ علم القاضي بأدلة القضاء بالحق و العدل: »أنه قد يكون المراد بالحق و العدل هو الحق و العدل وفق مقاييس القضاء، لا الحق و العدل وفق الواقع، و كون علم القاضي من مقاييس القضاء أول الكلام« و استشهد - رحمه اللّه - على ذلك بالرّواية الدالة على عقاب رجل قضى بالحق و هو لا يعلم، ببيان أنه لو كان موضوع القضاء هو الحق الواقعي لا الحق وفق مقاييس القضاء، لكان قضاء من قضى بالحق - و هو لا يعلم - صحيحا وضعا و تكليفا، و لا عقاب عليه إلاّ بملاك التجري.

و أورد عليه أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) في كتاب »فدك« بأن هذه الرواية لا تدل على عدم موضوعيّة الواقع للحكم، غاية ما هناك أن نقيّد الأدلة التي ظاهرها كون موضوع الحكم هو الحق و العدل الواقعيين بالعلم، بمقتضى دلالة هذه الرواية على عقاب من قضى بدون علم، فيصبح الواقع جزء موضوع و العلم به جزء آخر للموضوع، و لا بأس بذلك.

و على أية حال فهذا كتاب تاريخي تحليلي بديع عن قصة واحدة من التاريخ، و هي قصة (فدك).

هذا، و بعد ردح من الزمن جاءت لأستاذنا الشهيد أبحاث في منتهى الروعة، في تحليل تاريخ حياة أئمتنا الأطهار - عليهم السلام - من زاوية عملهم


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 66/ الجزء الأول

 

لإعلاء كلمة اللّه على وجه الأرض، كان يلقيها على طلاّبه في أيام وفيات الأئمّة - عليهم السلام - كأطروحة شاملة متناسقة لكل أئمة أهل البيت - عليهم السلام - في المنهج الّذي نهجوه لخدمة الإسلام الحنيف.

و جميع أبحاثه - رضوان اللّه عليه - ترى فيها إضافة الى الدقّة و العمق مع السعة و الشمول منهجيّة فنيّة رائعة في طريقة العرض.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 67/ الجزء الأول

 

مؤلفاته:

يحضرني الآن من مؤلفاته - رضوان اللّه عليه - ما يلي:

1 - فدك في التاريخ، طبع في سنة 1374 ه.

2 - غاية الفكر في علم الأصول، طبع منها جزء واحد في سنة 1374 ه.

و قد ذكر السيد الشهيد (رحمه اللّه) في أول هذا الجزء أنه شرع في تأليف هذا الكتاب قبل ثلاث سنين تقريبا.

3 - فلسفتنا طبع في سنة 1379 ه.

4 - اقتصادنا طبع في سنة 1381 ه - في مجلّدين.

5 - المعالم الجديدة للأصول طبعت في سنة 1385 ه - لكلية أصول الدين.

6 - الأسس المنطقية للاستقراء، طبعت بتاريخ 1391 ه.

7 - البنك اللاربوي في الإسلام، طبع قبل الأسس المنطقية للاستقراء.

8 - المدرسة الإسلامية، ألف منها جزئين.

ا - الإنسان المعاصر و المشكلة الاجتماعية.

ب - ما ذا تعرف عن الاقتصاد الإسلامي؟

9 - بحوث في شرح العروة الوثقى، ألّف منها أربعة أجزاء، و كان تاريخ الطبعة الاولى لأول جزء منها سنة 1391.

10 - دروس في علم الأصول، في ثلاث حلقات، و الحلقة الثالثة منها في


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 68/ الجزء الأول

 

مجلدين طبعت في سنة 1397 ه.

11 - بحث حول المهدي.

12 - بحث حول الولاية.

13 - الإسلام يقود الحياة، ألف منه ست حلقات في سنة 1399 ه - بمناسبة نجاح الثورة الإسلامية في إيران:

ا - لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في إيران.

ب - صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامي.

ج - خطوط تفصيلية عن اقتصاد المجتمع الإسلامي.

د - خلافة الإنسان و شهادة الأنبياء.

ه - منابع القدرة في الدولة الإسلامية.

و - الأسس العامة للبنك في المجتمع الإسلامي.

14 - بحث في المرجعية الصالحة و المرجعية الموضوعية و سيأتي نصّ ذلك - إنشاء اللّه - ضمن هذه الترجمة.

15 - الفتاوى الواضحة، رسالة عملية ألّف منها جزءا واحدا، ثم أضاف إليها في الطبعة الثانية مقدمة بعنوان (موجز في أصول الدين) بحث فيها بحثا مختصرا رائعا عن المرسل، و الرسول، و الرسالة، كما يوجد في آخر الكتاب بحث بديع و ممتع بعنوان نظرة عامة في العبادات.

16 - تعليقة على رسالة عملية للمرحوم آية اللّه العظمى السيد الحكيم و هي الرّسالة المسماة ب (منهاج الصالحين).

و من طرائف الأمور أن الأستاذ الشهيد - رحمه اللّه - مضت عليه برهة من الزمان كان له مقلدون كثيرون في شتى المدن العراقية و لعله في خارج العراق أيضا، و كان يمتنع عن طبع رسالة عمليّة، لأنّه كان شابّا آنذاك، و لعلّ قسما من المجتمع لم يكن يستسيغ طبع رسالة عمليّة لعالم شاب مع وجود مراجع كبار متقدّمين في السنّ فكان بعض مقلديه يضطرون إلى استنساخ تعليقته على الجزء الأوّل من منهاج الصالحين بخط اليد، و ما زلت أنا محتفظا في مكتبتي بنسخة منها استنسختها بيدي.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 69/ الجزء الأول

 

و بعد فترة من الزمن اقتنع - رضوان اللّه عليه - بأنه حان وقت الطبع، فطبع تعليقته على الجزء الأول من منهاج الصالحين، و أكملها في الطبعة الثالثة بإضافة التعليق على الجزء الثاني من المنهاج.

17 - تعليقة على صلاة الجمعة من الشرائع، ما زالت غير مطبوعة و لديّ نسخة استنسختها بيدي.

18 - تعليقة على الرسالة العملية للمرحوم آية اللّه العظمى الشيخ محمد رضا آل ياسين المسماة ب (بلغة الراغبين) علّق - رحمه اللّه - عليها في وقت كان عمره الشريف حوالي سبع عشرة سنة و ما زالت التعليقة غير مطبوعة.

19 - تعليقة على مناسك الحج لأستاذه آية اللّه العظمى السيد الخوئي، و هي غير مطبوعة، و ما زالت محتفظا منها بنسخة خطية. و قد كتب (رحمه اللّه) هذه التعليقة عند ما أراد التشرف إلى الحج.

20 - موجز أحكام الحج و هو رسالة عملية في الحج.

و هناك كتاب باسم »المدرسة القرآنية« ليس بقلمه الشريف، و لكنه استنساخ لمحاضراته الممتعة الّتي أفادها في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، و هي عبارة عن أربع عشرة محاضرة، و المحاضرة الأخيرة ليست في التفسير و إنّما هي في الوعظ و الإرشاد، و قد ألقى هذه المحاضرات في أواخر عمره المبارك، و أنا - وقتئذ - كنت في قم المقدسة، فلم أحظ بشرف درك هذه المحاضرات القيّمة، لكنني ما زلت محتفظا بنسخة صوتية منها، و قد ضجّ الناس في المحاضرة الأخيرة منها بالبكاء.

كما و هناك محاضرات أخرى له (رحمه اللّه) في حياة الأئمة - عليهم السلام - كتب قسم منها استنساخا من الشريط الصوتي لأبحاثه.

و هناك كتب أخرى لتلامذته بعنوان تقرير أبحاثه الشريفة.

و هناك كتابات متفرقة له - رضوان اللّه عليه - من قبيل بعض افتتاحيّات مجلّة »الأضواء« الّتي طبعت بعد ذلك باسم رسالتنا و غيرها.

و قبل أن أنتقل إلى موضوع آخر أودّ أن أقول: إن مطالعة تأليفاته القيّمة كافية في معرفة مدى مواكبة هذا الرجل العظيم لظروف الوقت و مشاكلها


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 70/ الجزء الأول

 

و وضعه للحلول الشافية لها، فحقا إن أستاذنا الشهيد لم يكن من أولئك المفكّرين التقليديّين الذين لا يفكّرون إلاّ في ما تعارف بحثه في الأزمنة السالفة، بل كان عالما بزمانه، طبيبا روحيّا يعالج في كتبه أمراض المجتمع الحاضر، مواكبا لمشاكل الأمّة الإسلاميّة و آلامها و آمالها، يقارع الفلسفات المادّية الحديثة بكتاب (فلسفتنا)، و يثبت التلازم بين الإيمان بالعلم الحديث و التجربة و بين الإيمان باللّه تعالى، بما له من منطق رصين في كتاب (الأسس المنطقية للاستقراء)، و يعارض الأصول الاقتصادية الكافرة الحديثة مع إعطاء البديل الإسلامي في كتاب (اقتصادنا) و في كتيّبات اقتصادية، و حينما يستفتى من قبل بعض المؤمنين في الكويت عن طريقة تأسيس البنك بلا ربا يؤلّف في الجواب كتابا في البنك اللاربوي، و حينما يتحقّق انتصار الإسلام في إيران يكتب ستّ حلقات لتغطية الحاجات الفكرية الإسلامية المستجدّة في إيران على أساس الانتصار، و ما إلى ذلك مما يدلّ على مواكبته - رضوان اللّه عليه - للحياة و لحاجات المسلمين بحكمة و حنكة فائقتين.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 71/ الجزء الأول

 

رعايته للمشاريع الإسلاميّة:

لم تكن رعاية أستاذنا الشهيد - رضوان اللّه عليه - تختصّ بالمشاريع الإسلامية التي تكون من تأسيسه أو تنسب إليه في عرف المجتمع، بل كان لا يبخل عن بذل الرعاية لكل مشروع إسلاميّ حتى غير المنتسب إليه ما لم يأب أصحابه عن ذلك، و من أمثلة ذلك ما يلي:

 

1 - مدرسة العلوم الإسلامية:

كانت هذه مدرسة علميّة مؤسّسة من قبل المرجع المرحوم آية اللّه العظمى السيد محسن الحكيم - تغمّده اللّه برحمته، و هي مدرسة ذات صفوف منظّمة لطلاّب العلوم الدينية، و كانت لأستاذنا الشهيد - رحمه اللّه - رعاية أبويّة خاصّة لهذه المدرسة عن طريق عدد من طلاّبه الأفاضل الذين كانوا يشرفون على هذه المدرسة أو يدرّسون فيها.

 

2 - جماعة العلماء في النجف الأشرف:

كان هذا مشروعا إسلاميّا قام به ثلّة من العلماء الأكابر في النجف الأشرف في عهد عبد الكريم قاسم و كان أستاذنا الشهيد - رحمه اللّه - آنذاك في عنفوان شبابه، و لم يكن عضوا في جماعة العلماء، و رغم ذلك كان يرعى بأبوّته


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 72/ الجزء الأول

 

هذا المشروع المبارك و كان يرتبط بشكل و آخر بعقليّته المتميّزة الجبّارة و هنا أترك الحديث لسماحة السيد محمد باقر الحكيم حفظه اللّه لكي يحدّثنا بعض الكلام عن جماعة العلماء، فإليك بعض المقاطع من مقاله الذي نشر في مجلّة الجهاد العدد الرابع عشر الصادر بتاريخ جمادى الثانية من سنة 1401 ه - قال حفظه اللّه:

)لا بدّ من أجل أن نفهم عمق الأحداث التي سوف أتناولها و المواجهة التي وقعت بين الإمام الشهيد الصدر رضوان اللّه عليه و حزب البعث في العراق من أن نرجع الى بدايات سنة 1378 أي بعد التغيير في الحكم الذي حصل في العراق بعد انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 م.

فقد ظهرت على سطح المسرح السّياسي في العراق مجموعة من التيّارات السياسيّة و الفكريّة بعد أن حصل الشعب العراقي نتيجة الانقلاب على بعض المكاسب السياسيّة و الاجتماعيّة.

و قد احتدم الصراع في المرحلة الأولى بين التيار الماركسي - الذي كان يقوده الحزب الشيوعي العراقي و الذي كان يحصل على الدعم المعنويّ من قائد الانقلاب عبد الكريم قاسم من جانب و مجموعة التيارات السياسية الأخرى، كالتيّار القومي الذي كان يجمع بين الناصريين و البعثيين و غيرهم و الذي كان له وجود سياسي في الحكم و في الشارع بسبب الدعم الذي كان يحصل عليه من الجمهورية العربية المتحدة حينذاك بقيادة جمال عبد الناصر، و كالتيار الإسلامي الذي كانت تتعاطف معه جماهير واسعة من الشعب العراقي المسلم دون أن يكون له وجود سياسي قوي عدا بعض الأحزاب السياسية الإسلاميّة الصغيرة.

و قد وجد علماء النجف الأشرف أنّ من الضروري أن يطرح الإسلام كقوة فكريّة و سياسيّة أصيلة تنتمي إلى السماء و تمتدّ جذورها في الشعب المسلم.

و ولدت من أجل ذاك أطروحة (جماعة العلماء) التي يمكن أن نقول بحق أن وجودها يرتبط بشكل رئيسي بعقليّة السيّد الشهيد الصدر و اهتمامات المرجعيّة الدينية و طموحاتها الكبيرة التي كانت تتمثل بالمرحوم الإمام السيد


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 73/ الجزء الأول

 

محسن الحكيم بالإضافة إلى الشعور بالحاجة الملحّة لمثل هذه الأطروحة لدى قطّاع واسع من الأمة. و رغم أن السّيد الشهيد رضوان اللّه عليه لم يكن أحد أعضاء جماعة العلماء لصغر عمره إلاّ أنّه كان له دور رئيسي في تحريكها و توجيهها كما ذكرت ذلك في مذاكراتي عن جماعة العلماء في النجف الأشرف.

و من خلال ذلك تمكن علماء النجف الأشرف أن يطرحوا الخطّ الإسلامي الصحيح، و يعملوا على إيجاد القوّة السياسيّة الإسلاميّة المتميّزة.

و قد باشرت جماعة العلماء - بالرغم من قوّة الأحداث و عدم توفر الخبرة السياسيّة الكافية و تخلف الوعي الإسلامي السياسيّ في الأمّة - عملها من أجل إرساء قواعد هذا الخط الأصيل و ذلك من خلال بعض المنشورات و الاحتفالات الجماهيريّة و الاتصالات ببعض قطاعات الشباب و إصدارها لمجلّة الأضواء الإسلامية التي كانت تشرف عليها لجنة توجيهيّة مكوّنة من شباب العلماء كان لها اتصال وثيق بالسيد الشهيد الصدر... بعد مضي أقل من عام تمكّنت جماعة العلماء من بناء قاعدة إسلاميّة شابّة، و لذا قرّرت هذه الجماعة إصدار نشرة الأضواء الإسلاميّة كأداة للتعبير عن وجودها من ناحية و لمواصلة السير في الطريق الذي رسمته من ناحية ثانية... و قد بعثت مجلّة الأضواء من خلال خطّها الفكريّ و السياسيّ و من خلال ما رسمته من معالم الطريق الإسلامي و خطوطه العريضة و بالأخص الخطوط التي كانت ترسم ضمن موضوع (رسالتنا) الذي كان يكتبه السيد الشهيد الصدر باسم جماعة العلماء و بإذنها طبعا بعث الروح الإسلاميّة في قطّاعات واسعة من الجماهير... و سافرت الى لبنان في سنة 1380 ه - حيث كانت طموحاتنا أن ننقل أفكارنا الى ذلك البلد، و ودعت السيد الأستاذ الشهيد حيث كان في الكاظميّة حينذاك بعد أن عشت معه أيّاما، و كنت أراسله باستمرار في رسائل طويلة و كان يجيبني بأخرى يتحدث فيها عن عواطفه الفيّاضة و همومه الإسلاميّة. هذه الرسائل التي أرى فيها أنّها أعزّ ما أحتفظ به من ذكريات تلك الأيّام.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 74/ الجزء الأول

 

و في هذه الرسائل بدأ السيد الأستاذ الشهيد يحدثني عن هجمة قاسية شرسة قام بها حزب البعث تسترت ببعض أهل العلم من أعضاء جماعة العلماء و غيرهم الذين انكشف لهم حقيقة هذا الحزب كما تكشفت لنا حقيقته نتيجة الوعي الإسلامي الذي بعثه السيد الشهيد فينا... فلقد كانت الواجهة في هذه الهجمة بعض من ينتسب الى أهل العلم، و لكن كانت يد حزب البعث وراءها حيث يطرح السيد الأستاذ في بعض رسائله بأنّ المحامي (حسين الصافي) الذي كان معمما من قبل، و من عائلة علميّة و له صلات شخصيّة و طيدة ببعض أهل العلم، و مسئول حزب البعث العربي في النجف الأشرف كان وراء هذه الحملة و تحدث إلى بعض الأشخاص لإثارتهم. فقد كتب السيد الشهيد في صفر من سنة 1380 ه - يقول:

»... لقد كان بعدك أنباء و هنبثة و كلام و ضجيج و حملات متعدّدة جنّدت كلّها ضد صاحبك و بغية تحطيمه... ابتدأت تلك الحملات في أوساط الجماعة التوجيهية المشرفة على الأضواء أو بالأحرى لدى بعضهم و من يدور في فلكهم فأخذوا يتكلمون و ينتقدون ثم تضاعفت الحملة و إذا بجماعة تنبري من أمثال (حسين الصافي) - و لا أدري ما إذا كانت هناك علاقة سببية و ارتباط بين الحملتين أولا - تنبري هذه الجماعة... فتذكر عني و عن جماعة ممن تعرفهم شيئا كثيرا من التهم من الأمور العجيبة...«.

و من الملاحظ أنّه استعمل البعثيّون في هذه الحملة أسلوبين رئيسيين:

الأوّل - أسلوب الاتهام بأن هذه المجلة لا تعبّر عن رأي جماعة العلماء. و إنّما هي تعبّر عن رأي تنظيم سياسيّ ديني سريّ و يستغل اسم جماعة العلماء. و قد كان الاتهام بالتنظيم السياسي في تلك الفترة الزمنيّة يعتبر تهمة شنيعة بسبب التخلّف السياسي الديني في أوساط المتدينين و بالأخص أهل العلم منهم.

الثاني - موضوع (رسالتنا) الذي يكتب باسم جماعة العلماء، و كان يكتبه السيد الشهيد الصدر دون أن يعرضه على أحد منهم فقد كتب السيد الشهيد نفس الفترة يقول:


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 75/ الجزء الأول

 

»كما أنّ هناك زحمة من الإشكالات و الاعتراضات لدى جملة من الناس أو الآخونديّة في النجف على النشرة و خاصّة (رسالتنا) باعتبار أنها كيف تنسب إلى جماعة العلماء مع أنها لم توضع من قبلهم و لم يطّلعوا عليها سلفا، و إنّ في ذلك هدرا لكرامة العلماء، هذا في الوقت الذي يقول الأخ... إنّ الكلمة في بغداد متفقة على أنّ رسالتنا كتابة تجديد و ابتكار تختص بمستواها الخاص عن بقيّة الأضواء«.

و قد كتب في 6 - ربيع الأوّل - 1380 »لا أستطيع ان أذكر تفصيلات الأسماء في مسألة جماعة العلماء و حملتها على الأضواء... و لكن أكتفي بالقول بأن بعض الجماعة كان نشيطا في زيارة أعضاء جماعة العلماء لإثارتهم على الأضواء و على (رسالتنا) حتى لقد قيل إنّ الشيخ الهمداني الطيب القول قد شوّهت فكرته عن الموضوع... و هذا الذي حصل بالنسبة للشيخ الهمداني حصل بالنسبة إلى جملة من الطلبة مع الاختلاف في بعض الجهات...«.

و قد كتب أيضا: »فإنني أجيبك على سؤالك فيما يخصّ من موقف الخال، فإنّ الشيخ الخال كان في الكاظميّة بعيدا عن الأحداث نسبيّا و لم يطّلع إلاّ على سطحها الظاهريّ، و هو ماض في تأييده للأضواء و مساندته لها و قد طلب... أن يكتب إلى بعض جماعة العلماء لتطييب خاطرهم و جلب رضاهم عن الأضواء... فكتب إلى... و أخبره بأنّ الأضواء لم تكن تصدر إلاّ بعد مراقبته و إشرافه و أنها تناط الآن... كما أخبره بأنّ كاتب (رسالتنا) سوف ينقطع عن الكتابة [1]...».

و أيضا كتب السيّد الشهيد: »فقد حدّثني شخص في الكاظميّة إنّه اجتمع به في النجف الأشرف فأخذ يذكر عني له سنخ التهم كالها حسين الصافي من دون مناسبة مبرّرة. و على كل حال عسى أن يكون له وجه صحة في عمله إنشاء اللّه«.

و قد كانت لهذه الإثارة دور كبير في تحريك جماعة العلماء بالخصوص ضدّ

 

____________________________

 

[1] و بالفعل انقطع الأستاذ الشهيد عن كتابة رسالتنا و لهذا ليست جميع الأعداد لرسالتنا من الأستاذ الشهيد.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 76/ الجزء الأول

 

السيّد الشهيد و المجلّة بخلاف الأسلوب الأوّل فإنّ دوره الأساسيّ كان في أوساط المتشدّدين من أهل العلم البعيدين عن التّيار الإسلامي و همومه و مشاكل الأمّة و انحرافاتها الفكريّة و السياسيّة و لذا كان تأثيره على جماعة العلماء محدودا... و قد أحسن السيّد الأستاذ الشهيد الصدر في معالجة الموقف بهدوء حيث تمكّن أن يثبت حينذاك أنّه لا ينتمي إلى تنظيم سياسي معيّن، كما أنّه منحت اللجنة التوجيهيّة لجماعة العلماء الإشراف الفعلي على المجلة و على موضوع (رسالتنا). و تمسّك بالصبر و السكوت فقد كتب يقول: و أمّا واقع الأضواء هنا فهو واقع المجلة المجاهدة في سبيل اللّه و قد هدأت - و الحمد للّه - حملة جماعة العلماء عليها بعد أن تمّ إشعارهم بأنّهم المشرفون عليها غير أنّ حملة هائلة - على ما أسمع - يشنّها جملة من الطلبة، و من يسمى بأهل العلم أو يحسب عليهم، و هي حملة مخيفة و قد أدّت - على ما قيل - إلى تشويه سمعة الأضواء في نظر بعض أكابر الحوزة حتى كان جملة ممن يسميهم المجتمع الآخوندي مقدّسين أو وجهاء لا يتورّعون عن إلصاق التهم بالأضواء و كل من يكتب فيها...«.

و من الجدير بالذكر أنه كان الإخوان في اللجنة التوجيهيّة يتسامحون في تقديم ما يكتبونه إلى الجماعة للإشراف المباشر عليه خوفا من ملاحظات تبديها الجماعة تمسّ الصيغ الجديدة التي كانوا يقدّمونها للأفكار الإسلاميّة التي كانت تمدّ التيار الإسلامي الواعي بالوقود و العطاء.

و لكنّ التجربة التي مارسوها بعد الضجّة - دلّت على أن جماعة العلماء كانت على درجة من الوعي تجعلها لا تعارض مثل هذه الأفكار بل تمنحها التأييد و القبول. لأنه يشهد رضوان اللّه عليه بعد ذلك في تاريخ 18 ربيع الأوّل يقول: »و أسرة الأضواء التي لا غبار عليها وجه من الوجوه مورد للاطمئنان الكامل، و هم يعرضون مقالاتهم على الثلاثة [1] و لم يصادفوا لحدّ الآن مشكلة

 

____________________________

 

[1] الظاهر ان المقصود هم: آية اللّه الشيخ مرتضى آل ياسين و آية اللّه الشيخ حسين الهمداني و آية اللّه الشيخ خضر الدجيلي تغمّدهم اللّه برحمته.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 77/ الجزء الأول

 

مبدئيّة في هذا المقام و الحمد للّه ربّ العالمين«.

»حدسي أنّ الأضواء سوف تستمر إن شاء اللّه تعالى لأنّها تتمتّع الآن برصيد قويّ من الداخل و الخارج، فمن الخارج بلغت عدد الاشتراكات... و من الداخل تتمتع برضا جماعة العلماء«.

و هكذا تمكّن السيد الشهيد (رضوان اللّه عليه) بحكمته و صموده و صبره أن يواصل طريقه مع إخوانه و تلامذته في الجهاد، و أن يقفوا جميعا في وجه هذه الهجمة الشرسة التي استغلّت أخسّ المشاعر في الإنسان و استعملت أخبث الأساليب. و تمكن بسبب ذلك الخط الإسلامي الأصيل أن يستمرّ في تفاعله مع الأمّة و التأثير فيها).

انتهى ما أردت نقله من مقاطع من مقال سماحة السيّد الحكيم حفظه اللّه.

 

3 - كليّة أصول الدين:

و كانت كليّة أصول الدين هي الأخرى من المشاريع التي لم تكن تنسب في عرف المجتمع وقتئذ إلى أستاذنا الشهيد - رحمه اللّه - و لكنّها كانت تحظى برعايته الأبويّة البارّة، و قد كتب الأستاذ كتاب المعالم الجديدة في علم الأصول لأجل هذه الكليّة كي يدرّس فيها.

و قد جاء في كتاب الجهاد السياسي ما نصّه: »كان السيد الشهيد مشاركا في مشروع تأسيسها و افتتاحها، ثم كان مساهما بالقسط الأوفر في منهجها و طريقة عملها و شئونها المهمّة و الثقافيّة بالخصوص. و فيما عدا ذلك فإنّ السيّد الشهيد قد كتب مادّة (علوم القرآن) للسنة الاولى و نصف السنة الثانية، و ظلّت هذه المادة تدرّس لمدّة الأربع سنوات الأولى، كما كتب مادة الاقتصاد الإسلامي و الذي كان يدرّس في الكليّة أيضا. كما أنّ مساهمة السيّد الشهيد في مجلة رسالة الإسلام التي تصدرها الكليّة كانت مساهمة فعّالة«.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 79/ الجزء الأول

 

طلاّبه:

ربّى - رضوان اللّه عليه - جيلين من العلماء النوابغ:

الجيل الأوّل: نخبة من الفضلاء الأذكياء التحقوا بدرسه في أوّل أو أوائل الدورة الاولى لأبحاثه الأصولية، و بعضهم كان متشرفا بالتلمذة لديه من قبل ذلك، حيث كان يحضر درس أستاذنا الشهيد في »كفاية الأصول« للآخوند الخراساني (رحمه اللّه) قبل شروعه في تدريس ما يسمى ببحث الخارج، فتخرّجوا على يده - قدس سره - على مستوى الاجتهاد، أو ما يقرب من الاجتهاد.

و الجيل الثاني نخبة ثانية من الفضلاء الأذكياء، التحقوا بدرسه في أواخر الدورة الاولى لأبحاثه الأصولية، و استمروا معه في الدورة الثانية إلى أن تخرجوا على يده - رحمه اللّه - على مستوى الاجتهاد، أو ما يقرب منه.

و هناك طلاّب آخرون استفادوا - أيضا - من منهله العذب، على الخصوص في الدورة الثانية التي أصبح الحضور فيها عامّا تقريبا.

و له - رضوان اللّه عليه - صفوة من الطلاب من الجيلين الذين أشرنا إليهما، و من غيرهما، وصل مستوى تبادل العواطف بينهم و بين أستاذهم إلى ما قد يصعب تصوره على غيرهم الذين لم يعيشوا تلك الحالة التي لا توصف، فأولئك الصفوة كانوا مخلصين لأستاذهم و محبّين إياه بأشد من حبهم لآبائهم و أولادهم، و كانوا يفدونه بأنفسهم.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 80/ الجزء الأول

 

كان يتشرف بعضهم بخدمة الأستاذ في بيته الواقع في سوق العمارة قريبا من مدرسة السيد البروجردي الصغرى، في البرهة التي كانوا يحسّون فيها بأن النهار مظلم أمامهم كاللّيل أو أشد ظلاما، على أثر طغيان البعث الكافر و عتوّه، و رغم هذا حينما كانوا يجلسون بحضور الأستاذ في بيته، و يصغون إلى درر الكلام التي ينثرها عليهم، كانوا ينسون كل شي‏ء، غارقين في الالتذاذ بصحبته بما يفوق الوصف، و كأنهم في دار الخلد.

أمّا الأستاذ فكان يغمر أولئك الصفوة بجنانه و رأفته و عواطفه النّبيلة و حسّه المرهف العظيم، لم يعرف نظيره من الآباء و الأمّهات تجاه أولادهم.

و أكتفي هنا بتسجيل مثال واحد يجسّد لك مدى عواطفه الشفافة الرقيقة تجاه تلاميذه البررة، ألا و هي الرسالة الصوتية التي أرسلها إلى من هاجر من طلاّبه إلى إيران - وقتئذ - فرارا من البعث الكافر، و إليكم نصّ الرّسالة:

بسم اللّه الرحمن الرحيم »السلام عليكم أيها الأحبّة من أبيكم البعيد عنكم بجسمه، القريب منكم بقلبه، الّذي يعيشكم في أعماق نفسه و في كلّ ذكرياته، لأنكم تعبير حيّ حاضر عن تاريخه و ماضيه، و امتداد نابض بواقعه و حاضره، و أمل كبير لمستقبل هذه الأمّة.

يا صفوة الأحبّة نبلا و وفاء و إخلاصا و حبا، يا من افتقدتهم أو افتقدت قربهم - على الأصح - و أنا أحوج ما أكون إليهم، و أشد ما أكون طلبا لعونهم، يا من بنيتهم ذرّة فذرّة، و واكبت نموّهم الطّاهر قطرة فقطرة، و عشت معهم السّرّاء و الضّرّاء و اليسر و البلاء، و لم ينفصلوا عني في أي لحظة من لحظات اللّيل العبوس، أو النهار المشرق، يا من أجدهم رغم ابتعادهم، و أجدهم في كل ما حولي رغم خلوّ الديار منهم، و كيف لا أجدكم يا أولادي معي و كل شي‏ء في نفسي أو خارج نفسي يذكّر بكم، و يشير إليكم، و ينبّه إلى أيامكم، و هل هناك أقوى دلالة و أعمق إشارة في هذا المجال من الفراغ الّذي خلّفتموه في هذه الرّحاب، في هذه الديار، هذا الفراغ الّذي يصرخ بأسمائكم باستمرار، لأنه فراغ رهيب عاطفيّا و منطقيّا، إنّ بصمات أصابعكم على كل


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 81/ الجزء الأول

 

حياتي أينما التفتّ، أينما توجهت وجدت لهذا أو ذاك منكم، فأين الطيّبون البررة؟ و أين أولئك الذين كان هذا الإنسان الّذي رعاهم يجد في قربه منهم معنى من معاني حياته؟ و امتدادا من امتدادات أمله؟ أين الأوّلون الّذين سبقوا إخوانهم بالهجرة قبل سنين و أين الباقون و اللاّحقون الذين تتابعوا خلال سنين جماعات و وحدانا. إنّ مثل أبيكم كما كتبت إلى أحدكم [1] مثل الشجرة تنمو أغصانها و تورق، و تمتدّ في الفضاء عاليا، و لكن تتمزق من داخلها، جذورها و أعصابها الممتدة في الأرض.

إنّ لحظات سوف تبقى خالدات - و كل لحظاتكم خالدات في نفس أبيكم - إنّ لحظة وقوفك أيّها السعيد [2] في فوهة السلّم و أنت تودّعني و تبكي، إن تلك اللحظة ما نسيتها و لن أنساها أبدا، لأنها اللحظة الّتي تصور البنوّة البارّة. إن تلك اللحظة التي ودّعتني فيها يا آقاي أخلاقي [3]، و أنت تعيش لحظة من أحرج لحظاتك، ودّعتني و كنت أحسّ بأنك تنتزع انتزاعا، و أنّك تتمزق تمزّقا، إن تلك اللّحظة لا يمكن أن أنساها.

إن تلك اللحظة التي لم تستطع فيها يا أبا أحمد [4] أن تودّعني، أو أن ألقي نظرة أخيرة عليك، إن تلك اللحظة تمزّقني أنا تمزّقا و تمزيقا. و لئن كنت أعيش مأساة فراقكم أيّها الأحبّة، فأنا - في الوقت نفسه - أشعر من خلال هذه المأساة بانتصاركم، لأنكم أثبتّم من خلالها كلّ ما يودّ الأب أن يراه في أبنائه من ثبات و نبل و شهامة و إخلاص و وفاء، و هذا أقصى ما يسعد الأب، و ما يشعره بامتداده في أبنائه، فأنتم معي على الرغم من الزّمان، و على الرغم من المكان، و لتكن هذه المعيّة في اللّه، و من أجل اللّه، تعبيرا حيّا عن لقائنا باستمرار، إلى ان يجتمع الشمل، و تعود الأغصان إلى الشجرة الأمّ.

إن مقوّمات الصّمود و الثبات و الاستمرار في الحياة هي الحبّ و الأمل

 

____________________________

 

[1] كان هذا المضمون مكتوبا في رسالة منه (رحمه اللّه) إليّ.

[2] المقصود هو الشيخ سعيد النعماني و هو أحد مخلصيه الأعزّاء، و هو يعيش اليوم في طهران.

[3] هو الشيخ عباس الأخلاقي، أحد طلاّبه البررة، و هو اليوم يعيش في قم المقدسة.

[4] هو السيد عبد الهادي الشاهرودي، أحد طلابه المخلصين و هو يعيش اليوم كأمام جمعة في (علي علي‏آباد كتول).


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 82/ الجزء الأول

 

و الثقة، و نحن جميعا نملك هذه العناصر الثلاثة، نسأل اللّه سبحانه و تعالى أن يقرّ عيني بكم و يرعاكم بعينه الّتي لا تنام، و يجعل منكم دائما و أبدا المستوى الأمثل في سلوكه و ورعه و إيمانه و درسه و علمه، لكي تكونوا المثل و القدوة و الامتداد و الأمل الكبير في حياة المسلمين. و السّلام عليكم من قلب لا يملّ الحديث معكم و رحمة اللّه و بركاته«.

و كان الأستاذ - رحمه اللّه - حينما سجّل هذه الرسالة في الكاسيت لإرسالها إلى طلاّبه، كانت الدموع تجري من عينيه على ما قاله الشيخ محمد رضا النعماني و هو أحد طلابه الأعزّاء، قال حفظه اللّه: »لو تراه و هو يتحدث - و أنا الوحيد الذي رأيته يتحدث - و الدّموع تجري من عينيه و أراه يعصر بيديه، و لو لا وجودي معه في الغرفة فلست أدري ما ذا سيصنع، و ما ذا سيقول، فهو حياء مني تماسك و صبر حتى خرجت هذه الكلمة«.

و لست أنا بصدد سرد أسماء طلابه الأعزاء و قد وردت أسماء بعضهم في ثنايا كتابنا هذا، و لو كنت بصدد سرد أسمائهم لصعب على ذاكرتي حصرهم و هم كثيرون و منتشرون في بلاد اللّه العريضة، و لكني أذكر هنا اسمين ممن تتلمذوا على يده في درس الكفاية، و استمروا معه فيما اصطلح عليه في الحوزات العلمية ببحث الخارج، و أذكر اسما واحدا من الجيل الثاني الذين التحقوا ببحثه الشريف في أواخر الدورة الاولى:

 

1 - السيد محمد باقر الحكيم:

ابن المرحوم آية اللّه العظمى السيد محسن الحكيم - رحمه اللّه - تتلمذ على يد الأستاذ الشهيد في درس الكفاية، و استمرّ معه في بحث الخارج، و حضر قسما كبيرا من البحث فقها و أصولا، و اعتقل من قبل البعث الكافر المسيطر على العراق الجريح مرتين، و حكم عليه في المرة الثانية بالسجن المؤبّد، و بعد مضيّ سنة و نصف تقريبا على سجنه شمله ما يسمى بالعفو العام من قبل الدولة، و بعد فترة من الزمن خرج من العراق إلى سورية، و اليوم يعيش في إيران الإسلام و يمارس دوره السياسي رئيسا للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 83/ الجزء الأول

 

2 - السيد نور الدين الإشكوري:

ابن المرحوم حجة الإسلام السيد علي الأشكوري - رضوان اللّه عليه - تتلمذ على يد الأستاذ الشهيد في الكفاية، و استمرّ معه في بحث الخارج فقها و أصولا، إلى أن ذهب كعالم دين إلى (ذي الكفل) ثم انتقل كعالم - أيضا - إلى الكاظمية، كان يمارس نشاطه الديني مع الناس، و يدرّس في نفس الوقت ثلة من علماء الكاظمية و بغداد، ثم انتقل مرة أخرى الى (ذي الكفل) و بعده انتقل إلى الحلّة و استمرّ في نشاطه الديني مع الناس في الحلّة و الإشراف على وضع عدد من علماء الحلّة، إلى أن سفّرته الحكومة الجائرة في العراق إلى إيران، و عندئذ مارس فترة من الزمن نشاطه العلمي في قم المقدسة، ثم انتقل كعالم دين إلى قزوين، ثم نفته حكومة الشاة المقبور من مقرّ عمله إلى بلد من البلاد الواقعة في الجانب الشمالي لخراسان يسمى (درگز) قريبا من الحدود الروسية، ثم أفرج عنه في أواخر أيّام الشاة التي أفرج فيها عن باقي العلماء المبعّدين - أيضا - نتيجة للضعف الذي أصيبت به الحكومة في مقابل الثورة الإسلامية.

و هو اليوم يعيش في كرج و يمارس عمله كعالم دين في تلك المنطقة.

 

3 - السيد محمود الهاشمي:

ابن المرحوم الحجة السيد علي الحسيني صاحب كتاب الدراسات - رحمه اللّه - التحق ببحث الأستاذ في أواخر الدورة الاولى و استمرّ معه في الدورة الثانية إلى قسم ممّا يسمّى بالمباحث العقليّة إلى أن هاجر إلى إيران، و حضر في تلك المدة أبحاثه الفقهيّة أيضا. اعتقل من قبل حزب البعث في العراق، و عذّب تعذيبا لا يطاق، بتهمة انتمائه إلى حزب الدّعوة الإسلامية، ثم أفرج عنه بعنوان البراءة من التهمة، و حظي أخيرا بإجازة الاجتهاد من قبل أستاذنا الشهيد - رحمه اللّه - في 27 - ربيع الثاني - 1399 ه.

و هو اليوم يمارس نشاطه العلمي في قم المقدسة، و يمارس نشاطه السياسي ناطقا رسميا للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 85/ الجزء الأول

 

الأخلاق الفاضلة لأستاذنا الشهيد:

لا أستطيع أن أقول شيئا تحت هذا العنوان عدا كلمة واحدة: و هي أن أخلاقه الفاضلة كانت تذكّرنا بما سجل التاريخ عن الأنبياء و المرسلين، و الأئمة المعصومين - عليهم السّلام -، و حكاه لنا القرآن الكريم عن الرّسول الأعظم - صلى اللّه عليه و آله و سلم - بقوله تعالى: (إنك لعلى خلق عظيم) و بقوله تعالى (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّه لِنْتَ لَهُمْ، وَ لَوْ كذنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضّوْا مِنْ حَوْلِك).

و قد يترائى للقارئ الكريم أني مبالغ فيما قلت، غير أنك تستطيع أن تستدل على ذلك ببعض الحكايات التي مضى ذكرها تحت عنوان »ذكريات عن حياته - قدس سره -« و كذلك بعض الحكايات الّتي سيأتي ذكرها - إنشاء اللّه - في فصل استشهاده، نقلا عن الشيخ محمد رضا النعماني حفظه اللّه.

 

أولاده:

تزوج - رحمه اللّه - بإحدى بنات عمه و هي أخت السيد موسى الصدر رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان، و رزقهما اللّه تعالى خمس بنات و ابنا واحدا سمي بجعفر و هو رابع الأولاد.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 87/ الجزء الأول

 

استراتيجيّته السياسية في العمل الإسلامي:

إن الأستاذ الشهيد (رحمه اللّه) مرّ بأدوار عديدة في عمله الإسلامي، و التطور المشهود في أساليب عمله يرجع إلى عدة أسباب:

1 - إن العمل المتكامل في فترة طويلة نسبيا من الزمن، بطبيعته يتطلّب المرحليّة و التطوّر و التغيّر بمرور الزمن، بمعنى أنّ ما يصح من العمل في مرحلة منه قد لا يصح في المرحلة المسبقة، و العكس هنا - أيضا - صحيح.

2 - إن تبدّل العوامل الخارجيّة الّذي قد لا يكون من أول الأمر بالحسبان، يؤثر لا محالة على طريقة العمل.

3 - إن أصل النظرية في أسلوب العمل قد تنضج و تتكامل و تتطور في ذهن الإنسان بمرور الزمان، مما يؤثر على أسلوب العمل و يؤدّي إلى تطويره.

إن أستاذنا الشهيد - رحمه اللّه - أسّس في أوائل شبابه حزبا إسلاميّا باسم »حزب الدّعوة الإسلامية« و كان هذا في وقته تقدما ملحوظا في الوعي السياسي، بالنسبة لمستوى الوعي المتعارف آنئذ في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، حتى أن كثيرا من المتديّنين بالتديّن الجافّ آنذاك كان يرمي من ينتمي إلى حزب إسلامي - فضلا عمن يؤسّس حزبا إسلاميّا - بالانحراف عن خط الإسلام الصحيح، و بالارتباط بالاستعمار الكافر، و كل من كان يدّعي ضرورة إقامة الحكم الإسلامي كان يتّهم بمثل هذه الاتهامات، لأنّ إقامة


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 88/ الجزء الأول

 

الحكم الإسلامي لا تكون في نظرهم إلاّ بعد ظهور الإمام صاحب الزمان، عجلّ اللّه فرجه الشريف.

أما تاريخ تأسيسه - رحمه اللّه - لهذا الحزب، فهو عبارة عن شهر ربيع الأوّل من سنة 1377 ه، حسب ما قاله الحاج محمد صالح الأديب حفظه اللّه، و هو يعدّ أحد أعضاء النواة الاولى، أو يعدّ إحدى اللّبنات الأوّليّة لبناء صرح الحزب.

و - أيضا - قال الحاج محمد صالح الأديب: إنّ السّيّد الشهيد (رحمه اللّه) خرج من التنظيم بعد تأسيسه إيّاه بحوالي أربع سنين و نصف أو خمس سنين.

و كانت قصة خروجه من التنظيم على ما حدثنا الحاج الأديب حفظه اللّه، ما يلي:

»كثر الكلام من قبل بعض المغرضين لدى المرحوم آية اللّه العظمى السّيّد الحكيم - قدّس سرّه - على الشّهيد الصّدر (رحمه اللّه) بحجة تأسيسه للحزب أخيرا جاء (حسين الصافي) و هو رجل بعثي لئيم جاء إلى المرحوم آية اللّه الحكيم و قال: إن السّيّد الصدر و آخرين ممن ذكر أسماءهم، قد أسسوا حزبا باسم حزب الدعوة الإسلاميّة، و بهذا سيهدمون الحوزة العلميّة، و بدأ يهدّد و يتكلّم ضدّ من أسماهم مؤسسين للحزب، فنهره آية اللّه العظمى السيد الحكيم و قال له: أ فأنت أحرص على مصالح الحوزة العلمية من السيد الصدر؟ ثم أخرجه من بيته بذلّ و هو ان، ثم أرسل - رضوان اللّه عليه - أحد أولاده إلى السيد الصدر (رحمه اللّه) و قال له عن لسان والده: إنّ دعم كل الوجودات الإسلاميّة و الأعمال الإسلامية هو من شأنك و مما ينبغي لك أن تقوم به، أمّا أن تحسب على جهة إسلامية معيّنة و حزب خاص فهذا مما لا ينبغي لمن هو مثلك في المقام العلمي و الاجتماعي الشامخ، و الذي يجب أن يكون دعامة لكل الأعمال الإسلاميّة من دون التأطّر بإطار خاص. قال السيد الشهيد (قدّس سره) سأفكر و أتأمّل في الأمر، و في اليوم الثاني أرسل (رحمه اللّه) رسالة مفصّلة إلى حزب الدّعوة عن طريق الحاج محمد صالح الأديب، و كانت خلاصة ما هو مكتوب في الرسالة بعد التّأكيد الشّديد على ضرورة استمراريّة


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 89/ الجزء الأول

 

عمل »حزب الدعوة الإسلامية« و الإشادة الكبيرة بذلك: أنّ آية اللّه الحكيم طلب مني أن لا أكون في التّنظيم، و أنا أفهم أنّ هذا رأي إلزامي له، و عليه فأتوقف الآن عن الانتماء إلى التنظيم، طالبا منكم الاستمرار بجدّ في هذا العمل، و أنا أدعمكم في عملكم الإسلامي المبارك«. انتهى ما أخذته من الحاج صالح الأديب حفظه اللّه.

و بعد ذلك مضت الأيام و اللّيالي، إلى أن تصدّى السيد الشهيد الصدر - رحمه اللّه - للمرجعيّة بالتدريج من بعد وفاة المرحوم آية اللّه العظمى الحكيم، و طرح أخيرا فكرته عن ضرورة الفصل بين جهاز المرجعيّة الصالحة و التنظيم الحزبي، بسبب أن المرجعيّة الصالحة هي القيادة الحقيقيّة للأمّة الإسلاميّة و ليس الحزب، و انما الحزب يجب عليه أن يكون ذراعا من أذرع المرجعيّة و تحت أوامرها، و التشابك بين التّنظيم الإسلامي و الجهاز المرجعي يربك الأمور.

و ما يدرينا لعلّ الأستاذ الشهيد (رحمه اللّه) كان مؤمنا بهذه الفكرة منذ تأسيسه للحزب، و إن أجّل إبرازها للوقت المناسب، فلم يكن هناك تناقض بين المرحلتين من عمله.

و قد أنشأ - رحمه اللّه - في بيته ضمن العشرة الأخيرة من سني عمره المبارك، مجلسا أسبوعيّا كان يضمّ عينة طلاّبه، و كان يتداول معهم البحث في مختلف الأمور الاجتماعية و القضايا الأساسية، و كانت تطرح في هذه الجلسات الكثير من مشاكل المسلمين في شتى أرجاء العالم، و كان يبرز لمن يحضر هذه الجلسات مدى تبنّي الأستاذ الشّهيد لتلبية حاجات المسلمين في كل مكان من البلاد الإسلامية و غيرها، و تفكيره الدائب في كل ما ينفع الإسلام و المسلمين، و تخطيطه الحكيم للحوزات العلمية، و لملأ الشواغر العلمائية في كل بلد يوجد فيه تجمّع إسلامي، و لإرشاد العاملين ضدّ الكفر و الطّاغوت في جميع البلدان، و تنشيط الحيويّة في المسلمين جميعا، و ما إلى ذلك و لست هنا بصدد سرد الأبحاث الّتي كانت تدار في تلك الجلسات الأسبوعية إلاّ بالمقدار الراجع من تلك الأبحاث إلى ما نحن بصدده من بيان استراتيجيته - رحمه اللّه - في العمل السياسي، و هي ثلاث نقاط:


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 90/ الجزء الأول

 

أوّلا - موقفه من العمل المرحلي المعروف عن حزب الدعوة الإسلامية الذي تبنّاه هو - رحمه اللّه - عند تأسيس الحزب.

ثانيا - أطروحته للمرجعيّة الصالحة و المرجعيّة الموضوعيّة.

ثالثا - رأيه في مدى صحة اشتراك الحوزة العلميّة في الأحزاب السياسيّة الإسلاميّة.

 

العمل المرحلي لحزب الدعوة:

أما الأوّل - و هو العمل المرحلي لحزب الدعوة الإسلامية الذي تبنّاه هو - رضوان اللّه عليه - لدى تأسيسه للحزب، فالمعروف اليوم عن حزب الدعوة هو الإيمان بمراحل أربع للعمل:

1 - مرحلة تكوين الحزب و بنائه، و التغيير الفكري للأمّة.

2 - مرحلة العمل السياسي التي يتم بضمنها جلب نظر الأمّة إلى الأطروحة الإسلامية للحزب، و مواقفه السياسية، و تبنّيها لتلك المواقف، و دفاعها عنها.

3 - مرحلة استلام الحكم.

4 - مرحلة رعاية مصالح الإسلام و الأمّة الإسلامية بعد استلام الحكم.

و لكن الذي نقله الأستاذ - رضوان اللّه عليه - في تلك المجالس الأسبوعية لطلاّبه، هي المراحل الثلاث الاولى كما هو مثبت في النشرات الأولية للحزب، و لم يتعرّض للمرحلة الرابعة.

و على أية حال، فقد تناول الأستاذ - رحمه اللّه - هذا العمل المرحلي بالبحث و لم يكن غرضه من ذلك شجب أصل كبرى المرحليّة في العمل فإنها من أوليات العمل الاجتماعي، و قد طبّقها - رضوان اللّه عليه - فيما كتبه عن عمل المرجعيّة الصالحة، و إنما الذي بيّنه في بحثه عن ذلك، هو النقاش في مصداق معيّن بلحاظ الانتقال من المرحلة الاولى إلى المرحلة الثانية، و خلاصة ما قاله بهذا الصدد هي: إننا حينما نعيش بلدا ديمقراطيّا يؤمن باحترام الشعب و آرائه، و لا تجابههم السّلطة بالتقتيل و التشريد بلا أيّ حساب و كتاب، يكون


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 91/ الجزء الأول

 

بالإمكان افتراض حزب ما يبدأ عمله بتكوين بنية ذاتية بشكل سرّي، ثمّ يبدأ في مرحلة سياسية علنية، و محاولة كسب الأمّة إلى جانبها، و جرّها إلى تبنّي تلك المواقف السياسية، و لكن الواقع في مثل العراق ليس هكذا، ففي أيّ لحظة تحس السّلطة الظالمة بوجود حزب إسلامي منظّم يعمل وفق هذه المراحل لتحكيم الإسلام، تقتل و تشرّد و تسجن و تعذّب العاملين و تخنق العمل في تلك البلاد قبل تمامية تعاطف الأمة معه، و تحرّكها إلى جانبه، فما لم يصادف هناك تحوّل آخر دولي في العالم يقلب الحسابات ليس بإمكان الحزب أن ينتقل من مرحلته الاولى إلى المرحلة الثانية. قال (رحمه اللّه) هذا الكلام بحدود سنة 1392 الهجرية.

و الّذي تحقّق بعد ذلك في واقعنا المعاش هو انتصار المرجعية الصالحة في إيران بقيادتها للأمّة الإسلامية الخاضعة لها، و لو لا قيام الدولة المباركة في إيران بجهود الأمّة ككلّ و بقيادة المرجعية الرشيدة المتمثلة في الإمام الخميني - دام ظلّه - لم يكن هناك معقل للإسلاميّين يلجأوون إليه، و لم تكن أرض لهم ينطلقون منها في عملهم، و لكن اللّه تعالى قد منّ على العباد بهذه الدّولة الّتي لولاها لما بقي حتى اليوم في العراق مسجد للصّلاة، أو مرقد لإمام معصوم، فضلا عن بقاء عمل إسلامي منظّم فيه.

 

المرجعية الصالحة و المرجعية الموضوعية:

و أما الثاني - فقد بحث - رحمه اللّه - طيلة عدة أسابيع أطروحة لما أسماه (بالمرجعية الصالحة) و لما أسماه (بالمرجعية الموضوعية)، و أردف ذلك ببيان بعض المقترحات التي ينبغي أن تقوم بها المرجعية الصالحة، و بعد انتهائه من هذا البحث أمرني بكتابة كل ما جرى فيه فامتثلت أمره و كتبت ما تلخص في تلك الأبحاث، فأخذه الأستاذ (رحمه اللّه) و أعاد هو بصياغته الخاصة كتابة أبحاث المرجعية الصالحة و المرجعيّة الموضوعيّة بقلمه الشريف، و لم يكتب المقترحات الّتي كان قد أردف البحث بها.

و نحن هنا نتعرّض أوّلا لذكر ما كتبه بقلمه الشريف في ترسيم وضع


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 92/ الجزء الأول

 

المرجعية الصالحة و المرجعية الموضوعية مع تغيير يسير لفظي كوضع بعض العناوين الجانبية في الأثناء، ثم نتعرّض لخلاصة المقترحات التي كان قد أردف البحث بها و لم يكتبها:

أما ما كتبه بقلمه الشريف فهو ما يلي:

بسم اللّه الرحمن الرحيم إن أهمّ ما يميز المرجعية الصالحة تبنيها للأهداف الحقيقية التي يجب أن تسير المرجعية في سبيل تحقيقها لخدمة الإسلام، و امتلاكها صورة واضحة محدّدة لهذه الأهداف، فهي مرجعية هادفة بوضوح و وعي تتصرف دائما على أساس تلك الأهداف بدلا من أن تمارس تصرفات عشوائية و بروح تجزيئية و بدافع من ضغط الحاجات الجزئية المتجدّدة.

و على هذا الأساس كان المرجع الصالح قادرا على عطاء جديد في خدمة الإسلام و إيجاد تغيير أفضل لصالح الإسلام في كل الأوضاع التي يمتد إليها تأثيره و نفوذه.

 

أهداف المرجعية الصالحة

و يمكن تلخيص أهداف المرجعية الصالحة رغم ترابطها و توحّد روحها العامة في خمس نقاط:

1 - نشر أحكام الإسلام على أوسع مدى ممكن بين المسلمين، و العمل لتربية كل فرد منهم تربية دينية تضمن التزامه بتلك الاحكام في سلوكه الشخصي.

2 - إيجاد تيّار فكري واسع في الأمّة يشتمل على المفاهيم الإسلامية الواعية من قبيل المفهوم الأساسي الذي يؤكد بأن الإسلام نظام كامل شامل لشتى جوانب الحياة، و اتخاذ ما يمكن من أساليب لتركيز تلك المفاهيم.

3 - إشباع الحاجات الفكرية الإسلامية للعمل الإسلامي، و ذلك عن طريق إيجاد البحوث الإسلامية الكافية في مختلف المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و المقارنات الفكرية بين الإسلام و بقية المذاهب الاجتماعية،


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 93/ الجزء الأول

 

و توسيع نطاق الفقه الإسلامي على نحو يجعله قادرا على مدّ كل جوانب الحياة بالتشريع، و تصعيد الحوزة ككل إلى مستوى هذه المهامّ الكبيرة.

4 - القيمومة على العمل الإسلامي و الإشراف على ما يعطيه العاملون في سبيل الإسلام في مختلف أنحاء العالم الإسلامي من مفاهيم و تأييد ما هو حق منها و إسناده و تصحيح ما هو خطأ.

5 - إعطاء مراكز العالمية من المرجع الى أدنى مراتب العلماء الصفة القيادية للأمّة بتبنّي مصالحها و الاهتمام بقضايا الناس و رعايتها و احتضان العاملين في سبيل الإسلام.

و وضوح هذه الأهداف للمرجعية و تبنيها و إن كان هو الذي يحدّد صلاح المرجعية و يحدث تغييرا كبيرا على سياستها العامة و نظراتها الى الأمور و طبيعة تعاملها مع الأمة، و لكن لا يكفي مجرد وضع هذه الأهداف و وضوح إدراكها لضمان الحصول على أكبر قدر ممكن من مكاسب المرجعية الصالحة، لأن الحصول على ذلك يتوقف إضافة الى صلاح المرجع و وعيه و استهدافه على عمل مسبق على قيام المرجعية الصالحة من ناحية، و على إدخال تطويرات على أسلوب المرجعية و وضعها العملي من ناحية أخرى.

أما فكرة العمل المسبق على قيام المرجعية الصالحة فهي تعني أن بداية نشوء مرجعية صالحة تحمل الأهداف الآنفة الذكر تتطلّب وجود قاعدة قد آمنت بشكل و آخر بهذه الأهداف في داخل الحوزة و في الأمة و إعدادها فكريا و روحيا للمساهمة في خدمة الإسلام و بناء المرجعية الصالحة، إذ ما لم توجد قاعدة من هذا القبيل تشارك المرجع الصالح أفكاره و تصوراته و تنظر إلى الأمور من خلال معطيات تربية ذلك الإنسان الصالح لها يصبح وجود المرجع الصالح وحده غير كاف لإيجاد المرجعية الصالحة حقا و تحقيق أهدافها في النطاق الواسع.

و بهذا كان لزاما على من يفكر في قيادة تطوير المرجعية الى مرجعية صالحة ان يمارس هذا العمل المسبق بدرجة ما، و عدم ممارسته هو الذي جعل جملة من العلماء الصالحين - بالرغم من صلاحهم - يشعرون عند تسلّم المرجعية بالعجز


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 94/ الجزء الأول

 

الكامل عن التغيير لأنهم لم يمارسوا هذا العمل المسبق، و لم يحددوا مسبقا الأهداف الرشيدة للمرجعية و القاعدة التي تؤمن بتلك الأهداف.

 

تطوير أسلوب المرجعية

و أما فكرة تطوير أسلوب المرجعية و واقعها العملي فهي تستهدف: - أوّلا - إيجاد جهاز عملي تخطيطي و تنفيذي للمرجعية يقوم على أساس الكفاءة و التخصّص و تقسيم العمل و استيعاب كل مجالات العمل المرجعي الرشيد في ضوء الأهداف المحددة.

و يقوم هذا الجهاز بالعمل بدلا عن الحاشية التي تعبّر عن جهاز عفوي مرتجل يتكوّن من أشخاص جمعتهم الصدف و الظروف الطبيعية لتغطية الحاجات الآنية بذهنية تجزيئية و بدون أهداف محددة واضحة.

و يشتمل هذا الجهاز على لجان متعددة تتكامل و تنمو بالتدريج إلى أن تستوعب كل إمكانات العمل المرجعي، و يمكن ان نذكر اللجان التالية كصورة مثلي و هدف أعلى ينبغي أن يصل إليه الجهاز العملي للمرجعية الصالحة في تطوره و تكامله.

1 - لجنة أو لجان لتسيير الوضع الدراسي في الحوزة العلمية، و هي تمارس تنظيم دراسة ما قبل (الخارج) و الإشراف على دراسات الخارج، و تحدد المواد الدراسية، و تضع الكتب الدراسية، و تجعل بالتدريج الدراسة الحوزوية بالمستوى الذي يتيح للحوزة المساهمة في تحقيق أهداف المرجعية الصالحة و تستحصل معلومات عن الانتسابات الجغرافية للطلبة و تسعى في تكميل الفراغات و تنمية العدد.

2 - لجنة للإنتاج العلمي، و وظائفها إيجاد دوائر علمية لممارسة البحوث و متابعة سيرها و الإشراف على الإنتاج الحوزوي الصالح و تشجيعه و متابعة الفكر العالمي بما يتصل بالإسلام و التوافر على إصدار شي‏ء كمجلة أو غيرها و التفكير في جلب العناصر الكفوءة إلى الحوزة أو التعاون معها إذا كانت في الخارج.

3 - لجنة أو لجان مسئولة عن شئون علماء المناطق المرتبطة و ضبط


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 95/ الجزء الأول

 

أسمائهم و أماكنهم و وكالاتهم و تتبع سيرهم و سلوكهم و اتصالاتهم و الاطلاع على النقائص و الحاجات و الفراغات و كتابة تقرير إجمالي في وقت رتيب أو عند طلب المرجع.

4 - لجنة الاتصالات و هي تسعى لإيجاد صلات مع المرجعية في المناطق الّتي لم تتصل مع المركز، و يدخل في مسئوليتها إحصاء المناطق و دراسة إمكانات الاتصال بها و إيجاد سفرة تفقديّة إمّا على مستوى تمثيل المرجع أو على مستوى آخر و ترشيح المناطق التي أصبحت مستعدة لتقبّل العالم و تولي متابعة السير بعد ذلك و يدخل في صلاحيتها الاتصال في الحدود الصحيحة مع المفكرين و العلماء في مختلف أنحاء العالم الإسلامي و تزويدهم بالكتب و الاستفادة من المناسبات كفرصة الحج.

5 - لجنة رعاية العمل الإسلامي و التعرّف على مصاديقه في العالم الإسلامي و تكوين فكرة عن كل مصداق و بذل النصح و المعونة عند الحاجة.

6 - اللجنة المالية التي تعني بتسجيل المال و ضبط موارده و إيجاد وكلاء ماليين و السعي في تنمية الموارد الطبيعية لبيت المال و تسديد المصارف اللازمة للجهاز مع التسجيل و الضبط.

و لا شك في أن بلوغ الجهاز إلى هذا المستوى من الاتساع و التخصص يتوقف على تطور طويل الأمد، و من الطبيعي أن يبدأ الجهاز محدودا و بدون تخصصات حدّية تبعا لضيق نطاق المرجعيّة و عدم وجود التدريب الكافي.

و الممارسة و التطبيق هو الذي يبلور القابليات من خلال العمل، و يساعد على التوسيع و التخصص.

و ثانيا - إيجاد امتداد أفقي حقيقي للمرجعيّة يجعل منها محورا قويّا تنصب فيه قوى كل ممثلي المرجعية و المنتسبين إليها في العالم، لأن المرجعية حينما تتبنّى أهدافا كبيرة و تمارس عملا تغييرا واعيا في الأمة لا بد أن تستقطب أكبر قدر ممكن من النفوذ لتستعين به في ذلك و تفرض بالتدريج و بشكل و آخر السير في طريق تلك الأهداف على كل ممثليها في العالم.

و بالرغم من انتساب كل علماء الشيعة تقريبا إلى المرجع في الواقع المعاش


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 96/ الجزء الأول

 

يلاحظ بوضوح أنه في أكثر الأحيان انتساب نظري و شكلي لا يخلق المحور المطلوب كما هو واضح.

و علاج ذلك يتم عن طريق تطوير شكل الممارسة للعمل المرجعي، فالمرجع تأريخيا يمارس عمله المرجعي كله ممارسة فردية، و لهذا لا تشعر كل القوى المنتسبة إليه بالمشاركة الحقيقية معه في المسئولية و التضامن الحاد معه في المواقف، و أما إذا مارس المرجع عمله من خلال مجلس يضم علماء الشيعة و القوى الممثلة له دينيا و ربط المرجع نفسه بهذا المجلس فسوف يكون العمل المرجعي موضوعيا، و إن كانت المرجعية نفسها بوصفها نيابة عن الإمام قائمة بشخص المرجع، غير أن هذه النيابة القائمة بشخصه لم تحدّد له أسلوب الممارسة و إنما يتحدّد هذا الأسلوب في ضوء الأهداف و المصالح العامة.

و بهذا الأسلوب الموضوعي من الممارسة يصون المرجع عمله المرجعي من التأثر بانفعالات شخصه، و يعطي له بعدا و امتدادا واقعيا كبيرا إذ يشعر كل ممثلي المرجع بالتضامن و المشاركة في تحمل مسؤليات العمل المرجعي و تنفيذ سياسة المرجعيّة الصالحة التي تقرر من خلال ذلك المجلس. و سوف يضم هذا المجلس تلك اللجان التي يتكون منها الجهاز العملي للمرجعية، و بهذا تلتقي النقطة السابقة مع هذه النقطة.

و لئن كان في أسلوب الممارسة الفردية للعمل المرجعي بعض المزايا كسرعة التحرك و ضمان درجة أكبر من الضبط و الحفظ و عدم تسرب عناصر غير واعية إلى مستوى التخطيط للعمل المرجعي فإن مزايا الأسلوب الآخر أكبر و أهم.

و نحن نطلق على المرجعيّة ذات الأسلوب الفردي في الممارسة اسم المرجعيّة الذاتيّة، و على المرجعيّة ذات الأسلوب المشترك و الموضوعي في الممارسة اسم المرجعيّة الموضوعيّة.

و هكذا يظهر أن الفرق بين المرجعية الذاتية و المرجعية الموضوعية ليس في تعيين شخص المرجع الشرعي الواقعي، فإن شخص المرجع دائما هو نائب الإمام و نائب الإمام هو المجتهد المطلق العادل الأعلم الخبير بمتطلبات النيابة، و هذا يعني ان المرجعية من حيث مركز النيابة للإمام ذاتية دائما و إنما الفرق بين


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 97/ الجزء الأول

 

المرجعيتين في أسلوب الممارسة.

و ثالثا - امتدادا زمنيّا للمرجعية الصالحة لا تتسع له حياة الفرد الواحد.

فلا بدّ من ضمان نسبي لتسلل المرجعية في الإنسان الصالح المؤمن بأهداف المرجعية الصالحة، لئلاّ ينتكس العمل بانتقال المرجعية إلى من لا يؤمن بأهدافها الواعية، و لا بدّ أيضا من أن يهيّأ المجال للمرجع الصالح الجديد ليبدأ ممارسة مسئولياته من حيث انتهى المرجع العامّ السابق بدلا عن أن يبدأ من الصفر و يتحمّل مشاق هذه البداية و ما تتطلبه من جهود جانبية، و بهذا يتاح للمرجعية الاحتفاظ بهذه الجهود للأهداف و ممارسة ألوان من التخطيط الطويل المدى.

و يتم ذلك عن طريق شكل المرجعية الموضوعية، إذ في إطار المرجعية الموضوعية لا يوجد المرجع فقط بل يوجد المرجع كذات و يوجد الموضوع و هو المجلس بما يضمّ من جهاز يمارس العمل المرجعي الرشيد، و شخص المرجع هو العنصر الذي يموت، و اما الموضوع فهو ثابت و يكون ضمانا نسبيا إلى درجة معقولة بترشيح المرجع الصالح في حالة خلوّ المركز، و للمجلس و للجهاز - بحكم ممارسته للعمل المرجعي و نفوذه و صلاته وثقة الأمّة به - القدرة دائما على إسناد مرشحه و كسب ثقة الأمة الى جانبه.

و هكذا تلتقي النقطتان السابقتان مع هذه النقطة في طريقة الحلّ.

 

مراحل المرجعية الصالحة

و للمرجعية الصالحة ثلاث مراحل:

1 - مرحلة ما قبل التصدي الرسمي للمرجعية المتمثل بطبع رسالة عملية، و تدخل في هذه المرحلة أيضا فترة ما قبل المرجعية إطلاقا.

2 - مرحلة التصدّي بطبع الرسالة العملية.

3 - مرحلة المرجعية العليا المسيطرة على الموقف الديني.

و أهداف المرجعيّة الصالحة ثابتة في المراحل الثلاث، و في المرحلة الأولى يتم إنجاز العمل المسبق الذي أشرنا إليه سابقا إلى ضرورته لقيام المرجعية الصالحة.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 98/ الجزء الأول

 

و طبيعة هذه المرحلة تفرض أن تمارس المرجعية ممارسة أقرب الى الفردية بحكم كونها غير رسمية و محدودة في قدرتها و كون الأفراد في بداية التطبيق و الممارسة للعمل المرجعي، فالمرجعية في هذه المرحلة ذاتية، و ان كانت تضع في نفس الوقت بذور التطوير الى شكل المرجعية الموضوعية عن طريق تكوين أجهزة استشارية محدودة و نوع من التخصص في بعض الأعمال المرجعية.

و أما في المرحلة الثانية فيبدأ عمليا تطوير الشكل الذاتي إلى الشكل الموضوعي لكن لا عن طريق الإعلان عن أطروحة المرجعية الموضوعية بكاملها و وضعها موضع التنفيذ في حدود المستجيبين، لأن هذا و إن كان يولّد زخما تأييديا في صفوف بعض الراشدين في التفكير و لكنه من ناحية يفصل المرجعية الصالحة عن عدد كبير من القوى و الأشخاص غير المستعدين للتجاوب في هذه المرحلة، و من ناحية أخرى يضطرها إلى الاستعانة بما هو الميسور في تقديم صيغة المرجعية الموضوعية و هذا الميسور لا يكفي كمّا و لا كيفا لملأ حاجة المرجعية الموضوعية.

بل الطريق الطبيعي في البدء بتحقيق المرجعية الموضوعية ممارسة المرجعية الصالحة لأهدافها و رسالتها عن طريق لجان و تشكيلات متعددة بقدر ما تفرضه بالتدريج حاجات العمل الموضوعية و قدرات المرجعية البشرية و الاجتماعية، و يربط بالتدريج بين تلك اللجان و التشكيلات، و يوسّع منها حتى تتمخض في نهاية الشوط عن تنظيم كامل شامل للجهاز المرجعي.

و يتأثّر سير العمل في تطوير أسلوب المرجعية و جعلها موضوعية بعدة عوامل في حياة الأمّة فكرية و سياسية و بنوعية القوى المعاصرة في الحوزة للمرجعية الموضوعية و مدى وجودها في الأمة و مدى علاقتها طردا أو عكسا مع أفكار المرجعية الصالحة و لا بد من أخذ كل هذه العوامل بعين الاعتبار و التحفظ من خلال مواصلة عملية التطوير المرجعي عن تعريض المرجعية ذاتها لانتكاسة تقضي عليها، إلاّ إذا لو حظ وجود مكسب كبير في المحاولة و لو باعتبارها تمهيدا لمحاولة أخرى ناجحة يفوق الخسارة التي تترتب على تفتت المرجعية الصالحة التي تمارس تلك المحاولة.

انتهى ما جرى على قلم أستاذنا الشهيد لترسيم وضع المرجعية الصالحة


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 99/ الجزء الأول

 

و المرجعية الموضوعية، و قد طبع هذا البحث أكثر من مرّة، إحداها ما جاء في مجلّة صوت الأمّة العدد الخامس للسنة الاولى.

أما المقترحات التي كان قد أردف البحث بها و لم يكتبها فنحن هنا نتعرض إلى خلاصة من تلك المقترحات، و هي ما يلي:

1 - اقتراح إنشاء حوزات علمية فرعية في المناطق التي تساعد على ذلك، ترفد بها الحوزة العلمية الأمّ.

2 - اقتراح إيجاد علماء في الفقه و الأصول و المفاهيم الإسلاميّة في سائر أصناف الناس، فليكن لنا من ضمن الأطبّاء علماء، و من ضمن المهندسين علماء، و ما إلى ذلك من الأصناف، و لا يشترط في هؤلاء العلماء التخصّص و الاجتهاد في الفقه و الأصول، و يكون كل من هؤلاء مصدر إشعاع في صنفه، يبثّ العلم و المعرفة و فهم الأحكام الشرعية و المفاهيم الإسلاميّة فيما بينهم [1].

3 - ربط الجانب المالي للعلماء و الوكلاء في الأطراف بالمرجعية الصالحة، فلا يعيش الوكيل على ما تدرّ عليه المنطقة من الحقوق الشرعية، بل يسلّم الحقوق كاملة إلى المرجعية، و تموّله المرجعية ليس بالشكل المتعارف في بعض الأوساط من إعطاء نسبة مئوية من تلك الأموال كالثلث أو الربع، مما يجعل علاقة الوكيل بالمرجعية سنخ علاقة عامل المضاربة بصاحب رأس المال، بل بشكل تغطية مصاريف الوكيل عن طريق عطائين من قبل المرجعية:

الأول - راتب شهري مقطوع يكفل له قدرا معقولا من حاجاته الضرورية.

و الثاني - عطاء مرن و غير محدد يختلف من شهر إلى شهر، و قد لا يعطى في بعض الأشهر، و قد يضاعف أضعافا مضاعفة في بعض الأشهر، و يكون المؤثر

 

____________________________

 

[1] قال الشيخ محمد رضا النعماني حفظه اللّه: و قد بدأ السيد الشهيد بتنفيذ هذه الفكرة و لو بشكل متواضع حين كبرت مرجعيته و امتدّت، إذ بدأ يشجّع عددا من الأطباء و المهندسين و الأساتذة على دراسة الفقه و الأصول و المنطق و كافة المواد الدّراسيّة المقررة و المتعارفة في الحوزة العلمية، و بنفس الوقت شجّع بعضهم على الانخراط في الحوزة العلمية و ترك تخصّصاتهم السابقة، و كان السيد الشهيد يستهدف من تشجيع بعضهم على الانخراط في الحوزة العلمية ما يلي:

1 - الإسراع في تربية علماء يملكون ثقافة عصرية إلى جانب ثقافتهم الحوزوية.

2 - الارتفاع بالمستوى الاجتماعي للحوزة العلمية، إذ أن وجود عناصر ذات مستوى رفيع في نظر المجتمع كالأطبّاء و المهندسين، سوف يغيّر من نظرة أولئك الذين يحملون انطباعا سلبيا عن الحوزة العلمية.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 100/ الجزء الأول

 

في تقليل و تكثير هذا العطاء عدة أمور:

أحدها - احتياجاته بما هو إنسان أو بما هو عالم في المنطقة فإنها تختلف من شهر إلى شهر.

و الثاني - مقدار ما يقدّمه للمرجعية من أموال و حقوق شرعية.

و الثالث - مقدار ما يقدّمه للمنطقة من أتعاب و جهود.

و الرابع - مقدار ما ينتج في تلك المنطقة من نصر للإسلام.

كما أن هذه الأمور الأربعة قد تؤثر - أيضا - في تحديد مقدار العطاء المتمثل في الراتب المقطوع [1].

4 - دعم المرجعية الصالحة لمكتب صالح و نظيف من بين المكاتب، و هي التي كانت تسمى في النجف (بالبرّانيّات)، بحيث يصبح ما يصدر من ذاك المكتب ممثّلا في نظر الناس بدرجة خفيفة لرأي المرجعية، و فائدة ذلك: أن المرجعية الصالحة قد تريد أن تنشر فكرة سياسية أو اجتماعية أو غير ذلك من دون أن تتبنّاها مباشرة لمصلحة في عدم التبنّي المباشر، أو تريد أن تفاوض السلطة في أمر من الأمور بشكل غير مباشر، فذاك المكتب يتبنّى أمثال هذه الأمور.

 

الحوزة العلمية و التحزب:

و أمّا الثالث - و هو رأيه في مدى صحة اشتراك الحوزة العلمية في الأحزاب السياسية الإسلامية، فقد رسم - رضوان اللّه عليه - في تلك الأبحاث الأسبوعيّة

 

____________________________

 

[1] قال الشيخ محمد رضا النعماني حفظه اللّه: و فعلا فقد نفّذ شهيدنا العظيم هذه الفكرة، و لم تبق مجرد فكرة فبعد ان تحسّن الوضع المالي للمرجعية بدأ السيد الشهيد بإعطاء رواتب لوكلائه و لو بشكل محدود، و قد كانت لتنفيذ هذه الفكرة آثار إيجابية عظيمة، يمكن تلخيصها بما يلي:

1 - استقلال العالم استقلالا تاما، فهو لم يعد بحاجة إلى محاباة أصحاب الأموال الذين كانوا قد يحوّلون العالم إلى أداة بأيديهم، و أصبح العالم ينفّذ إرادة المرجعية و ما تتطلبه مصلحة الإسلام.

2 - بدأ الكثير من المدن و المناطق تطالب المرجعية بعالم يقيم لديها، إذ أن العقبة التي كانت تقف أمامهم هو الفقر و الحاجة المالية لكثير من أهالي هذه المناطق، إذ لم تكن لديهم القدرة المالية على تغطية شئون العالم الدينية، و من الواضح للجميع الآثار السلبية التي تترتب على عدم وجود ممثل للمرجعية في المدن و المناطق.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 101/ الجزء الأول

 

خطوطا ثلاثة ذكر: أن اثنين منها خطّان ثابتان، و واحدا منها خطّ متحرك:

الخط الأوّل - ضرورة الفصل بين جهاز المرجعية الصّالحة و العمل الحزبي.

و الخطّ الثاني - عدم البأس باشتراك طلاب الحوزة العلميّة غير المرتبطين بجهاز المرجعيّة الصالحة، في العمل الحزبي الإسلامي.

و هذان خطان ثابتان.

و الخط الثالث - و هو ما أسماه بالخط المتحرّك - أنّ من كان عضوا في جهاز المرجعيّة الصالحة و هو في نفس الوقت عضو في حزب الدعوة الإسلاميّة، و يكون انسحابه من صفوف الحزب مؤدّيا إلى إرباك الوضع في داخل الحزب يبقى محتفظا بارتباطه بالحزب إلى حين ما يرى أنّ انفصاله لا يؤدي إلى مثل هذا الارتباك، فعندئذ ينفصل عن الحزب.

و كان تاريخ تحديده - رحمه اللّه - لهذه الخطوط الثلاثة بحدود أوائل سنة 1393 الهجرية.

و بعد هذا حينما اعتقلت السلطة الكافرة في العراق ثلة من العلماء الأعلام، و ثلّة من المؤمنين الكرام، و كان بضمنهم الشهداء الخمسة الشيخ عارف و صحبه، و كان بضمنهم أيضا السيد الهاشمي، و كنت أنا - وقتئذ - في إيران و أفرجت السلطة بعد ذلك عن جماعة منهم السيد الهاشمي، و بقي جماعة آخرون في الاحتجاز، أصدر الأستاذ الشهيد (رحمه اللّه) كلمته المعروفة الّتي ذكر فيها فصل الحوزة العلمية كاملة عن العمل الحزبي و كان هذا بتاريخ 10 - شعبان 1394 ه.

و كتبت بعدئذ رسالة إلى أستاذنا الشهيد، أستفسره فيها عمّا هو المقصود الواقعي عن هذه الكلمة فذكرت له: أن المحتملات عندي أربعة:

1 - ان يكون المقصود بهذه الكلمة لحاظ مصلحة في أصل ذكرها و نشرها كتقيّة (و على حد تعبير علماء الأصول تكون المصلحة في الجعل).

2 - أن يكون المقصود بهذه الكلمة أولئك العلماء و الطّلاّب المرتبطون بمرجعيتكم، و إن اقتضت المصلحة إبرازها على شكل العموم.

3 - ان يكون المقصود بهذه الكلمة فصل طلاب الحوزة العلمية في العراق


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 102/ الجزء الأول

 

عن العمل الحزبي درءا للخطر البعثي الخبيث عنهم، الذي يؤدّي إلى إبادتهم.

4 - أن يكون المقصود بها فصل جميع الحوزات العلمية في كل زمان و مكان عن العمل الحزبي الإسلامي (و على حدّ تعبير الأصوليين تكون القضية قضية حقيقية و ليست خارجية) و على الاحتمال الأخير يكون تعليقي على هذه الكلمة: أن هذا الإجراء سيؤدّي في طول الخط إلى انحراف الحركة الإسلامية الحزبية عن مسار الإسلام الصحيح نتيجة لابتعادهم في أجوائهم الحزبية عن العلماء الأعلام.

فكتب لي (رضوان اللّه عليه) في الجواب: إني قصدت المعنى الأوّل و الثاني و الثالث، دون الرابع.

و كان هذا كلّه قبل انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران.

أما بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، فقد عزم الأستاذ الشهيد - رحمه اللّه - على تصعيد معارضته لحكومة البعث في العراق و نزوله إلى الميدان بشكل سافر نسبيّا، و بهذا لم يبق مورد لمسألة الاهتمام بدرء الخطر البعثي الّذي كان أحد ملاكات تلك الكلمة (أعني فصل الحوزة العلميّة عن العمل الحزبي) فإنّ الحوزة العلمية الواعية ستقع لا محالة وجها لوجه أمام السلطة الجائرة، و الخطر محدق على أيّ حال. و في هذا التاريخ جاء السيد الهاشمي حفظه اللّه إلى إيران، و أخبرني بأن السيد الأستاذ بعث على أحد الوجوه البارزة آنئذ لحزب الدعوة الإسلاميّة، و قال له فيما قال: إن كلمتي التي أصدرتها حول انفصال الحوزة عن العمل الحزبي قد انتهى أمدها.

أقول: إني لا أفهم من هذا الكلام انتهاء أمد هذه الكلمة بالقياس إلى جهاز المرجعية الصالحة المفروض فيها ان تكون فوق الحركات و الأحزاب، و تكون في موقع الأبوّة و القيادة للأمّة بجميع أجنحتها و أفرادها، و إنما أفهم منه انتهاء أمد هذه الكلمة باعتبار المعنى الثالث من المعاني الثلاثة التي قصدها منها.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 103/ الجزء الأول

 

أساس الحكم:

اما رأي الأستاذ الشهيد - رحمه اللّه - حول أساس الحكومة الإسلامية في زمان غيبة المعصوم، فقد مرّ - أيضا - بمراحل عديدة، فحينما أسّس حزب الدعوة الإسلامية كان يرى أن أساس الحكومة الإسلامية في زمن الغيبة هي الشورى، و هذا ما أثبته فيما كتبه لحزب الدعوة باسم »الأسس« مستدلاّ بقوله تعالى (و أمرهم شورى بينهم) و بعد ذلك ترك هذا الرأي، و قال أخيرا بمبدإ ولاية الفقيه، تمسّكا بالتوقيع المعروف عن الإمام صاحب الزمان - عجّل اللّه فرجه الشريف: (أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجّتي عليكم) و قد انعكس هذا الرأي في رسالتيه العمليّتين: (الفتاوى الواضحة، و التعليق على منهاج الصالحين).

و قد بحثنا هذين المبدءين و هما مبدأ الشورى و مبدأ ولاية الفقيه في كتابنا (أساس الحكومة الإسلامية) بتفصيل.

و بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، عدّل رحمه اللّه رأيه في أساس الحكومة في زمن الغيبة، فقال بما يكون مزيجا من الشورى و ولاية الفقيه، على ما هو منعكس في بعض حلقات ما نشر عنه باسم (الإسلام يقود الحياة) و قد بحثناه مفصّلا في آخر كتابنا الذي كتبناه في بحث اللّقطة.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 105/ الجزء الأول

 

اعتقالاته (رحمه اللّه):

اعتقل - رضوان اللّه عليه - بسبب ظلم البعث الكافر الحاقد على الدّين المسيطر على العراق، أربع مرّات:

أوّلا:

 

اعتقل في سنة (1392 - ه)

و كان ذلك - في الظن الغالب - في شهر رجب، أو في أواخر جمادى الثانية، و القصة كما يلي:

ذكر - رضوان اللّه عليه - ذات يوم أنه بلغني خبر يقول: إن البعثيين سيعتقلونني في هذه اللّيلة، و في صبيحة تلك الليلة عرفنا أنه لم يقع شي‏ء من هذا القبيل.

و في اللّيلة الثانية ابتلي صدفة بالتسمّم أو ما يشبهه، ممّا كان يحتمل أداؤه إلى الموت، فطلب إيصاله إلى المستشفى، و كنت أنا و المرحوم السيد عبد الغني - رحمه اللّه - بخدمته، و لا أذكر ما إذا كان شخص آخر - أيضا - معنا أو لا، و أخته بنت الهدى إلى المستشفى لعيادته، ثم رجعنا إلى البيت، و رجعت أنا أيضا إلى بيتي، و بقي معه في المستشفى المرحوم السيد عبد الغني الأردبيلي (رحمه اللّه)، و اطّلعنا بعد ذلك على أنّ الأمن العراقي طوّق في تلك اللّيلة بيت


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 106/ الجزء الأول

 

الأستاذ، و اقتحم البيت لغرض اعتقاله، فقال لهم الخادم: (و كان خادمه - وقتئذ - محمد علي الأفغاني) إن السيد غير موجود، و لا أعلم أين ذهب السّيّد.

فبدءوا بضرب الخادم ليعترف لهم عن مكان السّيّد، إلاّ أنّه أبى و أصرّ على إنكاره رغم علمه بمكان السيد، و جاءت أخته (بنت الهدى) و قالت لهم:

إن السيد مريض، و قد انتقل إلى مستشفى النجف فانتقل الأمن إلى مستشفى النجف، و طوّقوا المستشفى، و طالبوا المشرفين على المستشفى بتسليم السيّد، فقالوا لهم إن السيد مريض و حالته خطرة، و إذا أردتم نقله فنحن لا نتحمل مسئولية ذلك إذا ما مات بأيديكم، و أخيرا: وقع الاتفاق على أن ينقل السيد تحت إشراف الأمن إلى مستشفى الكوفة، على أن يكون معه المرحوم السيد عبد الغني الأردبيلي بعنوان مرافق المريض، و هكذا كان، فقد نقلوا السيد الأستاذ إلى مستشفى الكوفة، و وضعوه في ردهة المعتقلين، و عند الصباح ذهب السّيّد محمد الغروي إلى مستشفى الكوفة كي يطلع على حال السيد الأستاذ، فالتقى بالمرحوم السيد عبد الغني (رحمه اللّه) فقال له: إن الأمن قد وضعوا قيد الحديد على يده الكريمة، فأخبرني السيد الغروي بذلك، فذهبت أنا إلى بيت السيد الإمام الخميني دام ظله، حيث كان - وقتئذ - يعيش في النجف الأشرف، و تشرفت بلقائه و حكيت له القصة، ثم كثرت في صبيحة ذاك اليوم مراجعة الناس - على الخصوص طلاب العلوم الدينية و العلماء العظام، أمثال المرحوم آية اللّه الشيخ مرتضى آل ياسين، و المرحوم الحجة السيد محمد صادق الصدر - إلى مستشفى الكوفة يطالبون بلقاء السيد، و الجلاوزة يمنعونهم عن ذلك، و دخل البعض على السيد رغما على منع الجلاوزة، و كاد أن يستفحل الاضطراب في وضع الناس، فخشيت الحكومة من نتائج الأمر، فرفعت القيد من يد السيد، و بعد فترة وجيزة أطلقت سراح السّيّد الأستاذ، و وضع في القسم العادي (غير ردهة المعتقلين) في مستشفى الكوفة، و بعد ذلك رجع إلى مستشفى النجف، و بعد أن تحسنت حالته الصحية رجع إلى البيت و تكثرت زيارة الناس و الوفود إليه، و استمر الأمر بهذا الوضع إلى أيام - وفاة الإمام موسى الكاظم - عليه السلام - حيث أقام السيد الشهيد في بيته مأتما للإمام


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 107/ الجزء الأول

 

الكاظم (ع) كعادته في كل سنة، و كان المجلس يغصّ بأهله، و كان الخطيب في ذاك الحفل السيد جواد شبر. و كان يقول السيد الأستاذ (رحمه اللّه)، إن هذا الاعتقال قد أثّر في انشداد الأمّة إلينا أكثر من ذي قبل، و تصاعد تعاطفها معنا.

و كان المفهوم لدينا وقتئذ أن مرض السيد (رحمه اللّه) كان رحمة و سببا لتأخير تنفيذ ما يريده البعثيون من أخذه مخفورا إلى بغداد، إلى أن اشتهرت القصة و ضجّ الناس و اضطرت الحكومة إلى إطلاق سراحه من دون الذهاب به الى بغداد.

ثانيا:

 

اعتقل - رحمه اللّه - في سنة (1397)

الهجرية في شهر صفر، في أعقاب انتفاضة الأربعين و كنت أنا - وقتئذ - في إيران.

قال الشيخ محمد رضا النعماني »لقد اهتمّ السيد الشهيد بالتخطيط لانتفاضة صفر سنة 1397 الهجرية، فقد كان - رضوان اللّه عليه - قد أمرني بتقديم الأموال لكافة المواكب، و أن لا أردّ أيّ طلب من أي موكب أو (تكية) صغيرة كانت أو كبيرة، و كان يقول: إن هذه المواكب شوكة في عيون حكام الجور، إن هذه المواكب و هذه المظاهر هي الّتي زرعت في نفوس و قلوب الأجيال حبّ الحسين (ع) و حبّ الإسلام، و بالتالي يجب أن تبقى رغم حاجتها إلى تهذيب و تعديل يناسب العصر.

كان السيد الشهيد يتابع أحداث الانتفاضة متابعة دقيقة، سواء في داخل النجف أو في الطريق بين النجف و كربلاء، و كان - رضوان اللّه عليه - في غاية السرور حين تتوارد عليه الأنباء بنجاح الانتفاضة و شجاعة الزوّار في تحدّي السّلطة الجائرة، و كذلك أنباء وقوف بعض قطعات الجيش العراقي، و عدد من أعضاء حزب البعث الحاكم إلى جانب الثوار الأبطال، و كان - رضوان اللّه عليه - يأمل أن يستفيد في المستقبل من هذه العواطف و المواقف.

لكن السلطة البعثية الجائرة و كعادتها في قمع الانتفاضات بالنار، شنّت


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 108/ الجزء الأول

 

حملة واسعة من الاعتقالات و التصفيات الجسدية، و لم تكن لتتخطّى شهيدنا العظيم - رضوان اللّه عليه - و لكن كيف؟ و لما ذا قررت السلطة اعتقاله، في الوقت الّذي لم تكن للسيد الشهيد نشاطات محسوسة أو ظاهرة يمكن ان تبرّر بها جريمة الاعتقال أمام الأمة؟ إنّ مما لا شك فيه، أن السلطة كانت مضطربة و خائفة من أحداث النجف، خائفة من روح التّحدّي العظيمة الّتي أبداها زوّار سيد الشهداء عليه الصلاة و السلام.

و خائفة من إصرارهم على تنفيذ قرار الذهاب مشيا على الأقدام من النجف إلى كربلاء.. و خائفة من مواقف الغيارى و الشرفاء من أبناء النجف الذين وقفوا وجها لوجه أمام محافظ النجف - آنذاك - المجرم جاسم الركابي، حين أبلغهم بقرار السلطة منع المشاة من الذهاب إلى كربلاء، ليقولوا له: و اللّه سنذهب مشيا على الأقدام و نزور الحسين، و كان في طليعتهم الشهيد السعيد عباس عجينة - رحمه اللّه -.

و عبرّت عن خوفها حين تراجعت عن قرار المنع على لسان محافظ النجف في الساعات الأخيرة، قبل انطلاق مسيرة المشاة إلى كربلاء.. و حين ظلّ رجال السلطة يتوسلون بالعلماء و المراجع لدعوة المشاة إلى عدم التنديد بالسلطة و سبّ الرئيس المقبور البكر و نائبه المجرم صدام.. لقد شعرت السلطة أنّها أهينت أصيبت في سمعتها و شوكتها بإقدام أبناء العراق البررة، أنصار الحسين (ع) الّذين قدّموا العديد من الشهداء في هذه المناسبة، و كان لا بدّ للسلطة الحاقدة أن تنتقم و تفرغ حقدها و غضبها و تثأر من الأمّة - و من أبناء النجف بالذّات - و من المرجعيّة، المرجعية الواعية الرشيدة و ما تمثلة من قيم، و ما ترمز إليه من معان، فأرادت أن تنتقم من الأمة فشنّت حملات إرهابية واسعة من الاعتقالات، أدّت إلى استشهاد عدد من أنصار الحسين (ع) نظير الشهيد صاحب آلبو گلل و رفاقه و الحكم بالسجن المؤبّد على عدد آخر من الأنصار.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 109/ الجزء الأول

 

و أرادت أن تنتقم - بحقد - من المرجعية فكان اعتقال السيد الشهيد - رضوان اللّه عليه - ففي الساعة التاسعة صباحا، جاء أحد ضباط الأمن المجرمين، إلى دار السيد الشهيد تمهيدا لمجي‏ء مدير أمن النجف المجرم (أبو سعد)، و حين اجتمع هذا الأخير بالسيد الشهيد قال له: ان السيد عزت الدوري - و كان وزيرا للداخلية - آنذاك - يودّ لقاءك في بغداد.

ذهب السيد الشهيد - رحمه اللّه - إلى بغداد معتقلا. و هناك التقى بمدير الأمن العام ليبلغه رسالة حقد من القيادة العفلقية، و سيل من كلمات التهديد و الوعيد بألوان من الانتقام. و في هذه المرة عذّب السيد الشهيد و ضرب، و بقيت آثاره عليه بعد الإفراج عنه حتى كان لا يقوى على صعود السلّم إلاّ بصعوبة كان يخفيها. لقد سمعت هذا منه، و كان يقول: كنت أحرص على كتمان ذلك كي لا يؤدّي إلى انهيار أو خوف البعض، ممن لم يوطّن نفسه على الصّمود و الثبات.

و في نفس اليوم أفرج عن السيد الشهيد فعاد إلى النجف و كتم ما أصابه.

و حين عاد السيد الشهيد من الاعتقال سألته عما جرى له في التحقيق حول انتفاضة صفر، فكان من جملة ما قال: إن مدير الأمن العام قال له: إننا نعلم أنك وراء هذه الأعمال العدوانية، و نعلم أنك قدّمت لهم الأموال، لكننا نعرف كيف ننتقم منك في الوقت المناسب، و ظل يهدّدني بالإعدام و يقول:

لو لا انشغالنا بالقضاء على هؤلاء المشاغبين لنفذنا الإعدام الآن و لكن سترى بعد حين مصيرك« انتهى النقل عن الشيخ النعماني.

ثالثا:

 

اعتقل - رحمه اللّه - في سنة 1399

الهجرية في السادس عشر أو السابع عشر من رجب حسب الاختلاف الواقع في الهلال - آنذاك - و أطلق سراحه في نفس اليوم.

و لعل خير ما كتب عن اعتقال السيد الشهيد (رحمه اللّه) في رجب، و ما اكتنفه من أحداث سابقة و لاحقة، هو ما كتبه الشيخ محمد رضا النعماني


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 110/ الجزء الأول

 

حفظه اللّه. و إليك نصّ كلام الشيخ مع تغيير يسير:

 

توجس السلطة و خوفها:

في الفترة التي سبقت أحداث رجب، و تلت انتصار الثورة الإسلامية في إيران، منيت السلطة البعثية العميلة بخوف و رعب شديدين، فقد أحست أن حدث انتصار الثورة الإسلامية في إيران يشكّل خطورة كبرى تهدّد مستقبل الحكم، و لا تعجب من ذلك لأن العراق هو البلد الأوّل المرشّح لثورة إسلامية أخرى، فكلّ شي‏ء في العراق كان يسير بهذا الاتجاه، و لعل موقف السلطة من مرجعية السيد الشهيد، و من الحوزة العلمية، و من الحركة الإسلامية في العراق عام 1974 و ما قبله، أوضح مؤشّر على هذه الحقيقة، فالأحداث كانت تسير باتجاه إقامة حكومة إسلامية، و لم يكن يخفى ذلك على السلطة.

و من ظواهر الرعب تأكيد السلطة العميلة على لسان مدير الأمن العام (البرّاك) للسيد الشهيد، بأن (القيادة) تؤيّد الثورة الإسلامية في إيران، و لا تقف منها إلا موقف المساند، و أشار إلى البرقية التي بعضها البكر المقبور للإمام الخميني (دام ظله) بعد انتصار - الثورة، و قال: إن العراق كان من الدّول الاولى التي أيّدت الثورة الإسلامية في إيران و في هذا اللقاء قال السيد الشهيد: إذا كان موقفكم من الثورة الإسلامية في إيران بهذا المستوى، فلما ذا منعتم العراقيين عن تأييد الثورة الإسلامية في إيران من خلال التظاهرات الّتي منعتموها و اعتقلتم المتظاهرين، رغم كونهم لم يستهدفوا إلاّ تأييد الثورة الإسلامية في إيران؟... فقال البرّاك: إنّ المواقف السياسية، و منها الموقف تجاه الثورة الإسلامية في إيران، تحدّد من قبل (القيادة السياسية) فهي وحدها المسئولة عن ذلك و ليس من حق أحد أن يعارض أو يؤيد إلاّ من خلال القرار السياسي الّذي تتخذه (القيادة السياسية).

فقال السيد الشهيد: إنّك قلت قبل قليل إن القيادة السياسية أيدت الثورة، و أن العراق كان من أوائل الدول المؤيدة لها، أ ليس موقف الجماهير


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 111/ الجزء الأول

 

ينسجم مع هذا القرار؟ فقال البراك: نعم و لكن اتخاذ مواقف سياسية من مسئوليّتنا، و ليس لأحد أن يتدخل في هذه الأمور.

و من الواضح أن صدور هذا الكلام من السلطة المغرورة و الغارقة في بحر الكبرياء و العظمة الفارغة، لا يصدر إلاّ بسبب الخوف و الرعب الذي خيّم على قلوبهم، و إلاّ فإنّ أعمالهم و ممارساتهم تدلّ على عكس ذلك، فهم الذين تجاهلوا الثورة الإسلامية و أحداثها الرائعة، و لم تواكب وسائل إعلامهم أحداث الثورة إلاّ بعد أن أصبحت الثورة الخبر الأوّل الذي يتصدر كل نشرات الأخبار العالمية، و أصبح تجاهلها يعتبر نكسة إعلامية و حالة شاذة. و هم الذين قالوا على لسان المجرم صدام التكريتي (الشاة باق باق باق) على أمل أن يبقى الشاة.

و هم الذين أرادوا منع الإمام الخميني من قيادة الثورة من النجف، و اضطرّوه إلى مغادرة العراق إلى فرنسا، و هم الّذين قمعوا التظاهرات التي أيّدت الثورة الإسلامية في إيران، و التي خرجت بعد صلاة المغرب من جامع الخضراء في النجف الأشرف. فكيف يمكن أن نوفق بين ما يدعيه البراك و غيره و بين الممارسات العملية السلبية تجاه الثورة و مؤيّديها و من مظاهر الرعب هو تشويش إذاعة طهران الناطقة باللّغة العربية الّتي تسمع في كافة أنحاء العراق.

إنّ إذاعة الجمهورية الإسلامية - القسم العربي - أصبحت بعد انتصار الثورة الإسلامية المحطّة الاولى و الرئيسية بالنسبة للعراقيين، و بدأت تشق طريقها في التأثير على العراقيين، ليس في أوساط المتدينين و الموالين للثورة الإسلامية فقط، بل و حتى في أوساط البعثيّين أنفسهم، فقبل قرار منع الاستماع إليها و معاقبة المخالفين، كانت مجاميع كبيرة من كوادر حزب البعث الحاكم يستمعون لها في مقرات الحزب نفسه، و بلغ تعلّق العراقيين بإذاعة طهران حدّا أقلق السلطة فقد بدأت المفاهيم و الأفكار التي تطرحها الإذاعة تنتشر بسرعة و تشيع، و ظل نسيد (خميني أي إمام، خميني أي إمام) يتردّد في مدارس العراق، رغم كونه باللّغة الفارسية، و لم تجد السلطة من سبيل إلاّ إصدار قرار بمنع الاستماع لإذاعة


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 112/ الجزء الأول

 

طهران، و معاقبة المخالفين، و كذلك تشويش المحطة كي لا يتيسّر الاستماع إليها.

و من المؤشّرات المهمة في هذا المجال، الزيارات المتكررة التي قام بها مختلف المسئولين للسيد الشهيد، بهدف إظهار حالة من الودّ و المحبة، على أمل بناء علاقات جيدة، يستهدف منها إنهاء حالة المعارضة لهم من قبل المرجعية بعد ذلك الشوط الطويل من السعي المتواصل لتصفية السيد الشهيد، و القضاء على مرجعيته الرشيدة قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران. و في الوقت نفسه كثّفت مديرية الأمن العامة مراقبتها للسيد الشهيد بشكل لم يسبق له نظير.

و أتذكر في هذا المجال أن السلطة بعثت بأحد عملائها - في بداية حرب نفسية - ليخبر السيد الشهيد بأنه علم - من مصادر موثوقة - أن السلطة تنوي عدم التساهل مع السيد الشهيد، لو أنه حاول القيام بأعمال ضدّ السلطة، و أن نهاية السيد الصدر ستكون حتميّة في أول اعتقال يقع ثم التمس من السيد الشهيد - حرصا على حياته و سلامته - أن لا يقوم بشي‏ء. و في تلك الفترة كثرت أمثال هذه الأعمال من قبل أشخاص كنا نعرف خبث سريرة بعضهم و سذاجة البعض الآخر ممن لا يعي أبعاد الدور الذي كلّف به.

و على كل حال، فإن الظواهر و المؤشرات التي برزت في تلك الفترة كانت تدلّل - بما لا يقبل الشّك - على أنّ حالة من الخوف و الذعر، قد سيطرت على الحكام و أفقدتهم رشدهم و جعلتهم يتخبطون و يتناقضون في مواقفهم و تصريحاتهم، و من الجدير أن نشير إلى التعميم الذي أصدرته قيادة الحزب العميل عن موقفها الحقيقي تجاه الثورة الإسلامية في إيران، بعد أن تفشت ظاهرة تأييد الثورة الإسلامية حتى في داخل صفوف حزب البعث، فقد أكّد التعميم أن مواقف (بعض الرفاق) من الثّورة الإسلامية لا ينسجم مع موقف الحزب و القيادة السياسية، و طلب منهم اتخاذ موقف سلبي من الثورة الإسلامية باعتبارها (رجعيّة) و حرّضهم على ترويج الإشاعات ضدّ الثورة، و ذكر نموذجا لذلك هو مطالبة الجمهورية الإسلاميّة الدول الاستكبارية بإرجاع الأموال الّتي سرقها الشاة المقبور و أودعها في بنوكهم، فصوّر (التعميم) هذا الحدث بأنه


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 113/ الجزء الأول

 

الأساس الذي دفع الإمام الخميني إلى الثورة ضدّ الشاة، و طلب منهم (توعية) الشعب على هذه الحقيقة.

كل ذلك من أجل إطفاء وهج الثورة في نفوس مختلف صفوف الشعب العراقي، بما فيها أوساط حزب البعث الحاكم.

و لكن الحقيقة أن السلطة لم تحقق من أعمالها المكاسب التي توختها، بل يمكن أن نقول: إن المردودات السلبية كانت كبيرة جدا، فقد توضحت الصورة و عرفت الجماهير الموقف الحقيقي للسلطة من الثورة الإسلامية، مما زاد من إصرار الجماهير المسلمة على التمسك بموقفها المؤيّد و المساند للثورة الإسلامية في إيران.

 

لما ذا ركزت السلطة على السيّد الشهيد؟

السلطة البعثية العميلة و أجهزتها الإرهابية، ركزت مراقبتها - بعد انتصار الثورة الإسلامية - على السيد الشهيد و راقبته مراقبة شديدة و دقيقة، فقد بذلت السلطة كل ما يمكن، و اعتمدت مختلف الوسائل و الأساليب لمعرفة كل صغيرة و كبيرة عن السيد الصدر - رضوان اللّه عليه - و تركزت الجهود على التعرّف على نوع الصلة بين السيد الشهيد و بين الثورة الإسلامية و قائدها العظيم الإمام الخميني... هل ستقوم الثورة بدعم الحركة الإسلامية في العراق بهدف قيام جمهورية إسلامية في العراق؟ هل سيتم تنسيق و تعاون بين الشهيد الصدر و بين الإمام الخميني؟ هل ستقوم إيران بتحرير العراق عسكريا و إسقاط الحكم البعثي العميل بعلم السيد الصدر و إشرافه؟.

أسئلة كثيرة كانت تراود السلطة عن نوع العلاقة و مستوى التنسيق بين السيد الشهيد و الإمام القائد.. و هي بلا شك تقلق السلطة و تجعلها تحسب كل صيحة عليها.

و لنا أن نتسائل: هل أنّ توجّس السلطة و موقفها الحائر مجرّد تصورات و احتمالات؟ أم أنه يستند إلى أدلّة ملموسة أو ظواهر لا يمكن تفسيرها أو تبريرها إلاّ بهذا الاتجاه؟


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 114/ الجزء الأول

 

و لا أريد أن أجيب عن ذلك إلاّ بمضون بعض مجريات التحقيق و الاستجواب الذي أجري مع السيد الشهيد حين اعتقل في 17 رجب عام 1399 ه.

و ملخّص مجريات التحقيق مع شهيدنا الغالي في هذا المجال، تركّزت على ما يلي:

1 - حين رفض الإمام السيد الخميني شروط السلطة العميلة الّتي أرادت فرضها عليه في مقابل البقاء في العراق، قرر سماحته مغادرة العراق إلى الكويت و تمّ سفره المبارك في ساعة مبكرة صباحا، و حين علم السيد الشهيد بقرار الإمام القائد قرّر (رضوان اللّه عليه) زيارة الإمام رغم ما يترتّب على ذلك من آثار و حساسيات أمنية من ناحية السلطة العميلة، حيث كانت قوات الأمن قد طوّقت منزل السّيّد الإمام و الشارع و الأزقّة المؤدية إليه. و قرّر السيد الشهيد الذّهاب إلى منزل الإمام قبل أن يطّلع على سفر الإمام إلى البصرة و تحدّث في ذلك الوقت بكلام معناه: أن الذهاب إلى منزل الإمام في هذه الظروف ضرورة دينية لأنه تأييد و مساندة للإمام في هذا الظّرف الصّعب.

و ذهب الشهيد الغالي إلى منزل الإمام و جلس مدة من الزمن، و هو المرجع الوحيد الذي وقف هذا الموقف المشرّف في وقت عزّ فيه من يجرؤ على التقرب من الزقاق الذي يقع فيه منزل الإمام، فضلا عن الدخول فيه.

و أتذكر أن البعض قالوا للسيد الشهيد: إن قوات الأمن يمنعون من يريد الوصول إلى منزل السيد الإمام فردّ السيد الشهيد قائلا: على كل حال سأذهب، و ليحدث ما يحدث.

و قد سئل السيد الشهيد حين اعتقل في رجب، عن السبب الذي جعله يتحدّى السلطة - في تلك الظروف العصيبة - و يذهب لزيارة بيت الإمام.

2 - السلسلة القيمة التي كتبها السيد الشهيد (الإسلام يقود الحياة) كلمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في إيران، و صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامي، و غير ذلك.

إن هذه السلطة عبرّت بوضوح عن موقف السيد الشهيد، و تفاعله مع


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 115/ الجزء الأول

 

الثورة الإسلامية في إيران و قائدها العظيم الإمام الخميني، و إن شئت فاقرأ ما جاء في (لمحة فقهية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية) حين يبيّن السيد الشهيد المسئولية التاريخية للثورة الإسلامية في إيران على صعيد الجمهورية، و على صعيد العالم، فيقول:

»و في الخارج تستهدف الدولة:

أوّلا - حمل نور الإسلام و مشعل هذه الرسالة العظيمة إلى العالم كله.

ثانيا - الوقوف إلى جانب الحق و العدل في القضايا الدولية و تقديم المثل الأعلى للإسلام من خلال ذلك.

ثالثا - مساعدة كل المستضعفين و المعذبين في الأرض و مقاومة الاستعمار و الطغيان و بخاصة في العالم الإسلامي الذي تعتبر إيران جزءا لا يتجزء منه. إن دولة القرآن العظيمة لا تستنفد أهدافها...« و لم يكن يخفى على السلطة مغزى هذه الكلمات القيمة عن مسئولية الجمهورية الإسلامية تجاه العراق، و باقي دول العالم الإسلامي، و لذا فقد سئل السيد الشهيد عن دوافع كتابة هذه الحلقات.

3 - بعث السيد الشهيد أحد تلاميذه [1] إلى الجمهورية الإسلامية، ليكون حلقة وصل بين السيد الشهيد و الإمام السيد الخميني، لغرض التنسيق و مواكبة حركة الثورة الإسلامية، و قد أحست السلطة بذلك فأثارها، و لذلك ركز في التحقيق مع السيد الشهيد على هذه النقطة.

و قد سألت السيد الشهيد (رحمه اللّه) عن جوابه، فقال: لم أجب بشي‏ء لأني أعلم أن السلطة تعرف هذا الموضوع، اكتفيت بالقول: فسّروه بما شئتم. فقال مدير الأمن: إن معلوماتنا تؤكّد أن الهدف كان التنسيق بينكم و بين السيد الخميني فردّ السيد الشهيد: فليكن ذلك.

فقلت للسيد الشهيد - رضوان اللّه عليه - أ ليس هذا الجواب اعترافا بتلك الحقيقة؟ فقال (رحمه اللّه) حين اعتقلت حسبت ان الشهادة تنتظرني في بغداد،

 

____________________________

 

[1] و هو السيد محمود الهاشمي حفظه اللّه.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 116/ الجزء الأول

 

و أحسست أن المسئوليّة التي كانت تثقل كاهلي و تسبب لي الهموم و الآلام قد انتهت، فلم أكن أحسب للآثار التي ستترتب على جوابي، هل أنّها تشكّل خطورة عليّ أم لا.

4 - مجموعة الرسائل و البرقيات التي بعثها سماحته إلى الإمام السيد الخميني، و إلى الشعب الإيراني الشقيق. فقد قال البراك (مدير الأمن العام) ما هو السبب الذي جعلك تنفرد دون باقي العلماء لتقف هذا الموقف الصريح متجاهلا أن هناك سلطة و حزبا يحكمون القطر، لهم الكلمة الحاسمة و الأخيرة في المواقف السياسية و غيرها.

من ناحية أخرى: إن السلطة تدرك أهمية السيد الشهيد، و قابلياته الهائلة في مجال الفكر و التخطيط، و الحس السياسي، و قدرته العظيمة في مجال التأثير على الشعب العراقي، و لم يكن بوسع السلطة تجاهل تجربتها المعقدّة و الطويلة مع السيد الشهيد قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران، هذه التجربة التي كانت حصيلتها للسلطة فشلا على فشل، و هزيمة إثر هزيمة، فما من جولة - رغم آثارها و جراحها المؤلمة - إلاّ و كان النصر إلى جانب السيد الشهيد (رحمه اللّه).

إن السلطة العميلة كانت مقتنعة بأنّ السيد الصدر هو مركز البركان و هو الخطر الوحيد الذي يتهدّدها، خاصة بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، و الآثار النفسية و المعنوية التي أوجدتها في نفوس العراقيين، و في مقدّمتها حالة التهيؤ و الاستعداد لثورة إسلامية في العراق بقيادة الشهيد السعيد السيد الصدر - رضوان اللّه عليه -.

 

برقية الإمام:

و جاءت برقية إمام الأمّة السيد الخميني، لتقطع الشكّ باليقين عن العلاقة بين الشهيد الصدر و الإمام الخميني.

إن السيد الشهيد لم يستلم البرقية التي بعثها الإمام السيد الخميني، فقد احتجزت و لم تسلّم للسيد الشهيد، و لكني كنت قد سجلتها من إذاعة طهران، و أسمعتها السيد الشهيد بعد إذاعتها بدقائق، و هذا نصها:


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 117/ الجزء الأول

 

»سماحة حجة الإسلام و المسلمين الحاج السيد محمد باقر الصدر دامت بركاته: علمنا أن سماحتكم تعتزمون مغادرة العراق بسبب بعض الحوادث، إنني لا أرى من الصالح مغادرتكم مدينة النجف الأشرف، مركز العلوم الإسلامية و إني قلق من هذا الأمر، آمل إن شاء اللّه إزالة قلق سماحتكم، و السّلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.

روح اللّه الموسوي الخميني«

 

الموقف التاريخي المشرّف للعراقيّين:

في تلك الفترة كانت إذاعة طهران العربيّة هي الإذاعة الاولى من حيث استماع العراقيين لها، فكان من الطبيعي أن يستمع الشعب لبرقية إمام الأمة و يتعرّف على مغازيها و ما تعنيه. و البرقية لم تكن عاديّة بحيث لا تلفت الانتباه فقد أكّد إمام الأمة على نقطتين أساسيتين:

1 - مغادرة السيد الشهيد (رحمه اللّه) للعراق، و ما تعنيه من فراغ كبير للنجف و العراق.

2 - ما يتعرّض له السيد الشهيد من مضايقات و ضغط من قبل السلطة البعثية العميلة.

للأسباب هذه كان وقع البرقية عظيما في كافة أوساط الشعب العراقي، فكانت بداية جديدة لمرحلة جديدة من الصراع بين الإسلام و الكفر، فبدأت تتقاطر الوفود إلى النجف الأشرف من كافة أنحاء العراق تطالب السيد الشهيد بالبقاء في العراق و عدم مغادرته له.

 

وقفة مع الوفود:

من الضروري ان نقف عند هذه الظاهرة التي تستحق الدراسة و التقييم، فالوفود كانت متميزة، متميزة في أشخاصها و شعاراتها و هتافاتها و استمراريّتها و تحديها للسلطة الجائرة:

1 - الشمول.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 118/ الجزء الأول

 

من الملاحظ أن طابع الشمول كان ظاهرة بارزة، فلم تقتصر على محافظة دون أخرى، أو شريحة دون أخرى، بل شملت معظم محافظات العراق و مختلف شرائح المجتمع العراقي.

و للتاريخ أسجل للقاري نماذج من الوفود التي زارت السيد الشهيد، و جددت له البيعة و عاهدته على التأييد و المساندة حتى آخر قطرة دم.

 

بغداد:

جاءت عدة وفود من بغداد نذكر منها:

1 - وفد الشهيد السعيد حجة الإسلام السيد قاسم المبرقع - من مدينة الثورة.

2 - وفد الشهيد السعيد حجة السلام الشيخ قاسم ضيف. من مدينة البيّاع.

3 - وفد حجة الإسلام الشيخ النمدي - الكاظمية.

محافظة واسطة:

1 - وفد الشهيد السعيد آية اللّه السيد قاسم شبر - قضاء النعمانية.

2 - وفد أهالي الكوت مع سماحة حجة الإسلام الشيخ عفيف النابلسي.

3 - وفد أهالي العزيزية و ناحية الزبيدية و ضواحيها مع سماحة الشهيد السعيد حجة الإسلام السيد عز الدين الخطيب.

 

البصرة:

وفد على رأسه حجة الإسلام السيد عصام شبر العمارة:

وفد حجة الإسلام الشهيد السعيد الشيخ عبد الأمير محسن العماري.

و غيرها من الوفود من قبيل وفد الناصرية و ديالى و كركوك و الديوانية و كربلاء و السماوة.

2 - من الملاحظ أن الوفود كما أنها شملت مختلف محافظات و أنحاء العراق، كذلك شملت مختلف أوساط المجتمع، فتجد الكهل و الشّابّ و المرأة و الطفل، و تجد العامل و الفلاح و الكاسب و الأستاذ و الطالب الجامعي، و طالب الإعدادية و الابتدائية. و إضافة إلى ذلك: تجد مختلف الرّتب العسكرية حتى


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 119/ الجزء الأول

 

ضمّ أحد الوفود من المناطق الجنوبية عددا من الطيارين العسكريين، أو العاملين في القوة الجوية.

3 - الشعارات الّتي رددتها الوفود كانت رائعة، و معبّرة عما في نفوس أبناء العراق تجاه السيد الشهيد و الإمام الخميني: (باسم الخميني و الصدر، الإسلام دوما منتصر) و (عاش عاش عاش الصدر، و الدين دوما منتصر) لقد عبّرت الوفود من خلال شعاراتها عن تمسكها بالإسلام، و تأييدها للثّورة الإسلامية، و المرجعية الرشيدة.

4 - الظّاهرة الأخرى الملفتة للانتباه هي الكثافة العظيمة حيث اكتظت النجف بالألوف من خيرة أبناء العراق، و كان السيد الشهيد يستقبل هذه الوفود من الصباح الباكر و حتى ساعة متأخرة من اللّيل، حتى ظهرت عليه علامات الإرهاق و التعب الشديد، لدرجة أنه في بعض الأحيان كان يعجز من مجرد الكلام.

5 - التحدّي الصارخ للسّلطة و هذا ما اعترف به أكثر من مسئول بعثي كبير.

6 - استمرارية تقاطر الوفود كانت ميزة. و لو لا بعض الآثار التي حدت بالسيد الشهيد إلى الاكتفاء بهذا القدر، لاستمر زخم الوفود و تقاطرها إلى فترة طويلة، حيث كانت تصلنا الأخبار تباعا عن تهيّؤ وفود أخرى من مختلف أنحاء العراق، و لكن السيد الشهيد أمر وكلاءه إبلاغ الأمّة بأنه لن يغادر العراق، و سيبقى معكم حتى النفس الأخير، و لا داعي لتجشم عناء السفر.

إن أهم الأسباب الّتي دعت السيد الشهيد لاتخاذ هذا الموقف هو:

أولا - إن الآلاف من المؤمنين و المجاهدين استطاعوا أن يعبروا بوضوح عن موقف الشعب العراقي الأصيل من المرجعية الرشيدة و الثورة الإسلامية.

ثانيا - حرص السيد الشهيد على عدم كشف كافة الأوساط الموالية و المؤمنة بالمرجعية و بالثورة الإسلامية، إذا أن سلطات الإرهاب كانت تراقب الوفود بدقة، و هي لن تتورع - إن قررت الانتقام - من تصفية الملايين.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 120/ الجزء الأول

 

تقييم السيد الشهيد للوفود:

أكثر من مرة عبر السيد الشهيد عن موقفه تجاه كل الوفود الّتي زارته. عبّر عن اعتزازه و تقديره و شكره، و كان الأمل يملأ قلبه في أن يعود الإسلام إلى مسرح الحياة على أيدي هؤلاء الأبطال.

و أشير هنا الى ما جاء في نداء السيد الشهيد: »أيّها الشعب العراقي المسلم:

إني أخاطبك أيّها الشعب الحر الأبي الكريم، و أنا أشد الناس إيمانا بك و بروحك الكبيرة، و بتاريخك المجيد، و أكثرهم اعتزازا لما طفحت به قلوب أبنائك البررة من مشاعر الحب و الولاء و البنوّة للمرجعية، إذ تدفّقوا إلى أبيهم يؤكّدون ولاءهم للإسلام بنفوس ملؤها الغيرة و الحميّة و التقوى، يطلبون مني أن أظل أواسيهم و أعيش آلامهم عن قريب، لأنها آلامي، و إني أود أن أؤكّد لك يا شعب آبائي و أجدادي إني معك و في أعماقك، و لن أتخلى عنك في محنتك و سأبذل آخر قطرة من دمي في سبيل اللّه من أجلك«.

و أعتقد أن هذا المقطع من النّداء لا يحتاج إلى تعليق، فهو يطفح بمشاعر السيد الشهيد تجاه أبناء العراق البررة و يجسّدها تجسيدا حيّا.

 

موقف السلطة:

لم تحسب السلطة المجرمة أن يكون ردّ الشعب العراقي المسلم بهذا المستوى، إذ كان زخم الوفود مفاجأة بكل معنى الكلمة، و ذلك أحجمت عن اتخاذ أيّ إجراء قمعي فوري، لأنها لا تعرف مستوى التحرك، و هل للجيش صلة بالموضوع أو لا. و فضلت مراقبة الوضع و التريّث إلى حين.

و لنا أن نتسائل عن رأي السلطة، كيف كانت تنظر إلى هذا الوضع؟ و ما ذا كان يعني في رأيها تقاطر الوفود إلى النجف لتأييد السيد الشهيد و مبايعته؟ و هنا أشير إلى تصريحين بهذا الشأن:

الأول: اعتراف مدير أمن النجف بأن ما حدث كان ثورة، و أوشكت على


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 121/ الجزء الأول

 

النجاح لو لا (حزم) السلطة [1].

الثاني: ما نقله السيد علي بدر الدين عن أحد أعضاء ما يسمى بمجلس قيادة الثورة، فقد قال: إن السيد محمد باقر الصدر قام بثورة كادت أن تنجح، و نحن من الآن سوف نتعامل معه على هذا الأساس، و لو لا أنه فاجأنا بهذا التحرك، لعرفنا كيف نتعامل مع هؤلاء (العملاء) الذين حرّكهم ضدنا... إلخ.

و الحقيقة: إن هذا التقييم هو عين الواقع، فما حدث في رجب كان ثورة حقيقية ضدّ السلطة، و لو لا العجز عن توفير السّلاح و العتاد لنجحت الثورة في جانبها العسكري بعد ان نجحت في الجوانب الأخرى.

أمّا الإجراءات الّتي اتخذت لقمع التحرك في رجب، فهي كالتالي:

1 - استدعاء عشرات الألوف من قوات الأمن و الجيش اللاّشعبي للتواجد في النجف، و تطويق شوارعها و أزقّتها و فرض السيطرة عليها.

2 - فرض حالة التأهب و الاستعداد في الجيش، و الجيش اللاشعبي، و الحزب.

3 - تسجيل أسماء و عناوين الوافدين إلى النجف.

4 - تصوير الوافدين (فتو - غرافيا) و تسجيل أصواتهم.

5 - و في المرحلة الأخيرة بدأت حملة شاملة لاعتقال جميع من زال السيد الشهيد (رحمه اللّه).

 

اعتقال وكلاء السيد الشهيد (رحمه اللّه):

تركّزت الحملة في أوّل الأمر على اعتقال وكلاء السيد الشهيد، أمثال السادة الأعلام:

1 - السيد قاسم شبر.

2 - السيد حسين السيد هادي الصدر.

 

____________________________

 

[1] و سيأتي ذكر هذه القصة لدى ذكر المفاوضات التي جرت مع السيد الشهيد في فترة الاحتجاز.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 122/ الجزء الأول

 

3 - السيد حسين السيد إسماعيل الصدر.

4 - السيد قاسم المبرقع.

5 - السيد محمد حسين المبرقع.

6 - السيد جاسم المبرقع.

7 - الشيخ عبد الجليل مال اللّه.

8 - الشيخ محمد علي الجابري.

9 - السيد عباس الشوكي.

10 - الشيخ سامي طاهر.

11 - الشيخ قاسم ضيف.

12 - الشيخ عبد الجبار البصري.

13 - الشيخ مهدي السماوي.

14 - السيد عبد الرحيم الياسري.

15 - الشيخ خزعل السوداني.

16 - الشيخ عبد الأمير محسن الساعدي.

17 - السيد عز الدين الخطيب.

و غيرهم من الوكلاء في مختلف المناطق، كما شمل الاعتقال عددا من العلماء من غير وكلاء السيد الشهيد، ممن ساهم في انتفاضة رجب.

و استمرت حملات الاعتقال في كافة أوساط الشعب العراقي بصورة وحشية و قاسية، بما لا يوصف، و لا يمكن معه عدّ المعتقلين أو إحصاؤهم.

 

جواب السيد الشهيد على برقيّة الإمام:

إن الكثيرين أصرّوا على السيد الشهيد أن يتجبن الدخول في صراع مع البعثيين بهذا المستوى، و كانت حجتهم هي الطبيعة الدموية و العدوانية لهذه الزمرة، فهم لن يترددوا من اتخاذ أقسى الإجراءات لأدنى معارضة أو موقف يشمّ منه ذلك. و في هذا السياق رجح البعض أن يكون جواب السيد الشهيد على برقية إمام الأمة بشكل لا يؤدي إلى إثارة السلطة و تحفيزها على اتخاذ موقف حاد.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 123/ الجزء الأول

 

إلاّ أن السيد الشهيد رفض الاستماع إلى هذه النصائح، و قرّر أن يكون الجواب بالشكل الذي يناسب وضع إمام الأمة و مقامه، و كذلك وضع المرحلة الجديدة من الصراع، خاصة بعد أن عرف الجميع مستوى العلاقة بين السيد الشهيد و الإمام الخميني - دام ظله - و بالتدقيق في عبارات البرقية الجوابية ندرك حجم العلاقة و مستوى الوفاء و الإخلاص و التفاني الّذي يكنّه السيد الشهيد للثورة الإسلامية و لقائدها العظيم، و هذا نص البرقية:

 

بسم اللّه الرحمن الرحيم

 

 سماحة آية اللّه العظمى الإمام المجاهد السيد روح اللّه الخميني دام ظله.

تلقيت برقيتكم الكريمة التي جسّدت أبوّتكم و رعايتكم الروحية للنجف الأشرف الّذي لا يزال منذ فارقكم يعيش انتصاراتكم العظيمة، و إني أستمدّ من توجيهكم الشريف نفحة روحية، كما أشعر بعمق المسئولية في الحفاظ على الكيان العلمي للنجف الأشرف، و أودّ أن أعبّر لكم بهذه المناسبة عن تحيّات الملايين من المسلمين و المؤمنين في عراقنا العزيز، الّذي وجد في نور الإسلام الّذي أشرق من جديد على يدكم ضوءا هاديا للعالم كلّه، و طاقة روحية لضرب المستعمر الكافر و الاستعمار الأمريكي خاصة، و لتحرير العالم عن كلّ أشكاله الإجرامية، و في مقدمتها جريمة انتصاب أرضنا المقدسة فلسطين، و نسأل المولى سبحانه و تعالى أن يمتّعنا بدوام وجودكم الغالي، و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.

الخامس من رجب - 1399 ه

النجف الأشرف

محمد باقر الصدر

 

لقد أخبرني (رضوان اللّه عليه) إن من النقاط التي ركّزوا عليها أثناء التحقيق في رجب، كان بعض فقرات البرقية الجوابية التي بعثتها إلى الإمام الخميني، و انصبّت الأسئلة على أمور ثلاثة:

1 - ما هو المقصود من رعاية الإمام الخميني للنجف؟ هل هناك مساعدات مالية أو عسكرية وصلت من إيران لمساعدتك في التحرك ضدّنا؟.

2 - من خوّلك نقل تحيّات ملايين العراقيين إلى السيد الخميني؟.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 124/ الجزء الأول

 

3 - ما معنى التوجيه الذي تتلقّاه من السيد الخميني؟.

يقول السيد الشهيد كنت قد أجبت على أسئلتهم بما يناسب حجم التحرك، و حجم الثورة الإسلامية، فقد كنت مصمما على الاستشهاد في سبيل اللّه، و لذا كنت أتعمّد أن لا أجيب على بعض الأسئلة بغرض إقلاقهم و إرعابهم، و لكن ظلّ البرّاك يلحّ على إجابة محدّدة، و بقيت - أيضا - أتعمّد الغموض و كلما انتقل البرّاك إلى أسئلة أخرى بعيدة عن موضوع البرقية عاد مرة أخرى إلى البرقية و كرّر الأسئلة بشكل و آخر.

 

اعتقال السيد الشهيد:

لم يكن اعتقال السيد الشهيد بعد أحداث رجب أمرا محتملا فحسب، بل كان السيد الشهيد يتوقع في أي لحظة أن يعتقل، و لكن لا للتحقيق أو لا ذلال المرجعية، كما في المرات السابقة، بل للإستشهاد في سبيل اللّه، و كان (رضوان اللّه عليه) قد هيّأ نفسه لذلك، و كان من عادته قبل كل اعتقال أن يسلّم (الخاتم) إلى من يثق به، لكي لا يقع بيد السلطة بعد الاستشهاد. و هكذا فعل في رجب بعد ثلاثة أيام من بداية تقاطر الوفود إلى مبايعته.

في يوم الإثنين المصادف 16 رجب عام 1399، ه - بدأت قوّات الأمن تكثّف من دوريّاتها و مراقبتها لمنزل السيد الشهيد، و الأزقّة القريبة منه، و بقيت أرقب الوضع حتى الساعة التّاسعة مساء، حيث منعت السلطة التجول في الزقاق، و منعت المارّة تمهيدا لاعتقال السيد الشهيد.

أخبرت السيد الشهيد و أخته العلوية الشهيدة، و قلت للسيد: إن المجرمين ينوون اعتقالكم غدا، فالدلائل تشير إلى ذلك.

لم يتأثر السيد الشهيد، و لم يأبه للعشرات من الأمن المدجّجين بالسلاح الذين يجوبون الزقاق، فذهب إلى مضجعه و نام و هو في غاية الاطمئنان، بعد أن استعد و تهيّأ لكل ما يمكن أن يقع له على أيدي هؤلاء الجلاّدين.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 125/ الجزء الأول

 

قرار المواجهة المباشرة:

قرّر السيد الشهيد أن يتعامل مع المسئولين بمستوى جديد، فصمّم على أن ينهج نهج جدّه الحسين - عليه السلام - و يتمسّك بمبدإ (لا أعطيكم بيدي إعطاء الذّليل و لا أقرّ لكم إقرار العبيد). إن موقف السيد الشهيد هذا ناش من تصميمه على الدخول في مواجهة مباشرة مع السلطة، إذ لا معنى للثورة بدون ذلك. و كان - رضوان اللّه عليه - يستهدف من ذلك تهيئة الأجواء للشعب العراقي للسير معه في نفس الاتجاه، رغم يقين شهيدنا الغالي بأن الشهادة هي المحطة التي سينتهي إليها في آخر المطاف، و لم يكن هذا المصير يقلق مفجّر الثورة، لأنه لم يكن يفكّر إلاّ بقضيته و رسالته التي هي رسالة الإسلام.

إن السيد الشهيد يعرف السلطة و طبيعتها الإجرامية، و كان يعرف أن لغتها الوحيدة هي المشانق و السجون، و لم يكن بحاجة إلى التكهّن بمصيره لو أراد مواجهتها، لأنه يعرف مسبقا النتيجة، و ما أشبهه بجدّه الحسين - عليه السّلام - حين كان يجسّد أمامه مصرعه (كأني بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات) و هكذا كان شهيدنا العظيم يرى مصرعه، يرى الأيدي الأثيمة تمتد إلى قلبه الطاهر لتقطعه بسيوف حقدها. و مع ذلك كان (رحمه اللّه) يرى أن ذلك يهون و يسهل إذا كان ينتهي إلى إقامة حكومة إسلامية في العراق.

لا أقول هذا الكلام بسبب علاقتي أو حبي للسيد الشهيد (رحمه اللّه) بل الوقائع و الأدلة هي الشاهد و هي البرهان على ما أقول، و سنعيش معا تلك اللّحظات خلال فترة الحجز حين رفض شهيدنا العظيم كل الفروض التي قدمتها السلطة لإرضائه، أو لفك الحجز، أو لإنهاء الثورة، و وقف كالجبل الأشمّ حتى كأنّك تراه و قد نزع اللّه عز و جل من كيانه غريزة حبّ الحياة، و أبدلها بغريزة حبّ الاستشهاد، فكان من الطبيعي أن يتخذ (رحمه اللّه) هذا الموقف ما دام قد بدأ الثورة، و أذن لشعلتها أن تتوهج و تستمر حتى إقامة حكومة الإسلام في العراق.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 126/ الجزء الأول

 

الاعتقال:

في صباح يوم الثلاثاء السابع عشر من رجب جاء المجرم مدير أمن النجف، و طلب اللقاء بالسيد الشهيد. في هذا اللقاء قال مدير الأمن: إن السادة المسئولين يريدون الاجتماع بكم في بغداد. فأجابه السيد الشهيد بانفعال شديد، و قال له: إن كنت تحمل أمرا باعتقالي فنعم أذهب، و إن كانت مجرد زيارة، فلا.

و أضاف: إنكم كممتم الأفواه، و صادرتم الحريات، و خنقتم الشعب، تريدون شعبا ميّتا يعيش بلا إرادة و لا كرامة، و حين يعبّر شعبنا عن رأيه، أو يتخذ موقفا من قضيّة ما، حين تأتي الألوف لتعبّر عن ولائها للمرجعيّة و للإسلام، لا تحترمون شعبا، و لا دينا، و لا قيما، بل تلجأون إلى القوة، لتكمّوا الأفواه و تصادروا الحريات و تسحقوا كرامة الشعب.

أين الحرية التي تدّعونها؟ أين هذا الشعب الذي تدّعون أنكم تدافعون عنه؟ أ ليس هؤلاء الآلاف الذين جاءوا ليعبروا عن ولائهم للمرجعية هم أبناء العراق؟ ما ذا ستقولون للجماهير و أنتم تسحقون قيمهم بأيديكم؟ و ظلّ الشهيد الغالي يصرخ بوجه هذا المجرم، و كانت مفاجأة عظيمة له أذهلته و جعلته يلوذ بالصمت، و لم يتمكن من الرد و لو بكلمة واحدة.

ثم قال (رضوان اللّه عليه) هيّا لنذهب إلى حيث تريد.

خرج السيد الشهيد و كنت برفقته، و كذلك الأخ الشيخ طالب الشطري، و الشهيدة السعيدة بنت الهدى، و عقيلته الطّاهرة أمّ جعفر، و رافقنا أيضا خادم السيد (الحاج عباس).

كانت قوّات الأمن أكثر من مائتي شخص، تتألف من قوات الأمن و الجيش الشعبي، و أعضاء منظمة حزب البعث العميل في النجف، و كلّهم مدجّجون بالسلاح و العتاد.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 127/ الجزء الأول

 

بنت الهدى تهزم الجموع:

خلال مسيرنا في الزّقاق المؤدّي إلى شارع الإمام زين العابدين، سبقتنا الشهيدة بنت الهدى، لتأخذ مكانها هناك استعدادا لإلقاء خطبتها التي هزمت فيها الجموع التي تحشّدت لاعتقال السيد الشهيد.

وقفت كأنها زينب لم تأبه بالمجرمين الذين تتقطّر وجوههم شرّا و حقدا و وحشيّة، لم ترهبها رشّاشات الكلاشنكوف، و بدأت خطبتها التّاريخية - التي تعتبر وثيقة مهمّة من وثائق الثّورة الإسلامية في العراق - قالت (رضوان اللّه عليها):

انظروا... أخي وحده، بلا سلاح، بلا مدافع و رشاشات أما أنتم بالمئات... انظروا - و أشارت إلى الجموع هنا و هناك - بالمئات، فهل سألتم أنفسكم: لم هذا العدد الكبير و لم كل هذه الأسلحة؟ لأنكم تخافون... إي و اللّه تخافون لأنّكم تعلمون أنّ أخي ليس وحده، بل معه كل العراقيين.

إنكم تخافون، و و اللّه لو لا ذلك لما جئتم لاعتقال أخي في هذه الساعة المبكرة من هذا الصباح... لما ذا لا تجيئون إلاّ و النّاس نيام؟ لما ذا تختارون هذا الوقت؟ هل سألتم أنفسكم؟ هل هذا إلاّ دليل على ما أقول.

و ما أن أتمت الشهيدة خطبتها حتى تفرّق الحشد الأثيم، و اختفى في الأزقّة و بقيت سيارات الأمن و من فيها في سكون و ثبات، لم يتحرك أحد حين خطبت الشهيدة و كأن على رءوسهم الطير. ثم توجهت بخطابها إلى شهيدنا العظيم، و قالت: اذهب يا أخي، اللّه معك، فهذا هو طريقنا، و هذا هو طريق أجدادك الطاهرين.

استمر خطاب الشهيدة الخالدة أكثر من خمس عشرة دقيقة، فلم يجرؤ أحد من الجلاوزة على منعها، فقد كان صوتها الزينبيّ و كلماتها الثائرة أقوى من


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 128/ الجزء الأول

 

كل قوة، لقد أربكت الجلاوزة و أرعبتهم، و لم تدع لهم من سبيل إلاّ الاختفاء في الأزقّة.

 

الشهيدة قرّرت الاستشهاد:

بعد أن اعتقل السيد الشهيد (رحمه اللّه) عادت الشهيدة إلى المنزل، فقلت لها: كان المفروض أن تتريّثي قليلا كي تتبين الأمور و تتوضّح، إن هذا الخطاب من الممكن أن يؤثر عليكم سلبا، و يفتح صفحة جديدة لكم في سجلاّت الأمن، و تزداد مراقبة الأمن لكم، إضافة إلى الآثار الّتي ستترتّب على السيد.

فقالت الشهيدة (رحمه اللّه) إن المسئولية الشرعية و الواجب الديني هو الّذي دفعني لاتخاذ هذا الموقف، ان زمن السكوت انتهى، و لا بدّ أن نبدأ صفحة جديدة من الجهاد، لقد سكتنا طويلا، و كلّما طال سكوتنا كبرت محنتنا، و ازدادت أتعابنا، لما ذا أسكت و أنا أرى مرجعا مظلوما يقع في قبضة هؤلاء المجرمين؟ قلت: إن هولاء المجرمين لا يتورّعون من أن تمتد أيديهم القذرة إليكم، و يمكن أن ينالك الإعدام.

فقالت: و اللّه إني أتمنى الشهادة في سبيل اللّه، و لقد قرّرت أن استشهد منذ اليوم الأول الذي جاءت فيه الوفود، فأنا أعرف هذه السلطة، و أعرف وحشيتهم و قساوتهم، و أعلم أن الرجل و المرأة عندهم سواء، أمّا أنا فسيّان عندي أن أعيش أو أموت، ما دمت واثقة أنّ موقفي كان للّه و من أجله تعالى.

لقد كنت أستمع للشهيدة، و كأني أستمع لزينب بنت أمير المؤمنين (ع) إنها تتكلم من أعماقها كلام الواثقة كل الثقة بعقيدتها و قضيتها. لقد جسّدت بنت الهدى إيمانها العظيم و صلابتها الهائلة، ليس في حادث اعتقال السيد الشهيد فقط، بل و في طيلة فترة الاحتجاز و في يوم اعتقالها كما سيأتي.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 129/ الجزء الأول

 

الشهيدة تثير الجماهير:

عادت الشهيدة إلى المنزل، و لكن لتبدأ صفحة أخرى من جهادها العظيم، إذ أنها لم تكتف بموقفها الشجاع الأول، و بقيت تفكر فيما يجب أن تفعله في هذه الساعات الحرجة و الحاسمة، و كأنها تقول أنا ابنة عليّ (ع) لن أسكت، و لن أصبر على الضيم.

لقد رأيتها تمشي و تتكلّم، و لكنها كانت تعيش بروحها في عالم آخر، تفكر في الخطوة القادمة و الحلقة الأخرى، و استطاعت أن تهز المشاعر، و تثير في نفوس المؤمنين العزم و التصميم على التحرك و فعل كل شي‏ء ثأرا للمرجع المظلوم شهيد السجون السيد الصدر (رحمه اللّه)، فكانت التظاهرة الاحتجاجيّة العظيمة التي أرعبت حكام بغداد الخونة و جعلتهم في مأزق صعب، اضطرهم إلى الإفراج عن السيد الشهيد (رحمه اللّه).

و لكن كيف بدأت هذه الخطوة؟ و كيف استطاعت شهيدتنا العظيمة ان تنجح في الإعداد لتظاهرة في يوم و ساعة و ظرف تكاد تكون فيه مثل هذه الأعمال مستحيلة، بسبب الوضع الأمني الخانق و الطوق الإرهابي المفروض على شعبنا؟.

حين اعتقل شهيدنا العظيم في ساعة مبكّرة كان النّاس نياما، و الشوارع خالية و لم يشهد حادث الاعتقال إلاّ نفر يسير ممن تواجد صدفة في ذلك الوقت.

مع ذلك فكّرت شهيدتنا العظيمة بالذهاب إلى الحرم العلوي الطاهر، لأعلام الناس بالحادث، و لكنها لم تجد العدد المطلوب فذهبت ثانية بعد أن أشرقت الشمس و استيقظ الناس، و هناك عند جدّها أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) علا صوتها الزينبي و بدأت تخاطب جدّها، كما فعلت زينب (عليها السلام) بعد قتل أخيها الحسين بعبارات مؤثرة، و كلمات من قلب صادق.

و استطاعت أن تحشّد النّاس، و تثير في نفوسهم الغيرة للانتقام من معتقلي المرجع المظلوم.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 130/ الجزء الأول

 

إلى جانب الشهيدة العظيمة، كانت هناك مجموعة من الطلبة و المؤمنين [1] قد هزّهم الحدث و رفعهم الإيمان إلى التحرك بنفس الاتجاه فتجمّعوا في الحرم الشريف، و بدءوا بقراءة دعاء الفرج كاسلوب للتجمّع و التهيؤ و كان الأخ

 

____________________________

 

[1] و أحدهم السيد على أكبر الحائري الذي كتب يقول في شرح القصّة ما يلي:

عند ما اعتقل السيد الشهيد (رحمه اللّه) في ساعة مبكّرة من صباح يوم السابع عشر من رجب سنة 1399 الهجريّة، كانت الشهيدة (بنت الهدى) أوّل من خرجت لإشاعة هذا النبأ و كسر طوق التعتيم البعثي الذي كانوا يخيّمونه على جرائمهم، فنطقت نطقها صارخة في حرم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، و أدّت دورها البطولي الرائع في إبلاغ خبر اعتقال هذا المرجع العظيم من قبل جلاوزة السلطة الغاشمة. و سرعان ما اشتهر هذا النبأ في أوساط المؤمنين المخلصين للسيّد الشهيد (رحمه اللّه). في النجف الأشرف، و كان الخبر في بادئ الأمر على شكل شائعة غير مؤكّدة، و كان جلاوزة الأمن واقفين على باب دار السيد الشهيد يراقبون الأوضاع عن كثب خشية وقوع حادثة أو ردّ فعل معيّن.

و بعد التأكّد من الخبر وقع الاضطراب و البلبلة في أوساط المؤمنين، و كانت تخيم علينا جميعا حالة التحيّر و الشك في الوظيفة العمليّة، رغم إحساس الجميع بضرورة وقوع ردّ فعل جماهيري عظيم تجاه هذه الجريمة لانكراء التي قامت بها السلطة الظالمة، و لكن كل يقول: ما ذا نصنع؟. كيف نتحرّك؟. ما هي الوظيفة؟ ما هو الأسلوب؟... و أنا بدوري شعرت أيضا بأنّ هذه ساعة حرجة لا بدّ فيها من اتخاذ موقف سريع، فذهبت مع أحد الأخوة المؤمنين - من طلاب السيد الشهيد رحمه اللّه - إلى بيت شخص آخر من زملائنا الأعزاء، فعقدنا هناك اجتماعا ثلاثيا للتخطيط حول ما يجب صنعه في هذه الساعات الحرجة، فكانت نتيجة هذا الاجتماع هو التصميم القاطع بتنظيم مظاهرة جماهيريّة للاحتجاج على هذه الجريمة النكراء، مع وضع الخطة الكاملة من حيث: تعيين مكان التجمّع، و ساعة الانطلاق، و كيفية الإعداد. فقد عيّنا الحرم الشريف مكانا للتجمّع و صمّمنا على الانطلاق من هناك على رأس الساعة العاشرة بعد قراءة دعاء الفرج. و انما اخترنا دعاء الفرج ضمن الأدعية المأثورة باعتبار أنّ هذا الدعاء ينتهي باسم الإمام الحجة (عج)، و سيقوم الناس بطبيعتهم احتراما لاسم الإمام (ع) فيكون هذا القيام إعدادا للانطلاق في المظاهرة - و هكذا كان، فقد خرجت أنا و صاحبي من بيت ثالثنا لنبلّغ المؤمنين بهذا القرار، فمررنا بأكثر المدارس العلميّة في النجف، و بلّغنا من وجدنا فيها من الطلاب و المؤمنين، و التقينا بمن التقينا من المؤمنين أيضا في الطرق و الشوارع و بلغناهم بالأمر و لمّا قرب الموعد ذهبت الى الحرم الشريف و انتظرت هناك إلى أن حان الوقت و اجتمع عدد من المؤمنين، و لم أجد صاحبي الذي كنت أتعاون معه في القضيّة و لا ذاك الثالث الذي انطلق القرار من بيته، فصمّمت على أن أبدأ بالأمر، فشرعت بقراءة دعاء الفرج، و كان الجميع يردّدون معي جملة جملة، إلى أن بلغنا اسم الإمام الحجّة عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف، فقمنا جميعا إجلالا له عليه السّلام، ثمّ بدأت الشعارات: اللّه أكبر، اللّه أكبر، نصر من اللّه و فتح قريب، عاش عاش عاش الصدر... و انطلقت المظاهرة بركضة سريعة.

و هنا لا بدّ لي الإشارة إلى مشاركة المرأة المسلمة العراقية في هذه الانتفاضة حيث تواجد عدد من المؤمنات الرساليات في الحرم الشريف و اشتركن في بداية المظاهرة إلاّ أنّ سرعة حركة المظاهرة منعتهنّ عن إمكان الالتحاق بالرجال عند الخروج من الحرم الشريف، فتفرّقن بطبيعة الحال، و تعرّض بعضهنّ إلى المراقبة و الملاحقة من قبل أعضاء جهاز الأمن الإرهابي في العراق.

و لمّا انطلقت المظاهرة التحق بنا جمع غفير من المؤمنين من خارج الحرم الشريف، و سرعان ما اتسع العدد أيضا عند ما دخلت المظاهرة شارع الإمام الصادق (ع). و حاولت أجهزة الأمن الإرهابيّة بشتى الأساليب أن تفرّق المتظاهرين منذ خروجهم من الصحن الشريف فلم تستطع، حتى اقتحمت سيارة الأمن جموع المتظاهرين و هم في شارع الإمام الصادق (ع)، فلم تحصل إلاّ على ضربات قاسية على زجاجها من قبل المتظاهرين.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 131/ الجزء الأول

 

حجة الإسلام السيد علي أكبر الحائري - و هو أحد تلاميذ السيد الشهيد و المقربين إليه - هو أوّل من جاء الى منزل السيد الشهيد و استفسر عن حادث الاعتقال، و هو الّذي قرأ دعاء الفرج في الحرم الشريف. و بدأ الناس بالتجمع، و بعد ذلك انطلقوا في تظاهرة، أقول أنها عظيمة ليس في كمّها بل في الآثار الّتي نتجت عنها و ترتبت عليها، و في روح التحدّي التي اتّسمت بها.

انطلقت التظاهرة من الحرم الشريف، و بدأت التظاهرة صغيرة فهي لا تضمّ إلاّ الصفوة من أبناء الشهيد الصدر، و لكن سرعان ما كبرت و اتسعت فقد انضم إليها عدد من الناس الذين اتفق وجودهم هناك و كانت شعارات المتظاهرين تندّد بالسلطة و أعمالها الإجرامية و تطالب بالإفراج عن الشهيد الغالي (رضوان اللّه عليه).

 

المواجهة المسلحة:

في السوق بدأت أجهزة الأمن محاولتها لتطويق المتظاهرين الأبطال أبناء الصدر الشهيد، و قبل ذلك قام تجّار النجف في السوق الكبير بإغلاق محلاّتهم، بعد أن علموا أن التظاهرة حدثت احتجاجا على اعتقال المرجع المظلوم، و قد عطلت النجف في ذلك اليوم أسواقها كتعبير عن استيائهم و احتجاجهم على اعتقال السيد الصدر (رضوان اللّه عليه).

في السوق الكبير و حاولت قوّات الأمن تطويق المتظاهرين تمهيدا لاعتقالهم، و لكنهم واجهوا من أبناء الصدر مقاومة شجاعة، حيث اشتبك رجال الأمن مع المتظاهرين، و رغم أن المتظاهرين لا يملكون حتى أبسط أنواع

 

ثمّ واصلت المظاهرة طريقها في شارع الإمام الصادق (ع) إلى أن واجهت قوى أمنية مكثفة من جهة الأمام، فحرفت مسيرها إلى جهة السوق الكبير من أحد الأزقّة المؤدّية إليه، و لمّا دخلنا السوق وجدنا المحلاّت كلها معطّلة، فواصلنا السير في داخل السوق إلى أواخر السوق حيث وقع الاشتباك بين المتظاهرين و جهاز الأمن الإرهابي، رغم تجرد المتظاهرين من كل سلاح. و تعالت أصوات إطلاق الرصاص من قبل الجلاوزة، ثم رجع المتظاهرون في داخل السوق باتجاه الحرم الشريف حيث كان الجلاوزة ينتظرونا على مدخل السوق، فاضطررنا الرجوع مرة أخرى من إحدى الأزقّة إلى شارع الإمام الصادق (ع). و بدأ التفرّق من هناك حيث هرب من هرب و ألقي القبض على من ألقي.

ثم بدأت عملية إلقاء القبض على الناس بصورة عشوائية في أكثر شوارع النّجف الأشرف، ممّا يدلّ على مدى الرعب و الوحشة التي ابتلت بها الجلاوزة على أثر هذه المظاهرة.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 132/ الجزء الأول

 

الأسلحة النارية إلاّ أنهم هزموا قوة الإرهاب بعد أن كبدوهم عددا من الجرحى، و استطاع عدد كبير منهم الإفلات من قبضة السلطة المجرمة بينما تمكنت بعض مفارز الأمن من اعتقال آخرين.

إلى جانب تظاهرة النجف المتميّزة، انطلقت تظاهرات أخرى في مدينة الكاظمية المقدسة و البصرة و ديالى و غيرها من مدن العراق الأخرى.

و هنا يجب أن لا ننسى دور بنات الزّهراء (ع)، فقد كانت هناك مجموعة من خيرة المؤمنات قد اشتركن في هذه التظاهرات، رغم علمهن بالعواقب الخطيرة التي تترتّب فيما لو وقعن في قبضة السلطة، و كانت الشهيدة (رحمه اللّه) تذكرهن بالأسماء باعتزاز و تقدير و إكبار، و هكذا كان شهيدنا الغالي يرفع يديه إلى السّماء يدعوا اللّه تعالى لهنّ، و لكل المخلصين و المجاهدين الذين وقفوا مع الإسلام في محنته في رجب، و ما تلاه من أشهر الحصار و المعاناة.

 

لما ذا أفرج عن شهيدنا الغالي؟:

كما أشرنا سابقا: إن اعتقال السيد الشهيد في رجب كان بهدف التصفية الجسدية و ليس مجرّد التحقيق عن أحداث رجب العظيمة، فقد أكّد سيدنا الشهيد أن كل الدلائل كانت تشير إلى ذلك، منها أسلوب التعامل، الكلمات البذيئة التي يسمعها من هذا و ذاك، التهديد القاسي و غير ذلك.

و حين حضر المجرم فاضل البرّاك و بدأ باستجواب السيد كان الجوّ يؤكد تلك الحقيقة، و لكن بعد ساعة واحدة من بداية التحقيق دخل أحد ضباط الأمن و سلّم فاضل البراك ورقة صغيرة تغيّر بعدها أسلوب التحقيق، و اعتذر البراك للسيّد عن اعتقاله و قال له: في الحقيقة لم يكن هدفنا الاعتقال بل التفاهم حول هذه الأمور التي وقعت، و بدأ يلاطف السيد الشهيد (رحمه اللّه).

يقول السيد الشهيد - رضوان اللّه عليه -: لقد أحسست من التغيّر المفاجئ أن حدثا ما قد وقع و لكن ما هو؟ و لما ذا تغيّر الأسلوب بهذه السرعة؟.

لم يخف البراك الحقيقة، فقال للسيّد الشهيد: إن تظاهرات كبيرة جدا في النجف و الكاظمية قد خرجت احتجاجا على اعتقالكم، بينما حقيقة الأمر أن


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 133/ الجزء الأول

 

مجيئكم إلى هنا لم يكن اعتقالا، و إنّما وقع اشتباه من قبل الرفيق (أبو سعد) حيث فسّر طلبنا بالاجتماع بكم (بالاعتقال)، بينما نحن لم نقصد ذلك، و أنت الآن حرّ في البقاء أو الذهاب. ثم قال: و لأجل أن نبرهن لكم عن حسن نوايانا فإنكم ستذهبون إلى النجف بسيارتي الخاصة.

نعم إن التظاهرات الّتي نظّمها أبناء الصدر الشهيد كانت السبب في الإفراج عن السيد الشهيد، و لولاها لنفذت جريمة الإعدام في ذلك التاريخ.

لقد أفادتنا مصادر قريبة من بعض رجال السلطة أن برقيّة أرسلت من النجف إلى المقبور أحمد حسن البكر، أكدت له خطورة الوضع في النجف و العواقب التي ستترتب على استمرار اعتقال السيد الصدر، و أشارت إلى تظاهرة النجف و تعطيل الأسواق فيها، إلى غير ذلك. و على أثر هذه البرقية تراجعت السلطة مرغمة و أفرجت عن السيد الشهيد.

مساعد مدير الشعبة الخامسة في مديريّة الأمن، قال لبعض من يخصّ السيد الشهيد: ليعلم السيد محمد باقر الصدر أنه إذا كانت الظروف لا تسمح فعلا بإعدامه، فإننا نعرف كيف ننتقم من أنصاره و أتباعه، و نجعله مقصوص الجناحين.

إن السيد علي بدر الدين نقل للسيد الشهيد خلال فترة الحجز تفاصيل الوضع عن أحداث رجب داخل ما يسمى بالقيادة، حيث كانت له صلات صداقة مع بعضهم، و قال: إن (القادة) أرعبتهم هذه التظاهرات، و أدهشتهم جرأة المتظاهرين و الروح العالية التي جعلتهم يتجاهلون وحشية السلطة و إجراءاتها القاسية.

حين أراد شهيدنا العظيم مغادرة مديريّة الأمن وجد أن السلطة قد احتجزت مرافقيه و هما الأخ الشيخ طالب الشطري و الأخ السيد محمود الخطيب، حيث كانا قد رافقا السيد الشهيد إلى بغداد، فرفض (رحمه اللّه) الذهاب إلاّ بعد الإفراج عنهما و السماح لهما بالعودة إلى النجف، فقال مدير الشعبة الخامسة المجرم أبو أسماء: سيدنا بعد ساعات يطلق سراحهما و المسألة مجرّد إجراءات روتينيّة. و لكن السيد الشهيد رفض ذلك و أصرّ على الإفراج عنهما،


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 134/ الجزء الأول

 

و فعلا عاد السيد الشهيد و عادا معه أيضا.

حين اعتقل السيد الشهيد قام أحد المؤمنين )....) بالاتصال هاتفيا بأحد المسئولين في الجمهورية الإسلامية و أطلعه على قضية اعتقال السيد الشهيد و الأوضاع المتأزمة و الخطيرة التي تحيط به و ما يتهدّد شهيدنا الغالي من أخطار، و قد أعلنت إذاعة الجمهورية الإسلامية (القسم الفارسي) خبر اعتقال السيد الشهيد، و شهيدنا العظيم لا زال في الطريق متجها إلى بغداد.

 

كيف بدأ الاحتجاز؟

كما ذكرنا سابقا: لم يكن الإفراج عن السيد الشهيد قد حصل باختيار السلطة و إرادتها، أو أنّ الحسابات قد صفيت معه. بل الضرورة و الظروف المعقّدة أجبرتهم على امتصاص جزء من غضب الجماهير المسلمة الثائرة حتى حين و ذلك بالإفراج عن سيدنا الشهيد الصدر.

و لنترك السلطة و الإجراءات التي تعتزم اتخاذها ضدّ شهيدنا العظيم، لنتعرّف على انطباعات السيد الشهيد عن هذا الموضوع و ما لمسه منهم في مديريّة الأمن العامة:

قال لي (رحمه اللّه) كنت واثقا بأن السلطة تعتزم إعدامي، و كانت مجريات التحقيق تدل على ذلك، و خاصة التأكيد على نوع و حجم الصلة و العلاقة بالسيد الخميني دام ظلّه، و تفسيرهم لها تفسيرا سياسيا أو (تآمرا) للإطاحة بالسلطة البعثية العميلة، و من الطبيعي - في قوانين البعث - أن ينال الإعدام كل من يتهم بهذه التهمة.

قال المجرم البراك مخاطبا السيد الشهيد: لو كان أحد غيرك - و مهما كان - لنفذنا فيه عقوبة الإعدام، و لكن لاعتبارات خاصة تتريث القيادة في اتخاذ قرار الإعدام هذا الكلام أو نظيره سمعه السيد الشهيد منهم مرّات عديدة خلال فترة اعتقاله في شهر رجب، و لم يكن يخفى على شهيدنا العظيم مغزاه، إذن فالإعدام هو القرار الذي كانت تفكر به السلطة لحسم الثورة و قائدها العظيم.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 135/ الجزء الأول

 

و لم يكن السيد الشهيد (رحمه اللّه) يخشى هذا المصير، و هذه هي النقطة المهمة، فالسيد الشهيد (رحمه اللّه) كان يتمنى الاستشهاد في سبيل اللّه، بسبب قناعته بأن أهمّ عنصر لنجاح الثورة الإسلامية في العراق هو أن يراق دمه الزكي، لتبقى الشعلة التي تنير الطريق و يأجج الحماس في نفوس العراقيين للإطاحة بسلطة البعث العفلقية، و هو القائل: إن العراق بحاجة إلى دم كدمي«.

و على هذا الأساس صمّم السيد الشهيد على أن يبدأ مرحلة جديدة من التعامل مع السلطة تناسب المرحلة الجديدة للثورة، و هذا ما حدث، و أحست به السلطة خلال اعتقاله و استجوابه في شهر رجب.

فمثلا حين جاء مدير أمن النجف الأشرف مع أكثر من أربعمائة من أزلامه و أعوانه لاعتقال شهيدنا العظيم، واجهه السيد الشهيد مواجهة عنيفة. و في مديرية الأمن كان يرفض و يمتنع من الإجابة عن بعض الأسئلة رغم إصرار البراك مدير الأمن العام و تهديده له بالإعدام إذا لم يقنع (القيادة السياسية) بإجابة وافية و كاملة عنها. و كان شهيدنا المظلوم يقول: »كنت قد هيئة نفسي للإستشهاد، فلا أبالي أوقع الموت عليّ أم وقعت على الموت« بعد الإفراج عن السيد الشهيد إثر التظاهرات الاحتجاجية التي خرجت في النجف و الكاظمية و الثورة و الخالص و غيرها، أخبرته بأن المؤمنين حين علموا باعتقالكم خرجوا في تظاهرات احتجاجا على اعتقالكم، و استطاعت السلطة أن تعتقل عددا منهم و تزجّهم في السّجون... فتأثر السيد الشهيد كثيرا، فأمر أحد الأشخاص القريبين منه أن يتصل هاتفيا بمدير الأمن العام و يبلغه: أن السيد الصدر يطالب بالإفراج عن جميع المعتقلين دون استثناء، و بعكسه فإنّ السيد الصدر سوف يغلق داره، و يمتنع عن العودة إلى حياته الاعتيادية احتجاجا على ذلك بعد هذا الاتصال طلب البرّاك فترة قصيرة ليبلغ (القيادة) بالموضوع، و بعد ذلك سيبلغ السيد الصدر بالجواب، و قال: أنا أتوقع خيرا إن شاء اللّه.

و قبل أن نتعرّف على جواب (القيادة) يجب أن نشير إلى أنّ عددا من قوّات الإرهاب في النجف قد قتلوا أو جرحوا على أيدي المؤمنين المتظاهرين،


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 136/ الجزء الأول

 

فكان من الصّعب على السّلطة أن تغضّ النّظر عن ذلك، فالتغاضي سيشجع المؤمنين على أعمال أكثر جرأة و شجاعة، و من جانب فإن تهديد السيد الصدر لهم بإغلاق داره يشكّل خطورة أخرى أعظم من سابقتها، خاصة و إن الأمور لا زالت غامضة و مجهولة عن حجم التحرك الثوري في رجب، لذلك كان جواب مدير الأمن العام إيجابيا، فقد اتّصل هاتفيا و أبلغ السيد الشهيد: بأن (القيادة) قررّت الإفراج عن جميع المعتقلين.

اما الواقع فلم يكن كذلك: فالذي ظهر فيما بعد هو ان السلطة العفلقية أرادت أن تناور كعادتها، ففي الوقت الذي (تقنع) السيد الصدر بالعودة الى حياته الطبيعية تقوم بالإفراج - عن بعض المعتقلين ممن اعتقلوا لمجرد الظن و التهمة، أو ممن ليست لهم علاقة بالتظاهرة الاحتجاجية، تحاشيا من نقمة جماهيرية أخرى، بينما تستمرّ السّلطة في الوقت نفسه باعتقال آخرين، و بدأت الأخبار تتواتر عن عمليات اعتقال مكثفة لأعداد كبيرة من المؤمنين، و من وكلاء السيد الشهيد، و العلماء الذين ساهموا أو اشتركوا في الوفود، و في مقدمة هولاء: سماحة الحجة السيد قاسم شبر (رحمه اللّه) و حجج الإسلام: الشّيخ عفيف النابلسي، و الشّيخ حسن عبد السّاتر، و السيّد المبرقع، و غيرهم، حيث كانت السّلطة قد رصدتهم و سجّلت أسماءهم في نقاط التفتيش بواسطة العملاء المحلّيين في مناطقهم.

أحسّت السلطة بأنّ لعبتها انكشفت، و لم يقع السيد الصدر تحت تأثير الوعود، فقرّر إغلاق الباب احتجاجا على السلطة.

إضافة إلى ذلك فإن السلطة أو عزت إلى قواتها باعتقال كل داخل و خارج من و إلى منزل السيد الشهيد، و مراقبة منزله و الأزقة المحيطة و القريبة منه، مراقبة دقيقة و مستمرة ليلا و نهارا.

هذا الإجراء كشف عن جانب من مخطط السلطة، فهي تنتظر اللحظة المناسبة للقضاء على الثورة و تصفية مفجرها السيد الصدر، فقرّر (رحمه اللّه) الاحتجاج على ذلك بالاعتصام و عدم العودة إلى الحياة الطبيعية، ليعلم الشعب أنّ المواجهة مستمرة بين المرجعيّة و السّلطة الحاكمة.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 137/ الجزء الأول

 

التخطيط لمحاولة اغتيال السيد الصدر:

حينما أصبح واضحا للسلطة قرار السيد الشهيد الاحتجاجي، اتّصل مدير الأمن العام: فاضل البراك، و قبله مساعده المجرم المعروف ب (أبي أسماء) مدير الشعبة الخامسة، و طلبا من السيد الصدر: التخلي عن قراره، و قالا: إذا كنا لم نفرج عن عدد من المعتقلين فإن ذلك يعود الى أمرين، الأول: أنّ هناك إجراءات روتينية تفرض التأخير قليلا و المسألة مجرد وقت فقط، و الثاني: أنّ بعض هولاء (اعتدوا) على بعض قوى الأمن الداخلي بالأسلحة و الرّمي، و مع ذلك فإنا شخصيا - و الكلام للبراك - سأبذل كل جهدي من أجل الإفراج عن هؤلاء أيضا، و قال: إن هدفنا هو أن لا تسوء العلاقات أو تتعكّر الأجواء.

أما الحقيقة فليست كذلك، إذ وصلت السيد الشهيد معلومات موثقة: أنّ السلطة إنّما أرادت أن يعود السيد الصدر الى حياته الطبيعية فيذهب كعادته في كل يوم إلى الحرم الشريف و إلى مسجد الشيخ الطوسي للبحث، ليتاح للسلطة اغتياله في حادث شجار يفتعل بين بعض المرتزقة المجرمين من قوى الأمن، في الوقت الذي يتفق فيه وجود السيد الشهيد بالقرب منهم، إمّا في سوق العمارة أو في شارع الإمام زين العابدين (ع) فيقوم أحدهم بإطلاق النار على صاحبه و يكون - حسب الخطة - ضحية هذا الشجار السيد الصدر، ثم يتم بعد ذلك إعدام المجرمين على أساس قتلهم للسيد الصدر، و بذلك يتخلصون من السيد الشهيد دون أن يتحملوا مسئوليّة أو تبعات إعدامه و الذي زاد الشكوك و عزّز هذه المعلومات هو أنّ مساعد مدير الأمن المجرم أبو أسماء اتّصل هاتفيا مرّات عديدة و طلب من السّيّد أن يباشر الدّراسة، و كانت الاتّصالات فقط لهذا الغرض. و الأمر الآخر هو: أنّ بعض شرطة الأمن سألوا خادم السيد: متى سيباشر السيد أبحاثه و دروسه؟. و لهذا السبب أيضا تظاهروا بفك الحجز عن السيد الشهيد في الشهر الأخير من الاحتجاز، فقد استهدفوا إعادة الكرّة لعلهم يفلحون في اغتيال المرجع المظلوم بدل إعدامه بشكل مباشر.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 138/ الجزء الأول

 

الإبلاغ الرّسمي بالاحتجاز:

بعد أن فشلت السّلطة العميلة في محاولاتها الإجرامية لاغتيال السيد الشهيد، أبلغتنا السّلطة بالاحتجاز، فقد اتّصل مساعد مدير الأمن العام المجرم (أبو أسماء) مدير الشعبة الخامسة، و أخبر: بأن السيد محتجز، و لا يحقّ له الخروج من المنزل.

و رافق ذلك أنّ السلطة المجرمة قامت بقطع الماء و الكهرباء و التلفون عن منزل السيد الشهيد و بقينا أياما بهذه الحال«.

انتهى ما أردت نقله هنا من الشيخ النعماني حفظه اللّه بتغيير يسير.

و قبل أن أنتقل الى ذكر الاعتقال الرابع، أذكر هنا اتصالا هاتفيا لأستاذنا الشهيد - ره - في أيام احتجازه في البيت: اتصل بأحد الأشخاص في إيران و قرأ عليه ما يكون كجواب على برقية أرسلها السيد الإمام الخميني (دام ظله) إليه يستفسره عن حاله، و أكبر الظن أنّ الأستاذ الشهيد قد سمع البرقية بتوسط إذاعة إيران.

و على أيّة حال، فنصّ الجواب ما يلي:

»سماحة آية اللّه العظمى الإمام المجاهد السيد الخميني دام ظله، استمعت الى برقيتكم التي عبرتم بها عن تفقدكم الأبويّ لي، و إنّي إذ لا يتاح لي الجواب على البرقية - لأنّي مودع في زاوية البيت و لا يمكن أن أرى أحدا أو يراني أحد - لا يسعني إلاّ أن أسأل المولى - سبحانه و تعالى - أن يديم ظلّكم منارا للإسلام، و يحفظ الدّين الحنيف بمرجعيّتكم القائدة، أسأله تعالى أن يتقبّل منّا العناء في سبيله، و أن يوفّقنا للحفاظ على عقيدة الأمّة الإسلاميّة العظيمة، و ليس لحياة أيّ إنسان قيمة إلاّ بقدر ما يعطي لأمّته من وجوده و حياته و فكره، و قد أعطيتم للمسلمين من وجودكم و حياتكم و فكركم ما سيظلّ به على مدى التاريخ مثلا عظيما لكلّ المجاهدين، و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته«.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 139/ الجزء الأول

 

الإعتقال الرابع:

اعتقل - رحمه اللّه - بعد ظهر يوم السبت في الساعة الثانية و النصف يوم 19 - ج 1400 - 1،

و جاء بعض الجلاوزة في ليلة الأربعاء بعد نصف الليل المصادف 23 - ج 1400 - 1 إلى بيت أحد أبناء عمّ أستاذنا الشهيد، و هو المرحوم الحجّة السيّد محمّد صادق الصدر - قدّس سره - لغرض إحضاره في عمليّة دفن أستاذنا الشهيد بعد إراءتهم لجثمانه الطاهر إيّاه، و قد واروه في مضجعه بحضور السيد محمد صادق (رحمه اللّه).

و إليك تفصيل الكلام عن استشهاده، و عن دوافع السلطة الجائرة الى قتله:


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 141/ الجزء الأول

 

استشهاده رضوان اللّه عليه:

إنّ أستاذنا الشهيد الصدر (رحمه اللّه) لو كان يكفّ عن خدمة المبدإ و العقيدة، و يصبو الى الدّعة و الرّاحة و الالتذاذ بالزّعامة، لكان صدام يغفر له ما سلف منه من تأسيس حزب الدعوة الإسلامية، و تأليف الكتب المبدئية، و تربية علماء للإسلام، و ما إلى ذلك من خدماته الجليلة. و لكن هيهات للمرجعية الصالحة أن تخضع لمتطلّبات الكفر، و تخضع لطاغوت الزّمان، و كانت المؤشّرات لدى البعث الكافر في العراق، و لدى الاستكبار العالمي تدل على ان الصدر لو ترك لكان خمينيا ثانيا في العالم الإسلامي، و هي كثيرة، منها ما يلي:

1 - إفتاؤه بحرمة الانتماء الى حزب البعث العميل.

2 - إفتاؤه بالكفاح المسلح ضد حزب البعث الكافر.

3 - دعمه للثورة الإسلامية في إيران و لقيادة الإمام الخميني (دام ظله)

بكل ما أوتي من قوّة، و أكتفي هنا بذكر بعض الأرقام من دعمه للثورة الإسلامية و لقائدها الفذّ العظيم، و هي: رسالتان و برقية، أرسل الأولى الى الشعب الإيراني المسلم قبل انتصار الثورة الإسلامية، حينما كان الإمام الخميني (دام ظله) في باريس و أرسل الثانية بعد انتصار الثورة الإسلاميّة المباركة الى طلابه الأعزّاء الذين هاجروا إلى إيران، و أرسل البرقية إلى العرب الساكنين في إيران.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 142/ الجزء الأول

 

و إليك نصّ الرّسالتين و البرقيّة:

الرسالة الاولى، و هي موجهة الى الشّعب الإيراني قبل الانتصار:

 

بسم اللّه الرحمن الرحيم.

و الصلاة و السلام على محمد خير خلقه، و على الهداة الميامين من آله الطاهرين.

و بعد: فإننا في النجف الأشرف إذ نعيش مع الشعب الإيراني بكل قلوبنا و نشاركه آلامه و آماله، نؤمن أنّ تاريخ هذا الشعب العظيم أثبت أنّه كان و لا يزال شعبا أبيّا شجاعا، و قادرا على التّضحية و الصّمود، من أجل القضيّة الّتي يؤمن بها، و يجد فيها هدفه و كرامته. و نحن إذا لاحظنا مسيرة هذا الشّعب النّضالية خلال الفترة المنظورة من هذا القرن، وجدنا أنّه خاض فيها - بكل بطولة و إيمان - عددا من المعارك الباسلة في سبيل الحفاظ على كرامته، و تحقيق ما آمن به من طموحات خيّرة و أهداف عالية، فمن قضية (التبغ) التي استطاع فيها هذا الشعب العظيم أن يكسر الطوف الذي أراد حكّامه و مخدوموهم المستعمرون أن يطوّقوا به وجوده، إلى قضايا (المشروطة) التي قاوم فيها الشرفاء الأحرار من أبناء هذا البلد الكريم ألوان التحكّم و الاستبداد، في وقت كان العالم الإسلامي فيه غارقا في أشكال مؤلمة من هذا الاستبداد، إلى الممارسات الفعليّة لهذا الشعب المكافح التي قدّم من خلالها حجما عظيما من التّضحيات و لا يزال يقدّم، و هو يزداد يوما بعد يوم إيمانا و صمودا و تأكيدا على روحه النضالية.

بين هذه الملاحم النضاليّة يبدو عمق الشّخصية المذهبيّة للفرد الإيراني المسلم، و الدّور العظيم الذي يؤديه مفهومه الديني، و تمسكه العميق بعقيدته و رسالته و مرجعيته، في مجالات هذا النضال الشريف، و في كل هذه الملاحم نلاحظ: أنّ الروح الدّينية كانت هي المعين الذي لا ينضب للحركة، و أنّ الشّعارات الإسلامية العظيمة كانت هي الشعارات المطروحة على الساحة، و أنّ المرجعية الرشيدة كانت هي الزعامة الّتي تلتفّ حولها جماهير الشّعب المؤمنة، و تستلهمها في صمودها و جهادها، و لا توجد هويّة لشعب أصدق


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 143/ الجزء الأول

 

انطباقا عليه و تجسيدا لمضمونه، من الهوية التي يتجلى بها في ساحة الجهاد و البذل و العطاء، و لم يعبّر شعب عن حريته النضالية تعبيرا أوضح و أجلى بما عبّر به الشعب الإيراني المسلم عن هويته الإسلامية، في كل ما خاضه من معارك شريفة كانت التعبئة لكل واحد منها تتّسم باسم الإسلام، و كانت المشاعر و القلوب تتجمع على أساسه، و كانت القوى الرّوحية و المرجعية الصالحة هي التي تتقدّم المسيرة في نضاله الشريف. و لئن كان الشعب الإيراني قد عبّر عن هويته النضاليّة الأصلية باستمرار: فإنّ نهضته الحية المعاصرة لهي التّعبير الأروع عن تلك الهوية النضالية المؤمنة، التي عبّر بها الشعب الإيراني عن نفسه و لا يزال، و هي من أعظم ذخائر الإسلام و طاقاته التي يملكها في التاريخ الإسلامي الحديث.

و تشير هذه الهوية النضالية في خلال التجارب الجهادية التي مارسها و لا يزال يمارسها شعب إيران المسلم، إلى عدد من الحقائق تبدو واضحة كل الوضوح، و من الضّروري أن تشكّل إطارا أساسيا ثابتا لرؤية هذا الشعب لطريقه.

و من تلك الحقائق الثابتة: أنّ الشّعب الإيراني كان يحقّق نجاحه في نضاله بقدر التحامه مع قيادته الرّوحية و مرجعيّته الدينيّة الرّشيدة التحاما كاملا. و استطاع هكذا أن يحوّل الشعارات التي نادى بها الى حقيقة. و ما من مرة غفل فيها هذا الشعب المجاهد من هذه الحقيقة أو استغفل بشأنها إلاّ و واجه الضياع و التآمر.

فالمرجعيّة الدينيّة الرّشيدة و القيادة الرّوحية هي الحصن الواقي من كثير من ألوان الضّياع و الانحراف. و من تلك الحقائق: أنّ القيادات الروحية كانت تقوم بدورها هذا و تنجزه إنجازا جيّدا، بقدر ما يسودها من التلاحم و التعاضد و الوقوف جنبا الى جنب. و ما من مرة استطاع الشعب الإيراني المسلم ان يحقّق نصرا إلاّ و كان للتّلاحم و التّعاضد المذكور دور كبير في إمكانية تحقيق هذا النصر.

و من تلك الحقائق أيضا: أنّ المبارزة الشريفة لكي تضمن وصولها إلى


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 144/ الجزء الأول

 

هدفها الإسلامي لا بدّ أن تتوفّر في ظلّها نظرة تفصيليّة واعية و شاملة لرسالة الإسلام و مفاهيمها و تشريعاتها في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية.

و بقدر ما تتوفر من أساس فكري و رصيد عقائدي للمبارزة - هذه النظرة التفصيلية التي تميّز المعالم الفكرية للهوية النضالية - تكتسب المبارزة القدرة أكثر فأكثر على ممارسة التغيير و تحقيق أهدافها الإسلامية، و حماية شخصيتها العقائدية من تسلّل الآخرين.

و هكذا نرى أنّ المبارزة الشريفة التي تقود الشعب الإيرانيّ المسلم في كفاحة تدعو اليوم - أكثر من أيّ يوم مضى - بعد أن وصلت إلى هذه المرحلة الدّقيقة من مسيرتها، و اكتسبت ولاء الأمّة - كلّ الأمّة - على الساحة، أقول:

أنّها مدعوّة اليوم - أكثر من أيّ يوم مضى - إلى أن تنظر بعين إلى الحاجات الفعلية لمسيرتها، و تنظر بعين أخرى إلى حاجاتها المستقبلية، و ذلك بأن تحدّد معالم النظرة التفصيلية من الآن فيما يتصل بأيديولوجيتها و رسالتها الإسلامية الشريفة، و كما أنّها مرتبطة في النظرة الاولى إلى الحاجات الفعلية للمسيرة و تقييمها و تحديد خطواتها بالمرجعية الدينية المجاهدة، كذلك لا بدّ أن ترتبط بالنظرة الثانية - و في تحديد معالم أيديولوجية إسلامية كاملة - بالمرجعية الدينيّة الرّشيدة التي قادت كفاح هذا الشعب منذ سنين، لأنّ المرجعيّة هي المصدر الشرعي و الطبيعيّ للتعرّف على الإسلام و أحكامه و مفاهيمه.

كما نرى أيضا أن المبارزة الشريفة قد حقّقت مكسبا كبيرا حينما أفهمت العالم كلّه بخطإ ما كان يتصوره البعض: من أنّ الإسلام لا يبرز للسّاحة الا كمبارز للماركسيّة، و ليس من همّه بعد ذلك أن يبارز الطبقة الأخرى، فإنّ هذا التصور كان يستغلّه البعض في سبيل إسباغ طابع التخلّف و التبعيّة على المبارزة الإسلامية و قد تمزّق هذا التصوّر من خلال المبارزة الشريفة التي برزت على الساحة الإيرانيّة باسم الإسلام، و بقوة الإسلام، و بقيادة المرجعية الدينية الرشيدة، لتقاوم كيانا أبعد ما يكون عن الماركسيّة و الماركسيّين.

و قد أثبت ذلك: أنّ الإسلام له رسالته و أصالته في المبارزة، و أنّ الإسلام الذي يقاوم الماركسيّة هو نفسه الإسلام الذي يقاوم كل ألوان الظلم


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 145/ الجزء الأول

 

و الطّغيان، و أنّ على المبارزة الشريفة - و قد آمن الشعب الإيراني بقيادته الإسلامية - أن تكون على مستوى هذه المرحلة، و أن تدرك بعمق ما يواجهها من عداء عظيم لتحقيق أهدافه الكبيرة في عملية التغيير، لأنّ بناء إيران إسلاميا ليس مجرد تغيير في الشكل و الأسماء، بل هو - إضافة الى ذلك - تطهير للمحتوي من كل الجذور الفاسدة، و مل‏ء المضمون ملأ جديدا حيّا، تتدفق فيه القيم القرآنيّة و الإسلاميّة في مختلف مجالات الحياة.

و لا شك في أنّ البطولة الفريدة الّتي تحقّقت بها المبارزة في عمليّة مكافحة الواقع الفاسد و هدمه، تؤكّد كفاءتها لإدراك هذه المسئوليات و عمقها الروحي و الاجتماعي و التّاريخي.

و نسأل المولى - سبحانه و تعالى - أن يرعى التّضحيات العظيمة التي يقدّمها الشّعب الإيرانيّ المجاهد، بقيادة علمائه، و يجعل من الدّماء الطّاهرة الّتي أراقها السّفاكون على السّاحة شموعا تضي‏ء بالنّور، لتخرج إيران من ظلمات الاستبداد و الانحراف إلى تطبيق الإسلام الشّامل في كلّ مجالات الحياة.

و ليست القافلة الأخيرة من الضّحايا في مدينة (مشهد) المقدّسة إلاّ حلقة جديدة من مجازر الطغاة.

تغمّد اللّه الشهداء بعظيم رحمته، و ألحقهم بشهدائنا السابقين، و الصّديقين و الصّالحين، و حسن أولئك رفيقا، و العاقبة للمتقين، و سيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.

محمد باقر الصدر

 

 

الرّسالة الثانية - و هي موجّهة بعيد الانتصار إلى طلاّبه الذين كانوا قد هاجروا إلى إيران، و إليك نص الرّسالة:

 

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

 أولادي و أعزائي حفظكم اللّه بعينه التي لا تنام.

السلام عليكم جميعا و رحمة اللّه و بركاته.

أكتب إليكم في هذه اللحظات العظيمة، التي حقق فيها الإسلام نصرا حاسما و فريدا في تاريخنا الحديث، على يد الشعب الإيراني المسلم، و بقيادة


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 146/ الجزء الأول

 

الإمام الخميني (دام ظله) و تعاضد سائر القوى الخيّرة و العلماء الأعلام، و إذا بالحلم يصبح حقيقة، و إذا بالأمل يتحقق، و إذا بالأفكار تنطلق بركانا على الظّالمين، لتتجسّد و تقيم دولة الحق و الإسلام على الأرض، و إذا بالإسلام الذي حبسه الظّالمون و المستعمرون في قمقم، يكسر القمقم بسواعد إيرانيّة فتيّة، لا ترهب الموت، و لم يثن عزيمتها إرهاب الطواغيت، ثم ينطلق من القمقم ليزلزل الأرض تحت أقدام كل الظّالمين، و يبعث في نفوس المسلمين جميعا - في مشارق الأرض و مغاربها - روحا جديدة و أملا جديدا.

إنّ الواجب على كل واحد منكم، و على كل فرد قدّر له حظّه السّعيد أن يعيش في كنف هذه التجربة الإسلامية الرّائدة: أن يبذل كل طاقاته و كلّ ما لديه من إمكانات و خدمات، و يضع ذلك كله في خدمة التجربة، فلا توقّف في البذل و البناء يشاد لأجل الإسلام، و لا حدّ للبذل و القضية ترتفع رأيتها بقوة الإسلام، و عمليّة البناء الجديد بحاجة الى طاقات كل فرد مهما كانت ضئيلة.

و يجب أن يكون واضحا أيضا: أنّ مرجعية السيد الخميني - التي جسّدت آمال الإسلام في إيران اليوم - لا بدّ من الالتفاف حولها، و الإخلاص لها، و حماية مصالحها، و الذّوبان في وجودها العظيم بقدر ذوبانها في هدفها العظيم، و ليست المرجعيّة الصّالحة شخصا و إنّما هي هدف و طريق، و كل مرجعيّة حققت ذلك الهدف و الطريق فهي المرجعيّة الصّالحة الّتي يجب العمل لها بكل إخلاص. و الميدان المرجعيّ أو السّاحة المرجعية في إيران يجب الابتعاد بها عن أيّ شي‏ء من شأنه ان يضعف أو لا يساهم في الحفاظ على المرجعيّة الرّشيدة القائدة.

أخذ اللّه بيدكم، و أقرّ عيونكم بفرحة النصر، و حفظكم سندا و ذخرا.

و السلام عليكم يا أحبتي و رحمة اللّه و بركاته.

التوقيع: أبوكم

 

البرقيّة - و هي مرسلة الى الشعب العربي في إيران، حينما بدت بدايات المخالفة من قبل بعضهم للوضع الإسلامي القائم بقيادة السيد الإمام (دام ظله) و إليك نصّ البرقيّة:


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 147/ الجزء الأول

 

بسم اللّه الرحمن الرحيم

شعبنا العربيّ المسلم العزيز في إيران، المجاهد: السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.

و بعد، فإني أخاطبكم باسم الإسلام، و أدعوكم - و سائر شعوب إيران العظيمة - لتجسيد روح الأخوّة الإسلاميّة، التي ضربت في التّاريخ مثلا أعلى في التّعاضد و التّلاحم في مجتمع المتّقين، الذي لا فضل فيه لمسلم على مسلم إلاّ بالتّقوى، مجتمع عمّار بن ياسر و سلمان الفارسيّ و صهيب الرومي و بلال الحبشيّ، مجتمع القلوب العامرة بالفكر و الإيمان، المتجاوزة كل حدود الأرض المفتوحة باسم السماء و رسالة السماء، فلتتوحّد القلوب و لتنصهر كلّ الطّاقات في إطار القيادة الحكيمة للإمام الخميني و في طريق بناء المجتمع الإسلامي العظيم الذي يحمل مشعل القرآن الكريم الى العالم كلّه. و السّلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.

محمد باقر الصدر

النجف الأشرف 16 - رجب

 

 

4 - نداءاته الثّلاثة إلى الشّعب العراقي المضطهد بصوته الشريف ضمن الكاسيت،

و التي أصدرها في أواخر حياته المباركة، و قد أذيعت بصوته الشريف من إذاعة إيران بعد استشهاده - رحمه اللّه - و إليك نصها:

 

النداء الأول:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

و الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيّدنا محمد و على آله الطاهرين و صحبه الميامين.

أيها الشعب العراقي المسلم إني أخاطبك - أيّها الشّعب الحرّ الأبي الكريم - و أنا أشدّ إيمانا بك، و بروحك الكبيرة، بتأريخك المجيد، و أكثرهم اعتزازا بما طفحت به قلوب أبنائك البررة من مشاعر الحبّ و الولاء و البنوّة للمرجعيّة، إذ تدفّقوا إلى أبيهم يؤكّدون ولاءهم للإسلام، بنفوس ملؤها الغيرة و الحميّة و التّقوى، يطلبون منّي أن


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 148/ الجزء الأول

 

إلى جانبهم أواسيهم و أعيش آلامهم عن قرب، لأنها آلامي.

و إني أودّ أن أؤكّد لك - يا شعب آبائي و أجدادي - إنّي معك و في أعماقك، و لن أتخلّى عنك في محنتك و سأبذل آخر قطرة من دمي في سبيل اللّه من أجلك و أودّ أن أؤكد للمسئولين: أنّ هذا الكبت الذي فرض بقوّة الحديد و النّار على الشّعب العراقيّ، فحرمه من أبسط حقوقه و حرّياته في ممارسة شعائره الدّينية، لا يمكن أن يستمر، و لا يمكن أن يعالج دائما بالقوّة و القمع.

إنّ القوّة لو كانت علاجا حاسما دائما لبقي الفراعنة و الجبابرة أسقطوا الأذان من الإذاعة فصبرنا و أسقطوا صلاة الجمعة من الإذاعة فصبرنا و طوّقوا شعائر الإمام الحسين (عليه السلام) و منعوا القسم الأعظم منها فصبرنا و حاصروا المساجد و ملئوها أمنا و عيونا فصبرنا و قاموا بحملات الإكراه على الانتماء إلى حزبهم فصبرنا و قالوا: إنها فترة انتقال يجب تجنيد الشعب فيها فصبرنا و لكن إلى متى؟ إلى متى تستمرّ فترة الانتقال؟ إذا كانت فترة عشرة سنين من الحكم لا تكفي لإيجاد الجو المناسب لكي يختار الشعب العراقيّ طريقه، فأيّ فترة تنتظرون لذلك؟ و إذا كانت فترة عشرة سنين من الحكم المطلق لم تتح لكم - أيها المسئولون - إقناع الناس بالانتماء الى حزبكم إلاّ عن طريق الإكراه، فما ذا تأملون؟ و إذا كانت السّلطة تريد أن تعرف الوجه الحقيقي للشّعب العراقي فلتجمّد أجهزتها القمعيّة أسبوعا واحدا فقط، و لتسمح للناس بأن يعبّروا خلال أسبوع عما يريدون. إنّي أطالب باسمكم جميعا، أطالب بإطلاق حريّة الشّعائر الدينيّة، و شعائر الإمام أبي عبد اللّه الحسين عليه السلام.

و أطالب باسمكم جميعا: بإعادة الأذان و صلاة الجمعة، و الشعائر الإسلامية إلى الإذاعة.

و أطالب باسمكم جميعا: بإيقاف حملات الإكراه على الانتساب إلى حزب


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 149/ الجزء الأول

 

البعث على كلّ المستويات.

و أطالب باسم كرامة الإنسان: بالإفراج عن المعتقلين بصورة تعسّفية، و إيقاف الاعتقال الكيفيّ الذي يجري بصورة منفصلة عن القضاء.

و أخيرا، أطالب باسمكم جميعا، و باسم القيم التي تمثلونها: بفسح المجال للشعب ليمارس بصورة حقيقية حقّه في تسيير شئون البلاد، و ذلك عن طريق إجراء انتخاب حرّ ينبثق عنه مجلس يمثّل الأمة تمثيلا صادقا.

و إنّي أعلم أنّ هذه الطّلبات سوف تكلّفني غاليا، و قد تكلّفني حياتي، و لكن هذه الطّلبات ليست طلب فرد ليموت بموته و إنّما، هذه الطّلبات هي مشاعر أمّة و إرادة امّة، و لا يمكن أن تموت امّة تعيش في أعماقها روح محمد و عليّ، و الصفوة من آل محمد و أصحابه. و إذا لم تستجب السلطة لهذه الطّلبات، فإني أدعو أبناء الشّعب العراقيّ الأبيّ إلى المواصلة في حمل هذه الطلبات، مهما كلّفه ذلك من ثمن لأنّ هذا دفاع عن النفس و عن الكرامة، و عن الإسلام رسالة اللّه الخالدة، و اللّه وليّ التّوفيق.

20 - رجب - 1399 محمّد باقر الصدر

 

 

النّداء الثّاني:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

و الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على سيّدنا محمد و على آله الطّاهرين، و صحبه الميامين.

يا شعبي العراقيّ العزيز يا جماهير العراق المسلمة التي غضبت لدينها و كرامتها، و لحريتها و عزّتها، و لكل ما آمنت به من قيم و مثل أيّها الشعب العظيم إنّك تتعرّض اليوم لمحنة هائلة، على يد السفّاكين و الجزّارين، الذين هالهم غضب الشعب و تململ الجماهير، بعد أن قيّدوها بسلاسل من الحديد، و من الرّعب و الإرهاب، و خيّل للسّفاكين أنّهم بذلك انتزعوا من الجماهير شعورها بالعزّة و الكرامة، و جرّدوها من صلتها بعقيدتها و بدينها و بمحمّدها العظيم،


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة 150/ الجزء الأول

 

لكي يحولّوا هذه الملايين الشّجاعة المؤمنة من أبناء العراق الأبيّ إلى دمي و آلات، يحرّكونها كيف يشاءون، و يزقّونها ولاء (عفلق) و أمثاله من عملاء التّبشير و الاستعمار، بدلا عن ولاء محمّد و عليّ (صلوات اللّه عليهما).

و لكنّ الجماهير دائما هي أقوى من الطغاة مهما تفرعن الطغاة، و قد تصبر و لكنّها لا تستسلم، و هكذا فوجئ الطّغاة بأن الشّعب لا يزال ينبض بالحياة، و لا تزال لديه القدرة على أن يقول كلمته و هذا هو الذي جعلهم يبادرون إلى القيام بهذه الحملات الهائلة على عشرات الآلاف من المؤمنين و الشّرفاء من أبناء هذا البلد الكريم، حملات السجن و الاعتقال و التعذيب و الإعدام، و في طليعتهم العلماء المجاهدون، الذين يبلغني أنّهم يستشهدون الواحد بعد الآخر تحت سياط التعذيب.

و إنّي في الوقت الذي أدرك فيه عمق هذه المحنة التي تمرّ بك يا شعبي يا شعب آبائي و أجدادي - أؤمن بأن استشهاد هؤلاء العلماء، و استشهاد خيرة شبابك الطاهرين و أبنائك الغيارى تحت سياط العفالقة، لن يزيدك إلاّ صمودا و تصميما على المضيّ في هذا الطريق، حتى الشهادة أو النصر.

و أنا أعلن لكم - يا أبنائي - إنّي صممت على الشّهادة و لعل هذا آخر ما تسمعونه مني، و إنّ أبواب الجنّة قد فتحت لتستقبل قوافل الشّهداء، حتى يكتب اللّه لكم النّصر و ما ألذّ الشهادة التي قال عنها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): إنّها حسنة لا تضرّ معها سيئة. و الشهيد بشهادته يغسل كل ذنوبه مهما بلغت.

فعلى كلّ مسلم في العراق، و على كلّ عراقي في خارج العراق: أن يعمل كلّ ما بوسعه - و لو كلّفه ذلك حياته - من أجل إدامة الجهاد و النضال لإزالة هذا الكابوس عن صدر العراق الحبيب، و تحريره من العصابة اللاإنسانية، و توفير حكم صالح فذّ شريف، يقوم على أساس الإسلام.

و السّلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.

10 - شعبان محمد باقر الصّدر


التالي