للمغتربين

المكتبة الصوتية

المؤلفات

الصفحة الرئيسية

 

استفتاءات حول الاستنساخ

مسألة : إنّ العالم في الاسبوع الماضي شهد نقطة تحوّل كبيرة في تاريخ البشريّة قلبت مفاهيم علم الأحياء (البيولوجيا) وقوانين الطبيعة رأساً على عقب، حيث توصّل العلماء إلى استنساخ كائن حيٍّ من خليّة جسديّة واحدة ينتج منها كائن آخر طبق الأصل.

فما هو الاستنساخ؟

الاستنساخ عبارة عن أخذ خليّة جسديّة من كائن حيٍّ تحتوي على كافة المعلومات الوراثيّة وزرعها في بويضة مفرّغة من مورثاتها، ليأتي الجنين مطابقاً تماماً في كلّ شيء للأصل، وهو الكائن الأوّل الذي اُخذت منه الخليّة. وبالتعبير العلمي: إنّ هذا الكائن الجديد قد تمّ تغيير حامضه النووي في البويضة بعد انتزاع الحامض النووي من الكائن الأصلي وزراعته (في طريقة مختبريّة) في البويضة التي أنتجت الكائن الجديد.

وأصل الفكرة بدأت في ألمانيا في العقد الثالث من هذا القرن; يوم قرّر الحزب النازي بقيادة هتلر خلق عرق متميّز، لكنّ التقنية المتوفرة آنذاك خذلته.

ثمّ جاءت نقطة التحوّل عام (1960 م) يوم استطاع العلماء استنساخ النباتات. وفي عام (1993 م) تمكّن علماء أميركيون من استنساخ توأم من بويضة، لكنّ كلّ واحد من التوأم هذا لم ينمُ إلاّ لحدود (38) خليّة فقط قبل أن يموت الجنينان الصغيران.

وفي عام (1995 م) تمكّن العلماء اليابانيون في دمج خليّة جنينيّة مع خليّة جسديّة عن طريق تيّار كهربائيٍّ ليحصلوا لأوّل مرّة في تاريخ الإنسان على نسل لم يتم بالمعاشرة الجنسيّة (أي عن طريق تلقيح البويضة بالحيوانات المنويّة).

وقبل عامين تمكّن الأميركيون في ولاية تكساس من استنساخ (40) عجلاً عن طريق دمج خليّة جنينيّة وبويضة، وهذا الاُسلوب أقلّ أهميّة من الاُسلوب الياباني، أو اُسلوب البروفسور(بات ويلموث) في أدنيرة الذي أنتج (النعجة دولي) مع خبراء من معهد روزلين في مدينة أدنيرة البريطانيّة.

استنساخ النعجة(دولي):

النعجة من الحيوانات الثدييّة(ترضع بالثدي) قد اُخذت منها خليّة عزلت نواتها التي تحمل المعلومات الوراثية، وزُرعت تلك النواة في بيضة اُنثى في المختبرات بعد أن سحبت نواة البيضة التي تحمل المعلومات الوراثيّة.

ثمّ وضعت البيضة الملقّحة في رحم(النعجة) فتولّد جنين طبق الأصل عن صاحب الخليّة. وقد أحدث هذا الحدث ضجّة، وسبب الضجّة هو التخوّف من استخدام نفس التقنية لإنتاج بشر متشابهين في الشكل والمظهر حسب الطلب، وهذا هو الموضوع الذي كان يحلم به هتلر.

أقول: إذا كان لابدّ للعلم من التقدّم، ولابدّ للدين من أن يقول كلمته في كلّ مورد من الموارد العلميّة لقدرة الدين على مواجهة ومسايرة الحياة فإنّ هذه العمليّة في النعجة دولي ممكنة في الإنسان، فإذا تمكّن العلم من أخذ خليّة من الإنسان وعزل نواتها التي تحمل المعلومات الوراثيّة وزرع تلك النواة في بيضة امرأة في المختبرات، ثمّ وضعت في رحم امرأة فتولّد جنين طبق الأصل عن صاحب الخليّة فنسأل عن عدّة اُمور:

1 ـ هل يوجد حرمة شرعيّة لهذا العمل؟ يُرجى توضيح دليله مفصّلاً.

2 ـ وعلى كلّ تقدير فهل هذا الكائن الحيّ ولد شرعي؟

3 ـ مَن هو أبوه؟

4 ـ ومن هي اُمّه؟

5 ـ هل في هذا العمل خطر على البشريّة من الناحيّة الشرعيّة؟

6 ـ هل تُرشدون العلماء إلى التوقّف عن هذه العمليّات، أو ترشدونهم للاستمرار لتعرف عظمة الإسلام والقرآن الذي أخبر عن خلق الحيّ من نفس الحيّ(وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها)بدون بويضة كما هو الظاهر، أو من دون أب كما في خلق عيسى(عليه السلام)؟

الجواب: إنّ نفس عمليّة الاستنساخ البشري بعنوانها الأوّلي لو نجحت لا بأس بها إن لم تقارن محرّماً.

وأمّا مسألة الاُبوّة والاُمومة فمتعيّنة من باب أنّ الفهم العُرفي للأب هو صاحب الخليّة الجنسيّة والاُمّ هي صاحبة البيضة، وإن لم تكن الخليّة المأخوذة خليّةً جنسيّة لا يكون صاحب الخليّة حينئذ أباً عرفاً ـ لأنّ الأب عرفاً هو صاحب الخليّة الجنسيّة فحسب ـ والولد للاُمّ وليس له أب.

ولكن نفهم من الآية الشريفة في قوله: (وَمِنْ آياتِه اخْتِلافُ ألْسِنَتِكُم وَاَلْوانِكُم)، أنّ حكمة الله البالغة جرت على اختلاف الألسنة والألوان حفظاً للنظام، وبما أنّ هذا الاستنساخ يؤدّي حتماً إلى اختلال النظام لو طبقِّ بصورة شاملة وواسعة ـ لعدم معرفة البائع من المشتري، والمدّعي من المدّعى عليه ومن الشهود، وعدم معرفة الظالم من المظلوم، وأمثال هذه الاُمور في العقود والإيقاعات والجنايات وغيرها ـ فيلزم تحريم هذه العمليّة في صورتها الواسعة لهذا اللازم الباطل حتماً.

مسألة: إذا كانت النواة من خليّة جسديّة ذكريّة، والبويضة المسلوبة النواة من اُنثى، وحصل تلقيح ووضعا في رحم صاحبة البويضة فيقال هنا:

1 ـ هل صاحب النواة الذكريّة هو الأب وصاحبة الخليّة الاُنثويّة هي الاُمّ والولد شرعي إذا كان بين الذكر والاُنثى عقد زواج شرعي، حيث إنّ النسل هنا قد تولّد من فردين مختلفين وهما الزوجان؟

2 ـ إذا لم يكن عقد زواج بين الذكر والاُنثى فهل هذا الولد العرفي هو ولد شرعي؟ وهل يرث؟

3 ـ إذا كان الناتج قد اُخذت فيه الخلايا المانحة والمستقبلة من نفس المصدر، كأن تكون النواة من خليّة اُنثى باكرة(غير متزوّجة) والبيضة المسلوبة النواة من نفس هذه الاُنثى فهل هذا الولد شرعيّ وهي لا زوج لها؟ وهل يقال: إنّها ولدت نسختها، أو توأمها، أو ابنتها؟ وإذا كانت قد ولدت ابنتها فمن هو أبوه؟

4 ـ وما إذا لو كانت الخليّة المانحة من اُنثى والبيضة المستقبلة المنزوعة النواة من اُنثى غيرها فمن يكون الأب؟ ومن يكون الاُمّ هنا؟

الجواب: 1 و 2 ـ الولد للاُمّ وليس له أب، سواء كان بين الذكر والاُنثى عقد أوْ لا; وذلك لأنّ الاُمّ عرفاً هي صاحبة البويضة وهي الاُنثى في المقام، والأب عرفاً هو صاحب الخليّة الجنسيّة، ولا خليّة جنسيّة ذكريّة في المقام.

3 ـ صاحبة البويضة هي اُمّ الولد وليس له أب.

4 ـ اُمّ الولد هي صاحبة البويضة والاُخرى ليست اُمّاً; لما قلنا من أنّ الاُمّ عرفاً هي صاحبة البويضة.

مسألة: هل في الاستنساخ تحدٍّ لإنسانيّة الإنسان؟ من ناحية أنّ الإنسان في الإعقاب البشري الطبيعي يحتاج إلى والدين(مصدرين)، بينما لا يتطلّب استنساخ الخليّة البالغة سوى والد واحد (مصدر واحد)، فهل في هذا تأثير على الخصائص البشريّة الأساسيّة في مجال الاعتماد المتبادل والترابط؟

وهل يمكن القول بأنّ الفرد المستنسَخ له والدان أيضاً هما والدا من اُخذت منها الخليّة والبيضة؟

وإذا كان هذا صحيحاً فما هي نسبة هذا الفرد المستَنسَخ لصاحبة الخليّة والبيضة؟

الجواب: ليس في ذلك تأثير على الاعتماد المتبادل والترابط، عدا ما قلناه من أنّه ليس له أب والفرد المستنسَخ منه له دخل في تكوّن هذا الولد لكنّه ليس أباً له; لأنّ الأب هو صاحب الخليّة الجنسيّة، لا مطلق الخليّة الجسديّة.

مسألة: هل في الاستنساخ نسف لكرامة الإنسان التي عبّر عنها القرآن الكريم: (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَني آدَم)، وإذا أصبح الاستنساخ أمراً ممكناً فما هي الطرق التي نحافظ فيها على كرامة الإنسان وتعزيزها؟ وما المقصود بالكرامة هنا على وجه التحديد؟

الجواب: ليس في الاستنساخ ـ لو لا لزوم الهرج والمرج ـ نسف لكرامة الإنسان، فإنّ الكرامة ثبتت في القرآن لمطلق بني آدم، وهذا الولد من أولاد آدم ولو عن طريق اُمّه، والظاهر أنّ المقصود بالكرامة المعطاة لبني آدم من قِبل الله هي منحه ـ جلّ جلاله ـ إيّاهم للنفس الناطقة القابلة لصعود مدارج الكمال.

مسألة: هل سوف تتعرّض حقوق الإنسان للتهديد من إجراء الاستنساخ البشري؟ وهل ستنتهك وتهدّد الحقوق الأخلاقيّة؟

وإذا كان الجواب منفيّاً فهل ستضرّر مصالح الفرد أو المجتمع أو الإنسانيّة؟

الجواب: إذا كان الاستنساخ يؤدّي إلى الخلل في النظام بمثل عدم تشخيص الظالم من المظلوم والَمحْرَم من غير المحرم والوارث من غير الوارث وما إلى ذلك حرم الاستنساخ، وكان هذا هو معنى تعرّض حقوق الإنسان للتهديد، أو معنى تضرّر مصالح الفرد والمجتمع، أمّا الاستنساخ بشكل نادر والذي لا ينتهي إلى مفاسد من هذا القبيل فلا يحرم ولا مبرّر للمنع عنه.

مسألة: إذا منعنا الاستنساخ فهل نكون قد انتهكنا حقّ حريّة الإنجاب؟

الجواب: يأتي هنا نفس الجواب عن السؤال السابق.

مسألة: في الاستنساخ لم يُخلَق المولود من مادتين وراثيتين(من الزوج والزوجة) بل يُخلَق من مادّة وراثيّة واحدة، فالذكور هم نسخ الزوج، والإناث هم نسخ الزوجة من جهة التركيب الوراثي، فهل عدم الخلق إلاّ من مادّة وراثيّة واحدة يجعل الاُسرة غير مالكة لتسمية الأولاد بـ «أولادنا»، أو هم أولاد الاُسرة رغم أنّ الخلق كان من مادّة وراثيّة واحدة؟ وما هو الإشكال الشرعي في هذه العمليّة؟

الجواب: لو تمّ الاستنساخ حقّاً فالأولاد أولاد صاحبة البويضة فحسب، والإشكال الشرعي ليس إلاّ ما مضت الإشارة إليه من لزوم الهرج والمرج.

مسألة: إذا أخذنا خليّة من جسد زيد ووضعت في بويضة زوجته مسلوبة النواة، وعولجت بقصد إصدار نسخة وراثيّة طبق الأصل لصاحب الخليّة الجسديّة، ولكن حفظت في التبريد العميق لانتظار الوقت المناسب لوضعها في رحم الزوجة، ولكن مات الزوج، وبعد موته زرعت اللقيحة في رحم الزوجة وولدت ولداً بعد موت أبيه بسنة ونصف ـ مثلاً ـ، فهل يستحقّ هذا الولد الذي يشبه الأب تماماً إرثاً من أبيه؟

ونفس هذا المثال إذا اتفق أن مات الأب والاُمّ معاً، ثمّ وضعنا اللقيحة التي منهما في رحم حاضن أو مستأجَر فهل يستحقّ هذا المولود إرثاً من أبيه واُمّه؟ وما هي علاقته بالرحم المستأجَر؟

الجواب: لو تمّت الاُبوّة أو الاُمومة لم يثبت بذلك الإرث; لأنّ الأموال انتقلت سابقاً إلى ورثة آخرين ولم تبقَ في ملك الميّت كي يرثها هذا الوارث، على أنّنا قلنا: إنّ الاُبوّة لا تتمّ.

مسألة: إذا وجد إنسان مستنسَخ ولكنّ نُسَخاً باكرةً منه محفوظة في التبريد العميق، معروضة للبيع متى شاءت النساء أن يشترينها إذا كنّ يرغبن في طفل، وحينئذ تبقى المرأة تنتظر أن ترى النسخة كيف هي؟ فإذا أعجبتها ذهبت لشراء نسختها المحفوظة في التبريد، فما هي نسبة النسخة الاُولى للثانية والثالثة والرابعة؟ وهل ترث من صاحب النواة والبيضة منزوعة النواة؟

وإذا كان الإرث قد قسّم سابقاً فهل له الحقّ في الرجوع عليهم أو على ورثتهم إذا كانوا ميّتين؟

الجواب: لا نسبة بين النُسخ إلاّ لدى اشتراك الاُمّ أعني صاحبة البويضة، فعندئذ تتمّ الاُخوّة فيما بينهم، ولا يتمّ الإرث للأموال التي انتقلت قبل ذلك إلى الورثة.

مسألة: إذا وُجِدَت نسخةٌ للإنسان في سنّ السبعين ونسخته حينما تبلغ العاشرة من العمر سيكون هو في سنّ الثمانين، فإذا مرض بمرض السرطان الناجم عن الوراثة وعلم الأطباء أنّ الصغير سيكون مصيره ذلك فهل يجوز لهم أن يجروا عملية جراحيّة للصغير ـ كأن يزيلوا العضو المماثل الذي ابتلي بالسرطان ـ بدون إذنه وبدون مرض حالي؟

الجواب: إنّما يجوز ذلك بإذنه إن كان بالغاً عاقلاً، أو بإذن وليّه إن كان صغيراً أو غير عاقل.

مسألة: إنّ بقاء النوع في صور الحياة الراقية ومنها الثدييّات (حيوان أو إنسان) يعتمد على التكاثر التزاوجي بين الذكر والاُنثى، وقد ثبت أنّ الجينات الوراثيّة عرضة لحدوث ما يسمّيه علم الوراثة «طفرات» يتحوّل معها الجين السوي إلى جين مريض.

وللتخلّص من هذه الجينات المرضيّة تُجرى عمليّة للخليّة الجنسية (البويضة أو المني) حيث تطرد نصف حصيلتها الإرثيّة، فإذا التحم النصفان الذكري والاُنثوي تكوّنت خليّة كاملة(وهي البيضة الملقّحة التي هي أوّل مراحل الجنين) كما هي سائر خلايا الجسم.

وحينئذ إن بقيت جينات مرضيّة في النصف الذي لقّح فلعلّ النصف الآخر القادم من الزوج الآخر يغلبها ويكبحها عن إحداث المرض.

أمّا كيف تطرد الخليّة الجنسيّة نصف حصيلتها الإرثيّة؟ ومتى؟

الجواب: عندما تكون الخليّة الجنسيّة مخصّبة(قابلة للتلقيح).

هذا كلّه في التكاثر التزاوجي.

أمّا إذا كان التكاثر لا تزاوجيّاً فستبقى الجينات المرضيّة الحاصلة من الطفرات على حالها من دون طرد لبعضها، فإن تمّ صنع نسخة عن نسخة عن نسخة لأجيال عديدة فستتراكم الجينات المرضيّة مع حدوث طفرات جديدة حتّى تصاب الأجنّة بالتشوّهات الخلقيّة أو الموت، فهل هذا الاعتبار يكفي لمصادرة الموضوع من أساسه ونمنع الاستنساخ من أساسه؟

أو هل يُشرع الاستنساخ من الأصل فقط ولا نسمح بالاسنتساخ عن الاستنساخ الذي يسمّى بالاستنساخ العمودي؟

الجواب: كلّ مرتبة من الاستنساخ تشتمل على الأضرار من قبيل إصابة الأجنّة بالتشوّهات الخلقيّة تكون محرّمة.

مسألة: نودّ أن نعرض لكم طريقة لإنجاب التوائم التي تسمّى «استتآم»، لنرى رأي الشريعة الإسلاميّة فيها، وخلاصة طريقة الاستتآم:

هي عبارة عن إعادة الجدار الخلوي الذي تمزّق عند انقسام اللقيحة(الخليّة) إلى خليتين لتكون الخليّتان كلاهما خليّة اُمّاً.

وتوضيح ذلك: أنّ البيضة الناضجة إذا اخترقها منوي ناضج تكون بداية نشوء انسان،وتبدأ هذه الخليّة(اللقيحة) بالانقسام إلى خليتين، ثمّ إلى أربع، ثمّ إلى ثمان، ثمّ إلى ستة عشرة، ثمّ إلى اثنتين وثلاثين، وبعد ذلك يحدث الشروع في التخصّص لتكوين أنسجة وأعضاء للجنين.

وبما أنّ الانقسام الأوّل للخليّة (الاُمّ) إلى خليتين يحتوي على تمزّق الجدار الخلوي السميك للخليّة فيكون عندنا خليّة اُمّ واحدة أصليّة تمّ انقسامها لتكوين جنين واحد.

ولكنّ العلماء كشفوا أنّ الانقسام الأوّل إذا لم يمزّق الجدار السميك للخليّة فإنّ كلاًّ من الخليتين الناتجتين عن الانقسام الأوّل تعتبر نفسها اُمّاً أصليّة من جديد، وتشرع في الانقسام لتكوين جنين جديد لوحدها، وهذا ما يحدث في حالات التوائم الطبيعيّة المتشابهة.

وبما أنّ العلماء استطاعوا أن يركّبوا من بعض الحشائش البحريّة مادّة صناعية تؤدّي وظيفة هذا الجدار الخلوي السميك فيما إذا تمزّق بعد الانقسام الأوّل، فاذا كُسيت به كلّ خليّة من خلايا الجيل الأول(الاثنتين) والثاني(الأربع) أو حتّى الثالث والرابع فإنّ كلّ خليّة كُسي جدارُها تعتبر نفسها اُمّاً أصليّةً وتشرع في النموِّ إلى جنين، وحينئذ تكون تلك التوائم متطابقة في مادّتها الوراثيّة فهي كالنُسخ المتشابهة تماماً.

وفعلاً استطاع بعض العلماء الحصول من سبعة عشر جنيناً باكراً على ثمانية وأربعين جنيناً.

والسؤال المطروح هو:

إذا تمكّن العلماء من زرع هذه التوائم المتشابهة المنتسبة إلى بيضة واحدة ملقّحة في أرحام النساء فقد تنجح هذه العمليّة بإيجاد(8) أو (16) أو (32) فرداً توأماً، فإنّ هذا عبارة عن استنساخ الأجنّة البشريّة.

وقد تكون فائدته المهمّة هو الإسهام في علاج حالات العقم المبيضي الذي لا ينتج إلاّ بيضة واحدة عند تنشيطه بالأدوية.

فإذا لُقّحت البيضة واُرجعت إلى الرحم فإنّ فرصة الحمل تهبط هبوطاً كبيراً، فيكون من الأفضل أن نفصل البيضة الملقّحة عند بواكير انقسامها على خليتين كلّ واحدة تكون جنيناً لوحدها، ونفصل هاتين الخليتين(الجنينين) عند انقسامهما الى أربع خلايا لتكون كلّ واحدة جنيناً لوحدها، وهكذا لنودع في الرحم ثلاثة أو أربعة من هذه الأجنّة ويُودَع الباقي في التبريد العميق ليكون رصيداً احتياطيّاً يستعمل مرّة قادمة إذا لم تسفر الزرعة الاُولى عن حمل.

ولكنّ الإشكال على علاج حالة العقم يتمركز على إيجاد أجنة فائضة ليس أمامها الاّ طريقين:

الأوّل: الموت فيما إذا غرست الأجنّة الاُولى وتمّت إلى جنين.

الثاني: أن تزرع في أرحام سيدات اُخريات.

وعلى الأوّل: ينتج إنشاء حياة أسلماها إلى الموت.

وعلى الثاني: ينتج أن تحمل المرأة الأجنبيّة جنيناً غريباً ليس من زوجها ولا منها، وليس هو في نطاق عقد زواج.

وخلاصة الأسئلة المطروحة هنا هي:

1 ـ هل يجوز عمل أجنة متعددة من لقيحة واحدة بالصورة المتقدمة، حتّى إذا كانت تلك الأجنّة قد وصلت الى (32) جنيناً متشابهاً؟

الجواب: تقسيم اللقيحة إلى عدّة أجنّة جائز بشرطين:

الأوّل ـ أن لا تكون في ذلك مخاطرة على حياة الجنين أو حياة ما سيُكسى جلداً ليصبح منشأً لطفل جديد، أو على صحّتهما.

والثاني: أن لا يستعمل ذلك بشكل يؤدّي إلى اختلال النظام، كما لو وزّعت اللقيحة إلى عدّة أجنّة واستعملت في وقت واحد ضمن عدّة أرحام فأوجب ذلك عدم تشخيص الظالم من المظلوم والَمحْرم من غير الَمحْرم، وما إلى ذلك من المشاكل التي اُشير إليها في مسألة الاستنساخ، فمع انتفاء هذين المحذورين لا دليل على الحرمة.

2 ـ إذا حفظت بعض الأجنّة في التبريد فهل يجوز قتلها في المستقبل إذا لم تحتج إليها الاُمّ في صورة نجاح الزرعة التي وضعت في رحمها؟

الجواب: ما يُحفظ في التبريد يجب أن يحفظ بلا جدار كي يجوز قتله بعد ذلك، إذ بعد صنع الجدار له يكون حاله احتياطاً حال الجنين الأصلي الذي يحرم قتله، أمّا قبل صنع الجدار له فحاله حال المنيّ الذي يجوز إهداره بمثل العزل في وقت المقاربة، أو قل: حال إسقاط منشأ النطفة قبل انعقاد النطفة.

3 ـ هل يجوز إعطاء الأجنّة المبرّدة إلى سيّدة اُخرى لوضعها في رحمها أو بيعها لها؟ ومن هو الأب والاُمّ في هذه الحالة لو حصلت؟

الجواب: لا دليل على حرمة ذلك بعد سقوط اسم المنيِّ عن النطفة; لأنّ إدخال ذلك في رحم امرأة لا يعني إدخال المنيّ في رحم امرأة محرَّمة كي يشمله دليل حرمة ذلك، وأبوه هو الذي ولده أي صاحب المني، واُمّه هي التي ولدته أي صاحبة البويضة، وأمّا التي تضع رحمها بخدمة هذا الجنين فهي الاُمّ الحاضن وليست اُمّاً حقيقية، نعم لا يبعد الإفتاء بمَحْرَميّتها له بالأولوية القطعية من الاُمّ المرضعة.

4 ـ هل يجوز أن يستفاد من الأجنّة المبرّدة لزرعها في رحم الاُمّ لأجل الاستفادة من الأعضاء التي يتمكّن الطفل الجديد من الحياة بدونها في حالة إعطائها إلى أخيه أو إلى أيّ كائن آخر محتاج إليها؟

الجواب: إن كانت هذه الاستفادة لا تؤدّي الى موت الجنين الثاني أو الإضرار به جازت، وإلاّ فلا.

5 ـ هل يوجد مانع في إيجاد جنينين توأمين يفصل بين عمريهما سنوات، فيرى الصغير مستقبله فيما يعرض لتوأمه من أمراض وراثيّة يعلم أنّها له بالمرصاد؟

الجواب: لا دليل على حرمة ذلك.

مسألة: بعد كثير من التجارب العلميّة واستخدام أحدث التقنيات اكتشفت طريقة جديدة لإنتاج الكائنات الحيّة، فقد أعلن العلماء أنّ من الممكن تطبيقها على الإنسان ـ بعد نجاح عملياتها على الحيوان والنبات ـ وقد سُمّيت هذه العمليّة بالاستنساخ، ويتمّ بأخذ بويضة اُنثويّة، وبعد تفريغ البيوضة من نواتها تؤخذ خليّة جسم عادية وتؤخذ منها نواتها، ثمّ تُزرق نواة الخليّة العاديّة داخل البويضة المفرّغة، وبتأثير شرارة كهربائيّة تبدأ بالانقسام مكوّنة كائناً جديداً، ثمّ توضع البويضة ـ بعد تبديل نواتها ـ داخل رحم الاُنثى لتبدأ مسيرتها فيه كجنين.

ومن سمات الكائن الجديد كونه مطابقاً للكائن صاحب الخليّة، وأنّه لا يحتاج لذكر واُنثى لتكوينه، ولا يحتاج إلاّ إلى الاُنثى فقط ممّا يؤدّي لأن تكون عمليّات تكوين الإنسان خارج نطاق الاُسرة.

وسمّيت هذه العمليّة بالاستنساخ; لأنّه لا يمكن تمييز الكائن الجديد عن القديم إطلاقاً، ويقال: إنّ هذه العمليّة ستسبب مشاكل أخلاقيّة كبيرة، إذ من الممكن أن يستخدمها المجرمون للهروب من العدالة، كأن تكون هناك نسختان متطابقتان تماماً تقوم إحداهما بجريمة ولا يمكن معرفة الفاعل الحقيقي. وقد تمّ فعلاً إنتاج نعجة وفق هذه الطريقة بعد محاولات كثيرة فاشلة.

فما هو موقف الشرع المقدّس من خلال هذه الأسئلة التي نعرضها على سماحتكم:

أوّلاً: جواز أصل العمليّة أو عدمه شرعاً لو تمّ خلق إنسان بهذه الطريقة؟

الجواب: جوازها وعدم جوازها يدور مدار ترتّب المفاسد المشار إليها وعدمها، فإنّ عمليّة الاستنساخ بطبعها لا دليل على حرمتها، وإنّما منشأ الحرمة تلك المفاسد.

ثانياً: إذا كان مَن خُلق بهذه الطريقة إنساناً فما هو نسبته للشخص الذي انتزعت منه الخليّة امرأة كان أو رجلاً؟:

أ ـ هل هو بمنزلة الابن بالنظر إلى أنّ أصل خلقه هو الخليّة المأخوذة عنه بدلاً من الحويمن أو البويضة في التوليد الاعتيادي؟

ب ـ أو بمنزلة الأخ نظراً إلى انتسابه بايولوجياً ووراثياً لخليّة كان ما فيها من مورّثات هو حاصل جمع حويمن وبويضة والديّ صاحب الخليّة؟

ج ـ أو هو أجنبي شرعاً؟ وكيف نصنع بالانتساب البايولوجي والوراثي لصاحب الخليّة، أعني أنّه من هذه الناحية علميّاً يعتبر قرابة له شأنه شأن المخلوق بالطريقة الاعتياديّة؟

الجواب: انتزاع الخليّة الجسديّة لا يخلق نسبة للطفل مع الشخص الذي انتزعت منه، فلو كانت الخليّة من الذكر لم يصبح صاحب الخليّة أباً له، وإنّما الذي يوجب صدق الاُبوّة عبارة عن الخليّة الجنسيّة، لا الخليّة الجسديّة العاديّة.

ثالثاً: ما هو حكمه من حيث تبعيّته الدينيّة أثناء الطفولة، هل يعتبر مسلماً أو كافراً، أو يكون نسبته طبقاً لدين صاحب الخليّة؟

الجواب: لا يتبع صاحب الخليّة الجسديّة العاديّة، فإن قلنا بالتبعيّة فإنّما يتبع الاُمّ.

رابعاً: ما حكمه من حيث النسب:

أ ـ فيما يتّصل بالعاقلة أو ولاء ضامن الجريرة؟

ب ـ هل يعتبر هاشميّاً لو اُخذت الخليّة من هاشميٍّ حتّى مع الحكم بعدم بنوّته أو اُخوّته لصاحب الخليّة؟

الجواب: اتّضح جوابه من الجواب عن السؤال الثاني.

خامساً: هل هناك حقوق تترتّب شرعاً بينه وبين صاحب الخليّة؟

الجواب: اتّضح جوابه من الجواب عن السؤال الثاني.

سادساً: لو اُعتبر بمنزلة الأجنبي فما هو حكمه من حيث جواز زواجه ممّن لو كان ابناً أو أخاً لصاحب الخليّة لكان من المحرّمات بالنسبة له؟

الجواب: اتّضح جوابه العلمي من الجواب عن السؤال الثاني، ولكن لا يترك الاحتياط عملاً.

سابعاً: ما هو حكم الحيوان المخلوق بهذه الطريقة من حيث عائديّته أو ملكيّته، هل يعود لمالك الحيوان الذي انتزعت منه البويضة أو الخليّة، أو هو للقائم بعمليّة التخليق؟

الجواب: إن كان القائم بهذه العمليّة قد اشترى البويضة والخليّة من صاحب الحيوانين فهو المالك للحيوان، وإلاّ فمالك الحيوان هو صاحب الحيوانين اللذين اُخذ منهما البويضة والخليّة بالاشتراك.

ثامناً: ما هو حكم لحم ولبن الحيوان الذي استنسخ بهذه الطريقة من حيوانين، احدهما غير مأكول اللحم؟ وما هو حكم الدم المتخلّف من هذا الحيوان لو ذُكّي؟

الجواب: حكمهما حكم لحم ولبن الحيوان الذي يصدق عرفاً اسمه على هذا المخلوق.