للمغتربين

المكتبة الصوتية

المؤلفات

الصفحة الرئيسية

 

دراسات

الارهاب أو المحاربة أو الإفساد

آية الله العظمى السيد كاظم الحسيني الحائري

إن مصطلح الإرهاب بالمعنى الذي راج استعماله في هذه الأيام مصطلح غربي ولم نره في المصطلحات القرآنية.

نعم ورد الإرهاب في تعبير القرآن بمعنى إخافة عدوّ الله والذي هو أمر حسن. قال الله تعالى: (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم)(1).

وورد أيضاً في القرآن بمعنى إخافة الناس في مورد السحر. قال الله تعالى: (فلمّا ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم)(2).

أما ما يقارب المفهوم الغربي فهو ما سمّي في القرآن بمحاربة الله ورسوله وسمّي أيضاً بالفساد في الأرض. قال الله تعالى : (إنّما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقـتـّـلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض ذلك لهم خزيٌ في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم * إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا انّ الله غفور رحيم)(3).

فترى القرآن قد وضع عدّة حدود ـ بالمصطلح الفقهي لدى المسلمين ــ على من يمارس هذا العمل ، وخيّر الإمام في تعيين أيّ حدّ شاء من الحدود الأربعة المفروضة في هذه الآية الشريفة.

ولم يكن التخيير بمعنى إرجاع الأمر الى مجرّد الاشتهاء النفسي لوليّ الأمر، بل بمعنى تعيين ما تقتضيه المصلحة الاجتماعية بما يناسب جرم المحارب.

فقد روى بريد بن معاوية في سند صحيح قال: (سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قول الله عزّوجل: ) إنّما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله( قال: ذلك الى الإمام يفعل ما يشاء، قلت: فمفوّض ذلك إليه؟ قال: لا ولكن نحو الجناية) (4).

ومما يجلب النظر أن هذا الحكم الذي هو من أشدّ أحكام الإسلام وأصعبها على الجاني لم يكن تشفّياً من الجاني ولم يكن دين الإسلام دين عنف أو تعسّف كما يحاول أعداؤه أن يتّهموه بذلك، بل كان رحمةً ورأفة بالعباد كي ينجيهم من أيدي الإرهابيين والمحاربين، والشاهد على ذلك ذيل الآية المباركة نفسها والتي أمرت بقبول توبة المحارب نفسه لو تاب قبل أن يقدر المجتمع الإسلامي عليه، أو قل قبل أن يقبض عليه من قبل وليّ الأمر.

ذلك أن توبة المجرم من بعد ما يقع تحت قبضة المجازاة هي توبة كاذبة ومكر يمكره للهروب من العدل. أما الذي يتوب قبل ذلك فتوبته تعني العود الى حضيرة العدل والرجوع الى الخير والصلاح وتحوّلـه الحقيقي في قرارات نفسه الى الهدى، فالقرآن يحاول أن لا يخسر المجتمع حتى هذا المجرم الذي عاد الى رشده، ولو كانت المسألة مسألة التشفّي لما كان هناك معنى لقبول توبته.

نعم توبته لا تسقط حق القصاص عنه من قبل أولياء الدم وإنما تسقط حدّ المحارب عنه.

وفي فقه الإسلام لونان من الجزاء على هذا المحارب :

أولاً: الجزاء الشخصي الثابت عليه لصالح أولياء الدم أو أصحاب المال المهدور وما الى ذلك.

وثانياً: الحدّ الشرعي وهو أحد الجزاءآت الأربعة الواردة في الآية المباركة.

وقد تسمّى الثلاثة الأولى منها في عرفنا الفقهي بالحدّ أما الرابع وهو النفي من الأرض فهو أيضاً جزاء في مقابل تلك الثلاثة ولو لم يسمّ حدّاً.

وقد فرّق الإسلام بين هذين اللونين من الجزاء فالجزاء الشخصي الراجع الى وليّ الدم أو صاحب المال لا يسقط بتوبة الجاني، فحتى لو تاب وآمن وعمل صالحاً يكون لصاحب الحق أن يأخذ حقّه منه من قصاص أو ضمان أو ما الى ذلك.

وإنما يسقط هذا الجزاء بإسقاط ذي الحقّ ، والحدّ الشرعي لا يسقط بالعفو من قبل أحد ولا تؤخذ الديّة بدلاً عن القتل، ولكن تسقط بالتوبة بشرط أن تكون التوبة ناتجة من التحوّل النفسي في الجاني وقبل أن يقع تحت قبضة العدل.

فقد ورد في الحديث بسند صحيح عن محمد بن مسلم: قال أبو عبيدة للإمام الباقر عليه السلام: (أرأيت إن عفا عنه أولياء المقتول؟ قال : فقال أبو جعفر عليه السلام: إن عفوا عنه كان على الإمام أن يقتله لأنه قد حارب وقتل وسرق قال: فقال أبو عبيدة: أرأيت إن أراد أولياء المقتول أن يأخذوا منه الدية ويدعونه ألهم ذلك؟ قال: لا، عليه القتل)(5).

هذه هي المحاربة وهذا هو الإرهاب وهذا هو العلاج من وجهة نظر الوحي الإلهي والكتاب السماوي الوحيد الذي بقي بلا تحريف، ونصوص أئمّة أهل البيت عليهم السلام.

والآن هلّم معي كي نلقي نظرة الى التطبيق المقلوب لفكرة الإرهاب من قبل الاستكبار العالمي وإنه لتطبيق مفضوح، وكذب واضح وهذا هو الفارق بين المدرسة الربّانية والمدرسة الاستكبارية وكأنّ الله تعالى شاء في هذه الأيام أن تنكشف حقيقة الاستكبار للعالم أجمع وحتى لكثير من أممهم في بلادهم.

فالاستكبار العالمي الذي أوجد الكيان الصهيوني في جسد الأمتين العربية والاسلامية مغتصباً أرض فلسطين وبعضاً من أراضي سوريا ولبنان، ومرتكباً لأبشع الجرائم بحق السكان الأصليين والتي تصل الى حد الإبادة ومصادرة الأراضي والأموال، كل ذلك لا يسمّى إرهاباً من وجهة نظره ــ أي الاستكبار العالمي ــ، ولكنه وبعد أحداث التفجيرات في نيويورك وواشطن ، صار ينعت الإسلام بأنه إرهابي والحركات الإسلامية بأنها إرهابية وهما بريئان من هذه التهمة الأمريكية / الاستكبارية، والتي صار في ضوئها تُعد العدّة لمحاربة كل ما هو إسلامي تحت عنوان (مكافحة الارهاب) . حقاً انــّها مهزلة أن تمارس أمريكا كل أنواع الإرهاب الدولي باسم مكافحة الإرهاب!

ومن أبرز مصاديق الإرهاب الدولي الاستكباري ضد العالم الإسلامي:

أولاً: الإرهاب ضد أفغانستان، اذ قد قامت امريكا بالمقتلة العظيمة في أفغانستان تحت عنوان محاربة بن لادن والقاعدة باتّهام لم يعرف حتى الآن صدقه من كذبه، ولم تقدّم امريكا دليلاً واحداً على ما ادّعته، ولئن كانت محقّة في دعواها لم يكن هناك مجوّز لقتل المئات من المسلمين غير المذنبين في أفغانستان ولا لهدم ديارهم ومحق آثارهم.

ثانيا: إبادة الفلسطينيين على يد الحكومة الاسرائيلية والتي لازالت مشغولة بهذا العمل القذر وهذا الاجرام البيّن الواضح، ممّا أثار شعوب العالم أجمع سواء الشعوب العربية أو الشعوب المسلمة بل والشعوب الكافرة وجميع القوميات والمذاهب، بل وحتى اليهود الساكنون في (اسرائيل) وسمّت كل هذا بالدفاع عن المظلوم وسمّت المنفّذ العملي حالياً لذلك وهو شارون بداعية الصلح.

إنه يجب على المسلمين جميعاً دعم اخوانهم الفلسطينيين وتأييدهم مالاً وسلاحاً وروحية كي يقاوموا الأعداء، والدليل على هذا الوجوب أمور عديدة:

1 ــ لابد من تكاتف المسلمين على اختلاف مذاهبهم وقومياتهم في مقابل الكفر العاتي والمستكبر الطاغي، ومن أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم.

2 ــ لقد بدأ الفلسطينيون يشعرون بضرورة التزام منطق الإمام الحسين (عليه السلام) وهو منطق انتصار الدم على السيف، إذ عمل الحسين (عليه السلام) بهذا المبدأ في يوم عاشوراء فقدّم حتى طفله الرضيع في سبيل القضاء على حكومة بني اُميّة فنجح في ذلك رغم قلّة الناصر وضآلة العدد المشترك معه، في مقابل سيل العدوّ، ولقد صرّح الفلسطينيون أخيراً بلزوم اتّباع هذا المبدأ وبأنّ هذا يعني متابعتهم نهج الحسين (عليه السلام) في سلوك طريق الشهادة.

ومن هنا قرّروا تنفيذ العمليات الاستشهادية، وهذا منهج جديد وفريد من نوعه لا يقاومه السلاح والعتاد مهما كان طاغياً ، وعلى هذا الأساس حارت الحكومة الاسرائيلية والحكومة الامريكية في طريق مكافحة هذا النهج الاستشهادي، وقد أدّت الأمور الى فضائح واضحة لهما. أسأل الله تعالى أن ينصر الشعب الفلسطيني على الأعداء.

3 ــ إن خطّة امريكا لهي خطّة شاملة لإذلال جميع المسلمين، فيجب أن نتّفق ونقول ما قاله الحسين (عليه السلام): (هيهات منّا الذلّة).

إنّ أساس جميع الأسلحة التي يقاتلنا بها الإستكبار لهو النفط، وقد جعل الله تعالى أكثره في بلاد المسلمين والعرب، وهذا يعني أنهم في الحقيقة يأخذون السلاح من عندنا ويشهرونه بوجوهنا.

وعليه فأوّل خطوة يجب أن نخطوها لحلّ الأزمة هو قطع النفط عنهم، وأن يجمع المسلمون والعرب جميعاً على ذلك، فهذا هو الذي سيزيل الإرهاب ويقطع دابر الاستكبار.

ثالثاً: إن ما يبدو من ظواهر الأمور بالنسبة للعراق، وهي خطّة ضربه بدعوى إزاحة صدام الذي هو عميل للاستكبار العالمي، خدمهم ردحاً من الزمن فبدد ثروات العراق وخيراته وقتل أبناءه وعلماءه بما في ذلك القائدان العظيمان الشهيدان الصدران ــ رضوان الله عليهما ــ .

فلو صحّ أن اقتضت مصلحة الاستكبار في الوقت الحاضر تبديل هذا المجرم فهذا لا يعني أن الاستكبار بدأ يفكر في مصلحة العراق، ولا يُعلَم أنّ الغزو الامريكي ماذا سيحدث من فجائع ضد الأمّة الإسلامية في العراق .

وعلى أية حال فالخطوات الواجب اتّباعها في القضية العراقية على تقدير حصول غزو من هذا القبيل ما يلي:

أولاً: يَحرم الاشتراك في الحرب الى جانب امريكا والى جانب صدام سواءاً بسواء فكلتا الرايتين راية كفر ونفاق.

ثانياً: يجب العمل بجدّ في سبيل تحكيم الاسلام على أرض العراق والاستمرار على العمل لصالح المسلمين جميعاً على اختلاف قومياتهم ومذاهبهم سواءاً الأكثرية منهم أو الاقليات، فإن العدو يدخل عن طريق التفريق والتشتيت عملاً بقاعدة (فرّق تسد)، فلابد من حفظ وحدة الكلمة والتكاتف على العمل الاسلامي لحين انتصار الاسلام في العراق.

فلا سكوت ولا خنوع ولا قبول بالذلّ والاسلام يعلو ولا يعلى عليه (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين * إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحبّ الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) (6) صدق الله العليّ العظيم.


(1)  الانفال: 6 .

(2)  الأعراف: 116.

(3)  المائدة: 23 ــ 34 .

(4)  الوسائل، كتاب الحدود، الباب الأول، الحديث الثاني .

(5)  الوسائل، المصدر نفسه، الحديث الأول .

(6)  آل عمران: 139 ــ 141.